دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > علوم اللغة > متون علوم اللغة العربية > النحو والصرف > ألفية ابن مالك

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 24 ذو الحجة 1429هـ/22-12-2008م, 09:36 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 13,409
افتراضي 2: نصب الفعل المضارع بـ(لن) و(كي) و(أن) المصدرية و(إذن)

وبلَن انْصِبْهُ وكيْ كذا بأَنْ = لا بَعْدَ عِلْمٍ والتي مِنْ بَعْدِ ظَنْ
فانْصِبْ بها والرفْعَ صَحِّحْ واعْتَقِدْ = تَخفيفَها مِنْ أنَّ فَهْوَ مُطَّرِدْ
وبعضُهم أَهْمَلَ أنْ حَمْلًا على = ما أُخْتِها حيثُ اسْتَحَقَّتْ عَمَلَا
ونَصَبُوا بِإِذَن المُسْتَقْبَلَا = إنْ صُدِّرَتْ والفعلُ بعدُ مُوصَلَا
أو قَبْلَهُ اليمينُ وانْصُبْ وارْفَعَا = إذا إِذَنْ مِنْ بعدِ عَطْفٍ وَقَعَا


  #2  
قديم 25 ذو الحجة 1429هـ/23-12-2008م, 06:55 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 14,351
افتراضي شرح ابن عقيل (ومعه منحة الجليل للأستاذ: محمد محيي الدين عبد الحميد)


وَبِلَنِ انْصِبْهُ وَكَيْ كذَا بِأَنْ = لا َبَعْدَ عِلْمٍ وَالَّتِي مِنْ بَعْدِ ظَنْ([1])
فَانْصِبْ بِهَا ، وَالرَّفْعَ صَحِّحْ ، وَاعْتَقِدْ = تَخْفِيفَهَا مِنْ أَنَّ فَهُوَ مُطَّرِدْ ([2])
يُنْصَبُ المضارعُ إذا صحِبَه حرفٌ ناصبٌ ، وهو "لَنْ أو كَيْ أو أَنْ أو إِذَنْ" نحو: " لنْ أَضْرِبَ " "وجئتُ كَيْ أَتَعَلَّمَ " " وَأُرِيدُ أَنْ تَقُومَ " وَإِذَنْ أُكْرِمَكَ- في جوابِ مَنْ قالَ لكَ: "آتِيكَ" وأشارَ بقولِهِ: (لاَ بَعْدَ عِلْمٍ) إلى أنَّه إنْ وقعَتْ "أَنْ" بعدَ عِلْمٍ ونحوِهِ ممَّا يدُلُ على اليقينِ وجَبَ رفعُ الفعلِ بعدَها، وتكونُ حينئذٍ مخفَّفَةً مِنَ الثقيلةِ نحوَ: "عَلِمْتُ أَنْ يقومُ"([3]) التقديرُ: أنَّه يقومُ ، فخُفِّفَتْ أنْ ، وحُذفَ اسمُها وبَقَى خبرُها ، وهذِهِ هي غيرُ الناصبةُ للمضارعِ ؛ لأن هذه ثُنَائِيَّةٌ لفظًا ثلاثيةٌ وَضْعًا ، وتلكَ لفظًا ووَضْعًا.
وإنْ وقعَتْ بعدَ ظَنًّ ونحوِهِ - ممَّا يدُلُ على الرجحانِ جازَ في الفعلِ بعدَها وجهانِ:
أحدُهما: النصبُ على جَعْلِ "أَنْ" مِنْ نواصبِ المضارعِ.
الثاني: الرفعُ على جَعْلِ "أَنْ" مُخَفَّفَةً مِنَ الثقيلةِ.
فتقولُ: "ظَنَنْتُ أَنْ يقومُ ، وَأَنْ يَقُومَ" والتقديرُ: - معَ الرفعِ - ظَنَنْتُ أَنَّهُ يَقُومُ ، فَخُفِّفَتْ "أَنَّ" وحُذفَ اسمُها ، وبقَى خبرُها ، وهو الفعلُ وفاعلُه.
وَبَعْضُهُمْ أَهْمَلَ "أَنْ" حَمْلاً عَلَى "ما " أُخْتُهَا حَيْثُ اسْتَحَقَّتْ عَمَلاً ([4])
يعني أنَّ مِنَ العربِ مَنْ لمْ يُعْمِلْ " أَنْ " الناصبةَ للفعلِ المضارعِ ، وإنْ وقَعتْ بعدَ ما لا يدُلُ على يقينٍ أو رجحانٍ([5]) ؛ فيُرفَعُ الفعلُ بعدَها حَمْلاً عَلَى أختِها "مَا" المصدريَّةِ ؛لاشتراكِهما في أنَّهما يُقَدَّرَانِ بالمصدرِ فتقولُ: "أُرِيدُ أَنْ تَقُومُ" كما تقولُ: "عَجِبْتُ ممَّا تَفْعَلُ".
وَنَصَبُوا بِإِذَنِ المُسْتَقْبَلاً إِنْ صُدِّرَتْ، وَالفِعْلُ بَعْدُ مُوصَلاَ([6])
أَوْ قَبْلَهُ اليَمِينُ ، وَانْصِبْ وَارْفَعَا = إِذَا "إِذَنْ" مِنْ بَعْدِ عَطْفٍ وَقَعَا ([7])
تقدَّمَ أنَّ مِنْ جملةِ نواصبِ المضارعِ "إِذَنْ" ولا يُنْصَبُ بها إلا بشروطٍ:
أحدُها: أنْ يكُونَ الفعلُ مستقبَلاً.
الثاني: أنْ تكُونَ مصدَّرةً.
الثالثُ: أنْ لا يُفصلُ بينَها وبينَ منصوبِها.
وذلكَ نحوَ أَنْ يقالَ: أنَا آتيكَ فتقولُ: "إِذَنْ أُكْرِمُكَ".
فلوْ كانَ الفعلُ بعدَها حالاً لم يُنصبْ ، نحوَ أنْ يقالَ: "أُحِبُّكَ ؛ فتقولُ : " إِذَنْ أَظُنُّكَ صَادِقًا" فيجِبُ رفعُ "أَظُنُّ" ، وكذلكَ يجِبُ رفعُ الفعل بعدَها ، إنْ لمْ تَتَصَدَّرْ نحوَ: "زَيْدٌ إِذَنْ يُكْرِمُكَ" ؛ فإنْ كانَ المتقدِّمُ عليها حرفَ عطفٍ جازَ في الفعلِ : الرفعُ والنصبُ نحوَ: "وَإِذَنْ أُكْرِمَُكَ" ، وكذلكِ يجِبُ رفعُ الفعلِ بعدَها ، إنْ فُصِلَ بينَها وبينَه نحوَ: "إِذَنْ زَيْدٌ يُكْرِمُكَ" ، فإنْ فُصِلَتْ بالقسمِ نصَبْتَ نحوَ: "إِذَنْ وَاللَّهِ أُكْرِمَكَ"([8]).


([1])(بلن) جار ومجرور متعلق بانصبه (انصبه) انصب: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والهاء مفعول به (وكي) معطوف على لن (كذا، بأن) جاران ومجروران متعلقان بفعل محذوف، يدل عليه قوله (انصبه) (لا) عاطفة (بعد) ظرف معطوف على ظرف آخر محذوف، والتقدير: فانصبه بأن بعد غير علم لا بعد علم (والتي) اسم موصول: مبتدأ (من بعد) جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة الموصول، وبعد مضاف و(ظن) مضاف إليه.

([2])(فانصب) الفاء زائدة وانصب: فعل أمر وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت, والجملة في محل رفع خبر المبتدأ وهو قوله (التي) في البيت السابق وقد عرفت مرارا أن خبر المبتدأ يجوز أن يكون جملة طلبية (بها) جار ومجرور متعلق بانصب (والرفع) مفعول مقدم لصحح (صحح) فعل أمر وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت (واعتقد) فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت (تخفيفها) تخفيف: مفعول به لاعتقد وتخفيف مضاف وها مضاف إليه (من أن) جار ومجرور متعلق بتخفيف (فهو) الفاء للتعليل هو: ضمير منفصل مبتدأ (مطرد) خبر المبتدأ.

([3])ومن ذلك قول الشاعر وهو الشاهد رقم 107 السابق في باب إن وأخواتها:
علموا أن يؤملون فجادوا = قبل أن يسألوا بأعظم سؤل

([4])(وبعضهم) بعض: مبتدأ، وبعض مضاف والضمير مضاف إليه (أهمل) فعل ماض وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى بعضهم (أن) قصد لفظه: مفعول به لأهمل، والجملة من الفعل الذي هو أهمل وفاعله ومفعوله في محل رفع خبر مبتدأ (حملا) منصوب على نزع الخافض، أو حال بتأويل اسم الفاعل من الضمير المستتر في أهمل، والتقدير: حاملا إياها (على ما) جار ومجرور متعلق بقوله حملا (أختها) أخت: بدل من (ما) أو عطف بيان وأخت مضاف وضمير الغائبة العائد إلى أن المصدرية مضاف إليه (حيث) ظرف متعلق بأهمل مبني على الضم في محل نصب (استحقت) استحق: فعل ماض، والتاء للتأنيث وفاعل استحق ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى أن المصدرية (عملا) مفعول به لاستحقت والجملة من استحقت وفاعله ومفعوله في محل جر بإضافة حيث إليها.

([5])وقد قرئ بالرفع في قوله تعالى: (لمن أراد أن يتم) وعلى هذا ورد قول الشاعر:
أن تقرآن على أسماء ويحكما = مني السلام وألا تشعرا أحدا
وقول الآخر:
إني زعيم يا نويـ = ـقة إن نجوت من الرزاح
أن تهبطين بلاد قو = م يرتعون من الطلاح

([6])(ونصبوا) فعل وفاعل (بإذن) جار ومجرور متعلق بنصبوا (المستقبلا) مفعول به لنصبوا (إن) شرطية (صدرت) صدر: فعل ماض مبني للمجهول فعل الشرط والتاء للتأنيث ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى إذن (والفعل) الواو للحال، والفعل: مبتدأ (بعد) ظرف مبني على الضم في محل نصب، وهو متعلق بمحذوف خبر المبتدأ والتقدير: والفعل واقع بعد أي بعد إذن (موصلا) حال من الضمير المستكن في الظرف الواقع خبرا.

([7])(أو) عاطفة (قبله) قبل: ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، وقبل مضاف وضمير الغائب العائد إلى الفعل مضاف إليه، ومعنى العبارة: أن اليمين توسط بين إذن والفعل فوقع قبل الفعل فاصلا بينه وبين إذن (اليمين) مبتدأ مؤخر (وانصب) فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت (وارفعا) معطوف على انصب (إذا) ظرف تضمن معنى الشرط (إذن) فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده والتقدير: إذا وقع إذن، والجملة من وقع المحذوف وفاعله المذكور في محل جر بإضافة (إذا) إليها (من بعد) جار ومجرور متعلق بوقع، وبعد مضاف و(عطف) مضاف إليه (وقعا) فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى إذن الواقع فاعلا، والجملة من وقع المذكور وفاعله لا محل لها مفسرة.

([8])ومن ذلك قول الشاعر:
إذن والله نرميهم بحرب = يشيب الطفل من قبل المشيب


  #3  
قديم 25 ذو الحجة 1429هـ/23-12-2008م, 06:55 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 14,351
افتراضي أوضح المسالك لجمال الدين ابن هشام الأنصاري (ومعه هدي السالك للأستاذ: محمد محيي الدين عبد الحميد)


وناصبُه أربعةٌ:
أَحَدُها: (لَنْ)، وهي لنفيِ (سَيَفْعَلُ)([1])، ولا تَقْتَضِي تأبِيدَ النفيِ ولا تَأْكِيدَه، خِلافاً للزَّمَخْشَرِيِّ([2])، ولا تَقَعُ دُعَائِيَّةً، خِلافاً لابنِ السَّرَّاجِ([3])، وليسَ أَصْلُها (لا) فأُبْدِلَتِ الألفُ نوناً، خلافاً للفرَّاءِ، ولا (لا أنْ) فحُذِفَتِ الهمزةُ تخفيفاً والألِفُ للساكنيْنِ، خلافاً للخليلِ والكِسَائِيِّ.
الثاني: (كي) المصدريَّةُ، فأمَّا التعليليَّةُ فجَارَّةٌ، والناصِبُ بَعْدَهَا (أنْ) مُضْمَرَةً([4])، وقد تَظْهَرُ في الشعرِ، وتَتَعَيَّنُ المصدريَّةُ إنْ سَبَقَتْهَا اللامُ، نحوُ: {لِكَيْلاَ تَأْسَوْا}([5])، والتعليليَّةُ إنْ تَأَخَّرَتْ عنها اللامُ أو أنْ، نَحْوُ قولُه:
490- كَيْ لِتَقْضِينِي رُقَيَّةُ مَا = وَعَدْتِنِي غَيْرَ مُخْتَلَسِ([6])
وقولِه:
491- *... كَيْمَا أَنْ تَغُرَّ وَتَخْدَعَا *([7])
ويَجُوزُ الأمرانِ في نحوِ: {كَيْلاَ يَكُونَ دُولَةً}([8]) وقولِه:
492- أَرَدْتَ لِكَيْمَا أَنْ تَطِيرَ بِقِرْبَتِي([9])
الثالِثُ: (أنْ) في نحوِ: {وَأَنْ تَصُومُوا}([10])، {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي}([11])، وبعضُهم يُهْمِلُها؛ حَمْلاً على (ما) أُخْتِها؛ أي: المصدريَّةِ؛ كقراءةِ ابنِ مُحَيْصِنٍ: (لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمُّ الرَّضَاعَةَ)([12]) وكقولِه:
493- أَنْ تَقْرَآنِ عَلَى أَسْمَاءَ وَيْحَكُمَا([13])
وتأتي (أنْ) مُفَسِّرَةً وزائدةً ومُخَفَّفَةً مِن أنْ، فلا تَنْصِبُ المضارِعَ.
فالمفسِّرَةُ هي: المسبوقةُ بجملةٍ فيها معنى القولِ دونَ حروفِه([14])، نحوُ: {فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ}([15])، {وانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا}([16]).
والزائدةُ هي: التالِيَةُ لـ (لَمَّا)، نحوُ: {فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ}([17])، والواقعةُ بينَ الكافِ ومَجْرُورِها؛ كقولِهِ:
كأنْ ظَبْيَةٍ تَعْطُو إِلَى وَارِقِ السَّلَمْ([18])
أو بينَ القَسَمِ ولو([19])؛ كقولِهِ:
494- فَأُقْسِمُ أَنْ لَوِ الْتَقَيْنَا وَأَنْتُمُ([20])
والمُخَفَّفَةُ مِن أنْ هي: الواقعةُ بعدَ عَلِمَ، نحوُ: {عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ منكم مرضى}([21]) ونحوُ: {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنْ لاَ يَرْجِعُ}([22])، أو بعدَ ظَنَّ، نحوُ: {وَحَسِبُوا أَنْ لاَ تَكُونُ}([23])، ويَجُوزُ في تَالِيَةِ الظنِّ أنْ تكونَ ناصبةً، وهو الأرجحُ؛ ولذلك أَجْمَعُوا عليه في {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا}([24])، واخْتَلَفُوا في: {وَحَسِبُوا أَنْ لا تَكُونُ فِتْنَةٌ}، فقَرَأَه غيرُ أبي عَمْرٍو والأَخَوَيْنِ بالنصبِ([25]).
الرابِعُ: (إِذَنْ)، وهي حرفُ جوابٍ وجَزَاءٍ([26])، وشرطُ إِعْمَالِها ثلاثةُ أمورٍ:
أَحَدُها: أنْ تَتَصَدَّرَ، فإنْ وَقَعَتْ حَشْواً أُهْمِلَتْ؛ كقولِهِ:
495- وَأَمْكَنَنِي مِنْهَا إِذَنْ لاَ أَقِيلُهَا([27])
وأمَّا قولُه:
496- إِنِّي إِذَنْ أَهْلِكَ أَوْ أَطِيرَا([28])
فضرورةٌ، أو الخبرُ محذوفٌ؛ أي: إني لا أَسْتَطِيعُ ذلك.
وإنْ كانَ السابِقُ عليها واواً أو فاءً جازَ النصبُ([29])، وقد قُرِئَ: {وَإِذَنْ لاَ يَلْبَثُوا}([30])، {فَإِذاً لاَ يُؤْتُوا}([31])، والغالِبُ الرفعُ، وبه قَرَأَ السَّبْعَةُ.
الثاني: أنْ يكونَ مُسْتَقْبَلاً، فيَجِبُ الرفعُ في نحوِ: (إِذَنْ تَصْدُقُ) جواباً لِمَن قالَ: (أَنَا أُحِبُّ زَيْداً).
الثالِثُ: أنْ يَتَّصِلاَ أو يَفْصِلَ بينَهما القَسَمُ([32])؛ كقولِه:
497- إِذَنْ وَاللهِ نَرْمِيَهُمْ بِحَرْبٍ([33])


([1]) أرادَ المؤلِّفُ بقولِهِ: (وهي لِنَفْيِ سَيَفْعَلُ)، أنَّ لن تَدُلُّ على نفيِ الفعلِ المستقبَلِ، وهو الذي يُعَبِّرُ المتكلِّمُ عنه بقولِهِ: سَيَفْعَلُ؛ لأنَّ السينَ – كما تَعْلَمُ – تُخْلِصُ الفعلَ المضارعَ الذي يَحْتَمِلُ الحالَ والاستقبالَ بحَسَبِ وَضْعِهِ للاستقبالِ، فإذا قالَ قائلٌ: (سَيَحْضُرُ خالدٌ) فأَرَدْتَ أنْ تَنْفِيَهُ قلتَ: (لنْ يَحْضُرَ).
ثم إنَّ نفيَ لن للفعلِ في الزمانِ المستقبَلِ على ضَرْبَيْنِ؛ لأنَّه إما أنْ يكونَ لهذا النفيِ غايةٌ يَنْتَهِي إليها، نحوُ قولِهِ تعالى: {لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى}؛ فإنَّ نفيَ البَرَاحِ مُسْتَمِرٌّ إلى رجوعِ مُوسَى، ومثلُ قولِهِ تعالى حِكَايَةً عن أخي يُوسُفَ: {فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي}؛ فإنَّ نفيَ بَرَاحِهِ الأرضَ مُسْتَمِرٌّ إلى أنْ يَجِيئَهُ الإذنُ من أبيه، وإمَّا أنْ يكونَ نَفْيُ لن مُسْتَمِرًّا إلى غيرِ غايةٍ، نحوُ قولِهِ تعالى: {لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً ولوِ اجْتَمَعُوا لَهُ}؛ فإنَّ انتفاءَ خَلْقِهِمُ الذبابَ مُسْتَمِرٌّ أَبَداً؛ لِقِيَامِ الدليلِ العَقْلِيِّ على أنَّ خَلْقَهُم إيَّاهُ مُحَالٌ. والمُحَالُ لا يَقَعُ؛ فإنَّه لو وَقَعَ لانْقَلَبَ مُمْكِناً، وهو لا يجوزُ.

