تفسير قول الله تعالى: {والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد}
معنى مكر السيئات
قوله تعالى: {يمكرون السيئات} اختصار بديع يجمع ثلاثة معانٍ: الأقوال السيئة، والأعمال السيئة، والمكر فيهما.
فلفظ "السيئات" صفة لموصوف محذوف، يُقدّر بما يقابله في الجملة السابقة؛ فالأقوال السيئة تقابل الكلم الطيب، والأعمال السيئة تقابل العمل الصالح، واختير لفظ "يمكرون" لأنهم يُظهرون مقاصد يستحسنها الناس ليتوصلوا بها إلى أطماع لهم فيها عزّة متوَهَّمة؛ فأمرهم قائمٌ على المكر السيء، ووعودهم كلها غرور.
- قال ابن عطية: (وقوله تعالى: {يمكرون السيئات} إما أنه عدّى {يمكرون} لما أحله محل "يكسبون"، وإما أنه حذف المفعول وأقام صفته مقامه، وتقديره: يمكرون المكرات السيئات).
والأقوال المروية عن السلف فيها تقريب للمعنى:
- قال يزيد بن زريع: حدّثني سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {والّذين يمكرون السّيّئات} (أي: يعملون السّيّئات {لهم عذابٌ شديدٌ}). رواه ابن جرير.
- وقال سفيان بن عيينة: (المكر: العمل). رواه سعيد بن منصور.
- وقال يحيى بن سلام البصري: ({والّذين يمكرون السّيّئات} يعملون السّيّئات).
- وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: ({ يمكرون السّيّئات}: يكسبون ويجترحون).
- وقال ابن جرير: (وقوله: {والّذين يمكرون السّيّئات} يقول تعالى ذكره: والّذين يكسبون السّيّئات ويعملون بها).
- وقال ابن عطية: (و{يمكرون} معناه: يتخابثون ويخدعون وهم يظهرون أنهم لا يفعلون).
المراد بالذين يمكرون السيئات
في المراد بالذين يمكرون السيئات أقول للمفسرين:
القول الأول: هم أهل الرياء، وهو قول مجاهد، وشهر بن حوشب، وهو تفسير بالمثال؛ فالمراؤون يُرون الناس أنهم يعملون لله تعالى وهم إنما يريدون مقاصد دنيوية بأعمالهم؛ وهو مثال جليّ على المكر بالأعمال.
- قال ابن المبارك: أخبرنا أبو سنان الشيباني أنه بلغه عن مجاهد، في قوله: {والذين يمكرون السيئات لهم عذابٌ شديدٌ ومكر أولئك هو يبور} قال: الرياء)
- وقال سعيد بن منصور: حدّثنا ابن المبارك، عن أبي سنان، قال: قال مجاهد: {والّذين يمكرون السّيّئات}، قال: أصحاب الرياء.
- وقال أبو جعفر النحاس: (وروى قيس، عن منصور، عن مجاهد: {ومكر أولئك هو يبور} قال: الرياء).
- وقال سعيد بن منصور: حدّثنا سفيان، عن ليث بن أبي سليم، عن شهر بن حوشب، في قوله عزّ وجلّ: {والّذين يمكرون السّيّئات}، قال: (الذين يراؤون).
- وقال سفيان بن عيينة، عن ليث بن أبي سليمٍ، عن شهر بن حوشبٍ {ومكر أولئك هو يبور} قال: (هم أصحاب الرّياء). رواه ابن جرير.
- وقال سهل بن أبي عامرٍ: حدّثنا جعفرٌ الأحمر، عن شهر بن حوشبٍ، في قوله {ومكر أولئك هو يبور} قال: (هم أصحاب الرّياء). رواه ابن جرير.
- قال ابن كثير: (يعني: يمكرون بالنّاس، يوهمون أنّهم في طاعة الله، وهم بُغَضاء إلى الله عزّ وجل، يراؤون بأعمالهم، {ولا يذكرون اللّه إلا قليلا}).
القول الثاني: هم أهل الشرك، وهو قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ويحيى بن سلام البصري، وهو تفسير بالمثال أيضاً، فإنّ أمر المشركين قائم على المكر السيء، ولا يمكن أن يتحقق لهم بالشرك بالله تعالى مقصد حسن.
- وقال ابن وهبٍ: قال ابن زيدٍ، في قوله: {والّذين يمكرون السّيّئات لهم عذابٌ شديدٌ} قال: (هؤلاء أهل الشّرك). رواه ابن جرير.
- قال يحيى بن سلام البصري: ({والّذين يمكرون السّيّئات} يعملون {السّيّئات}: الشّرك).
القول الثالث: الذين مكروا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما ذهب إليه أبو إسحاق الزجاج، وأبو جعفر النحاس، وهو تفسير بمثال خاص.
- قال أبو إسحاق الزجاج: ({والّذين يمكرون السّيّئات لهم عذاب شديد}: المعنى مكر الذين يمكرون بالنبي صلى الله عليه وسلم).
- وقال أيضاً: (وقد بين ما مكرهم في سورة الأنفال، في قوله: {وإذ يمكر بك الّذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك}: ففسد جميع مكرهم؛ فجعل اللّه كلمة نبيّه وأوليائه العليا، وأيديهم العالية بالنصر والحجة).
- وقال أبو جعفر النحاس: (وقد بيّن الله جلَّ وعزَّ هذا المكرَ في قوله: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك}).
والصحيح أنّ الآية تعمّ المشركين والمنافقين ومن شابههم في مكر السيئات، ولم يسلم من مشابهتهم إلا الذين جمعوا الكلم الطيب والعمل الصالح.
- قال ابن عطية: (وقال بعض المفسرين: يدخل في الآية أهل الرياء، ونزول الآية أولاً في المشركين).
- وقال ابن كثير: (والصّحيح أنّها عامّةٌ، والمشركون داخلون بطريق الأولى، ولهذا قال: {لهم عذابٌ شديدٌ ومكر أولئك هو يبور}، أي: يفسد ويبطل، ويظهر زيفهم عن قريبٍ لأولي البصائر والنّهى، فإنّه ما أسرَّ عبدٌ سريرةً إلّا أبداها اللّه على صفحات وجهه وفلتات لسانه، وما أسرّ أحدٌ سريرةً إلّا كساه اللّه رداءها، إن خيرًا فخيرٌ، وإنّ شرًّا فشرٌّ؛ فالمرائي لا يروج أمره ويستمرّ إلّا على غبيٍّ، أمّا المؤمنون المتفرّسون فلا يروج ذلك عليهم، بل يكشف لهم عن قريبٍ، وعالم الغيب لا تخفى عليه خافيةٌ).
معنى التعريف بالاسم الموصول
التعريف بالاسم الموصول في قوله تعالى: {والذين يمكرون السيئات} فيه فوائد:
أحدها: تعيين المعرَّف بأوصاف تعمّ كلّ من يتّصف بها.
والثاني: صلاحية جملة صلة الموصول للإتيان بالفعل المضارع {يمكرون} الذي يفيد التجدد.
والثالث: إفادة معنى التهديد لأصحاب المكر السيء بضميمة دلالة السياق.
والرابع: إفادة معنى التبشير للمؤمنين وأنّ الله تعالى محيط بأعدائهم، وعالم بمقاصدهم وأحوالهم، ولا يخفى عليه شيء من أمرهم، ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً.
معنى قوله تعالى: {لهم عذاب شديد}
- قال ابن جرير: ({لهم عذابٌ شديدٌ} بمعنى أنّ لهم عذاب جهنّم).
- وقال يحيى بن سلام البصري: ({لهم عذابٌ شديدٌ} جهنّم).
والصواب أنّ العذاب الشديد مطلق غير مقيد، وهم مستحقون للعذاب الشديد في الدنيا والآخرة.
ودلّت دلالة الإيماء الجلي على أنّهم مستحقون للعذاب الأليم بسبب مكرهم السيئات، فهم من حين شروعهم في المكر داخلون في هذا الوعيد ما لم يتوبوا إلى الله تعالى، وينتهوا عن مكر السيئات، ويسلكوا سبيل أهل الإيمان والعمل الصالح.