الشيخ:
هذه قاعدة (المشغول لا يُشغل).
فالمراد بالمشغول:
هو الذي يكون موقوف التصرف على جهة من الجهات، فإنه لا يصح أن يتصرف فيه بتصرف آخر يكون مناقضاً للتصرف الأول.
مثاله:
إذا بعت سلعة لا يجوز لك أن تبيع هذه السلعة مرة أخرى؛ لأن هذه السلعة وهذه العين مشغولة بالبيع الأول، ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يبع بعضكم على بيع بعض)).
ونهى عن خطبة الرجل على خطبة أخيه؛ لأن هذه السلعة وهذه المرأة مشغولة في البيع الأول وبالخطبة الأولى.
ويدخل في هذه القاعدة
الجمع بين عقدين في محل واحد، فلا يجوز أن يُعقد عقدان على شيء واحد، من وجه واحد، في وقت واحد، ومن هنا لا يجوز أن نجمع بين الإجارة والمضاربة في وقت واحد ومن وجه واحد.
مثال ذلك:
إذا كان عندك عامل في الدكان ما يجوز أن تعطيه أجراً ونسبة من الأرباح؛ لأنك بذلك تكون قد جمعت له بين عقد الإجارة وعقد المضاربة في محل واحد.
لكن لو كان كل منهما مستقلاًّ بنفسه جاز ذلك، بأن يكون هناك مثلاً: وقت الصباح له أجرة، ووقت بعد الظهر يأخذ نسبة من أرباح المبيعات بعد الظهر، هنا يجوز لاختلاف الزمان.
أو كان لاختلاف السبب،
كأن يكون يستحق النسبة لكونه مشاركاً لك في المال، ويستحق الأجرة لكونه يعمل، هنا يجوز، أما أن يستحق الأجرة والنسبة بعمل واحد في وقت واحد من وجه واحد، فلا يجوز.
ولهذه القاعدة (تحريم اجتماع العقدين في محل واحد في زمن واحد من وجهين) فروع عديدة، في جميع المسائل:
من أمثلة ما لم يجتمع من جهة واحدة
بيع المؤجر، إذا كان عندك سلعة مؤجرة تؤجرها على غيرك، هل يجوز لك أن تبيعها ؟ نقول: نعم؛ لأن العقدين ليسا من وجه واحد، فليسا متعارضين، وكذلك إذا كانا في زمانين متفاوتين.
ومنه بيع العَرَبون أو العُرْبون، تعطيه مائة ريال، تشتري منه هذه السيارة بألف ريال، تقول: هذه مائة ريال فإن أردت إتمام البيع بعد ذلك فإني سأسدد لك الثمن، فإن لم آت بالثمن في الزمن الفلاني فإنك تمتلك هذا المقدم.
فهذه الصورة الصواب أنها جائزة لوقوع إجماع الصحابة عليها، وهذا العقد كان في الزمان الأول بيعاً، ثم لما لم يُسدد انتقل إلى كونه هبة، فهنا العقدان لم يجتمعا في زمان واحد.
ولهذا السبب أرى أن عقد الإجارة المنتهي بالتمليك عقد جائز، لأنه إجارة في الزمان الأول وعند تسديد الثمن ينتقل إلى كونه بيعاً، فالعقدان لم يجتمعا في زمان واحد، والممنوع منه اجتماع العقدين في زمان واحد.
لكن لابد أن يُلاحظ أن تطبق أحكام الإجارة على هذا العقد في الزمان الأول، وتطبق أحكام البيع في الزمان الثاني، فلو تلفت السلعة قبل سداد جميع الثمن لكانت مضمونة للمالك الأول المؤجِّر؛ لأن هذا هو مقتضى عقد الإجارة، ولا تكون بيعاً إلا بسداد جميع الثمن.