([2]) ادَّعَى جارُ اللهِ الزَّمَخْشَرِيُّ دَعْوَيَيْنِ، كلٌّ مِنهما غيرُ مُسَلَّمَةٍ له:
أمَّا الدَّعْوَى الأُولَى فذَكَرَها في كِتَابِهِ (الأُنْمُوذَجِ)، وحَاصِلُها أنَّ لنْ تَدُلُّ بحَسَبِ وَضْعِها على تأبيدِ النفيِ، وأنه لا غايةَ له يَنْتَهِي إليها، وعلى قولِه هذا يَبْطُلُ تَقْسِيمُنا نفيَ لن إلى الضربيْنِ اللذين ذَكَرْنَاهُما آنِفاً، ويكونُ نفيُ لن نوعاً واحداً، وقدِ اسْتَدَلَّ لِمَا ذَهَبَ إليه بنحوِ قولِهِ تعالى: {لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً}.
ولا صِحَّةَ لِمَا ادَّعَاهُ، ولا دَلِيلَ له فيما اسْتَدَلَّ به، فأمَّا عَدَمُ صِحَّةِ دَعْوَاهُ فيَدُلُّ له ثلاثةُ أمورٍ، أَوَّلُها: أنَّ (لنْ) لو كانَتْ دَالَّةً على تَأْبِيدِ النفيِ في كلِّ مِثَالٍ تَرِدُ فيه لكانَ ذِكْرُ طَرَفٍ دالٍّ على وَقْتٍ مُعَيَّنٍ معَها تَنَاقُضاً، وقد ذُكِرَ في القرآنِ الكريمِ لَفْظُ (الْيَوْمِ) معَها في قَوْلِهِ تعالى: {فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا}؛ إذ كيفَ يَنْتَفِي تَكْلِيمُها إِنْسِيًّا نَفْياً مُسْتَمِرًّا لا إلى غايةٍ ثُمَّ يُقَيِّدُ ذلك بقولِهِ: اليومَ في أفصحِ كلامٍ وأَبْعَدِه عن التناقُضِ والاختلافِ.
والوجهُ الثاني: أنَّ لن لو كانَتْ تَدُلُّ كُلَّمَا ذُكِرَتْ على تأبيدِ النفيِ لكانَ ذِكْرُ لَفْظِ (أَبَداً) مَعَها تَكْرَارٌ؛ لأنَّ المفروضَ أنه مُستفادٌ منها، وقد وَرَدَ ذِكْرُ أَبَداً معَها في القرآنِ الكريمِ في نحوِ قولِهِ تعالى: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً}، والقرآنُ مَصُونٌ عن التَّكْرَارِ.
والوجهُ الثالثُ: أنها لو كَانَتْ دَالَّةً على تأبيدِ النفيِ لم يَصِحَّ أنْ يُذْكَرَ معَها ما يَدُلُّ على انتهائِه، نحوُ ما ذَكَرْنَا من قولِه تعالى: {لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى}، وقولِهِ جَلَّتْ كَلِمَتُه: {فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي}.
وأمَّا اسْتِدْلاَلُهُ على أنها تَدُلُّ على تَأْبِيدِ النفيِ بقولِهِ تعالى: {لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً} فغيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ الدَّلالةَ على استمرارِ عَجْزِهِم عن خَلْقِ الذُّبَابِ لم تَدُلَّ عليه لن، وإنما دَلَّ عليه دليلٌ عَقْلِيٌّ كما قُلْنَاهُ في أَوَّلِ كَلامِنا، وكلامُه في دَلالةِ لن وَضْعاً، ولَئِنْ سَلَّمْنَا جَدَلاً دَلالَتَها على تأبيدِ النفيِ في هذه الآيةِ بمعونةِ العقلِ، فإنَّا لا نُسَلِّمُ أنها في كلِّ تَعْبِيرٍ تَرِدُ فيه تَدُلُّ على ذلك، فبَطَلَتْ دَعْوَاهُ ولم يَسْلَمْ له استدلالُه.
وأمَّا دَعْوَاهُ الثانيةُ فإنَّه ذَكَرَ في الكَشَّافِ في تفسيرِ قولِهِ تعالى لموسَى: {لَنْ تَرَانِي} أنَّ لن تَدُلُّ على تأكيدِ النفيِ، وهذا كلامٌ غيرُ مُسَلَّمٍ، بل لن مِثْلُ لا، كلاهما يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ المرادُ به نفيَ الفعلِ في جميعِ أجزاءِ المستقبَلِ، وأن يكونَ المرادُ به نفيَ الفعلِ في بعضِ أجزاءِ الزمنِ المستقبَلِ، فإذا قالَ لكَ قائلٌ: (قُمْ) فقلتَ له: (لن أَقُومَ) صَلَحَ ذلك القولُ مِنكَ لأنْ تُرِيدَ به أنَّكَ مُمْتَنِعٌ عن القيامِ في جميعِ أجزاءِ الزمنِ المستقبَلِ، وأنْ تُرِيدَ أنَّكَ مُمْتَنِعٌ من القيامِ في بعضِ أجزاءِ الزمنِ المستقبَلِ، ولو قلتَ: (لا أَقُومُ) لكانَ صالحاً لذلك أيضاً مِن غيرِ أنْ يَدُلُّ على تأبيدٍ أو تأكيدٍ.

([3]) ذَهَبَ ابنُ السَّرَّاجِ وابنُ عُصْفُورٍ وتَبِعَهُما جماعةٌ مِن النحْويِّينَ إلى أنَّ (لن) تَقَعُ دُعَائِيَّةً؛ أي: أنَّ الفعلَ الذي يَلِيها يكونُ مقصوداً به الدعاءُ، واسْتَدَلُّوا على ما ذَهَبُوا إليه بقولِهِ تعالى: {رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ}، وهو كلامٌ عجيبٌ؛ لأنَّ الآيةَ الكريمةَ لا يَتَعَيَّنُ فيها هذا المعنَى، بل ليسَ هذا أفضلَ ما يَنْبَغِي أنْ تُحْمَلَ عليه؛ فإنَّ أَحْسَنَ من هذا أنْ تكونَ لن دالَّةً على النفيِ المَحْضِ، ويكونَ قائلُ هذه الجملةَ يُعَاهِدُ رَبَّهُ على ألاَّ يُظَاهِرَ مُجْرِماً؛ شُكراً لتلك النعمةِ التي أُنْعِمَ بها عليه.
وأَعْجَبُ من هذا أنَّ المؤلِّفَ ابنَ هِشامٍ اختارَ في كتابِه (مُغْنِي اللَّبِيبِ) أنَّ لن تأتي للدَّلالةِ على الدعاءِ، واسْتَدَلَّ لذلك بقولِ الشاعِرِ:
لَنْ تَزَالُوا كَذَلِكُمْ ثُمَّ لاَ زِلْـ = ـتُ لَكُمْ خَالِداً خُلُودَ الْجِبَالِ
فإنَّ لن في صدرِ هذا البيتِ تَحْتَمِلُ أنْ تكونَ دالَّةً على النفيِ المَحْضِ، حتى لو قلنا: (لا) بعدَها دالَّةٌ على الدعاءِ، فإنَّه لا يَلْزَمُ أنْ يَتَّحِدَ المعطوفُ معَ المعطوفِ عليه خَبَراً أو إنشاءً. ولم يَكْتَفِ بنفيِ هذا القولِ في كتابِه (قَطْرِ النَّدَى)، بل ردَّ عليه بما لا يَزِيدُ على ما ذَكَرْنَاه، فاعْرِفْ ذلكَ، واللهُ يُرْشِدُكَ.

([4]) قد أَخْبَرْتُكَ في مَطْلَعِ بابِ حروفِ الجرِّ (2 ص 15 وما بعدَها) أنَّ الأخفشَ يَرَى أنَّ كي لا تكونُ إلا حرفَ جرٍّ دالاًّ على التعليلِ كاللامِ، وأنَّ الناصبَ للمضارِعِ بعدَها هو أنِ المصدريَّةُ؛ ظاهرةً إنْ ذُكِرَتْ في الكلامِ، أو مُقَدَّرَةً إن لم تُذْكَرْ، وأنَّ الخليلَ بنَ أحمدَ يَرَى أنه لا ناصبَ للفعلِ المضارِعِ سِوَى أنِ المصدريَّةِ؛ ظاهرةً أو مُقَدَّرَةً، كما قلتُ لكَ: إنَّ جمهورَ الكُوفِيِّينَ يَرَوْنَ أنَّ كي لا تكونُ إلا حرفاً مَصْدَرِيًّا، وأنه إذا وَقَعَ في الكلامِ (أنْ) بعدَ كي كما في قولِ جَمِيلِ بنِ مَعْمَرٍ: * لِكَيْمَا أَنْ تَغُرَّ وَتَخْدَعَا* كانَتْ أنْ بدلاً مِن كي، وإذا وَقَعَتِ اللامُ بعدَ كي في كلامٍ ما؛ كما في قولِ ابنِ قَيْسِ الرُّقَيَّاتِ: * كي لِتَقْضِينِي رُقَيَّةُ بَعْضَ مَا* كانَتْ كي مصدريَّةً ناصبةً للمضارِعِ، وكانَتِ اللامُ زائدةً، وإنْ لم يُذْكَرْ فِعْلٌ مضارعٌ بعدَ كي في كلامٍ ما؛ كما في قولِ العربِ: (كَيْمَهْ)، فهو مُقَدَّرٌ بعدها منصوباً بها، فتقديرُ هذه العبارةِ: كي تَفْعَلَ ماذا؟ مَثلاً، فكُنْ مِن ذلك على ذِكْرٍ، ولا تَغْفَلْ.

([5]) سورةُ الحديدِ، الآيةُ: 23.

([6]) 490- هذا الشاهِدُ بيتٌ مِن المَدِيدِ مِن كلامِ عبدِ اللهِ بنِ قَيْسِ الرُّقَيَّاتِ، وقبلَ هذا البيتِ قولُه:
لَيْتَنِي أَلْقَى رُقَيَّةَ فِي = خَلْوَةٍ مِنْ غَيْرِ مَا أنسِ
كي لِتَقْضِينِي رُقَيَّةُ ما = وَعَدَتْنِي.. البيتَ، وبعدَه:
حُلْوَةً إِذْ تُكَلِّمُهَا = تَمْنَعُ الماعُونَ بِاللَّقْسِ
اللغةُ: (لِتَقْضِينِي) لِتُوَفِّي لي بما وَعَدَتْ، وتقولُ: قَضَى فلانٌ ما عليه، وقَضَى دَيْنَه، إذا أَوْفَاهُ أو بَرَّأَ ذِمَّتَه منه، (مُخْتَلِسِ) ذَكَرَ العَيْنِيُّ والبغداديُّ أنه مصدرٌ مِيمِيٌّ بمعنى الاختلاسِ، وهو أَخْذُ الشيءِ خَطْفاً، تقولُ: خَلَسْتَ كذا، واخْتَلَسْتَه، إذا أَخَذْتَه بسرعةٍ، وأفضلُ مِمَّا ذَهَبَا إليه أنْ يكونَ (مُخْتَلِسِ) اسمَ مفعولٍ من هذه المادَّةِ.
الإعراب: (كي) حرفُ تعليلٍ مَبْنِيٌّ على السكونِ لا مَحَلَّ له من الإعرابِ، (لِتَقْضِينِي) اللامُ للتعليلِ مؤكِّدَةٌ لكي، تَقْضِي: فعلٌ مضارعٌ منصوبٌ بأنِ المُضْمَرَةِ بعدَ حرفِ التعليلِ، وعلامةُ نصبِه فتحةٌ مُقَدَّرَةٌ على الياءِ للضرورةِ، والنونُ للوقايةِ، وياءُ المتكلِّمِ مفعولٌ أوَّلُ، (رُقَيَّةُ) فاعلُ تَقْضِي، (ما) اسمٌ موصولٌ بمعنى الذي مفعولٌ ثانٍ لِتَقْضِي، (وَعَدَتْنِي) وَعَدَ: فعلٌ ماضٍ، والتاءُ للتأنيثِ، والفاعلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازاً تقديرُه هي يعودُ إلى رُقَيَّةُ، والنونُ للوقايةِ، والياءُ مفعولٌ أوَّلُ، والجملةُ لا مَحَلَّ لَهَا من الإعرابِ؛ صِلَةُ الموصولِ، والعائدُ ضميرٌ منصوبٌ بِوَعَدَ على أنه مفعولُه الثانِي محذوفٌ، وتقديرُ الكلامِ: لِتَقْضِينِي الذي وَعَدْتِينَه، (غَيْرَ) حالٌ مِن الاسمِ الموصولِ الواقعِ مفعولاً، أو لِتَقْضِي، منصوبٌ بالفتحةِ الظاهرةِ، وهو مضافٌ و(مُخْتَلِسِ) مضافٌ إليه. ولا تَلْتَفِتْ إلى غيرِ هذا الإعرابِ.
الشاهِدُ فيه: قولُه: (كي لِتَقْضِينِي)؛ فإنَّ وُقُوعَ اللامِ بعدَ كي دليلٌ على أنها قد لا تكونُ مَصْدَرِيَّةً، والفعلُ المضارِعُ الذي بعدَ اللامِ منصوبٌ بأنِ المُضْمَرَةِ، وعلامةُ نَصْبِهِ فتحةٌ مُقَدَّرَةٌ على الياءِ؛ إجراءً للفتحةِ مَجْرَى الضمَّةِ؛ كما في قولِ الشاعرِ:
*أَرْجُو وَآمُلُ أَنْ تَدْنُو مَوَدَّتُهَا*

وقولِ الآخَرِ:
*أَبَى اللهُ أَنْ أَسْمُو بِأُمٍّ وَلاَ أَبٍ*

ولا يجوزُ لكَ أنْ تَفْتَحَ الياءَ هنا؛ لِئَلاَّ يَخْتَلَّ وَزْنُ البيتِ.

([7]) 491-نَسَبَ ابنُ عُصْفُورٍ في (كتابِ الضَّرَائِرِ) هذا الشاهدَ إلى حَسَّانَ بنِ ثَابِتٍ الأنصارِيِّ، وليسَ بصحيحٍ، والصوابُ أنه مِن كلامِ جَمِيلِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ مَعْمَرٍ العُذْرِيِّ، والذي ذَكَرَه المؤلِّفُ قِطْعَةٌ مِن بيتٍ مِن الطويلِ، وهو بِتَمَامِهِ هكذا:
فَقَالَتْ: أَكُلَّ الناسِ أَصْبَحْتَ مَانِحاً = لِسَانَكَ كَيْمَا أَنْ تَغُرَّ وَتَخْدَعَا؟
اللغةُ: (مَانِحاً) اسمُ فاعلٍ من المَنْحِ، وهو الإعطاءُ، وهو يَتَعَدَّى إلى مفعوليْنِ، تقولُ: مَنَحْتُ المسكينَ دِرْهَماً، (تَغُرَّ) مضارعُ غَرَرْتَهُ تَغُرُّه – من بابِ مَدَّ – إذا خَدَعْتَه وزَيَّنْتَ له غيرَ الزَّيْنِ، (تَخْدْعَ) تفسيرٌ لِتَغُرَّ، ومعناهما واحدٌ.
الإعرابُ: (فَقَالَتِ) الفاءُ حرفُ عطفٍ، قالَ: فعلٌ ماضٍ، والتاءُ للتأنيثِ، وفاعلُه ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازاً تقديرُه هي، (أَكُلَّ) الهمزةُ للاستفهامِ، كلَّ: مفعولٌ ثانٍ لقولِه: مَانِحاً الآتي، وهو مضافٌ و(الناسِ) مضافٌ إليه مجرورٌ بالكسرةِ الظاهرةِ، (أَصْبَحْتَ) أَصْبَحَ: فعلٌ ماضٍ ناقصٌ، وتاءُ المخاطَبِ اسمُه مَبْنِيٌّ على الفتحِ في مَحَلِّ رفعٍ، (مَانِحاً) خبرُ أَصْبَحَ منصوبٌ بالفتحةِ الظاهرةِ، وفيه ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ هو فاعلُه، (لِسَانَكَ) لِسَانَ: مفعولٌ أوَّلُ لِمَانِحٍ، ولسانَ مضافٌ وضميرُ المخاطَبِ مضافٌ إليه، (كَيْمَا) كي: حرفُ تعليلٍ وجرٍّ، وما: حرفٌ زائدٌ، وذَكَرَ العَيْنِيُّ أنه حرفٌ كافٍّ أو حَرْفٌ مصدريٌّ ونَصْبٌ، ولا وَجْهَ لواحدٍ مِنهما، (أنْ) حرفٌ مصدريٌّ ونصبٌ، (تَغُرَّ) فعلٌ مضارعٌ منصوبٌ بأنِ المصدريَّةِ، وعلامةُ نَصْبِهِ الفتحةُ الظاهرةُ، (وَتَخْدَعَا) الواوُ حرفُ عَطْفٍ، تَخْدَعَ: معطوفٌ على تَغُرَّ، وفاعلُه ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وجوباً [لعل هنا سَقَطَ: تَقْدِيرُه] أنتَ، والألفُ للإطلاقِ، وأنِ المصدريَّةُ معَ ما دَخَلَتْ عليه في تأويلِ مصدرٍ مجرورٍ بكي التعليليَّةِ، والجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بمانِحٍ، والتقديرُ: أَأَصْبَحْتَ مَانِحاً لِسَانَكَ كلَّ الناسِ للغُرُورِ.
الشاهِدُ فيه: قولُه: (كَيْمَا أَنْ تَغُرَّ)؛ فإنَّ ظهورَ أنِ المصدريَّةِ الناصبةِ للمضارِعِ بنفسِها بعد كي – في هذه العبارةِ – يَدُلُّ على أنَّ (أنْ) تكونُ مُضْمَرَةً بعدَ كي إذا لم يُصَرَّحْ بها في الكلامِ، نحوُ قولِكَ: جِئْتُ كَيْ أَتَعَلَّمَ، وظهورُ أنْ بعدَ كي يُعَيِّنُ أنْ تكونَ كي حرفَ تَعْلِيلٍ؛ لأنَّها لو لم تَكُنْ حرفَ تعليلٍ لكانَتْ حرفاً مَصْدَرِيًّا، وقد عُلِمَ أنَّ (أنْ) حرفٌ مصدريٌّ لا غيرُ، فتكونُ (أنْ) على هذا مؤكِّدَةً لكي، والتأسيسُ – أي: كونُ كلِّ حرفٍ مِن الحرفيْنِ دَالاًّ على غيرِ ما يَدُلُّ عليه الآخَرُ – أَوْلَى مِن التأكيدِ.
والحاصِلُ أنَّ ههنا ثلاثةَ أُصُولٍ يَجِبُ أنْ تَعْرِفَهَا:
الأوَّلُ: أنَّ الاستعمالَ جَرَى بذِكْرِ كي وحدَها، نحوُ قولِهِ تعالى: {كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً}، وبذِكْرِها مسبوقةً باللامِ فقطْ، نحوُ قولِهِ تعالى: {لِكَيْ لاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ}، وبذِكْرِها قبلَ أنِ المصدريَّةِ، نحوُ بيتِ الشاهِدِ الذي نحنُ بِصَدَدِهِ، وبذِكْرِها مسبوقةً باللامِ وبعدَها أنِ المصدريَّةُ، كما في البيتِ الشاهدِ رَقْمِ 492 الآتي، وما سَنَذْكُرُه معَه مِن الشواهِدِ.
الثاني: أنَّ العلماءَ – ونعني بهم هنا سِيبَوَيْهِ وجمهورَ البَصْرِيِّينَ – يَرَوْنَ أنَّ كي إذا نَصَبَتِ المضارِعَ فهي مَصْدَرِيَّةٌ، ويَرَوْنَ معَ ذلك أنَّ (كي) قد تكونُ تَعْلِيلِيَّةً بمعنى لامِ التعليلِ، فالناصِبُ للمضارِعِ حينَئذٍ أنْ مُضْمَرَةً.
والثالِثُ: أنَّ العلماءَ يَرَوْنَ – معَ كلِّ هذا – أنَّ التأسيسَ خَيْرٌ مِن التأكيدِ، ما لم يَكُنِ التأكيدُ أَمْراً لا مَنْدُوحَةَ عنه، فحينَئذٍ يُصَارُ إليه.
وعلى هذا فإذا قلتَ: (جِئْتُ لِكَيْ أَتَعَلَّمَ) يَتَعَيَّنُ أنْ تكونَ اللامُ تَعْلِيلِيَّةً و(كي) مَصْدَرِيَّةً؛ لأنَّك لو جَعَلْتَ (كي) تَعْلِيلِيَّةً لَصِرْتَ إلى التأكيدِ ولكَ مَعْدَلٌ عنه.
وإذا قلتَ: (كَيْمَا أَنْ تَغُرَّ وتَخْدَعَا) تَعَيَّنَ أنْ تكونَ كي حرفَ تعليلٍ، وأنْ حرفٌ مصدريٌّ؛ لأنَّك لو جَعَلْتَ كي حَرفاً مَصْدَرِيًّا لَصِرْتَ إلى التأكيدِ، ولك عنه مَعْدَلٌ.
فإذا قلتَ: (جِئْتُ كَيْ أَتَعَلَّمَ) جازَ أنْ تكونَ كي مصدريَّةً، ولامُ التعليلِ قَبْلَها مُقَدَّرَةً، وجازَ أنْ تكونَ كي حرفَ تعليلٍ وأنِ المصدريَّةُ مُقَدَّرَةً بعدَها.
وإذا قُلْتَ: (لِكَيْمَا أَنْ تَطِيرَ) جازَ أنْ تكونَ كي مَصْدَرِيَّةً، فتكونَ أنْ مُؤَكِّدَةً لها، وجازَ أنْ تكونَ كي حرفَ تعليلٍ، فتكونَ هي مؤكِّدَةً لِلاَّمِ.
وإنما رَضِيتَ بالتأكيدِ هنا لأنَّه يَلْزَمُكَ على كلِّ واحدٍ مِن الوجهيْنِ، فليسَ عنه مَعْدَلٌ.
فتَحَصَّلَ أنَّ كي تكونُ مصدريَّةً لا غيرُ في مَوْضِعٍ واحدٍ، وتكونُ تَعْلِيلِيَّةً لا غيرُ في موضعٍ واحدٍ، وتكونُ مُحْتَمِلَةً للوجهيْنِ في موضعيْنِ.

([8]) سورةُ الحشرِ، الآيةُ: 7.

([9]) 492-لم أَقِفْ لهذا الشاهدِ على نِسْبَةٍ إلى قائلٍ مُعَيَّنٍ، والذي ذَكَرَهُ المؤلِّفُ صدرُ بيتٍ من الطويلِ، وعَجُزُهُ قولُه:
*فَتَتْرُكَهَا شَنًّا بِبَيْدَاءَ بَلْقَعِ*

اللغةُ: (تَطِيرَ) تَذْهَبَ بسرعةٍ، (بِقِرْبَتِي) القُرْبَةُ – بكسرِ القافِ وسكونِ الراءِ – جِلْدُ المَاعِزِ ونَحْوِهِ يُتَّخَذُ للماءِ ونحوِه، (شَنًّا) الشَّنُّ – بفتحِ الشينِ، وتشديدِ النونِ – الجِلْدُ الذي تَخَرَّقَ، (بَيْدَاءَ) هي الصحراءُ، سُمِّيَتْ بذلك؛ لأنَّ سَالِكَها يَبِيدُ فيها؛ أي: يَهْلِكُ، (بَلْقَعِ) بزِنَةِ جَعْفَرٍ: خاليةٌ، ليسَ فيها أحدٌ.
الإعرابُ: (أَرَدْتَ) أرادَ: فعلٌ ماضٍ، وتاءُ المخاطَبِ فاعلُه، (لِكَيْمَا) اللامُ حرفُ تعليلٍ وجرٍّ، وكي: يجوزُ أنْ تكونَ حرفَ تعليلٍ مؤكِّدَةً للامِ، ويجوزُ أنْ تكونَ مَصْدَرِيَّةً مُؤَكَّدَةً بأنْ، وما: حرفٌ زائدٌ، (أنْ) حرفٌ مصدريٌّ ونصبٌ، فإنْ كُنْتَ قد جَعَلْتَ كي حرفاً مَصْدَرِيًّا فإنَّ هذه مُؤَكِّدَةٌ لها، (تَطِيرَ) فعلٌ مضارِعٌ منصوبٌ بأنْ، وعلامةُ نَصْبِهِ الفتحةُ الظاهرةُ، وفاعِلُه ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوباً تَقْدِيرُهُ أنتَ، (بِقِرْبَتِي) الباءُ حرفُ جَرٍّ، قِرْبَةِ: مجرورٌ بالباءِ وعلامةُ جَرِّهِ كسرةٌ مُقَدَّرَةٌ على آخرِهِ، مَنَعَ مِن ظُهُورِهَا اشتغالُ المَحَلِّ بحركةِ المناسَبَةِ، وقُرْبَةِ مضافٌ وياءُ المتكلِّمِ مضافٌ إليه، والجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بِتَطِيرَ، (فَتَتْرُكَهَا) الفاءُ حرفُ عطفٍ، تَتْرُكَ: فعلٌ مضارعٌ منصوبٌ بالعطفِ على تَطِيرَ، وعلامةُ نصبِه الفتحةُ الظاهرةُ، وفاعلُه ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوباً تقديرُه أنتَ، وضميرُ الغائبةِ العائدُ إلى القِرْبَةِ مفعولٌ به، (شَنًّا) حالٌ مِن المفعولِ أو مفعولٌ ثانٍ لِتَتْرُكَ، (بِبَيْدَاءَ) جارٌّ ومجرورٌ بِتَتْرُكَ، (بَلْقَعِ) صفةٌ لِبَيْدَاءَ.
الشاهِدُ فيه: قولُه: (لِكَيْمَا أَنْ)؛ فإنَّ (كي) هنا يجوزُ أنْ تكونَ مصدريَّةً، فتكونَ (أنْ) مُؤَكِّدَةً لها؛ وذلك بسببِ تَقَدُّمِ اللامِ الدالَّةِ على التعليلِ التي يُشْتَرَطُ وُجُودُها، أو تَقْدِيرُها، قبلَ كي المصدريَّةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ تكونَ (كي) تعليليَّةً مؤكِّدَةً للامِ؛ فيكونَ السابِكُ هو (أنْ) وَحْدَها، ولولا (أنْ) لَوَجَبَ أنْ تكونَ (كي) مصدريَّةً، ولولا وجودُ اللامِ لوَجَبَ أنْ تكونَ كي تعليليَّةً.
ومثلُ هذا الشاهدِ قولُ الآخَرِ، وأَنْشَدَهُ أبو ثَرْوَانَ:
أَرَدْتُ لِكَيْمَا أَنْ تَرَى لِي عَثْرَةً = وَمَنْ ذَا الَّذِي يُعْطَى الكمالَ فيَكْمُلُ

([10]) سورةُ البقرةِ، الآيةُ: 184.
اعْلَمْ أنَّ (أنِ) المصدريَّةَ تَقَعُ في أوَّلِ الكلامِ، فيكونُ المصدرُ المُؤَوَّلُ منها ومِن مَدْخُولِها مبتدأً، نحوُ قولِه تعالى: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ}، وقولِ العربِ في مَثَلٍ مِن أَمْثَالِهِم: (أنْ تَسْمَعَ بالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ)، وقولِهِم في مَثَلٍ آخَرَ: (أَنْ تَرِدَ الماءَ بماءٍ أَكْيَسُ)، والتقديرُ في الآيةِ الكريمةِ: صِيَامُكُم خَيْرٌ لكم، وفي المَثَلِ الأوَّلِ: سَمَاعُكَ بالمُعَيْدِيِّ خيرٌ مِن رُؤْيَتِكَ إيَّاه، وفي المثلِ الثاني: وُرُودُكَ الماءَ بماءٍ أَكْيَسُ؛ أي: أكثرُ دَلالةٍ على العقلِ.
وتَقَعُ أنْ في وَسَطِ الكلامِ فيكونُ المصدرُ فاعلاً، نحوُ قولِهِ تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ}، والتقديرُ: أَلَمْ يَأْنِ للذين آمَنُوا خُشُوعُ قُلُوبِهِم، أو يكونُ المصدرُ مفعولاً به، نحوُ قَوْلِهِ تعالى: {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا}، التقديرُ: فأَرَدْتُ عَيْبَهَا، أو يكونُ المصدرُ مجروراً بالإضافةِ، نحوُ قولِه تعالى: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ}، التقديرُ: مِن قبلِ إِتيانِ يَوْمٍ، أو يكونُ مجروراً بحرفِ الجرِّ، نحوُ قولِ الراجِزِ:
*مِنْ أَنْ رَأَتْ رَأْسِي كَرَأْسِ الأَصْلَعِ*

التقديرُ: مِن رُؤْيَتِهَا رَأْسِي... إلخ.

([11]) سورةُ الشعراءِ، الآيةُ: 82.

([12]) سورةُ البقرةِ، الآيةُ: 233، وقد خَرَّجَ قومٌ مِن النُّحَاةِ قراءةَ ابنِ مُحَيْصِنٍ هذه على أصلِها: (لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمُّوا الرَّضَاعَةَ)، فهو منصوبٌ بحذفِ النونِ، والجمعُ بالنظرِ إلى معنى (مَن)، وقد حُذِفَتْ واوُ الجمعِ للتخلُّصِ من الْتِقَاءِ الساكنيْنِ لفظاً، ثمَّ اسْتُتْبِعَ ذلك في الكتابةِ، وهو تَكَلُّفٌ.

([13]) 493-لم أَقِفْ لهذا الشاهدِ على نِسْبَةٍ إلى قائلٍ مُعَيَّنٍ، والذي ذَكَرَه المؤلِّفُ صَدْرُ بيتٍ مِن البسيطِ، وعَجُزُهُ قَوْلُه:
*مِنِّي السَّلامَ، وَأَلاَّ تُشْعِرَا أَحَدَا*
اللغةُ: (تَقْرَآنِ) يقالُ: قَرَأْتُ السلامَ على زَيْدٍ أَقْرَؤُهُ قِرَاءَةً، تُرِيدُ أنكَ قُلْتَ له: اقْرَأِ السلامَ على فلانٍ؛ أي: اتْلُهُ أو أَعِدْهُ عليه، (السَّلامَ) هو التحيَّةُ مُطْلَقاً، سواءٌ أَكَانَتْ من لفظِ السلامِ أم من غيرِ لفظِه، (وَيْحَكُمَا) هو مصدرٌ معناه: (رَحْمَةً لَكُمَا) وانتصابُه بفعلٍ من معناه، (أَلاَّ تُشْعِرَا أَحَدَا)؛ أي: لا تُعْلِمَا بما حَمَّلْتُكُما مِن السلامِ عليها أحداً.
الإعرابُ: (أنْ) حرفٌ مصدريٌّ مُهْمَلٌ مَبْنِيٌّ على السكونِ لا مَحَلَّ له من الإعرابِ، (تَقْرَآنِ) فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ بثُبُوتِ النونِ، وألفُ الاثنيْنِ فاعلُه مَبْنِيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ رفعٍ، (على) حرفُ جرٍّ، (أَسْمَاءَ) مجرورٌ بعلى، وعلامةُ جَرِّهِ الفتحةُ نِيَابَةً عن الكسرةِ؛ لأنَّه اسمٌ لا يَنْصَرِفُ للعَلَمِيَّةِ والتأنيثِ، أو لكونِه مُخْتَتَماً بألفِ التأنيثِ الممدودةِ، (وَيْحَكُمَا) وَيْحَ: مفعولٌ مُطْلَقٌ منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ مِن معناه؛ أي: رَحَمْتُكُمَا رَحْمَةً، وهو مضافٌ وضميرُ المخاطَبِينَ مضافٌ إليه. والجملةُ لا مَحَلَّ لها؛ اعتراضيَّةٌ بينَ الفعلِ معَ فاعلِه ومفعولِه، (مِنِّي) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِه: تَقْرَآنِ، (السَّلامَ) مفعولٌ به لقولِهِ: تَقْرَآنِ، (وأنْ لاَ) الواوُ حرفُ عطفٍ، وأنْ: حرفٌ مصدريٌّ ونَصْبٍ، ولا: حرفُ نَفْيٍ، (تُشْعِرَا) فعلٌ مضارِعٌ منصوبٌ بأنِ المصدريَّةِ، وعلامةُ نصبِه حذفُ النونِ، وألفُ الاثنيْنِ فاعلُه مَبْنِيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ رفعٍ، (أَحَدَا) مفعولٌ به لقولِهِ: تُشْعِرَا، منصوبٌ وعلامةُ نَصْبِهِ الفتحةُ الظاهرةُ.
الشاهِدُ فيه: قولُه: (أَنْ تَقْرَآنِ)؛ حيثُ أَثْبَتَ نونَ الرفعِ معَ تَقَدُّمِ (أنْ)، فدَلَّ ذلك على أنَّ قَوْماً مِن العربِ يُهْمِلُونَ (أنْ) المصدريَّةَ كما يُهْمِلُ جَمِيعَهم (ما) المصدريَّةَ؛ لاسْتِوَائِهِما في الدَّلالةِ على معنًى واحدٍ، ثمَّ إنه أَعْمَلَها في عَجُزِ البيتِ الذي رَوَيْنَاهُ، وذلك في نَظَرِنا قادِحٌ في صِحَّةِ البيتِ وثُبُوتِه عن العربِ، فكيفَ إذا انْضَمَّ إليه جَهَالَةُ قائلِه؟
وقد أَنْكَرَ ذلك الكُوفِيُّونَ، وخَرَّجُوا ما وَرَدَ في هذا البيتِ وأمثالِه على أنَّ (أنْ) ليسَ هي المصدريَّةَ الناصبةَ للمضارِعِ، ولكنَّها المُخَفَّفَةُ من الثقيلةِ، واسمُها ضميرُ شأنٍ محذوفٌ، وجملةُ الفعلِ المضارِعِ وفاعلِه في مَحَلِّ رفعٍ خَبَرُها، وقد كانَ مِن حَقِّ العربيَّةِ على الشاعِرِ أنْ يَفْصِلَ بينَ أنْ هذه وخبرِها بفاصلٍ مِن الفواصِلِ المعروفةِ؛ لأنَّ جملةَ خَبَرِ أنِ المُخَفَّفَةِ مِن الثقيلةِ إذا كانَتْ فِعْلِيَّةً فِعْلُها مُتَصَرِّفٌ غيرَ دُعاءٍ فُصِلَ بينَهما بقد أو تَنْفِيسٍ أو لو... إلخ الفواصِلِ التي سَبَقَ بَيَانُها، والاستشهادُ لكلٍّ مِنها في بابِ إنَّ وأَخَوَاتِها، ولم يَفْصِلِ الشاعرُ في هذا البيتِ بواحدٍ منها، فكانَ شاذًّا من هذه الناحيةِ أيضاً.

([14]) جُمْلَةُ ما يُشْتَرَطُ لِتَحَقُّقِ (أنِ) المُفَسِّرَةِ أربعةُ شروطٍ، ونحنُ نَذْكُرُها لكَ مُفَصَّلَةً مُوَضَّحَةً، ونُبَيِّنُ لكَ مُحْتَرَزَ كُلِّ شَرْطٍ مِنها، فنقولُ:
الشرطُ الأوَّلُ: أنْ تَسْبِقَها جملةٌ، فإنْ كانَ السابقُ عليها مُفْرَداً لم تَكُنْ مُفَسِّرَةً، ومن أمثلةِ ذلك قولُه تعالى: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، وأنْ في هذه الآيةِ مُخَفَّفَةٌ مِن الثقيلةِ، واسمُها ضميرُ شأنٍ مَحْذُوفٌ، وجملةُ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} في مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُها، وجملةُ أنْ واسمِها وخَبَرِها في مَحَلِّ رَفْعٍ خبرُ المبتدأِ الذي هو {آخِرُ دَعْوَاهُمْ}.
الشرطُ الثاني: أنْ تكونَ الجملةُ المتقدِّمَةُ على (أنْ) مِن معنى القولِ، ولَيْسَتْ مِن لفظِ القولِ، فإنْ كانَتْ هذه الجملةُ السابقةُ من لفظِ القولِ، نحوُ أنْ تقولَ: (قُلْتُ له أنِ افْعَلْ) فقالَ جماعةٌ مِن العلماءِ: لا يقالُ ذلك؛ بل هو خَطَأٌ عَرَبِيَّةً. وقالَ آخَرُونَ: يَجُوزُ مثلُ هذا التركيبِ، وتُعْتَبَرُ (أنْ) فيه زائدةً، وجملةُ (افْعَلْ) في مَحَلِّ نصبٍ مقولُ القولِ.
وقد أجازَ ابنُ عُصْفُورٍ أَنْ تَقَعَ أنِ المُفَسِّرَةُ بعدَ صَرِيحِ القولِ؛ كما في هذا المثالِ، وأجازَ جارُ اللهِ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ تعالى: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} أنْ تكونَ أنْ مُفَسِّرَةً، وقالَ: لأنَّ (قُلْتُ) بمعنى أَمَرْتُ، فليسَ القولُ فيها باقياً على مَعْنَاهُ، ويُؤْخَذُ مِن هذا الكلامِ أنَّ مقصودَ النُّحَاةِ من اشتراطِهِم ألاَّ تَكُونَ الجملةُ السابقةُ على أنِ المُفَسِّرَةِ من لفظِ القولِ أنها لا تكونُ مِن لَفْظِ القولِ، معَ بَقَاءِ القولِ على مَعْنَاهُ الأَصْلِيِّ، فإنْ خَرَجَ عن معناهُ الأَصْلِيِّ جازَ أنْ تكونَ مُفَسِّرَةً له كما في الآيةِ.
الشرطُ الثالِثُ: أنْ تَتَأَخَّرَ عنها جملةٌ، فإنْ تَأَخَّرَ عنها مفردٌ، نحوُ أنْ تقولَ: (اشْتَرَيْتُ عَسْجَداً أَنْ ذَهَبَا)، فهذا التعبيرُ خَطَأٌ بالإجماعِ، وتَصْحِيحُه بواحدٍ مِن أمريْنِ:
الأَوَّلُ: تَرْكُ حرفِ التفسيرِ بَتَّةً، فتقولُ: اشْتَرَيْتُ عَسْجَداً ذَهَباً، ويكونُ الاسمُ الثاني بَدَلاً أو عَطْفَ بَيَانٍ، والثاني أنْ تَأْتِيَ بأيْ فتقولَ: (اشْتَرَيْتُ عَسْجَداً؛ أي: ذَهَباً).
الشرطُ الرابِعُ: ألاَّ يَدْخُلَ على أنْ هذه حرفُ جَرٍّ، فإنْ دَخَلَ عليها حَرْفُ الجرِّ، كأنْ تقولَ: (كَتَبْتُ إِلَيْهِ بِأَنْ قُمْ)، أو تقولَ: (كَتَبْتُ إليه أنِ افْعَلْ كذا)، وأنتَ تُقَدِّرُ الباءَ قبلَ أنْ، فهي في هذيْن المثاليْنِ أنِ المَصْدَرِيَّةُ، والمصدرُ المُنْسَبِكُ منها ومن مَدْخُولِها مجرورٌ بالباءِ الملفوظِ بها أو المُقَدَّرَةِ.
هذا، وقد أَنْكَرَ جمهورُ الكُوفِيِّينَ أنْ تكونَ (أنْ) تَفْسِيرِيَّةً، وقالوا في تعليلِ هذا المقالِ: إنَّكَ لو قُلْتَ: (كَتَبْتُ إليه) فكيفَ تكونُ أنْ تَفْسِيرِيَّةً وما بعدَها ليسَ تَفْسِيراً لِمَا قَبْلَها.
والصحيحُ في هذه المسألةِ ما ذَهَبَ إليه البَصْرِيُّونَ، وتفسيرُ ما بعدَ أنْ لِمَا قَبْلَها على ضَرْبَيْنِ؛ لأنَّه إمَّا أنْ يكونَ تَفْسِيراً لنفسِ الفعلِ السابقِ وبَيَاناً له، نحوُ قَوْلِكَ: (أَمَرْتُهُ أنِ اضْرِبْ صَفْحاً عن هذا)؛ فإنَّ ما بعدَ أنْ بيانٌ لنفسِ أَمَرْتُهُ، وإما أنْ يكونَ تَفْسِيراً وبَيَاناً لمفعولِ الفعلِ السابقِ، نحوُ: (كَتَبْتُ إليه أنْ أَطِعْ رَبَّكَ)؛ فإنَّ (أَطِعْ رَبَّكَ) ليسَ تَفْسِيراً وبَيَاناً لقولِكَ: كَتَبْتُ إليه، ولكنَّه بيانٌ لِلْمَكْتُوبِ.

([15]) سورةُ المؤمنينَ، الآيةُ: 27.

([16]) سورةُ ص، الآيةُ: 6.

([17]) سورةُ يُوسُفَ، الآيةُ: 96.

([18]) هذا الشاهِدُ قد اخْتَلَفَ العلماءُ في نِسْبَتِهِ إلى قائلِه، وقد سَبَقَ للمؤلِّفِ الاستشهادُ به في بابِ (إنَّ) وأَخَوَاتِها، وتَكَلَّمْنَا عليه هناكَ وبَيَّنَّا الاختلافَ الذي نُشِيرُ إليه بَيَاناً لا يُحْتَاجُ معَه إلى الإعادةِ، والذي ذَكَرَه المؤلِّفُ ههنا عَجُزُ بيتٍ مِن الطويلِ، وصَدْرُهُ قولُه:
*وَيَوْماً تُوَافِينَا بِوَجْهٍ مُقَسَّمِ*

الشاهدُ فيه: ههنا قولُه: (كأنْ ظَبْيَةٍ) فيمَن رَوَاهُ بجرِّ ظَبْيَةٍ؛ فإنَّ تَخْرِيجَ ذلك على أنَّ ظَبْيَةً مجرورٌ بالكافِ، وأنْ زائدةٌ بينَهما، وأمَّا مَن رَوَاهُ بالنصبِ فعلى أنَّ (كأنْ) حرفُ تَشْبِيهٍ ونصبٍ، مُخَفَّفٌ مِن المُثَقَّلِ، وظَبْيَةً اسْمُه، وفيه غيرُ ذلكَ مِن الأعاريبِ، وقد ذَكَرْنَاهَا هناكَ.

([19]) ذَكَرَ المؤلِّفُ ثلاثةَ مواضِعَ تُزَادُ فيها (أنِ) المفتوحةُ الهمزةِ الساكنةُ النونِ. وزادَ في هذا الكتابِ مَوْضِعاً رَابِعاً، وهو أنْ تَقَعَ بعدَ (إِذَا)، نحوُ قولِ الشاعِرِ:
فَأَمْهَلَهُ حَتَّى إِذَا أَنْ كَأَنَّهُ = مُعَاطى يَدٍ فِي لُجَّةِ الْمَاءِ غَامِرُ
وقد اسْتَشْكَلَ قومٌ مِن الباحثينَ المرادَ بإذا في هذا البيتِ، وزَعَمَ أنها لا تَصْلُحُ شَرْطِيَّةً؛ لِعَدَمِ الشرطِ والجوابِ، ولا ظَرْفِيَّةً؛ لعدمِ الجملةِ التي تُضافُ إليها، ولا فُجَائِيَّةً؛ لِوُقُوعها بعدَ حتى؛ لأنَّ إذا الفُجَائِيَّةَ لا تَقَعُ بعدَ حَتَّى.
والصوابُ أنَّ (إذا) في هذا المَوْضِعِ ظرفيَّةٌ مُجَرَّدَةٌ عن معنى الشرطِ، وأنَّ بَعْدَها فعلاً مُقَدَّراً تُضافُ هي إلى جُمْلَتِهِ، والتقديرُ: فأَمْهِلْهُ حتى إذا يقالُ فيه كأنْ... إلخ.
وقد ذَكَرَ الأخفشُ أنها تُزَادُ في غيرِ هذه المواضِعِ الأربعةِ، وخَرَّجَ على زِيَادَتِها قولَه تعالى: {وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ} زَعَمَ أنَّ (أنْ) زائدةٌ، وأنَّ تقديرَ الكلامِ: وما لنا لا نَتَوَكَّلُ على اللهِ؛ لئلاَّ يَقَعَ المصدرُ المُنْسَبِكُ من أنِ المصدريَّةِ ومَدْخُولِها حالاً، والصوابُ أنَّ (أنْ) في الآيةِ الكريمةِ مصدريَّةٌ ناصبةٌ للمضارِعِ، وأنَّ قَبْلَها حرفُ جَرٍّ مُقَدَّرا، والأصلُ: وما لنا في ألاَّ نَتَوَكَّلَ على اللهِ، فالواقِعُ حالاً هو الجارُّ والمجرورُ، لا المَصْدَرُ، وحذفُ حرفِ الجرِّ قبلَ أنِ المصدريَّةِ قِيَاسِيٌّ سَائِغٌ.

([20]) 494- هذا الشاهِدُ مِن كلامِ المُسَيَّبِ بنِ عَلَسٍ، يُخَاطِبُ بَنِي عامِرِ بنَ ذُهْلٍ، وهو من شواهدِ سِيبَوَيْهِ (ج1 ص455)، والذي أَنْشَدَهُ المؤلِّفُ صَدْرُ بيتٍ مِن الطويلِ، وعَجُزُهُ معَ بيتٍ سابقٍ عَلَيْه قولُه:
لَعَمْرِي لَئِنْ جَدَّتْ عَدَاوَةُ بَيْنِنَا = لَيُنْتَحَيَنْ مِنِّي عَلَى العَظْمِ مِيسَمُ
فأَقْسِمُ أَنْ.......... = لكانَ لَكُمْ يَوْمٌ مِن الشرِّ مُظْلِمُ
الإعرابُ: (أُقْسِمُ) فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ بالضمَّةِ الظاهرةِ، وفاعلُه ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوباً تقديرُه أنا، (أنْ) حرفٌ زائدٌ مَبْنِيٌّ على السكونِ لا مَحَلَّ له من الإعرابِ، (لو) حرفُ شرطٍ غيرُ جازِمٍ مَبْنِيٌّ على السكونِ، لا مَحَلَّ له مِن الإعرابِ، (الْتَقَيْنَا) فعلٌ ماضٍ وفاعلُه، والجملةُ لا مَحَلَّ لها، شَرْطُ لو، (وَأَنْتُمُ) الواوُ حرفُ عطفٍ، أَنْتُمُ: معطوفٌ على نَا في قَوْلِهِ: الْتَقَيْنَا، وكانَ مِن حَقِّ العربيَّةِ أنْ يُؤَكِّدَ الضميرَ المرفوعَ المُتَّصِلَ قبلَ العطفِ عليه فيقولَ: لوِ الْتَقَيْنَا نحن وأنتم، مثلاً، (لَكَانَ) اللامُ واقعةٌ في جوابِ لو، وكانَ: فعلٌ ماضٍ يَجُوزُ أنْ يكونَ تامًّا بمعنى حَدَثَ، ويَجُوزُ أنْ يكونَ ناقصاً يَرْفَعُ الاسمَ ويَنْصِبُ الخبرَ، (لكم) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرُ كانَ تَقَدَّمَ على اسمِه، (يَوْمٌ) اسمُ كانَ، فإنْ جَعَلْتَ كانَ تامَّةً فيومٌ فاعلُها، والجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بها، (مِنَ الشَّرِّ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ صِفَةٌ لِيَوْمٌ، (مُظْلِمُ) صفةٌ ثانيةٌ لِيَوْمٌ، وجوابُ القَسَمِ محذوفٌ، يَدُلُّ عليه جوابُ لو، على أرجحِ الأقوالِ من أنَّ جوابَ الشرطِ الامتناعيَّ هو المذكورُ في الكلامِ؛ تَقَدَّمَ الشرطُ على القَسَمِ أو تَأَخَّرَ.
الشاهِدُ فيه: قولُه: (أُقْسِمُ أَنْ لو)؛ حيثُ وَقَعَتْ (أنْ) زائدةً بينَ فعلِ القَسَمِ ولو، وفِعْلُ القَسَمِ مذكورٌ في هذا الشاهِدِ كما هو واضِحٌ، ورُبَّمَا وَقَعَتْ أنْ هذا الموقِعَ معَ حذفِ فعلِ القَسَمِ كما في قولِ الشاعِرِ:
أَمَا وَاللهِ أَنْ لَوْ كُنْتَ حُرًّا = وما بِالْحُرِّ أَنْتَ وَلاَ الْعَتِيقِ
التقديرُ: أُقْسِمُ واللهِ لو كُنْتَ حُرًّا لعَرَفْتَ لِي مَنْزِلَتِي، مَثَلاً.

([21]) سورةُ المُزَّمِّلِ، الآيةُ: 20.

([22]) سورةُ طه، الآيةُ: 89.

([23]) سورةُ المائدةِ، الآيةُ: 71.

([24]) سورةُ العنكبوتِ، الآيةُ: 2.

([25]) الأَخَوَانِ حَمْزَةُ والكِسَائِيُّ، وقد قَرَأَ أبو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسَائِيُّ بالرفعِ، وههنا أمرانِ نُنَبِّهُكَ إليهما:
الأوَّلُ: مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والجمهورِ، وحاصِلُه: أنَّ المُعَوَّلَ عليه في اعتبارِ (أنْ) مَصْدَرِيَّةً أو مُخَفَّفَةً مِن الثقيلةِ بعدَ أفعالِ الشكِّ؛ كَظَنَّ، أو اليَقِينِ؛ كعَلِمَ، هو المعنَى، فإذا جِيءَ بلفظِ (عَلِمَ) وأُرِيدَ منه معناه، وهو اليقينُ، كانَتْ (أنْ) مُخَفَّفَةً مِن الثقيلةِ، فإنْ أُرِيدَ منه معنَى الشكِّ كانَتْ (أن) مصدريَّةً، وعلى العكسِ مِن ذلك إذا جِيءَ بلفظِ (ظَنَّ) وأُرِيدَ منه معناه كانَتْ (أنْ) مصدريَّةً، فإنْ أُرِيدَ منه معنى العِلْمِ، وهو اليقينُ، كانَتْ (أنْ) مُخَفَّفَةً مِن الثقيلةِ، وعلى هذا الكلامِ خَرَجَتِ الآياتُ التي تَلاَهَا المؤلِّفُ، وهذا الذي قَرَّرْنَاهُ هو كما قُلْنَا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وذَهَبَ أبو العبَّاسِ المُبَرِّدُ إلى أنَّ العِبْرَةَ باللفظِ، فكُلَّمَا كانَ اللفظُ مَوْضُوعاً لِلْيَقِينِ كانَتْ (أنْ) بعدَه مُخَفَّفَةً مِن الثقيلةِ، وكُلَّمَا كانَ اللفظُ مَوْضُوعاً لِلتَّرَدُّدِ كانَتْ أنْ مَصْدَرِيَّةً ناصبةً، ولا يجوزُ عندَه إجراءُ العِلْمِ مَجْرَى الظنِّ، ولا إجراءُ الظنِّ مَجْرَى العِلْمِ، كما كانَ الأمرانِ جائزيْنِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ.
الأمرُ الثاني: أنَّ مَذْهَبَ الجمهورِ والمُبَرِّدُ معَهم مُتَّفِقَانِ على أنَّ ثَمَّةَ مَوْضِعاً تَتَعَيَّنُ فيه أنِ المُخَفَّفَةُ مِن الثقيلةِ، وهو أنْ يكونَ السابِقُ عليها كلاماً دالاًّ على اليَقِينِ إمَّا بلفظِه؛ كما هو رأيُ المُبَرِّدِ، وإما بمعناه، كما هو رأيُ سِيبَوَيْهِ، وقد ذهَبَ الفَرَّاءُ وابنُ الأَنْبَارِيِّ إلى أنه ليسَ لها مَوْضِعٌ تَتَعَيَّنُ فيه، بل يجوزُ أنْ تَقَعَ (أنِ) المصدريَّةُ الناصبةُ للمضارِعِ بعدَ صَرِيحِ العَلَمِ الباقي على معناهُ.

([26]) قد اخْتَلَفَ النُّحَاةُ في (إِذَن) التي يَقَعُ بعدَها الفعلُ المضارِعُ منصوباً اختلافاً كثيراً ذا مَرَاتِبَ يَعْقُبُ بعضُها بعضاً، ونحنُ نَذْكُرُ لك هذه الاختلافاتِ على وجهِ الإجمالِ.
الخلافُ الأوَّلُ: أهي حرفٌ أم اسمٌ؟ ولهم في ذلكَ – على وجهِ الإجمالِ – قولانِ:
أَحَدُهما: أنَّها اسمٌ، ثُمَّ قيلَ: أَصْلُها (إذا) الظرفيَّةُ التي تَتَضَمَّنُ معنى الشرطِ، وأنه إذا قِيلَ لكَ: (سَأَزُورُكَ)، فقلتَ في جوابِ هذا الكلامِ: (إِذاً أُكْرِمَكَ)؛ فإنَّ أصلَ كلامِكَ: إذَا زُرْتَنِي أُكْرِمُكَ، فجُملةُ زُرْتَنِي بعدَ إذا في مَحَلِّ جرٍّ بإضافةِ إذا إليها، وقد حُذِفَتْ هذه الجملةُ، وعَوَّضَ عنها تنوينُ إذاً، وحُذِفَتِ الألِفُ للتخلُّصِ من الساكنيْنِ، فأما ناصِبُ المضارِعِ بعدَها فهو (أنِ) المصدريَّةُ مُضْمَرَةً، وأنِ المصدريَّةُ المُضْمَرَةُ ومَدْخُولُها في تأويلِ مصدرِ يكونُ فاعلاً لفِعْلٍ محذوفٍ، والتقديرُ: إذنْ وَقَعَ إكرامُكَ؛ أي: إذا زُرْتَنِي وَقَعَ إكرامُكَ، وهذا قولُ جماعةٍ مِن الكُوفِيِّينَ، وقيلَ: أَصْلُها: إذْ – بسكونِ الذالِ – وهو الظرفُ المُخْتَصُّ وَضْعاً بالزمانِ الماضِي – ثمَّ حُذِفَتِ الجملةُ التي تُضَافُ إليها إذْ، وعُوِّضَ عنها التنوينُ، ثُمَّ فُتِحَتِ الذالُ ليكونَ في صورةِ ظرفٍ منصوبٍ، ثُمَّ جُعِلَ صالِحاً لجميعِ الأزمنةِ بعدَما كانَ مُخْتَصًّا بالماضي، وضُمِّنَ معنى الشرطِ، وهذا رأيُ رَضِيِّ الدِّينِ شارِحِ الكافِيَةِ، وهذا الكلامُ – ومثلُه كلامُ الكُوفِيِّينَ السابِقِ – أَشْبَهَ الأشياءَ بالتَّكَهُّنَاتِ التي نُحِبُّ لكَ ألاَّ تُلْقِيَ إليها بالاً.
والقولُ الثاني: أنها حرفٌ، وهو قولُ جمهورِ النحاةِ، وهو القولُ الخَلِيقُ بالقَبُولِ.
الخلافُ الثاني: بعدَ اختيارِ كونِ (إذنْ) هذه حرفاً، أهو بَسيطٌ أم مُرَكَّبٌ؟ ولهم في ذلكَ مذهبانِ إجمالاً:
الأوَّلُ: أنها مُرَكَّبَةٌ، ثُمَّ قيلَ: هي مُرَكَّبَةٌ مِن (إذْ) - بسكونِ الذالِ – و(أنِ) المصدريَّةِ، نُقِلَتْ حركةُ الهمزةِ مِن (أنْ) إلى ذالِ إذْ، ثمَّ حُذِفَتِ الهمزةُ فصَارَتْ (إذنْ) وغَلَبَ عليها بعدَ التركيبِ حُكْمُ الحرفيَّةِ، وهذا كلامُ الخليلِ بنِ أحمدَ، وقيلَ: هي مركَّبَةٌ مِن إذَا وأنْ، فحُذِفَتِ الهمزةُ مِن أنْ ثمَّ الألِفُ من إذا للتخلُّصِ من التقاءِ الساكنيْنِ، فصارَتْ إِذَنْ، وهذا قولُ أبي عليٍّ الرُّنْدِيِّ، زَعَمَ أنه قالَ ذلك؛ لأنَّه وَجَدَها تقومُ مقامَ هاتيْنِ الكَلِمَتَيْنِ، فهي تَدُلُّ على ربطِ الكلامِ بكلامٍ، كما أنَّ إذَا تَدُلُّ على ذلكَ، وهي تَنْصِبُ الفعلَ المضارعَ كما أنَّ المصدريَّةَ كذلك، وليسَ يَخْفَى عليكَ أنَّ كلامَ الخليلِ هذا وكلامَ الرُّنْدِيِّ – معَ =تهافتِه – يَدُلُّ على أنهما يَرَيَانِ أنَّ الناصبَ للمضارِعِ وهو إذنْ نَفْسُها؛ لأنَّ (أنِ) المصدريَّةَ جزءٌ مِن الأجزاءِ التي تَرَكَّبَتْ مِنها، والقولُ الثاني: أنها بسيطةٌ لا تَرْكِيبَ فيها، وهو قولُ الجمهورِ، وهو الصحيحُ.
الخلافُ الثالِثُ: بعدَ اختيارِ أنَّ (إِذَنْ) حرفٌ، وأنه بسيطٌ، أهو عاملٌ النصبَ في الفعلِ المضارِعِ، أم أنَّ العاملَ مُضْمَرٌ بَعْدَها، ولهم في ذلك قولانِ:
أَحَدُهما: أنَّ ناصِبَ الفعلِ المضارِعِ هو (أنِ) المصدريَّةُ مُضْمَرَةً بعدَها، وسَبَبُ ذلك أنَّ (إِذَنْ) ليسَتْ مُخْتَصَّةً بالفعلِ، بل يجوزُ أنْ يَقَعَ بعدَها الاسمُ؛ كما تقولُ: (إِذَنْ عبدُ اللهِ يَزُورُكَ)، ومن حَقِّ الحرفِ المشترَكِ ألاَّ يَعْمَلَ، ويُنْسَبُ هذا إلى الخليلِ بنِ أحمدَ، فيكونُ للخليلِ رَأْيَانِ في (إِذَنْ).
والقولُ الثاني: أنَّ إِذَنْ هي الناصبةُ للمضارِعِ بنفسِها، وهذا رأيُ جمهورِ النحاةِ؛ بَصْرِيِّهم وكُوفِيِّهِم، وهو القولُ الصحيحُ الذي نَرَى لكَ أنْ تَأْخُذَ به.
الخلافُ الرابِعُ: بعدَ اختيارِ كونِ (إذنْ) حرفاً بسيطاً ناصباً للمضارِعِ بنفسِه، ما معناه؟
قالَ سِيبَوَيْهِ: هي حرفُ جوابٍ وجزاءٍ. والمرادُ بكونِها للجوابِ أنها تَقَعُ في كلامٍ يُجَابُ به كلامٌ آخَرُ ملفوظٌ به أو مُقَدَّرٌ، سواءٌ وَقَعَتْ في أَوَّلِهِ أو في وَسَطِه أو في آخِرِهِ، والمرادُ بكونِها للجزاءِ أنَّ مَضْمُونَ الكلامِ الذي تَقَعُ هي فيه جَزَاءٌ لِمَضْمُونِ كلامٍ آخَرَ، وقد اخْتَلَفَ النُّحَاةُ بعدَ سِيبَوَيْهِ؛ فذَهَبَ الشَّلَوْبِينُ إِلَى أنها حَرْفٌ دالٌّ على الجوابِ والجزاءِ معاً في كلِّ كلامٍ تَقَعُ فيه، وذَهَبَ أبو عليٍّ الفَارِسِيُّ إلى أنَّ كَوْنَهَا حرفاً دالاًّ على الجوابِ لا يُفَارِقُها، وأما كونُها حرفاً دالاًّ على الجزاءِ فقد يُفَارِقُها، فهي دالَّةٌ على الجوابِ والجزاءِ في الأكثرِ، وقد تَتَمَحَّضُ للدَّلالةِ على الجوابِ، وذلك كما لو قالَ لكَ قائلٌ: (إِنِّي أنا أُحِبُّكَ) فقلتَ له: (إِذَنْ أَظُنَّكَ صادقاً)؛ فإنَّ هذا الكلامَ الذي أَجَبْتَ به لا دَلالةَ له على الجزاءِ.
الخلافُ الخامِسُ: في بيانِ الشروطِ التي اشْتَرَطَهَا النحاةُ، وبيانِ ما اتّفَقُوا على اشْتِرَاطِهِ وما اخْتَلَفُوا فيه، ولا نَرَى أنْ نَتَعَرَّضَ لذلك ههنا؛ لأنَّ المؤلِّفَ قد تَعَرَّضَ لهذا الموضوعِ، ونحنُ سَنُتَمِّمُ كلامَه في حِينِهِ، فنَذْكُرُ ما أَهْمَلَه مِنه.
الخلافُ السادِسُ: إذا اسْتَكْمَلَتْ (إذنِ) الشروطَ التي ذَكَرَها النحاةُ اسْتِقْرَاءً مِن كلامِ العربِ، أَيَجُوزُ إِهْمَالُها معَ ذلك، فيَقَعُ الفعلُ المضارِعُ بعدَها مرفوعاً، أم لا يجوزُ ذلكَ فيها؟ وبعبارةٍ أُخْرَى: أَثَبَتَ بالنقلِ الصحيحِ أنَّ قَوْماً مِن العربِ لا يَنْصِبُونَ الفِعْلَ المضارِعَ بعدَ إذنْ، أم أنَّ جميعَ العربِ يَأْتُونَ بالمضارِعِ بعدَها منصوباً؟
والجوابُ عن هذا: أنَّ نَقْلَ العلماءِ في هذا الموضوعِ مُخْتَلِفٌ؛ فقد نَقَلَ عِيسَى بنُ عُمَرَ أنَّ قوماً من العربِ مِن لُغَتِهِم أنْ يُهْمِلُوا (إذنْ) معَ اسْتِيفَاءِ جميعِ الشروطِ، فهم يَرْفَعُونَ الفعلَ المضارِعَ بَعْدَهَا، وحَكَاهَا عنه سِيبَوَيْهِ (1/412)، كما حَكَى غَيْرُه أنَّ قَوْماً مِن العربِ يُهْمِلُونَ (أنِ) المصدريَّةَ ويَرْفَعُونَ الفِعْلَ المضارِعَ بَعْدَها، وقد تَلَقَّى البَصريُّونَ حكايةَ عِيسَى بنِ عُمَرَ هذه بالقَبُولِ، ووَافَقَهُم على ذلك أبو العبَّاسِ أحمدُ بنُ يَحْيَى ثَعْلَبٌ الكُوفِيُّ، وخَالَفَ في ذلك جمهورُ الكُوفِيِّينَ، فلم يُجِزْ أحدٌ مِنهم رَفْعَ الفعلِ المضارِعِ بعدَ (إذنْ) متى اسْتَكْمَلَتْ شُرُوطَ إِعْمَالِها، وأَنْكَرَ الكِسَائِيُّ والفَرَّاءُ رِوَايَةَ عِيسَى بنِ عُمَرَ معَ اتِّسَاعِ حِفْظِهما وكثرةِ أَخْذِهما بالشاذِّ والقليلِ، إلا أنه يَنْبَغِي لكَ أنْ تَعْلَمَ أنَّ رِوَايَةَ الثِّقَةِ الحُجَّةِ مَقْبُولَةٌ، ولا تُرَدُّ بِمُجَرَّدِ أنَّ غَيْرَه من الحُفَّاظِ لم يَرْوِها؛ فإنَّ مَن حَفِظَ حُجَّةٌ على مَن لم يَحْفَظْ، لكنها – معَ ذلك كُلِّهِ – لُغَةٌ نَادِرَةٌ جِدًّا.

([27]) 495- هذا الشاهِدُ من كلامِ كُثَيِّرِ عَزَّةَ، وكانَ قد مَدَحَ عبدَ العزيزِ بنَ مَرْوَانَ فأَعْجَبَتْهُ مِدْحَتُه، فقالَ له: احْتَكِمْ. فطَلَبَ أنْ يكونَ كَاتِبَه وصاحِبَ أَمْرِهِ، فطَرَدَه وغَضِبَ عليه، والذي أَنْشَدَهُ المؤلِّفُ هنا عَجُزُ بيتٍ مِن الطويلِ، وصَدْرُه قولُه:
*لَئِنْ عَادَ لِي عَبْدُ العَزِيزِ بِمِثْلِهَا*

اللغةُ: (عادَ) رَجَعَ، (عبدُ العزيزِ) هو عبدُ العزيزِ بنُ مَرْوَانَ بنِ الحَكَمِ، والِدُ عُمَرَ بنِ عَبْدِ العَزِيزِ الخَلِيفَةِ الأُمَوِيِّ العَادِلِ، (بِمِثْلِهَا) أرادَ بِمِثْلِ الكَلِمَةِ التي قَالَهَا له حِينَ حَكَّمَه في اختيارِ الجَائِزَةِ، (أَمْكَنَنِي مِنْهَا)؛ أي: جَعَلَنِي مُتَمَكِّناً منها، (لا أَقِيلُهَا) لا أَتْرُكُها ولا أَرُدُّها، وهي بالقافِ المثنَّاةِ، ويُرْوَى: (لا أَفِيلُهَا) بالفاءِ مِن قَوْلِهِم: (فالَ رأيُ فلانٍ يَفِيلُ) إذا تَرَكَ الصوابَ وعَدَلَ عنه إلى ما لا يَنْبَغِي الأخذُ به.
الإعرابُ: (لَئِن) اللامُ واقعةٌ في جوابِ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ، إنْ: حرفُ شرطٍ جَازِمٌ، (عادَ) فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ في مَحَلِّ جزمٍ فعلُ الشرطِ، (لي) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بعادَ، (عَبْدُ) فاعلُ عادَ، وهو مضافٌ و(العَزِيزِ) مضافٌ إليه، (بِمِثْلِهَا) الباءُ حرفُ جرٍّ، مِثْلِ: مجرورٌ بالباءِ، والجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بعادَ أيضاً، ومِثْلِ مضافٌ وضميرُ الغائبةِ مضافٌ إليه، (وأَمْكَنَنِي) الواوُ حرفُ عطفٍ، أَمْكَنَ: فعلٌ ماضٍ معطوفٌ على عادَ، وفاعلُه ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازاً تقديرُه هو يعودُ إلى عبدُ العزيزِ، والنونُ للوقايةِ، وياءُ المتكلِّمِ مفعولٌ به، (منها) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بأَمْكَنَ، (إِذَنْ) حرفُ جوابٍ وجزاءٍ مُهْمَلٍ، لا عَمَلَ له، مَبْنِيٌّ على السكونِ لا مَحَلَّ له من الإعرابِ، (لا) حرفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ على السكونِ لا مَحَلَّ له من الإعرابِ، (أَقِيلُهَا) أَقِيلُ: فعلٌ مضارِعٌ مرفوعٌ؛ لِتَجَرُّدِهِ من الناصِبِ والجازِمِ، وعلامةُ رَفْعِهِ الضمَّةُ الظاهرةُ، وفاعلُه ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوباً تَقْدِيرُه أنا، وضميرُ الغائبةِ العائدُ إلى الكَلِمَةِ مفعولٌ به مَبْنِيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ نصبٍ.
الشاهِدُ فيه: قولُه: (إِذَنْ لا أَقِيلُهَا)؛ حيثُ أَهْمَلَ إِذَنْ، فلم يَنْصِبْ بها الفعلَ المضارِعَ الواقعَ بعدَها، وهو قولُه: (أَقِيلُهَا)؛ لأنَّ إذنْ في البيتِ قد وَقَعَتْ في حَشْوِ الكلامِ، ومَن شَرَطَ النصبَ بها أنْ تكونَ مُصَدَّرَةً؛ أي: واقعةً في صَدْرِ جُمْلَتِها.
وما يَنْبَغِي أنْ تَتَنَبَّهَ له أنَّ (إذن) تَقَعُ حَشْواً في ثلاثِ صُوَرٍ:
الصورةُ الأُولَى: أنْ تَقَعَ بينَ المبتدأِ وخبرِه، نحوُ أنْ تقولَ: (زيدٌ إذن يُكْرِمُكَ) جواباً لِمَن قالَ لكَ: سَأَزُورُكُم اليومَ.
الصورةُ الثانيةُ: أنْ تَقَعَ بينَ الشرطِ وجوابِه، نحوُ أنْ تقولَ: (إنْ تَزُرْنَا إِذَنْ نُكْرِمْكَ).
الصورةُ الثالثةُ: أنْ تَقَعَ بَيْنَ القَسَمِ وجوابِه، سواءٌ أكانَ القَسَمُ مذكوراً، نحوُ أنْ تقولَ: (واللهِ إِذَنْ أُكْرِمُكَ)، أم كانَ القَسَمُ محذوفاً، نحوُ أنْ تقولَ: (لَئِنْ زُرْتَنِي إِذَنْ أُكْرِمُكَ)، فإذنْ وَاقِعَةٌ في جوابِ القَسَمِ، وأمَّا جوابُ الشرطِ فمحذوفٌ؛ لِدَلالةِ جوابِ القَسَمِ عليه، ونَظِيرُ هذا ما وَرَدَ في البيتِ الشاهِدِ، فإنَّ قولَه: (إِذَنْ لا أُقِيلُها) هو جوابُ القَسَمِ، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ؛ لِدَلالةِ جوابِ القَسَمِ عليه؛ لأنَّ القَسَمَ هو المتقدِّمُ في الكلامِ بِسَبَبِ تَقَدُّمِ اللامِ المُوَطِّئَةِ.

([28]) 496- لم أَجِدْ أحداً نَسَبَ هذا البيتَ إلى قائلٍ مُعَيَّنٍ، والذي أَنْشَدَهُ المؤلِّفُ بيتٌ مِن الرَّجَزِ المشطورِ، وقبلَه قولُه:
*لا تَتْرُكَنِّي فِيهِمُ شَطِيرَا*

اللغةُ: (لا تَتْرُكَنِّي) يريدُ: لا تُصَيِّرَنِّي بهذه المنزلةِ، ونَظِيرُه قولُ النابغةِ الذُّبْيَانِيِّ في اعْتِذَارَاتِهِ للمَلِكِ النُّعْمَانِ:
فَلاَ تَتْرُكْنِي بِالْوَعِيدِ كَأَنَّنِي = إلى الناسِ مَطْلِيٌّ بِهِ الْقَارُ أَجْرَبُ
(شَطِيرَا) الشَّطِيرُ – بفتحِ الشينِ – مثلُ البَعِيدِ والغريبِ في الوزنِ والمعنى، (أَهْلِكَ) أموتَ، (أَطِيرَ) معناه الأصليُّ: أَذْهَبُ بَعِيداً.
الإعرابُ: (لا) حرفُ نَهْيٍ، (تَتْرُكَنِّي) تَتْرُكَ: فعلٌ مضارعٌ مَبْنِيٌّ على الفتحِ؛ لاتِّصَالِهِ بنونِ التوكيدِ الثقيلةِ في مَحَلِّ جزمٍ بلا الناهيةِ، وفاعلُه ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوباً تقديرُه أنتَ، ونونُ التوكيدِ حرفٌ لا مَحَلَّ له من الإعرابِ، وياءُ المتكلِّمِ مفعولٌ أوَّلُ لِتَتْرُكَ مَبْنِيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ نصبٍ، (فيهم) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ: تَتْرُكَ، (شَطِيرَا) مفعولٌ ثانٍ لِتَتْرُكَ منصوبٌ بالفتحةِ الظاهرةِ، (إِنِّي) إنَّ: حرفُ توكيدٍ ونَصْبٍ، وياءُ المتكلِّمِ اسمُه مَبْنِيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ نَصْبٍ، (إِذَنْ) حرفُ جوابٍ وجزاءٍ، (أَهْلِكَ) فعلٌ مضارِعٌ منصوبٌ بإِذَنْ، وعلامةُ نَصْبِهِ الفتحةُ الظاهرةُ، وفاعلُه ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوباً تقديرُه أنا، (أو) حرفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ على السكونِ لا مَحَلَّ له من الإعرابِ، (أَطِيرَا) فعلٌ مضارِعٌ معطوفٌ على أَهْلِكَ منصوبٌ، وعلامةُ نصبِه الفتحةُ الظاهرةُ، وفاعلُه ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوباً تقديرُه أنا، والألِفُ للإطلاقِ.
الشاهِدُ فيه: قولُه: (إِنِّي إِذَنْ أَهْلِكَ) حيثُ نَصَبَ الفعلَ المضارِعَ الذي هو أَهْلِكَ بعدَ إِذَنْ، معَ أنَّ إِذَنْ لَيْسَتْ مُصَدَّرَةً، بل هي مَسْبُوقَةٌ بقولِهِ: إنِّي، وقد تَقَدَّمَ لنا أنَّ مِن صُوَرِ وُقُوعِ إِذَنْ في حَشْوِ الكلامِ أنْ تَقَعَ بينَ المبتدأِ والخبرِ، وهي هنا واقعةٌ بينَ إنْ معَ اسمِها وبينَ خَبَرِها، فما في البيتِ مِن هذه الصورةِ بحَسَبِ ظاهرِ الكلامِ.
وقد جَرَى جماعةٌ على أنَّ ذلك ضرورةٌ من ضروراتِ الشِّعْرِ، وذلك بِناءً على أنَّ (إذنْ) وما بعدَها جملةٌ في مَحَلِّ رفعٍ خبرُ إنَّ.
وخَرَّجَهُ جماعةٌ على ما ذَكَرَهُ المؤلِّفُ، وهو تَخْرِيجٌ حَسَنٌ، وحاصِلُه أنَّ خَبَرَ (إنَّ) محذوفٌ، و(إِذَنْ) واقعةٌ في صَدْرِ جملةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ، وكأنه قد قالَ: إني لا أَسْتَطِيعُ ذلك، أو قالَ: إني لا أَقْدِرُ على ذُلٍّ. ثمَّ اسْتَأْنَفَ كلاماً مُتَرَتِّبا على ما ذَكَرَ فقالَ: إذنْ أَهْلِكَ أو أَطِيرَا.

([29]) فإنْ قُلْتَ: فهل جَوَازُ الرفعِ والنصبِ خاصٌّ بوُقُوعِ (إِذَنْ) بعدَ واوِ العطفِ وفائِه، أو تَسْتَوِي حروفُ العطفِ كلُّها في ذلك الحُكْمِ؟
فالجوابُ: أنَّ ظَاهِرَ عبارةِ ابنِ مَالِكٍ في الألفيَّةِ أنَّ حُرُوفَ العَطْفِ كُلَّها سواءٌ في ذلك الحُكْمُ؛ وذلك لأنَّه يقولُ: (وانْصِبْ وارْفَعَا *إِذَا إِذَنْ مِنْ بَعْدِ عَطْفٍ وَقَعَا)، وعلى ذلك لو قُلْتَ: (أنا خارِجٌ إلى حَوْمَةِ الحربِ ثمَّ إِذَنْ أُقَاتِلُ َ الأعداءَ) جازَ في (أُقَاتِلُ َ) النصبُ والرفعُ، ولكِنْ عَبَارَةُ ابنِ هِشَامٍ هنا خَصَّتْ هذا الحكمَ بفاءِ العطفِ وواوِه، وكأنه أرادَ أنْ يَسْتَدْرِكَ على تعميمِ ابنِ مالِكٍ، وعلى هذا لا يجوزُ إلاَّ الرفعُ في الفعلِ المضارِعِ الذي يَلِي (إذنِ) المسبوقةَ بِثُمَّ أو غَيْرِها مِن حروفِ العَطْفِ.

([30]) سورةُ الإسراءِ، الآيةُ 76، وهذه قِرَاءَةُ ابنِ مَسْعُودٍ.

([31]) سورةُ النساءِ، الآيةُ: 53، وهذه قِرَاءَةُ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ.

([32]) أجازَ ابنُ هِشَامٍ في (مُغْنِي اللَّبِيبِ) النصبَ معَ الفصلِ بالظرفِ أو الجارِّ والمجرورِ، وأَجَازَهُ ابنُ بابشاذَ معَ الفصلِ بالنداءِ أو الدعاءِ، وأَجَازَهُ الكِسَائِيُّ وهِشَامٌ معَ الفَصْلِ بمعمولِ الفعلِ، إلاَّ أنَّ الكِسَائِيَّ يُرَجِّحُ النصبَ، وهِشَاماً يُرَجِّحُ الرفعَ.

([33]) 497-قد نَسَبَ قومٌ هذا الشاهدَ إلى حَسَّانَ بنِ ثابتٍ الأنصاريِّ، وهو مذكورٌ في ديوانِه بَيْتاً مُفْرَداً مِن غيرِ سابقٍ أو لاحقٍ، والذي أَنْشَدَهُ المؤلِّفُ ههنا صَدْرُ بيتٍ مِن الوافِرِ،، وعَجُزُهُ قولُه:
*يَشِيبُ الطِّفْلُ مِن قَبْلِ المَشِيبِ*

اللغةُ: (نَرْمِيهُمْ) أصلُ معنى هذه الكَلِمَةِ: نَطْرَحُ عليهم ونَقْذِفُهُم، وأرادَ نَصِيبَهم، (يَشِيبُ) يُرْوَى هذا الفعلُ بتاءِ المضارَعَةِ الدالَّةِ على تأنيثِ الفاعلِ، ويُرْوَى بالياءِ، والحربُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، والأكثرُ فيها التأنيثُ. ومعنى كَوْنِها تُشَيِّبُ الطفلَ أنها تُصَيِّرُه أَشْيَبَ، والأصلُ في هذه العبارةِ قولُه تعالى: {يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ}.
الإعرابُ: (إِذَنْ) حرفُ جوابٍ وجزاءٍ مَبْنِيٌّ على السكونِ، لا مَحَلَّ له من الإعرابِ، (واللهِ) الواوُ حرفُ قَسَمٍ وجَرٍّ، ولفظُ الجلالةِ مُقْسَمٌ به مجرورٌ بالواوِ، وعلامةُ جَرِّهِ الكسرةُ الظاهرةُ، والجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بفِعْلِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، (نَرْمِيَهُمْ) نَرْمِيَ: فعلٌ مضارِعٌ منصوبٌ بإذنْ، وعلامةُ نَصْبِهِ الفتحةُ الظاهرةُ، وفاعلُه ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوباً تَقْدِيرُه نحنُ، وضميرُ الغائبينَ مفعولٌ به مَبْنِيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ نصبٍ، (بِحَرْبٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِنَرْمِي، =(تُشِيبُ) فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ؛ لِتَجَرُّدِهِ من الناصبِ والجازِمِ، وعلامةُ رفعِه الضمَّةُ الظاهرةُ، وفاعلُه ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازاً تقديرُه هي يعودُ إلى حَرْبٍ، (الطِّفْلَ) مفعولٌ به =لِتُشِيبُ، (مِن) حرفُ جرٍّ، (قَبْلِ) مجرورٌ بمِن، وعلامةُ جَرِّهِ الكسرةُ الظاهرةُ، والجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ: =تُشِيبُ، وقيلَ: مضافٌ، و(المَشِيبِ) مضافٌ إليه مجرورٌ بالكسرةِ الظاهرةِ، وجملةُ =تُشِيبُ وفاعلِه ومفعولِه وما تَعَلَّقَ به في مَحَلِّ جرٍّ صفةٌ لِحَرْبٍ.
الشاهِدُ فيه: قولُه: (إِذَنْ واللهِ نَرْمِيَهُم)؛ حيثُ نَصَبَ الفعلَ المضارِعَ الذي هو نَرْمِيَ بإِذَنْ، معَ أنه قد فَصَلَ بينَهما؛ لكونِ ذلك الفاصلِ القَسَمِ، وهو – لِكَثْرَةِ احْتِيَاجِ الكلامِ إليه وكَثْرَةِ استعمالِهم له – مِمَّا يُغْتَفَرُ الفصلُ به بينَ العاملِ والمعمولِ، ولو كانَ العاملُ ضَعيفاً مثلَ إِذَنْ هنا.
ووجهُ ضَعْفِها أنها من الحروفِ المشترَكَةِ بينَ الدخولِ على الأفعالِ؛ كما في جميعِ أمثلةِ هذا المبحَثِ، والدخولِ على الأسماءِ؛ كما تقولُ: (إِذَنْ عبدُ اللهِ يُكْرِمُكَ)، وقد عَرَفْتَ مِراراً أنَّ مِن حَقِّ الحرفِ المُشْتَرَكِ أنْ يُهْمَلَ، ولو فَرَضْنَا أنه خاصٌّ بالدخولِ على الأفعالِ وَجَدْنَاهُ لم يَعْمَلِ العملَ الخاصَّ بالفعلِ، وهو الجَزْمُ، فهو ضعيفٌ مِن جِهَتَيْنِ: كَوْنِه من عواملِ الأفعالِ، وكونِه لم يَعْمَلِ العملَ الخاصَّ بها.
ووَجْهُ اغْتِفَارِ الفصلِ بينَ العاملِ والمعمولِ بالقَسَمِ يَرْجِعُ إلى شيئيْنِ:
الأَوَّلُ: أنَّ القَسَمَ زائدٌ عن الأجزاءِ التي يَتَرَكَّبُ منها مُؤَكِّدٌ له.
والثاني: أنه قد عُهِدَ الفصلُ به بينَ الشيئيْنِ المتلازميْنِ، كفَصْلِهِ بينَ المضافِ والمضافِ إليه، كالذي حَكَاهُ أبو عُبَيْدَةَ من قولِهم: (إنَّ الشاةَ لَتَجْتَرُّ فتَسْمَعُ صَوْتِ واللهِ رَبِّهَا)، وكَفَصْلِهِ بينَ الجارِّ والمجرورِ؛ كالذي حُكِيَ عن الكِسَائِيِّ مِن قَوْلِهِم: (اشْتَرَيْتُهُ بواللهِ أَلْفٍ).
وقد الْتَمَسَ الذين أَجَازُوا العملَ معَ الفصلِ بالظرفِ أو بالنداءِ أو بالدعاءِ أو بمعمولِ الفعلِ عِلَلاً قَريبةً من هذه العِلَّةِ، ومَدَارُها على كثرةِ الاستعمالِ.



  #4  
قديم 25 ذو الحجة 1429هـ/23-12-2008م, 06:56 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 14,351
افتراضي شرح ألفية ابن مالك للشيخ: علي بن محمد الأشموني


677- وَبِلَنِ انْصُبْهُ وَكَي، كَذَا بِأَنْ = لاَ بَعْدَ عِلْمٍ والتِي مِنْ بَعْدَ ظَنّ
(وبِلَنِ انْصُبْهُ وَكَي) أيْ: الأدواتُ التِي تَنْصِبُ المضارعَ أربعٌ، وهي: لَنْ وكَي وأَنْ وإِذَنْ وسيأتِي الكلامُ عَلَى الأَخِيْرَتَيْنِ.
فأمَّا "لنْ" فحرفُ نَفْيٍ تختصُ بالمضارعِ، وتُخَلِّصُهُ للاستقبالِ، وتَنْصِبُهُ كَمَا تَنْصِبُ "لاَ" الاسْمَ نَحوَ: "لَنْ أَضْرِبَ" و"لَنْ أَقُوْمَ" فَتَنْتَفِي مَا أُثْبِتَ بحرفِ التَّنْفِيْسِ، ولا تُفِيدُ تأييدَ النفيِ ولا تأكيدَهُ خِلافاَ للزَّمَخْشَرِيِّ الأوَّلِ في أُنْمُوذَجِهِ، والثانِي فِي كَشَّافِهِ، وليسَ أصلُهَا "لاَ" فأُبْدِلَتِ الألفُ نونًا خِلافًا للفَرَّاءِ، ولاَ "لا أنْ" فحُذِفَتْ الهمزةُ تَخْفِيفًا؛ والألفُ للساكنينِ خِلافًا للخليلِ والكِسَائِيِّ.
تنبيهاتٌ: الأوَّلُ: الجمهورُ عَلَى جَوَازِ تَقْدِيْمِ معمولِ معمولِهَا عليهَا، نحوَ: "زَيْدًا لَنْ أَضْرِبَ" وبِهِ اسْتَدَلَّ سِيْبَويْهِ عَلَى بَسَاطَتِهَا، ومنعَ ذلكَ الأخْفَشُ الصغيرُ.
الثانِي: تَأْتِي: "لَنْ" للدُّعَاءِ كَمَا أَتَتْ "لاَ" كذلكَ، وِفَاقًا لِجَمَاعةٍ منهم ابنُ السَّرَّاجِ وابْنُ عُصْفُورٍ، مِنْ ذَلِكَ قولُهُ [مِنَ الخَفِيْفِ]:
1002- لَنْ تَزَالُوا كَذَلِكُم ثُمَّ لاَ زَلْـ = ـتِ لكُمْ خَالِدًا خُلُودَ الجِبَالِ
وأمَّا {فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيْرًا للْمُجْرِمِيْنَ} فقيلَ: ليسَ منهُ، لأنَّ فعلَ الدُّعَاءِ لا يُسْنَدُ إلى المُتَكَلِّمِ، بَلْ المُخَاطَبِ أو الغائبِ ويردُّهُ قولُهُ: "ثُمَّ لاَ زِلْتُ لَكُمْ".
الثالثُ: زَعَمَ بعضُهُم أنَّها قدْ تَجْزِمُ كقولِهِ [مِنَ الطَّوِيْلِ]:
1003- أَيَادِي سَبَا يَا عَزَّ مَا كُنْتُ بَعْدَكُمْ = فَلَنْ يَحْلَ لِلْعَيْنَيْنِ بَعْدَكِ مَنْظَرُ
وقولُهُ [مِنَ المُنْسَرِحِ]:
1004- لَنْ يَخِِبِ الآنَ مِنْ رَجَائِكَ مَنْ = حَرَّكَا مِنْ دُوْنِ بَابِكَ الحَلَقَةْ
والأوَّلُ مُحْتَمِلٌ للاجْتِزَاءِ بالفتحةِ عنِ الألفِ للضرورةِ.
وأمَّا "كَيْ" فَعَلَى ثلاثةِ أَوْجُهٍ:
أحدُهُا: أنْ تكونَ اسْمًا مُخْتَصرًا مِنْ "كَيْفَ" كقولِهِ [مِنَ البَسِيْطِ]:
1005- كَيْ تَجْنَحُونَ إلَى سَلِمٍ ومَا ثُئِرَتْ = فَتْلَاكُمُ ولَظَى الهَيْجَاءِ تَضْطَرِمُ
والثانِي: أنْ تكونَ بمنزلةِ لامِ التعليلِ معنًى وعملًا وهِي الداخلةُ عَلَى "مَا" الاستفهاميةِ فِي قولِهِم فِي السؤالِ عَن العِلَّةِ: "كَيْمَةَ" بمعنَى: لِمَهْ وعَلَى مَا المَصْدَرِيَّةِ كَمَا فِي قولِهِ:
إذَا أنْتَ لمْ تَنْفَعْ فَضُرْ، فإنَّمَا = يُرَجَّى الفَتَى كَيْمَا يَضُرَّ ويَنْفَعَ
وقِيْلَ: "مَا" كَافَّةٌ، وعَلَى "أنْ" المصدريةَ مُضْمَرَةٌ نَحوَ: "جِئْتُ كَي تُكْرِمَنِي" إذا قَدَّرْتَ النَّصْبَ بـ"أَنْ" ولا يَجُوزُ إظهارُ "أنْ" بعدَهَا وأمَّا قولُهُ [مِنَ الطَّويْلِ]:
فَقَالَتْ: أَكْلَّ الناسِ أصبحتَ مانِحًا = لِسَانَكَ كَيْمَا أنْ تَغُرَّ وتَخْدَعَا
فضرورةٌ.
الثالثُ: أنْ تكونَ بمنزلةِ "أنْ" المصدريةِ معنًى وعِمْلًا وهو مُرَادُ الناظمِ، ويُتَعَيَّنُ ذَلكَ فِي الواقعةِ بعدَ اللامِ وليسَ بعدَها "أنْ" كَمَا فِي نَحوِ: {لِكَيْلَا تَأْسَوا} ولا يجوزُ أنْ تكونَ حرفَ جرٍّ لدخولِ حرفِ الجرِّ عليها، فإنْ وقعَ بعدَهَا "أنْ" كقولِهِ [مِنَ الطَّوِيْلِ]:
1006- أَرَدْتَ لِكَيْمَا أنْ تَطِيْرَ بِقِرْبَتِي = فَتَتْرُكَهَا شَنًّا بِبِيْدَاءَ بَلْقَعِ
احْتُمِلَ أنْ تَكونَ مصدريةً مُؤَكَّدَةٌ بـ"أنْ" وأنْ تكونَ تعليليةً مؤكِّدةً للامِ، ويتَرَجَّحُ هذَا الثانِي بأمورٍ
الأوَّلُ: أنَّ "أنْ" أمُّ البابِ فلو جُعِلَتْ مؤكِّدَةً لـ "كَي" لكانَتْ "كَي" هِيَ النَّاصِبَةَ فيلزمُ تقديمُ الفَرْعِ علَى الأصلِ
الثانِي: أنَّ مَا كانَ أصْلًا فِي بَابِهِ لا يَكُونُ مؤكِّدًا لغيرِهِ.
الثالثُ: أنَّ "أنْ" لاصَقَتْ الفعلَ فتُرَجَّحُ أنْ تكونَ هِي العاملةَ، ويجوزُ الأمرانِ فِي نحوِ: "جِئْتُ كَي تَفْعَلَ" {كَيْ لَا يَكُونَ دُوْلَةً} فَإِنْ جُعِلَتْ جارةً كانتْ "أنْ" مُقَدَّرَةً بعدَهَا،ـ وإِنْ جُعِلَتْ ناصبةً كانتِ اللامُ مُقَدَّرَةً قبلَها.
تنبيهاتٌ
الأوَّلُ: مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ "كَيْ" تَكونُ حرفَ جَرٍّ ومصدريةً، هو مذهبُ سِيْبَويْهِ وجمهورِ البصريينِ، وذَهَبَ الكوفيونَ إلى أَنَّها ناصبةٌ للفعلِ دَائِمًا،ـ وتَأَوَّلُوا "كَيْمَةْ" عَلَى تقديرِ: كَي تَفْعَلَ مَاذَا، ويَلْزَمُهُم كثرةُ الحذفِ، وإخراجُ "مَا" الاستفهاميةِ عَنِ الصَّدْرِ، وحذفِ أَلِفِهَا في غيرِ الجَرِّ، وحذفِ الفِعْلِ المنصوبِ معَ بقاءِ عاملِ النصبِ، وكلُّ ذلكَ لم يَثْبُتْ، ومِمَّا يَرُدُّ قولَهُم قولُهُ [مِنَ الطَّوِيْلِ]:
1007- فَأَوْقَدْتُ نَارِي كَي لِيُبْصَرَ ضَوْؤُهَا = وأَخْرَجْتُ كَلْبِي وَهْوَ فِي البَيْتِ دَاخِلُهُ
وقولُهُ [مِنَ المَدِيْدِ]:
1008- كَيْ لِتَقْضِيْنِي رُقَيَّةُ مَا = وَعَدَتْنِي غَيْرَ مُخْتَلَسِ
لأنَّ لامَ الجَرِّ لَا تَفْصِلُ بينَ الفعلِ وناصِبِهِ، وذَهَبَ قومٌ إلى أَنَّها حرفُ جَرٍّ دَائِمًا، ونُقِلَ عَنِ الأَخْفَشِ.
الثانِي: أَجَازَ الكِسَائِيُّ تَقْدِيْمَ معمولِ مَعْمُولِهَا عَليهَا، نحوَ: "جِئْتُ النحوَ كَي أَتَعَلَّمَ"، ومَنَعَهُ الجمهورُ.
الثالثُ: إذَا فُصِلَ بينَ "كَي" والفعلِ لمْ يَبْطُلْ عَمَلُهَا، خِلافًا للكِسَائِيِّ نحوَ: "جئتُ كَي فِيْكَ أَرْغَبَ" والكِسَائِيُّ يُجِيْزُهُ بالرَّفْعِ لا بالنصبِ، قيلَ: والصحيحُ أنَّ الفَصْلَ بينَها وبينَ الفعلِ لا يجوزُ فِي الاختيارِ.
الرابعُ: زَعَمَ الفَارِسِيُّ أنَّ أصْلَ "كَمَا" فِي قولِهِ [مِنَ الطَّويْلِ]:
1009- وطَرفَكَ إِمَّا جِئْتَنَا فَاحْبِسَنَّهُ = كَمَا يَحْسَبُوا أنَّ الهَوَى حَيْثُ تَنْظُرُ
كَيْمَا فحُذِفَتِ الياءُ ونُصِبَ بِهَا، وذَهَبَ المُصَنِّفُ إلى أنَّها كافُ التشبيهِ كُفَّتْ بـ"مَا" ودَخَلَهَا معنَى التعليلِ فنُصِبَتْ وذلكَ قليلٌ، وقدْ جَاءَ الفعلُ بعدَهَا مرفُوعًا فِي قولِهِ [مِنَ الرَّجَزِ]:
1010- لَا تَشْتِمِ النَّاسَ كَمَا لَا تُشْتَمِ
الخامسُ: إذَا قيلَ: "جِئْتُ لِتُكْرِمَنِي" فالنصبُ بـ"أنْ" مضمرةٍ، وجوَّزَ أبو سَعِيْدٍ كونَ المضمرِ "كَي"، والأوَّلُ أَوْلَى: لأنَّ "أَنْ" أَمْكَنُ فِي عَمَلِ النصبِ مِنْ غيرِهَا، فَهِي أقوى عَلَى التَّجَوِّزِ فيها؛ بِأَنْ تَعْمَلَ مضمرةً.
و (كَذَا بِأَنْ) أيْ: مِنْ نَوَاصِبِ المُضَارِعِ أَنْ المصدريةُ، نحوَ: {وَأَنْ تَصُومُوا} {والذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيْئَتِي} (لَا بَعْدَ عِلْمٍ) أيْ: ونحوُهُ مِنْ أفعالِ اليقينِ، فإنَّها لا تَنْصِبُهُ، لأنَّها حينئذٍ المخففةُ مِنَ الثقيلةِ، واسْمُهَا ضميرُ الشَّأْنِ، نَحوَ: {عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ} {أَفَلا يَرَوْنَ أَنْ لَا يَرْجِعُ} أيْ: أَنَّهُ سَيَكُوْنُ، وأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ، وأمَّا قِرَاءةُ بعضِهِم أنْ لا يرجعَ بالنصبِ، وقولُهُ [مِنَ البَسِيْطِ]:
1011- نَرْضَى عَنِ اللهِ إِنَّ الناسَ قَدْ عَلِمُوا = أَنْ لَا يُدَانِيَنَا مِنْ خَلْقِهِ بَشَرُ
فَمِمَّا شَذَّ، نَعَمْ، إذَا أُوِّلَ العلمُ بغيرِهِ جَازَ وقوعُ الناصبةِ بعدَهُ، ولذلكَ أَجازَ سِيْبَويْهِ "مَا عَلِمْتُ إَلَّا أنْ تقومَ". بالنصبِ،قَالَ: لأنَّهُ كلامٌ خَرَجَ مَخْرَجَ الإشارةِ ؛ فَجَرَى مَجْرَى قولِكَ "أَشِيْرُ عليكَ أَنْ تَقومَ" وقيلَ: يجوزُ بِلا تَأْوِيٍل، ذهَبَ إليهِ الفَرَّاءُ وابْنُ الأَنْبَارِيِّ، والجمهورُ عَلَى المَنْعِ (والتِي مِنْ بَعْدِ ظَنّ) ونحوِهِ مِنْ أفعالِ الرُّجْحَانِ.
678- فَانْصِبْ بِهَا، والرَّفْعُ صَحِّحْ، واعْتَقِدْ = تَخْفِيْفَهَا مِنْ أَنَّ فَهْوَ مُطَّرِدْ
(فَانْصِبْ بِهَا) المضارعَ إِنْ شِئْتَ، بُنَاءً عَلَى أَنَّها الناصبةُ لَهُ، (والرفعُ صَحِّحْ واعْتَقِدْ) حينئذٍ (تَخْفِيْفَهَا مِنْ أَنَّ) الثقيلةِ، (فَهْوَ مُطَّرِدْ) وقدْ قُرِئَ بالوجهينِ {وَحَسِبُوا أَنْ لا تَكُونَُ فِتْنَةٌ} قَرَأَ أبو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسَائِيّ ُ بِرَفْعِ "تكونُ" والبَاقونَ بنصبِهِ. نَعَمْ النصبُ هو الأرجَحُ عندَ عَدَمِ الفَصْلِ بَيْنَها وبَيْنَ الفعلِ، ولهذَا اتَّفَقُوا فِي قولِهِ تَعالَى: {أَحَسِبَ الناسُ أَنْ يُتْرَكُوا}.
تنبيهاتٌ: الأوَّلُ: أَجْرَى سِيْبَويْهِ والأخْفَشُ "أَنْ" بَعْدَ الخوفِ مُجَرَاها بَعْدَ العِلْمِ، لتيَقُّنِ المَخُوفِ نحوَ: "خِفْتُ أنْ لا تَفْعَلَ" "خَشِيْتُ أَنْ تَقُومَ" ومنهُ قولُهُ [مِنَ الطَّوِيْلِ]:
1012- وَلا تَدْفِنَنِّي فِي الفَلَاةِ فَإِنَّنِي = أَخَافُ إذَا مَا مِتُّ أَنْ لَا أَذُوْقُهَا
ومَنَعَ ذلكَ الفَرَّاءُ.
الثانِي: أَجازَ الفَرَّاءُ تقديمَ معمولِ مَعْمُولِهَا عَليها، مُسْتشهِدًا بقولِهِ [مِنَ الرَّجَزِ]:
1013- رَبَّيْتُهُ حتَّى إذَا تَمَعْدَدَا = كَانَ جَزَائِي بالعَصَا أَنْ أُجْلَدًا
قالَ فِي (التَّسْهِيْلِ): ولا حجَّةَ فِيما اسْتَشْهَدَ بِهِ لِنُدُورِهِ أو إمكانِ تقديرِ عاملٍ مُضْمرٍ.
الثالثُ: أَجازَ بعضُهُم الفَصْلَ بينها وبينِ مَنْصُوبِهَا بالظرفِ وشَبَهِهِ اختيارًا، نحوَ: "أُرِيْدُ أَنْ عِنْدَكَ أَقْعُدَ" وقدْ وَرَدَ ذلكَ مَعَ غَيْرِها اضْطِرَارًا، كقولِهِ، [مِنَ الكَامِلِ]:
1014- لَمَّا رَأَيْتُ أبَا يَزِيْدَ مُقَاتِلًا = أَدَعَ القِتَالَ وأَشْهَدَ الهَيْجَاءَ.
والتقديرُ: لَنْ أَدَعَ القتالَ معَ شُهُودِ الهَيْجَاءِ مُدَّةَ رُؤْيَةِ أَبِي يَزِيْدٍ.
الرابعُ: أَجازَ بعضُ الكوفيين الجَزْمَ بِهَا، ونَقَلَهُ اللَّحْيَانِي عنْ بَعْضِ بَنِي صَبَاحٍ مِنْ ضَبَّةَ، وأنْشَدُوا [مِنَ الطَّوِيْلِ]:
1015- إذَا مَا غَدَوْنَا قالَ وِلْدَانُ أَهْلِنَا: = تَعَالوا إِلَى أَنْ يَأْتِنَا الصَّيْدُ نَحْطِبِ
وقولَهَ [مِن الطَّوِيْلِ]:
1016- أُحَاذِرُ أَنْ تَعْلَمَ بِهَا فَتَرُدَّهَا = فَتَتْرُكَهَا ثِقْلًا عَلَيَّ كَمَا هِيَا
وفِي هَذَا نَظَرٌ لأنَّ عَطْفَ المنصوبِ وهو "فَتَتْرُكَهَا" عليهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سُكِّنَ للضرورةِ لا مَجْزومٌ.
الخامسُ: تَأتِي "أَنْ" مُفَسِّرَةً وزَائدةً فلا تَنْصِبُ المضارعَ
فالمفسرةُ هي المسبوقةُ بجملةٍ فيْهَا مَعْنَى القولُ دُوْنَ حروفِهِ، نَحْوَ: {فَأَوْحَيْنَا إليهِ أَنِ اصْنَعِ الفُلْكَ} {وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنْهُم أَنِ امْشُوا}.
والزائدةُ هِي التاليةُ لـ "لَمَّا" نحوَ: {فَلَمَّا أَنْ جَاءَ البَشِيْرُ}، والواقعةُ بينَ الكافِ ومَجْرُورِهَا كقولِهِ [مِنَ الطَّوِيْلِ]:
وَيْوَمًا تُوَافِيْنَا بِوَجهٍ مُقَسَّمٍ = كَأَنَّ ظِبْيَةً تَعْطُو إلى وَارِقِ السَّلَمِ
في روايةِ الجَرِّ وبينَ القَسَمِ ولوْ كقولِهِ [مِنَ الطَّوِيْلِ]:
1017- فَأُقْسِمُ أَنْ لوْ الْتَقَيْنَا وَأَنْتُمُ = لكانَ لَكُم يَوْمٌ مِنَ الشَّرِّ مُظْلِمُ
وأجازَ الأخْفَشُ إِعْمَالَ الزائدةِ، واسْتَدَلَّ بالسَّمَاعِ كقولِهِ تَعَالى: {وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ} وبالقياسِ عَلَى حَرْفِ الجَرِّ الزائدِ، وَلا حُجَّةَ فِي ذلكَ، لأنَّهَا في الآيةِ مَصْدَرِيَّةً، فقيلَ: دَخَلَتْ بعدَ "مَا لَنَا" لتَأَوِّلِهِ: بِمَا مَنَعَنَا وفيهِ نَظَرٌ ؛ لأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ إِعْمَالُ الجارِ والمجرورِ فِي المفعولِ، ولِأَنَّ الأصْلَ أَنْ لا تكونَ "لَا" زائدةً، والصوابُ قَوْلُ بعضِهِم: إِنَّ الأصْلَ: وَمَا لَنَا فِي أَنْ لَا نُقَاتِلَ.
والفرقُ بينَها وبينِ حَرْفِ الجَرِّ أنَّ اختصاصَهُ بَاقٍ مَعَ الزيادةِ بِخِلَافِهَا، فإنَّهَا قَدْ وَلِيَهَا الاسْمُ فِي البيتِ الأوَّل والحرفِ فِي الثانِي.
679- وبعضُهُمْ أَهْمَلَ "أَنْ" حَمْلًا عَلَى = "مَا" أُخْتِهَا حَيْثُ اسْتَحَقَّتْ عَمَلًا
(وبعضُهُم) أَيْ: بعضُ العَرَبِ (أَهْمَلَ أَنْ حَمُلًا عَلَى * أخْتِهَا) أَيْ: المصدريةُ (حَيْثُ اسْتَحَقَّتْ عَمَلًا) أَيْ: واجبًا، وذَلكَ إذَا لَمْ يَتَقَدَّمْهَا عِلْمٌ أَوْ ظَنٌّ كَقِرَاءَةِ ابْنِ مُحَيْصِنَ (لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمُّ الرَّضَاعَةَ) وقولِهِ [مِنَ البَسِيْطِ]:
1018- أَنْ تَقْرَآنِ عَلَى أَسْمَاءَ وَيْحَكُمَا = مِنِّيَ السَّلامَ وأَنْ لا تُشْعِرَا أَحَدًا
هذَا مذهبُ البصريينَ. وأمَّا الكوفيونَ فهِي عِنْدَهُم مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيْلَةِ.
تنبيهٌ: ظَاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ أَنَّ إِهْمَالَهَا مَقِيْسٌ.
680- (وَنَصُبوا بِإِذَنِ المُسْتَقْبَلَا = إِنْ صُدِّرَتْ والفِعْلُ بَعْدُ مُوصَلَا
(أو قَبْلَهُ اليَمِيْنُ) أيْ: شُرُوطُ النصبِ بـ"إِذَنْ" ثَلاثَةٌ:
الأوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الفعلُ مُسْتَقبلًا ؛ فَيَجِبُ الرَّفْعُ فِي "إذًاتَصْدُقُ" جَوَابًا لِمَنْ قَالَ: "أَنَا أُحِبُّكَ".
الثانِي: أَنْ تكونَ مُصَدَّرَةً فَإِنْ تَأَخَّرَتْ، نحوُ: "أُكْرِمُكَ إذَا أَهْمَلْتَ"، وَكَذَا إِنْ وَقَعَتْ حَشْوًا، كقولِهِ [مِنَ الطَّوِيْلِ]:
1019- لَئِنْ عَادَ لِي عَبْدُ العَزِيْزِ بِمِثْلِهَا = وَأَمْكَنَنِي منْهَا إذًا لَا أُقِيْلُهَا
فَأَمَّا قولُهُ [مِنَ الرَّجَزِ]:
1020- لا تَتْرُكَنِّي فيْهُمُ شَطِيرًا = إنِّي إذنْ أهَلَكَ أو أَطِيْرَا
فضروةٌ، أو الخبرُ محذوفٌ، أيْ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيْعُ ذلكَ، ثْمَّ اسْتَأْنَفَ، إِذَنْ أَهْلَكَ، فَإِنْ كانَ المُتَقَدِّمُ عليهَا حَرْفَ عطفٍ فسيأتِي.
الثالثُ: أنْ لَا يُفْصَلَ بَيْنَهَا وبينَ الفعلِ بغيرِ القَسَمِ، فيجبُ الرفعُ فِي نحوِ: "إِذَنْ أَنَا أُكْرِمُكَ" ويُغْتَفَرُ الفَصْلُ بالقَسَمِ، كقولِهِ [مِنَ الوَافِرِ]:
1021- إِذَنْ واللِه نَرْمِيْهِمْ بِحَرْبٍ = يُشِيْبُ الطِّفْلَ مِنْ قَبْلَ المَشِيْبِ
وأَجازَ ابْنُ بَابْشَاذَ الفصلَ بالنداءِ والدعاءِ، وابْنُ عُصْفُورٍ الفصلَ بالظرفِ، والصحيحُ المَنْعُ، إذْ لَمْ يُسْمَعْ شيءٌ مُنْ ذَلِكَ.
وأجازَ الكِسَائِيُّ وهِشَامُ الفصلَ بمعمولِ الفعلِ، والاختيارُ حينئذٍ عندَ الكِسَائِيِّ النصبُ وعندَ هِشَامٍ الرفعُ.
681- أَوْ قَبْلَهُ اليَمِيْنُ وانْصِبْ وارْفَعَا = إذَا "إِذَنْ" مِنْ بَعْدَ عَطْفٍ وَقَعَا
(وانْصَبْ وارْفَعَا * إِذَا إِذَنْ مِنْ بَعْدَ عَطْفٍ) بالواوِ والفاءِ (وَقَعَا) وقدْ قُرِئَ شَاذًّا (وإَذًا لَا يَلْبَثُوا خَلْفَكَ) (فَإِذًا لا يُؤْتُوا الناسَ نَقِيْرًا) عَلَى الإِعْمَالِ، نَعَمْ الغالبُ الرفعُ علَى الإهمالِ وبِهِ قَرَأَ السبعةُ.
تنبيهاتٌ: الأوَّلُ: أَطْلَقَ العطفَ، والتحقيقُ أنَّهُ إِذَا كانَ العطفُ عَلَى مَا لَهُ مَحَلٌّ أُلْغِيَتْ، فَإِذَا قِيْلَ: "إِنْ تَزُرْنِي أَزُرْكَ، وإِذَنْ أُحْسِنُ إِلَيْكَ" فإنْ قَدَّرْتَ العطفَ علَى الجوابِ جَزَمْتَ وأَهْمَلْتَ "إِذَنْ" لوقوعِهَا حَشْوًا، أو عَلَى الجُمْلَتَيْنِ معًا جَازَ الرفعُ والنصبُ، وقيلَ: يُتَعَيَّنُ النصبُ، لأنَّ مَا بَعْدَهَا مُسْتَأْنَفٌ، أو لِأَنَّ المعطوفَ علَى الأوَّلِ أَوَّلٌ، ومثلُ ذلكَ "زَيْدٌ يَقُومُ وإِذَنْ أُحْسِنُ إليْهِ" إِنْ عَطَفْتَ عَلَى الفِعْلِيَّةِ رَفَعْتَ، أو علَى الاسْمِيَّةِ فالمذهبانِ.
الثانِي: الصحيحُ الذِي عليهِ الجمهورُ أَنَّ "إذَنْ" حَرْفٌ، وذهبَ بعضُ الكوفيينَ إِلَى أنَّها اسمٌ، والأصلُ فِي "إِذَنْ أُكْرِمُكَ" إِذَا جِئْتَنِي أُكْرِمُكَ، ثُمَّ حُذِفَتِ الجملةُ وعُوِّضَ عنهَا التنوينُ وأُضْمِرَتْ أَنْ، وَعَلَى الأوَّلِ: فالصحيحُ أنَّها بسيطةٌ لا مركبةٌ مِنْ "إِذَا" و"أَنْ" وعَلَى البَسَاطَةِ، فالصحيحُ أنَّهَا الناصبةَ لا "أَنْ" مُضْمَرَةٌ بَعْدَهَا كَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُهُ.
الثالثُ: مَعْنَاهَا عِنْدَ سِيْبَويْهِ: الجوابُ والجَزَاءُ، فقَاَلَ الشَّلُوبِيْنُ: فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، وقَالَ الفَارِسِيُّ: فِي الأكثرِ، وقدُ تَتَمَحَّضُ للجوابِ، بدليلِ أَنَّهُ يُقَالُ "أُحِبُّكَ" فتقولُ "إِذَنُ أَظُنُّكَ صَادِقًا" إِذْ لَا مُجَازَاةَ هُنَا.
الرابعُ: اخْتُلِفَ فِي لفظِهَا عِنْدَ الوقفِ عليهَا، والصحيحُ أنَّ نُوْنَهَا تُبْدَلُ أَلِفًا؛ تَشْبِيهًا لَهَا بتنوينِ المنصوبِ، وقيلَ: يُوقَفُ بالنونِ، لأنَّها كنونِ "لَنْ" و"أَنْ" رُوِيَ ذلكَ عَنِ المَازِنِيِّ والمُبَرِّدِ، ويُنْبَي عَلَى هَذَا الخلافِ خلافٌ فِي كِتَابَتِهَا، والجمهورُ يَكْتُبُونَهَا بالألفِ، وَكَذَا رُسِمَتْ فِي المَصَاحِفِ، والمَازِنِيُّ والمُبَرِّدُ بالنونِ، وعنِ الفَرَّاءِ إنْ عَمِلَتْ كُتِبَتْ بالألفِ، وإلا كُتِبَتْ بالنونِ؛ للفرقِ بينَهَا وبينَ "إذَا" وتَبِعَهُ ابْنُ خَرُوُفٍ.
الخامسُ: حَكَى سِيْبَويْهِ وعِيْسَى بْنُ عُمَرَ أَنَّ مِنَ العربِ مَنْ يُلْغِيْهَا مَعَ استيفاءِ الشروطِ، وهِي لُغَةٌ نَادِرَةٌ، ولَكِنَّها القياسُ، لأنَّها غيرُ مُخْتَصَّةٍ، وإنَّمَا أَعْمَلَهَا الأكثرونَ حَمْلًا عَلَى "ظَنَّ" لأنَّها مِثْلُهَا فِي جَوَازِ تَقَدُّمِهَا عَلَى الجُمْلَةِ وَتَأَخُّرِهَا عَنْهَا وتَوَسُّطِهَا بينَ جُزْأَيْهَا، كَمَا حُمِلَتْ "مَا" عَلَى "ليسَ" لأنَّها مِثْلُهَا فِي نَفْيِ الحالِ، ا هـ.

  #5  
قديم 25 ذو الحجة 1429هـ/23-12-2008م, 06:57 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 14,351
افتراضي دليل السالك للشيخ: عبد الله بن صالح الفوزان


2- النصْبُ وأدواتُهُ:
677- وَبِلَنِ انْصِبْهُ وَكَيْ كَذَا بِأَنْ = لا بَعْدَ عِلْمٍ وَالَّتي مِنْ بَعْدِ ظَنّ
678- فَانْصِبْ بِهَا وَالرَّفْعَ صَحِّحْ وَاعْتَقِدْ = تَخْفِيفَهَا مِنْ أَنَّ فَهْوَ مُطَّرِدْ
شَرَعَ في الحالةِ الثانيَةِ مِنْ أحوالِ إعرابِ المضارِعِ، وهيَ نَصْبُهُ إذا صَحِبَهُ حرْفٌ ناصِبٌ، وهوَ (لَنْ) أوْ (كَي) المصدرِيَّةُ، أوْ (أَن) الْمَصدريَّةُ، أوْ (إِذَنْ).
1- لنْ:
1- فأمَّا (لَنْ) فهيَ حرْفُ نَفْيٍ واستقبالٍ.
أَيْ: نَفْيُ الحدَثِ في الزمانِ المستقبَلِ؛ لأنَّها إذا دخَلَتْ على المضارِعِ خَلَّصَتْهُ للاستقبالِ، نحوُ: لنْ يَنْدَمَ الْمُحْسِنُ، قالَ تعالى: {لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ}، فَـ (لَنْ): حرْفُ نَفْيٍ واستقبالٍ، يَنْصِبُ المضارِعَ، وَ(نَبْرَحَ): فعْلٌ مضارِعٌ ناقِصٌ، يَرْفَعُ الاسمَ ويَنْصِبُ الخبَرَ، منصوبٌ وعلامةُ نَصْبِهِ الفتحةُ الظاهرةُ، واسْمُهُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ وُجوباً تقديرُهُ (نحنُ)، وَ(عَاكِفِينَ): خبَرُهُ.
وقدْ تَدْخُلُ عليها هَمْزَةُ الاستفهامِ التي للإنكارِ، كما في قولِهِ تعالى: {أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ}، فـ(لنْ): حرْفُ نَفْيٍ ونَصْبٍ، (يَكْفِيَ): فِعْلٌ مُضَارِعٌ منصوبٌ، والكافُ: مفعولٌ بهِ، والميمُ: علامةُ الجمْعِ، والمصدَرُ الْمُؤَوَّلُ (أَنْ يُمِدَّكُمْ) في مَحَلِّ رفْعٍ فَاعِلٌ.
2- كَيْ
2- وأمَّا (كَي) الْمَصدريَّةُ فعَلامَتُها أنْ تُسْبَقَ بـ(لامِ) التعليلِ، نحوُ: تَعَلَّمْ لِكَيْ تُفِيدَ وتَستفيدَ، ومنهُ قولُهُ تعالى: {لِكَيْلا تَأْسَوْا}؛ أيْ: تَحْزَنُوا، فـ (لِكَيْلا): اللامُ حرفُ جَرٍّ، و(كَيْ): حرْفٌ مَصْدَرِيٌّ ونَصْبٍ، و(لا): نافِيَةٌ، وَ(تَأْسَوْا): فعْلٌ مُضارِعٌ مَنصوبٌ بـ(كَيْ)، وعلامةُ نصبِهِ حذْفُ النونِ؛ لأنَّهُ مِن الأمْثِلَةِ الخمسةِ، والواوُ: فاعلٌ، و(كَيْ) وما دخَلَتْ عليهِ في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مجرورٍ باللامِ، والتقديرُ: لِعَدَمِ أَسَاكُمْ.
وقولُنا: (كَي المَصدريَّةُ) احترازٌ مِنْ (كَي) التَّعليليَّةِ، فَلَيْسَتْ ناصِبَةً، وإنَّما هيَ حَرْفُ جَرٍّ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُها في حروفِ الجرِّ، والناصبُ بعدَها (أنْ) مُضْمَرَةٌ أوْ مُظْهَرَةٌ، وذلكَ إذا تأَخَّرَتْ عنها (اللامُ) أوْ (أنْ)، نحوُ: جِئْتُ كَيْ لأَتَعَلَّمَ، وجئتُ كَيْ أنْ أَتَعَلَّمَ.
فإنْ تَجَرَّدَتْ مِن اللامِ قبلَها و(أنْ) بعدَها جازَ اعتبارُها مَصْدَرِيَّةً بتقديرِ (اللامِ) قبلَها، وجازَ اعتبارُها تَعليليَّةً بتقديرِ (أنْ) بعدَها، كقولِهِ تعالى: {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ}.
وإنْ ذُكِرَتِ اللامُ قبلَها و(أنْ) بعدَها، جازَ أنْ تكونَ (كَيْ) مَصْدَرِيَّةً ناصبةً للمُضَارِعِ، و(أنْ) مُؤَكِّدَةً لها، وأنْ تكونَ تعليليَّةً مُؤَكِّدَةً لـ(اللامِ)، والناصبُ للمُضارِعِ هوَ (أنْ)، وهوَ الأفْضَلُ، نحوُ: اغفِرْ لِلصَّدِيقِ هَفْوَتَهُ لِكَيْ أنْ تَدُومَ مَوَدَّتُهُ.
3- أن المَصْدَرِيَّةُ وحالاتُها:
3- وأمَّا (أن) المَصْدَرِيَّةُ فهيَ أقْوَى النواصبِ؛ لأنَّها تَعْمَلُ ظاهِرَةً ومُقَدَّرَةً، كما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ، وهيَ أكثرُ النواصبِ وُقُوعاً في القرآنِ، وضابطُها أنْ تُسْبَكَ معَ مدخولِها بِمَصْدَرٍ يُعْرَبُ حَسَبَ مَوْقِعِهِ مِن الكلامِ، نحوُ: الغِيبَةُ أنْ تَذْكُرَ أخاكَ بما يَكْرَهُ، فـ(أنْ): حرْفٌ مَصْدَرِيٌّ ونَصْبٍ، و(تَذْكُرَ): فعْلٌ مُضارِعٌ مَنصوبٌ، و(أنْ) وما دَخَلَتْ عليهِ في تأويلِ مَصْدَرٍ خبرِ المبتدأِ، والتقديرُ: الغِيبةُ ذِكْرُكَ أخاكَ بما يَكْرَهُ.
واعْلَمْ أنَّ لِـ(أنْ) ثلاثَ حالاتٍ:
الأولى: أنْ يَتَقَدَّمَ عليها ما يَدُلُّ على اليقينِ والتحقُّقِ، مِثلُ: عَلِمَ وأَيْقَنَ، فهذهِ مُخَفَّفَةٌ مِن الثقيلةِ، تَنْصِبُ الاسمَ وتَرْفَعُ الخبرَ، ولها ثلاثةُ أحكامٍ:
1- أنَّ اسْمَها ضميرُ الشَّأْنِ محذوفٌ.
2- رَفْعُ المضارِعِ بعدَها.
3- فَصْلُ المُضَارِعِ منها - في الغالبِ - بأحَدِ الفواصلِ الأربعةِ المُتَقَدِّمَةِ في بابِ (إنَّ وأَخَوَاتِهَا)، وهذا الفصْلُ للتَّفْرِقَةِ بينَها وبينَ المَصْدَرِيَّةِ، نحوُ: أَيْقَنْتُ أنْ سَيَنْدَمُ الظَّالِمُونَ. ومنهُ قولُهُ تعالى: {عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى} فَـ (أنْ) مُخَفَّفَةٌ مِن الثَّقيلةِ، واسمُها ضميرُ الشأنِ محذوفٌ، والسينُ حرفُ تنفيسٍ؛ أي: استقبالٍ، و(يكونُ): فعْلٌ مُضارِعٌ ناقصٌ يَرفعُ الاسمَ ويَنْصِبُ الخبرَ، مرفوعٌ بالضمَّةِ، (مِنْكُمْ): خبرُ (يَكُونُ) مُقَدَّمٌ، (مَرْضَى): اسْمُها مُؤَخَّرٌ، والجملةُ خبرٌ (أَن) الْمُخَفَّفَةِ.
الحالةُ الثانيَةُ: أنْ يَتقدَّمَ عليها ما يَدُلُّ على الظَّنِّ والرُّجحانِ، مثلُ: ظنَّ، خالَ، حَسِبَ، ونحْوِها.
فيَجوزُ أنْ تكونَ مُخَفَّفَةً مِن الثَّقيلةِ ويُرْفَعُ المُضَارِعُ بعدَها، وتأخذُ الأحكامَ السابقةَ.
وأنْ تكونَ مَصْدَرِيَّةً ناصِبةً للمضارِعِ، وهوَ الأكثرُ والأرجحُ؛ لأنَّ الأصلَ بقاءُ الظَّنِّ على بابِهِ، ورَفْعُ المُضَارِعِ بعدَها يَلْزَمُ عليهِ تَأْوِيلُ الفعْلِ باليقينِ.
ومنهُ قولُهُ تعالى: {وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ}؛ فقدْ قَرَأَ أبو عمرٍو وحمزةُ والكِسائيُّ برَفْعِ (تَكُونُ) على أنَّها مُخَفَّفَةٌ.
وَ(حَسِبُوا) بمعنى (أَيْقَنُوا)؛ لأنَّ (أنْ) للتأكيدِ، والتأكيدُ لا يجوزُ إلاَّ معَ اليقينِ.
وقرأَ الأربعةُ الباقونَ مِن السبعةِ بنَصْبِ (تَكُونَ) على أنَّها الناصِبةُ للمُضَارِعِ، و(حَسِبَ) بمعنى الشَّكِّ؛ لأنَّ (أَن) الناصبةَ ليْسَتْ للتوكيدِ، بل الأمرُ قدْ يَقَعُ وقدْ لا يَقَعُ.
الحالةُ الثالثةُ: ألاَّ يَسْبِقَها عِلْمٌ ولا ظَنٌّ، بلْ تَقَعُ في كلامٍ يَدُلُّ على الشَّكِّ أوْ على الرجاءِ والطَّمَعِ، فهذهِ ناصِبةٌ للمُضَارِعِ وُجوباً، نحوُ: أَرْجُو أنْ يَنتصرَ الحقُّ، قالَ تعالى: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} فـ (أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ ناصبةٌ للمُضَارِعِ، والمُضَارِعُ بعدَها منصوبٌ.
وقولُنا: (المَصدريَّةُ) احترازٌ مِن المُخَفَّفَةِ والمُفَسِّرَةِ والزائدةِ، أمَّا المُخَفَّفَةُ فتَقَدَّمَتْ، وأمَّا الْمُفَسِّرَةُ فهيَ التي تأتي للتَّبْيِينِ والتفسيرِ، فتكونُ بمعنى (أَي) المُفَسِّرَةِ.
وهيَ المسبوقةُ بِجُملةٍ فيها معنى القولِ دونَ حروفِهِ، كقولِهِ تعالى: {إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ}، فجُملةُ (إِذْ أَوْحَيْنَا) فيها معنى القولِ دونَ حُروفِهِ، وَ(مَا يُوحَى) هوَ عينُ (اقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ) في المعنى، وتُعرَبُ الْجُملةُ الواقعةُ بعدَ (أَن) المُفَسِّرِةُ بَدَلاً، أوْ عَطْفَ بيانٍ مِن الْمُفْرَدِ الذي فَسَّرَتْهُ.
وأمَّا الزائدةُ، فهيَ الواقعةُ بعدَ (لَمَّا) الْحِينِيَّةِ؛ كقولِهِ تعالى: {فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ}، وقولِهِ تعالى: {وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ}، وقالَ تعالى: {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ}، والقصَّةُ واحدةٌ.
أوْ بعدَ (لَوْ)؛ كقولِهِ تعالى: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً}، وهيَ تُفيدُ تَقْوِيَةَ المعنى وتوكيدَهُ.
وإلى هذهِ الأحْرُفِ الثلاثةِ (لَنْ، كَيْ، أَنْ) أشارَ بقولِهِ: (وَبِلَن انْصِبْهُ.. إلخ)؛ أي: انْصِب المُضَارِعَ بـ(لَنْ) و(كَيْ) وكذا بالحرْفِ (أنْ) بشرْطِ ألاَّ يَقَعَ (أنْ) بعدَ ما يُفيدُ العلْمَ واليقينَ؛ لأنَّها بعدَ العِلْمِ مُخَفَّفَةٌ لا ناصِبَةٌ، فإنْ وَقَعَتْ بعدَ ظَنٍّ فانصِبِ المُضَارِعَ بها إنْ شِئْتَ، وارْفَعْهُ إنْ شِئْتَ، (والرفْعُ صَحِّحْ)؛ أي: اعْتَبِرْهُ صحيحاً.
واعتَقِدْ إذا رَفَعْتَ بها أنَّها مُخَفَّفَةٌ مِن الثقيلةِ، فهذا مُطَّرِدٌ وكثيرٌ في كلامِهم.
إهمالُ (أَن) المَصدريَّةِ
679- وَبَعْضُهُمْ أَهْمَلَ أَنْ حَمْلاً عَلَى = مَا أُخْتِهَا حَيْثُ اسْتَحَقَّتْ عَمَلا
أيْ أنَّ بعضَ العربِ يُهْمِلُ (أَن) المَصْدَرِيَّةَ، فلا يَنْصِبُ المُضَارِعَ بعدَها بلْ يَرْفَعُهُ، حَمْلاً على أُخْتِها (ما) المَصْدَرِيَّةِ التي لا تَنْصِبُ؛ لاشتراكِهما في أنَّهُما يُقَدَّرَانِ بِمَصْدَرٍ، فتقولُ: يَسُرُّنِي أنْ تَجْتَهِدُ، برَفْعِ (تَجْتَهِدُ) على إهمالِ (أنْ).
وقولُهُ: (حيثُ استَحَقَّتْ عَمَلاً)، الظرْفُ (حيثُ) مُتَعَلِّقٌ بالفعْلِ (أَهْمَلَ)؛ أيْ: أَهْمَلَها في كلِّ مَوْضِعٍ تَستحِقُّ فيهِ أنْ تَنْصِبَ الْمُضارِعَ.
4- إِذَن الناصِبةُ للمُضَارِعِ
680- وَنَصَبُوا بِإِذَنِ الْمُسْتَقْبَلا = إنْ صُدِّرَتْ والْفِعْلُ بَعْدُ مُوصَلا
681- أَوْ قَبْلَهُ الْيَمِينُ وَانْصِبْ وَارْفَعَا = إذَا إِذَنْ مِنْ بَعْدِ عَطْفٍ وَقَعَا
4- ذَكَرَ الرابعَ مِنْ نَواصِبِ المُضَارِعِ، وهيَ (إِذَنْ)، وهيَ حرْفُ جوابٍ دائماً وجزاءٍ غالباً، فإذا قالَ أَخُوكَ: أَزُورُكَ غداً إنْ شاءَ اللَّهُ، فقُلْتَ لهُ: إِذَنْ أُكْرِمَكَ، فقدْ أَجَبْتَهُ، وجَعَلْتَ الإكرامَ جَزَاءَ زِيارتِهِ، فـ(إِذَنْ) حرْفُ نَصْبٍ وجوابٍ وجزاءٍ، و(أُكْرِمَ): فعْلٌ مُضارِعٌ مَنصوبٌ بـ(إِذَنْ)، وعلامةُ نَصْبِهِ الفتحةُ. والكافُ: مفعولٌ بهِ، والفاعلُ ضميرٌ مسْتَتِرٌ وجوباً تَقديرُهُ: أَنَا.
وهيَ تَنْصِبُ المُضَارِعَ بنَفْسِها بثلاثةِ شُروطٍ:
الأوَّلُ: أنْ يكونَ المُضَارِعُ مُسْتَقْبَلاً، فإنْ كانَ حالاً أُهْمِلَتْ.
كما لوْ حَدَّثَكَ إنسانٌ بحديثٍ فقُلْتَ لهُ: إِذَنْ أَظُنُّكَ صادِقاً، برَفْعِ المُضَارِعِ (أَظُنُّ)؛ لأنَّ زَمَنَهُ للحالِ؛ لأنَّ الظنَّ قائمٌ وحاصلٌ وقتَ الإجابةِ.
و(إِذَنْ) هنا حرْفُ جوابٍ لا جزاءٍ.
الثاني: أنْ تكونَ مُصَدَّرَةً؛ أيْ: في أوَّلِ الكلامِ، فإنْ كانتْ في وَسَطِ الكلامِ لم تَنْصِب المضارِعَ، نحوُ: أنا إِذَنْ أُكْرِمُكَ، برَفْعِ المضارِعِ.
فإنْ كانَ المُتَقَدِّمُ عليها حرْفَ عَطْفٍ، وهوَ الواوُ أو الفاءُ، جازَ في الفعلِ وَجْهَانِ:
أ- الرفْعُ؛ فهيَ مُهْمَلَةٌ على اعتبارِ العطْفِ، وهوَ الأَرْجَحُ، كقولِهِ تعالى: {وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً}، وقولِهِ تعالى: {فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً}، وقولِهِ تعالى: {وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً}.
فقدْ قَرَأَ السَّبْعَةُ برَفْعِ المضارِعِ. قالَ ابنُ مالِكٍ في شرْحِ كَافِيَتِهِ: (إِلْغَاؤُها أَجْوَدُ، وهوَ لُغَةُ القرآنِ التي قَرَأَ بها السَّبْعَةُ...) اهـ.
ولم تَقَعْ (إِذَن) الناصبةُ للمُضَارِعِ الْمُصَدَّرَةُ في القرآنِ الكريمِ، كما ذَكَرَ ذلكَ صَاحِبُ دراساتِ أساليبِ القرآنِ.
ب- النَّصْبُ؛ فهيَ عامِلَةٌ على اعتبارِ أنَّ الحرْفَ للاستئنافِ.
فتكونُ (إذنْ) في صَدْرِ جُملةٍ جَديدةٍ مُسْتَقِلَّةٍ بإعرابِها.
الشرْطُ الثالثُ: أنْ يكونَ المُضَارِعُ مُتَّصِلاً بها لم يَفْصِلْ بينَهما فاصلٌ، فإنْ كانَ فاصلٌ أُهْمِلَتْ.
كأنْ يقولَ لكَ: أَزُورُكَ غداً، فتقولُ: إِذَنْ أَخِي يُكْرِمُكَ، برَفْعِ المُضَارِعِ؛ لِوُجودِ الفاصلِ.
ويَجوزُ الفصْلُ بالقَسَمِ، نحوُ: إذَنْ واللَّهِ أُكْرِمَكَ، بنَصْبِ المُضَارِعِ، وهذا معنى قولِهِ: (ونَصَبُوا بإِذَنِ الْمُسْتَقْبَلا.. إلخ):
أيْ أنَّ العربَ نَصَبَت المُضَارِعَ بـ(إِذَنْ) إذا كانَ مُسْتَقْبَلَ الزمَنِ، وكانت (إذنْ) مُصَدَّرَةً في أوَّلِ جُمْلَتِها، والفعلُ المُضَارِعُ مُتَّصِلاً بها بغيرِ فاصِلٍ بينَهما، أوْ بفاصِلٍ هوَ القَسَمُ، ثمَّ قالَ: انْصُب المُضَارِعَ أو ارْفَعْهُ إذا كانتْ (إذنْ) واقعةً بعدَ حَرْفِ عَطْفٍ، ولم يُقَيِّدْ هذا العاطِفَ بالواوِ أو الفاءِ كما ذَكَرَ النُّحَاةُ.

موضوع مغلق

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
2, نصب

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:28 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2023, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir