تسجيل الطلاب الجدد| طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > الفقه > متون الفقه > زاد المستقنع > كتاب النفقات

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 11 جمادى الثانية 1431هـ, 01:59 صباحاً
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 9,391
افتراضي نفقة الأقارب

بابُ نَفقةِ الأقارِبِ والْمَماليكِ

تَجِبُ ـ أو تَتِمَّتُها ـ لأبويه وإن عَلَوَا ولوَلَدِه وإن سَفَلَ، حتَّى ذَوِي الأرحامِ مِنهم حَجَبَه مُعْسِرٌ أو لَا، وكلُّ مَن يَرِثُه بفَرْضٍ أو تَعْصِيبٍ , لا بِرَحِمٍ سِوَى عَمُودَيْ نَسَبِه , سواءٌ وَرِثَه آخَرُ كأخٍ أو لا كعَمَّةٍ وعَتيقٍ بمعروفٍ مع فَقْرِ مَن تَجِبُ له وعَجزِه عن تَكَسُّبٍ إذا فَضَلَ عن قُوتِ نفسِه وزَوجتِه ورقيقِه يوَمه وليلتَه وكِسوةٍ وسُكْنَى من حاصِلٍ أو مُتَحَصِّلٍ ـ لا من رأسِ مالٍ وثَمَنِ مِلْكٍ وآلةِ صَنْعَةٍ ـ ومَن له وارِثٌ غيرُ أبٍ فنَفَقَتُه عليهم على قَدْرِ إِرْثِهم، فعَلَى الأمِّ الثلُثُ والثلُثانِ على الْجَدِّ، وعلى الْجَدَّةِ السدُسُ والباقي على الأخِ، والأبُ يَنفرِدُ بنَفَقَةِ وَلَدِه، ومَن له ابنٌ فَقيرٌ وأخٌ مُوسِرٌ فلا نفقةَ له عليهما، ومَن أمُّه فَقيرةٌ وجَدَّتُه مُوسِرَةٌ فنَفقتُه على الْجَدَّةِ، ومَن عليه نفقةُ زيدٍ فعليه نفقةُ زوجتِه كظِئْرٍ لِحَوْلَيْنِ، ولا نفقةَ مع اختلافِ دِينٍ إلا بالوَلاءِ، وعلى الأبِ أن يَسترضِعَ لولَدِهِ ويُؤَدِّيَ الأُجْرَةِ، ولا يَمْنَعَ أمَّه إرضاعَه , ولا يُلْزِمُها إِلَّا لضرورةٍ كخوفِ تَلَفِه، ولها طَلَبُ أُجرةِ الْمِثْلِ ـ ولو أَرْضَعَه غيرُها مَجَّانًا ـ بائِنًا كانتْ أو تَحْتَه، وإن تَزَوَّجَتْ آخَرَ فله مَنْعُها من إرضاعِ ولَدِ الأَوَّلِ ما لم يَضْطَرَّ إليها.


  #2  
قديم 16 جمادى الثانية 1431هـ, 11:29 صباحاً
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 12,278
افتراضي المقنع لموفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي

.......................

  #3  
قديم 16 جمادى الثانية 1431هـ, 11:30 صباحاً
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 12,278
افتراضي الروض المربع للشيخ: منصور بن يونس البهوتي

بابُ
(نَفَقَةِ الأقارِبِ والمماليكِ مِن الآدَمِيِّينَ والبهائِمِ)

(تَجِبُ) النفقةُ كاملةً إذا كانَ المُنفَقُ عليه لا يَمْلِكُ شيئاً، (أو تَتِمَّتُها) إذا كانَ لا يملِكُ البعضَ (لأَبَوَيْهِ، وإنْ عَلَوَا)؛ لقولِهِ تعالَى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}. ومِن الإحسانِ الإنفاقُ عليهما، (و) تَجِبُ النفقةُ أو تَتِمَّتُها (لِوَلَدِهِ، وإنْ سَفَلَ)؛ ذَكَراً كانَ أو أُنْثَى؛ لقولِهِ تعالَى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ}. (حتَّى ذَوِي الأرحامِ مِنهم)؛ أي: مِن آبائِهِ وأُمَّهَاتِهِ؛ كأجدادِه المُدْلِينَ بإناثٍ، وجَدَّاتِهِ الساقطاتِ، ومِن أولادِهِ؛ كولدِ البنتِ، سواءٌ (حَجَبَه)- أي: الغنِيُّ- (مُعْسِرٌ)، فمَن له أبٌ وجَدٌّ مُعْسِرَانِ، وَجَبَتْ عليهِ نَفَقَتُهما، ولو كانَ محجوباً من الجَدِّ بأبيهِ المُعْسِرِ (أو لا)؛ بأنْ لم يَحْجُبْهُ أَحَدٌ؛ كمَن له جَدٌّ مُعْسِرٌ ولا أبَ له، فعليه نَفَقَةُ جَدِّهِ؛ لأنَّه وارِثُه.
(و) تَجِبُ النفقةُُ أو كمالُها لـ (كلِّ مَن يَرِثُهُ) المُنْفِقُ (بفرضٍ)؛ كولدٍ لأُمٍّ (أو تَعْصِيبٍ)؛ كأخٍ وعَمٍّ لغيرِ أُمٍّ، (لا) لِمَن يَرِثُهُ (بِرَحِمٍ)؛ كخالٍ وخالةٍ، (سِوَى عَمُودِي نَسَبِهِ)، كما سَبَقَ، (سواءٌ وَرِثَهُ الآخَرُ كأخٍ) للمُنْفِقِ (أو لا؛ كعَمَّةٍ وعَتِيقٍ)، وتكونُ النفقةُ على مَن تَجِبُ عليه (بمعروفٍ)؛ لقولِهِ تعالَى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}. ثمَّ قالَ: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ}. فأَوْجَبَ على الأبِ نَفَقَةَ الرَّضاعِ، ثمَّ أَوْجَبَ مثلَ ذلكَ على الوارِثِ، ورَوَى أبو دَاوُدَ أنَّ رَجُلاً سأَلَ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَن أَبَرُّ؟ قالَ: (أُمَّكَ وَأَبَاكَ وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ). وفي لفظٍ: (وَمَوْلاَكَ الَّذِي هُوَ أَدْنَاكَ حَقًّا وَاجِباً وَرَحِماً مَوْصُولاً).
ويُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ نَفَقَةِ القريبِ ثلاثةُ شروطٍ:
الأوَّلُ: أنْ يكونَ المُنْفِقُ وَارِثاً لِمَن يُنْفِقُ عليه، وتَقَدَّمَتِ الإشارةُ إليه.
الثاني: فَقْرُ المُنْفَقِ عليه، وقد أشارَ إليه بقولِهِ: (معَ فَقْرِ مَن تَجِبُ له) النفقةُ (وعَجْزِهِ عن تَكَسُّبٍ)؛ لأنَّ النفقةَ إنما تَجِبُ على سبيلِ المواساةِ، والغَنِيُّ بِمِلْكِهِ أو قُدْرَتِهِ على التكسُّبِ، مُسْتَغْنٍ عن المواساةِ، ولا يُعْتَبَرُ نقصُه، فتَجِبُ لصحيحٍ مُكَلَّفٍ لا حِرْفَةَ له.
الثالثُ: غِنَى المُنْفِقِ، وإليهِ الإشارةُ بقولِهِ: (إذا فَضَلَ) ما يُنْفِقُهُ عليه (عن قُوتِ نفسِه وزوجتِه ورقيقِهِ يومَه وليلتَه، و) عن (كِسْوَةٍ وسُكْنَى) لنفسِهِ وزوجتِه ورقيقِهِ (مِن حاصِلٍ) في يدِهِ (أو مُتَحَصَّلٍ) من صِناعةٍ أو تِجارةٍ أو أُجْرَةِ عَقَارٍ أو رِيعِ وَقْفٍ ونحوِهِ؛ لحديثِ جابرٍ مرفوعاً:(إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فَقِيراً فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ فَضْلٌ فَعَلَى عِيَالِهِ، فَإِنْ كَانَ فَضْلٌ فَعَلَى قَرَابَتِهِ)، و (لا) تَجِبُ نَفَقَةُ القريبِ (مِن رأسِ مالِ) التجارةِ، (و) لا من (ثَمَنِ مِلْكٍ، و) لا مِن (آلةِ صَنْعَةٍ)؛ لِحُصُولِ الضررِ بِوُجُوبِ الإنفاقِ مِن ذلكَ، ومَن قَدَرَ أنْ يَكْتَسِبَ، أُجْبِرَ لِنَفَقَةِ قَرِيبِه (ومَن له وَارِثٌ غيرُ أبٍ) واحتاجَ للنفقةِ، (فنَفَقَتُه عليهم)؛ أي: على وَارِثِيهِ، (على قَدْرِ إِرْثِهِم) منه؛ لأنَّ اللهَ تعالَى رَتَّبَ النفقةَ على الإرثِ بقولِه: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ}. فوَجَبَ أنْ يَتَرَتَّبَ مِقْدَارُ النفقةِ على مِقدارِ الإرثِ، (فـ) مَن له أُمٌّ وجَدٌّ، (على الأُمِّ) من النفقةِ (الثلُثُ، والثُّلُثانِ على الجَدِّ)؛ لأنَّه لو ماتَ، لَوَرِثَاهُ كذلكَ، (و) مَن له جَدَّةٌ وأخٌ لغيرِ أُمٍّ، (على الجَدَّةِ السُّدُسُ، والباقي على الأخِ)؛ لأنَّهما يَرِثَانِهِ كذلك، (والأبُ يَنْفَرِدُ بِنَفَقَةِ وَلَدِهِ)؛ لقولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهِنْدَ: (خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ).
(ومَن له ابنٌ فقيرٌ وأخٌ مُوسِرٌ، فلا نَفَقَةَ له عليهما)، أمَّا ابنُه فلِفَقْرِهِ، وأمَّا الأخُ فلِحَجْبِهِ بالابنِ، (ومَن) احتاجَ لِنَفَقَةٍ و (أُمُّهُ فقيرةٌ وجَدَّتُهُ مُوسِرَةٌ، فنَفَقَتُه على الجَدَّةِ)؛ لِيَسَارِها، ولا يَمْنَعُ ذلك حَجْبَها بالأمِّ؛ لِعَدَمِ اشتراطِ المِيرَاثِ في عَمُودِي النسَبِ، كما تَقَدَّمَ، (ومَن عليهِ نَفَقَةُ زَيْدٍ) مثلاً؛ لكونِه ابنَه أو أباهُ أو أخاهُ ونحوَه، (فعليهِ نفقةُ زوجتِه)؛ لأنَّ ذلكَ مِن حاجةِ الفقيرِ لدعاءِ ضرورتِه إليه؛ (كـ) نفقةِ (ظِئْرٍ) مَن تَجِبُ نَفَقَتُه، فيَجِبُ الإنفاقُ عليها (لِحَوْلَيْنِ) كاملَيْنِ؛ لقولِهِ تعالَى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}. إلى قولِهِ: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ}. والوارِثُ إنَّما يكونُ بعدَ موتِ الأبِ، (ولا نَفَقَةَ) بِقَرَابَةٍ (معَ اختلافِ دِينٍ) ولو من عَمُودِي نَسَبِهِ؛ لعدمِ التوارُثِ إذن، (إِلاَّ بالوَلاءِ)، فتَلْزَمُ النفقةُ المُسْلِمَ لعَتِيقِه الكافرِ، وعكسُه؛ لإرثِه منه.
(و) يَجِبُ (على الأبِ أنْ يَسْتَرْضِعَ لِوَلَدِهِ) إذا عُدِمَتْ أُمُّهُ أو امْتَنَعَتْ؛ لقولِهِ تعالَى: {وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى}؛ أي: فاسْتَرْضِعُوا له أُخْرَى، (ويُؤَدِّي الأُجْرَةَ) لذلكَ؛ لأنَّها في الحقيقةِ نَفَقَةٌ؛ لِتَوَلُّدِ اللبنِ مِن غِذائِها.
(ولا يَمْنَعُ) الأبُ (أُمَّهُ إِرْضَاعَه) أي: إرضاعَ وَلَدِها؛ لقولِهِ تعالَى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ}. وله مَنْعُها مِن خِدْمَتِهِ؛ لأنَّه يُفَوِّتُ حقَّ الاستمتاعِ في بعضِ الأحيانِ، (ولا يَلْزَمُها)؛ أي: لا يَلْزَمُ الزوجةَ إرضاعُ وَلَدِها؛ دَنِيئَةً كانَتْ أو شَرِيفَةً؛ لقولِهِ تعالَى: {وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى}. (إلاَّ لِضَرُورَةٍ؛ كخَوْفِ تَلَفِهِ)؛ أي: تَلَفِ الرضيعِ؛ بأنْ لم يَقْبَلْ ثَدْيَ غَيْرِها ونحوَه؛ لأنَّه إنقاذٌ من هَلَكَةٍ، ويَلْزَمُ أمَّ وَلَدٍ إِرضاعُ وَلَدِها مُطلقاً، فإنْ عَتَقَتْ؛ فكبائِنٍ.
(ولها)- أي: للمُرْضِعَةِ- (طَلَبُ أُجْرَةِ المِثْلِ) لِرَضَاعِ وَلَدِها، (ولو أَرْضَعَه غَيْرُها مَجَّاناً)؛ لأنَّها أَشْفَقُ مِن غَيْرِها، ولَبَنُها أَمْرَأُ، (بائناً كانَتْ) أمُّ الرضيعِ في الأحوالِ المذكورةِ (أو تَحْتَه)؛ أي: زوجةً لأبيهِ؛ لعمومِ قولِهِ تعالَى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}. (وإنْ تَزَوَّجَتِ) المُرْضِعَةُ (آخَرَ، فله)؛ أي: للثاني (مَنْعُها مِن إرضاعِ ولدِ الأوَّلِ، ما لم) تَكُنِ اشْتَرَطَتْهُ في العقدِ، أو (يَضْطَرَّ إليها)؛ بأنْ لم يَقْبَلْ ثَدْيَ غَيْرِها، أو لم يُوجَدْ غَيْرُها لِتَعَيُّنِهِ عليها إذن؛ لِمَا تَقَدَّمَ.


  #4  
قديم 16 جمادى الثانية 1431هـ, 11:31 صباحاً
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 12,278
افتراضي حاشية الروض المربع للشيخ: عبد الرحمن بن محمد ابن قاسم

باب نفقة الأقارب
والمماليك من الآدميين والبهائم([1])

(تجب) النفقة كاملة، إذا كان المنفق عليه لا يملك شيئا([2])(أو تتمتها) إذا كان لا يملك البعض([3]) (لأبويه وإن علوا)([4]) لقوله تعالى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} ومن الإحسان الإنفاق عليهما([5]) (و) تجب النفقة أو تتمتها (لولده وإن سفل) ذكرا كان أو
أنثى([6]).
لقوله تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ}([7]) (حتى ذوي الأرحام منهم) أي من آبائه وأمهاته([8]) كأجداده المدلين بإناث([9]) وجداته الساقطات([10]) ومن أولاده كولد البنت([11]) سواء (حجبه) أي الغني (معسر) فمن له أب وجد معسران، وجبت عليه نفقتهما، ولو كان محجوبا من الجد بأبيه المعسر([12]).
(أولا) بأن لم يحجبه أحد، كمن له جد معسر ولا أب له، فعليه نفقة جده، لأنه وارثه([13]) (و) تجب النفقة أو إكمالها لـ (كل من يرثه) المنفق([14]) (بفرض) كولد لأم([15]) (أو تعصيب) كأخ وعم لغير أم([16]) (لا) لمن يرثه (برحم) كخال وخالة([17]) (سوى عمودي نسبه) كما سبق([18]).
(سواء ورثه الآخر كأخ) للمنفق (أولا كعمة وعتيق)([19]) وتكون النفقة على من تجب عليه (بمعروف)([20]) لقوله تعالى (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) ثم قال: {وعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ}([21]) فأوجب على الأب نفقة الرضاع، ثم أوجب مثل ذلك على الوارث([22]) وروى أبو داود: أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم من أبر؟ قال: «أمك، وأباك، وأختك وأخاك»([23]).
وفي لفظ: «ومولاك الذي هو أدناك، حقا واجبا ورحما موصولا»([24]) ويشترط لوجوب نفقة القريب، ثلاثة شروط، الأول: أن يكون المنفق وارثا لمن ينفق عليه، وتقدمت الإشارة إليه([25]) الثاني: فقر المنفق عليه، وقد أشار إليه بقوله: (مع فقر من تجب له) النفقة (وعجزه عن تكسب)([26]) لأن النفقة إنما تجب على سبيل المواساة، والغني بملكه، أو قدرته على التكسب، مستغن عن المواساة، ولا يعتبر نقصه([27]) فتجب لصحيح مكلف لا حرفة له([28]) الثالث: غنى المنفق وإليه الإشارة بقوله (إذا فضل) ما ينفقه عليه (عن قوت نفسه، وزوجته ورقيقه يومه وليلته و) عن (كسوة وسكنى) لنفسه وزوجته ورقيقه (من حاصل) في يده (أو متحصل) من صناعة أو تجارة أو أجرة عقار.
أو ريع وقف ونحوه([29]) لحديث جابر مرفوعا «إذا كان أحدكم فقيرا فليبدأ بنفسه فإن كان فضل فعلى عياله، فإن كان فضل فعلى قرابته»([30]) و(لا) تجب نفقة القريب (من رأس مال) التجارة([31]) (و) لا من (ثمن مالك و) لا من (آلة صنعة) لحصول الضرر بوجوب الإنفاق من ذلك([32]) ومن قدر أن يكتسب أجبر لنفقة قريبه([33]) (ومن له وارث غير أب) واحتاج للنفقة (فنفقته عليهم) أي على وارثيه (على قدر إرثهم) منه([34]).
لأن الله تعالى رتب النفقة على الإرث بقوله: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} فوجب أن يترتب مقدار النفقة على مقدار الإرث([35]) (فـ) من له أم وجد (على الأم) من النفقة (الثلث، والثلثان على الجد) لأنه لو مات لورثاه كذلك([36]) (و) من له جدة وأخ لغير أم (على الجدة السدس، والباقي على الأخ) لأنهما يرثانه كذلك([37]) (والأب ينفرد بنفقة ولده)([38]) لقوله صلى الله عليه وسلم لهند «خذي ما يكفيك، وولدك بالمعروف»([39]).
(ومن له ابن فقير، وأخ موسر، فلا نفقة له عليهما) أما ابنه فلفقره، وأما الاخ فلحجبه بالابن([40]) (ومن) احتاج لنفقة و(أمه فقيرة، وجدته موسرة، فنفقته على الجدة) ليسارها، ولا يمنع ذلك حجبها بالأم، لعدم اشتراط الميراث، في عمودي النسب، كما تقدم([41]) (ومن عليه نفقة زيد) مثلا لكونه ابنه، أو أباه، أو أخاه ونحوه([42])(فعليه نفقة زوجته) لأن ذلك من حاجة الفقير، لدعاء ضرورته إليه([43]) (كـ) نفقة (ظئر) من تجب نفقته([44]) فيجب الإنفاق عليها (لحولين) كاملين([45]).
لقوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ([46]) وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} إلى قوله:{وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ}([47]) والوارث إنما يكون بعد موت الأب([48]) (ولا نفقة) بقرابة (مع اختلاف دين)([49]) ولو من عمودي نسبه لعدم التوارث إذا([50]) (إلا بالولاء) فتلزم النفقة المسلم لعتيقه الكافر([51]) وعكسه لإرثه منه([52]).
(و) يجب (على الأب أن يسترضع لولده) إذا عدمت أمه، أو امتنعت([53]) (لقوله تعالى: {وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} أي فاسترضعوا له أخرى)([54]) (ويؤدي الأجرة) لذلك([55]) لأنها في الحقيقة نفقة، لتولد اللبن من غذائها([56]) (ولا يمنع) الأب (أمه إرضاعه) أي إرضاع ولدها([57]) لقوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ}([58]) وله منعها من خدمته لأنه يفوت حق الاستمتاع في بعض الأحيان([59]).
(ولا يلزمها) أي لا يلزم الزوجة إرضاع ولدها، دنيئة كانت أو شريفة([60]) لقوله تعالى: {وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى}([61]) (إلا لضرورة كخوف تلفه) أي تلف الرضيع، بأن لم يقبل ثدي غيرها ونحوه([62]) لأنه إنقاذ من هلكة([63]) ويلزم أم ولد إرضاع ولدها مطلقا([64]) فإن عتقت فكبائن([65]) (ولها) أي للمرضعة (طلب أجرة المثل) لرضاع ولدها([66]).
(ولو أرضعه غيرها مجانا)([67]) لأنها أشفق من غيرها([68]) ولبنها أمرأ([69]) (بائنا كانت) أم الرضيع في الأحوال المذكورة([70]) (أو فحته) أي زوجة لأبيه([71]) لعموم قوله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}([72]).
(وإن تزوجت) المرضعة (آخر([73]) فله) أي للثاني (منعها من إرضاع ولد الأول([74]) ما لم) تكن اشترطته في العقد([75]) أو (يضطر إليها) بأن لم يقبل ثدي غيرها([76]) أو لم يوجد غيرها، لتعينه عليها إذا لما تقدم([77]).




([1]) المراد بالأقارب هنا من يرثه بفرض، أو تعصيب، ويدخل فيهم العتيق.
([2]) ولم يكن مع المنفق من يشركه في الإنفاق.
([3]) وهذا أحد شروط الإنفاق: أن يكون المنفق عليهم فقراء لا مال لهم، ولا كسب يستغنون به عن إنفاق غيرهم.
([4]) قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم، أن نفقة الوالدين الفقيرين، الذين لا كسب لهما ولا مال، واجبة في مال الولد.
([5]) بل من أعظم الإحسان بالوالدين، إذا كانا أو أحدهما، لا يملك نفقة أن ينفق عليه؛ قال الشيخ: على الولد الموسر أن ينفق على أبيه المعسر، وزوجة أبيه، وعلى إخوته الصغار، وفي الحديث «وابدأ بمن تعول، أمك وأباك» إلخ، وفي الصحيح، ذكر الأم ثلاثا.
([6]) قال الموفق: الأصل في وجوب نفقة الوالدين، والمولودين، الكتاب والسنة والإجماع، وتقدم حكاية ابن المنذر، الإجماع على وجوبها للوالدين
وقال: أجمع كل من نحفظ عنه، على أن على المرء نفقة أولاده الأطفال الذين لا مال لهم، ولأن ولد الإنسان بعضه، وهو بعض والده، كما يجب عليه أن ينفق على نفسه وأهله، كذلك على بعضه وأصله.
([7]) أي {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ} وهو الأب (رِزْقُهُنَّ) أي طعام الوالدات {وَكِسْوَتُهُنَّ} أي لباسهن {بِالْمَعْرُوفِ} أي بما جرت به عادة أمثالهن في بلدهن، على قدر الميسرة، من غير إسراف، ولا إقتار، وأول الآية: {وَالْوَالِدَاتُ} أي المطلقات (يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ) الآية، وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم «خذي من ماله ما يكفيك، وولدك بالمعروف».
([8]) لعموم الآية، سواء كانوا وارثين أو محجوبين، وفاقا للشافعي، لأن قرابتهم قرابة جزئية، وبعضية، تقتضي رد الشهادة، وتمنع جريان القصاص على الوالد بقتل الولد وإن سفل، فأوجب النفقة، كقرابة الأب الأدنى.
([9]) كأبي الأم، وأبي أم الأم.
([10]) كأم أب الأم.
([11]) وولد بنت الابن.
([12]) وكابن معسر مع ابن ابن موسر، فتجب النفقة في المثالين على الموسر ولا أثر لكونه محجوبا، لأن بينهما قرابة، توجب العتق ورد الشهادة، كما تقدم فأشبه القريب.
([13]) لقوله تعالى: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} وكذا جد مع ابن بنته.
([14]) يعني الغني، للآية والأخبار، ولأن بين المتوارثين قرابة، تقتضي كون الوارث أحق بمال الموروث من سائر الناس، فينبغي أن يختص بوجوب صلته بالنفقة دونهم، قال الشيخ: والأوجه وجوبها مرتبا، وإن كان الموسر القريب ممتنعا فينبغي أن يكون كالمعسر، كما لو كان للرجال مال، وحيل بينه وبينه، لغصب أو بعد، لكن ينبغي أن يكون الواجب هنا، القرض رجاء الاسترجاع، وعلى هذا متى وجبت عليه النفقة وجب عليه القرض، إذا كان له وفاء.
([15]) وكالأم، والجدة.
([16]) وكابن أخ، وابن عم لغير أم.
([17]) أي فلا تجب نفقته، قالوا: لعدم النص فيهم، ولأن قرابتهم ضعيفة، واختار الشيخ الوجوب، لأنه من صلة الرحم، وهو عام، وفي الاختيارات: وتجب النفقة لكل وأرث، ولو كان مقاطعا من ذوي الأرحام وغيرهم، لأنه من صلة الرحم، وهو عام، كعموم الميراث في ذوي الأرحام، وهو رواية عن أحمد.
([18]) الوارثين منهم بفرض، أو تعصيب أولا، كجد موسر مع أب فقير، فتلزم الجد الموسر، نفقة ابن ابنه المعسر.
([19]) وكبنت أخيه وبنت عمه، فإن العمة لا ترث ابن أخيها، بفرض ولا تعصيب، وهو يرثها بالتعصيب، وكذا العتيق، لا يرث مولاه، هو يرثه، فتجب النفقة على الوارث.
([20]) عند جمهور أهل العلم.
([21]) أي وعلى وارث الولد الذي لو مات الصبي وله مال ورثه مثل ما على الأب، من الإنفاق على الطفل وكسوته، وعلى والدة الطفل والقيام بحقوقها، وعدم الإضرارا بها، وهو قول جمهور العلماء، واستدلوا بهذه الآية، وقوله {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ} وغير ذلك من الأحاديث، على وجوب نفقة الأقارب، بعضهم على بعض، وقالوا: إذا لم يكن للصبي ونحوه، مال ينفق منه عليه، أجبرت ورثته.
([22]) فيدخل وجوب نفقة الطفل وكسوته، ونفقة مرضعته، على كل وارث قريب أو بعيد، كل منهم على قدر ميراثه منه، نساء كانوا أو رجالا.
([23]) وللنسائي، وصححه الحاكم من حديث طارق المحاربي «وابدأ بمن تعول، أمك وأباك وأختك وأخاك، ثم أدناك فأدناك»، وهو مفسر لما تقدم، من قوله: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ} فيجب الإنفاق بشرطه لهذه الأحاديث وغيرها.
([24]) فهو أحق من الذي هو أبعد منه.
([25]) في قوله وتجب لمن يرثه بفرض، أو تعصيب.. إلخ والمراد غير عمودي. النسب فتجب لهم وعليهم مطلقا، وتقدم.
([26]) يستغنون به عن إنفاق غيرهم عليهم.
([27]) يعني المنفق عليه في خلقة، كزمن أو حكم، كصغر وجنون.
([28]) لأنه فقير سواء كان زمنا أو صحيحا، مكلفا أو غير مكلف، من الوالدين أو غيرهما.
([29]) فإن لم يفضل عنده شيء عمن ذكر فلا شيء عليه.
([30]) ولقوله لمن قال: عندي دينار، قال: «أنفقه على نفسك» قال عندي آخر، قال: «أنفقه على زوجتك» قال: عندي آخر، قال: «أنفقه على ولدك» الحديث
([31]) التي يتجر بها، لنقص الربح بنقص رأس ماله، وربما أعنته النفقة، فيحصل له الضرر وهو ممنوع شرعا.
([32]) وفوات ما يتحصل منه قوته، وقوت زوجته ونحوها، ولما تقدم من الأخبار وثبت قوله صلى الله عليه وسلم «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول».
([33]) أي ومن قدر أن يكتسب بحيث يفضل عن كسبه ما ينفقه على قريبه، أجبر عليه، لنفقة قريبه لأن تركه مع قدرته عليه، تضييع لمن يعول، وهو منهي عنه.
([34]) أي من المنفق عليه.
([35]) وذلك: أن الله أوجب على الأب نفقة الرضاع، ثم عطف الوارث عليهن وأوجب على الوارث مثل ما أوجب على الوالد، إلا أن الأب ينفرد، كما يأتي فالصبي إذا لم يكن له والد، فنفقته على وارثيه، على قدر إرثهم.
([36]) وهذا مذهب أبي حنيفة وعنه: على الجد، والمذهب الراجح الأول، للآية ولأن الأم وارثة، فكان عليها بالنص.
([37]) وأم وبنت بينهما أرباعا، كما يرثانه فرضا وردا، وابن وبنت، بينهما أثلاثا، لأنهما يرثانه كذلك للآية فإنه رتب فيها النفقة على الإرث، فيجب أن تترتب في المقدار عليه.
([38]) لا يشركه فيها من يشركه في ميراث، إذا كان موسرا.
([39]) فدل على انفراده بالنفقة وتقدم قوله تعالى:{وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ} وقوله: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} فأوجب عليه نفقة الرضاع دون أمه، وقال الموفق: لا خلاف في هذا نعلمه، وإن ذهبت به إلى بلد آخر، فقال الشيخ: إذا تزوجت المرأة ولها ولد، فغصبت الولد، وذهبت به إلى بلد آخر، فليس لها أن تطالب الأب بنفقة الولد.
([40]) وتقدم: أن النفقة لا تجب مع الفقر، وغير الوارث لا تجب عليه للآية.
([41]) أي قوله: في عمودي النسب، سواء حجبه وارث أولا، لقوة قرابتهم.
([42]) ممن تجب نفقته عليه.
([43]) لأنه لا يتمكن من الإعفاف إلا بها، وكذا يجب عليه إعفاف من وجبت له نفقته، إذا احتاج إلى النكاح.
([44]) أي كما تجب نفقة ظئر، أي مرضعة من تجب نفقته، يعني الطفل، قولا واحدا، بإضافة ظئر، إلى من الموصولة.
([45]) أي فيجب الإنفاق على الظئر، لمدة حولين كاملين، قولا واحدا، ولا تجب بعد الحولين، لانقضاء مدة الحاجة إلى الرضاع.
([46]) ولا يجوز أن يفطم قبل الحولين، إلا بإذن أبويه، وبعدهما، إن انضر الصغير، فلا ولو رضيا، لخبر: «لا ضرر ولا ضرار»، قال ابن القيم: يجوز أن تستمر الأم على رضاعه بعد الحولين إلى نصف الثالث أو أكثره.
([47]) ولقوله: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} ولأن الولد إنما يتغذى بما يتولد في المرضعة من اللبن، فوجبت النفقة لها، لأنها في الحقيقة له.
([48]) فدلت الآية على وجوبها على الوارث، مع عدم الأب.
([49]) أي إذا كان دين القريبين مختلفا، فلا نفقة لأحدهما على الآخر، لأنه لا توارث بينهما ولا ولاية أشبه ما لو كان أحدهما رقيقا، وفي الإنصاف: لا تجب نفقة الأقارب مع اختلاف الدين، هذا المذهب مطلقا.
([50]) أي ولو كان من تلزمه نفقته، لو كان على دينه من عمودي نسبه، فلا نفقة له لعدم التوارث بينهما إذا وهو كونهما مختلفي الدين.
([51]) لثبوت إرثه من عتيقه، مع اختلاف الدين.
([52]) فتلزم الكافر لعتيقه المسلم، لإرثه منه، ومن ترك الإنفاق مدة لم يلزمه عوضها قال ابن القيم: وتسقط النفقة بمضي الزمان، عند الأكثر في نفقة الأقارب، واتفقوا عليه في نفقة العبد، والحيوان البهيم.
([53]) بلا خلاف، قالوا: ولا تجبر ولو كانت في حبال الزوج.
([54]) فدلت الآية على وجوب الاسترضاع لولده، وإذا اختلفا فقد تعاسرا.
([55]) أي للظئر، المرضعة لولده.
([56]) بتلك النفقة، فكانت النفقة للطفل، الواجب الإنفاق عليه، بالنص والإجماع.
([57]) إذا طلبت ذلك، وإن طلبت أجرة مثلها، ووجد من يتبرع برضاعه فهي أحق، سواء كانت في حبال الزوج أو مطلقة.
([58]) وهذا خبر يراد به الأمر، وهو عام في كل والدة لقوله {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} ولأنها أشفق وأحق بالحضانة، ولبنها أمرأ كما يأتي، وإن طلبت أكثر من أجرة مثلها فلا.
([59]) ويقذرها ولا ينافي ذلك أنها أحق بحضانته، إذ لا يلزمها مباشرة الخدمة بنفسها، بل تخدمه خادمتها ونحوها عندها، فلم يفتها رضاعه ولا حضانته.
([60]) وقالوا: سواء كانت في حبال الزوج أو لا، إلا أن يضطر كما يأتي.
([61]) فدلت الآية، على أن الأم إذا امتنعت من إرضاع ولدها لم تجبر، فإنهما إذا اختلفا فقد تعاسرا، وقوله: {يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ} محمول على حال الإتفاق وعدم التعاسر.
([62]) كأن لا يوجد مرضعة سواها، فيجب عليها إرضاعه.
([63]) وحال ضرورة كما لو لم يكن له أحد غيرها، وإن وجد غيرها وامتنعت وجب عليها أن تسقيه اللبن لتضرره بعدمه، بل يقال: لا يعيش إلا به.
([64]) أي سواء كان ضرورة بأن خيف على الولد، أو لم يخف عليه،وسواء كان الولد من سيدها أو من غيره، لأن نفعها لسيدها.
([65]) أي فكحرة بائن، لا تجبر على إرضاعه، فإن فعلت فلها أجر مثلها.
([66]) وقال الشيخ: لا تستحق شيئا إذا كانت تحته، وقال الشيرازي: لو استأجرها لرضاع ولده لم يجز، لأنه استحق نفعها، وكذا قال القاضي وغيره، ويأتي أيضا كلام الشيخ.
([67]) أي بلا أجرة، بأن تبرعت بإرضاعه.
([68]) كما هو معروف، ومثل به في غير ما حديث، وأحق بالحضانة.
([69]) على الولد من غيرها، فكانت أحق به من غيرها، ولأن في رضاع غيرها تفويتا لحق الأم من الحضانة، إضرارا بالولد، ولا يجوز تفويت حق الحضانة الواجب، والإضرار بالولد، لغرض إسقاط حق أوجبه الله على الأب.
([70]) فإنها تستحق أجرها بلا ريب، جزم به الشيخ وغيره، للآية، وقال الموفق: لا نعلم في عدم إجبارها إذا كانت مفارقة خلافا، اهـ وإذا كانت قليلة اللبن، فله أن يكتري مرضعة لولده، وإذا فعل ذلك، فلا فرض للمرأة بسبب الولد، ولها حضانته.
([71]) هذا المذهب، عند بعض الأصحاب.
([72]) أي فدلت الآية، على وجوب دفع أجرة رضاع أم الطفل، ولو كانت زوجة أبيه، والصواب أن هذا الأجر هو النفقة والكسوة، وقال الشيخ: إرضاع الطفل واجب على الأم، بشرط أن تكون مع الزوج، وهو قول غير واحد من السلف، ولا تستحق أجرة المثل، زيادة على نفقتها وكسوتها، وهو اختيار القاضي، وقول الحنفية لقوله {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ} الآية، ولم يوجب لهن إلا الكسوة والنفقة، وهو الواجب بالزوجية، كما قال في الحامل، فدخلت نفقة الولد في نفقة أمه،وكذا المرتضع، فتكون النفقة هنا واجبة بشيئين حتى لو سقط الوجوب بأحدهما ثبت الآخر.
([73]) أي غير أبي الطفل المرتضع.
([74]) لأنه يفوت حقه من الاستمتاع بها، في بعض الأحيان.
([75]) بأن شرطت في العقد أن لا يمنعها رضاع ولدها، فلها شرطها.
([76]) فيجب عليه التمكين من إرضاعه، لأنه حال ضرورة وحفظ نفس.
([77]) أي قريبا، وهو قوله إلا لضرورة كخوف تلفه.. إلخ، فيجب عليها إرضاعه.


  #5  
قديم 30 ربيع الثاني 1432هـ, 12:46 مساء
الصورة الرمزية أم أويس
أم أويس أم أويس غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 6,046
افتراضي الشرح الممتع على زاد المستقنع / الشيخ ابن عثيمين رحمه الله

بَابُ نَفَقَةِ الأَقَارِبِ وَالْمَمَالِيكِ وَالْبَهَائِمِ

تَجِبُ، أَوْ تَتِمَّتُهَا لأَبَوْيهِ وَإِنْ عَلَوْا، وَلِوَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ حَتَّى ذَوِي الأَرْحَامِ مِنْهُمْ،.....

هذا الباب يذكر فيه نفقة الأقارب والمماليك، وبيان السببية؛ لأنه سبق لنا أن سبب وجوب النفقة ثلاثة:
الأول: الزوجية.
الثاني: القرابة.
الثالث: الملك.
والفرق بين هذه الأسباب أن سبب الزوجية معاوضة، فالنفقة في مقابلة الاستمتاع، ولهذا لا تسقط بإعسار الزوج، ولا تسقط بمضي الزمان، بخلاف نفقة الأقارب والمماليك.
الأقارب: أصول وفروع وحواشٍ، فالأصول مَنْ تفرعت منهم من آباء وأمهات، والفروع مَنْ تفرعوا منك من أبناء وبنات، والحواشي مَنْ تفرعوا مِنْ أصولك، فيدخل فيهم الأعمام والأخوال.
قوله: «تجب» أي: تجب كل النفقة إذا كان المُنْفَق عليه لا يجد شيئاً.
قوله: «أو تتمتها» وهذا إذا كان المُنْفَق عليه يجد البعض.
قوله: «لأبويه وإن علوَا» أي: الأصول.
قوله: «ولولده وإن سفل» أي: الفروع.
واعلم أن هذا الباب كباب تحريم النكاح، لا يفرق فيه بين جهة الأبوة وجهة الأمومة، فالأصول والفروع سواء كانوا من ذوي الأرحام، أو عصبة، أو أصحاب فرض، تجب النفقة لهم لكن بشروط.
قوله: «حتى ذوي الأرحام منهم»«حتى» إشارة خلاف، وغالباً إذا قالوا: «ولو» فالخلاف قوي، وإذا قالوا: «وإن» فالخلاف وسط، وإذا قالوا: «حتى» فالخلاف ضعيف، لكن هذه غير مطَّردة.
وقوله: «ذوي الأرحام» وهم من الأصول كل ذكر بينه وبين المنفِق أنثى، أو من أدلى بهذا الذكر، فأبو الأم من ذوي الأرحام، وأم أبي الأم من ذوي الأرحام؛ لأنها أدلت بهذا الذكر، وأبو أبي الأم كذلك.
وذوو الأرحام من الفروع هم كل من بينه وبين المنفِق أنثى، فمثلاً: ابن البنت من ذوي الأرحام؛ لأن بينه وبين الميت أنثى، وكذلك بنت البنت.
فذوو الأرحام من الأصول والفروع تجب لهم النفقة، والدليل قالوا: لقوة صلتهم بالمنفق؛ لأن فروعه جزء منه، وأصوله هو جزء منهم، فهو بضعة من أصوله، وفروعه بضعة منه، وعلى هذا فابن بنتك إذا كان فقيراً وأنت غني فعليك أن تنفق عليه، فإن قلت: هو اسمه محمد بن علي آل مقبل، وأنا اسمي عبد الله بن صالح آل بسام، فنقول: لكنه ابن بنتك، والنبي صلّى الله عليه وسلّم قال في الحسن رضي الله عنه: «إن ابني هذا سيد»[(228)]، فسمَّاه ابناً.

حَجَبَهُ مُعْسِرٌ أَوْ لا، وَلِكُلِّ مَنْ يَرِثُهُ بِفَرْضٍ، أَوْ تَعْصِيبٍ لاَ بِرَحِمٍ، سِوَى عَمُودَيْ نَسَبِهِ، سَوَاءٌ وَرِثَهُ الآخَرُ، كَأَخٍ أَوْ لاَ، كَعَمَّةٍ وَعَتِيقٍ، بِمَعْرُوفٍ، مَعَ فَقْرِ مَنْ تَجِبُ لَهُ، وَعَجْزِهِ عَنْ تَكَسُّبٍ، .....
قوله: «حجبه معسرٌ أو لا»«حجبه» الضمير «الهاء» يعود على المنفق، يعني أنه لا يشترط التوارث، فحتى لو كان المنفق محجوباً بمعسر تجب النفقة.
مثاله : رجل عنده أب فقير، وجدٌّ فقير، فيجب أن ينفق على أبيه؛ لأنه ابنه ووارثه، ويجب أن ينفق على جده مع أنه لا يرثه في هذه الصورة.
وقوله: «أَوْ لا» أي: أو لم يحجبه معسر، مثاله: رجل له أبٌ رقيق، وجدٌّ حرٌّ، فهذا الأب لا يحجب الابن، بل ابن الابن يرث؛ لأن الأب رقيق لا يرث، والمحجوب بالوصف لا يَحجب، وعليه فيجب عليه الإنفاق على جده.
وكذلك لو فرض أن له جداً وليس له أب، فيجب عليه الإنفاق؛ لأنه ليس محجوباً.
قوله: «ولكل من يرثه بفرض أو تعصيب» أي: وتجب النفقة أو تتمتها لكل من يرث بفرض أو تعصيب، والورثة إما ذو فرض، أو تعصيب، أو رحم، وقد يجمع الإنسان بين الفرض والتعصيب، إمّا بسببين مختلفين، أو بسبب ذي وجهين:
مثال السببين: كما لو تزوج ابنة عمه، وليس لها عاصب سواه، فهنا يرث بالفرض باعتبار الزوجية، وبالتعصيب باعتبار النسب.
ومثال السبب الواحد ذي وجهين: كما لو مات عن أخيه من أمه وهو ابن عمه، يعني بعد أن مات أبوه تزوج عمُّه أمَّه، فأتت بولد، فهذا الولد ابن عم وأخ من أم، فإذا مات هذا الولد فيرثه بسبب واحد وهو النسب، وهو سبب ذو وجهين وهما: الفرض والتعصيب، والكلام هنا على نفقة الأقارب؛ حتى لا يقول قائل: هل تنفق الزوجة على زوجها إذا كان فقيراً؟ الجواب: لا، فكلامنا هنا على الذين تجب نفقتهم بسبب القرابة.
مثال الذي يرث بالفرض: أخوه من أمه، ومثال الذي يرث بالتعصيب: أخوه الشقيق، فإذا كان أخ من أمٍ غنياً، وأخوه فقير وجب على الغني الإنفاق على الفقير، وإذا كان أخٌ شقيق غنياً وأخوه فقير وجبت النفقة على الغني.
قوله: «لا برحم» يعني لا من يرثه برحم، أي: لا من كان من ذوي الأرحام، كالعمة بالنسبة لابن أخيها، والخالة، والخال، وما أشبه ذلك؛ فإنه لا نفقة لهم وإن ماتوا جوعاً، إلاّ على سبيل إنقاذ المعصوم من الهلاك، فخالك والرجل الذي لا صلة لك به على حد سواء، لا يجب عليك الإنفاق عليه؛ لأنه يرثه بالرحم، لا بالفرض ولا بالتعصيب، هذا المذهب.
قوله: «سوى عمودي نسبه» وهما الأصول والفروع، فهؤلاء تجب نفقتهما وإن كانوا يرثون بالرحم، فأبو الأم إذا كان غنياً وابن البنت فقيراً وجب عليه أن ينفق على ابن ابنته، كذلك العكس ابن البنت إذا كان غنياً يجب عليه أن ينفق على أبي أمه الفقير.
فيشترط أن يكون المنفِق وارثاً للمنفَق عليه بفرض أو تعصيب، إلاّ في عمودي النسب فلا يشترط، والدليل على اشتراط الإرث قوله تعالى: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ}[البقرة: 233] فلم يقل: وعلى القريب، فدل ذلك على اعتبار صفة الإرث، وأنه لا بد من أن يكون المنفِق وارثاً للمنفَق عليه، لكن إذا قلنا: إنه لا يجب الإنفاق عليهم، فليس معنى ذلك أنه لا تجب صلتهم، فالصلة شي والإنفاق شيء آخر، فلا بد من صلتهم بما يعدُّه الناس صلة بالقول والفعل والمال.
وقوله: «لا برحم» الصواب أنها تجب النفقة حتى لمن يرثه بالرحم من غير عمودي النسب؛ لعموم الآية، وما دام أن القرآن قيد الحكم بعلة موجودة في ذي الرحم، فما الذي يخرج ذلك؟! فإذا كان يرثه بالرحم فإنه يجب عليه الإنفاق عليه لدخوله في عموم قوله تعالى: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ}، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
مثاله: ابن أختٍ غني له خال فقير، وهذا الخال ليس له أحد يرثه سوى ابن أخته، فهل تجب نفقته عليه؟ أما على المذهب فلا؛ لأنه من ذوي الأرحام، وأما على القول الصحيح فإنه يجب الإنفاق عليه.
أمثلة :
الأول: رجل غني، له أخ فقير له أبناء، فهل يجب على الأخ الغني النفقة على أخيه الفقير؟ لا يجب على المذهب؛ لأن هذا الأخ الغني لا يرث أخاه الفقير، بل يحجبه أبناؤه، وكذلك لا يجب عليه الإنفاق على أبناء أخيه؛ لأنه لا يرثهم إذ يحجبه أبوهم.
الثاني: رجل غني له ابن عمٍ فقير، وليس هناك غيرهما من القرابة فتجب عليه النفقة؛ لأنه يرثه بالتعصيب.
الثالث : أخ من أم غني، وأخوه من أمه فقير، وليس ثَمَّ غيرهما فتجب عليه النفقة؛ لأنه يرثه بالفرض.
الرابع : ابن أخت غني وخاله فقير، فعلى المذهب لا يجب عليه النفقة، وأما على الراجح تجب النفقة؛ لأن كلاًّ منهما يرث الآخر.
فصارت القاعدة عندنا: أنه يشترط أن يكون المنفِق وارثاً للمنفَق عليه بفرض، أو تعصيب، أو رحم، إلاّ عمودي النسب فلا يشترط الإرث.
قوله: «سواء ورثه الآخر كأخ أو لا» أي: يجب على الوارث أن ينفِق سواء كان المنفق وارثاً أو لا؛ مثال ذلك : أخ شقيق مع أخ شقيق، فهذان الأخوان يتوارثان، فلو مات أحدهما عن الآخر لورثه، فلو وُجِد أخ شقيق غني وله أخ شقيق فقير والغني يرث أخاه، يعني ليس محجوباً بابنٍ ولا بأبٍ للأخ، فإنه يجب عليه أن ينفق عليه.
قوله: «كعمة» مثاله: ابن أخ غني، وعمة فقيرة، فهنا ابن الأخ يرثها بالتعصيب؛ لأنه ابن أخ، ولا ترثه هي بالتعصيب؛ لأنها عمة من ذوي الأرحام، فإذا وُجد ابن أخ غني وعمة فقيرة قلنا: يجب عليك أن تنفق عليها؛ لأنك ترثها، وإذا وجد عمة غنية وابن أخ فقير فإنه لا يجب عليها أن تنفق عليه؛ لأنها ترثه بالرحم، لا بفرض ولا تعصيب.
قوله: «وعتيق» العتيق يرثه المعتِق، وهو لا يرث المعتِق، كرجل عنده عبد، فأعتقه، ثم صار العبد يبيع ويشتري فأغناه الله، وكان سيده فقيراً، فهل يجب على العبد أن ينفق على سيده؟ لا؛ لأنه لا يرثه، ولو كان الأمر بالعكس، بأن افتقر العتيق، والسيد غني، فإنه يجب على السيد أن ينفق عليه؛ لأنه يرثه بالتعصيب.
قوله: «بمعروف» فالإنفاق يرجع في قدره إلى العرف؛ لقوله تعالى: {وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}[البقرة: 233] ، ثم قال سبحانه: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [البقرة: 233].
قوله: «مع فقر من تجب له» هذا هو الشرط الثاني، أن يكون من تجب له النفقة فقيراً، والفقر معناه الخلو، وهو متفق مع القفر للمكان الخالي، في الاشتقاق الأكبر؛ لأن الحروف متفقة مع اختلاف الترتيب، وهو نوعان: فقر مالٍ، وفقر عمل، ففقر المال ألا يجد مالاً، وفقر العمل ألاّ يجد كسباً، إما لكونه ضعيفاً لا يستطيع العمل، وإما لكونه لا يجد عملاً، أمَّا إن كان غنياً بماله أو بكسبه فإنه لا نفقة له؛ لأنه إن كان غنياً بماله فالمال عنده، وإن كان غنياً بكسبه فإننا نلزمه بأن يكتسب.
قوله: «وعجزه عن تكسب» هذا داخل في الفقر، وظاهر كلام المؤلف أنه لا يجب الإنفاق على قادر على التكسب حتى ولو كان التكسب بالنسبة لمثله مزرياً، فلو فرض أن إنساناً غنياً وعنده أم فقيرة تستطيع أن تخدم عند الناس وتتكسب، فجاءت إلى ابنها، وقالت: أعطني نفقة، فقال لها: لا، أنت تستطيعين التكسب، بأن تشتغلي خادمة، فهل له ذلك؟
ظاهر كلام المؤلف أنه لا يجب عليه الإنفاق عليها؛ لأنه اشترط في حاجة المنفَق عليه عجزه عن التكسب، لكن في هذا نظراً؛ لأن جميع الناس يقولون: إن مثل هذا الفعل ليس براً بالوالدة، فليس من البر بالوالدة أن تدعها تكنس عند الناس، وتخدم وتغسل ثيابهم، وتحلب مواشيهم، وأنت راكن في النعمة، هذا لا يقبله العقل السليم، فضلاً عن الصراط المستقيم!

إِذَا فَضَلَ عَنْ قُوتِ نَفْسِهِ وَزَوْجَتِهِ وَرَقِيقِهِ يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ وَكِسْوَةٍ وَسُكْنَى مِنْ حَاصِلٍ أَوْ مُتَحَصِّلٍ، لاَ مِنْ رَأْسِ مَالٍ وَثَمَنِ مُلْكٍ، وَآلَةِ صَنْعَةٍ، وَمَنْ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُ أَبٍ فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ إِرْثِهِمْ، فَعَلَى الأُمِّ الثُّلُثُ، وَالثُّلُثَانِ عَلَى الْجَدِّ، ....................................
قوله: «إذا فضل عن قوت نفسه، وزوجته، ورقيقه يومه وليلته» هذا الشرط الثالث، وهو أن يكون المنفِق غنياً، والغنى يختلف باختلاف الأبواب، فالغني في باب الزكاة من ملك نصاباً، والغني هنا يقول المؤلف:
«إذا فضل عن قوت نفسه، وزوجته، ورقيقه، يومه وليلته» «نفسه» أي: المنفِق، «وزوجتِه» أي: زوجة المنفِق؛ لأنها من حاجاته، ولا بد أن تبقى عنده، و «رقيقه» أي: الرقيق الذي يستخدمه؛ لأن رقيقه الذي في البيت لخدمته لا يستغنى عنه، فإذا كان عنده ما يزيد على قوت نفسه وزوجته ورقيقه يومه وليله، فإنه يجب عليه أن ينفقه على قريبه؛ لأنه زائد.
قوله: «وكسوة، وسكنى» فلا بد أن يكون عنده فاضل عن كسوة نفسه، وزوجته، ورقيقه، وسكنى نفسه، وزوجته، ورقيقه. لكن من أين يكون هذا الفاضل؟ قال المؤلف:
«من حاصل» أي: شيء في يده الآن.

قوله: «متحصل» أي: يحصله بالصنعة، والحرفة، وما أشبه ذلك، مثاله : رجل يحترف ويكتسب ما يكفيه هو وزوجته، ورقيقه يومه وليلته، فعليه أن ينفق الفاضل.
قوله: «لا من رأس مال» المراد برأس المال هنا رأس المال الذي يحتاج إليه في التكسب لمعاشه، كرجل عنده عشرة آلاف ريال يكتسب بها ببيع وشراء، لكن نماؤها وربحها الذي يحصله يكفيه لقوته، وزوجته، ورقيقه يومه وليلته فقط، فهل لقريبه أن يطالبه بأن ينفق عليه من هذه عشرة الآلاف؟ الجواب: ليس له ذلك؛ لأنه سيقول: إذا أعطيته من رأس مالي نقص ربحي، وإذا نقص ربحي نقصت كفايتي فيحصل ضرر، والضرر لا يزال بالضرر.
قوله: «وثمن ملك» الملك يشمل الملك الذي يسكنه، فلو قال له قريبه: أنت عندك بيت، بِعْه وأنفق علي واستأجر لنفسك، فنقول: لا يلزمه؛ لأنه محتاج إلى هذا الملك، وكذلك لو كان شخص ليس عنده رأس مال لكن عنده ملك يُدِرُّ عليه، إما مزرعة، وإما بيت يؤجره فيكفي قوته وقوت زوجته ورقيقه، فهل نقول: بعِ الملك وأنفق على القريب؟ لا.
أو رجل عنده سيارة فخمة فقال له قريبه: بِعْها واشترِ سيارة قديمة، فهل نلزمه بذلك؟ لا، لاسيما إذا كان هذا الرجل ممن جرت عادته بركوب مثل هذه السيارة الفخمة.
والحاصل أن كل ما يحتاجه الإنسان لنفسه فلا يلزم ببيعه.
قوله: «وآلة صنعة» كرجل صانع، عنده مكينة يشتغل فيها، نجارة أو حدادة، أو ما أشبه ذلك، فقال له قريبه: بعها وأنفق عليَّ، فهل يبيعها؟ لا؛ لأن هذا يضرُّه، والدليل على هذا كله قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا ضرر ولا ضرار» [(229)]، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «ابدأ بنفسك» [(230)]، وهذا من حاجات نفسه.
قوله: «ومن له وارث غير أب فنفقته عليهم على قدر إرثهم» هذا إنما ينطبق على غير الأصول والفروع؛ لأن الأصول والفروع لا يشترط فيهم الإرث، فإذا وُجد أب أو جد أو ابن أو ابن ابن غني وجب عليه أن ينفق على أصله وفرعه بكل حال، لكن من له وارث غير أب فنفقته عليهم على قدر إرثهم؛لأن الله ـ تعالى ـ علق وجوب النفقة بالإرث، والحكم يدور مع علته، فبقدر الإرث يُلزم بالنفقة.
قوله: «فعلى الأم الثلث والثلثان على الجد» مثال ذلك: رجل فقير له أم موسرة، وجدٌّ موسر، فهنا يكون على الأم الثلث، وعلى الجد الباقي، وهو الثلثان؛ لأنه لو مات ميت عن أمه وجدِّه من قِبل أبيه لورثاه كذلك، وكيف ينفقان؟ نقول: إمَّا أن تنفق هي يوماً والجد يومين، وإما أن يجتمعا مدى الدهر، فتسلم هي عشرة، وهو عشرين على حسب ما يكون أصلح وأنفع للمنفق عليه.
وقوله: «الجد» أي: الجد من أب، احترازاً من الجد من أم؛ لأنه لو كان له أم وجدٌّ من قبلها، أي: أبوها، وكلاهما غني، والولد فقير، فالنفقة هنا على الأم وحدها؛ لأنها هي التي ترثه فقط فرضاً وردّاً، أما أبو الأم فلا يرث شيئاً في هذه الصورة، فلا نفقة عليه.
ولو كانت الأم فقيرة وأبوها غنياً، فهل يجب عليه النفقة؟ نعم؛ لأن الأصول والفروع لا يشترط فيهما التوارث.

وَعَلَى الْجَدَّةِ السُّدُسُ، وَالْبَاقِي عَلَى الأَخِ، وَالأَبُ يَنْفَرِدُ بِنَفَقَةِ وَلَدِهِ، وَمَنْ لَهُ ابْنٌ فَقِيرٌ وَأَخٌ مُوسِرٌ فَلاَ نَفَقَةَ لَهُ عَلَيْهِمَا، وَمَنْ أُمُّهُ فَقِيرَةٌ، وَجَدَّتُهُ مُوسِرَةٌ، فَنَفَقَتُهُ عَلَى الْجَدَّةِ، وَمَنْ عَلَيْهِ نَفَقَةُ زَيْدٍ فَعَلَيْهِ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ كَظِئْرٍ لِحَوْلَيْنِ،............................
قوله: «وعلى الجدة السدس والباقي على الأخ» لأنه مبني على الميراث، فلو هلك هالك عن جدة وأخ شقيق، فللجدة السدس والباقي للأخ، فنقول: على الجدة السدس، والباقي على الأخ.
ولو كان أخ لأم وجدة فعليهما الإنفاق بالسوية؛ لأن الأخ لأم يرث السدس، واحداً، وترث الجدة السدس، واحداً، فتكون المسألة من ستة ثم ترد إلى اثنين.
وقال بعض أصحابنا في هذه المسألة: لا يجب على الأخ لأم إلاّ السدس؛ لأنه لا يرث بالفرض إلاّ السدس، والرد ليس إرثاً بالفرض بل هو بالرد، وتكون خمسة الأسداس على الجدة؛ لأن الأصول لا يشترط فيهم التوارث، وأنا أتوقف في هذه المسألة لأن لكل منهما وجهاً.
قوله: «والأب ينفرد بنفقة ولده» المراد بالأب هنا الأب الأدنى، وليس المراد به الجد، فإذا وجد أم غنية وأب غني، ولهما ولد فالنفقة تكون على الأب، والدليل قوله تعالى: {وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُرِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}[البقرة: 233] ولم يجعل على الأم شيئاً، وقوله صلّى الله عليه وسلّم لهند رضي الله عنها: «خذي ما يكفيك ويكفي بنيك بالمعروف» [(231)]، فدل القرآن والسنة على أن الأب ينفرد بنفقة الولد.
ولكن هاهنا مسألة: لو كان رجل فقير، وله أب غني وابن غني، فهل ينفرد الأب بالنفقة؟ أو نقول: إنها على الابن، أو نقول: إن على الأب السدس والباقي على الابن؛ لأنهما يرثان كذلك؟
أمَّا المذهب فظاهر كلامهم في هذه الصورة أن النفقة على الأب، لعموم قوله تعالى:{وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}.
والقول الثاني: اختاره ابن عقيل من أصحابنا، أن النفقة على الابن.
والقول الثالث : أن على الأب السدس، والباقي على الابن.
ويمكن أن نجيب على القول الأول بأن الآية في الرضيع، والرضيع ليس له ولد، والله ـ تعالى ـ يقول في الرضيع: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ}{وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ}، فالآية ليست شاملة، إنما هي حكم في صورة معيَّنة، وهي أمٌّ ترضع طفلاً لشخص، فعليه أن ينفق عليه، أما الصورة التي ذكرناها فلا تدخل في الآية.
والراجح في المسألة أن يقال: إنها تجب على الابن فقط؛ وذلك لأن الابن مأمورٌ بِبِرِّ أبيه أكثر من أمر الأب ببرِّ ابنه؛ ولأن النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إن أطيب ما أكلتم من كسبكم،وإن أولادكم من كسبكم»[(232)]، ويقول: «أنت ومالك لأبيك»[(233)]، ويقول في فاطمة رضي الله عنها: «إنها بضعة مني»[(234)]، فالإنسان جزء من أبيه.
فإن قلت: الآية تقول: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ}، فلماذا لا تعلِّقها بحسب الإرث؟ قلنا: إن هذا في إرضاع الطفل لا في النفقة.
قوله: «ومن له ابن فقير وأخ موسر فلا نفقة له عليهما» لا نفقة له على الأخ؛ لأن الأخ لا يرثه؛ لأنه محجوب بالابن، ولا نفقة على الابن؛ لأنه فقير، فإن قال الابن لعمِّه: أنفق عليَّ، فهل له ذلك؟ لا؛ لأن العم لا يرثه بل هو محجوب بالأب، وهذا بناءً على القاعدة التي أصَّلها المؤلف بأنه يشترط في غير الأصول والفروع أن يكون المنفِق وارثاً للمنفَق عليه بفرض أو تعصيب.
قوله: «ومن أمه فقيرة وجدته موسرة فنفقته على الجدة» لأنها غنية، وإن كانت غير وارثة؛ لأن الأصول والفروع لا يشترط فيهم التوارث، فإن كان له أم فقيرة وأم أب غنية، فتجب النفقة على أم الأب.
ومثله لو كان له جدة غنية وأب فقير، فتجب النفقة على الجدة وإن كانت لا ترثه؛ لأن نفقة الأصول والفروع لا يشترط فيها التوارث.
قوله: «ومن عليه نفقة زيد فعليه نفقة زوجته» لأن نفقة زوجته من الإنفاق عليه؛ لأن الزوجة إذا لم تجد النفقة فستقول لزوجها: أنفق، أو طلِّق، فإن قال: ما عندي شيء، نقول: يجب على من تلزمه نفقتك أن ينفق على زوجتك.
وهل يلزمه أن يزوِّجه؟ نعم؛ لأن الزواج من النفقة؛ ولهذا جاز أن نعطي الإنسان من الزكاة إذا كان محتاجاً إلى زواج، فإن زَوَّجَهُ امرأة، وقال: لا تكفيني واحدة، فهل يزوِّجه الثانية؟ نعم، فإن قال: لا تكفي، فثالثة، فإن قال: لا تكفي فرابعة.
قوله: «كظئر لحولين» الظئر المرضِع، أي: كما يجب الإنفاق على الظئر لمدة حولين.
مثاله : رجل غني له أخ رضيع، وليس عند الرضيع مال، وهو يحتاج إلى مرضع، فيجب على الأخ الغني الإنفاق على هذا المرضع، بأن يدفع أجرة رضاعته، لكن قال المؤلف: «لحولين» .
وظاهر كلام المؤلف ولو احتاج الرضيع إلى أكثر، ودليله قوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}[البقرة: 233] .
والصحيح في هذه المسألة أن يقال: كظئر لحاجة الطفل، لا لحولين؛ لأن بعض الأطفال لا يكفيه الرضاع لمدة الحولين، وبعضهم يكفيه الرضاع لمدة حول ونصف، فيختلفون، فالصواب أن الحكم هنا منوط بحاجة الرضيع، فما دام الرضيع محتاجاً إلى ظئرٍ وجب على من تلزمه نفقته أن ينفق على هذا الطفل، إما بأجرة أو بإنفاق.

وَلاَ نَفَقَةَ مَعَ اخْتِلاَفِ دِينٍ إِلاَّ بِالْوَلاَءِ، وَعلَى الأَبِ أنْ يَسْتَرْضِعَ لِوَلَدِهِ وَيُؤَدِّيَ الأُجْرَةَ، وَلاَ يَمْنَعُ أُمَّهُ إِرْضَاعَهُ، وَلاَ يَلْزَمُهَا إِلاَّ لِضَرُورَةٍ كَخَوْفِ تَلَفِهِ، وَلَهَا طَلَبُ أُجْرَةِ المِثْلِ، وَلَوْ أَرضَعَهُ غَيْرُهَا مَجَّاناً، بَائِناً كَانَتْ أَوْ تَحْتَهُ، وَإِنْ تَزَوَّجَتْ آخَرَ فَلَهُ مَنْعُهَا مِنْ إِرْضَاعِ وَلَدِ الأَوَّلِ مَا لَمْ يُضْطرَّ إِلَيْهَا.
قوله: «ولا نفقة» «لا» نافية للجنس «نفقة» اسمها، وخبرها محذوف، والتقدير: «لا نفقة واجبةٌ».
قوله: «مع اختلاف دين» مثل أن يكون أحدهما كافراً والثاني مؤمناً، أو أن يكون أحدهما يهودياً والآخر نصرانياً فإنه لا نفقة؛ لفقد الموالاة والمناصرة بين المسلمين والكافرين؛ لأنه لا يجوز أن يكون المسلم ولياً للكافر، والكافر لن يكون ولياً للمسلم، وربما يستدل له بقوله تعالى: {أَنْ تَوَلَّوْهُمْ}[الممتحنة: 9]، فالإنفاق عليهم لا شك أنه من الولاية، وهذه المسألة مختلف فيها بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: إنه لا نفقة لانقطاع الموالاة والمناصرة، ولعدم التوارث أيضاً، فإنه لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم.
ومنهم من قال: إنها تجب لعموم قوله تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ}[الإسراء: 26] ، ولقوله في الوالدين المشركين: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}[لقمان: 15] والصحيح أنها لا تجب، ولكن تجب الصلة، والصلة شيء غير الإنفاق؛ لأن الصلة تحصل بما عدَّه الناس صلة، ولو بالهدايا وما أشبهها، وأما الإنفاق فإنه يلتزم بجميع مؤونة المنفَق عليه.
وقال بعض العلماء: إن اتفاق الدين شرط إلاّ في الأصول والفروع فإنه ليس بشرط، واستدلوا بالآية التي أشرنا إليها {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}، ولأن قوة الصلة بين الأصول والفروع أقوى من صلة الحواشي بعضهم مع بعض، ولكن الأقرب ما ذكره المؤلف أنه لا نفقة مع اختلاف الدين، وأما الصلة بحسب ما تقتضيه تلك القرابة فإنها واجبة.
قوله: «إلاّ بالولاء» هذا الاستثناء هل هو متصل أم منقطع؟ منقطع؛ لأننا نتكلم عن نفقة الأقارب، والولاء ليس من القرابة، بل سبب مستقل، وقد يقول قائل: إن عموم قول المؤلف: «ولكل من يرثه بفرض أو تعصيب» يشمل من يرثه بالقرابة والولاء، وحينئذٍ يكون الاستثناء متصلاً، وسواءٌ كان الاستثناء متصلاً أو منفصلاً، فإن اختلاف الدين لا يمنع من وجوب النفقة إذا كان سببها الولاء.
مثاله : أعتق رجلٌ عبداً له، ثم افتقر العبد، وكان العبد نصرانياً، فهل يجب على سيده أن ينفق عليه؟ على المذهب يجب؛ وعلة ذلك قالوا: إنه لا ينقطع التوارث باختلاف الدين في الولاء، وقد سبق أن هذا القول ضعيفٌ جداً، وأن اختلاف الدين حتى في الولاء يمنع من التوارث، واستدلالهم بعموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الولاء لمن أعتق»[(235)]، يمكن أن نقول أيضاً: وقد قال تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ}[النساء: 11] ، وقال سبحانه: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ}[النساء: 176] وما أشبه ذلك، فإذا استدلوا بعموم: «إنما الولاء لمن أعتق» استدللنا عليهم بعموم الميراث بالقرابة.
والصواب: أن العمومين، عموم الولاء، وعموم القرابة مخصوصان بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم»[(236)]، وإذا كانوا هم مقرين أن الميراث بالولاء متأخر عن الميراث بالنسب، فلماذا يجعل أقوى منه في هذه المسألة؟! فهذا من التناقض أن نجعل الأدنى أقوى من الأعلى، فالصواب أنه مع اختلاف الدين لا نفقة لا بالولاء ولا بالقرابة، وأن اشتراط اتفاق الدين لا يستثنى منه شيء، فتكون شروط النفقة أربعة: اثنان لا استثناء فيهما، واثنان فيهما استثناء، وهي:
الأول: غنى المنفِق.
الثاني: حاجة المنفَق عليه.
الثالث: اتفاق الدين، إلاّ في الولاء.
الرابع: أن يكون المنفِق وارثاً للمنفَق عليه بفرض أو تعصيب، إلاّ في عمودي النسب.
وسبق أن الراجح أن يكون المنفِق وارثاً للمنفَق عليه بفرض، أو تعصيب، أو رحم.
قوله: «وعلى الأب» «على» تفيد الوجوب كما قال علماء أصول الفقه: إن «على» ظاهرة في الوجوب، وليست نصاً صريحاً فيه، فإذا قيل: عليك أن تفعل، فمعناه أنه واجب.
قوله: «أن يسترضع لولده» والدليل قوله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}[الطلاق: 6] ، فالأب عليه أن يسترضع لولده؛ ووجه الدلالة من الآية أن الله جعل إرضاعهن لأب الولد فقال: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} إذاً فهُنَّ قائمات عنهم بواجب، ومن جهة التعليل؛ لأن الإنفاق على الطفل يجب على أبيه: {وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}[البقرة: 233] .
وقوله: «لولده» يشمل الذكر والأنثى؛ لأن «ولد» تشمل الذكر والأنثى.
قوله: «ويؤدي الأجرة» لأن الأجرة هي نفقة الأولاد، والدليل على ذلك أن الأم يزيد لبنها بالتغذي بهذا الرزق الذي يعطيها المولود له، وظاهر كلام المؤلف أن عليه أن يؤدي الأجرة سواء كانت الأم معه، أو بائناً منه، فإذا طلبت الأم من زوجها أن يؤدي الأجرة عن إرضاع الولد، ولو كانت تحته، فعليه أن يؤدي الأجرة، نأخذ ذلك من قول المؤلف: «وعلى الأب أن يسترضع لولده» ولم يقيده بما إذا كانت الأم بائناً، والدليل على ذلك عموم قوله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}، وهذا الذي ذهب إليه المؤلف هو المشهور من المذهب، وأن الأجرة حق لها.
واختار شيخ الإسلام: أنه إذا كانت المرأة تحت الزوج فليس لها إلاّ الإنفاق فقط، وليس لها طلب الأجرة، وما قاله الشيخ أصح؛ لأن الله قال: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}[الطلاق: 6] وهذا في المطلقات، والمطلقة ليست مع الزوج، وأما التي مع زوجها فقال تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}[البقرة: 233] فإن قلت: إذا كانت زوجة فعلى الزوج النفقة والكسوة بالزوجية، سواء أرضعت أم لم ترضع؟ قلنا: لا مانع من أن يكون للإنفاق سببان، فإذا تخلف أحدهما بقي الآخر، فلو كانت الزوجة في هذه الحال ناشزاً، فليس لها الإنفاق بمقتضى الزوجية، لكن بمقتضى الإرضاع لها نفقة، ومن المعلوم أنك لو استقرأت أحوال الناس من عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم إلى اليوم ما وجدت امرأة من النساء تطالب زوجها بأجرة إرضاع الولد، وهذا هو القول الصحيح.
قوله: «ولا يمنع أمه إرضاعه» قوله: «ولا يمنع» يجوز الرفع على الاستئناف، ويجوز النصب عطفاً على قوله: «أن يسترضع» وعلى هذا التقدير يكون المعنى وعليه ألاّ يمنع أمه إرضاعه، وعلى كلِّ حال فإن الزوج لا يمنع الأم إرضاع الولد؛ لأن لبن الأم أنفع للولد من لبن غيره، ولأن الأم إذا أرضعت الطفل حنَّت عليه وألفها، وهو مأمور أن يبرَّها، فإذا لم ترضعه لم يحصل ذلك.
وقوله: «لا يمنع أمه إرضاعه» لا ينبغي أن يكون على الإطلاق، بل إذا كان في الأم مرض يخشى من تعديه إلى الولد، فإنه في هذه الحال يجب عليه أن يمنعها، كأن يكون في ثدييها جروح، لو رضع منهما لتأثر، ومثل أن يطرأ عليها مرض معدٍ كالسل ونحوه فإن عليه أن يمنعها من إرضاعه.
قوله: «ولا يلزمها إلاّ لضرورة كخوف تلفه» أي: أن الأم لا يلزمها إرضاع الولد إلاّ لضرورة.
وظاهر كلام المؤلف: أن الضرورة تنحصر بخوف التلف، وأما خوف الضرر فليس بضرورة، والصواب أن الضرورة لا تنحصر بخوف التلف، بل إما بخوف التلف أو بخوف الضرر.
مثال خوف التلف : لو لم نجد مرضعة، أو وجدناها ولكن الطفل لم يقبل ثديها.
مثال خوف الضرر : أن نجد مرضعة ويقبلها الصبي، لكن لبنها قليل يعيش به الولد لكنه لا يكفيه، فهنا يلزم الأم أن ترضعه.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا يلزمها سواء كانت في عصمة الزوج أو بائناً منه.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: بل إذا كانت في عصمة الزوج فيجب عليها أن ترضعه، وما قاله الشيخ أصح، إلاّ إذا تراضت هي والوالد بأن يرضعه غيرها فلا حرج، أما إذا قال الزوج: لا يرضعه إلاّ أنت فإنه يلزمها، حتى وإن وجدنا من يرضعه، أو وجدنا له لبناً صناعياً يمكنه أن يتغذى به، وقال الزوج: لا بد أن ترضعيه فإنه يلزمها؛ لأن الزوج متكفل بالنفقة، والنفقة كما ذكرنا في مقابل الزوجية والرضاع.
ولو قال الزوج: أنا أحب أن أرضع ابني من اللبن الصناعي؛ لأنه أبعد عن الأمراض وشبهها، وقالت الزوجة: بل أنا سأرضعه، فالحق هنا للزوجة، وليس للزوج أن يمنعها.
قوله: «ولها طلب أجرة المثل» «ولها» الضمير يعود على الأم، فأفادنا المؤلف رحمه الله أن لها أن تطلب أجرة المثل، سواء كانت مع الزوج أو لا، وسواء كان الولد ولدها أو ولد غيرها.
أما إذا كانت في غير حبال الزوج فهو ظاهر القرآن؛ لقوله: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}، أما إذا كانت مع الزوج، فإنه تقدم أن اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا أجرة لها؛ ولأن لها على زوجها النفقة، وهي قائمة مقام الأجرة.
وقوله: «أجرة المثل» ظاهره أنه ليس لها أن تطلب أكثر من أجرة المثل، فما الدليل وهي حرة، وهذا عقد، إن شاءت طلبت أجرة المثل، وإن شاءت طلبت أكثر، وإن شاءت طلبت دون ذلك؟ ربما يستدل لذلك بقوله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}، ولم يقل: ما طلبنه، فما جرت العادة بأنه أجرها فتعطى إياه، وما كان زائداً فليس لها الحق في طلبه، فإذا طلبت أجرة المثل ألزم الزوج بدفعها، وإن طلبت أكثر وطالب هو بأجرة المثل، فإنه لا يلزمه حينئذٍ أن يدفع أكثر من أجرة المثل، وعلى هذا يتنزَّل قوله تعالى: {وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى}[الطلاق: 6]فإن طلبت دون أجرة المثل وأبى هو إلاّ أجرة المثل، فلا يلزم الزوج قبول التنازل؛ لأنه سيكون فيه مِنَّة عليه ولو في المستقبل، فربما في يوم من الأيام تقول: نعم هذا جزائي، الناس يرضعون بمائة ريال وأنا أرضعت بثمانين ريالاً.
قوله: «ولو أرضعه غيرها مجاناً» أي: أن أم الطفل، سواء قلنا: إنها في حباله على المذهب، أو إنها مطلقة على القول الراجح، إذا وجدنا من يرضعه مجاناً وأبت هي إلا بأجرة المثل، فهنا يجبر الزوج بأن ترضعه أمه ويدفع لها الأجرة؛ وعلة ذلك أن لبن الأم أنفع من لبن غيرها، ولأن حنوَّ الأم على ولدها أشد، ولأنه إذا ارتضع منها فإنه يألفها ويحبها، وكل هذه مصالح مقصودة للشرع.
قوله: «بائناً كانت أو تحته» «بائناً» خبر «لكانت» واسمها مستتر، أي سواء كانت في حبال الزوج أو تحته، وعبر المؤلف بقوله: «بائناً» دون قوله: مطلقة؛ لأن المطلقة الرجعية في حكم الزوجات،والبائن هي من كانت في عدة لا رجعة فيها، أو من انتهت عدتها.
وسبق أن شيخ الإسلام رحمه الله يخالف في هذه المسألة، ويقول: إنها إذا كانت تحته فليس لها أجرة.
قوله: «وإن تزوجت آخر فله منعها من إرضاع ولد الأول» مثاله : امرأة طلقها زوجها وهي حامل فوضعت، وبعد انتهاء العدة تزوجت بآخر، وهي ترضع ولدها من الزوج الأول، فللزوج الثاني أن يمنعها من إرضاع الولد؛ لأنها إذا اشتغلت بإرضاعه اشتغلت عن حقوق الزوج الثاني، فهو يقول: أنا لا أريد أن تشتغل بهذا الطفل الذي ليس مني عن حقوقي، فله الحق في منعها إلا في حال ذكرها المؤلف، وحال لم يذكرها، الحال التي ذكرها قال:
«ما لم يضطر إليها» أصل يضطر ـ يضترَّ ـ فقلبت التاء طاءً، فصارت يضطر، فإن اضطر إليها بحيث لم يقبل ثدي غيرها، أو لم يوجد من يرضعه فليس للزوج الثاني أن يمنع؛ لأن هذا من باب إنقاذ المعصوم من الهلكة، وهو أمر واجب.
الحال الثانية: إذا اشترطته عليه عند العقد قالت: أشترط عليك أن أرضع ابني من زوجي الأول، فليس له منعها؛ لأن ذلك شُرِط عليه، وقد قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}[المائدة: 1] فأمر الله بالوفاء بالعقد، والوفاء بالعقد يشمل الوفاء بأصل العقد، والوفاء بصفة العقد، والشروط في العقود صفات فيها، والدليل الآخر: قوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً}[الإسراء: 34] والشروط عهد؛ لأن المشروط عليه متعهد بهذا الشرط، ودليله من السنة قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج»[(237)]، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «المسلمون على شروطهم إلاّ شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً»[(238)]، فإذا كانت هذه الزوجة قد اشترطت على الزوج الثاني أن ترضع ولدها من الزوج الأول فليس للزوج الثاني أن يمنع.
تنبيه: هل نقول: «اضطَّر» أو «اضطُّر» ؟
الصواب بالضم اضطُّر، وقول بعض الطلبة: «اضطَّر إلى أكل الميتة» خطأ؛ لأن اضطَّر يعني اضطر غيره، أي: ألجأ غيره إلى كذا وكذا، لكن «اضطُّر» هو مُلجأ إلى هذا الشيء.


[228] أخرجه البخاري في الصلح/ باب قول النبي صلّى الله عليه وسلّم للحسن بن علي رضي الله عنهما: «ابني هذا سيد...» (2704) عن أبي موسى رضي الله عنه.
[229] سبق تخريجه ص(233).
[230] أخرجه مسلم في الزكاة/ باب الابتداء بالنفقة بالنفس (997) عن جابر رضي الله عنه.
[231] سبق تخريجه ص(495).
[232] أخرجه الإمام أحمد (6/41)، وابن ماجه في التجارات/ باب ما للرجل من مال ولده (2290)، والترمذي في الأحكام/ باب ما جاء أن الوالد يأخذ من مال ولده (1358)، والنسائي في البيوع/ باب الحث على الكسب (4450) (7/240) عن عائشة رضي الله عنها، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن حبان (4261)، وانظر: التلخيص (1665)، والإرواء (1626).
[233] أخرجه ابن ماجه في التجارات/ باب ما للرجل من مال ولده (2291) عن جابر رضي الله عنه، وصححه البوصيري على شرط البخاري، وصححه ابن حبان (410) إحسان عن عائشة رضي الله عنها، وأخرجه الإمام أحمد (2/179، 204، 214)، وأبو داود في البيوع/ باب الرجل يأكل من مال ولده (3530)، وابن ماجه في التجارات/ باب ما للرجل من مال ولده (2292)، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وحسن إسناده في الإرواء (3/325).

[234] أخرجه البخاري في المناقب/ باب مناقب قرابة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم... (3714)، ومسلم في الفضائل/ باب من فضائل فاطمة بنت النبي صلّى الله عليه وسلّم (2449) عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه.
[235] أخرجه البخاري في البيوع/ باب إذا اشترط في البيع شروطاً لا تحل (2168)، ومسلم في العتق/ باب بيان أن الولاء لمن أعتق (1504) (8) عن عائشة رضي الله عنها.
[236] سبق تخريجه ص(204).
[237] أخرجه البخاري في الشروط/ باب الشروط في المهر عند عقدة النكاح (2721) بلفظ: «أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج»، ومسلم في النكاح/ باب الوفاء بالشروط في النكاح (1418) عن عقبة بن عامر رضي الله عنه.
[238] سبق تخريجه ص(124).


موضوع مغلق

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الأقارب, نفقة

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

RSS RSS 2.0 XML MAP HTML

الساعة الآن 11:27 مساء


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd.