دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > الدورات العلمية > الدورات العلمية العامّة > دورة أصول القراءة العلمية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 16 جمادى الآخرة 1439هـ/3-03-2018م, 07:36 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 13,380
افتراضي الدرس العاشر: جرد المطولات

جرد المطولات
عناصر الدرس:
  • تمهيد
  • المراد بجرد المطولات
  • فوائد جرد المطولات
  • أنواع الجرد
  • مقاصد الجرد عند العلماء
  • عناية العلماء بالجرد
  • أمثلة لأغراض الجرد
  • وصايا لطالب العلم قبل الانطلاق في جرد المطولات
  • مهارات جرد المطولات
  • شرح خطوات مقترحة لجرد المطولات
  • تنبيهات ومحاذير

تمهيد:
جرد الكتب العلمية المطولة من الأمور المهمة في مسيرة طالب العلم إذا تأهّل له، وله أثر كبير في تنمية بنائه العلمي وتقويته، وهو شُغْل أهل العلم الكبار، وما سبقه من مراحل الطلب كدراسة المختصرات وأوائل مراحل البناء العلمي إنما هو كالتهيئة وإعداد العدة للانطلاق في قراءة المطولات التي هي أصول العلم ومجامعه.
وجرد المطولات من أسباب تحصيل سعة الاطلاع ، وتوسيع المدارك ، واكتساب المهارات العلمية المتنوعة، وسعة المعرفة بأصول المسائل ونشأتها، وتنوع طرائق أهل العلم في دراستها وبحثها، ومعرفة مصادر استمدادهم المعرفي، والوقوف على غرر الفوائد، ولطائف المعارف.
وكم أزيل بالجرد من إشكال، وحُلَّ به من معضلة، وتبيّنت به من حقيقة.
وهو سبب ظاهر التأثير في تفاضل العلماء وتفاوت مراتبهم في سعة الاطلاع والتحقيق.
قال الشيخ بكر أبو زيد: (الْجَرْدُ للمُطَوَّلاتِ من أَهَمِّ الْمُهِمَّاتِ ؛ لتَعَدُّدِ المعارِفِ ، وتوسيعِ الْمَدَارِكِ واستخراجِ مَكنونِها من الفوائدِ والفرائدِ، والخبرةِ في مَظَانِّ الأبحاثِ والمسائلِ، ومَعرِفَةِ طرائقِ الْمُصَنِّفِينَ في تآليفِهم واصطلاحِهم فيها)ا.هـ

المراد بجرد المطولات:

جرد الكتب المطولّة يراد به قراءتها قراءة يستقصي بها القارئ ما يريده منها، وهو مأخوذ من جَرْدِ الأرض إذا استؤصِلَ نبتها، وأُتي عليه.
قال الزبيدي: (جُرِدَت الأَرضُ فهي مجرودة إِذا أَكلَ الجَرادُ نَبْتَها، وجَرَدَ الجَرَادُ الأَرضَ يَجْرُدها جرْداً: احْتَنَكَ ما عليها من النَّبَات فلم يُبْقِ منه شيئاً)ا.هـ.
وقال ابن فارس: (وقال بعضُ أهلِ العِلم: سمِّي جراداً لأنّه يجرُد الأرضَ يأكلُ ما عليها).
وهكذا شأن طالب العلم إذا قرأ الكتب المطوّلة ليستقصي ما تضمنته من الفوائد، حتى لا يكاد يفوته شيء مما أراده منها.

فوائد جرد المطولات:

يمكن إجمال فوائد جرد المطولات في النقاط التالية:
1. تعريف طالب العلم بمعالم العلوم التي اعتنى بها أهل العلم، واستجلاء أبوابها وفصولها ومسائلها، وهذه من أعز معارف طلاب العلم والعلماء؛ لأنها تجعل خريطة المسائل العلمية واضحة في ذهن طالب العلم؛ فيعرف موضع كلّ مسألة، ومراجع بحثها، معرفة ذهنية سريعة تمكّنه من سرعة الوصول إلى المعلومة المطلوبة وتسهيل بحثها.
2. توسيع المدارك بمعرفة تنوّع طرق العلماء في تناول المسائل العلمية؛ وقد تكون المسألة من المسائل المشتركة بين عدد من العلوم فيبحثها أهل كلّ علم من وجه عنايتهم؛ فيحصل لطالب العلم بمعرفة هذه الأوجه من سعة الأفق في تصور المسائل العلمية ما هو أنفع له من كثير من الشرح، ولا سيما إذا أجرى ذلك التصور على نظائر تلك المسائل.
3. ضبط المسائل العلمية ورسوخ معرفتها في الذهن بكثرة القراءة وتكرار المرور عليها من أوجه متعددة.

4. تعميق المعرفة العلمية وتأصيلها بالاطلاع على مصادر المسائل العلمية ومآخذها وأصول نشأة تلك المسائل، وما يتصل بها من تفصيل؛ فكثير من المسائل العلمية التي يدرسها الطالب في المختصرات إنما كانت دراسته إياها على وجه يحصل به التصور الأولي، وفهم تلك المسائل بما يناسب حال المبتدئين، لكنه إذا قرأ المطَّولات عرف ما وراء تلك المسائل من تأصيل وتفصيل، ومواقف وأخبار لأهل العلم، بل ربما كان بسبب بعض تلك المسائل من المحن والابتلاءات والمؤلفات والمناظرات والردود بين أهل العلم ما يطول ذكره، ويعظم أثره.
5. صقل مواهب القارئ وتنمية مهاراته وتوجيه عنايته إلى ما يحسنه من المسالك العلمية، وذلك أن طالب العلم إنما يقرأ لينتفع؛ فإذا وجد ما يوافق ما وهبه الله من ملكات ومهارات توجّه إليه؛ فكان ذلك فتحاً مباركاً له؛ لأنه يشغله بما يحسنه، ويضعه في الموضع المناسب له، ويسلك به المسلك الأمثل له في القراءة والطلب والدعوة والتعليم.
6. تعريف طالب العلم بما يحتاجه من المهارات العلمية المتنوعة وإعانته على اكتسابها، والانتفاع بتجارب أهل العلم قبله، وطرقهم في صقلها وتنميتها، وكثير من تلك المهارات له أثر قوي في اختصار كثير من الوقت والجهد وضبط المسائل العلمية، وبعض تلك المهارات لا تظهر الحاجة إليها إلا بعد الاطلاع على المطولات.
7. توارد الأفكار العلمية الكثيرة والمتنوعة مما ينقدح في الذهن بعد الوقوف على مواضع الحاجة في المطولات، ومما يجده من أمنيات أهل العلم في كتبهم، ودعواتهم للتأليف في بعض العلوم والأبواب والمسائل، وإرشاد بعضهم لطرق إعداد تلك المؤلفات؛ فيحصل لطالب العلم من جمع تلك الأفكار العلمية النافعة والنظر فيها بتأمّل والاشتغال بما يناسبه منها إسهام محمود في تنمية المكتبة الإسلامية وتتميمها، وإفادة طلاب العلم، وإذا اهتدى طالب العلم للمسلك الأنفع له وللأمّة فقد هُدي لخير عظيم.

أنواع الجرد:
للجرد أنواع مشتهرة في استعمال أهل العلم:
النوع الأول: جرد كتاب بأكمله من أوّله إلى آخره؛ وهو أشهر أنواع الجرد، وأمثلته كثيرة جداً.
النوع الثاني: جرد كتب متعددة لغرض واحد، ويكثر هذا المثال في أغراض البحث والتأليف وتقوية الأصول العلمية في باب من الأبواب.
ومن أمثلة ذلك: جرد الكتب الستة لاستخراج الأحاديث المتعلقة بالعقيدة منها.
النوع الثالث: جرد فصول محددة من كتب متعددة لغرض واحد.
ومن أمثلته: جرد أبواب حكم المرتد في كتب الفقه وأبواب الإيمان في كتب العقيدة لأجل دراسة نواقض الإسلام وأحكام التكفير.

مقاصد الجرد عند العلماء:

تأمّلت مقاصد الجرد عند العلماء فوجدتها دائرة بين أمور:
الأمر الأول: تصحيح النسخ وضبطها بالقراءة على الشيوخ أو مقارنة النسخ والروايات لدى العارفين بها، وهذا كان من أشهر المقاصد فيما مضى قبل زمن الطباعة.
وهذا الأمر مقصده الأهمّ أن يحصّل نسخة موثوقة من الكتاب مع الإلمام السريع بمحتواه.
والأمر الثاني: الجرد لغرض البحث، كأن يجرد كتاباً من كتب الحديث ليستخرج حديثاً يبحث عنه، أو كتاباً فقهيا من الكتب غير المرتبة على الأبواب ليبحث عن مسألة، وكان هذا النوع من الجرد شائعاً فيما مضى.
وكان من العلماء من يصل بجرده الدقيق إلى إطلاق أحكام عامة من مثل قول بعضهم: وليس لفلان (من الرواة) في الكتب الستة إلا بضعة أحاديث ثم يذكرها.
والأمر الثالث: الجرد لغرض استخراج نوع من أنواع المسائل العلمية أو باب من الأبواب، وهو أعمّ مما قبله، لأنه يجمع ما يتعلق بذلك النوع من المسائل أو بذلك الباب من الكتب التي يجردها.
والأمر الرابع: الجرد لغرض التأليف، وهو أعمّ مما قبله، وهو كثير الاستعمال عند أهل العلم.
والأمر الخامس: الجرد لغرض اختصار الكتب المطولة وتهذيبها.
والأمر السادس: جرد الكتب المطوّلة لغرض التعليق عليها وتحشيتها،وهذا أمر خارج عن حدّ دراستها؛ فإنّ الذي يعلّق إنما يعلق على مواضع من ذلك الكتاب؛ فينبه على الخطأ، ويسدّ الخلل، ويشرح المستغلق.
والأمر السابع: اتخاذ الكتاب أصلاً علمياً فيكرر قراءته مراراً كثيرة؛ فتكون قراءته الأولى قراءة متأنية، وقراءاته التالية كالجرد لغرض التعاهد والاستذكار.

عناية العلماء بالجرد
:
من تأمّل سير العلماء وجد عنايتهم بجرد الكتب ظاهرة بيّنة، وتبيّن له أنها من أسباب سعة اطلاعهم، وتميّز كثير من مؤلفاتهم بجودة التحرير وحسن التقصي وسعة الأفق، وسأذكر أمثلة تكفي اللبيب عن كثير من الشرح والتطويل، وتعرّفه بشيء من التطبيق العملي لجرد الكتب العلمية والاستفادة منه في أغراض شتّى.
فمن ذلك:
1: ما سبق ذكره عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه جرد التفاسير المسندة لاستخراج أقوال السلف في مسائل التفسير وتدوينها مجردة عن الاستدلال، وهو أصل علمي مهمّ جدا في علم التفسير.
2: أن عبد العظيم بن عبد القوي المنذري(ت:656هـ) اختصر صحيح مسلم بتجريده من الأسانيد ليسهل حفظه، وقد اشتهر مختصره هذا، وطبع، واشتهر بعده اختصار كتب السنة، وتقريبها للحفظ، وهو مقصد صالح من مقاصد الجرد.
3: أن أبا العباس الأصم(ت:346هـ) جرد كتب الإمام الشافعي من رواية شيخه الربيع بن سليمان المرادي (ت:270هـ)؛ واستخرج منها الأحاديث التي رواها الشافعي بإسناده، لكنّه لم يرتبه على المسانيد ولا على أبواب الفقه، ولذلك رتبه غير واحد من أهل العلم، وطبع باسم "مسند الشافعي"، ومن أشهر من رتّبه:
أ: الأمير سنجر الجاولي (ت:745هـ)، وترتيبه مطبوع.
ب: الحافظ محمد بن عابد السندي (ت:1275هـ)، وترتيبه مطبوع.
4: ما ذُكر عن جماعة من المحدثين من قراءة الضبط لكتب الحديث، وتحقيق السماع فيها، وتصحيح النسخ، وأمثلة هذا النوع لا تحصى كثرة.
قال جمال الدين القاسمي: (ذُكر في ترجمة المجد الفيروزآبادي صاحب القاموس أنه قرأ صحيح مسلم في ثلاثة أيام بدمشق، وأنشد:
قرأت بحمـــــــد الله جـــــــــامــــــــــع مسلــــــم ... بجـوف دمشق الشام جوف الاسلام
على ناصــــــــر الدين الإمام بن جهــــبل ... بحضــــــــرة حُــفَّـــــــــــــــاظ مشاهير أعلام
وتم بتوفيــــــــــــــــق الإلـــــــــــــــــــــه وفضــــــلـــــــه ... قـــــــراءة ضبــــــــــــــــط في ثلاثــــــــــــة أيــــام).
وقد ذكر هذه الحكاية المقّري في "أزهار الرياض"، وابن العماد في "شذرات الذهب".
وأعجب منه ما ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء أن الخطيب البغدادي قرأ صحيح البخاري على شيخه إسماعيل بن أحمد الحيري الضرير في ثلاثة مجالس؛ ميعادان في ليلتين، والثالث من ضحوة إلى الليل، ثم إلى طلوع الفجر.
وذكر الحكاية في تاريخ الإسلام مختصرة ثم قال: (وهذا شيء لا أعلم أحداً في زماننا يستطيعه).
وذُكر في ترجمة الحافظ ابن حجر أنه قرأ صحيح البخاري في عشرة مجالس، كل مجلس نحو عشر ساعات، وصحيح مسلم في أربعة مجالس، وسنن ابن ماجة في أربعة مجالس، ومعجم الطبراني الصغير في مجلس واحد بين صلاتي الظهر والعصر.
5: أن شمس الدين الذهبي (ت:748هـ) جرد كتابه "ميزان الاعتدال في نقد الرجال" ليستخرج منه "الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردّهم" ثم لم يزل يزيد عليه من غيره حتى أخرج كتابا بهذا الاسم، وهو مطبوع.
والأمثلة على أغراض الجرد لدى العلماء المتقدمين كثيرة جداً، ثم منها ما يخرجونه في مؤلفات، ومنها ما يجعلونه في أصولهم العلمية، ومنها ما يكررون قراءته لكثرة فائدته.

ومن الأمثلة المعاصرة:
1: أن الأستاذ محمد عبد الخالق عضيمة جرد كثيراً من كتب القراءات والتفسير والنحو ليستخرج منها ما يتعلق بمعاني حروف القرآن ، ومسائل النحو والصرف المتعلقة بمعاني القرآن، وقد مكث في جرده هذا أكثر من ثلاثة وثلاثين عاماً، وطبع كتابه في أحد عشر مجلداً بعنوان "دراسات في أساليب القرآن".
2. أن الدكتور هشام بن إسماعيل الصيني له رسالة علمية بعنوان "أقوال الصحابة في مسائل الاعتقاد"
قال في بيان منهج عمله في الرسالة: (قمت بجرد الكتب المسندة المصنفة في الاعتقاد والحديث والتفسير -المطبوع منها- فاستخرجت أقوال الصحابة المتعلقة بمسائل الاعتقاد فقط، وكنت في بداية الجرد اهتممت بكتب الاعتقاد أولاً، ثم بكتب الأصول من كتب الحديث والتفسير كالصحاح والسنن والمسانيد، وبعض الأجزاء الحديثية، وكتفسير الثوري وعبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم).
إلى أن قال: (وقد بلغت الكتب التي جردتها أكثر من تسعين كتاباً مسنداً، تقع في قرابة ثلاثمائة وخمسين مجلداً).
3. ما منّ الله به عليّ من جرد كتب ابن القيم رحمه الله المطبوعة من شهر ربيع الأول عام 1417ه إلى شهر محرم من عام 1419هـ لاستخراج كلام ابن القيم رحمه الله في شرح أسماء الله الحسنى ومسائل الأسماء والصفات، وقد يسّر الله طباعته في كتاب سميته "المرتبع الأسنى في رياض الأسماء الحسنى".

وهذه الأمثلة إنما أسوقها للبيان ولتحفيز طلاب العلم على الجرد المنظم الذي يخرج منه بإضافة يضيفها إلى أصله العلمي أو عمل ينشره وينتفع به طلاب العلم.

أمثلة لأغراض الجرد:

أغراض الجرد كثيرة متنوعة، وخيرها ما كان ألصق بحاجة طالب العلم وأنفع له ولأمته.
وتعيين الغرض قائم على أمرين:
الأمر الأول: حاجة طالب العلم لتحقيق ذلك الغرض.
والأمر الثاني: أن يكون الكتاب الذي يراد جرده من مظانّ تحقيق ذلك الغرض.

ومن الأمثلة على الأغراض الحسنة:
1: جرد تفسير ابن جرير الطبري لاستخلاص مسائل التفسير وأقوال السلف فيها، وهو عمل نافع لمن كان له تحصيل علمي جيد في التفسير وأصوله.
2. جرد تفسير ابن عطية لا ستخراج قواعد التفسير والأمثلة عليها، وذلك لإمامة ابن عطية في إعمال أصول التفسير وقواعده في مسائل التفسير.
3. جرد فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية لاستخلاص أقواله في مسائل علم السلوك.
4. جرد كتاب "شرح السنة" للالكائي لاستخراج أقوال السلف في مسائل الاعتقاد.
5. جرد فتح الباري لاستخراج مرويات السيرة النبوية من الأحاديث والآثار وتعليقات ابن حجر عليها.
6. جرد المغني لابن قدامة لاستخراج مسائل الخلاف القوي في الفقه.
7. جرد تهذيب اللغة لأبي منصور الأزهري لاستخراج تعقباته على كتاب "العين" للخليل بن أحمد.
8: جرد مجموعة من الكتب في علم من العلوم لغرض تشجير مسائل ذلك العلم، ومعرفة أبوابه وفصوله.

وهذه الأمثلة ليست مرادة بأعيانها، وإنما سقتها للتمثيل، وللدلالة على نظائرها، ومن كان مشتغلا بعلم من العلوم فإنه يحتاج إلى المداومة على جرد كتبه وتنويع أغراضه من الجرد حتى يتمم أصله العلمي في ذلك العلم ويقوّيه.

وصايا لطالب العلم قبل الانطلاق في جرد المطولات:

مَن سَمَت همّتُه لجرد المطولات فليعلم أنّه إذا لم يأت هذا الأمر من وجهه الصحيح فقد عرّض نفسه لمخاطر ومزالق، وربما اغترّ بشيء من الفوائد واللطائف وهو مضيّع لأصول العلم في حقيقة الأمر.
ذلك أنّ جرد المطولات كالغوص في البحور، من تقحّمه على غير معرفة وتأهّل كان على خطر من الهلاك، ولذلك أوصي من يريد جرد المطولات بوصايا مهمة:

الوصية الأولى: العناية بضبط المختصرات قبل الاشتغال بجرد المطولات
وذلك لأجل أن يكون للطالب في العلم الذي يريد جرد كتبه أصلٌ علمي يمكنه البناء عليه، يحقق له هذا الأصل ثلاث معارف مهمة:
أولاها: معرفة أبواب ذلك العلم وفصوله ومسائله.
وثانيها: معرفة مسائل الإجماع والخلاف في ذلك العلم بضبط يناسب مستواه العلمي.
وثالثها: معرفة أئمة ذلك العلم وأهمّ الكتب المؤلفة فيها ومناهج مؤلفيها.
وهذه المعارف الثلاث هي كالأساس للانطلاق في قراءة مطولات ذلك العلم، ويكفي أن يكون تحصيله فيها بما يناسب مستواه العلمي؛ فإنه إذا رُزق مع هذا الضبط حُسْنَ فهم، ومعرفةً لقدر أئمة ذلك العلم، وصلاحَ قصدٍ رُجي له أن ينتفع بقراءة كتبهم المطولة.

والذي يبدأ بجرد المطولات وهو لم يتقن المختصرات يضيّع كثيراً من وقته وجهده في غير ضبط ولا إتقان، بل ربما أضرّ بنفسه بتقحمها لجج المسائل والخلافات وهو لم يضبط أصول ذلك العلم، ولم يعرف منهج أهله، وإن زعم أنه عارف فهو زعمُ مكابرٍ لا يرى جَهْلَ نفسِه.

وليعلم طالب العلم أنه لا يحفظ وقته ولا يضبط علمه بمثل دراسة كتاب مختصر في ذلك العلم يكون كالأصل الذي يمكنه البناء عليه.

فإن قيل: ماذا يصنع من ليس لديه أصل علمي ، ولديه تحصيل علمي سابق غير منظّم؟
قيل: من كان لديه تحصيل علمي سابق؛ فبناء الأصل العلمي الذي يمكنه البدء به لا يكلّفه كثيراً من الجهد والوقت؛ فليحرص على اختيار أنسب الأصول إليه وأنفعها له وأيسرها عليه، وقد مضى بيان أنواع الأصول العلمي عند أهل العلم.
ثم لينطلق بعد ذلك في تنظيم قراءته في كتب ذلك العلم حتى يصل إلى جرد المطولات.
وليحذر طالب العلم من استصعاب بناء الأصل العلمي في أيّ علم من العلوم، ولا يظننّ أن بناء الأصل يستلزم منه أن يؤلف كتاباً جامعاً في ذلك العلم يحرّر عباراته ويطيل في شرحه، فهذا الخطأ في التصور مما حرم كثيراً من طلاب العلم من اكتساب التأصيل العلمي ومن النبوغ وبلوغ مراتب العلماء.
وإنما يكفيه أن يدوّن فيه ما يذكّره بما يحتاج إليه من الأبواب والمسائل وبعض الأقوال سواء ذكرها بنصها أو أحال عليها.
والحال يقتضي من كثير من طلاب العلم أنهم يدونون في أصولهم عبارات أشبه بالإشارات، بل ربما استخدم بعضهم رموزاً خاصة، ولذلك فإنّ الأصول العلمية غير صالحة للنشر غالبا.
وسبب ذلك أن طالب العلم كثيراً ما يقف على فوائد نفيسة وأقوال لأهل العلم وهو في حال عجلة من أمره أو اشتغال بدرس أو قراءة في كتاب، أو أمر عارض فلا يجد من الوقت ما يكفيه لتحرير العبارة واستكمال الكتابة، فيكتفي بوضع إشارة في أصله لتلك الفائدة أو إحالة أو اختصار.

الوصية الثانية: احرص على ما ينفعك
مسالك العلم كثيرة لا يحاط بها، وأوجه الانتفاع به متعددة، وخير تلك الأوجه لطالب العلم ما فُتح له فيه، ووافق ما وهبه الله من ملكات وقدرات علمية، ووجد من نفسه استعداداً له ونهمة فيه.
وهذا يتبيّن لطالب العلم غالبا بعد اجتياز مرحلة التأسيس العلمي؛ فإنّه يعرف ما يحسنه هو من العلوم والمهارات، وما ينفعه الازدياد منه.
وهذان الأمران ينبني عليهما تنظيم خطّة القراءة واختيار طريقة جرد الكتب.
وطالب العلم إذا اعتنى ببناء أصله العلمي فإنه يعرف مواضع الحاجة لديه، والأبواب والمسائل التي لم يتقنها، فيختار من الكتب ما يتمّم به أصله، ويسدّ خلله، ويقوّي بناءَه العلمي.
وإذا سار على هذه الطريقة الراشدة في اختيار الكتب وتتميم أصله كانت قراءاته في كتب أهل العلم مدارجَ له إلى حسن التحصيل وجودة التأصيل.
وليحذر طالب العلم من الاغترار بتجارب الآخرين التي لا تناسبه؛ فيحمل نفسه على محاكاتها، أو الخوض فيها قبل التأهّل لها.
ومن اشتغل بما لا يحسن ولا قدرة له على إتقانه أضاع وقته وجهده في غير طائل، وقد قيل:
إذا لم تستطع شيئاً فدعه .. وجاوزه إلى ما تستطيع

الوصية الثالثة: التفريق بين دراسة المسائل العلمية وجرد المطولات
ينبغي أن يفرّق طالب العلم بين مقام دراسة المسائل العلمية، ومقام جرد المطولات؛ ولكل مقام ما يقتضيه؛
فأمّا مقام دراسة المسائل العلمية وتفهّمها فهذا يكون بدراسة المختصرات والبحوث الخاصة.
وأما مقام جرد المطولات فينبغي أن يجمع فيه القارئ همّته على تحصيل مقاصد الجرد.
ومن كلّف نفسه دراسة الكتب المطولة كما تدرس المختصرات رمى بنفسه في ميادين واسعة لا يبلغها جريه ، واقتضى الأمر منه السنين الطوال، والجهد الكبير على غير سداد؛ إلا أن يقتصر على كتاب أو كتابين يتخذهما أصولاً علمية يكرر قراءتها؛ فيحصل له بتكرار القراءة ضبط حسن.

الوصية الرابعة: العناية بتربية النفس على السلوك الحسن في القراءة
طالب العلم تعترضه فتن في طريقه لطلب العلم يُختبر بها صدقه، ومن ذلك ما يجده من الفتن في وقته، وما يعترضه من الشواغل والقواطع، فهو معها في صراع ومغالبة، ومن انتظر أن يتهيّأ له الحال ليقرأ ويجرد كتب أهل العلم أضاع كثيراً من وقته في هذا الانتظار.
ومما يغفل عنه كثير من طلاب العلم أنّ النفس تتعوّد ما عُوّدت عليه حتى في سلوكها في القراءة وطلب العلم، وإذا اعتادت على أمر حسن أو سيّء حتى يكون كالسجية لها شقّ عليها تركه والانتقال عنه إلا بمجاهدة ومصابرة.
والنفس لها تطلّعٌ غالب فهي تنازع صاحبها بكثرة تطلّعها، وهذا التطلّع إذا لم يوجّهه المرء إلى وجهته الصحيحة انحرف إلى الاشتغال بالقواطع والشواغل وأدنى ما يثير الانتباه.
ومن أخذ نفسه على القراءة بإقبالٍ وجمع همّة على الكتاب أفضى به الحال إلى أن يصل إلى مرتبة يقرأ فيها أضعاف ما كان يقرأ في ذلك المقدار من الوقت في أوّل الأمر؛ لأنّ النفس ترتاض لما يروّضها عليه صاحبها، وتكون لها مهارة فيه بكثرة المران، وطول المراس.
ومن كان كثير التوقف والتردد ذهب عليه وقته الذي جعله للقراءة ولم ينجز أكثر ما كان يريد إنجازه، بل ربما كان ما أنجزه أنجزه على ضعف ونقص، فأثّر عليه هذا السلوك في القَدرِ والكيفية.
ثمّ إن النفس إذا اعتادت كثرةَ الانقطاع شقّ عليها أن تواصل القراءة ساعة واحدة من غير انقطاع، بل ربما أقلّ من ذلك.
ومن تأمّل أخبار العلماء وجدهم يواصلون الساعات الطوال وهم في انهماك شديد في القراءة حتى إن منهم من يذهل عن طعامه وشرابه وكثير من شؤونه!!.
وأين تحصيل مَن هذا حاله من تحصيل كثير التوقف والتردد والاشتغال بأدنى عارض؟!!
واعلم أن وقتك الذي تجعله لقراءة الكتب جزء من حياتك الثمينة، وأن اشتغالك بالقراءة من أعظم ما تعمر به وقتك وتنير به حياتك، ولذلك فإنّه ينبغي لك أن تحذر ما يسرق وقتك، ويشتت ذهنك، ويُضعف همّتك من القواطع والشواغل التي يمكنك تأجيلها حتى تفرغ من وردك من القراءة.
واعتبر بحال مَن يجري في ميدان من الميادين وهمّته مجتمعة على مساره فإنه يقطع الشوطَ بأقلّ ما يمكنه من الجهد والوقت، بخلاف الذي يكثر الالتفات والتوقف والرجوع فإنه يضيع كثيراً من وقته وجهده في غير طائل، بل ربما سئمت نفسه وملّت.

الوصية الخامسة: العادة الحسنة تقطع بها المفاوز
من أمثل ما يستعان به في استثمار الوقت ونشاط النفس أن يكون للمرء عادة حسنة في القراءة كيفا وكماً ، وأن يكون له وقت معلوم في اليوم والليلة لا يخلّ به ما استطاع؛ يخصصه للقراءة والجرد، وقد يجد مشقّة في أوّل الأمر ويعترضه ما يضطرب به انتظامه لكنّه إذا صبر وصابر رجي له أن يوفّق لعادة حسنة يلتزمها، وعمل يداوم عليه؛ فيحصل له ببركة المداومة خير كثير.
والنفس إذا ارتاضت للعوائد الحسنة سهلت عليها، وصارت كالجزء منها؛ بحيث إذا مرّ عليه يوم لم يؤدّ فيه ما اعتاده من العمل وجد فقده في نفسه.
ومن وصل إلى هذه المرتبة أمكنه أن يعرف ما ينجزه في يومه وليلته، وأخذ نفسه بما يصلح لها من العمل فيترقّى سريعاً.
وقد تأملت أحوال جماعة من العلماء فوجدت لهم عوائد حسنة يداومون عليها في عباداتهم وقراءاتهم وتعليمهم حتى إنهم ليؤدون أعمالاً كثيرة قد يرهق أحدنا نفسه ولا ينجز رُبعها، وهم يؤدونها على كبر في السنّ بجدّ ونشاط اعتادت عليه أنفسهم فلا يجدون له مشقة تحملهم على طلب الراحة منه.
فهذا أبو عبيد القاسم بن سلام (ت:224هـ) وهو من أهل العلم الكبار له مؤلفات مباركة وكان كثير التصنيف عالم بالتفسير والقراءات والحديث والفقه واللغة وهو من أئمة أهل السنة.
قال عنه أبو بكر بن الأنباري: (كان أبو عبيد -رحمه الله- يقسم الليل أثلاثا؛ فيصلي ثلثه، وينام ثلثه، ويصنف الكتب ثلثه).
فجمع بين أداء حقّ الله وأداء حقّ النفس والاشتغال بالتصنيف والتعليم.
ولو أنّ طالب العلم أخذ نفسه بالمداومة ساعتين أو ثلاث ساعات في اليوم على جرد كتب أهل العلم لأمكنه أن يجرد في عام واحد كتباً كثيرة يغذي بها أصوله العلمية ويقويها ويجد فائدتها وبركتها بإذن الله تعالى.
والمقصود تنبيه طالب العلم إلى أن تربية النفس على عادة حسنة ومداومة على عمل تؤديه حتى يكون كالسجية لها خير من حملها على عمل شاقّ تؤديه بمغالبة ثم تنفر منه ولا تعود إليه إلا بمشقة ومجاهدة مرة أخرى.

مهارات جرد المطولات:
جرد المطولات من الأعمال العلمية التي يحتاج فيها طالب العلم إلى مهارات متنوّعة، تعين الجارد على حسن الجرد وتقرّب له فوائد الكتاب، وتحقيق مقاصده من جرده.
وبناء المهارات يكون شيئاً فشيئاً بالتكرار المتقن المتدرّج والمتنوّع، وترويض النفس حتى تكتسب المهارة ، وقد تتيسّر له سريعاً إذا كان حسن الاستعداد الفطري لها، وقد تحتاج نفسه إلى مزيد من التمرن والرياضة حتى تسهل عليها وتتقن قدراً مرضيا منها، ثم يتعاهدها بالصقل والتنمية،
وكثير من الأعمال التي يُحتاج فيها إلى مهارة عالية يجد المبتدئ فيها صعوبة في أوّل الأمر، فينبغي لطالب العلم أن لا يعوّقه ضعف البدايات وكثرة أخطائها عن السير لبلوغ كمال النهايات.
وسأدمج الحديث عن مهارات الجرد في شرح خطواته - بإذن الله تعالى - ليكون أيسر في تصوّر المراد بها.

شرح خطوات مقترحة لجرد المطولات:
إذا عزمت على جرد المطولات فإني أوصيك بوصايا أرجو أن تعينك على تيسير عمل الجرد وتحسين الاستفادة منه في بنائك العلمي.

أولاً: اختيار الكتاب المناسب
ومن الأمور المهمة التي ينبغي لطالب العلم أن يلاحظها عند اختيار كتاب للجرد:
1. أن يحرص على اختيار كتاب من الكتب النافعة القيّمة المأمونة، وأن يجتنب في أوّل مسيره الكتب التي تجمع الغثّ والسمين بلا تمييز، والكتب التي حذّر منها أهل العلم لانحراف أصحابها عن منهج أهل السنة والجماعة، وإن كان فيها بعض ما ينتفع به العارف البصير الذي يميّز صوابهم من خطئهم.
وسبب هذا التحذير أن طالب العلم في أوّل الأمر ينبغي أن يصرف عنايته للكتب التي عُرف أصحابها بالإمامة في ذلك العلم، وتلقّاها العلماء بالقبول فنهلوا منها، ووصّوا بها، حتى يستفيد منها في تغذية بنائه العلمي وتقويته؛ حتى إذا تقدّم في جرد الكتب، واشتدّ عوده فيه، وأضحى لديه أصل علمي متين وفرقان يميز به الحقّ من الباطل، والفاضل من المفضول، والسمين من الغثّ، وكانت له بصيرة بمنهج أهل السنة ومسارب مخالفيهم أمكنه أن يقرأ في الكتب التي فيها نفع ظاهر وعليها مؤاخذات نبّه على بعضها أهل العلم؛ فيأخذ منها ما ينتفع به.
2. أن يختار كتاباً موافقاً لمستواه العلمي؛ فلا يشرع في كتب صعبة المراس في أوّل الأمر وإن كانت من الكتب التي عرف أصحابها بالإمامة والتقدّم في العلم، ذلك أن بعض تلك الكتب تستدعي من طالب العلم إلماماً حسناً بأصول ذلك العلم ومناهج المؤلفين فيه، ومواضع الإجماع والخلاف فيه، وأن يترقى بقراءة عدد من الكتب حتى إذا قرأ ذلك الكتاب قرأه على حال يتيسّر له فهمه، وسبر غوره، ويحسن انتفاعه به.
3. أن يكون الكتاب الذي اختاره من مظانّ تحقيق الغرض على وجه التحديد؛ وأن لا يغترّ بشهرة كتاب في علم من العلوم فيجرده لغرض من الأغراض التي يكون لدى المؤلف فيها ضعف وتقصير، وإن كان مجيداً في فنّه الذي ألّف الكتاب من أجله.
ومن الأمثلة التي توضح المقصود:
- إذا أردت أن تجرد المسائل التي لاختلاف القراءات فيها أثر على التفسير؛ فلا تأخذ نسبة القراءات من التفاسير التي لا يعدّ أصحابها من القرّاء؛ ففي تلك التفاسير أخطاء معلومة في نسبة القراءات.
- وإذا أردت أن تجرد المعاني اللغوية للألفاظ العقدية فلا تعمد إلى المعاجم التي عرف عن أصحابها انتحالهم لمذاهب بدعية.
4. أن ينتقي أجود أجود الطبعات ما أمكنه، وذلك لما يكون بين الطبعات من التفاوت الظاهر الذي يصل إلى درجة سقط بعض الصفحات وكثرة التحريف والتصحيف في بعضها، وقد يحتاج في بعض الكتب إلى الجمع بين طبعات عدة.
5. أن يحرص على التكامل العلمي فيما يحتاج إليه، حتى يكون نموّ أصوله العلمية متوازناً؛ فلا يكون كالمتعمّق في بعض الأبواب على ضعف شديد في أبواب أخرى تمسّ إليها الحاجة.

ثانياً: تعيين الغرض من الجرد
إذا أردت أن تجرد كتاباً من الكتب المطولة فليكن غرضك من الجرد واضحاً؛ حتى إذا أتممت قراءة الكتاب خرجت بفائدة يُعتدّ بها، ويُبنى عليها، ويكون لها أثرها في تنمية أصولك العلمية.
وأما القراءة المجردة من غير غرض بيّن يحصل به نفع ظاهر فلا أوصي بها لأنها تشغل طالب العلم عما هو أنفع له من الدراسة والقراءة المنظمة، ويذهب كثير من وقته في غير ضبط ولا إتقان، ولا استخراجٍ لعمل نافع يضيفه إلى أصوله العلمية.
وقد مضت الإشارة إلى أمثلة نافعة لأغراض الجرد.

ثالثاً: استكشاف مباحث الكتاب ومعرفة مقداره
وهذا الاستكشاف مهمّ لأخذ التصور الأولي الشامل عن الكتاب والمواضع المهمة فيه، وهو بمثابة التهيئة النفسية لقراءة الكتاب والإعداد لوضع الخطة المناسبة للجرد.
وجرد الكتب المطولّة شبيه بسباقات الجري الطويلة التي تسمّى ( الماراثون ) من أجهد نفسه في الجري في أوّل السباق ضعف عن مواصلة السباق، وأصابه الإنهاك.
ولذلك فإنّ من يقرأ الكتاب من أوّله بتركيز عالٍ ربما أنهك نفسه قبل أن يصل إلى المواضع التي يحتاج فيها إلى التركيز العالي؛ فيقرأها على عجل لما أصابه من الإنهاك والتبرم من الجدّ.

رابعاً: وضع خطة الجرد
وهذه الخطة ينبغي أن تتضمن ثلاثة أمور:
الأمر الأول: تقسيم الكتاب إلى مقادير معينة يكون كلّ مقدار منها مما يمكنه أن يتمّه في جلسة واحدة.
والأمر الثاني: أن يكون للخطة جدول زمني يجتهد في الانتظام فيه حتى يتمّ الجرد في الوقت المحدد.
والأمر الثالث: أن تكون طريقة الجرد معينة على تحقيق الغرض، وهذه الطرق تختلف باختلاف الأغراض وتباين أحوال القراء وما يناسبهم.

خامساً: ملاحظة جوانب القوة العلمية لدى الكاتب
وهو من الأمور المهمّة التي لها أثر كبير في تنمية مهارات القارئ، وإعانته على الاستفادة مما يحسنه الكاتب، بل ربما احتاج إلى إضافة بعض مؤلفاته الأخرى إلى خطة الجرد.
وقد سبق الحديث عن الوسائل المعينة على تعرّف جوانب القوة العلمية.

سادساً: استكشاف الأفكار المهمة وتقييدها
وهذا الأمر من أعظم ثمرات الجرد لمن وُفّق إليه، بل ربما كانت فائدة بعض تلك الأفكار أعظم من الغرَض الذي أراد جرد الكتاب من أجله، فقد يقف على أمنيات لبعض أهل العلم يجد في نفسه قدرة على تحقيقها، وقد يقف على حاجة إلى التأليف في باب من الأبواب، أو تكميل تأليف سابق، أو غير ذلك من الأفكار التي قد تكون فكرة واحدة منها يشتغل بها طالب العلم ويسدّ حاجة الأمة فيها خير له من كثير من الأعمال.
ومن اجتهد في تدوين الأفكار الحسنة رُجي له أن يوفّق للقيام ببعضها والدلالة على بعضها فيكون له مثل أجر فاعلها.
وتلك الأفكار سيجد لها طالب العلم روافد ترفدها في المطولات، ومن عني بهذا الأمر وأخذ من تلك الأفكار بما يناسبه كان حريا بالنبوغ المبكّر وانصراف الهمّة إلى ما يحسنه.

سابعاً: تدوين المهمّ من المسائل والفوائد العلمية والإشكالات
فأما تدوين المهمّ من المسائل والفوائد العلمية فهو لأجل حفظها والانتفاع بها.
وأمّا تدوين الإشكالات فلأجل أن يُعمل الذهن في حلّها، وسؤال أهل العلم عمّا أعياه منها؛ حتى يستفيد من طريقتهم في نظائر ذلك الإشكال، وربّما دوّن طالب العلم إشكالاً ثمّ وجد بمواصلة الجرد ما يجيب على ذلك الإشكال.
وهذه الأمور هي بمثابة المحفّزات الذهنية لمواصلة القراءة وضبط المسائل وتثبيت المعلومات.

تنبيهات ومحاذير:
وفي ختام الحديث عن جرد المطولات هذه تنبيهات أودّ من طلاب العلم أن يعتنوا بها:

التنبيه الأول: التحذير من الاشتغال بالمطولات قبل ضبط المختصرات
فالعلم إنما يؤخذ بالتدرج، ومَن تقحّم المطولات وهو لم يضبط أصول العلم، فقد عرّض نفسه لمزالق ورمى بها في مخاطر، وقد سبق الحديث عن هذا الأمر.
وهذا لا يقتضي أن يحرم طالب العلم نفسه من جميع المطولات طيلة فترة اشتغاله بضبط المختصرات، بل يمكن أن يقرأ - بقدرٍ - في المطولات المأمونة التي تمتاز بوضوح الأسلوب؛ إذا كان ذا فهم حسن وفطنة.

التنبيه الثاني: أن جرد المطولات لا يغني عن دراسة المسائل العلمية
من الخطأ البيّن ما يتصوره بعض الطلاب المبتدئين والمشتغلين بالقراءة من أن أحدهم إذا قرأ خمسة تفاسير أو سبعة أو أكثر من ذلك من التفاسير المطولة فإنه سيكون مفسّرا حاذقاً.
وسبب الخطأ أن كثيراً من مسائل التفسير يحتاج العالم وطالب العلم إلى دراستها على يقتضيه نوع تلك المسألة، وهذا إنما يعرفه من أتقن أصول التفسير؛ فدراسة مسائل التفسير اللغوي ومراجع بحثه يختلف عن دراسة مسائل أحكام القرآن ومراجع بحثها، وهكذا في سائر أنواع المسائل العلمية المتعلقة بالتفسير؛ فلكل مسألة أصولها ومراجع بحثها ومصادرها الأصلية التي تُحصّل منها أقوالها، وبحث المسألة الواحدة من مسائل الخلاف في كل نوع من هذه الأنواع لا يكفى فيه هذا العدد من التفاسير؛ بل يحتاج الباحث فيه إلى مراجعة كتب أخرى مهمة غير كتب التفسير.
وكذلك يقال في مسائل علوم الحديث والفقه والاعتقاد والتاريخ وغيرها.
لكن من النافع لطالب العلم أن يكون له أصل علمي في ذلك العلم ثم يجرد كتاباً من الكتب المهمة فيه ويضيف إلى أصله ما يخرج به من قراءة ذلك الكتاب من الفوائد المتعلقة بتحقيق مقصد صالح من مقاصد الجرد.

التنبيه الثالث: احذر الموازنات الجائرة
من طلاب العلم من يوازن نفسه وهو في بداية طريقه في جرد المطولات بكبار القراء من العلماء الذين أمضوا سنوات طويلة في الجرد والقراءة والتحصيل، وتمرّنت عليه نفوسهم، ولهم أصول علمية كبيرة، فيقرأ عن بعضهم أنه ربما قرأ المجلد في جلسة واحدة؛ ثم يحاول أن يحاكيهم وليس له مثل أصولهم ولا تمرّسهم ولا مخزونهم المعرفي، ولا اعتيادهم على نمط جادّ في القراءة؛ فإذا رأى أنّه لم يطق ما أطاقوه رجع على نفسه بالحسرة والملامة، بل ربما انقطع عن الجرد.
وهو بمطالبته نفسه أن يحاكي هؤلاء القراء الكبار كمن يطالب الصبي الصغير بمجاراة كبار العدّائين في السباق.
وهذه الآفة من أسباب الحرمان، ولو أنّه نظر بعين البصيرة إلى حالهم في البدايات لوجدها مقاربة لحاله ، فإن سار على طريقهم، وانتهج نهجهم، وصبر مثل صبرهم كان حقيقاً بأن يصل إلى مرتبتهم في القراءة والتحصيل أو قريب منها.

التنبيه الرابع: الاغترار بالذاكرة السريعة والفهم الأولي
من يقرأ المطولات يقف على درر مكنونة من العلم، وتظهر له أفكار حسنة قيّمة في البحث العلمي، ولبعضها أثر في تحسين خطته العلمية في القراءة والدراسة، فمن غفل عن تدوين هذه الفوائد القيمة، والأفكار الحسنة اغتراراً منه بذاكرته لم يأمن عليها النسيان والتفلت حتى ربما أتى عليه وقت يجتهد في تذكّرها وطلبها ثم لا يهتدي لها.
وكان من العلماء من إذا خطرت له خاطرة فيها فائدة علمية يقوم من فراشه ويوقد السراج ويدوّن الفائدة خشية نسيانها، وقد نقل هذا عن الشافعي والبخاري وغيرهما من كبار الحفاظ.
ومن العوائد الحسنة أن يجعل القارئ لنفسه دفتراً أو ملفاً إلكترونيا يدوّن فيه تلك الفوائد والأفكار، حتى يكون له موضع واحد يتعاهده بالنظر والإضافة، ولا بأس أن يدونه أولا في آخر الكتاب لكن ليحذر من إغفاله بعد ذلك، والأولى أن ينقله إلى دفتر فوائده أو الملف الإلكتروني المخصص، فقد جُرّب أنّ الفوائد التي تدون على أواخر الكتب لا يكاد يرجع إليها القارئ إلا نادراً، فيضعف تعاهد تلك الفوائد والأفكار وإعمال الذهن فيها.

التنبيه الخامس: التحذير من الغفلة عن مقاصد الجرد وتنمية الأصول العلمية
جرد المطولات من أهمّ ما تُنمّى به الأصول العلمية، وكثير من العلماء لم يبلغوا مرتبة التحقيق في العلم إلا بعد جرد المطولات جرداً حسناً، ولذلك ينبغي أن يحذر طالب العلم من الغفلة عن مقاصد الجرد وتنمية الأصول العلمية به، فيشتغل باستطرادات الكتاب ولطائفه حتى يغفل عن المقصد الذي قرأ الكتاب لأجله، وهذه الآفة سببها غلبة حب الاستطلاع، والاسترسال مع النفس في ما يستأثر بعنايتها، ولو كان في غير مقصده الأصلي.
واستطلاع طالب العلم ينبغي أن يكون موجَّها بما يرجو أن يحقق له أعلى المصالح، وأن يقدّم العناية بتحقيق المقصد على ما سواه، فإنّه متى صرف عنايته إلى تحقيق المقاصد أمكنه أن يسير في خطّته العلمية حتى يتقدّم بها تقدّما كبيراً بإذن الله تعالى.
وإذا اشتغل بملح العلم عن أصوله أضاع كثيراً من جهده ووقته في غير البناء الذي يُعتمد عليه في تحصيله العلمي، وإن كان في ظاهر الحال مشتغلا بقراءة الكتب.


خاتمة الدرس:
كنت أودّ وضع أمثلة وتطبيقات يؤديها دارسو هذه الدورة لبعض أعمال الجرد وتُصحَّح لهم، لكن خشيت أن يطول أمد دراسة هذه الدورة، ولأجل أن لا تفوت الفائدة كلياً سأضع تطبيقات ميسّرة يؤديها من يشاء من الدارسين للفائدة الشخصية حتى يتمرّن على أعمال الجرد ويؤدي بعضها، على كتب تشبه المطولات، وليست معدودة منها، ثم ينطلق بعد ذلك في جرد المطولات على خطة علمية ملائمة له.

التطبيق الأول: اجرد كتاب "فضائل القرآن" للإمام أبي عبيد القاسم بن سلام لتستخرج منه ما يتعلق بآداب تلاوة القرآن.
التطبيق الثاني: اجرد كتاب السنة للإمام محمد بن نصر المروزي لتستخرج منه ما يتعلق بدلائل حجية السنة وكشف شبهات الطاعنين في حجيتها.
التطبيق الثالث: اجرد كتاب "تاريخ المدينة" لعمر بن شبة لتستخرج منه ما يتعلق بجمع القرآن.



رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الدرس, العاشر

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:36 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir