الاستثناء المتصل
الاستثناء المتصل هو ما كان فيه المستثنى من جنس المستثنى منه.
واتصال الاستثناء يقع في الاستثناء التام الموجب، والاستثناء التامّ المنفي، والاستثناء الناقص.
1: فأما الاستثناء التام الموجب المتصل فمثاله: قام القوم إلا زيداً، ويجب فيه نصب المستثنى كما تقدّم بيانه.
ومن مواضع وروده في القرآن الكريم:
أ: قول الله تعالى: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} وذلك أنهم كانوا يعبدون الله ويشركون به؛ فاستثنوا مما يعبدون "الله" وحده فلم يعتزلوا عبادته، بل أفردوه بالعبادة.
ب: وقوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ}.
ج: وقوله تعالى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ}.
د: وقوله تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ}.
هـ: وقوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ}.
و: وقوله تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ}.
ز: وقوله تعالى: {أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ}.
2: الاستثناء التام المنفي المتصل
ويجوز فيه الوجهان: النصب على الاستثناء، والإتباع كما تقدّم شرحه.
تقول: ما جاء أحدٌ إلا زيداً؛ فتنصب "زيداً" على الاستثناء، وتقول: إلا زيدٌ؛ فترفعه على الإتباع بأن تجعل زيداً بدلاً من "أحد"؛ فكأنّك قلت: ما جاء إلا زيد.
وإذا كان الإتباع يوجب النصب كما في قولك: "هل ضربت أحداً إلا زيداً" فلك أن تحمل النصب على الاستثناء، ولك أن تحمله على البدلية من "أحد".
والإتباع أكثر وأشهر في لسان العرب ما لم يتقدّم المستثنى على المستثنى منه؛ فيكون النصب على الاستثناء هو الأولى.
وأكثر ما ورد في القرآن الإتباع، وورد النصب على الاستثناء في بعض القراءات.
أ: قال الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ}.
- قرأ جمهور القراء بالرفع على الإتباع {إلا قليلٌ منهم}.
- وقرأ ابن عامر بالنصب على الاستثناء [ إلا قليلاً منهم ].
ب: وقال تعالى: {لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ}.
الاستثناء متصل على الأرجح، والنصب على الإتباع بدلاً من {طريقاً}.
وما تقدّم كلّه في حال كون المستثنى منه متقدماً في الذكر على المستثنى؛ أما إذا تقدّم المستثنى على المستثنى منه؛ فالأفصح نصب المستثنى، وهو أكثر استعمال العرب، قال السِّيدُ الحميري: "وما لي إلا مذهبَ الحقّ مذهبُ" فنصب "مذهب" على الاستثناء.
وقد سُمع الإتباع كما في قول حسان بن ثابت رضي الله عنه:
فإنهمُ يرجون منه شفاعة ... إذا لم يكن إلا النبيون شافعُ
وهذا على إبدال المستثنى من المستثنى منه.
ولم أقف على موضع في القرآن الكريم فيه تقديم المستثنى على المستثنى منه إلا ما ذكره بعض المفسرين في قول الله تعالى: {وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ}.
فتقدير الكلام على تقديم المستثنى: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يُؤتى أحد مثل ما أوتيتم.
وجملة {قل إن الهدى هدى الله} معترضة.
ويكون التقدير على تأخير المستثنى: ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم.
أي: لا تقبلوا دعوى النبوة إلا ممن تبع دينكم.
- قال العكبري: (وهذا الوجه بعيد؛ لأن فيه تقديم المستثنى على المستثنى منه، وعلى العامل فيه، وتقديم "ما" في صلة "أن" عليها).
وفي آيات كثيرة يحتمل المستثنى أن يكون منصوباً على الاستثناء، وأن يكون تابعاً للمستثنى منه، وذلك في المستثنى الذي لا تظهر عليه حركة الإعراب.
3: الاستثناء الناقص المتصل
والإتباع فيه واجب، وهو الاستثناء الذي يمكن تقدير المستثنى منه المحذوف، ويكون الاستثناء متصلاً، كما يقال: لا تصحب إلا تقياً، والتقدير: لا تصحب أحداً إلا تقياً.
ومن أمثلته في القرآن الكريم:
أ: قول الله تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ}.
وهو استثناء مفرّغ من جميع الأحوال.
ب: وقوله تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ}.
التقدير: لن يؤمن أحدٌ من قومك إلا من قد آمن.
ج: وقوله تعالى: {وهل نجازي إلا الكفور}.
التقدير: وهل نجازي أحداً إلا الكفور.