معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد

معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد (http://afaqattaiseer.net/vb/index.php)
-   رسائل التفسير (http://afaqattaiseer.net/vb/forumdisplay.php?f=1086)
-   -   رسالة في تفسير قول الله تعالى: {ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور} (http://afaqattaiseer.net/vb/showthread.php?t=45262)

عبد العزيز الداخل 8 شعبان 1443هـ/11-03-2022م 09:48 AM

رسالة في تفسير قول الله تعالى: {ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور}
 
رسالة في تفسير قول الله تعالى: {ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور}


العناصر:
تمهيد
تفسير قول الله تعالى: {ومن يسلم وجهه إلى الله}
- معاني الوجه في اللغة
- معنى الإسلام في اللغة
- معنى إسلام الوجه إلى الله
- فائدة تعدية الفعل {يسلم} بـ {إلى}
- فائدة الإتيان بصيغة الفعل المضارع في قوله تعالى: {ومن يسلم}
تفسير قول الله تعالى: { وهو محسن}
- الفائدة البيانية للجملة الحالية في قوله تعالى: {وهو محسن}
- معنى قوله تعالى: {وهو محسن}
تفسير قول الله تعالى: { فقد استمسك بالعروة الوثقى}
- المعاني البيانية في جملة جواب الشرط
- معنى العروة
- معنى الوثقى
- معنى الاستمساك بالعروة الوثقى
تفسير قول الله تعالى: {وإلى الله عاقبة الأمور}
دلالة مفهوم المخالفة في الآية


عبد العزيز الداخل 14 ذو القعدة 1443هـ/13-06-2022م 12:04 AM

تمهيد
من أهمّ ما يُعنى به السالكون سؤالان مهمّان كم أقضّا من مضجعٍ، وأسبلا من مدمع، وصالا في الأذهان وجالا، وتبعهما ما تبعهما من التفكر والنظر، وهما السؤالان المعروفان بسؤالَي الحال والعاقبة:
- هل أنا مهتدٍ؟!
- وهل ستكون عاقبتي حسنة؟!
فالسؤال الأول عن حال العبد من حيث الهداية والضلال، هل هو سائر على الصراط المستقيم الذي يحبّه الله ويرضاه أو هو منحرف عنه.
والسؤال الثاني عن عاقبته وعواقب أعماله، هل تؤول إلى ثواب أو عقاب.
وهذان السؤالان عليهما مدار السعادة والشقاء في الدنيا والآخرة.
وقد بيّن الله تعالى جواب هذين السؤالين في هذه الآية الكريمة ببيان بديع فيه شفاء لكل ما يعتلج في النفس من هذا الشأن؛ فقال تعالى: {ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور}.
فقوله تعالى: {ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى} فيه الجواب التام على السؤال الأول.
وقوله تعالى: {وإلى الله عاقبة الأمور} فيه جواب يغني عن كلّ جواب على السؤال الثاني.
وجاء الجواب عن هذين السؤالين في هذه الآية الكريمة بأسلوب الشرط والجزاء المتفاضلين؛ فانتظمت الآية على وجازة ألفاظها وحسن تركيبها جميع مراتب السالكين؛ فعلى قدر مرتبة الوفاء بالشرط يكون النصيب من الجزاء.
فمن فقه ذلك حق الفقه قاده فقهه بإذن ربه إلى اليقين والاستقامة، واستغنى به عن كثير من الشرح والتطويل.

فالشرط قائم على أصلين لا بدّ من اجتماعهما:
الشرط الأول: إسلام الوجه إلى الله، وهذا يستلزم إخلاص العبادة والقصد لله جلّ وعلا؛ والانقياد إليه تعالى؛ فيكون القلب والتوجه سليماً لله تعالى لا شراكة فيه لأحد.
والشرط الثاني: الإحسان في عبادة الله، وذلك يستلزم أن يكون العمل خالصاً لله تعالى صواباً على سنة رسول الله ﷺ.

وهذان الأصلان يتفاضل فيهما السالكون تفاضلاً كبيراً:
- فأما الإخلاص فيدخله التفاضل من جهتين:
إحداهما: قوّة الاحتساب في القلب، وتعظيم النيّة لله تعالى، وتخليصها من الشوائب.
والأخرى: الاستكثار من العبادات الخالصة؛ فكلّ عبادة خالصة يزداد بها المؤمن إيماناً وإخلاصاً لله تعالى.

- وأما إحسان العبادة فيدخله التفاضل من أربع جهات:
الأولى: قوة الإخلاص فيها.
والثاني: حسن اتباع هدي النبي ﷺ
والثالثة:تعدد المقاصد الحسنة في العمل الواحد.
والرابعة: اقتران الأعمال؛ فكثير من الأعمال يقترن بها من الأعمال الصالحة ما يعظّمها.

والمسلمون يتفاضلون في إسلامهم بتفاضلهم في هذين الأصلين؛ فهم على درجات كثيرة لا يحصيهم إلا من خلقهم واحصى أعمالهم جلّ وعلا؛ فأحسنهم قياماً بالشرط أعظمهم نصيباً من الجزاء، وكلّ مسلم لديه أصل الإيمان فلديه أصل الوفاء بهذا الشرط من الإخلاص والمتابعة ثم يزداد نصيبه الجزاء كلما ازداد إخلاصاً لله تعالى، وإحساناً لاتباع رسوله صلى الله عليه وسلم.
وفي الصحيحين من حديث معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: ((إذا أَحْسَنَ أحدكم إسلامه؛ فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف))

عبد العزيز الداخل 14 ذو القعدة 1443هـ/13-06-2022م 12:06 AM

تفسير قول الله تعالى: {ومن يسلم وجهه إلى الله}
معاني الوجه في اللغة
لفظ "الوجه" في لغة العرب إذا أضيف إلى الإنسان احتمل ثلاثة معانٍ:

المعنى الأول: الوجه الذي في الرأس، وهو العضو المعروف في الجسد، ومنه قول الله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم}.
والمعنى الثاني: التوجّه، وهو مصدر، فتقول: هذا وجهي إلى فلان، أو إلى مكان كذا، أي، هذا توجّهي، ومنه ما في الصحيحين من حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما مرفوعاً: ((ووجهت وجهي إليك)).
ومنه ما في صحيح البخاري وغيره من حديث مثنى بن سعيد القصير، قال: حدثني أبو جمرة، قال: قال لنا ابن عباس: ألا أخبركم بإسلام أبي ذر؟
فذكر الحديث وفيه أنّ أبا ذر قال لعليّ: بلغنا أنه قد خرج ها هنا رجل يزعم أنه نبي، فأرسلت أخي ليكلمه، فرجع ولم يشفني من الخبر، فأردت أن ألقاه، فقال له: (أما إنك قد رشدت، هذا وجهي إليه فاتبعني).
وقال بشر بن أبي خازم الأسدي:
إِلَيكَ الوَجهُ إِذ كانَت مُلوكي ... ثِمادَ الحَزنِ أَخطَاها الرَبيعُ
وقال المثقّب العبدي:
وما أدري إذا وجَّهتُ وجْهاً ... أريد الخير أيهمــــــــــــــــا يليني
أَأَلخير الذي أنا أبتغيــــــــــــــــــــــــه ... أم الشر الذي هو يبتغينـــي
والمعنى الثالث: المتوجَّه إليه؛ يقال: عاد فلان من وجهه، أي: من المكان الذي توجَّه إليه.
ومنه ما في الصحيحين من حديث سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم نومه وطعامه، فإذا قضى نهمته من وجهه فليعجل إلى أهله».

وقال الهذيل بن مَشجعة البولاني، وبولان بطنٌ من طيء:
إِنِّي وإن كان ابن عمّي غَائِبا ... لمقاذِفٌ من خَلفه وورائــــــــــــه
وإذا أَتَى من وجهه بطريفــــــــة ... لم أطلع ممَّا وَرَاءِ خبائـــــــــــــــــــــه
وإذا اكتسى ثوباً جميلاً لم أقلْ ... يا لَيْت أَنَّ عَليَّ حُسْنَ رِدَائه
والشاهد قوله: (وإذا أتى من وجهه) أي: من المكان الذي توجَّه إليه، والطريفة ما يستطرفه المرء من مكسَب.

وقال عمرو بن عجلان في صاحبته هند:
ومرَّا عليها بارك الله فيكمـــــــــــــــــــــا ... وإن لم تكن هند لوجهيكما قصــــــــــــــــــدا
وقولا لها ليس الضلال أجارنـــــــــــا ... ولكننا جُرْنا لنلقاكم عمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدا
ولا تعجلا لم يدر صاحبُ حاجة ... أغيّا يلاقى في التعجل أم رشـــــــــــــــــــــــــــــــــــــدا

والشاهد قوله: (وإن لم تكن لوجهيكما قصداً) أي: للمكان الذي تؤمّانه وتتوجّهان إليه.

وللوجه معانٍ أخر بحسب ما يُضاف إليه: فوجه الأرض ما برز منها، ووجه النهار أوله، ووجه القوم المقدَّم فيهم، ووجه الحجر ما واجهك منه، ومنه قولهم في الدينار: له وجهان، ومنه قيل للمنافق: ذو الوجهين.
قال الحريري في ذم الدينار:
تبا له من خادع مماذق .. أصفر ذي وجهين كالمنافق
وأما قول الله تعالى: {ذَلِك أدنى أَن يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ على وَجههَا}. فالمعنى فيه: على الصواب والسداد، وذلك أن مخالفة الوجه حيدة عن الصواب، فرجع معنى الوجه هنا إلى المواجهة.

والمقصود أن لفظ الوجه في قول الله تعالى: {ومن يسلم وجهه إلى الله} ينتظم معنيي التوجّه، المتوجَّه إليه، وذلك يقتضي أمرين:
الأول: أن يكون المتوجَّه إليه هو الله وحده لا شريك له.
والثاني: أن يكون التوجه إليه على صراط مستقيم.

معنى الإسلام في اللغة
لفظ "الإسلام" في لغة العرب هو ما تحقق فيه وصفان:
1: تمكين المسلَّم للمسلَّم إليه حتى يتمكّن منه.
2: انتفاء المشاركة والعلة القادحة في معنى التسليم.
يقال: سلَّمت لفلان حقَّه إذا مكَّنته منه وأخلصته له؛ فبرئ من المشاركة والمنازعة فيه، وسَلِمَ له إذا تمكَّن منه.
ويقال: أَسْلَم فلان أخاه إذا خذله ومكَّن عدوه منه، ولم ينازعهم فيه، بل تركه لهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((المسلم أخو المسلم لا يَظْلمه ولا يُسْلِمه)). رواه البخاري ومسلم من حديث الليث بن سعد، عن عقيل، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه، رضي الله عنهما.

والسلامة من المرض هي من هذا الباب لأنها تعني البراءة من العلة والخلاص منها، والانقياد لحال الصحة والعافية.
والأصل فيه أن المريض لا يجاري الأصحاء كما لا تجاري الشاة المريضة الشياه الصحاح؛ فإذا سلمت من المرض انقادت معها.
ومما يوضح هذا المعنى قول الله تعالى: {ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجلٍ هل يستويان مثلا}
متشاكسون أي: مختلفون متنازعون
{ورجلاً سلماً لرجل} أي خالصاً له منقاداً إليه، ليس لأحد فيه شراكة، وهذا مثل ضربه الله لتقبيح الشرك، وتحسين الإسلام.

والخلاصة أن الإسلام لا بد فيه من جمع أمرين:
أحدهما: الاستسلام والانقياد لأمر الله جل وعلا، وذلك بامتثال أمره واجتناب نهيه.
والآخر: الإخلاص والبراءة من الشرك في الاعتقاد والقول والعمل،
فالمسلم هو الذي أخلص دينه لله جل وعلا، وانقاد لأمره تعالى.

وبذلك تعرف أن المشرك غير مسلم لأن دينه ليس بخالص لله تعالى، وأنَّ المستكبر عن عبادة الله تعالى غير مسلم لأنه ممتنع غير منقاد لأمر الله جلَّ وعلا.
قال الله تعالى: {وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا}.

- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الإسلام يتضمن الاستسلام لله وحده؛ فمن استسلم له ولغيره كان مشركًا، ومن لم يستسلم له كان مستكبرًا عن عبادته.
والمشرك به، والمستكبر عن عبادته: كافرٌ.
والاستسلام له وحده يتضمن عبادته وحده، وطاعته وحده؛ فهذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله غيره)ا.هـ

معنى إسلام الوجه إلى الله
إسلام الوجه إلى الله هو: إخلاص توجّه القلب لله تعالى وحده لا شريك له، وهذا يقتضي أمرين:
أحدهما: إخلاص النية والقصد لله تعالى، وتخليصها من الشرك بالله تعالى، وما يقدح في الإخلاص.
- قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية الرياحي في قوله تعالى: {ممن أسلم وجهه لله وهو محسن} يقول: (من أخلص لله). رواه ابن أبي حاتم.
والآخر: تمام الانقياد لله تعالى، من غير استكبار، ولا تمنّع، ولا تردد، ولا التفات إلى غير الله تعالى.
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً: (الوَجْهُ يتناول المتوجِّه والمتوجَّه إليه، كما يقال: أي وجه تريد؟ أيْ: أيَّ وجهة وناحية تقصد، وذلك أنهما متلازمان، فحيث توجَّه الإنسان توجَّه وجْهُه، ووجهُهُ مستلزمٌ لتوجُّهِهِ، وهذا في باطنه وظاهره جميعاً، فهذه أربعة أمور، والباطن هو الأصل، والظاهر هو الكمال والشعار؛ فإذا توجَّه قلبُه إلى شيء تَبِعَه وجْهُه الظاهر، فإذا كان العبد قصده ومراده وتوجهه إلى الله فهذا صلاح إرادته وقصده، فإذا كان مع ذلك محسناً فقد اجتمع أن يكون عمله صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً، وهو قول عمر رضي الله عنه: "اللهم اجعل عملي كله صالحاً واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً").

فائدة تعدية الفعل {يسلم} بـ {إلى}
قول الله تعالى: {ومن يسلم وجهه إلى الله} تعدية الفعل بـ"إلى" تفيد معنى الانقياد والسير إلى الله على الصراط المستقيم، فهو إخلاص وانقياد بإحسان ومتابعة، وهذه هي حقيقة دين الإسلام، وما بُني عليه، والعبد يتخذ بهذه الأعمال سبيلاً إلى الله تعالى يتقرّب به إليه.

فائدة الإتيان بصيغة الفعل المضارع في قوله تعالى: {ومن يسلم}
الإتيان بصيغة الفعل المضارع {يسلم} الذي يفيد الاستمرار والتجدد فيه معنى بقاء هذا الشرط لمن يتلو هذا الخطاب ما دامت فيه حياة إلى أن يأتي أمر الله، ومن أسرف على نفسه ثم تاب إلى الله وأناب وجد هذا الخطاب يشمله؛ فمتى عزم العبد على الوفاء بهذا الشرط وشرع فيه فهو على سبيل الخير.

عبد العزيز الداخل 14 ذو القعدة 1443هـ/13-06-2022م 12:09 AM

تفسير قول الله تعالى: { وهو محسن}

الفائدة البيانية للجملة الحالية في قوله تعالى: {وهو محسن}
جملة {وهو محسن} جملة حالية تفيد أنه لا سبيل إلى قبول دعوى الإخلاص إلا بإحسان العمل، بأن يكون على سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
والإتيان بالاسم {محسن} دون الفعل يفيد الثبات والدوام والتمكّن، وأنه لا انقطاع لهذا العمل حتى الممات؛ ففيه معنى {واعبد ربّك حتى يأتيك اليقين}
والجمع في جملة الشرط بين الجملة الفعلية {يسلم} والجملة الاسمية الحالية {وهو محسن} فيه دلالة على الجمع بين الاستمرار والتجدد في إسلام الوجه لله تعالى، وبين الثبات والتمكن في الإحسان.

معنى قوله تعالى: {وهو محسن}
قوله تعالى: {وهو محسن} فيه وجهان في التفسير:
أحدهما: أنه محسن في إسلام وجهه لله تعالى، والتقدير: ومن يسلم وجهه لله بإحسان، وهذا يقتضي أن يؤدي العبادات لله تعالى بإحسان، وذلك بأن يؤديها خالصة لله تعالى متبعاً فيها هدي النبي صلى الله عليه وسلم من غير غلو ولا تفريط.
والوجه الآخر: وهو يعمل الحسنات؛ ومن عُرف منه عمل شيء سمّي باسم فاعله؛ وكلما استكثر العبد من الحسنات ازداد نصيبه من هذا الاسم.
والجملة الاسمية {وهو محسن} تفيد على الوجهين أنه مقيم على عمل الإحسان
قال الله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125)}

- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقد فسر إسلام الوجه لله بما يتضمن إخلاص قصد العبد لله بالعبادة له وحده، {وَهُوَ مُحْسِنٌ} بالعمل الصالح المشروع المأمور به، وهذان الأصلان جماع الدين: أن لا نعبد إلا الله، وأن نعبده بما شرع، لا نعبده بالبدع).

عبد العزيز الداخل 14 ذو القعدة 1443هـ/13-06-2022م 12:11 AM

تفسير قول الله تعالى: { فقد استمسك بالعروة الوثقى}

المعاني البيانية في جملة جواب الشرط
اشتملت جملة جواب الشرط على معانٍ بيانية لها أثر عظيم في اكتساب اليقين التام بالهداية وحسن العاقبة لمن قام بما دلّت عليه جملة الشرط.
{فقد} حرف يفيد التحقيق؛ فليس بين المؤمن وبين تحقق هذا الجزاء العظيم إلى أن يقوم بما يستطيع من الفعل المشترط في صدر الآية.
{استمسك} بناء الفعل الصرفي يدل على غاية التمسك مع يسر لا مشقّة فيه.
{العروة الوثقى} أي التي لا أوثق منها.

معنى العروة
العُروة هي ما يستمسك به كالحلقة، ومنه عروة الدلو، فإذا أُلْقِيت الدلو في البئر وامتلأت ماءً جذبها المستسقي بحبل قد ربطه في عروة الدلو؛ فإن كانت تلك العروة وثيقة جيدة والحبل جيداً استخرج الدلو، وإن كانت العروة غير وثيقة انفصمت العروة فسقط الدلو.
قال امرؤ القيس:
كالدلو ثبت عُرَاها وهي موقرة ... إذ خانها وذَم منها وتكريب
الكَرَبُ: حبل يشدُّ به وسط العَرَاقِي، والعَرَاقي: خشبتان متقاطعتان على شكل صليب يوضع على فم الدلو، ويكون طرف كلّ خشبة في أذن من آذان الدلو الأربعة.
والوَذَم سيور تربط آذان الدلو بالعراقي، واحدتها: وَذَمَة.
فالعروة اسم لهذه الأجزاء التي تتكون منها، وهي التي تمسك الدلو.
وفي بعض الأجرام تكون العروة حَلَقة يمسك بها كعروة الإبريق، وعروة الكوز، وعروة الباب.

معنى الوثقى
{الوثقى} صيغة مبالغة، يقال: عروة وثيقة إذا كانت قوية مأمونة، فتجمع بين القوة والأمان بحيث يوثق بها ويُطمئَنُّ إليها.
ويقال: عروة أوثق من عروة على التفضيل بينهما في صفتي القوة والأمان.
وأما العروة الوثقى فهي التي لا أوثق منها، قد بلغت الغاية في القوة والأمان.
وهذا كما يقال: الطريقة المثلى، أي التي لا أمثل منها، ولا أحسن.
ويُستفاد من هذه الصيغة قطع تطلّع القلب إلى سبب أوثق من هذا السبب، وأجدى نفعاً؛
فإذا علم العبد أن هذا السبب هو أقوى الأسباب وأنفعها لم يلتفت قلبه إلى غيره.
- قال ابن جرير: ({فقد استمسك بالعروة الوثقى} يقول: فقد تمسّك بأوثق ما يتمسّك به مَن طلب الخلاص لنفسه من عذاب اللّه وعقابه).

معنى الاستمساك بالعروة الوثقى
قوله تعالى: {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ} لفظ الاستمساك فيه بناء لغوي أقوى دلالة من المَسْكِ؛ لأنه يجمع معاني قوة التمسّك والحرص والمداومة عليه.
فما دام العبد مستمسكاً بهذه العروة؛ فالله تعالى ضامن له ألا تنفصم، وألا تنقطع به دون بلوغ ما يأمل من النجاة والفوز الكبير.
يقال: مَسَك، وأَمْسَك، وتَمسَّك، واستمسك؛ فالاستمساك أعلى المراتب المشتقة من هذا الفعل، لما فيه من معنى التمكن من المسك، والمداومة عليه.
فإذا كانت العروة وُثقى، والاستمساك قوياً ثابتاً نجا المستمسك بهذه العروة من الهلاك، ووصل إلى مطلوبه.

والمقصود أن قول الله تعالى: {فقد استمسك بالعروة الوثقى} فيه ما يُطمئن المؤمن الذي أحسن القيام بالشرط بأنه على أعلى درجات الهداية، وهذا يقطع القلب عن رؤية أيّ سبيل آخر للهداية غير هذا السبيل البيّن، وهذا فيه بيان حكم حالِه في الدنيا، وأنه مهتدٍ قد تحقق فيه وصف الهداية بأعلى درجاتها الممكنة له.

عبد العزيز الداخل 14 ذو القعدة 1443هـ/13-06-2022م 12:14 AM

تفسير قول الله تعالى: {وإلى الله عاقبة الأمور}
عاقبة الأمر ما يؤول إليه؛ ولكل أمر عاقبة ينتهي إليها، والذي يقدّر ما تؤول إليه الأمور هو الله تعالى وحده؛ فتقديم الجار والمجرور {وإلى الله عاقبة الأمور} يفيد الحصر، أي: إلى الله وحده تقدير عواقب الأمور، فهو الذي يجازي على الأعمال، ويقدّر ما تؤول إليه،
وهو القادر على أن يجعل مما تسوء العبد مباديه عاقبة حسنة، ومما تسرّ مباديه عاقبة سيئة؛ وإذا أسعد الله عبداً فلا يقدر أحد أن يُشقيه، وإذا أشقى عبداً لم يستطع أحد أن يسعده.
فجملة {وإلى الله عاقبة الأمور} فيها معنى الضمان التامّ لمن قام بالشرط أن يحصل له الجزاء تاماً غير منقوص؛ فإنه لا أقدر على الوفاء بوعده من الله؛ ففيها معنى {ومن أوفى بعهده من الله}.

عبد العزيز الداخل 14 ذو القعدة 1443هـ/13-06-2022م 12:15 AM

دلالة مفهوم المخالفة في الآية
دلّت الآية بمفهوم المخالفة على أمرين:
أحدهما: أن من لم يسلم وجهه إلى الله فهو ليس على شيء، ولا سبيل له إلى النجاة، بل كلّ عمل لا يُخلص العبد فيه لله فهو هالكٌ باطل، وبه فسّر قول الله تعالى: {كلّ شيء هالك إلا وجهه} فلا يُقبل عملٌ لا يُراد به وجه الله تعالى.
- قال عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل شقيق بن سلمة عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد». رواه أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وهو حديث صحيح له طرق وشواهد.
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((رأس الأمر الإسلام)) أي أن أصل أمرِ الإنسان وما خلق من أجله هو الإسلام؛ فإذا ذهب إسلام المرء ذهب أمره كله، وهذا نظير ما خاطب الله تعالى به أهل الكتاب بقوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ}؛ فهؤلاء ليسوا على شيء لأنهم ضيعوا رأس الأمر، وهو الإسلام الذي أرسل الله به الرسل، وقال تعالى في الكفار: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا}.
ولذلك قال سفيان بن عيينة رحمه الله: (ما في القرآن آيةٌ أشدّ عليَّ من قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ}) علَّقه البخاري في صحيحه.
وذلك أنّ من لم يًقِم أمر دينه فهو ليس على شيء، ولا أمان له من عذاب الله تعالى.

والأمر الآخر: أنّ المسيء في أصل الدين ليس على شيء، وهو الذي لا يتبّع النبي صلى الله عليه وسلم أو يرى أنه يسعه التقرّب إلى الله على غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ فهؤلاء ليسوا على شيء وعملهم باطل مردود لأنهم لم يحققوا أصل المتابعة الذي هو أحد شرطي صحة الدين؛ فإن الدين قائم على الشهادتين شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمداً رسول الله.
فتحقيق الشهادة الأولى يقتضي إخلاص الدين لله تعالى.
وتحقيق الشهادة الثانية يقتضي اتباع النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن كان معه أصل الإخلاص، وأصل الاتباع؛ فقد حقق أصل دين الإسلام.
وكان له عهد عند الله تعالى أن ينجيه من النار، ويدخله الجنة.

وهذان الشرطان معتبران في أصل الدين وفي كلّ عمل يعمله العبد؛ فلا يقبل الله من عبدٍ عملاً حتى يكون خالصاً لله تعالى، وعلى سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وبذلك يكون العمل حسناً مقبولاً.
- قال الفضيل بن عياض في تفسير قول الله تعالى: ({أَحْسَنُ عَمَلاً}: قال: (أخلصه وأصوبه).
وقال: (العمل لا يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا؛ الخالص: إذا كان لله، والصواب: إذا كان على السنة). رواه أبو نعيم في الحلية عن الفضيل، ورواه ابن أبي الدنيا في "الإخلاص" عن تلميذه إبراهيم بن الأشعث.
- وقال سفيان بن عيينة رحمه الله: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الميزان الأكبر، فعليه تُعرض الأشياء، على خلقه وسيرته وهديه، فما وافقها فهو الحق، وما خالفها فهو الباطل» رواه الخطيب البغدادي في الجامع.


الساعة الآن 07:51 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir