دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > برنامج إعداد المفسر > إدارة برنامج إعداد المفسر > الدعوة بالقرآن

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 18 ذو الحجة 1443هـ/17-07-2022م, 07:37 PM
ضحى الحقيل ضحى الحقيل غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - الامتياز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2015
المشاركات: 663
افتراضي وشاورهم في الأمر

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي وسعت رحمته كل شيء، الحمد لله الذي هو أرحم بعباده من الأم بولدها، الحمد لله الذي جعل الرحمة مئة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين، وأنزل في الأرض جزءا واحدا، فمن ذلك الجزء ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، الذي هو بالمؤمنين رؤوف رحيم، صاحب الخلق العظيم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال تعالى:
{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)}


آية تتراءى لي كثيرا كلما رأيت فظاظة رئيس على مرؤوسيه، أو استئثار قائد برأيه، وتلوح على وجهي ابتسامة صفراء.. سبحان الله أأعجبتك نفسك أن من الله عليك بتولي شيء من أمور المسلمين!!
وأي شيء يقع ما تتحمله في مقابل ما تحمله الحبيب صلى الله عليه وسلم!! أن جعلك الله مديرا لعشرة أو عشرين أو مئة أو مئتين صرت ترى من حقك أن تجفو وتغلظ القول وتخلط الحزم بالظلم!! وتحقر الآراء وتستأثر بالقرارات!!
مسكين أنت يا ابن آدم .. لا يزال الشيطان يفتح عليك أبوابا من الفتن حتى يحقق فيك مراده
أين أنت عن كتاب ربك ؟؟ لم لا تقرأه بقلبك؟؟ أين أنت عن قوله تعالى: {فبما رحمة من الله لنت لهم}
اللين للأتباع لم يكن يوما عيبا أو منقصة، بل هو عين الكمال، أين أنت عن قوله {وشاورهم} ؟؟
أتظن أن الشورى ضعف!!
آية يذوب لها القلب حبا وإجلالا كلما مرت عليه، فسبحان من أودعها من الموعظة ما لو وزع على قادة الأرض لكفاهم ولكن أين القلوب المستبصرة!!


{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ}.
أي أنك يا محمد لنت لهم برحمة الله و"ما" لتأكيد المعنى.
والرحمة:
تشمل النبي صلى الله عليه وسلم الذي حلاه الله بأجمل الأوصاف، وبعثه ليتمم محاسن الأخلاق،.
وتشمل المؤمنين الذين لين الله لهم نبيه ليكون أدعى لهم للثبات على الدين.

فأيّ شيءٍ غير رحمة الله لينت قلب النبي ؟؟.

{وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}
الفظّ: الغليظ، والمراد به هاهنا غليظ الكلام؛ لقوله بعد ذلك: {غليظ القلب}
أي: لو كنت سيّئ الكلام قاسي القلب عليهم لانفضّوا عنك وتركوك، ولكنّ اللّه جمعهم عليك، وألان جانبك لهم تأليفًا لقلوبهم.

{فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}
أوامر فيها تدرج بديع
{اعْفُ عَنْهُمْ} مالك من حقوق خاصة.
{وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ} ما اقترفوا في حق الخالق.
فإذا بلغوا هذه الدرجة كانوا أهلا للاستشارة في الأمور"
والشورى من العبادات التي يتقرب بها إلى الله، ولا تكون إلا في أمور الدنيا أما الحلال والحرام فليس لأحد أن يستشير فيها، وفيها تطييب للخواطر، وتنشيط للمستشارين وتطمين لهم أن القائد يبحث عن المصلحة وليس بمستبد، والمشاور لا يكاد يخطئ في فعله، وإن أخطأ أو لم يتم له مطلوب، فليس بملوم.



{فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}
فإذا تواردت آراء أهل الشورى على اختلافها، ونظر المستشير فيها واختار منها، وأرشده الله تعالى إلى ما شاء منها، عزم عليها وأنفذها متوكلا على الله، معتمدا عليه، متبرئا من حوله وقوته، وهذا غاية الاجتهاد المطلوب منه.
والتوكل على الله تعالى فرض مقترن بالجد والتشمير قال عليه السلام: اعقلها وتوكل.

كل هذه المعاني العظيمة تتجلى في الآية إذا نظرنا لها مجردة عن السياق، فإذا عدنا لسياقها ومناسبتها للآيات تبين لنا المزيد من العظمة في معانيها ومدلولاتها
قال ابن عطية:
"وكأن الآية نزلت مؤنسة للمؤمنين، إذ كان تغلبهم على الرأي في قصة- أحد- يقتضي أن يعاقبوا بأن لا يشاوروا في المستأنف"
ويبحر سيد قطب في هذا المعنى بقلمه السيال ليسلط الضوء على ما لا يخطر ببال المتعجل من سحر المعاني فيقول:
"ونجد أصل النظام الذي تقوم عليه الحياة الجماعية الإسلامية- وهو الشورى- يؤمر به في الموضع الذي كان للشورى- في ظاهر الأمر- نتائج مريرة!
ونجد مع مبدأ الشورى مبدأ الحزم والمضي- بعد الشورى- في مضاء وحسم.
ونجد حقيقة التوكل على الله- إلى جانب الشورى والمضاء- حيث تتكامل الأسس التصويرية والحركية والتنظيمية".

ويقلب النظر في آية جاءت لتطيب قلب الحبيب بعد أن تحمس أتباعه للخروج الذي كان لا يفضله.
ثم اضطربت صفوفهم..
فرجع ثلث الجيش قبل المعركة...
وخالف البعض أمره، وضعف أمام إغراء الغنيمة..
ووهنوا أمام إشاعة مقتله، وانقلبوا على أعقابهم مهزومين..
وتركوه في النفر القليل، يثخن بالجراح وهو صامد يدعوهم في أخراهم، وهم لا يلوون على أحد..
تأتي الآية لتستجيش كوامن الرحمة في قلبه- صلى الله عليه وسلم- فتغلب على ما آثاره تصرفهم فيه
وتدعوه ليعفو عنهم، ويستغفر لهم.. ويشاورهم في الأمر كما كان يشاورهم غير متأثر بنتائج الموقف..

{وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}..
نص قاطع لا يدع للأمة المسلمة شكاً في أن الشورى مبدأ أساسي
جاء هذا النص..
عقب وقوع نتائج للشورى تبدو في ظاهرها خطيرة مريرة!.
وعقب استجابته صلى الله عليه وسلم، لما استقر عليه الأمر نتيجة للشورى، رغم الرؤيا التي رآها
ولكنه أمضى الشورى، لأن إقرار المبدأ، وتعليم الجماعة، وتربية الأمة، أكبر من الخسائر الوقتية.

حتى لا تظل الأمة قاصرة كالطفل الذي يمنع من مزاولة المشي لتوفير العثرات!!

{وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}..
لو كان وجود القيادة الراشدة في الأمة يكفي ويسد مسد مزاولة الشورى في أخطر الشؤون، لكان وجود محمد- صلى الله عليه وسلم- ومعه الوحي من الله سبحانه وتعالى- كافياً لحرمان الجماعة المسلمة يومها من حق الشورى! - وبخاصة على ضوء النتائج المريرة التي صاحبتها

{فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}..
وهنا يأتي اكتمال صورة النظام الإسلامي
الشورى لا بد معها من العزم وعدم التردد..
ولا بد أن تتمم بالتوكل على الله في نهاية المطاف..

في معركة أحد ..
علّم صلى الله عليه وسلم الأمة الشورى، وعلمها ابداء الرأي، في أخطر الشؤون
ثم انتقل للمضي بعزم وتوكل فدخل بيته فلبس درعه ولأمته، ولم يستجب لتردد المتحمسين حين خافوا أن يكونوا استكرهوه على ما لا يريد.

بأبي هو وأمي..
علمهم الدرس كله. درس الشورى. ثم العزم والمضي. مع التوكل على الله والاستسلام لقدره.
علمهم أن للشورى وقتها، ولا مجال بعدها للتردد والتأرجح ومعاودة تقليب الرأي من جديد.

توازن عجيب..

{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} ..
والخلة التي يحبها الله ويحب أهلها هي الخلة التي ينبغي أن يحرص عليها المؤمنون. بل هي التي تميز المؤمنين..


آية تمدنا بدروس عظيمة..
تحث القادة على التحلي بالرحمة والاقتداء بالنبي
وتؤصل مبدأ الشورى، والعزم والتوكل على مر الزمان

اللهم ارزقنا حسن الاقتداء وحسن العمل، وول علينا خيارنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك يارب العالمين..

المراجع:
معاني القرآن للزجاج
المحرر الوجيز لابن عطية
تفسير القرآن العظيم لابن كثير
تيسير الكريم الرحمن للسعدي
في ظلال القرآن لسيد قطب
موقع جمهرة العلوم

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
فبما رحمة وشاورهم آل عمران لانفضوا


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:53 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir