دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > علوم القرآن الكريم > متون التفسير وعلوم القرآن الكريم > متون علوم القرآن الكريم > المقدمة الجزرية

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 11 ذو القعدة 1429هـ/9-11-2008م, 01:12 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 12,699
افتراضي إدغام المتماثلين

فصل في إدغام المتماثلين

وَأَوَّلَيْ مِثْلٍ وَجِنسٍ إن سَكَنْ = أَدْغِمْ كَقُل رَّبِّ وَبَل لاَّ وَأَبِنْ
في يَومِ مَعْ قَالُوا وَهُمْ وقُلْ نَعَمْ = سَبِّحْهُ لاَ تُزِغْ قُلُوبَ فَالْتَقَمْ


  #2  
قديم 13 ذو القعدة 1429هـ/11-11-2008م, 06:34 AM
حفيدة بني عامر حفيدة بني عامر غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
الدولة: بلاد الحرمين .
المشاركات: 2,423
افتراضي الدقائق المحكمة لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري

المتن
(50) وَأَوَّلَيْ مِثْلٍ وَجِنسٍ إن سَكَنْ = أَدْغِمْ كَقُل رَّبِّ وَبَل لاَّ وَأَبِنْ
(51) في يَومِ مَعْ قَالُوا وَهُمْ وقُلْ نَعَمْ = سَبِّحْهُ لاَ تُزِغْ قُلُوبَ فَالْتَقَمْ

_______________

(50) و "أوَّلي مِثْلٌ وجِنسٌ إنْ سَكَن" ولَوْ سكونًا عارضًا، "أَدغِمْ" أنتَ. والإدغامُ لُغَةً: إدخالُ الشَّيءِ في الشَّيءِ. ومنهُ: أدغمتُ اللِّجامَ في فَمِ الفرَسِ.
واصْطِلاحًا: إيصالُ حرْفٍ ساكنٍ بحرفٍ مُتحرِّكٍ، بحيثُ يصيرانِ حرفًا واحدًا مُشدَّدًا، يَرْتفِعُ اللِّسانُ عنه ارتِفاعةً واحدةً، وهُوَ بوزنِ حَرْفينِ.
واعلم أنَّ الحرْفيْنِ المُلْتَقِيَينِ إمَّا:
1- أنْ يَتَمَاثَلا: بأنْ يتَّفِقَا مَخْرَجًا، وصِفةً. كالبَاءيْنِ، واللاَّميْنِ، والدَّاليْنِ.
2- أَوْ يتجانَسَا: بأنْ يتَّفِقا مَخْرَجًا، لا صِفةً. كالطَّاءِ والتَّاءِ، وكالظَّاءِ والثَّاءِ، وكاللاَّمِ والرَّاءِ – عندَ الفَرَّاءِ -.
3- أَو يَتَقَارَبا: بأن يَتَقَارَبَا مَخْرَجًا، أَوْ صِفةً. كالدَّالِ والسِّينِ، وكالضَّادِ والشِّينِ، وكاللاَّمِ والرَّاءِ – عندَ سيبويهِ -.
فالمُتَمَاثِلانِ، والمُتجانِسَان الخَاليانِ عمَّا يأتي؛ إذا سَكَنَ الأوَّلُ منهُمَا، أُدغِمَ في الثَّاني:
كـ {وَقُلْ رَبِّ} مثالٌ للمُتجانسيْنِ – على رأيِ الفَرّاءِ -.
و { بلْ لَا يَخَافُونَ} (50). مثالٌ للمُتماثليْنِ.
إظهارُ المُتماثليْنِ والمُتقاربيْنِ و "أَبِنْ" أيْ: أَظْهِرْ أوَّلَ المِثْليْنِ في:

(51) "في يومٍ" معَ "قالُو وَهُم" [الشعراء: 96] ونحوُهُمَا ممَّا اجْتَمَعَ فيه ياءانِ، أو وَاوانِ، أوَّلُهُما حرْفُ مَدٍّ – وإن اجتَمَعَ فيه مِثلان-، لئلاَّ يذْهبَ المدُّ بالإدغامِ.
وأَبِن اللاَّمَ في نَحْوِ: "قُلْ نَعَمْ "؛ وإنِ اجتمعَ فيه مُتقارِبَانِ، أَوْ مُتجانِسَان. لأنَّ النُّونَ؛ لمَّا لم يُدغَمْ فيها شيءٌ، ممَّا أُدغِمَتْ فيهِ؛ نَحوُ: الميمُ، والواوُ، والياءُ؛ فاسْتَوْحَشَ إدغامَ اللاَّمِ فيها. وإنَّمَا أَدْغَمَ فيهَا لامَ التَّعريفِ: كالنَّارِ، والنَّاسِ، لكثرتِهَا. وأمَّا إدغامُ الكسائيِّ اللاَّمَ فيهَا، في نحوِ: { هل نُنَبِّئُكُم} [الكهف: 103]، و { بَلْ نَتَّبِعُ} [البقرة: 170] فَمِنْ تَفرُّداتِهِ.
وأَبِن الحاءَ في "سَبِّحْهُ" [ق: 40] [الطور: 49] [الإنسان: 26] إذ لا يُدغَمُ حرفٌ حَلْقِيٌ في أَدخلَ منهُ، والهاءُ أدخلُ من الحاءِ. ولأنَّ حروفَ الحلقِ بعيدةٌ عنِ الإدغامِ لِصُعوبَتِهَا. ولهذا لا تُدغمُ الغَيْنُ في القافِ في نحوِ: { لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا} [آل عمران: 8].
وأَبِن اللاَّمَ في قولِهِ: "فَالْتَقَمَ" لتبَاعُدِ المَخرجيْنِ. إذِ الإدغامُ يَسْتَدْعِي خَلْطَ الحرفيْنِ، ويُصيِّرُهُمَا حرفًا واحدًا مُشَدَّدًا. فإن كانا مِثْلَيْنِ، والأوَّلُ ساكِنٌ، ففيهِ عملٌ واحِدٌ، وهُوَ الإدغامُ. أو مُتَحَرِّكٌ فعملانِ: إسكانٌ وإدغامٌ. وإنْ كانا غيرَ مِثْلَيْن،ِ والأوَّلُ ساكنٌ ففيه عملانِ: قلبٌ وإدغامٌ، أو متحرِّكٌ فثلاثةُ أعمالٍ: إسكانٌ، وقلبٌ، وإدغامٌ. فالسَّاكِنُ أقلُّ عملاً من المُتحرِّكِ، ومنْ ثَمَّ سُمِّيَ: إدغامًا صغيرًا، والمتحرِّكُ: إدغامًا كبيرًا.
والحروفُ من حيثُ هيَ قِسْمَانِ: قَمَريَّةٌ وشَمْسيَّةٌ. وكلٌّ منهُمَا أربعةَ عشَرَ حَرْفًا.
فالقَمَريَّةُ يجمعُهَا قولُكَ: (ابِغِ حجَّكَ وخفْ عقَيمَهُ) وتَظْهَرُ لامُ التَّعريفِ عندَهَا.
والشَّمسيَّةُ: ما عدَاهَا، وتُدْغَمُ لامُ التَّعريفِ فيها.


  #3  
قديم 21 ذو القعدة 1429هـ/19-11-2008م, 11:37 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 14,244
افتراضي المنح الفكرية للشيخ: علي بن سلطان القاري


(وَأَوْلَى مِثْلٍ وجِنْسٍ إنْ سَكَنْ = أَدْغِمْ كَقُلْ ربِّ وَبَلْ لا وَأَبِنْ)

أمرٌ مِن الإبانةِ بمعنى الإظهارِ وَمُتَعَلِّقُه سيأتي في البيتِ الآتي ومُوَافَقَةُ الحركةِ فيما قبلَ النونِ من قَبيلِ التزامِ مالا يلزمُ في شعرِ العربِ وإن التَزَمَه العجمُ، والضميرُ المُسْتَكِنُ في سَكَنَ راجعٌ إلى الأَوَّلِ في قولِهِ أَوْلَى بالتثنيَةِ المضافِ إلى مثلٍ وجنسٍ وحَذَفَ نونَه بالإضافةِ ونصبَه بالياءِ على أنَّهُ مفعولٌ مقدَّمٌ لقولِه أَدْغِمْ وأمَّا قولُ الروميِّ في بيانِ إعرابِه مِن أنَّ أَوْلَى مبتدأٌ مضافٌ إلى مثلٍ , وَجِنسٌ عطفٌ على مثلٍ وإن سَكَنَ جملةٌ شرطيَّةٌ جزاؤُها أَدْغِمْ والجملةُ الشرطيَّةُ معَ جزائِها خبرُ المبتدأِ فخطأٌ فاحشٌ؛ لأنَّه لو كانَ مبتدًأ لرُفِعَ بالألفِ وقيلَ أو لا مثلَ وجنسَ وكأنَّهُ تَصَحَّفَ عليه كتابةُ الياءِ لقراءةِ الألفِ والمثالانِ نشرٌ مُشَوَّشٌ؛ لأنَّ بلْ لا مثالَ المثلينِ "وقلْ رَبِّ "مثالُ الجنسينِ وقولُ زكريَّا: ولو سُكُونًا عارضًا إنَّما يتمُّ به في الإدغامِ الكبيرِ كما قرأَ به السُّوسِيُّ، والظاهرُ أنَّ المصنِّفَ أرادَ بهِ الإدغامَ المُتَّفَقَ عليه مِن الإدغامِ الصغيرِ. ثمَّ اعلمْ أنَّ الحرفينِ إذا التقيا بأنْ لا يكونَ حاجزٌ بينهما، إمَّا أنْ يكونا مِثْلَيْنِ، بأن اتَّفَقَا مَخْرَجًا وصفةً، كالباءِ والباءِ، والتاءِ والتاءِ،والياءِ والياءِ، وإمَّا أنْ يكونَا متجانسينِ، بأن اتَّفَقَا مَخْرَجًا واخْتَلَفَا صفةً، كالدالِ والطاءِ والتاءِ، وكذا الذالُ والظاءُ والثاءُ، وإمَّا أنْ يكونَا مُتَقَارِبَيْنِ، بأنْ تقاربا مَخْرَجًا وصفةً، كالدالِ والسينِ، والتاءِ والثاءِ، والضادِ والشينِ، فإذا عرَفْتَ ذلكَ فاعلمْ أنَّهُم اختلفُوا في اللامِ والراءِ والنونِ، أنَّهَا مِن مَخْرَجٍ واحدٍ، وهو مختارُ الفَرَّاءِ، أو لكُلِّ واحدٍ منها مَخْرَجٌ على حِدَةٍ إلا أنَّ بينَها قُرْبَ المَخْرَجِ، وعليه الجمهورُ مِن النحَاةِ، وهو مختارُ سيبويهِ، واختارَه المصنِّفُ تبعًا للشاطبيِّ رحمَهُما اللهُ، لكنَّ كَلاَمَه هنا خلافُ ما سبقَ عنه أولًا، فإنَّه جعلَ اللامَ والراءَ مِن قبيلِ الجنسينِ، فلو قالَ: (وقَرُبَ موضعُ جنسٍ) ليشملَ المذهبينِ، كما عبَّرَ به الشاطبيُّ في إدغامِ المُتَقَارِبَيْنِ، وأمَّا ما اعتذرَ عنه المصريُّ بقولِه: ولعلَّ الناظمَ نظرَ إلى أنَّ المُتَقَارِبَ داخلٌ في المُتَجَانِسِ بخلافِ عَكْسِه، فلا يصحُّ للاتفاقِ على عَكْسِه. والحاصلُ أنَّهُ إذا التقى المِثْلاَنِ أو الجنسانِ وَسُكِّنَ الأَوَّلُ منهما أُدْغِمَ الأَوَّلُ في الثاني، نحوُ {بلْ لا يَخَافُونَ}و {قلْ لَهُمْ} و { هلْ لَكُمْ } و { قلْ رَبِّ} و { بلْ رَانَ} عندَ مَن لم يَسْكُتْ على اللامِ، وكذا سائرُ الحروفِ، نحوُ {كمْ مِن قَرْيَةٍ} و {اذهبْ بِكِتَابِي} و {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} و{أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ} وأمثالِه. ثمَّ اعلمْ أنَّ ما ذكرَه المصنِّفُ في المِثْلَيْنِ فهو على عمومِه عندَ جميعِ القُرَّاءِ، وأمَّا ما أطلَقَه في المُتَجَانِسَيْنِ فليسَ على ظاهرٍ ممَّا يُتَوَهَّمُ فيه مِن اتِّفَاقِ (أهلِ) الأداءِ؛ فإنَّ منهما ما اتفقُوا عليه، ومنهما ما اختلفُوا فيه، كما يُعْرَفُ ممَّا ذكرَه الوليُّ الشاطبيُّ في بابِ حروفٍ قَرُبَتْ مَخَارِجُها مِن جملتِها الراءُ عندَ اللام ِ عكسَ ما ذكرَه المصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ مِن إدغامِِ اللامِ في الراءِ، فإنَّهُما معَ كونِهما مِن المُتَجَانِسَيْنِ أو المُتَقَارِبَيْنِ اخْتَلَفَ حكمُهما، حيثُ وقعَ الاختلافُ في الثاني دونَ الأَوَّلِ، فتأَمَّلْ، نعمْ إذا كانَ الأَوَّلُ مِن المُتَمَاثِلَيْنِ حرفَ مدٍّ فإنَّه يظهرُ بلا خلافٍ عندَ الياءِ والواوِ، كما أشارَ إليه في قولِه (وأَبِنْ في يومِ) بتركِ التنوينِ ضرورةً (معَ قالُوا وَهُم) فإنَّ الياءَ المَدِّيَّةَ مِن نحوِ: {في يومٍ كانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ ألفَ سَنَةٍ} ونحوِه: { الذي يُوَسْوِسُ} والواوَ المَديَّةَ منِ نحوِ: {قالُوا وَهُمْ فِيَها يَخْتَصِمُونَ}ونحوَ { آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} (لاتُدْغَمَانِ) في مثلِها المعنى الأعمُّ؛ إذَ لا يُتَصَوَّرُ اجتماعُ المَدِّيَّيْنِ حتى يقالَ لا يُدْغِمُ، فافهمْ؛ ولذا قالُوا في التعليلِ: مُحَافَظَةً على المدِّ؛ لئلاَّ يذهبَ بالإدغامِ، بخلافِ ما إذا كانَ الأَوَّلُ مِن المُتَمَاثِلَيْنِ حرفَ لينٍ فَإنَّهُ يُدْغَمُ كما هو داخلٌ تحتَ الحُكْمِ العامِّ، نحوُ: { آوَوْا وَنَصَرُوا } فقولُه (أَبِنْ ) بحسبِ المعنى، استثناءً من القاعدةِ المُتَقَدِّمَةِ في المَبْنَى، وأمَّا قولُ الروميِّ: اللهمَّ إلا أنْ يكونَ المُتَمَاثِلاَنِ أو المُتَجَانِسَانِ، حرفَ مدٍّ فغيرُ صحيحٍ، ثُمَّ قولُه (وقلْ نَعَمْ سَبِّحْهُ لاَتُزِغْ قُلُوبَ فَالْتَقَمَ) استثناءٌ من إدغامِ المتجانسينِ، فيجبُ إظهارُ اللامِ الساكنةِ عندَ النونِ نحوَ (قلْ نَعَمْ) معَ أنَّهُما متجانسانِ أو مُتَقَارِبَانِ؛ لأنَّ النونَ لا يُدْغَمُ فيها شيءٌ ممَّا أُدْغِمَتْ هي فيه مِن حروفِ (يَرْمَلُونَ) كذا أطلقُوه ومرادُهم سوى النونِ، وأمَّا قولُ الرُّومِيِّ: ولم يَدْغِم اللامَ الساكنةَ في النونِ معَ تَقَارُبِهِمَا أو تَجَانُسِهِمَا بِناءً على أنَّ النونَ لمَّا لمْ تُدْغَمْ في اللامِ مِن الحروفِ كالميمِ والواوِ والياءِ حصلَ بينَ اللامِ والنونِ وَحْشةٌ ونفرةٌ بذلكَ فلم تُدْغَم اللامُ فيها، إلا ما رُوِي عن الكِسائيِّ من إدغامِ هلْ وبلْ خاصَّةً في الإدغامِ الصغيرِ، نحوُ { بلْ نَتَّبِعُ } و { هلْ نُنَبِّئُكُمْ } ا.هـ. فهو ظاهرٌ؛ لأنَّ النونَ تُدْغَمُ في اللامِ كَمَا تُدْغَمُ في الميمِ والواوِ والياءِ كما سيأتي في بابِ أحكامِ النونِ الساكنةِ.
قالَ الناظمُ في (التمهيدِ): فإنْ قلتَ لِمَ أُدْغِمَت اللامُ الساكنةُ في نحوِ: (النارُ) و (الناسُ) وأُظْهِرَتْ في قولِه: (قلْ نَعَمْ) وكُلٌّ منهما واحدٌ؟ قلتُ: لأنَّ هذا فِعْلٌ قد أُعِلَّ بحذفِ عينِه فلم يُعَلَّ ثانيًا بحذفِ لامِه؛ لئلاَّ يصيرَ في الكلمةِ إجحافٌ، و(أل) حرفٌ مبنيٌّ على السكونِ لمْ يُحْذَفْ منه شيءٌ ولم يُعَلَّ بشيءٍ فلذلكَ أُدْغِمَ، ألا ترى أنَّ الكِسَائِيَّ ومَن وافقَه أَدْغَمَ اللامَ مِن هل وبل في نحوِ قولِه: (هل تَعْلَم) و (بلْ نحنُ) ولم يُدْغِمْها في " قلْ نَعَمْ " و {قلْ تَعَالَوْا}، وكذا يجبُ بيانُ الحاءِ الساكنةِ عندَ الهاءِ في قولِه: (فَسَبِّحْهُ) لقاعدةِ أنَّ الحَلْقيَّ لا يُدْغَمُ في أَدْخَلَ مِنْه، والحاءُ أدخلُ من الهاءِ، بخلافِ الهاءِ في الهاءِ نحوُ { مَالَيَهْ هَلَكَ } وإنَّما خصَّ الناظمُ بيانَ (فَسَبِّحْهُ) وإظهارَه؛لأنَّ كثيرًا مِن الناسِ يقعُ في إدغامِه بِناءً على قُرْبِ المَخْرَجينِ ولا يَعْلَمُونَ أنَّ الحاءَ أقوى مِن الهاءِ , والقاعدةُ أنَّ الأقوى لا يُدْغَمُ في الأضعفِ، وكذا يجبُ بيانُ الغينِ عندَ القافِ في قولِه تعالى: { ربَّنَا لا تُزَغْ قُلُوبَنَا } ، قالَ ابنُ المصنِّفِ: لِتَغَايُرِهِما فإنَّ الغينَ حَلْقيَّةٌ، والقافُ لَهَويَّةٌ، وفيه أنَّ بينهما قُرْبَ المَخْرَجِ فلا ينافي تغايرُهما، فالأَوْلَى أنْ يقالَ: لأنَّ حروفَ الحلقِ بعيدةٌ منِ الإدغامِ لصعوبتِها وقد ذكرَ المصنِّفُ في التمهيدِ أنَّ الغينَ إذا لقِيَتْ حرفًا حَلْقيًّا وجبَ بيانُها، نحوُ { ربَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا } و (أَبْلِغْهُ) كذلكَ القافُ نحوُ { رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا } لأنَّ مَخْرَجَ الغينِ قريبٌ مِن مَخْرَجِ العينِ قبلَه والقافِ بعدَه، فيُخْشَى أنْ يُبَادِرَ اللفظُ إلى الإخفاءِ والإدغامِ / ا. هـ. وكذا يجبُ بيانُ اللامِ عندَ التاءِ في قولِه تعالى: { فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ } لِبُعْدِ مَخْرَجِهما، وهو يُنَافِي الإدغامَ، وأمَّا إدغامُ لامِ التعريفِ في التاءِ فلِكَثْرَةِ استعمالِها، ولعلَّ هذا وجهُ استثنائِها؛ لئلاَّ تشتبهَ بها ويجريَ عليها حُكْمُها، وبهذا يُفَرَّقُ أيضًا بينَ (قلْ نَعَمْ) وبينَ النَّعِيمِ ثمَّ الفرقُ أيضًا باعتبارِ أنَّ (الْتَقَمَ) كلمةٌ واحدةٌ فيحصلُ بإدغامِها إجحافٌ بالنيَّةِ وكذلكَ في كلمتينِ من نحوِ (التَّوْبَةُ)، ثمَّ الحروفُ مِن حيثُ هي قسمانِ:قمريَّةٌ وشمسيَّةٌ، وكُلٌّ منهما أربعةَ عشَرَ حرفًا، فالقمريَّةُ يجمعُها قولُك "أَبْغِ حَجَّكَ وَخَفْ عَقِيمَهْ" فيظهرُ لامُ التعريفِ عندَها، والشمسيَّةُ ما عدَاها، وتُدْغَمُ لامُ التعريفِ فيها، وقد نظمَ الحروفَ القمريَّةَ بعضُهم في أوائلِ قولِه:

ألاَ بلْ وهلْ يروي خبيرٌ حديثَ مَنْ = جَلاَ عَن فؤادي غُمَّةً قد كَسَتْ هَمَّا

والأمثلةُ: الأحدُ، البَرُّ، الوليُّ، اليقينُ , الخبيرُ، الحليمُ، المؤمنُ،الجليلُ، العليمُ، الفَتَّاحُ، الغَفَّارُ، القَهَّارُ، الكبيرُ، الهادي، وتَسْمِيتُه شمسيَّةً وقمريَّةً من بابِ تسميَّةِ الكُلِّ باسمِ الجزءِ , وهو لامُ الشمسِ والقمرِ.
وسببُ الإظهارِ في الأَوَّلِ تَبَاعُدُ المَخْرَجينِ، وسببُ الإدغامِ في الثاني تَقَاربُ المَخْرَجينِ، وإنْ تَفَاوَتَا في غيرِ اللامِ للتَّمَاثُلِ فيها، ثُمَّ الإدغامُ عبارةٌ عن خلطِ الحرفينِ وإدخالِ أحدِهما في الآخرِ، مأخوذٌ مِن إدغامِ اللِّجامِ في فمِ الفرسِ، فيصيرانِ حرفًا واحدًا مُشَدَّدًا يرتفعُ اللسانُ عنه ارتفاعةً واحدةً , وهو يُوَزِنُ حرفينِ فصارا لشدَّةِ الامتزاجِ في السمعِ كالحرفِ الواحدِ وإلا فهما حرفانِ في الحقيقةِ، وَعُوِّضَ عنه التشديدُ: وهو حبسُ الصوتِ في الحيِّزِ بعنفٍ، وليسَ التشديدُ عوضًا عن الحرفِ المُدْغَمِ، بلْ عمَّا فاتَه مِن الاستيلاءِ في التَّلَفُّظِ، فإنَّكَ إذا أصغيتَ إلى لفظِك سمِعْتَ ساكنًا مُشَدَّدًا ينتهي إلى مُخَفَّفٍ، فقولُ بعضِهم: هو أنْ يرتفعَ لسانُك بالحرفينِ دَفْعَةً واحدةً إنَّما يصحُّ على سبيلِ التقريبِ؛ لأنَّ الناطقَ بالحرفِ المُدْغَمِ ناطقٌ بحرفينِ أَوَّلُهما ساكنٌ وثانيهما مُتَحَرِّكٌ، وفائدتُه: تخفيفُ اللفظِ لثقلِ عودِ اللسانِ إلى المَخْرَجِ الأَوَّلِ أو مُقَارِبِه، فاختارَ العربُ الإدغامَ طلبًا للخفَّةِ؛ لأنَّ النطقَ بذلكَ أسهلُ مِن الإظهارِ، كما يشهدُ به الحسُّ والمشاهدةُ، ولذلكَ شبَّهَ النحاةُ الإظهارَ بمشيِ المُقَيَّدِ؛ لأنَّ الإنسانَ إذا نَطَقَ بحرفٍ وعادَ إلى مثلِه أو إلى مقاربِه، يكونُ كالراجعِ إلى حيثُ فارقَ أو إلى قريبٍ من حيثُ فارقَ، وشبَّهَهُ بعضُهم بإعادةِ الحديثِ مرَّتين، وكيفيَّةُ ذلكَ أنْ يصيرَ الحرفُ الذي يُرَادُ إدغامُه من جنسِ الحرفِ الذي يُدْغَمُ فيه، إذا لم يكونا مِثْلَيْنِ في أصلِهما، فإذا صارَ مثلَه حصلَ حينئذٍ مِثْلاَنِ، وإذا حصلَ مِثْلاَنِ وَجَبَ الإدغامُ حُكْمًا إجماعيًّا، فإنْ جاءَ نصٌّ بإبقاءِ صفةٍ من صفاتِ الحرفِ المُدْغَمِ فليسَ ذلكَ الإدغامُ بإدغامٍ صحيحٍ، بل هو إخفاءٌ صريحٌ كما سبقَ تحقيقُهَ، وأمَّا الإظهارُ فهو عبارةٌ عن ضدِّ الإدغامِ، وهو أنْ يُؤْتَى بالحرفينِ المُمَيَّزَيْنِ جِنْسًا واحدًا مَنْطُوقًا بكُلِّ واحدٍ منهما على صورتِهِ، مُسْتَوْفِيًا بكُلِّ صفةٍ مُخْلَصًا إلى كمالِ بِنْيَتِهِ، ولْيُحْتَرَزْ عن إدغامِ نحوِ { أَخْرِجْ قَوْمَكَ } لِبُعْدِ مَخْرَجِ الجيمِ عن القافِ. ثمَّ اعلمْ أنَّ ذالَ إذَ، ودالَ قدَ، وتاءَ التأنيثِ الساكنةَ، ولامَ هل وبل، لا شَكَّ في إدغامِها عندَ اجتماعِها لأمثالِها، وأمَّا عندَ مُجَانِسِها ومُقَارِبِها ففي أكثرِها خلافٌ بينَ القُرَّاءِ، كما بيَّنَه الوليُّ الشاطبيُّ، وفي بعضِها وقعَ اتِّفَاقٌ لهم، ولا بدَّ مِن مَعْرفتِها، فقلتُ نظمًا على مِنْوالِ كَلاَمِ الناظمِ، يمكنُ أنْ يُنْظَمَ في سِلْكِه.

وَأَدْغِمَنَّ ذالَ إذْ في الظاءِ = ودالَ قـدْ بعينِه في التـاءِ
وتاءَ تأنيثٍ بدالٍ وبطاءْ = ولامَ هلْ وبلْ كذا عند الرَّاءِ

والأمثلةُ { إذْ ظَلَمُوا أَنْفَسَهُمْ} و { قَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ } و { أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ} و { قالَتْ طائفةٌ} و { بلْ رَانَ } و { هلْ رَأَيْتُمْ } وهذا التمثيلُ غيرُ موجودٍ في التنزيل.


  #4  
قديم 21 ذو القعدة 1429هـ/19-11-2008م, 12:15 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 14,244
افتراضي الفوائد التجويدية للشيخ: عبد الرزاق بن علي موسى

فصلٌ في الإدغامِ والإظهارِ

50- وأَوَّلَى مِثلٍ وجِنْسٍ إن سَكَـْن = أُدْغِمَ كقُل رَّبِّى وبل لاَّ وأبِنْ
51- في يَوم معَ قالوا وهم وقلْ نَعَمْ = سبِّحْهُ لا تُزِغْ قلوبَ فالْتَقَمْ

في هذين البيتين بيَّنَ الناظمُ رحِمَه اللهُ ما يَجبُ إدغامُه وما يَمتنعُ فنقولُ:
تعريفُ الإدغامِ: الإدغامُ لغةً الإدخالُ. يُقالُ أَدغمتُ اللجامَ في فمِ الفرسِ إذا أَدخلتُه. واصطلاحاً: هو اللفظُ بساكنٍ فمتحرِّكٍ بلا فصْلٍ من مَخرجٍ واحدٍ، فقولُه: اللفظُ بساكنٍ فمتحرِّكٍ بمنزلةِ الجِنسِ يَندرجُ فيه الإظهارُ والإدغامُ والإخفاءُ. وقولُه: بلا فصْلٍ بمنزلةِ الفصلِ يَخرجُ به الإظهارُ، وقولُه: من مَخرجٍ واحدٍ، يَخرجُ به الإخفاءُ إذ ليس الحرفُ المخفيُّ والمخفيُّ عندَه من مَخرجٍ واحدٍ.
وأما تعريفُ المِثْلين والمتجانِسَيْن والمتقارِبَيْن فسنَعقدُ لهم باباً خاصًّا ليتَّضِحَ للمبتَدِئِين.
ومعنى قولِ الناظمِ (وأَوَّلَى مِثْل.... الخ) أيْ أَدْغِمْ أيُّها القارئُ أوَّلَى مِثْلٍ وجِنْسٍ إن سَكَنْ أوَّلُ المِثْلِ والجنسِ وقولُه: (وأَبِنْ) يَعني وأظهِر أيُّها القارئُ مَدَّ (في يومٍ) مع (قالوا وهم) وأظهِرْ لامَ (قلْ) وحاء (سبِّحْه) وغَيْنَ (لا تُزِغْ قلوبَنا) ولام (فالْتَقَمَه). وقد سبَقَ تعريفُ الإدغامِ آنفاً. ثم اعلمْ أيُّها القارئُ أن الأصلَ في الحروفِ الإظهارُ، لعدَمِ توقُّفِهِ على سببٍ والإدغامُ فرْعٌ عنه لتوقُّفِه على سببٍ وهو التَّماثلُ والتقاربُ والتجانسُ. وأما تمثيلُ الناظمِ بـ (قُل رَّبِّ) للمتجانِسَيْن فهو على رأيِ الفرَّاءِ وأَتْباعِه كما هو معلومٌ في المخارجِ، وإنما مثَّلَ به الناظمُ تَشْحِيناً لذِهنِ الطالبِ وتقوِيَةً له على البحثِ والتدقيقِ عن مثلِ هذا.

(تتمَّةٌ) لم تُدْغم اللامُ في النونِ في نحوِ: (قُلْ نَعَمْ) لأنَّ النونَ لم يُدغَمْ فيها شيءٌ مما أُدغِمتْ هي فيه كالميمِ والواوِ استوحشَ أن تُدغَمَ اللامُ فيها. وإدغامُ الكِسَائِيِّ لللامِ في النونِ من نحوِ: (قُلْ نَعَمْ) من انفراداتِه لكن اغتُفِرَ إدغامُ لامِ التعريفِ لكثرةِ دَوْرِهَا في أربعةَ عشرَ حرفاً.
وبهذه المناسبةِ نذكرُ حكْمَ لامِ " أل" فنقولُ: حكْمُ لامِ "أل" ولامِ الفعلِ لا خلافَ بينَ القرَّاءِ أن لامَ "أل" وهي لامُ التعريفِ تَظهرُ عندَ أربعةَ عشرَ حرفاً وتُدغمُ في أربعةَ عشرَ حرفاً أيضاً. والمرادُ بلامِ "أل" ما يَشملُ المعرِفةَ كالرسولِ والموصولةَ نحوَ: (الذي) و (التي) فيَخرجُ نحوُ: (ألسنتِكم)، ولامُ التعريفِ لها حالتان: إظهارٌ وإدغامٌ فتُدغمُ في أربعةَ عشرَ حرفاً، وهي في أوائلِ كلماتِ هذا البيتِ:

طِبْ ثم صِلْ رحِماً تفز ضِفْ ذا نعم دعْ سوءَ ظنٍّ زُرْ شريفاًَ للكرمْ

وهي الطاءُ والثاءُ والصادُ والراءُ والتاءُ والضادُ والذالُ والنونُ والدالُ والسينُ والظاءُ والزايُ والشينُ واللامُ، وهي المسمَّاةُ بالحروفِ الشمسيَّةِ ووجْهُ إدغامِ اللامِ في هذه الحروفِ قرْبُ مَخرجِها من مخارجِهنَّ.
وتُسمَّى هذه باللامِ الشمسيَّةِ تشبيهاً للحروفِ بالشمسِ واللامِ بالنَّجْمِ بجامعِ خفاءِ كلٍّ عندَ الآخرِ، فكما أن النجمَ يَختفي عندَ الشمسِ فكذلك لامُ "أل" تَختفي عندَ هذه الحروفِ بإدغامِها فيها.
ويَجبُ إظهارُها أي لامُ "أل" عندَ أربعةَ عشرَ حرفاً كذلك جمَعَها بعضُهم في قولِه: أبْغِ حَجَّكَ وخَفْ عقِيمَه، وهي الألِفُ والباءُ والغَيْنُ والحاءُ والجيمُ والكافُ والواوُ والخاءُ والفاءُ والعَيْنُ والقافُ والياءُ والميمُ والهاءُ، وهي الباقيةُ بعدَ حروفِ الإدغامِ السابقةِ المتبقيَّةِ من حروفِ الإظهارِ ما عدا الألفِ.
والأمثلةُ لا تَخفى وتُسمَّى اللامُ مع هذه الحروفِ لاماً قمريَّةً تشبيهاً للاَّمِ بالنجمِ وحروفِها بالقمرِ بجامعِ بقاءِ كلٍّ عندَ الآخَرِ، فكما أنّ النجمَ يَبقى مع وجودِ القمرِ كذلك اللامُ تبقى عندَ هذه الحروفِ وتسميةُ الشمسيَّةِ والقمريَّةِ تسميةٌ مجازيَّةٌ للمجاوَرَةِ.
ويَجبُ إظهارُ لامِ الفعلِ مُطلقاً سواءً كان ماضياً أو أمراً أو كانت في وسَطِ الماضي كالْتَقَى وهو قليلٌ أو في آخرِه كـ (جَعَلْنَا) و (نَزَلْنَا) وهو كثيرٌ وفي آخِرِ الأمْرِ كـ (قُلْ نَعَمْ) هكذا فسَّرُوا الإطلاقَ في قولِ صاحبِ التُّحفَةِ (وأظهِرَنْ لامَ فَعَلَ مُطلقاً في نحوِ: قُلْ نعمْ وقلْنا والْتَقَى). وقد أشارَ صاحبُ التحفةِ إلى حكْمِ لامِ " أل". فقالَ:

للَلامِ أل حالان قبــلَ الأحـرفِ = أُولاهما إظْهارُها فلتعرِفِ
قبلَ أربعٍ مع عشرةٍ خـذْ عِلْمَـهُ = مِنْ أبغِ حجَّكَ وخِفْ عقِيمَهُ
ثانيهِمــا إدْغامُهـا في أرْبـَعٍ = مع عَشرةٍ أيضاً ورَمْزُها فعِي
طِبْ ثم صِلْ رحِماً تفزْ ضِفْ ذا نَعَمْ = دَعْ سُوءَ ظنٍّ زُرْ شريفاً للكَرَمْ
واللامُ الأولى سَمِّهَـا قـمريَّــهْ = واللامُ الأخرى سَمِّهَا شمسيَّـةً
وأظْهِـرَنْ لامَ فِعــلٍ مُطلقاً = في نحوِ: قـلْ نعمْ وقُلْنا والْتَقَى
ويجبُ إظهارُ لامِ الحرفِ نحوَ: (هلْ) و (بلْ) لكلِّ القرَّاءِ إلاَّ الكِسَائيَّ لأن الكِسَائِيَّ يُدغمُها في ثمانيةِ أحرفٍ ووافَقَه أبو عمرٍو وهشامٌ وحمزةُ في بعضِها كما هو معروفٌ من كتُبِ القراءاتِ، واتَّفَقوا على إدغامِها في مثلِها وفي الراءِ نحوَ: {بَل لاَّ يَخَافُونَ} و {بَل رَّانَ} و {هَل لَّكُمْ} للتَّماثُلِ في اللامِ والتقاربِ أو التجانسِ في الراءِ كما تَقدَّمَ. إلاَّ أنَّ حَفْصاً يَسكتُ على لامِ بَلْ رَانَ سكتةً لطيفةً من طريقِ الشاطبيَّةِ وله من طريقِ الطيِّبةِ عدمُ السكْتِ وعندَ ذلك يُدغِمُ كسائرِ القرَّاءِ.

بابُ المثلَيْن والمتقارِبَيْن والمتجانِسَيْن
سبَقتْ الإشارةُ إلى عقْدِ هذا البابِ لتعلُّقِه بالإدغامِ والإظهارِ.
والغرَضُ من معرفةِ هذا البابِ بيانُ ما يجبُ إدغامُه وما يَجوزُ، أما المتباعِدَيْن فلا خلافَ في إظهارِهما وُجوباً فلذلك لم نتعرَّضْ لهما.
فالمِثلان: هما الحرفان اللذان اتَّحَدا مَخرجاً وصفةً كالباءَيْن والتاءَيْن فإن كان أوَّلُهما ساكناً وثانيهُما متحرِّكاً وَجَبَ إدغامُ أوَّلِهما في الثاني سواءً كانا في كلمةٍ واحدةٍ مثلُ { يُدْرِككُّمْ }، { يُوَجِّهْهُ } أو في كلمتين مثل { اذْهَب بِّكِتَابِي }، { عَفْوًا وَّقَالُوا }، { أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ } ويُسمَّى إدغاماً صغيراً لقلَّةِ العملِ فيه لأنَّ فيه عملاً واحداً وهو الإدغامُ، ويُشترطُ لوجودِ الإدغامِ أن لا يكونَ المدغَمُ حرفَ مَدٍّ ولا هاءَ سكْتٍ، فإن كان حرفَ مَدٍّ كـ (قَالُوا وَهُمْ)، (فِي يَوْم) وجَبَ الإظهارُ للجميعِ لئَلاَّ يَزولَ المَدُّ بالإدغامِ وإطلاقُ المثلَيْن عليهِما بالنظرِ للمعنى الأعمِّ وهو كما قالَ النُّوَيْرِيُّ: الحرفان اللذان اتَّحَدا مَخرجاً وصفةً.
وإن كان هاءَ سكتٍ وذلك في { مَالِيَهْ هَلَكَ } فقط فحكْمُه وجوبُ الإظهارِ أيضاً والمرادُ بالإظهارِ: أن يَسكتُ القارئُ عليها سكتةً لطيفةً دونَ تنفُّسٍ إجراءً للوصْلِ مجْرى الوقفِ وذلك لجميعِ القرَّاءِ، ما عدا ورْشاً وحمزةَ ويعقوبَ، أما ورشٌ فإنه يُدغمُه على نقلِه وأما حمزةُ ويعقوبُ فإنهما يَحذفان الهاءَ وصْلاً فلا يتأتَّى بهما إظهارٌ ولا إدغامٌ.
ويُستثنى من وجوبِ الإدغامِ { اللاَّئِي يَئِسْنَ } حالةَ إبدالِ الهمزةِ ياءً ساكنةً، للبَزِّيِّ وأبى عمرٍو فإنه يَجوزُ إدغامُ ياءِ (اللائي) في ياءِ (يَئِسْنَ) وإظهارُها لتوالي الإعلالِ فإنَّ أصلَها اللائي بهمزةٍ مكسورةٍ بعدَها ياءٌ ساكنةٌ كقراءةِ ابنِ عامرٍ والكوفيِّين فحُذفت الياءُ لتطرُّفِها وإنكسارِ ما قبلَها، فصارَ اللائي بهمزةٍ مكسورةٍ متطرِّفةٍ كقراءةِ قَالُونَ وقَنْبَلٍ، فأُبدِلَت الهمزةُ ياءً ساكنةً على غيرِ قياسٍ لثِقلِها فجُعلَ في الكلمةِ إعلالان فلا تُعَلُّ ثالثاً بالإدغامِ. وكلاهما صحيحٌ قالَ في النشْرِ: وكلاّ من وجْهَي الإدغامِ والإظهارِ ظاهرٌ مأخوذٌ به وإن كانا متحرِّكين فحكْمُهما جوازُ الإظهارِ والإدغامِ، فالإظهارُ لجميعِ القرَّاءِ والإدغامُ للسُّوسِيِّ لا فرقَ عندَهم بينَ أن يكونا من كلمةٍ أو من كلمتين والسوسِيُّ عن أبي عمرٍو يُدغمُ أوَّلَهما في ثانيهما إلاَّ أنَّ إدغامَهُمَا من كلمةٍ خاصٌّ بكلمةِ { مَنَاسِكَكُمْ } بالبقرةِ و { مَا سَلَكَكُمْ } في المدَّثِّرِ دونَ غيرِهما كشِرْكِكُم وجِبَاهُهُم وأما إدغامُه في كلمتين فهو عامٌّ في كلِّ مثلَيْن التَقَيَا خَطًّا غيرَ الهمزتَيْن لكن بشروطٍ مذكورةٍ في كُتبِ القراءاتِ، ويُسمَّى إدغاماً كبيراً لكثرةِ العملِ فيه لأن فيه عملَيْن وهما الإسكانُ والإدغامُ.
والمتقاربان هما الحرفان اللذان تَقَاربا مَخرجاً وصفةً، أو مَخرجاً لا صفةً أو صِفةً لا مَخرجاً، والمرادُ بقربِ أحدِ المَخرجَيْن من الآخَرِ، ما يَشملُ مجاورتَه له كاللامِ والراءِ عندَ الخليلِ وما فيه نوعُ انفصالٍ كالقافِ والكافِ، والمرادُ بقربِهما في الصفاتِ اشتراكُهما في أكثرِها أو تكافؤُهما فيها، بأن يكونَ في أحدِهما من صفاتِ القوَّةِ أو الضَّعْفِ ما في الآخَرِ: فإن كان أوَّلُهما ساكناً وثانيهما مُتحرِّكاً مثلُ { نَغْفِرْ لَكُمْ } { وَلَقَدْ جَاءَكُمْ } فحكْمُه جوازُ الإظهارِ والإدغامِ سواءً كانا من كلمةٍ أو من كلمتين والكلماتُ التي وقعَ الخلافُ في إدغامِها وإظهارِها من هذا النوعِ ثماني عشرةَ كلمةً وبيانُها في كُتبِ القراءاتِ وما عَداها مُجْمَعٌ على إظهارِه.
والمتجانسان هما الحرفان اللذان اتَّفَقا مَخرجاً لا صفةً، كالدالِ والتاءِ فإنَّ مَخرجَهما واحدٌ وصفاتِهما مختلِفةٌ لافتراقِهما في أنَّ الدالَ مجهورةٌ مقَلْقَلَةٌ والتاءَ مهموسةٌ غيرُ مقَلْقَلَةٍ، وأما عكسُ ذلك وهو اتفاقُهما صِفةً لا مَخرجاً كالدالِ والجيمِ نحوَ: { وَلَقَدْ جَاءَكُمْ } فداخِلٌ في المتقارِبَيْن وأَدخلَه بعضُهم في المتجانِسَيْن حيثُ قالوا في تعريفِ المتجانِسَيْن بأن يتَّفِقا مَخرجاً لا صفةً أو عكسُه، فإن كان أوَّلُهما ساكناً وثانيهما متحرِّكاً فهو على ثلاثةِ أقسامٍ: قسم اتَّفَقوا على إدغامِه، وقِسمٌ اتَّفَقوا علي إظهارِه، وقسمٌ اختلفوا في إظهارِه فالمتَّفَقُ على إدغامِه أربعةُ أحرفٍ: الدالُ في التاءِ، نحوَ: { قَد تَّبيَّنَ } والتاءُ في الطاءِ والدالُ نحوُ: { أَثْقَلَت دَّعَوا } و{ هَمَّت طَّآئِفَةٌ } والذالُ في الظاءِ نحوُ: { إِذ ظَّلَمْتُمْ } واللامُ في الراءِ على رأيِ الفرَّاءِ نحوُ: { قُل رَّبِّ } و { بَل رَّانَ }. وأما على رأيِ الخليلِ فهما متقارِبان.
ونَظَمَ بعضُهم الحروفَ المتَّفقِ على إدغامِها فقالَ:

وأَدْغِمِنْ ذالَ إذ في الظاءِ = ودالَ قـدْ بعينِـه في التـاءِ
وتاءَ تأنيثٍ بدالٍ وبِطَا = ولامَ هلْ وبلْ كذا عندَ الرَّاءِ

لامُ هلْ لا تُدغمُ إلاَّ في اللامِ قبلَها دونَ الراءِ، والمختلَفُ فيه ثلاثةُ أحرفٍ الثاءُ في الذالِ نحوَ: { يَلْهَث ذلِكَ }، والباءُ في الميمِ نحوُ: { ارْكَبْ معَنَا } {وَيُعَذِّبْ مَنْ يَشَاءُ} في البقرةِ على قراءةِ السكونِ, والراءِ في اللامِ نحوَ: { اسْتَغْفِرْ لَهُمْ } وأما المتَّفَقُ على إظهارِه فهو ما عدا ذلك نحوَ: { فَاصْفَحْ عَنْهُمْ } { فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ } ويُسمَّى ذلك الإدغامُ إدغاماً صغيراً لقلَّةِ العملِ فيه لأنَّ فيه عملَيْن وهما القلْبُ والإدغامُ، وإن كانا متحرِّكينِ مثلَ { الصَّالِحَات طُوبَى }، { النُّفُوسُ زُوِّجَتْ } فحكْمُه جوازُ الإظهارِ والإدغامِ فالإظهارُ لغيرِ السوسِيِّ، وأما السوسيُّ فإنه يُدغمُ أوَّلَهما في ثانيهِما، ولا يكون إلاَّ من كلمتين لكن بالشروطِ المذكورةِ في الشاطبيَّةِ ويُسمَّى إدغاماً كبيراً لكثرةِ العملِ فيه لأنَّ فيه ثلاثةَ أعمالٍ: الإسكانُ والقلْبُ والإدغامُ. والمدْغَمُ إدغاماً كبيراً من المتجانسَيْن والمتقاربَيْن ستَّةَ عشرَ حرفاً مذكورةً في حِرْزِ الأمانيِّ مع حروفِها التي تُدغمُ فيها.
والخلاصةُ أنَّ الحرفَيْن المتلاقِيَيْن إن كانا مِثلَيْن وأوَّلُهما ساكنٌ ففيه عملٌ واحدٌ، وهو الادغامُ, أو متحرِّكٌ فعَملان إسكانٌ وإدغامٌ أو متحرِّكَيْن فثلاثةُ أعمالٍ إسكانٌ وقلبٌ وإدغامٌ في روايةِ من يُدغِم,ُ فالساكنُ أقلُّ عملاً من المتحرِّكِ.
ووجهُ الإدغامِ في هذه الأقسامِ التماثلُ أو التقاربُ أو التجانسُ ووجهُ الإظهارِ مراعاةُ الأصلِ.
فائدةٌ: لا يُدْغَمُ القويُّ في الضعيفِ فلا تُدغَمُ الباءُ في الواوِ في مثلِ { فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلْ } لقوَّتِها عليها بالشِّدَّةِ والقَلْقَلَةِ ولا الطاءُ في غيرِها من الحروفِ لأنها أقوى الحروفِ وأما إدغامُها في نحوِ: { بَسَطْتَ } و { أَحَطْتُ } فهو إدغامٌ ناقصٌ لإبقاءِ صِفةِ الإطباقِ والاستعلاءِ في الطاءِ وسوَّغَهُ الاتحادُ في المَخرجِ، ولا الضادُ في التاءِ من نحوِ: { أَفَضْتُمْ } لأنها أقوى منها بالاستعلاءِ والإطباقِ والاستطالةِ، ولا الضادُ في الطاءِ في { فَمَنْ اضْطُرَّ } لاستطالتِه ومراعاةً للأصلِ وهو الإظهارُ، واتَّفَقوا على إدغامِ القافِ في الكافِ في { أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ } بالمرسَلاتِ كما تَقدَّمَ واللهُ أعلمُ.
فصلٌ: في ذكْرِ الحروفِ الهجائيَّةِ مفصَّلةً حرفاً حرفاً بعد أن ذكَرْنا صفاتِها مجمَلةً مع التنبيهِ على ما يَقعُ فيه من الأخطاءِ كثيرٌ من القرَّاءِ مع التمثيلِ بألفاظٍ من القرآنِ الكريمِ ليَتبيَّنَ الأمرُ غايةَ البيانِ وتحصُلُ الفائدةُ واللهُ المستعانُ على ذلك، وذلك على حسْبِ ما وَردَ في (تنبيهِ الغافِلِين) للشيخِ عليٍّ النور الصَّفَاقِسِيِّ. و (التمهيدِ) للحافظِ ابنِ الجَزْرِيّ فنقولُ:
الألِفُ المتحرِّكةُ:
وتُسمَّى الهمزةَ وهو حرفٌ حلقيٌّ مجهورٌ شديدٌ مستفِلٌ مُنفتِحٌ مصمَتٌ متوسِّطٌ بيِّنُ القوَّةِ والضعفِ ثقيلٌ، ولذا غيَّرَتْهُ العربُ بأنواعٍ من التغييرِ كالتسهيلِ والإبدالِ والحذفِ، ولما لم تَثبتْ في اللفظِ على لفظٍ واحدٍ لم تثْبتْ في الخطِّ على صورةٍ واحدةٍ كسائرِ الحروفِ بل يُستعارُ لها مرَّةً صورةُ الألِفِ ومرَّةً صورةُ الياءِ ومرَّةً صورةُ الواوِ ولأنها تُبدَلُ منها كثيراً في نحوِ: (فَأَتَوْا)، و (يُؤمنون)، و(بِئْر).
ويقعُ الخطأُ فيها لبعضِ القرَّاءِ من أوجهٍ: منها تفخيمُها، فلابدَّ من التحفُّظِ منه ولا سيَّما عندَ حروفِ الاستعلاءِ سواءً كانت قطعيَّةً أم موصولةً عندَ الابتداءِ بها نحو: (أَقاموا) و (الظَّالمين) و (أَظلمَ) و (أخَّرْتَني) و (الصَّدَفَيْن) و (أصْدَقُ) وكذلك ما شابَه حروفَ الاستعلاءِ وهو الراءُ نحوَ: (أَرَضِيتُم) و (أَرَاكُم) وكذلك اللامُ المفخَّمُ في اسمِ الجلالةِ نحوَ: {اللهُ لاَ إِلَهَ إلاَّ هُوَ} وكذلك إذا أتى بعدَها ألِفٌ نحوَ: (ءامَنوا) و (ءايات) و (ءامنِين). وبعضُ العجَمِ يُبالِغُ في تفخيمِها حتى تخرجَ الفتحةُ الى شبهِ الضمَّةِ وهو لحنٌ فاحشٌ لأنَّ الهمزةَ مرقَّقةٌ مُطلقاً سواءً جاورَها مفخَّمٌ أو مرقَّقٌ، ومنها شبهُ تشديدِها. وبعضُهم يُبالِغُ في ذلك حتى تصيرَ مشدَّدةً حقيقةً ويَقصدُ فاعلُ ذلك تحقيقَها فيقعُ في الخطأِ وهو لا يَشعرُ، وأكثرُ ما يقعُ ذلك في المضمومةِ بعدَ الألفِ، نحوُ: (يشاءُ)، و (جزاء). لا سيَّما إن أتى قبلَ الألِف حرفٌ شَفَويٌّ لما بينَ المَخرجَيْنِ من البُعدِ نحوَ: (أنباء) و (الضعفاء) فإن كثيراً من الناسِ يُسهِّلُها بينَ الهمزةِ والواوِ وهو لا يَشعرُ، وجرى اللسانُ بهذه السهولةِ على النُّطقِ بالهمزِ المحقَّقِ إذ الهمزُ أثقلُ الحروفِ نطْقاً وهذا إن كان حالَ الوصلِ, وهو خطأٌ بلا شكٍّ إذ لم يقرأْ به أحدٌ فيما علمْتُ. وأما في حالِ الوقفِ فليس بخطأٍ لكن يَنبغي أن يقرأَ به لمن قرأَ بذلك كحمزةَ. ومنها حذفُها وحذفُ حرفِ المَدِّ معها في الوقفِ على نحوِ: (يبدأ) و (الملأ).
فليُتَحفَّظْ من ذلك. ومنها إبدالُها ياءً في مثلِ: (القلايد) و (الغايط) ولم يَقرأْ به أحدٌ فيما علمْتُ. وهو لَحْنٌ لا تَحلُّ القراءةُ به، وأمَّا إبدالُها في (أئمَّةٍ) فهو صحيحٌ متواترٌ. إلاَّ أنه لا يَنبغي أن يُقرأَ به إلاَّ من طريقٍ ثَبَتَ منها.
فإن قلتَ: قد صرَّحَ البيضاويُّ بأنه لَحْنٌ. قلتُ تَبِعَ فيه الزمخشريَّ وقد أخطأَ فيه فلا عِبْرَةَ به. انتهى ملخَّصاً من تنبيهِ الغافلين ص 47 وما بعدَها.

البـاءُ الموحَّدةُ
تخرجُ من المَخرجِ الثاني عشرَ من مخارجِ الفمِ، والباءُ حرفٌ مجهورٌ شديدٌ مستفِلٌ مُنفتِحٌ مُذْلَقٌ مقلقَلٌ متوسِّطٌ، ويقعُ الخطأُ فيه من أوجُهٍ: منها تفخيمُها، فلابدَّ من التحفُّظِ منه لا سيَّما إن جاوَرَتْ حرفَ استعلاءٍ أو راءٍ نحوُ: (بَطَلَ) و (بَخْس) و (بَغْتَةً) و (بَسْطَةً). (فَقَبَضْتُ) و (بَصَلِهَا). و (بَقَرَةَ) و (بَرْق). و (بَرًّا بِوَالِدَيْهِ) وأحرى إن حالَ بينَهما ألِفٌ نحوُ (باطِل) و (باغٍ) و (الأسباط) و (باقٍ) و (تباركَ). وبعضُهم يقعُ له الخطأُ في سائرِ حروفِ الكلمةِ فيُفخِّمُ التاءَ والباءَ والألِفَ والكافَ، وهو لَحْنٌ فاحشٌ والمطلوبُ في الباءِ الترقيقُ كما تَحكي في حروفِ التهَجِّي ألِف با، واحذَرْ إذا رقَّقْتَها أن تُبالِغَ في ترقيقِها حتى تَجعلَها كأنها مُمالةٌ إذ التجويدُ كما قالَ الدانِي رحِمَه اللهُ تعالى: بياضٌ إن قلَّ صارَ سُمرةً وإن كثُرَ صارَ بَرَصاً، وخيرُ الأمورِ أوْساطُها بل لابدَّ من بيانِ شدَّتِها وجهرِها، وكثيرٌ من الناسِ يَغلطُ فيه لا سيَّما إن جاوَرَتْ حرفاً ضعيفاً نحوَ: (بذى), و(بثلاثةٍ) و (بساحتِهم) أو خفيًّا نحوُ: (بهم) و (بها) و(بالِغ) و (خبير) و (بُورك).
وكذا إن جاورتْ حرفاً ممالاً نحوُ: (بلى) أو مرقَّقاً نحوُ: (لَيْسَ الْبِرَّ) عندَ من قرأَ بذلك ونحوُ: (عَلَى الْبِرِّ) في قراءةِ الجميعِ، ومنها: إظهارُها إذا تكرَّرَتْ والأُوْلى ساكنةٌ نحوُ: {فَاضْرِبْ بِهِ } {وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} {فَارْغَبْ بَسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}. بل لابدَّ من الإدغامِ والتشديدِ البليغِ، أجمَعَ على ذلك القرَّاءُ والنحويُّونَ. واحرِصْ على إظهارِها، إذا تكرَّرَتْ وتحرَّكَتْ الأُولى نحوَ { الْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ } { وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ } وإظهارِها في كلمةٍ أسهلَ منه نحوُ: (سبَباً)، وهما في كلمتين ولهذا أَدغمَ أبو عمرٍو النوعَ الأوَّلَ وأظهرَ الثاني، واحرِصْ على إظهارِها عندَ الفاءِ إذا قرأْتَ بقراءةِ من له الإظهارُ كنافعٍ وجاءت في كتابِ اللهِ في خمسةِ مواضعَ في النساءِ: { أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ } وفي الرعْدِ {وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ} وباقي المواضعِ معلومةٌ من كُتبِ الخلافِ.
واحرصْ على إظهارِها عندَ الميمِ في { يُعَذِّبْ مَنْ يَشَاءُ } في سورةِ البقرةِ { وَارْكَبْ مَعَنَا } في هودٍ إذا قرأْتَ بقراءةِ من أَظْهَرَ.
ومنها: عدمُ بيانِها وقلقلتِها إذا سَكَنَتْ بل لا بدَّ من إظهارِها وقلقلتِها مرقَّقةً وسواءً كان سكونُها لازماً كـ(الصبر) و (فانْصَبْ) أو عارِضاً كـ(قريب) و (الحساب) ولا سيَّما إذا أتى بعدَها الواوُ نحوُ: (رَبْوَة) و (فانْصَبْ) انتهى ملخَّصاً من تنبيهِ الغافِلِين ص 50.
فصلٌ: التاءُ المثنَّاةُ فوقَ التاءُ تخرجُ من المَخرجِ الثامنِ من مخارجِ الفمِ، وهو حرفٌ شديدٌ مهموسٌ مستفِلٌ مُنفتِحٌ مصمَتٌ متوسِّطٌ نِطعِيٌّ. قالَ في التمهيدِ ص 111 وقيلَ إنها من حروفِ القَلْقَلَةِ، وهو في غايةِ البُعدِ، ويقعُ الخطأُ فيها من أوجُهٍ:
منها: تفخيمُها، كما يَفعلُه الأعاجمُ فليُحذَرْ منه لا سيَّمَا إن أتى بعدَها حرفُ استعلاءٍ نحوَ: (تَقْدِرُوا عَلَيْهَا) (وتَخْرج) أو ألِفٌ نحوُ: (التائبون) و (تأكلون) وإذا رقَّقْتَها فاحذَرْ من المبالغةِ فيه حتى تصيرَ كالمُمَالةِ بل تَنطقُ بها مرقَّقةً من غيرِ إفراطٍ كما تَحكي في حروفِ التهجِّي ومنها: إبدالُها سيناً أو كالسينِ فيَحدثُ فيها رخاوةٌ وصفيرٌ، وقد كَثُرَ هذا على الألسنةِ وأحرى إن كانت ساكنةً نحوُ: (فِتْنة) (واتْلُ) حتى إنَّ بعضَ من كَثُرَ جهلُه وضَعُفَ عقلُه يَستحسنُه ويَجعلُه من الفصاحةِ، ورقَّةِ الطبعِ، وهو لَحْنٌ لا تَحِلُّ القراءةُ به فاحذَرْه وحذِّرْ منه، ومنها: إبدالُها طاءً وأكثرُ ما يكونُ إذا جاوَرَتْ حروفَ الإطباقِ نحوُ: (تُضِلُّ) و (وتَضَعون) و (وتَضْحكون) و (تُظْهرون) و (تَصَدَّق). وأحرى إن كان طاءً نحوَ: (تَطَّلِع) و (أفَتَطْمَعون) لمشاركتِها لها في المَخرجِ فإن فُخِّمَتْ اللامُ بعدَها كـ (تَصْلَى) في روايةِ وَرْشٍ كان الاهتمامُ ببيانِها وإخراجِها من مَخرجِها أَوْلى: إذ يَسْهل على اللسانِ إبدالُها في هذه الحالةِ أكثرَ من غيرِها. فإنْ حالَ بينَ التاءِ وبين الطاءِ لامٌ نحوَ: اختَلَطَ وَجَبَ التحفُّظُ من إبدالِها طاءً ومن تفخيمِ اللامِ، وكثيرٌ من الناس يَفعلُه فيُبدلُ التاءَ طاءً ويُفخِّمُ اللامَ فيَلْحَنُ في الحرْفَيْن وهو لا يَجوزُ حتى على روايةِ وَرْشٍ القائلِ بتفخيمِ اللامِ لأجْلِ الطاءِ والظاءِ والصادِ إذ شرطُه عندَه أن تكونَ هذه الحروفُ قبلَ اللامِ وهذا بعدَ اللامِ.
ومنها: عدمُ بيانِها إذا تكرَّرَتْ، نحوُ: (تَتَجَافى) و (تَتْرَى) و (كِدتَّ تَرْكَنُ) فإن تَكرَّرَتْ ثلاثَ مرَّاتٍ كان الاهتمامُ ببيانِها أشدَّ نحوُ: { الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ } وكذلك كلُّ حرفٍ تكرَّرَ سواءً كان في كلمةٍ كـ (حِجَج) أو كلمتين نحوُ: (تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) قالَ في الرعايةِ: بيانُ الحرفِ المكرَّرِ لازمٌ: وفيه صعوبةٌ لأنه بمنزلةِ الماشي يَرفعُ رِجلَه مرَّتَين أو ثلاثَ مرَّاتٍ، ويرُدُّها في كلِّ مرَّةٍ إلى الموضعِ الذي رفعَها منه انتهى. فإن تَحرَّكَتْ وجاءتْ قبل الدالِ نحوُ: (أَعْتَدْنا) وَجَبَ بيانُها خَوْفاً من انقلابِها دالاً لاتِّفاقِهما في المَخرجِ وكثيرٌ من الناسِ يَفعلُه من حيثُ لا يَشْعُرُ وهو لَحْنٌ فظيعٌ انتهى ملخَّصاً من تنبيهِ الغافلِين ص 51، 52.

الثـاءُ المثلَّثـةُ
الثاءُ تَخرجُ من المَخرجِ العاشرِ من اللسانِ وهو حرفٌ مهموسٌ رِخوٌ مستفِلٌ مُنفتِحٌ مصمَتٌ ضعيفٌ، ويقعُ الخطأُ فيه من وجوهٍ:
منها: إبدالُها تاءً مثنَّاةً وهو لَحْنٌ فاحشٌ لا تَحلُّ القراءةُ به. وكذلك إبدالُها سيناً، وقد شاعَ الأوَّلُ في قُطْرِ طَرَابُلْسَ والثاني عندَ أهلِ مصرَ إلاَّ أنهم يَتَحَاشَوْنَ عندَ ذلك في القراءةِ، وربما يَسرقُ الطبعَ بعضُهم.
ومنها: تفخيمُها، وأكثرُ ما يقعُ عندَ مجاوَرَةِ الراءِ، نحوَ: (آثَرَكَ) والثرَى) أو الألِفِ نحوَ: (ثَالث) و (ثامنُهم). أو حرفِ الاستعلاءِ نحوَ: (أَثْخَنْتُمُوهُم) و (يَثْقَفُوكُمْ) وأَحْرى إذ اجتَمَعا نحوَ: (مِيثَاقَكُمْ) و(الوَثَاق). وبعضُهم يُفخِّمُ الألِفَ والثاءَ فيُخطئُ في الحرفين.
كما أن بعضَهم يفخِّمُ الباءَ والثاءَ من (فثَبَّطَهُم) فيُخطِئُ في الحرفين، وبعضُ من لا اعتناءَ له برياضةِ لسانِه وتجويدِ كتابِ ربِّه يفخِّمُ الفاءَ فَيَلْحَنُ في الثلاثةِ، وكلُّ ذلك خارجٌ عن قانونِ التجويدِ وأهلِ الفصاحةِ فاحذَرْ من ذلكِ كُلِّه.
ومنها: إبدالُها حرفاً آخَرَ، في (النَّفَّاثَاتِ) و (الأَجْدَاثِ) كما يقعُ من العوامِ كثيراً. فيُبدِلُونَها في الأوَّلِ فاءً وفي الثاني ذالاً؛ لأنهما من مَخرجٍ واحدٍ. فإذا حَدَثَ فيها جَهْرٌ صارت ذالاً. ولابدَّ من بَيَانِها إذا تَكرَّرَتْ نحوَ: (حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) و (ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ). لمن له الإظهارُ وكذلك لابدَّ من إظهارِها عندَ التاءِ في نحوِ: (لَبِثْتُمْ) و (لَبِثَ) لمن له الإظهارُ. انتهى ملخَّصاً من تنبيهِ الغافلِين، ص 53، والتمهيدِ لابنِ الجَزْرِيِّ ص 114.

الجيـــمُ
تخرجُ الجيمُ من المَخرجِ الثالثِ من مخارجِ اللسانِ وهو حرفٌ مجهورٌ شديدٌ مستفِلٌ مُنفتِحٌ مصمَتٌ مقلقَلٌ متوسِّطٌ، ويقعُ الخطأ فيه من أوجُهٍ.
منها: إبدالُها إذا سَكَنَتْ نحوَ: (وَجْهَكَ) و (النَّجْدَيْنِ)، شِيناً، فاحذرْ من ذلك، لا سيَّما إن أتى بعدَه تاءٌ نحوُ: (اجْتَنِبُوا) و (خَرَجْتَ)، (واجْتَبِهْ) لأن مَخرجَهما واحدٌ.
والشِّينُ حرفٌ مهموسٌ، فلا كُلْفَةَ فيه على اللسانِ فيُسْرِعُ إلى التَّلَفُّظِ به في موضعِ الجيمِ. ومنها: إبدالُها زاياً. في نحوِ: (الرُّجْزَ) و (رِجْزًا) و(لِيَجْزِيَ) لأنَّ الزايَ حرفٌ رِخوٌ والجيمُ حرفٌ شديدٌ وميْلُ اللسانِ إلى الحروفِ الرِّخْوةِ أكثرُ، وبعضُهم بعدَ الإبدالِ يُدغِمُ الزايَ في الزايِ، وكلُّه خطأٌ ظاهرٌ لا يَحِلُّ.
ومنها: إبدالُها سِيناً في نحوِ { رِجْسٌ } وذَكرَ في النشْرِ أنَّ بعضَ الناسِ يُخرجُها ممزوجةً بالكافِ قالَ وهو موجودٌ كثيراً في بوادي اليمنِ. قلتُ: وكذلك سَمعناه من كثيرٍ من أهلِ قُرَى مصرَ.
ومنها: تفخيمُها وأكثرُ ما يقعُ ذلك إذا جاوَرَت الراءَ، نحوُ (شَجَر) و (أَخْرَجَكَ) لا سيَّما مع الألِفِ نحوُ: (إِنَّ الْفُجَّارَ) و (لاَ يُجَارُ)، والحاصلُ أنها حرفٌ كَثُرَ خطأُ الناسِ فيها فيجبُ على القارئِ التحرُّزُ من جميعِ ذلك وإعطاؤها حقَّها من الشِّدَّةِ والجهْرِ والقَلْقَلَةِ، لا سيَّما إذا أتتْ مشدَّدةً أو مُكرَّرةً نحوَ: (حاجَجْتُمْ) و (حآجَّهُ) فلابدَّ من بيانِها لاسيَّما نحوَ: (لُجِّيٍّ) و (يُوَجِّهْهُ) لأجْلِ مجانَسةِ الياءِ وخفاءِ الهاءِ. انتهى من تنبيهِ الغافلِين ص54، والتمهيدِ ص 115

الحــــاءُ
تخرجُ الحاءُ من المَخرجِ الثاني من مخارجِ الحَلْقِ بعدَ مَخرجِ العَيْن، وهو حرفٌ ضعيفٌ لأنه مهموسٌ رِخوٌ مستفِلٌ منفتحٌ مصمَتٌ ويقعُ الخطأُ فيها من أوجُهٍ:
منها: تفخيمُها، وأكثرُ ما يقعُ ذلك عندَ حروفِ الاستعلاءِ نحوُ: (أَحَطْتُ) و (الْحَطَبِ) و (الْحَقُّ) و (حَصْحَصَ). أو الراءِ نحوُ: (حَرَج) و (حُرِّمَتْ) أو ألِفٍ نحوُ: (حَامٍ) و (حَاقَ) و (حم) و (الأَرْحَامَ) فيجبُ التحفُّظُ من ذلك.
ومنها: إبدالُها عَيْناً إذا جاوَرَت الغَيْنَ لأنهما من مَخرجٍ واحدٍ ولولا الجهْرُ الذي في العَيْنِ لكانت حاءً، ولولا الهمْسُ الذي في الحاءِ لكانت عَيْناً، ولم تَقَع المجاورةُ بينَ الحاءِ والعَيْنِ إلاَّ في كلمةٍ واحدةٍ في كلامِ العربِ، بل لا تكونُ إلاَّ في كلمتين نحوُ: (زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ) و (وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) و (الْمَسِيحُ عِيسَى) وبعضُهم يُقرِّبُ لفظَه بها من الإخفاءِ أو من الإدغامِ، وكلُّه لا يَجوزُ، ولم يَرِدْ في القرآنِ الكريمِ في المتواترِ والشاذِّ بل ولا في كلامِ العربِ على ما قالَ سيبويهِ إدغامُ حاءٍ في عينٍ إلاَّ في حرفٍ واحدٍ وهو: { زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ } فإن سَكَنَتِ الحاءُ نحوَ: { فَاصْفَحْ عَنْهُمْ } كان الاهتمامُ ببيانِها أشدَّ لأنها قد تَهَيَّأَتْ للإدغامِ بسكونِها إذ من المعلومِ أن لا إدغامَ إلاَّ في ساكنٍ.
ومنها: تحريكُها وإدغامُ الهاءِ فيها في نحوِ: سَبِّحْهُ فإن كثيراً من المتساهِلِين يَنطقُ بها في مثلِ هذا حاءً مشدَّدةً مضمومةً وهو لا يَجوزُ إجماعاً.
كما ذكَرَه في النشْرِ: وإن وَلِيَهَا مثلُها ولم يأتِ في القرآنِ إلاَّ في موضعَيْن: (النِّكَاحَ حَتَّى) في البقرةِ و (لاَ أَبْرَحُ حَتَّى) في الكهفِ تَعيَّنَ البيانُ عندَ من لم يُدغِمْ. واللهُ أعلمُ. انتهى ملخَّصاً من تنبيهِ الغافِلِين ص 55، والتمهيدِ ص117.

الخــــاءُ
الخاءُ يخرجُ من المَخرجِ الثالثِ من مخارجِ الحَلْقِ، وهو حرفٌ مهموسٌ رِخْوٌ مستعْلٍ مُنفتِحٌ مصمَتٌ، مفخَّمٌ متوسِّطٌ، إلاَّ أنه إلى الضعْفِ أقربُ لكثرةِ صفاتِ الضعْفِ فيه.
ويقعُ الخطأُ فيها من أوجُهٍ:
الأوَّلُ: ترقيقُها وهو حرفٌ مستعلٍ لابدَّ من تفخيمِه كسائرِ حروفِ الاستعلاءِ في نحوُ: (طَفِقَ) و (ظَلَمَ) وكثيرٌ من الناسِ يرقِّقُها باعتبارِ ما فيها من صفاتِ الضعفِ، وهو خطأٌ لا شكَّ فيه فإذا أتى بعدَها ألِفٌ نحوَ: (خَالِق) و (الخاشعِين) فيكونُ تفخيمُه أمكنَ لتفخيمِ الألِفِ بعدَها إذ الألِفُ تابعٌ لما قبلَه في التفخيمِ والترقيقِ.
ومنها: إبدالُها إذا سكنَتْ غَيْناً في نحوِ: (تَخْشَى) ويَفعلُه كثيرٌ من الناسِ وهو لَحْنٌ فاحشٌ وخطأٌ ظاهِرٌ، لا تحلُّ القراءةُ به.
ومنها: تشديدُها في مثلِ: (الأَخِ) و (الدُّخَانُ) فليُتَحَفَّظْ منه. انتهى ملخَّصاً من تنبيهِ الغافلِين ص56، والتمهيدِ ص119.

الـــدالُ
تخرجُ الدالُ من المَخرجِ الثامنِ من مَخارجِ اللسانِ، وهو حرفٌ مجهورٌ شديدٌ، مقلقَلٌ مستفِلٌ مُنفتِحٌ مُصمَتٌ، متوسِّطٌ، إلاَّ أنه إلى القوَّةِ أقربُ ويقعُ الخطأُ فيه من وُجوهٍ.
منها: إبدالُها تاءً في نحوِ: (مُزْدَجَرٌ) و (تَزْدَرِي)؛ لأنّ أصلَها في مثلِ هذا التاءُ فربما مالَ اللسانُ به إلى أصلِه وبعضُ الجَهَلَةِ يُبدلُه تاءً إذا شَدَّدَه نحوَ: (الدِّينِ) و (ادَّكَرَ) و (مُدَّكِرٍ). وهذا كلُّه لَحْنٌ فاحشٌ لا تَحِلُّ القراءةُ به.
ومنها: تفخيمُها وأكثرُ ما يقعُ لهم إذا أتى بعدَها ألِفٌ نحوُ: (دَابَّةٍ)و (دَاوُدَ). أو حرفُ استعلاءٍ أو راءٌ نحوُ: (دَخَلُوا) و (صَدَقَ)و (الدَّرْكِ) ومنها عدَمُ بيانِها وبيانِ قلقلتِها إذا سَكَنَتْ نحوَ: (الْقَدْرِ) و(الْعَدْلِ) و (لَقَدْ لَقِينَا) لا سيَّما إذا تكرَّرتَ نحوَ: (اشْدُد)و (مَنْ يَرْتَدِدْ)؛ لصعوبةِ المكرَّرِ على اللسانِ، وكذلك إذا أتى بعدَها نونٌ نحوَ: (أدنى) (وواعَدْنا) و (فوَجَدْنا)؛ لأنها لما قرُبَتْ من النونِ في المَخرجِ وشاركَتْها في بعضِ الصفاتِ فربما تَخْفى إذا سَكَنَت النونُ وأَحْرَى إن جاوَرَتْها فيجبُ التحرُّزُ من ذلك وبيانِ شدَّتِها وجهرِها وقلقلتِها إلاَّ أنه لا يَنْبَغي المبالَغةُ في ذلك حتى يصيرَ كالمشدَّدِ كما يَفعلُه كثيرٌ. انتهى ملخَّصاً من تنبيهِ الغافلِين ص57، والتمهيدِ ص122.

الــــذالُ
تخرجُ الذالُ من المَخرجِ العاشرِ من مخارجِ اللسانِ وهو حرفٌ مجهورٌ رِخوٌ مستفِلٌ مُنفتِحٌ مُصمَتٌ متوسِّطٌ إلاَّ أنه إلى الضعفِ أقربُ ويقعُ الخطأُ فيه من أوجُهٍ:
منها: تفخيمُها وأَحْرى إن جاوَرَها حرفٌ مفخَّمٌ نحوُ: (الأذقان) و (ذاقَ) و (ذَرَّة) و (ذَرُوا) و (وَلاَ تَذَرْ) إذ على اللسانِ كُلفَةٌ في الترقيقِ مع التفخيمِ، فيَجرِي على وتيرةٍ واحدةٍ طلَباً لليُسرِ، وكذلك إذا أتى بعدَها ألِفٌ نحوُ: (ذلك) و (هذا) و (فَذَانِكَ) وكذلك إذا جاءَ بعدَها لامٌ مفخَّمٌ نحوُ: (مَعَاذَ اللهِ) فمن لم يَعْتَنِ بترقيقِها في ذلك كلِّه فخَّمَها وخرجَ بها من الانفتاحِ والاستِفَالِ إلى الإطباقِ والاستعلاءِ فصارتْ ظاءً لاتِّفاقِهما في المَخرجِ ولذلك يُبدِلُ أحدَهما من الآخرِ كثيرٌ من الجهالِ في نحوِ: (المُنْذَرِين) و (المُنتظِرِين) و (مَحذُورا) و (مَحظُوراً) وبعضُهم يَجعلُها عندَ حروفِ الاستعلاءِ ضاداً وهو لَحْنٌ فاحشٌ، ومنها ما يَفعلُه بعض العَجَمِ ومن يَقتدي بهم من إبدالِها دالاً مهمَلاً أو زاياً ولا تَحِلُّ القراءةُ به إذ فيه فسادُ المعنى واللفظِ.
ومنها: عدَمُ بيانِ ما فيها من الجهْرِ إذا أتتْ قبلَ الحرفِ المهموسِ نحوُ: {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ} حتى تصيرَ تاءً كما يَفعلُه كثيرٌ من الناسِ لاتِّفاقِهما في المَخرجِ ولولا الجهْرُ الذي فيها لكانتْ ثاءً فإن سَكَنَتْ وأتى بعدَها مثلُها وَجَبَ إدغامُها فيه نحوُ: (إِذ ذَّهَبَ) ويجبُ بيانُها وإظهارُها إذا تكرَّرَتْ نحوَ: (ذِي الذِّكْرِ) وكذلك إذا أتى بعدَها نونٌ نحوُ: (فَنَبَذْنَاهُ) و (إِذْ نَتَقْنَا) واللهُ أعلمُ. انتهى ملخَّصاً من تنبيهِ الغافلِين ص58 والتمهيدِ ص 123.

الـــراءُ
الراء تَخرجُ من المَخرجِ السابعِ من مخارجِ الفمِ وهو ما بينَ طرَفِ اللسانِ وفُوَيْقَ الثنايا العُليا، وهو حرفٌ مجهورٌ مستفِلٌ مُنفتِحٌ مذْلَقٌ منْحَرِفٌ متوسِّطٌ بينَ الشِّدَّةِ والرخاوةِ والقوَّةِ والضعفِ مكرَّرٌ وانفردَ به على سائرِ الحروفِ، ولهذا شابَه حروفَ الاستعلاءِ في التفخيمِ وقد توسَّعَتْ فيها العربُ واختلَفَتْ لُغاتُهم فيها وقد أفرَدَها القرَّاءُ ببابٍ مستقِلٍّ في كُتبِهم. ويقعُ الخطأُ فيها من أوجُهٍ:
منها: ترعيدُ اللسانِ بها إذا شُدِّدَت في نحوِ: (الرَّحمن) و (الرَّحيم) و (مِن رَّبِّي) حتى يصيرَ الحرفُ حرفين أو أحْرُفاً، بل المطلوبُ حَبْسُ اللسانِ بها وإخفاءُ تكريرِها. وهذا مذهبُ المحقِّقين كمَكِّيٍّ والْجَعْبَرِيِّ وابنِ الجَزْرِيِّ قالَ الْجَعْبَرِيُّ: ومعنى قولِهم مُكرَّرٌ أن لها قبولَ التكريرِ، لا أنها مُكرَّرةٌ بالفعلِ فإنه لَحْنٌ يجبُ التحفُّظُ منه، وهذا كقولِهم لغيرِ الضاحكِ إنسانٌ ضاحكٌ إذ وَصْفُ الشيءَ بالشيءِ أَعَمُّ من أن يكونَ بالفعلِ أو بالقوَّةِ، وطريقُ السلامةِ من هذا التكريرِ أن يُلْصِقَ اللافظُ بها ظهْرَ لسانِه على حَنَكِه لصْقاً مُحْكَمًا، هذا ما قاله الْجَعْبَرِيُّ.
ومنها: ترقيقُها في موضعِ تفخيمِها فلابدَّ من التحفُّظِ من ذلك لاسيَّما إن جاوَرَتْ حروفَ الهمْسِ والاستِفَالِ نحوُ: (أَرْسِلْ) و (أَسْرَع)و (تُرحَمُون) و (الأَرْذَلُون) و (ذَرْنِي) و (أَنْتَ الرَّقِيبُ) فكثيراً ما يَجري اللسانُ بترقيقِها لمجاورةِ الحروفِ الضعيفةِ، وقد أَجْمَعوا على تفخيمِها في هذه المواضعِ ونحوِها، وكذلك لا خلافَ في تفخيمِها إذا كانت مضمومةً أو مفتوحةً، نحوَ: (شَهْرُ رَمَضَانَ) إلاَّ ما انفردَ به وَرْشٌ من طريقِ الأزرقِ في نحوِ: (الخَيْر) كما هو مبيَّنٌ في كُتبِ الخلافِ وكذلك لابدَّ من تفخيمِها إذا سَكَنَتْ وكانَ قبلَها ضمٌّ أو فتْحٌ وسواءً تطرَّفَتْ نحوُ: (وانْظُرْه) أو توسَّطَتْ نحوُ: (بَرْق) وحَكى بعضُهم كمَكِّيٍّ الترقيقَ في: (مَرْيَم) و (الْمَرْءِ وَزَوْجِهَ) و (الْمَرْءِ)؛ لأجْلِ الياءِ في: (قَرْيَة) و (مَرْيَم) و لأجْلِ الكسرِ في: (المَرْءِ) واقتَصَرَ عليه الحُصَرِيُّ وانتَصَرَ له حتى نَسبَ من يقولُ بالتفخيمِ إلى الغلَطِ, والصوابُ في قريةٍ ومريمَ التفخيمُ، وعليه القراءةُ في سائرِ الأمصارِ والأعصارِ, وغلَطَ الدانِي وأصحابُه القائلُ بخلافِه.
ومنها: تفخيمُها في موضعِ ترقيقِها، ولا خلافَ بينَ القرَّاءِ في ترقيقِها إذا كُسِرَتْ لزوماً نحوَ: (رِزْق) (رِجْس) ونحوِه أو كُسِرتْ لالتقاءِ الساكنَيْن في الوصْلِ نحو: (فَلْيَحْذَرِ الذِينَ). أو تحرَّكَتْ بحركةِ النقلِ عندَ من قرأَ به نحوُ: {وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ}، وكذا إذا سَكَنَتْ وجاءَ قبلَها كسرةٌ نحوُ: (فِرْعون) و (شِرْعَة)، وهذا إذا لم يكنْ بعدَها حرفُ الاستعلاءِ أو لم تكنْ الكسرةُ عارِضةً، فإن كان بعدَها حرفُ استعلاءٍ متَّصِلٌ والواقِعُ منه في القرآنِ ثلاثةُ أَحْرُفٍ, القافُ في: (فِرْقَة) بالتوبةِ، والطاءُ في (قِرْطَاسٍ) بالأنعامِ، والصادُ في (إرصاداً) في التوبةِ و(مِرْصَاداً) بالنبأِ و(لَبِالْمِرْصَادِ) بالفجرِ ولا خلافَ في تفخيمِها من أجْلِ حرْفِ الاستعلاءِ، فإن كان حرفُ الاستعلاءِ مكسوراً والواردُ منه في الْقُرْآنِ موضعٌ واحدٌ في الشعراءِ { فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ } ففيه الترقيقُ والتفخيمُ والوجهان صحيحان صحَّحَ كلَّ واحدٍ منهما جماعةٌ وخرجَ بقيدِ الاتصالِ في حرفِ الاستعلاءِ ما إذا كان منفصلاً بأن كانت الراءُ في آخِرِ الكلمةِ وحرفُ الاستعلاءِ في أوَّلِ الكلمةِ الثانيةِ نحوُ: { فَاصْبِرْ صَبْراً } { وَأَنْذِرْ قَوْمَكَ } وشَبَهِه، فلا عِبرةَ بحرفِ الاستعلاءِ في مثلِ هذا. ولا بدَّ من الترقيقِ لأجْلِ الفصلِ الخطيِّ وكذلك إذا كانت الكسرةُ عارِضةً نحوُ: { أَمِ ارْتَابُوا } ومثلُه فلا خلافَ في التفخيمِ بينَهم. وأما نحوُ: { لَكُمُ ارْجِعُو } { وَالَّذِينَ ارْتَدُّوا } و { تَفْرَحُونَ ارْجِعْ } فلا تقعُ الكسرةُ فيه إلاَّ في حالةِ الابتداءِ فالراءُ فيها أيضاً مفخَّمةٌ لعروضِ الكسرةِ وأما قولهُ { بِعَذَابٍ ارْكُضْ } فإن قَرِئَ بضمِّ التنوينِ على قراءةِ نافعٍ وغيرِه فالتفخيمُ ظاهِرٌ لوقوعِ الراءِ بعدَ ضَمٍّ، وإن قُرئَ بكسرِه على قراءةِ البصريِّ ومن معَه، فتُفَخَّمُ أيضاً لعُروضِ الكسرِ، فإن اجتمعَ في الكلمةِ رَاءانِ إحداهُما مفخَّمةٌ والأخرى مرقَّقةٌ نحوُ: (بِشَرَرٍ) (والضَّرَرِ) (وسُرُرٍ) فيتأكَّدُ الاعتناءُ بتفخيمِ الأُولى وترقيقِ الثانيةِ إلاَّ على طريقِ الأزرقِ من ترقيقِ الأُولى في بِشَرَرٍ، وكثيرٌ من الناسِ إما يرقِّقُهما معاً أو يفخِّمُهما معاً لكلِّ القرَّاءِ وهوَ لَحْنٌ.
ومنها: حذفُها في مثلِ (قَدِير) و (خَبِير) ونحوِهِ عندَ الوقفِ عليها لأنها حرفٌ مستَعْصٍ على اللسانِ لانضغاطِها في مَخرجِها ولما فيها من الشِّدَّةِ والتكريرِ. فيَسهُلُ على اللسانِ ترْكُها. ويفعلُه كثيرٌ من الناس وهو لَحْنٌ فاحشٌ وخطأٌ كبيرٌ. لتغييرِه اللفظَ والمعنى. انتهى ملخَّصاً من تنبيهِ الغافلِين ص 60-61، والتمهيدِ ص 125.

الــــزايُ
الزايُ تخرجُ من المَخرجِ التاسعِ من مخارجِ اللسانِ. وهو حرفٌ مجهورٌ رِخْوٌ مستفِلٌ مُنفتِحٌ مُصمَتٌ صَفيريُّ متوسِّطٌ، إلاَّ أنه إلى الضَّعْفِ أقربُ، ويقعُ الخطأُ فيه من أوجُهٍ:
منها: تفخيمُها ويُسَهِّلُ ذلك وقوعُ الألِف بعدَها نحوَ: (زَادَهُم) و (الزَّانِيَة)، أو حرفِ استعلاءٍ نحوَ: (رَزَقْنَاهُمْ) و (زُخْرُف).
ومنها: ترقيقُها حتى تصيرَ كمُمالَةٍ: بل لابدَّ أن يُنطقَ بها مرقَّقةً من غيرِ مبالَغَةٍ كما يُلفظُ بها عندَ حكايةِ الحروفِ إذا قلتَ: را , زاي.
ومنها: إبدالُها سِيناً في نحوِ: (تَزْدَرِي). و (أَزْكَى) ونحوِها لأن الزايَ أُختُ السينِ لأنها من مَخرجِها وفي الزايِ قوَّةٌ للجهْرِ الذي فيها فيُسارعُ اللسانُ إلى السينِ لخفَّتِها وليكنْ التحفُّظُ من ذلك إذا جاوَرَها حرفٌ مهموسٌ أكثرَ لجَرَيَانِ اللسانِ فيهما على نَمَطٍ واحدٍ. وإذا تكرَّرَتْ نحوُ: { فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ } فلابدَّ من بيانِها لثِقَلِ المُكَرَّرِ على اللسانِ، انتهى ملخَّصاً من تنبيهِ الغافلِين ص 62، والتمهيدِ ص 126.

الطاءُ المهمَلةُ
الطاءُ تخرجُ من المَخرجِ الثامنِ من مخارجِ اللسانِ، وهو حرفٌ شديدٌ مجهورٌ مستَعْلٍ مُطبَقٌ مقلقَلٌ مُصمَتٌ قويٌّ جدًّا ويقعُ الخطأُ فيه من أوجُهٍ:
منها: الأوَّلُ عدمُ إعطائها حقَّها من التفخيمِ وهي مفخَّمةٌ بالغاً إذ هي أقْوى الحروفِ تفخيماً ويَسْهُلُ ذلك إذا أتى بعدَها ألِفٌ نحوُ: (طَالوتَ) و (ما طَابَ) و (الطَّامَّةُ) فإنَّ كثيراً من الناسِ يرقِّقُها وهو لَحْنٌ, وينبغي الاعتناءُ بتفخيمِها إذا شُدِّدتْ نحوُ: (اطَّيَّرْنا) أو كُرِّرَتْ نحوُ: (شَطَطاً).
ومنها: عدمُ بيانِها إذا أتَتْ بعدَ صادٍ أو ضادٍ نحوُ: (اصطفى) (فَمَنِ اضْطُرَّ) فمن لم يَعتَنِ ببيانِ إطباقِها واستعلائها وقوَّتِها رَجَعتْ تاءً لأنها أصلُها في مثلِ هذا.
ومنها: إدغامُها إدغاماً تامًّا إذا سَكَنَتْ وأتَتْ بعدَها تاءٌ في نحوِ: (بَسَطْتَ) و (أَحَطْتُ) و (فَرَّطْتُ) حتى يَصيرَ اللفظُ كأنه إدغامُ تاءٍ في تاءٍ بل لابدَّ من بقاءِ صِفةِ الإطباقِ والاستعلاءِ لأن إدغامَ التاءِ فيها على خلافِ الأصلِ، فبقِيتْ صِفةُ المدغَمِ لتَدُلَّ على موصوفِها إذ الأصلُ أن يُدغَمَ الضعيفُ في القويِّ ليصيرَ مثلَه في القوَّةِ كإدغامِ التاءِ في الطاءِ نحوُ: (وَدَّتْ طَائِفَةٌ). وهذا بالعكسِ أُدْغِمَ الأقوى في الأضعفِ لما بينَهما من التجانُسِ ولم أرَ من يُحسنُ هذا الإدغامَ إلاَّ قليلاً لعدمِ الرياضةِ والتَّلقِّي من أفواهِ المرْتَاضِين ويَقْرُبُ ذلك إدغامُ النونِ الساكنةِ والتنوينِ في الواوِ والياءِ على قراءةِ الجماعةِ, الغُنَّةُ باقيةٌ عندَ الإدغامِ فيكونُ التشديدُ متوسِّطاً فالغُنَّةُ الباقيةُ في هذا كالإطباقِ الباقي عندَ إدغامِ الطاءِ في التاءِ ِ إدغاماً كاملاً كإدغامِ النونِ والتنوين في الواوِ والياءِ على روايةِ خَلَفٍ عن سَليمٍ عن حَمْزَةَ ولم يَقرأْ به أحدٌ فيما علِمتُ في الطاءِ مع التاءِ لا في المتواترِ ولا في الشاذِّ فإن سَكَنَتْ فلابدَّ من إظهارِ إطباقِها وقلقلتِها وسواءً كان السكونُ لازماً، نحو: { الْخَطْفَةَ } (الصافات: آية 10) و (الأَطْفَالُ) أمْ عارِضاً نحوُ: (الأسباطِ) و (القِسطِ) لدى الوقفِ انتهى ملخَّصاً من تنبيهِ الغافلِين ص63، والتمهيدِ ص 133.

الظـاءُ المشالَـةُ المعجَمَةُ
تَخرجُ الظاءُ من المَخرجِ العاشرِ من مخارجِ اللسانِ وهو حرفٌ مجهورٌ (رِخوٌ مستعْلٍ) مُطبَقٌ مُصمَتٌ مفخَّمٌ متوسِّطٌ وإلى القوَّةِ أقربُ، ويقعُ الخطأُ فيها من أوجُهٍ:
منها: تفخيمُها كثيراً ويَكثرُ ذلك إذا أتى بعدَها الألِفُ نحوُ: (الظالمين) بل تَلفَّظْ بها كما تَلفَّظُ بها في تقطيعِ الحروفِ إذا قُلتَ طا، ظا.
ومنها: جعْلُها ذالاً وكثيراً ما يقعُ هذا لأنهما من مَخرجٍ واحدٍ واشتَرَكا في بعضِ الصفاتِ ولولا الإطباقُ والاستعلاءُ اللذان في الظاءِ لكانت ذالاً لاسيَّما إن وقع في كلمةٍ تُشبهُ في صيغتِها كلمةً أخرى بالذالِ فيجبُ البيانُ لئَلاَّ يَنتقلُ الكلامُ من معنًى إلى معنًى آخَرَ، وذلك نحوُ قولِه تعالى: { وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً } أي ممنوعاً من أحَدٍ, مع قولِه تعالى: { إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً } أيْ: حقيقٌ أن يَحذَرَ منه جميعُ خلقِه، ويجبُ الاعتناءُ بإظهارِها في (أَوَعَظْتَ) بالشعراءِ ولا ثانيَ له لئَلاَّ تُدْغَمَ في التاءِ كالطاءِ في نحوِ: (أَحَطْتُ). وهي مظهرُة باتفاقٍ إلاَّ في الشواذِّ وهو ما رُوِيَ عن ابنِ مُحَيْصِنٍ من الإدغامِ مع بقاءِ صِفةِ التفخيمِ وهي قراءةٌ شاذَّةٌ.
ومنها: جعْلُها ضاداً غيرَ مُشالَةٍ، وكثيراً ما يقعُ لاتِّفاقِهما في جميعِ الصفاتِ، ولولا اختلافُهما في المَخرجِ وزيادةُ الاستطالةِ في الضادِ لكانت ظاءً فيجبُ على القارئِ الاعتناءُ بتمييزِ إحداهُما من الأخرى لئَلاَّ يَجْعَلَ كلاّ منهما موضعَ الأخرى, وهو واقعٌ كثيراً, وإبدالُ الضادِ الساقطةِ ظاءً أكثرُ ليُسْرِهِ على اللسانِ لا سيَّما إذا التقتا لفظاً وخطًّا نحوُ: { أَنْقَضَ ظَهْرَكَ } أو لفظاً لا خطًّا نحوُ: { يَعَضُّ الظَّالِمُ }، وقد الْتَبَسَ على كثيرٍ من القرَّاءِ الفرْقُ بينهما في مواضعَ كثيرةٍ من الْقُرْآنِ فيَضعُ إحداهُما موضعَ الأخرى وإن كان يُحسنُ النُّطقَ بهما وهو لَحْنٌ لا تَحِلُّ القراءةُ به إذ فيه تغييرُ اللفظِ وإخراجُ الكلمةِ عن معناها إما إلى لفظٍ غيرِ مستعمَلٍ في كلامِ العربِ وهو الغالبُ، أو إلى كلمةٍ بمعنى آخَرَ كما في قولِه تعالى (الظَّالِّين) يصيرُ بمعنى الدائمِين أو الصابرِين، ولا يَرِدُ عليه مثلُ قولِه تعالى (بِضَنِين) لورودِ القراءتَيْن ولاحتمالِ اللغتين في الآيةِ بعكسِ غيرِه في القرآنِ فإنه يُحيلُ المعنى إلى ضِدِّه فيؤدي إلى فسادِ المعنى واللهُ أعلمُ. وقد فرَّقَت العربُ بينَ عضِّ ذي الفمِ كالإنسانِ والكلبِ وبينَ غيرِه كقولِه عَظَّ الزمانُ وعَظَّت الحربُ فجَعلوا الأوَّلَ بالضادِ الساقطةِ والثاني بالظاءِ المشالَةِ، فلابدَّ من معرفتِهما ووضْعِ كلِّ واحدةٍ منهما في موضعِها وقد اهتمَّ العلماءُ بتميِيزهِما حتى أفرَدُوه بالتأليفِ نظْماً ونثراً. انتهى ملخَّصاً من تنبيهِ الغافلين ص 64، والتمهيدِ ص 134.

الــكــافُ
تَخرجُ الكافُ من المَخرجِ الثاني من مخارجِ اللسانِ وهو حرفٌ مهموسٌ شديدٌ مستفِلٌ مُنفتِحٌ مُصمَتٌ متوسِّطٌ ويقعُ الخطأُ فيها من أوجُهٍ:
منها: جعلُها كالقافِ إذا أتى بعدَها حرفُ استعلاءٍ لاسيَّما الطاءُ { كَالطَّوْدِ } لأن الكافَ مهموسٌ مستفِلٌ بالغاً والطاءُ مَجْهورٌ مستعْلٍ بالغاً فبينَهما بعْدٌ وتَضادٌّ فيَجري اللسانُ إلى القافِ لما بينَها وبينَ الطاءِ من الاتِّفاقِ في الجهْرِ والاستعلاءِ وبينَها وبينَ الكافِ من القُرْبِ في المَخرجِ والاتِّفاقِ في بعضِ الصفاتِ.
ومنها: تفخيمُها كما يفعلُه كثيرٌ من الأعاجمِ لاسيَّما إن أتى بعدَها ألِفٌ نحوُ (الكافرون) , (وكانوا).
ومنها: ترقيقُها كثيراً حتى تصيرَ كالمُمالِ، فليُحْذَرْ من ذلك لاسيَّما إن أتى بعدَها حرفٌ مهموسٌ نحوُ: (كفروا)، واحرصْ على بيانِها إذا تكرَّرتْ نحوُ: { مَنَاسِكَكُمْ } { وَإِنَّكَ كُنْتَ} { إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً } لئَلاَّ يَقْرُبَ اللفظُ من الإدغامِ لصعوبةِ التكريرِ على اللسانِ وهذا على قراءةِ الإظهارِ وأما على قراءةِ الإدغامِ فلا إشْكالَ، واحرصْ على بيانِها إذا اجتَمَعَتْ مع القافِ نحوَ: { عَرْشُكِ قَالَتْ } لئَلاَّ تُدْغَمَ أو تصيرَ قافاً. انتهى من تنبيهِ الغافلِين ص 74، والتمهيدِ ص 140.

الـــــلامُ
تَخرجُ اللامُ من المَخرجِ الخامسِ من مخارجِ اللسانِ وهو حرفٌ مجهورٌ بينَ الشِّدَّةِ والرخاوةِ مستفِلٌ مُنفتِحٌ مُذْلَقٌ منحرِفٌ متوسِّطٌ، ويقعُ الخطأُ فيها من أوجُهٍ:
منها: تفخيمُها وكثيراً ما يَفعلُه جَهلَةُ القرَّاءِ لاسيَّما إن جاوَرَتْ حرفَ تفخيمٍ نحوُ: { وَلاَ الضَّالِّينَ } و { عَلَى اللهِ } و { جَعَلَ اللهُ } و { اللَّطِيف } و { لُوطٌ } و { اخْتَلَطَ } { وَلْيَتَلَطَّفْ } و { لَسَلَّطَهُمْ } فلابدَّ من المحافظةِ في مثلِ هذا على ترقيقِ اللامِ لئَلاَّ يَسْبِقَ اللسانُ إلى التفخيمِ ليُسرِه عليه إلاَّ ما يُفَخِّمُهُ وَرْشٌ على أصلِهِ كما هو مُبَيَّنٌ في كُتبِ القراءاتِ فلا نطيلُ به وأما اسمُ اللهِ جلَّ ذكْرُه، فإنه مفخَّمٌ أبداً في الابتداءِ وفي الوصلِ إذا كان قبلَه فتحٌ نحوُ: { قَالَ اللهُ } أو ضمٌّ نحوُ: { يَعْلَمْهُ اللهُ } وأما إن كان قبلَه كسرٌ مباشِرٌ أو منفصِلٌ أو عارِضٌ نحوُ: { بِسْمِ اللهِ }، { أَفِي اللهِ شَكٌّ } فإنه مرقَّقٌ على الأصْلِ.
ومنها: إدغامُها في النونِ في نحوِ: (جعلْنا) (وأنزلْنا) (وظلَّلْنا) و (قُلْ نَعَمْ)، ويُسارعُ اللسانُ إليه لما بينَهما من التقاربِ، وإذا أظهرتَها فلا تبالِغْ في الإظهارِ حتى تقلقلَها أو تحرِّكَها, ويفعلُه كثيرٌ من القرَّاءِ وهو لَحْنٌ لم يَرِدْ به نصٌّ ولا يقتضيه قياسٌ صحيحٌ بل المطلوبُ إبرازُ صيغةِ الحرفِ وبيانُها من غيرِ إسرافٍ في ذلك، وكذلك يجبُ بيانُها إذا تكرَّرَتْ نحوُ: { قَالَ لَهُمْ }، عندَ من قرأَ بالإظهارِ { وَأُحِلَّ لَكُمْ } { وَيْلٌ لِلْمُطَّفِفِينَ } { فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ } { وَغِلاّ لِلَّذِينَ } ففي المثالِ الأوَّلِ لامَانِ، وفي الثاني ثلاثةٌ وفي الثالثِ بما أُبْدِلَ أربعةٌ وفي الرابعِ خمسةٌ وفي الخامسِ ستَّةٌ.
ومنها: إدغامُها في التاءِ نحوُ: { قُلْ تَعَالَوْا } وكثيرٌ من الناسِ يفعلُه، لما بينَهما من القُربِ في المَخرجِ والصفةِ وبعضُهم يُدغمُها في السينِ والصادِ في نحوِ { وَقُلْ سَلاَمٌ } { قُلْ صَدَقَ اللهُ } وهو لَحْنٌ.
ومنها: إدغامُها في الجيمِ في نحوِ: { الْجَاهِلِين } { وَالْجِبَال } وعوامُّ القرَّاءِ يفعلُه وهو لَحْنٌ لا تَحِلُّ القراءةُ به إذ لا خلافَ بينَ القرَّاءِ أنَّ لام التعريفِ تَظهرُ عندَ أربعةَ عشرَ حرفاً وقد سبَقَ بيانُها. انتهى ملخَّصاً من تنبيهِ الغافلِين ص 76، والتمهيدِ ص 140.

الميـــمُ
تَخرجُ الميمُ من المَخرجِ الثاني من مخارجِ الفمِ وهو حرفٌ مجهورٌ بينَ الشِّدَّةِ والرخاوةِ مستفِلٌ مُنفتِحٌ مذْلَقٌ أَغَنُّ متوسِّطٌ، ويقعُ الخطأُ فيها من أوجُهٍ:
منها: تفخيمُها، فليُحذَرْ من ذلك لاسيَّما إن أتى بعدَها حرفٌ مفخَّمٌ نحوُ: { وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ } و (مَخْمَصَة) و (مَرَض) و (مَرْيَم) و (مَرَدًّا) و (مَقَاماً) أو ألِفٌ نحوَ: مالَكَ ومالنا فإن كثيراً من القرَّاءِ يَنطقُ بها في مثلِ ذلك مفخَّمةً ويُخرجُها على صفتِها وهو لا يَشعرُ.
وبعضُهم يُبالغُ في الخطأِ حتى إنه إذا جاءَ في كلمةٍ حرفٌ مفخَّمٌ يُفخِّمُ لأجْلِه جميعِ حروفِ الكلمةِ ومنها: عدَمُ إظهارِ غُنَّتِها إذا شُدِّدَتْ نحوُ: (دَمَّرَ) و (حَمَّالَةَ) و { خَلَقَ لَكُمْ مَا } { وَهُمْ مِنْ بَعْدِ } و { وَمِنْهُمْ مَنْ } { وَلَهُمْ مَا }.
ومنها: عدَمُ إظهارِها إذا لم تُدغَمْ ولم تُخْفَ وقد تَقدَّمَ أنها تُدغَمُ في أختِها إذا سَكَنَتْ وتُخفى عندَ الباءِ إذا سَكَنَتْ نحوُ: (أَمْ بِظَاهِرٍ) و { مَنْ يَعْتَصِمْ باللهِ } على خلافٍ بينَ أهلِ الأداءِ، فذهَبَ إلى الإخفاءِ ابنُ مجاهدٍ والدانِي واختارَه ابنُ الجَزْرِيِّ، وهو مذهبُ أهلِ الأداءِ بمصرَ والشامِ والأندلسِ وسائرِ البلادِ العربيَّةِ فتَظهرُ غنَّتُها من الخَيْشومِ، كإظهارِها بعد القلْبِ في نحوِ: (مِنْ بَعْدِ)، وذهبَ جماعةٌ كابنِ المنادَى ومَكِّيٍّ إلى الإظهارِ وعليه أهلُ الأداءِ بالعراقِ، والبلادِ الشرقيَّةِ والوجهان صحيحان إلاَّ أنّ الإخفاءَ أظهَرُ وأشهَرُ، وتَظهرُ عندَ باقي الحروفِ فليُعْتَنَ بإظهارِها في هذا وما ماثَلَه، وعدَمُ إظهارِها مما يقعُ فيه الخطأُ الكثيرُ لاسيَّما إن أتى بعدَها واوٌ أو فاءٌ لِسَبْقِ اللسانِ إلى الإخفاءِ لاتِّحادِها مع الواو في المَخرجِ وقربِهما من الفاءِ.
ومنها: تشديدُها في (حَامٍ) ويفعلُه كثيرٌ ويَمُدُّ, لأجلِه وهو لَحْنٌ لا تَحِلُّ القراءةُ به، أما إذا وَقفَ وهو تامٌّ على المعروفِ ففيه أربعةُ أوجُهٍ، الطولُ والتوسُّطُ والقصْرُ والرَّوْمُ على القَصْرِ.
وإذا تَكرَّرَتْ نحوُ: (أَظْلَمُ مِمَّنْ) و (مِيقَاتُ) وَجبَ إظهارُها لاسيَّما إن كَثُرْنَ نحوُ: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ } { وَمَنْ أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ } و { عَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ } ففي الأوَّلِ أربعُ ميماتٍ وفي الثاني ستٌّ وفي الثالثِ ثَمانٍ فلابدَّ من بيانِها وتشديدِ المشدَّدةِ منها مع إظهارِ الغُنَّةِ التي فيها ولا يكونُ ذلك إلاَّ مع التُّؤَدَةِ حالَ النُّطقِ بها واللهُ الموفِّقُ، انتهى من تنبيهِ الغافلِين بتَصرُّفٍ ص 78-79، والتمهيدِ ص 130.

النـــــونُ
تَخرجُ النونُ من المَخرجِ السادسِ من مَخارجِ اللسانِ وهو حرفٌ مجهورٌ متوسِّط بينَ الشِّدَّةِ والرخاوةِ والقوَّةِ والضعْفِ مستفِلٌ مُنفتِحٌ مذْلَقٌ، أَغَنُّ، وهو أمْكَنُ في الغُنَّةِ من الميمِ لقُربِها من الخَيْشومِ أما إذا سَكَنَتْ فحكمُها في بابِ أحكامِ النونِ الساكنةِ والكلامُ هنا على المتحرِّكةِ فمن الخطأِ تفخيمُها ويجبُ التحفُّظُ من ذلك لاسيَّما إذا أتى بعدَها حرفٌ مفخَّمٌ نحوُ: (إِنَّ اللهَ) أو ألِفٌ نحوُ: (النَّاسُ) و (مَنَازِلَ)، أو حرفُ استعلاءٍ نحوُ: (يَقْنُطْ) و (نَصَرَ) و (نَخِرَة) و (نَضْرَة) وأَحْرَى إذا اجتَمَعا، نحو: (الناصرين) و (الناظرين) و (ناقة) أو راءٌ نحوُ: (ناراً) ومنه خفاؤُها حالةَ الوقفِ على نحوِ: (العالمين) و (نستعينُ) حتى لا يُنطقَ بها أو لا تُسمعَ فلابدَّ من بيانِها من غيرِ قَلْقَلَةٍ حتى تُسمعَ.
ومنه عدمُ بيانِها إذا تكرَّرَتْ، في كلمةٍ نحوُ: (فامْنُنْ)، (بأعيُنِنا) (أَتَعِدَانِني) فمن لم يَعْتَنِ بذلك ذهبَ لسانُه إلى الإخفاءِ والإدغامِ ولم يقرأْ به أحدٌ إلاَّ في أربعِ كلماتٍ (مكنني) بالكهفِ و (أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ) بالنَّملِ و (أَتَعِدَانِنِي) بالأحقافِ، و (تأمننا) بيوسفَ واللهُ أعلمُ اهـ. ملخَّصاً من تنبيهِ الغافلين ص 82، والتمهيدِ ص 145.

الصــادُ المهمَلةُ
تَخرجُ الصادُ من المَخرجِ التاسعِ من مخارجِ اللسانِ، وهو حرفٌ مُطبَقٌ مستَعْلٍ مُصمَتٌ صَفيريٌّ مهموسٌ، رِخْوٌ متوسِّطٌ، وهو إلى القوَّةِ أقربُ لِمَا فيه من الإطباقِ والاستعلاءِ، ويَقعُ الخطأُ فيه من أوجُهٍ:
منها: ترقيقُها، وحروفُ الاستعلاءِ كلُّها مفخَّمةٌ كما تَقدَّمَ فاحذَرْ من ذلك لاسيَّما إن جاوَرَتْ حرفَ الهمْسِ نحوُ: { وَأَنْ تَصَّدَّقُوا } و { أَفَأَصْفَاكُمْ }.
ومنها: إبدالُها سيناً في نحوِ: (حَرَصْتُمْ) لأن الصادَ أقربُ الحروفِ إلى السينِ لأنهما من مَخرجٍ واحدٍ وشاركَتْها في بعضِ الصفاتِ كالهمْسِ والرخاوةِ، فمن لم يَعتنِ بالإطباقِ والاستعلاءِ اللذين في الصادِ جعلَها سيناً وإليه ميْلُ الطباعِ لما في الصادِ من الكلفةِ على اللسانِ، لما فيها من الإطباقِ والاستعلاءِ ولهذا إذا جاءَ بعدَ الصادِ حرفٌ مُطبَقٌ مثلُها نحوُ: (يَصْطَرِخُونَ) و (الصراط) و (القَصَص) كان اللفظُ بها على اللسانِ أيسرَ لعملِه عملاً واحداً.
ومنها: جعْلُها كالزايِ في مثلِ: (يَصطفي) لأنهما من مَخرجٍ واحدٍ. وقد اشتَرَكا في بعضِ الصفاتِ فلابدَّ من تخليصِها وبيانِ ما فيها من الإطباقِ والاستعلاءِ وإلاَّ صارتْ كالزايِ. وأما إذا أتى بعدَها الدالُ نحوُ: (أَصْدَقُ) فإشرابُها الزايَ في مثلِ هذا أيسَرُ على اللسانِ من الأوَّلِ لأن الزايَ أقربُ إلى الدالِ من الصادِ باعتبارِ الصفاتِ واللسانُ يُبادرُ إلى ما قَرُبَ من الحروفِ ليَعملَ عمَلاً واحداً وهذا القسمُ أشْرِبَهُ حمزةُ والكِسائيُّ فإن كنتَ تَقرأُ بقراءتِهما فواضِحٌ والإ فلابدَّ من تخليصِ الصادِ وبيانِها حتى لا يُشرِبَها لفظَ الزايِ واللهُ أعلمُ اهـ ملخَّصاً من تنبيهِ الغافلين ص 83، والتمهيدِ ص 143، وسنعقِدُ بحثاً خاصًّا للضادِ فنقولُ:

الضـادُ المعجَمَةُ
تَخرجُ الضادُ من المَخرجِ الرابعِ من مخارجِ اللسانِ وهو حرفٌ مجهورٌ رِخْوٌ مستعْلٍ مُطبَقٌ مُصمَتٌ مستطيلٌ قويٌّ، وقد اتَّفقتْ كلمةُ العلماءِ فيما رأيتَ على أنه أعْسَرُ الحروفِ، على اللسانِ وليس فيها ما يَصعُبُ عليه مثلُه، وقلَّ من يُحسنُه من العلماءِ فضلاً عن غيرِهم، ويقعُ الخطأُ فيها من أوجهٍ:
منها: إبدالُها طاءً مهمَلةً قالَ في التمهيدِ: ومن الناسِ من لا يُوصِلُها إلى مَخرجِها بل يُخرجُها دونَه ممزوجةً بالطاءِ المهمَلةِ، لا يعرفون غيرَ ذلك، وهم أكثرُ أهلِ مصرَ وبعضُ أهْلِ المغربِ الأقصى وأما الأدنى فإنهم يُبدلونها ظاءً معجَمَةً وليس هذا مختصًّا بأهلِ مصرَ والمغربِ بل يَفعلُه كثيرٌ من الناسِ ممن يَدَّعي العلمَ ومعرفةَ التجويدَ، لأنه ميسَّرٌ على اللسانِ لأن الحرفين متقاربان، واشتَرَكا في الصفاتِ ولولا اختلافُ المَخرجِ وما في الضادِ من الاستطالةِ لكان لفظُهما واحداً، ولم يَختلفا في السمعِ.
ومنها: ترقيقُها ولابدَّ فيها من التفخيمِ البيِّنِ فإن كان بعدَها ألِفٌ فلابدَّ من تفخيمِه معها.
ومنها: جعلُها لاماً مفخَّماً وهذا لم أسمَعْ من تَكلَّمَ به، وذكَرَه في النشْرِ ونصُّه: والضادُ انفردَ بالاستطالةِ وليس في الحروفِ ما يَعْسُرُ على اللسان مثلَه فإنَّ ألسِنَةَ الناسِ فيه مختلِفةٌ وقَلَّ من يُحسنُه، فمنهم من يُخرجُه ظاءً ومنهم يُخرجُه طاءً. ومنهم من يَمزُجُه بالذالِ ومنهم من يَجعلُه لاماً مفخَّمةً، ومنهم من يُشِمُّه الزايَ، وكل ذلك لا يَجوزُ والحديثُ المشهورُ على الألسنةِ (أَنَا أَفْصَحُ مَنْ نَطَقَ بالضَّادِ) لا أصلَ له، ولا يَصِحُّ اهـ، وذكَرَ في التمهيدِ أنّ الذين يُبدِّلُونه لاماً مفخَّمةً هم الزَّيالعُ ومن ضَاهاهم ص62. ومنها المغربُ الأدنى في نحوِ: { فَمَنْ اضْطُرَّ }.
ومنها: إبدالُها ظاءً مشالةً، وهذا هو الكثيرُ الغالبُ وأهلُ المغربِ الأدنى كلُّهم عليه، لأنهما تَشارَكا في جميعِ الصفاتِ إلاَّ الاستطالةَ فلولا الاختلافُ في المَخرجِ وفي هذه الصفةِ لكانا حرفاً واحداً.
أقولُ: كَثُرَ التشويشُ من بعضِ الناسِ الذين يدَّعونَ معرفةَ التجويدِ ويَنصرون النُّطقَ بالضادِ شبيهةً بالظاءِ في هذه الأيامِ، ويَجبُ علينا أن نَرُدَّ هذا النُّطقَ ونُبَيِّنَ عدمَ صحَّتِه دِفاعاً عن الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، كما يَجبُ علينا أن نَتعرَّضَ لكلِّ من نادى بهذا ونُبَيِّنَ موقِفَ المسلمين منهم ورفْضَهم لهذا النُّطقِ الذي يُغيِّرُ اللفظَ والمعنى القرآنيَّ وأنَّ من يقرأُ به في الصلاةِ تَبْطُلُ صلاتُه وذلك في بحثٍ خاصٍّ يأتي قريباً إن شاءَ اللهُ تعالى.

العَيْنُ المهمَلةُ
تَخرجُ العَيْنُ المهمَلةُ من المَخرجِ الثاني من مخارجِ الحَلْقِ، وهو حرفٌ مجهورٌ مستفِلٌ مُنفتِحٌ مُصمَتٌ متوسِّطٌ بينَ الرخاوةِ والشِّدَّةِ والقوَّةِ والضعفِ، ويقعُ الخطأُ فيه من أوجُهٍ:
منها: تفخيمُها، فليُحْذَرْ منه لاسيَّما إن أتى بعدَها ألِفٌ نحوَ: (العالمين)، و (طعام) واحْذَرْ من المبالَغةِ في ترقيقِها حتى تصيرَ كالممالةِ كما يفعلُه كثيرٌ وهو خطأٌ أيضاً.
ومنها إبدالُها حاءً في نحوِ: (تعتَدُوا) و (المعتدين) لاتِّفاقِهما في المَخرجِ وكثيرٍ من الصفاتِ ولولا الجهْرُ الذي فيها وبعضُ الشِّدَّةِ لكانت حاءً، ولولا الهمْسُ والرخاوةُ اللذان في الحاءِ لكانت عَيْناً، وبعضُ الناسِ يَمزجُها بالحاءِ، فيصيرُ حرفاً بينَ حرفين وبعضُهم بعدَ إبدالِها في نحوِ: (معهم) يُدغِمُ الهاءَ فيها، لأن الحاءَ مُواخِيَةٌ للهاءِ في الهمْسِ وتقاربُها في المَخرجِ، وكلُّه خطأٌ لا يَجوزُ.
ومنها: إدغامُها في الهاءِ في نحوِ: (فَبَايِعْهُنَّ)، و(كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ) لقربِهما في المَخرجِ فمن لم يَعْتَنِ بإظهارِها وإخراجِها من مَخرجِها، أَدغَمَها وهو لا يَشعرُ.
وإذا تكرَّرتْ فلابدَّ من بيانِها لقوَّتِها وصعوبتِها على اللسانِ كقولِه تعالى: { وَنَطْبَعُ عَلَى } (الأعراف: آية 100) { فُزِّعَ عَنْ } (سبأ: آية 23).
وإذا وَقعَ بعد العَيْنِ الساكنةِ غَيْنٌ معجَمَةٌ وَجبَ بيانُها لقُرْبِ المَخرجِ ولمُبادَرَةِ اللفظِ إلى الإدغامِ نحوَ: { وَاسْمَعْ غَيْرَ } (النساء: آية 46) واللهُ أعلمُ، انتهى ملخَّصاً من تنبيهِ الغافلين ص 89، والتمهيدِ ص 136.

الغَيْنُ المعجَمَةُ
تَخرجُ الغَيْنُ المعجَمَةُ من المَخرجِ الثالثِ من مخارجِ الحَلْقِ، وهو حرفٌ مجهورٌ رِخْوٌ مستعْلٍ مُنفتِحٌ مُصمَتٌ متوسِّطٌ، ويقعُ الخطأ فيه من أوجُهٍ:
منها ترقيقُها ولابدَّ من تفخيمِها، لما فيه من الجهْرِ والاستعلاءِ وكثيرٌ من الناسِ يرقِّقُها خصوصاً إذا أتى بعدها ألِفٌ نحوُ: { غَافِرِ الذَّنْبِ } و{ الغافرين }.
ومنها إدغامُها فيما قاربَها في المَخرجِ نحوُ: { لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا } (آل عمران: آية 8) { أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً } (البقرة:آية 250) وربما يُبْدِلُ بعضُهم الهاءَ خاءً وهو أفحشُ فمن لم يَعْتَنِ بإظهارِها ذهبَ لسانُه إلى الإدغامِ أو إلى الإخفاءِ.
ومنها إبدالُها خاءً وأكثرُ ما يقعُ إذا أتى بعدَها شِينٌ نحوُ: { يَغْشَى طَائِفَةً } (آل عمران: آية 154) و { إِذْ يُغَشِّيكُمُ } (الأنفال: آية 11) لاشتراكِ الخاءِ والشِّينِ في الهمْسِ والرخاوةِ وبُعْدِ الغَيْنِ من الشينِ، فمن لم يَنتَبِهْ لهذا يَميلُ به طبعُه إلى الخطأِ وهو لا يَشعرُ، انتهى ملخَّصاً من تنبيهِ الغافلين ص 89، والتمهيدِ ص 137.

الفـــــاءُ
تَخرجُ الفاءُ من المَخرجِ الحادي عشرَ من مخارجِ الفمِ، وهو حرفٌ مهموسٌ رِخْوٌ مستفِلٌ مُنفتِحٌ مذْلَقٌ، ضعيفٌ، ويقعُ الخطأُ فيها من أوجُهٍ:
منها: تفخيمُها ووقوعُه من الناسِ كثيرٌ لاسيَّما إذا أتى بعدَها ألِفٌ أو حرفُ استعلاءٍ أو راءٌ نحوَ: (فَاكِهِينَ)، (فاعلون)، (فَخَرَجَ) و (فَصَلَ)، (فَطَلٌّ)، و (فَرَّقُوا) وأَحْرَى إذا اجتَمَعَا نحوُ: (الغفارُ)، (فاطرُ)، و(فَارَ التَّنُّورُ).
ومنها: إخفاؤها أو إدغامُها في الميمِ والواوِ، نحوُ: { تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا } و { لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ } بل المطلوبُ الإظهارُ.
ومنها: عدمُ بيانِها إذا تكرَّرَتْ في كلمةٍ فيجبُ بيانُها سواءً كانت في كلمةٍ أو كلمتين كقولِه تعالى: { يُخَفِّفْ } (البقرة: آية 86)، { وَلْيَسْتَعْفِفْ } (النور: آية 33)، { تَعْرفُ فِي } (الحج: آية72) في مذهبِ المُظهِرِ ونحوِ ذلك، وإذا أتى بعدَها ألِفٌ فلابدَّ من ترقيقِها نحوُ: (فَاطِرِ) كما سبَقَ، انتهى ملخَّصاً من تنبيهِ الغافلين ص90، والتمهيدِ ص 138.

القـــافُ
تَخرجُ القافُ من أوَّلِ مخارجِ الفمِ وهو حرفٌ مجهورٌ شديدٌ مستعْلٍ مُنفتِحٌ مقلقَلٌ مُصمَتٌ قويٌّ، ويقعُ الخطأُ فيه من أوجُهٍ:
منها: ترقيقُها حتى يَذهبَ ما فيها من الجهْرِ والشِّدَّةِ والاستعلاءِ نحوُ: (قليلاً) و (قَدِمْنا) و (قُولوا) و (قِيلاً)، فاحذَرْ من ذلك وفخِّمْها تفخيماً بليغاً لاسيَّما إن أتى بعدَها ألِفٌ نحوُ: (قال) و (قاموا) وأحرى إن أتى بعد الألِفِ حرفٌ مهموسٌ نحوَ: (أَشْقَاهَا)، و (قَاتِلُوا).
ومنها: مزْجُها بالكافِ إذا التَقَتَا نحوَ: {خَلَقَ كلَّ شَيْءٍ} { لَكَ قُصُوراً } { خَلَقَكُمْ } وهو يَجري على الألسنةِ كثيراً لقُربِ المَخرجِ ويُسرِ النُّطقِ بالكافِ على اللسانِ لما فيها من الهمْسِ.
وإذا تكرَّرَتْ وجَبَ بيانُ كلٍّ نحوُ: { حَقَّ قَدْرِهِ } (الأنعام:آية 91) { بِالْحَقِّ قَالُوا } (الأنعام: آية 30). وإذا وقَعَت الكافُ قبلَها أو بعدَها وَجَبَ بيانُ كلٍّ نحوُ: { لَكَ قُصُوراً } (الفرقان: آية 10)، { وَخَلَقَ كلَّ شَيْءٍ } (الأنعام: آية 101)، { خَلَقَكُمْ }، وشِبْهِ ذلك.
وفي إدغامِها إذا سَكَنَتْ في الكافِ مذهبان، الإدغامُ الناقصُ مع إظهارِ التفخيمِ, والاستعلاءُ كالطاءِ في التاءِ وهذا مذهبُ مَكِّيٍّ وغيرِه والإدغامُ الكاملُ بلا إظهارِ شيءٍ، فتصيرُ كافاً مشدَّدةً وهو مذهبُ الداني وغيرِه، اهـ ملخَّصاً من تنبيهِ الغافلين ص 90، والتمهيدِ ص 139.

الســـيـــنُ
تَخرجُ السينُ من المَخرجِ التاسعِ من مخارجِ الفمِ وهو حرفٌ مهموسٌ رِخْوٌ مستفِلٌ مُنفتِحٌ مُصمَتٌ صفيريٌّ ضعيفٌ، ويَقعُ الخطأُ فيها من أوجُهٍ:
منها: إبدالُها زاياً أو إشرابُها به لأنهما من مَخرجٍ واحدٍ واشترَكَا في جميع الصفاتِ إلاَّ في الهمْسِ والجهْرِ، ولولا الهمْسُ الذي في السينِ لكانت زاياً ولولا الجهْرُ الذي في الزايِ لكانت سيناً، ولاختلافِ هاتين الصفتين افترقتا في السمعِ، فسبحان من هذا صُنعُه.
ومنها: إبدالُها صاداً لأنها مواخِيةٌ لها، لاشتراكِهما في المَخرجِ وبعضِ الصفاتِ كالصفيرِ والهمْسِ والرخاوةِ ولولا الاستعلاءُ والإطباقُ اللذان في الصادِ لكانت سيناً، ولولا التسَفُّلُ والانفتاحُ اللذان في السينِ لكانت صاداً وأكثرُ ما يكون ذلك إذا جاوَرَتْ أو قارَبَتْ حرفَ استعلاءٍ أو راءً نحوَ: (وَسَطاً) و (تُقْسِطُوا) و (الْقِسْطَاسِ) و (بَسَطَ) و (مِنْ أَوْسَطِ) و (سَأَصْرِفُ) و (الرَّسِّ) وبالَغَ بعضُ الجهَلَةِ حتى كَتَبوه في الصحفِ بالصادِ وقلَّدَهم غيرُهم فصارَ يَقرؤه بالصادِ ويرُدُّه على من يَقرؤه بالسينِ وهو خطأٌ مخالِفٌ لجميعِ القرَّاء وأهلِ اللغةِ، والحاصلُ أن بينَ السينِ والصادِ تشابُهاً وتقارُباً، فمن لم يَعتَنِ بإعطاءِ كلٍّ منهما ما يَستحقُّه من الصفاتِ أخطأ فيه وهو لا يَشعرُ، فواجبٌ على القارئ المجوِّدِ أن يُحافظَ على إظهارِ الفرْقِ بينَهما في قراءتِه فيُعطيَ السينَ حقَّها من الصفيرِ فيُظهرَه ويُعطِيَ الصادَ حقَّها من الإطباقِ فيُظهرَه.
ومنها: تفخيمُها وهي مرقَّقةٌ كما تَقدَّمَ وكثيرٌ من الناس يُفخِّمُها فاحذَرْ من ذلك لاسيَّما إن أتى بعدَها حرفُ استعلاءٍ أو راءٌ أو ألِفٌ نحوُ: (الساعة)، (الساحر)، فمن لم يُبْدِلْها صاداً فخَّمَها، واحرِصْ على بيانِها إذا تكرَّرَتْ نحوُ: { وَلاَ تَجَسَّسُوا } لِثِقَلِ الحرفِ المكَرَّرِ على اللسانِ واللهُ أعلمُ، انتهى ملخَّصاً من تنبيهِ الغافلين ص 92، والتمهيدِ ص 126.
الشينُ المعجَمَةُ
تَخرجُ الشينُ من المَخرجِ الثالثِ من مخارجِ الفمِ وهو حرفٌ مهموسٌ رِخْوٌ مستفِلٌ مُنفتِحٌ مُصمَتٌ مُتَفَشٍّ ضعيفٌ، ويقعُ الخطأُ فيها من أوجُهٍ:
منها: تفخيمُها فاحذَرْ منه لاسيَّما إن أتى بعدَها حرفٌ مفخَّمٌ نحوُ: (شَاءَ اللهُ) و (شَطْرَ) (شَاقُّوا) (شَاخِصَةٌ).
ومنها: إبدالُها جيماً في نحوِ: (الرُّشْدُ) لأن الراءَ حرفٌ قويٌّ والجيم فيه من صفاتِ القوَّةِ ما ليس في الشينِ فيَميلُ اللسانُ إليه لأنها والشينَ من مَخرجٍ واحدٍ، فلابدَّ من بيانِها كما إذا اجتَمَعَا في كلمةٍ واحدةٍ نحوُ: (فِيمَا شَجَرَ) و (شَجَرَةً تَخْرُجُ).
ومنها: عدَمُ بيانِ تَفَشِّيها وهو رِيحٌ يَخرجُ معها من وسَطِ اللسانِ في تَسَفُّلٍ ويَنتشِرُ في الفمِ حتى يتَّصِلَ بمَخرجِ الظاءِ المعجَمَةِ فاحذَرْ من ترْكِه لاسيَّما إن شُدِّدَتْ أو سَكَنَتْ نحوَ: (فَبَشَّرْنَاهُ) و (اشْدُدْ) و (اشْتَرَوْا)، انتهى ملخَّصاً من تنبيهِ الغافلين ص 93، والتمهيدِ ص 128.

الهـــاءُ
تَخرجُ الهاءُ من المَخرجِ الأوَّلِ من مخارجِ الحَلْقِ، وهو حرفٌ مهموسٌ رِخْوٌ مستفِلٌ مُنفتِحٌ خَفِيٌّ مُصمَتٌ ضعيفٌ، ويقعُ الخطأُ فيها من أوجُهٍ:
الأوَّلُ: تفخيمُها فاحذَرْ من ذلك لاسيَّما إن كانت في كلمةٍ فيها حرفٌ مفخَّمٌ نحوَ: (ضُحَاها) و (الأنْهَارُ).
ومنها: إدغامُها إذا تكرَّرَتْ في كلمةٍ نحوُ: (وُجُوهُهُمْ) و (يُلْهِهِمْ) و (جِبَاهُهُمْ) بل لابدَّ من بيانِها مع تؤَدَةٍ حالَ النُّطقِ بها وكذا إذا تكرَّرَتْ في كلمتين نحوَ: (فِيهِ هُدًى) (جَاوَزَهُ هُوَ) وإذا كانت مشدَّدةً مُدغَمَةً في مثلِها فلابدَّ من الإدغامِ الكاملِ نحوَ: { أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ } (النحل: آية 76). وإظهارُها لَحْنٌ لا تَحِلُّ القراءةُ به لأن كلَّ حرفين التَقَيَا أوَّلُهما ساكنٌ وهما متماثلان أو متجانسان يَجبُ إدغامُ الأوَّلِ منهما في الثاني، أجْمَعَ على ذلك القرَّاءُ والنحْوِيُّون، وأما قولُه تعالى: {مَالِيَهْ هَلَكَ} (الحاقة:آية 28-29) فاختلَفَ أهلُ الأداءِ في إظهارِها، وإدغامِها، فالمختارُ أَلاَّ تُدْغَمَ هاءُ السكتِ في غيرِها لعُروضِها وأن يَنْوِي الوقفُ بها، ومنهم من أخذَ بإدغامِها، للتماثُلِ وسكونِ الأوَّلِ منهما، وإذا سَكَنَتْ الهاءُ وأتى بعدَها حرفٌ آخَرُ، فلابدَّ من بيانِها لخفائِها نحوُ: { يَسْتَهْزِئُ } (البقرة: آية 15)، و { عَهْداً } (البقرة: آية 80)، وشِبْهِ ذلك.
وإذا وقَعَتْ بينَ الغَيْنِ وَجَبَ بيانُها لاجتماعِ ثلاثةِ أحرُفٍ خَفِيَّةٍ نحوُ: قولِه تعالى: { بَنَاهَا } (النازعات: آية 27) وشِبْهِ ذلك اهـ. ملخَّصاً من تنبيهِ الغافلين ص 95، والتمهيدِ ص 146.
ومنها: قراءتُها بالضمِّ في قولِه تعالى: { لَهْوَ الْحَدِيثِ } لظنِّهم أنه ضميرٌ وقد اختلَفَ القرَّاءُ فيه كما هو مُبَيَّنٌ في كتبِ الخلافِ.

الـــواوُ
تَخرجُ الواوُ من المَخرجِ الثاني عشرَ من مخارجِ الفمِ إذا لم تكنْ حرفَ مَدٍّ وإلا فتخرجُ من الجَوْفِ، وهي مجهورةٌ رِخوةٌ منفتحةٌ مستفِلةٌ مُصمَتةٌ مرقَّقةٌ ذو مَدٍّ ولِينٍ إذا سَكَنَ وانفتحَ ما قبلَه، بينَ الشِّدَّةِ والرَّخاوةِ في قولٍ.
وإذا جاءت الواوُ مضمومةً أو مكسورةً وَجبَ بيانُها، وبيانُ حركتِها لئَلاَّ يخالطَها لفظٌ غيرُها، أو يَقْصُرُ اللفظُ عن إعطائِها حقَّهَا، كقولِه تعالى: { وُجُوهٌ } (آل عمران:آية 106) { وَلاَ تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ } (البقرة: آية 237).
فإذا انضمَّتْ ولقيَها مثلُها كان بيانُها آكدَ لثِقَلِها نحوَ: { وُورِيَ } (الأعراف: آية 20).
وإذا أَتت الواوُ مشدَّدةً فلابدَّ من بيانِها وبيانِ التشديدِ بقوَّةٍ من غيرِ تَمْضيغٍ ولا رخاءٍ كقولِه تعالى: { لَوَّوْا } (المنافقون:آية 5) { وَأُفَوِّضُ } (غافر: آية 44)، انتهى ملخَّصاً من تنبيهِ الغافلين ص 94، والتمهيدِ ص 148.

((لا)) والمرادُ بها الألِفُ المَدِّيَّةُ ومَخرجُها من الجَوْفِ وتَخرجُ من مَخرجِ الهمزةِ والهاءِ من أوَّلِ الحَلْقِ ولا تكونُ إلاَّ ساكنةً ولا يكونُ ما قبلَها إلاَّ مفتوحاً وهو منفردٌ بأحوالٍ ليستْ في غيرِه من الحروفِ، وهو حرفٌ مجهورٌ رِخْوٌ مُنفتِحٌ مستفِلٌ بالغٌ خفِيٌّ مفخَّمٌ تارةً ومرقَّقٌ أخرى باعتبارِ ما قبلَه ممدودٌ هاوِي ويُقالُ هَوائيٌّ، ويَقعُ الخطأُ فيها من أوجُهٍ:
منها: حذفُها في مثلِ { أَنْ ءاتَاهُ اللهُ المُلْكَ } { وَيُؤْتُونَ مَا ءاتَوْا } وبعضُهم وإن كان يُثبتُها إلاَّ أنه لا يُعطِيها حقَّها من المَدِّ قليلاً حتى إنك لتشكُّ وقتَ سماعِها هل أَثبتَها أم لا.
ومنها: ترقيقُها في موضعِ التفخيمِ أو تفخيمُها في موضعِ الترقيقِ.
وإذا أتى بعدَ لامٍ مفخَّمةٍ فلابدَّ من ترقيقِه نحوَ: { إِنَّ اللهَ } { وَالطَّلاَقُ } في مذهبِ وَرْشٍ فتأتي باللامِ مغلَّظةً والألِفِ بعدَها مرقَّقةً وبعضُ الناسِ يُتْبِعُونَ الألِفَ اللامَ وليس بجيِّدٍ ولا تُفخِّمْها إذا أتى بعدَها همزةٌ ومدَدْتَها كفِعلِ العجمِ وذلك قبيحٌ، انتهى ملخَّصاً من التمهيدِ ص 149، وتنبيهِ الغافلين ص 97.

اليـــاء
تخرجُ الياءُ من مَخرجِ الجيمِ والشينِ وهو المَخرجُ الثالثُ من مخارجِ اللسانِ وهو حرفٌ مجهورٌ رِخْوٌ مُنفتِحٌ مستفِلٌ مُصمَتٌ مَدِّيٌّ معتَلٌّ متوسِّطٌ ويقعُ الخطأُ فيها من أوجُهٍ:
منها: تفخيمُها فاحترِزْ منه لاسيَّما إن أتى بعدَها ألِفٌ نحوَ: { يَا أَيُّهَا } { يَأْتِي يِوْمَ } { وَالْآيَات } { وَالْكِبْرِيَاء } أو حرفٌ مفخَّمٌ نحوَ: { يَطَئُونَ }.
فإن سَكَنَتْ بعد كسرٍ وأتى بعدَها مثلُها فلابدَّ من تمكينِها وإظهارِها وبيانِ سكونِ الأُولى نحو قولِه تعالى: { الَّذِي يُوَسْوِسُ } (الناس: آية 5).
وإذا شُدِّدَتْ فلابدَّ من بيانِها وشدَّدِتِها نحوُ: { إِيَّاكَ } (الفاتحة: آية5) وإذا تَكرَّرَتْ وَجبَ بيانُها والتحفُّظُ على إظهارِها، برِفْقٍ كقولِه تعالى: { يَسْتَحِي } (البقرة: آية 26) { وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ } (النحل: آية 90).
وإذا تَحرَّكَتْ بالكسرِ وقبلَها أو بعدَها فتحةٌ نحوُ: { تَرَيِنَّ } (مريم: آية 26)، { مَعَايِشَ } (الأعراف: آية 10)، أو انفَتَحَتْ واكتَنفاها أي كسرةٌ وفتحةٌ نحوُ: { لاَ شِيَةَ } (البقرة: آية 71)، وَجَبَ تخفيفُ الحركةِ عليها، وتسهيلُ اللفظِ بحركتِها، وإذا تكرَّرَتْ وإحداهُما مشدَّدةٌ وجبَ بيانُها لثِقَلِ التكريرِ وإلا سقَطَتْ الأُولى نحوُ: { إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ } (الأعراف: آية 196)، { الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ } (الأنعام: آية 52)، { وَإِذَا حُيِّيتُمْ } (النساء: آية 86)، ونحوَ ذلك.
ومنها: إدغامُها وهي حرفُ مَدٍّ ولِينٍ نحوُ: { لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ } (يوسف: آيه 7) {الَّذِي يُوَسْوِسُ}(الناس:آية 5)، ويَدُلُّكَ على الإدغامِ ما تَسمعُه منهم من التشديدِ وهو لا يَجوزُ، واللهُ أعلمُ، انتهى ملخَّصاً من تنبيهِ الغافلين ص 98، والتمهيدِ ص 150-151.


  #5  
قديم 27 ذو القعدة 1429هـ/25-11-2008م, 12:31 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 14,244
افتراضي شرح المقدمة الجزرية للشيخ المقرئ: عبد الباسط هاشم (مفرغ)

الشرح الصوتي للشيخ عبد الباسط هاشم حفظه الله:



المبحث التاسع في المثلين والمتقاربين والمتجانسين.
قال الناظم:

وأولي مثل وجنس إن سكن أدغم كقل رب وبل لا وأبن
سبق أن بينا في باب صفات الحروف وقبلها المخارج أن الحروف إما متماثلة وإما متجانسة وإما متقاربة وإما متباعدة ولا حكم للمتباعد، فإذا سكن الأول وتحرك الثاني قلنا صغير، وإذا تحركا معاً قلنا كبير، إن كان كلا منهما مدغماً أو مظهراً، وإذا تحرك الأول وسكن الثاني قلنا مطلق ولا يأتي في المطلق إدغام.
وكلام الناظم هنا في الإدغام الصغير ومثاله في المثلين { اضرب بعصاك } { في قلوبهم مرض}، {وبل لا يخافون}، ومثال المتجانسين { ودت طائفة } { لئن بسطت } { فقال أحطت } ومثال المتقاربين { يبين لنا } { ألن نجمع } { وقد فرضتم } وجميع حروف اللام الشمسية إلا اللام كما تقدم.
وقوله: (وأبن في يوم) يعني: لا تدغم أيها القارئ الياء من (في) في الياء من يوم افصل ما بين المعتل منهما والمحرك، وكذلك قالوا: وهم أفصل أيها القارئ ما بين الواوين المعتلة والمتحركة، وكذلك قل نعم احرص أيها القارئ على تخليص لام قل من نون نعم، والأشبه بهذا الكلام أن يكون من الباب السابق لا من باب المثلين والمتقاربين والمتجانسين، وكذا احرص أيها القارئ على تخليص الحاء من الهاء في سبحه، وتخليص الغين من القاف في { لاتزغ قلوب } وتخليص اللام من التاء في { فالتقمه الحوت }.


موضوع مغلق

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
المتماثلين, إدغام

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:54 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir