تسجيل الطلاب الجدد| طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > علوم اللغة > متون علوم اللغة العربية > النحو والصرف > ألفية ابن مالك

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 19 ذو الحجة 1429هـ, 11:46 مساء
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 9,394
افتراضي المفعول المطلق

المفعولُ الْمُطْلَقُ

المصدَرُ اسمُ ما سِوَى الزمانِ مِنْ = مَدلولَي الفعلِ كأَمْنٍ مِنْ أَمِنْ
بمِثلِه أوْ فِعْلٍ اوْ وَصْفٍ نُصِبْ = وكونُهُ أَصْلًا لهذيْنِ انْتُخِبْ
تَوكيدًا أوْ نوعًا يُبِينُ أوْ عَدد= كسِرْتُ سَيرتَيْنِ سَيْرَ ذِي رَشَد
وقدْ يَنوبُ عنهُ ما عليهِ دَلْ = كجُدَّ كُلَّ الْجِدِّ وافْرَح الْجَذَلْ
وما لتوكيدٍ فَوَحِّدْ أَبَدَا = وثَنِّ واجْمَعْ غيرَهُ وافْرِدَا
وحَذْفُ عاملِ الْمُؤَكِّدِ امْتَنَعْ = وفي سِوَاهُ لدَليلٍ مُتَّسَعْ
والحذْفُ حَتْمٌ معَ آتٍ بَدَلَا = مِنْ فِعْلِهِ كنَدْلًا اللَّذْ كَانْدُلَا
وما لتفصيلٍ كإِمَّا مَنَّا = عامِلُهُ يُحْذَفُ حيثُ عَنَّا
كذا مُكَرَّرٌ وذُوحَصْرٍ وَرَدْ = نائبَ فعلٍ لاسْمِ عينٍ اسْتَنَدْ
ومنهُ ما يَدْعُونَهُ مُؤَكِّدَا = لنفسِهِ أو غيرِهِ فالْمُبْتَدَا
نحوُ لهُ عَلَيَّأَلْفٌ عُرْفَا = والثَّانِ كَابْنِي أَنْتَ حَقًّا صِرْفَا
كذاكَ ذُو التشبيهِ بعدَ جُمْلَةْ = كَلِي بُكًا بُكَاءَ ذَاتِ عَضْلَةْ

  #2  
قديم 24 ذو الحجة 1429هـ, 11:00 صباحاً
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 12,277
افتراضي شرح ابن عقيل (ومعه منحة الجليل للأستاذ: محمد محيي الدين عبد الحميد)


المفعولُ المُطْلَقُ
المصدرُ اسْمُ ما سِوَى الزمانِ مِنْ = مَدْلُولَيِ الفِعْلِ كَأَمْنٍ مِنْ أَمِنْ ([1])

الفعلُ يَدُلُّ على شيئيْنِ: الحَدَثِ والزمانِ، فـ(قامَ) يَدُلُّ على قِيَامٍ في زمنٍ ماضٍ، و(يقومُ) يَدُلُّ على قيامٍ في الحالِ أو الاستقبالِ، و(قُمْ) يَدُلُّ على قيامٍ في الاستقبالِ، والقيامُ هو الحَدَثُ، وهو أَحَدُ مَدْلُولَيِ الفِعْلِ، وهو المصدرُ، وهذا معنى قولِه: (ما سِوَى الزمانِ مِن مَدْلُولَيِ الفِعْلِ).
فكأنه قالَ: المصدرُ اسمُ الحَدَثِ كأَمْنٍ؛ فإنَّه أَحَدُ مدلولَيْ أَمِنَ.
والمفعولُ المُطْلَقُ هو المصدرُ المنتصِبُ توكيداً لعاملِه أو بياناً لنوعِه أو عَدَدِه، نحوُ: (ضَرَبْتُ ضَرْباً، وسِرْتُ سَيْرَ زَيْدٍ، وضَرَبْتُ ضَرْبَتَيْنِ)، وسُمِّيَ مفعولاً مُطْلَقاً لصِدْقِ (المفعولِ) عليه غيرَ مُقَيَّدٍ بحرفِ جرٍّ ونحوِه، بخلافِ غيرِه مِن المفعولاتِ؛ فإنَّه لا يَقَعُ عليه اسمُ المفعولِ إلا مُقَيَّداً؛ كالمفعولِ به والمفعولِ فيه والمفعولِ معَه والمفعولِ له.
بِمِثْلِهِ أَوْ فِعْلٍ اوْ وَصْفٍ نُصِبْ = وكَوْنُهُ أَصْلاً لِهَذَيْنِ انْتُخِبْ ([2])
يَنْتَصِبُ المَصْدَرُ بِمِثْلِهِ؛ أي: بالمصدرِ، نحوُ: (عَجِبْتُ مِن ضَرْبِكَ زيداً ضرباً شديداً)، أو بالفعلِ([3])، نحوُ: (ضَرَبْتُ زيداً ضَرْباً)، أو بالوصفِ ([4])، نحوُ: (أنا ضارِبٌ زيداً ضَرْباً).
ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ أنَّ المصدرَ أصلٌ، والفعلَ والوصفَ مُشْتَقَّانِ منه، وهذا معنى قولِه: (وكَوْنُهُ أَصْلاً لِهَذَيْنِ انْتُخِبْ)؛ أي: المختارُ أنَّ المصدرَ أصلٌ لهذيْنِ؛ أي: الفِعْلِ والوصفِ، ومذهَبُ الكُوفِيِّينَ أنَّ الفعلَ أصلٌ، والمصدرَ مُشْتَقٌّ مِنه.
وذَهَبَ قومٌ إلى أنَّ المصدرَ أصلٌ، والفعلَ مُشْتَقٌّ منه، والوصفَ مُشْتَقٌّ مِن الفعلِ.
وذَهَبَ ابنُ طَلْحَةَ إلى أنَّ كُلاًّ مِن المصدرِ والفعلِ أصلٌ برأسِه، وليسَ أَحَدُهما مُشْتَقًّا مِن الآخَرِ.
والصحيحُ المذهَبُ الأوَّلُ؛ لأنَّ كلَّ فَرْعٍ يَتَضَمَّنُ الأصلَ وزيادةً، والفعلُ والوصفُ بالنسبةِ إلى المصدرِ كذلك؛ لأنَّ كُلاًّ مِنهما يَدُلُّ على المصدرِ وزيادةٍ، فالفعلُ يَدُلُّ على المصدرِ والزمانِ، والوصفُ يَدُلُّ على المصدرِ والفاعلِ.
تَوْكِيداً اوْ نَوْعاً يُبِينُ أَوْ عَدَدْ = كَسِرْتُ سَيْرَتَيْنِ سَيْرَ ذِي رَشَدْ ([5])
المفعولُ المُطْلَقُ يَقَعُ على ثلاثةِ أحوالٍ كما تَقَدَّمَ:
أَحَدُها: أنْ يكونَ مُؤَكِّداً، نحوُ: (ضَرَبْتُ ضَرْباً).
الثاني: أنْ يكونَ مُبَيِّناً للنوعِ ([6])، نحوُ: (سِرْتُ سَيْرَ ذي رَشَدٍ)، و(سِرْتُ سَيْراً حَسَناً).
الثالِثُ: أنْ يَكُونَ مُبَيِّناً للعددِ، نحوُ: (ضَرَبْتُ ضَرْبَةً وضربتيْنِ وضَرَبَاتٍ).
وقد يَنُوبُ عَنْهُ مَا عَلَيْهِ دَلْ = كَجِدَّ كُلَّ الْجِدِّ وَافْرَحِ الْجَذَلْ ([7])
قد ينوبُ عن المصدرِ ما يَدُلُّ عليه؛ ككُلٍّ وبَعْضٍ مضافيْنِ إلى المصدرِ، نحوُ: (جِدَّ كلَّ الجِدِّ)([8])، وكقولِهِ تعالى: {فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ}، و(ضَرَبْتُه بعضَ الضربِ).
وكالمصدرِ المرادِفِ لمصدرِ الفعلِ المذكورِ([9])، نحوُ: (قَعَدْتُ جُلُوساً، وافْرَحِ الجَذَلَ)، فالجلوسُ نائبٌ مَنَابَ القعودِ؛ لِمُرَادَفَتِهِ له، والجَذَلُ نَائِبٌ مَنَابَ الفَرَحِ؛ لِمُرَادَفَتِهِ له.
وكذلك ينوبُ منابَ المصدرِ اسمُ الإشارةِ، نحوُ: (ضَرَبْتُهُ ذلكَ الضَّرْبَ)، وزَعَمَ بعضُهم أنه إذا نابَ اسمُ الإشارةِ منابَ المصدرِ فلا بُدَّ مِن وَصْفِهِ بالمصدرِ؛ كما مَثَّلْنَا، وفيه نَظَرٌ؛ فمِن أمثلةِ سِيبَوَيْهِ: (ظَنَنْتُ ذَاكَ)؛ أي: ظَنَنْتُ ذَاكَ الظنَّ، فذاكَ إشارةٌ إلى الظنِّ، ولم يُوصَفْ به.
وينوبُ عن المصدرِ أيضاً ضميرُه، نحوُ: (ضَرَبْتُهُ زَيْداً)؛ أي: ضَرَبْتُ الضربَ، ومنه قولُه تعالى: {لاَ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ}؛ أي: لا أُعَذِّبُ العذابَ.
وعَدَدُهُ، نحوُ: (ضَرَبْتُهُ عِشْرِينَ ضَرْبَةً)، ومنه قولُه تعالى: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً}.
والآلةُ، نحوُ: (ضَرَبْتُهُ سَوْطاً)، والأصلُ: ضَرَبْتُهُ ضَرْبَ سَوْطٍ، فحُذِفَ المضافُ وأُقِيمَ المضافُ إليه مُقَامَه، واللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وما لِتَوْكِيدٍ فَوَحِّدْ أَبَدَا = وثَنِّ وَاجْمَعْ غَيْرَهُ وَأَفْرِدَا ([10])
لا يَجُوزُ تَثْنِيَةُ المصدرِ المؤكِّدِ لعاملِهِ، ولا جَمْعُه، بل يَجِبُ إفرادُه، فتقولُ: (ضَرَبْتُ ضَرْباً)؛ وذلك لأنَّه بِمَثَابَةِ تَكَرُّرِ الفعلِ، والفعلُ لا يُثَنَّى ولا يُجْمَعُ.
وأما غيرُ المؤكِّدِ، وهو المُبَيِّنُ للعددِ والنوعِ، فذَكَرَ المصنِّفُ أنه يَجُوزُ تثنيتُه وجمعُه.
فأمَّا المُبَيِّنُ للعددِ فلا خلافَ في جوازِ تثنيتِه وجمعِه، نحوُ: (ضَرَبْتُ ضربتيْنِ وضَرَبَاتٍ).
وأمَّا المُبَيِّنُ للنوعِ فالمشهورُ أنه يَجُوزُ تَثْنِيَتُه وجمعُه إذا اخْتَلَفَتْ أنواعُه، نحوُ: (سِرْتُ سَيْرَيْ زَيْدٍ؛ الْحَسَنَ وَالْقَبِيحَ).
وظاهرُ كلامِ سِيبَوَيْهِ أنه لا يَجُوزُ تَثْنِيَتُه ولا جَمْعُه قِياساً، بل يُقْتَصَرُ فيه على السماعِ، وهذا اختيارُ الشَّلَوْبِينِ.
وحَذْفُ عَامِلِ الْمُؤَكِّدِ امْتَنَعْ = وَفِي سِوَاهُ لِدَلِيلٍ مُتَّسَعْ ([11])
المصدرُ المؤكِّدُ لا يَجُوزُ حذفُ عاملِه؛ لأنَّه مَسُوقٌ لتقريرِ عاملِه وتَقْوِيَتِهِ، والحذفُ مُنَافٍ لذلك.
وأمَّا غيرُ المؤكِّدِ فيُحْذَفُ عاملُه؛ للدَّلالةِ عليه جَوَازاً ووُجُوباً.
فالمحذوفُ جَوَازاً كقولِكَ: (سَيْرَ زَيْدٍ) لِمَن قالَ: (أيَّ سَيْرٍ سِرْتَ؟)، و(ضَرْبَتَيْنِ) لِمَن قالَ: (كم ضَرَبْتَ زَيْداً؟)، والتقديرُ: (سِرْتُ سَيْرَ زَيْدٍ، وضَرَبْتُهُ ضَرْبَتَيْنِ).
وقولُ ابنِ المُصَنِّفِ: إنَّ قولَه: (وحذفُ عَامِلِ المؤكِّدِ امْتَنَعْ) سَهْوٌ منه؛ لأنَّ قولَكَ: (ضَرْباً زيداً) مصدرٌ مؤكِّدٌ، وعاملُه محذوفٌ وُجُوباً، كما سيأتي - ليسَ بصحيحٍ ([12])، وما اسْتَدَلَّ به على دَعْوَاهُ مِن وُجُوبِ حذفِ عاملِ المؤكِّدِ بما سيأتي ليسَ منه؛ وذلك لأنَّ (ضَرباً زيداً) ليسَ من التأكيدِ في شيءٍ، بل هو أمرٌ خالٍ مِن التأكيدِ، بمثابةِ: (اضْرِبْ زَيْداً)؛ لأنَّه واقعٌ مَوْقِعَه، فكما أنَّ (اضْرِبْ زيداً) لا تأكيدَ فيه، كذلك ضَرْباً زيداً.
وكذلك جميعُ الأمثلةِ التي ذَكَرَها لَيْسَتْ مِن بابِ التأكيدِ في شيءٍ؛ لأنَّ المصدرَ فيها نائبٌ مَنَابَ العاملِ دالٌّ على ما يَدُلُّ عليه، وهو عِوَضٌ منه، ويَدُلُّ على ذلك عدمُ جوازِ الجمعِ بينَهما، ولا شيءَ مِن المؤكِّدَاتِ يَمْتَنِعُ الجمعُ بينَها وبينَ المؤكَّدِ.
وممَّا يَدُلُّ أيضاً على أنَّ (ضَرْباً زَيْداً) ونحوَه ليسَ مِن المصدرِ المؤكِّدِ لعاملِه، أنَّ المصدرَ المؤكِّدَ لا خِلافَ في أنه لا يَعْمَلُ، واخْتَلَفُوا في المصدرِ الواقعِ موقعَ الفعلِ هل يَعْمَلُ أو لا؟
والصحيحُ أنه يَعْمَلُ؛ فـ(زيداً) في قولِكَ: (ضَرْباً زَيداً) منصوبٌ بـ(ضَرْباً) على الأصحِّ، وقيلَ: إنه منصوبٌ بالفعلِ المحذوفِ، وهو (اضْرِبْ).
فعلى القولِ الأوَّلِ نابَ (ضَرْباً) عن (اضْرِبْ) في الدَّلالةِ على معناه وفي العملِ، وعلى القولِ الثاني نابَ عنه في الدَّلالةِ على المعنى دونَ العملِ.
والحَذْفُ حَتْمٌ مَعَ آتٍ بَدَلاَ = مِنْ فِعْلِهِ كَنَدْلاً اللَّذْ كَانْدُلاَ ([13])
يُحْذَفُ عاملُ المصدرِ وُجُوباً في مواضِعَ:
منها: إذا وَقَعَ المصدرُ بَدَلاً مِن فِعْلِه، وهو مَقِيسٌ في الأمرِ والنهيِ، نحوُ: (قِيَاماً لا قُعُوداً)؛ أي: قُمْ قِيَاماً ولا تَقْعُدْ قُعُوداً، والدعاءِ نحوُ: (سَقْياً لَكَ)؛ أي: سَقَاكَ اللهُ.
وكذلك يُحْذَفُ عاملُ المصدرِ وُجُوباً إذا وَقَعَ المصدرُ بعدَ الاستفهامِ المقصودِ به التوبيخُ، نحوُ: (أَتَوَانِياً وقد عَلاَكَ المَشِيبُ؟)؛ أي: أَتَتَوَانَى وقد عَلاَكَ ([14]).
ويَقِلُّ حَذْفُ عاملِ المصدرِ وإقامةُ المصدرِ مُقامَه في الفعلِ المقصودِ به الخبرُ، نحوُ: (أَفْعَلُ وكَرَامَةً)؛ أي: وأُكْرِمُكَ.
فالمصدرُ في هذه الأمثلةِ ونحوِها منصوبٌ بفِعْلٍ محذوفٍ وُجُوباً، والمصدرُ نائبٌ منابَه في الدَّلالةِ على معناه، وأشارَ بقولِهِ: (كَنَدْلاً) إلى ما أَنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ، وهو قولُ الشاعِرِ:
162- يَمُرُّونَ بِالدَّهْنَا خِفَافاً عِيَابُهُمْ = ويَرْجِعْنَ مِنْ دَارِينَ بُجْرَ الْحَقَائِبِ

على حِينَ أَلْهَى النَّاسَ جُلُّ أُمُورِهِمْ = فَنَدْلاً زُرَيْقُ الْمَالَ نَدْلَ الثعالِبِ ([15])
فـ(نَدْلاً) نائبٌ مَنَابَ فعلِ الأمرِ، وهو انْدُلْ، والنَّدْلُ: خَطْفُ الشيءِ بسرعةٍ، و(زُرَيْقُ) مُنَادًى، والتقديرُ: نَدْلاً يا زُرَيْقُ المالَ. وزُرَيْقُ اسمُ رَجُلٍ، وأجازَ المصنِّفُ أنْ يكونَ مرفوعاً بِنَدْلاً، وفيه نَظَرٌ ([16])؛ لأنَّه إنْ جَعَلَ نَدْلاً نائباً منابَ فعلِ الأمرِ للمخاطَبِ، والتقديرُ: (انْدُلْ) لم يَصِحَّ أنْ يكونَ مرفوعاً به؛ لأنَّ فعلَ الأمرِ إذا كانَ للمخاطَبِ لا يَرْفَعُ ظاهراً، فكذلك ما نابَ مَنَابَه، وإنْ جُعِلَ نائباً منابَ فعلِ الأمرِ للغائبِ، والتقديرُ: (لِيَنْدُلْ) صَحَّ أنْ يكونَ مرفوعاً به، لكِنَّ المنقولَ أنَّ المصدرَ لا ينوبُ منابَ فعلِ الأمرِ للغائبِ، وإنما يَنُوبُ منابَ فعلِ الأمرِ للمخاطَبِ، نحوُ: (ضَرْباً زَيْداً)؛ أي: اضْرِبْ زَيْداً. واللهُ أَعْلَمُ.
وما لِتَفْصِيلٍ كإِمَّا مَنَّا = عامِلُهُ يُحْذَفُ حَيْثُ عَنَّا ([17])

يُحْذَفُ أيضاً عاملُ المصدرِ وُجُوباً إذا وَقَعَ تَفْصِيلاً لعاقبةِ ما تَقَدَّمَه ([18])؛ كقولِه تعالى: {حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} فمَنًّا وفِدَاءً مصدرانِ منصوبانِ بفعلٍ محذوفٍ وُجُوباً، والتقديرُ واللهُ أَعْلَمُ: فإمَّا تَمُنُّونَ مَنًّا وإمَّا تَفْدُونَ فِدَاءً، وهذا معنى قولِه: (وما لتفصيلٍ... إلى آخرِهِ)؛ أي: يُحْذَفُ عاملُ المصدرِ المَسُوقِ للتفصيلِ حيثُ عَنَّ؛ أي: عَرَضَ.
كَذَا مُكَرَّرٌ وَذُو حَصْرٍ وَرَدْ = نَائِبَ فِعْلٍ لاسْمِ عَيْنٍ اسْتَنَدْ ([19])
أي: كذلك يُحْذَفُ عاملُ المصدرِ وُجُوباً إذا نابَ المصدرُ عن فعلٍ اسْتَنَدَ لاسمِ عينٍ - أي: أُخْبِرَ به عنه - وكانَ المصدرُ مُكَرًّراً أو محصوراً ([20])، فمثالُ المكَرَّرِ: (زيدٌ سَيْراً سَيْراً)، والتقديرُ: (زيدٌ يَسِيرُ سيراً)، فحُذِفَ (يَسِيرُ) وُجُوباً؛ لِقِيَامِ التكريرِ مَقَامَه، ومثالُ المحصورِ: (ما زيدٌ إلاَّ سَيْراً)، و(إنما زَيْدٌ سَيْراً)، والتقديرُ: (إلاَّ يَسِيرُ سَيْراً)، فحُذِفَ (يَسِيرُ) وُجُوباً؛ لِمَا في الحَصْرِ مِن التأكيدِ القائمِ مَقامَ التكريرِ، فإنْ لم يُكَرَّرْ ولم يُحْصَرْ لم يَجِبِ الحذفُ، نحوُ: (زيدٌ سَيْراً)، التقديرُ: زيدٌ يَسِيرُ سَيْراً، فإنْ شِئْتَ حَذَفْتَ (يَسِيرُ)، وإنْ شِئْتَ صَرَّحْتَ به. واللهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْهُ مَا يَدْعُونَهُ مُؤَكِّدَا = لِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ فَالْمُبْتَدَا ([21])
نحوُ: (لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ عُرْفَا) = والثانِ كـ(ابْنِي أَنْتَ حَقًّا صِرْفَا) ([22])
أي: مِن المصدرِ المحذوفِ عاملُه وُجُوباً ما يُسَمَّى المؤكِّدَ لِنَفْسِهِ والمُؤَكِّدَ لغيرِه.
فالمؤكِّدُ لنفسِه: الواقِعُ بعدَ جُمْلَةٍ لا تَحْتَمِلُ غيرَه، نحوُ: (له عليَّ أَلْفٌ عُرْفاً)؛ أي: اعْتِرَافاً، فاعْتِرَافاً مصدرٌ منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ وُجُوباً، والتقديرُ: (أَعْتَرِفُ اعْتِرَافاً)، ويُسَمَّى مُؤَكِّداً لنفسِه؛ لأنَّه مُؤَكِّدٌ للجملةِ قبلَه، وهي نفسُ المصدرِ، بمعنى: أنَّها لا تَحْتَمِلُ سِوَاهُ، وهذا هو المرادُ بقولِهِ: (فالمُبْتَدَا)؛ أي: فالأوَّلُ مِن القِسْمَيْنِ المذكوريْنِ في البيتِ الأوَّلِ.
والمؤكِّدُ لغيرِه: هو الواقِعُ بعدَ جُمْلةٍ تَحْتَمِلُه وتَحْتَمِلُ غيرَه، فتَصِيرُ بذِكْرِهِ نَصًّا فيه، نحوُ: (أنتَ ابْنِي حَقًّا)، فحقًّا مصدرٌ منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ وُجُوباً، والتقديرُ: أَحُقُّهُ حقًّا، وسُمِّيَ مُؤَكِّداً لِغَيْرِهِ؛ لأنَّ الجملةَ قبلَه تَصْلُحُ له ولغيرِه؛ لأنَّ قَوْلَكَ: (أنتَ ابني) يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ حقيقةً، وأنْ يكونَ مجازاً على معنى أنتَ عندِي في الحُنُوِّ بمنزلةِ ابْنِي، فلَمَّا قالَ: (حَقًّا) صارَتِ الجملةُ نَصًّا في أنَّ المرادَ البُنُوَّةُ حقيقةً، فتَأَثَّرَتِ الجملةُ بالمصدرِ؛ لأنَّها صَارَتْ به نَصًّا، فكانَ مُؤَكِّداً لِغَيْرِهِ؛ لِوُجُوبِ مُغَايَرَةِ المُؤَثِّرِ للمُؤَثَّرِ فيه.
كذاكَ ذُو التَّشْبِيهِ بَعْدَ جُمْلَهْ = كـ(لِي بُكاً بُكَاءَ ذَاتِ عُضْلَهْ) ([23])
أي: كذلك يَجِبُ حَذْفُ عاملِ المصدرِ إذا قُصِدَ به التشبيهُ بعدَ جملةٍ مُشْتَمِلَةٍ على فاعلِ المصدرِ في المعنى ([24])، نحوُ: (لِزَيْدٍ صَوْتٌ صَوْتَ حِمَارٍ، وله بُكاءٌ بُكَاءَ الثَّكْلَى)، فـ(صوتَ حِمارٍ) مصدرٌ تَشْبِيهِيٌّ، وهو منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ وُجُوباً، والتقديرُ: يُصَوِّتُ صوتَ حِمَارٍ، وقبلَه جملةٌ، وهي (لِزَيْدٍ صَوْتٌ)، وهي مشتمِلَةٌ على الفاعلِ في المعنَى، وهو (زَيْدٍ)، وكذلك (بُكَاءَ الثَّكْلَى) منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ وُجُوباً، والتقديرُ: يَبْكِي بُكَاءَ الثَّكْلَى، فلو لم يَكُنْ قبلَ هذا المصدرِ جملةٌ وَجَبَ الرفعُ، نحوُ: (صَوْتُهُ صوتُ حِمَارٍ، وبُكَاؤُهُ بكاءُ الثَّكْلَى)، وكذا لو كانَ قبلَه جملةٌ ولَيْسَتْ مُشْتَمِلَةً على الفاعلِ في المعنى، نحوُ: (هذا بكاءٌ بُكَاءُ الثَّكْلَى، وهذا صوتٌ صَوْتُ حِمَارٍ).
ولم يَتَعَرَّضِ المصنِّفُ لهذا الشرطِ، ولكنَّه مفهومٌ مِن تمثيلِه.


([1]) (المَصْدَرُ) مبتدأٌ، (اسْمُ) خبرُ المُبْتَدَأِ، واسمُ مضافٌ و(ما) اسمٌ مَوْصُولٌ مُضَافٌ إليهِ، (سِوَى) ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ صلةُ الموصولِ، وسِوَى مضافٌ و(الزمانِ) مُضَافٌ إليهِ (مِنْ مَدْلُولَي) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بما تَعَلَّقَ به سِوَى، ومَدْلُولَي مضافٌ و(الفِعْلِ) مُضَافٌ إليهِ، (كَأَمْنٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرِ مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: وذلك[ كائنٌ] كأَمْنٍ، (مِن أَمِنْ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ نعتٌ لأَمْنٍ المصدرِ.

([2]) (بِمِثْلِهِ) الجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بنُصِبَ الآتي، ومثلِ مضافٌ والضميرُ مُضَافٌ إليهِ، (أو فِعْلٍ او وَصْفٍ) معطوفانِ على مِثْلِ، (نُصِبْ) فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ للمجهولِ، ونائبُ الفاعلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازاً تَقْدِيرُه هو يعودُ إلى المصدرِ، (وكَوْنُه) الواوُ عاطفةٌ، كانَ: مبتدأٌ، وكونُ مضافٌ والضميرُ مُضَافٌ إليهِ من إضافةِ مصدرِ الفعلِ الناقصِ إلى اسمِه، (أَصْلاً) خبرُ الكونِ مِن جِهَةِ النُّقصانِ، (لِهَذَيْنِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ: أَصْلاً، أو بمحذوفٍ صفةٌ له، (انْتُخِبْ) فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ للمجهولِ، ونائبُ الفاعلِ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازاً تَقْدِيرُه هو يعودُ إلى (كونُه أَصْلاً)، والجملةُ في مَحَلِّ رفعٍ خبرُ المُبْتَدَأِ الذي هو كَوْنُهُ أَصْلاً، وهذا خَبَرُه من جهةِ الابتداءِ.

([3]) يُشْتَرَطُ في الفعلِ الذي يَنْصِبُ المفعولَ المُطْلَقَ ثلاثةُ شروطٍ: الأَوَّلُ: أنْ يكونَ مُتَصَرِّفاً، والثاني: أنْ يكونَ تامًّا، والثالثُ: ألاَّ يكونَ مُلْغًى عن العملِ، فإنْ كانَ الفعلُ جامداً؛ كعَسَى وليسَ وفِعْلِ التعجُّبِ ونِعْمَ وبِئْسَ، أو كانَ ناقصاً؛ ككانَ وأَخَوَاتِها، أو كانَ مُلْغًى كظَنَّ وأَخَوَاتِها، إنْ تَوَسَّطَتْ بينَ المفعوليْنِ أو تَأَخَّرَتْ عنهما، فإنَّه لا يَنْصِبُ المفعولَ المطلَقَ.

([4]) يَشْتَرِكُ في الوصفِ الذي يَنْصِبُ المفعولَ المُطْلَقَ شرطانِ: أَحَدُهما: أنْ يكونَ مُتَصَرِّفاً، وثانيهما: أنْ يكونَ إمَّا اسمَ فاعلٍ وإمَّا اسمَ مفعولٍ، وإمَّا صيغةَ مبالغةٍ، فإنْ كانَ اسمَ تفضيلٍ لم يَنْصِبِ المفعولَ المُطْلَقَ بغيرِ خِلافٍ فيما نَعْلَمُ، وأمَّا قولُ الشاعرِ:
أمَّا المُلُوكُ فأنتَ اليومَ أَلأَمُهُمْ = لُؤْماً وأَبْيَضُهُمْ سِرْبَالَ طَبَّاخِ
فإنَّ قَوْلَه: (لُؤْماً) مفعولٌ مُطْلَقٌ، لكنَّ ناصِبَه ليسَ هو قولَه (أَلأَمُهُمْ) الذي هو أَفْعَلُ تفضيلٍ، ولكنَّ ناصبَه محذوفٌ، يَدُلُّ عليه (أَلأَمُهُم)، وتقديرُ الكلامِ على هذا: فأنتَ اليومَ أَلأَمُهُم، تَلْؤُمُ لُؤْماً.
واخْتَلَفُوا في الصفَةِ المُشَبَّهَةِ، فحَمَلَها قومٌ على أفعلِ التفضيلِ، ومَنَعُوا مِن نَصْبِها المفعولَ المُطْلَقَ، وذَهَبَ ابنُ هِشَامٍ إلى جَوَازِ نَصْبِها إيَّاهُ؛ مُسْتَدِلاًّ بقولِ النابغةِ الذُّبْيَانِيِّ:
وَأَرَانِي طَرِباً فِي إِثْرِهِمْ = طَرَبَ الوَالِهِ أَوْ كَالمُخْتَبَلْ

فإنَّ قَوْلَه: (طَرَبَ الوالِهِ) مفعولٌ مُطْلَقٌ، وزَعَمَ أنَّ ناصِبَه قولُه (طَرِباً) الذي هو صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ، وغيرُه يَجْعَلُ هذه الصفةَ المُشَبَّهَةَ دَلِيلاً على العامِلِ، ولَيْسَتْ هي العاملَ، والتقديرُ: أَرَانِي طَرِباً في إِثْرِهِم أَطْرَبُ طَرَبَ الوَالِهِ... إلخ، على نَحْوِ ما قالوه في أَفْعَلِ التفضيلِ.

([5]) (تَوْكِيداً) مفعولٌ به مُقَدَّمٌ لِيُبِينُ، (أَوْ نَوْعاً) معطوفٌ عليه، (يُبِينُ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازاً تَقْدِيرُه هو يعودُ إلى المصدرِ، (أو عَدَدْ) مَعْطُوفٌ على قولِهِ: (نَوْعاً) السابقِ، ووَقَفَ عليه بالسكونِ على لُغَةِ رَبِيعَةَ، (كَسِرْتُ) الكافُ جارَّةٌ لقولٍ محذوفٍ كما سَبَقَ مِراراً، سِرْتُ: فعلٌ وفاعلٌ، (سَيْرَتَيْنِ) مفعولٌ مُطْلَقٌ يُبَيِّنُ العددَ، (سَيْرَ) مفعولٌ مُطْلَقٌ يُبَيِّنُ النوعَ، وسَيْرَ مضافٌ و(ذي) بمعنى صاحبٍ مُضَافٌ إليهِ، وذي مضافٌ و(رَشَدْ) مُضَافٌ إليهِ، مجرورٌ بالكسرةِ الظاهرةِ، وسَكَّنَهُ للوقفِ.

([6]) المفعولُ المُطْلَقُ الذي يُبَيِّنُ نَوْعَ عاملِه هو: ما يكونُ على واحدٍ مِن ثلاثةِ أحوالٍ:
الأوَّلُ: أنْ يكونَ مُضَافاً، نحوُ قولِكَ: اعْمَلْ عَمَلَ الصالحينَ، وجِدَّ جِدَّ الحريصِ على بُلُوغِ الغايةِ. وهذا النوعُ مِن بابِ النيابةِ عن مصدرِ الفعلِ نفسِه؛ لاستحالةِ أنْ يَفْعَلَ إنسانٌ فِعْلَ غيرِه، وإنما يَفْعَلُ فِعْلاً مُمَاثِلاً لِفِعْلِ غَيْرِهِ، فالحقيقةُ في هذين المثاليْنِ أنْ تقولَ: اعْمَلْ عَمَلاً مُشَابِهاً لِعَمَلِ الصالحينَ، وجِدَّ جِدًّا مُمَاثِلاً لِجِدِّ الحريصِ.
الثاني: أنْ يكونَ مَوْصُوفاً، نحوُ قَوْلِكَ: اعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً، وسِرْتُ سَيْراً وَئِيداً، وليسَ هذا من بابِ النيابةِ قَطْعاً.
الثالثُ: أنْ يكونَ مَقْرُوناً بألِ العَهْدِيَّةِ، نحوُ قولِكَ: اجْتَهَدْتُ الاجتهادَ، وجَدَدْتُ الجِدَّ، وهذا يَحْتَمِلُ الأمريْنِ جَمِيعاً، فإذا كانَ المعهودُ بينَ المتكلِّمِ والمخاطَبِ فِعْلَ شخصٍ آخَرَ، كانَ من بابِ النيابةِ، وكأنَّ المُتَكَلِّمَ يقولُ: اجْتَهَدْتُ اجْتِهَاداً مثلَ ذلك الاجتهادِ الذي تَعْلَمُ أنَّ فُلاناً قد اجْتَهَدَهُ، وإنْ كانَ المعهودُ بينَهما هو اجتهادَ المتكلِّمِ نفسِه، وأنه قَصَدَ بِدُخُولِ ألْ عليه اسْتِحْضَارَ صُورَتِهِ، لم يَكُنْ مِن بابِ النيابةِ؛ لأنَّه فِعْلُه.

([7]) (وقد) هنا حرفُ تَحْقِيقٍ، (يَنُوبُ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ، (عنه) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بيَنُوبُ، (ما) اسمٌ مَوْصُولٌ: فاعلُ يَنُوبُ مَبْنِيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ جَرٍّ، (عليه) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِدَلَّ الآتي، (دَلْ) فِعْلٌ ماضٍ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازاً تَقْدِيرُه هو يعودُ إلى ما، والجملةُ لا مَحَلَّ لها صِلَةُ ما، (كجِدَّ) الكافُ جارَّةٌ لقولٍ محذوفٍ، جِدَّ: فِعْلُ أَمْرٍ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوباً تَقْدِيرُه أنتَ، (كُلَّ) مفعولٌ مُطْلَقٌ، نائبٌ عن المصدرِ، منصوبٌ بالفتحةِ الظاهرةِ، وكلَّ مضافٌ و(الجِدِّ) مُضَافٌ إليهِ، (وافْرَح) الواوُ حرفُ عطفٍ، افْرَح: فِعْلُ أَمْرٍ، والفاعلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوباً تَقْدِيرُه أنتَ، (الجَذَلْ) مفعولٌ مُطْلَقٌ.

([8]) ومنه قولُ مَجْنُونِ بني عامِرٍ قَيْسِ بنِ المُلَوَّحِ:
وقد يَجْمَعُ اللهُ الشَّتِيتَيْنِ بَعْدَمَا = يَظُنَّانِ كُلَّ الظَّنِّ أَنْ لاَ تَلاَقِيَا


([9]) اعْلَمْ أنه إذا وَقَعَ المصدرُ المنصوبُ بعدَ فعلٍ مِن معناه، لا مِن لفظِه، فلكَ في إعرابِه ثلاثةُ أَوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنْ تَجْعَلَهُ مفعولاً مُطْلَقاً، والنُّحَاةُ في هذا الوجهِ مِن الإعرابِ على مذهبيْنِ؛ فذَهَبَ المَازِنِيُّ والسِّيرَافِيُّ والمُبَرِّدُ إلى أنَّ العاملَ فيه هو نَفْسُ الفعلِ السابقِ عليه، واختارَ ابنُ مالِكٍ هذا القولَ، وذَهَبَ سِيبَوَيْهِ والجمهورُ إلى أنَّ العاملَ فيه فِعْلٌ آخَرُ من لفظِ المصدرِ، وهذا الفعلُ المذكورُ دليلٌ على المحذوفِ.
الثاني: أنْ تَجْعَلَ المصدرَ مَفْعُولاً لأجلِهِ إنْ كانَ مُسْتَكْمِلاً لشروطِ المفعولِ لأجلِهِ.
الثالِثُ: أنْ تَجْعَلَ المصدرَ حَالاً بتأويلِ المشتَقِّ، فإذا قُلْتَ: (فَرِحْتُ جَذَلاً) فجَذَلاً: عندَ المَازِنِيِّ ومَن معَه مفعولٌ مُطْلَقٌ منصوبٌ بفَرِحْتُ، وعندَ سِيبَوَيْهِ مفعولٌ مُطْلَقٌ منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ، وتقديرُ الكلامِ على هذا: فَرِحْتُ وجَذِلْتُ جَذَلاً، وعلى الوجهِ الثاني هو مفعولٌ لأجلِه، بتقديرِ: فَرِحْتُ لأجلِ الجَذَلِ، وعلى الوجهِ الثالثِ حالٌ، بتقديرِ: فَرِحْتُ حالَ كَوْنِي جَذْلاَنَ.

([10]) (وما) اسمٌ مَوْصُولٌ مفعولٌ مُقَدَّمٌ على عاملِه، وهو (وَحِّد) الآتي، (لِتَوْكِيدٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ صِلَةُ ما، (فَوَحِّد) الفاءُ زائدةٌ، ووَحِّدْ: فِعْلُ أَمْرٍ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوباً تَقْدِيرُه أنتَ، (أَبَدَا) منصوبٌ على الظرفيَّةِ، (وَثَنِّ) فِعْلُ أَمْرٍ، وفيه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ وُجُوباً هو فاعلُه، (وَاجْمَعْ) مَعْطُوفٌ على ثَنِّ، (غَيْرَهُ) تَنَازَعَهُ كلٌّ مِن ثَنِّ واجْمَعْ، (وَأَفْرِدَا) الواوُ حرفُ عطفٍ، وأَفْرِد: فِعْلُ أَمْرٍ مؤكَّدٌ بالنونِ الخفيفةِ، وقُلِبَتْ نونُ التوكيدِ أَلِفاً للوقفِ، وفيه ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ وُجُوباً تَقْدِيرُه أنتَ هو فاعِلُه.

([11]) (وحَذْفُ) مبتدأٌ، وحَذْفُ مضافٌ، و(عامِلِ) مُضَافٌ إليهِ، وعامِلِ مضافٌ و(المُؤَكِّدِ) مضافٌ إليه، (امْتَنَعْ) فِعْلٌ ماضٍ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازاً تَقْدِيرُه هو يعودُ إلى حَذْفُ، والجملةُ مِن امْتَنَع وفاعلِه في مَحَلِّ رَفْعٍ خبرُ المُبْتَدَأِ، (وفي سِوَاهُ) الواوُ حَرْفُ عَطْفٍ، وما بعدَها جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وسِوَى مضافٌ والضميرُ مُضَافٌ إليهِ، (لِدَلِيلٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِمُتَّسَع، (مُتَّسَعْ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ.

([12]) جملةُ (ليسَ بصحيحٍ)، خبرُ المُبْتَدَأِ الذي هو قولُه: (وقولُ ابنِ المُصَنِّفِ).

([13]) (والحَذْفُ حَتْمٌ) مبتدأٌ وخَبَرٌ، (مَعَ) ظرفٌ منصوبٌ على الظرفيَّةِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بالخَبَرِ، ومعَ مضافٌ و(آتٍ) مُضَافٌ إليهِ، (بَدَلاَ) حالٌ مِن الضميرِ المستَتِرِ في آتٍ، (مِن فِعْلِهِ) الجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ: بَدَلاَ، وفِعْلِ مضافٌ والضميرُ مُضَافٌ إليهِ، (كَنَدْلاً) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أو حالٍ مِن الضميرِ المستترِ في آتٍ، (اللَّذْ) اسمٌ مَوْصُولٌ صِفَةٌ لِنَدْلاً، (كَانْدُلاَ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ صلةُ الموصولِ، والكافُ في (كَنَدْلاً) وفي كَانْدُلاَ داخلةٌ على مقصودٍ لَفْظُه، فكلٌّ مِنهما مجرورٌ بكسرةٍ مُقَدَّرَةٍ على آخرِهِ، مَنَعَ مِن ظُهُورِهَا الحكايةُ.

([14]) اعْلَمْ أنَّ المصدرَ الآتِيَ بَدَلاً مِن فِعْلٍ على ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهما: المرادُ به طَلَبٌ، وثانيهما: المرادُ به خَبَرٌ، فأمَّا المرادُ به طَلَبٌ فأربعةُ أنواعٍ: الأوَّلُ: ما كانَ المرادُ به الأمرَ؛ كبَيْتِ الشاهدِ الآتي (رَقْمِ 162)، والثاني: ما كانَ المرادُ به النهيَ؛ كقَوْلِكَ: قِيَاماً لا قُعُوداً، والثالثُ: ما كانَ المرادُ به الدعاءَ، نحوُ: سَقْياً لكَ، والرابِعُ: ما كانَ المرادُ به التوبيخَ؛ كقولِهِم: أَتَوَانِياً وقد جَدَّ الجِدُّ؟
وأمَّا المرادُ به خبرٌ فعلى ضَرْبَيْنِ: سَمَاعِيٍّ، ومَقِيسٍ، فأمَّا السماعيُّ فنحوُ قولِهِم: لا أَفْعَلُ ولا كَرَامَةَ، وأما المَقِيسُ فهو أنواعٌ كثيرةٌ: منها ما ذُكِرَ تَفْصِيلاً لعاقِبَةِ جملةٍ قَبْلَه، ومنها ما كانَ مُكَرَّراً، أو مَحْصُوراً، ومنها ما جاءَ مُؤَكِّداً لنفسِه، أو لغيرِه، وقد تَكَفَّلَ الشارِحُ بِبَيَانِ ذلك النوعِ بَيَاناً وَافِياً.

([15]) البيتانِ لأَعْشَى هَمْدَانَ، مِن كَلِمَةٍ يَهْجُو فيها لُصُوصاً.
اللغةُ: (الدَّهْنَا) يُقْصَرُ ويُمَدُّ: موضِعٌ مَعروفٌ لِبَنِي تَمِيمٍ، (عِيَابُهُم) العِيَابُ: جَمْعُ عَيْبَةٍ، وهي وِعَاءُ الثيابِ، (دَارِينَ) قريةٌ بالبَحْرَيْنِ مشهورةٌ بالمِسْكِ، وفيها سُوقٌ، (بُجْرَ) بضمٍّ فسكونٍ: جمعُ بَجْرَاءَ، وهي الممتلِئَةُ، والحقائبُ جَمْعُ حَقِيبَةٍ، وهي هنا العَيْبَةُ أيضاًً، (أَلْهَى الناسَ) شَغَلَهُم وأَوْرَثَهُمُ الغَفْلَةَ، (جُلُّ أُمُورِهِمْ) بضمِّ الجيمِ وتشديدِ اللامِ: مُعْظَمُها وأَكْثَرُها، (نَدْلاً) خَطْفاً في خِفَّةٍ وسُرْعَةٍ.
المعنى: هؤلاءِ اللصوصُ يَمُرُّونَ بالدَّهْنَاءِ في حِينِ ذَهَابِهِم إلى دَارِينَ، وقد صَفِرَتْ عِيَابُهُم مِن المتاعِ، فلا شيءَ فيها، ولكنَّهم عندَما يَعُودُونَ مِن دَارِينَ يكونون قد مَلَؤُوا هذه العِيَابَ حتى انْتفَخَتْ وعَظُمَتْ، وذلك ناشئٌ مِن أنهم يَخْتَلِسُونَ غَفْلَةَ الناسِ بِمَهَامِّهِم وبِمُعْظَمِ أُمُورِهِم، فيَسْطُونَ على ما غَفَلُوا عنه مِن المَتَاعِ، ويُنَادِي بَعْضُهم بَعْضاً: اخْطَفْ خَطْفاً سريعاً، وكُنْ خَفِيفَ اليَدِ سَرِيعَ الرَّوَغَانِ.
الإعرابُ: (يَمُرُّونَ) فِعْلٌ وفاعلٌ، (بِالدَّهْنَا) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِيَمُرُّ، (خِفَافاً) حالٌ من الفاعلِ، (عِيَابُهُمْ) عِيَابُ: فاعلٌ لخِفَافٍ، وعِيَابُ مضافٌ وضميرُ الغائبينَ مُضَافٌ إليهِ، (ويَرْجِعْنَ) فِعْلٌ وفاعلٌ، والتعبيرُ بنونِ الإناثِ في قَوْلِهِ: (يَرْجِعْنَ) لتأويلِهم بالجماعةِ، أو لِقَصْدِ تَحْقِيرِهم، (مِن دَارِينَ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِيَرْجِعُ، (بُجْرَ) حالٌ من الفاعلِ، وبُجْرَ مضافٌ و(الحقائبِ) مُضَافٌ إليهِ، (على) حرفُ جرٍّ، (حِينَ) ظرفُ زَمَانٍ مَبْنِيٌّ على الفتحِ في مَحَلِّ جرٍّ، أو مجرورٌ بالكسرةِ الظاهرةِ، (أَلْهَى) فِعْلٌ ماضٍ، (الناسَ) مفعولٌ بِه لأَلْهَى تَقَدَّمَ على فاعلِه، (جُلُّ) فاعلُ أَلْهَى، وجُلُّ مضافٌ وأُمُورِ مِن (أُمُورِهِمْ) مُضَافٌ إليهِ، وأمورِ مضافٌ وضميرُ الغائبينَ مُضَافٌ إليهِ، (فَنَدْلاً) مفعولٌ مُطْلَقٌ منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ، (زُرَيْقُ) مُنَادًى بحرفِ نِداءٍ محذوفٍ، وجملةُ النداءِ مُعْتَرِضَةٌ لا مَحَلَّ لها، (المالَ) مفعولٌ به لقولِهِ: (نَدْلاً) السابقِ، (نَدْلَ) مفعولٌ مطلقٌ مُبَيِّنٌ للنوعِ، ونَدْلَ مضافٌ و(الثعالبِ) مُضَافٌ إليهِ.
الشاهدُ فيه: قولُهُ (فَنَدْلاً)؛ حيثُ نابَ مَنَابَ فِعْلِه، وهو مصدرٌ، وعاملُه محذوفٌ وُجُوباً، على ما تَبَيَّنَ لك في الإعرابِ.

([16]) ولو كانَ (زُرَيْقُ) فاعلاً لجاءَ به مُنَوَّناً؛ لأنَّه اسمُ رجلٍ كما عَلِمْتَ، فلَمَّا جاءَ به غيرَ مُنَوَّنٍ عَلِمْنَا أنه مُنَادًى بحرفِ نداءٍ محذوفٍ، ومِن هنا تَعْلَمُ أنه لا دَاعِيَ لمناقشةِ الشارِحِ التي رَدَّ بها على المُصَنِّفِ زَعْمَهُ أنَّ (زُرَيْقُ) فاعلٌ.

([17]) (ما) اسمٌ مَوْصُولٌ: مبتدأٌ أوَّلُ، (لِتَفْصِيلٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ صِلَةٌ، (كإِمَّا) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ نعتٌ لِتَفْصِيلٍ، (مَنَّا) مفعولٌ مطلقٌ حُذِفَ عاملُه وُجُوباً، (عامِلُهُ) عاملُ: مبتدأٌ ثانٍ، وعاملُ مضافٌ والضميرُ مُضَافٌ إليهِ، (يُحْذَفُ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَبْنِيٌّ للمجهولِ، ونائبُ الفاعلِ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازاً تَقْدِيرُه هو يعودُ إلى عامِلُ الواقعِ مبتدأً ثانياً، والجملةُ مِن يُحْذَفُ ونائبِ فاعلِه في مَحَلِّ رفعٍ خبرُ المُبْتَدَأِ الثاني، وجملةُ المبتدأِ الثاني وخبرِه في مَحَلِّ رَفْعٍ خبرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ، (حَيْثُ) ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بِيُحْذَفُ مَبْنِيٌّ على الضمِّ في مَحَلِّ نَصْبٍ، (عَنَّا) فِعْلٌ ماضٍ، والألفُ للإطلاقِ، والفاعلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازاً تَقْدِيرُه هو يعودُ إلى عامِلُ، والجملةُ مِن عنَّ وفاعلِه في مَحَلِّ جرٍّ بإضافةِ حيثُ إليها.

([18]) يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ حذفِ العاملِ مِن هذا النوعِ ثلاثةُ شُرُوطٍ: الأوَّلُ: أنْ يكونَ المقصودُ به تَفْصِيلَ عاقِبَةٍ؛ أي: بيانَ الفائدةِ المُتَرَتِّبَةِ على ما قبلَه، والحاصلةِ بعدَه، والشرطُ الثاني: أنْ يكونَ ما يُرَادُ تَفْصِيلُ عاقبتِه جُمْلَةً، سواءٌ أكانَتْ طَلَبِيَّةً كالآيةِ الكريمةِ التي تلاها الشارِحُ، أم كانَتِ الجملةُ خَبَرِيَّةً؛ كقولِ الشاعِرِ:
لأَجْهَدَنَّ فَإِمَّا رَدَّ وَاقِعَةٍ = تُخْشَى وإمَّا بُلُوغَ السُّؤْلِ والأَمَلِ
فإنْ كانَ ما يُرَادُ بيانُ الفائدةِ المترتِّبَةِ عليه مُفْرَداً ـ نحوُ أنْ تقولَ: لِزَيْدٍ سَفَرٌ، فإمَّا صِحَّةً وإمَّا اغْتِنَامَ مالٍ ـ لم يَجِبْ حَذْفُ العاملِ، بل يجوزُ حَذْفُه ويجوزُ ذِكْرُه. والشرطُ الثالِثُ: أنْ تكونَ الجملةُ المرادُ بيانُ عاقِبَتِها مُتَقَدِّمَةً عليه، فإنْ تَأَخَّرَتْ، مِثْلُ أنْ تقولَ: إمَّا إِهلاكاً وإما تَأديباً فاضْرِبْ زَيْداً ـ لم يَجِبْ حَذْفُ العاملِ أيضاًً.

([19]) (كذا) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، (مُكَرَّرٌ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، (وذُو) مَعْطُوفٌ على (مُكَرَّرٌ) وذو مضافٌ و(حَصْرٍ) مُضَافٌ إليهِ، وجُمْلَةُ (وَرَد) وفاعلِه المستَتِرِ فيه في مَحَلِّ رفعٍ نعتٌ للمبتدأِ وما عُطِفَ عليه، (نَائِبَ) حالٌ مِن الضميرِ المستترِ في وَرَدَ، ونائبَ مضافٌ و(فِعْلٍ) مُضَافٌ إليهِ، (لاسمِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ باسْتَنَدَ الآتي، واسمِ مضافٌ و(عَيْنٍ) مُضَافٌ إليهِ، (اسْتَنَد) فِعْلٌ ماضٍ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازاً تَقْدِيرُه هو يعودُ إلى فِعْلٍ، والجملةُ مِن اسْتَنَدَ وفاعلِه في مَحَلِّ جرٍّ نَعْتٌ لِفِعْلٍ.

([20]) يُشْتَرَطُ لوجوبِ حذفِ العاملِ من هذا النوعِ أربعةُ شروطٍ: الأوَّلُ: أنْ يكونَ العاملُ فيه خبراً لمبتدأٍ، أو لِمَا أَصْلُه المبتدأُ، والثاني: أنْ يكونَ المخبَرُ عنه اسمَ عَيْنٍ، والثالثُ: أنْ يكونَ الفعلُ مُتَّصِلاً إلى وقتِ التكلُّمِ، لا مُقْتَطَعاً، ولا مُسْتَقْبَلاً، والرابعُ أحدُ أمريْنِ: أوَّلُهما: أنْ يكونَ المصدرُ مُكَرَّراً أو مَحْصُوراً، كما مَثَّلَ الشارِحُ، أو معطوفاً عليه، نحوُ: أنتَ أَكْلاً وشُرْباً، وثانيهما: أنْ يكونَ المُخْبَرُ عنه مُقْتَرِناً بهمزةِ الاستفهامِ، نحوُ: أَأَنْتَ سَيْراً؟

([21]) (ومنه) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، (ما) اسمٌ مَوْصُولٌ: مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، (يَدْعُونَهُ) فعلٌ وفاعلٌ ومفعولٌ أوَّلُ، (مُؤَكِّدَا) مفعولٌ ثانٍ، والجملةُ مَن يَدْعُو وفاعلِه ومفعوليْهِ لا مَحَلَّ لها من الإعرابِ؛ صِلَةُ الموصولِ، (لِنَفْسِهِ) الجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بِيَدْعُو، ونفسِ مضافٌ والهاءُ ضميرُ الغائبِ مُضَافٌ إليهِ، (أو غَيْرِهِ) أو: حرفُ عَطْفٍ، غيرِ: مَعْطُوفٌ على نَفْسِهِ، وغيرِ مضافٌ وضميرُ الغائبِ مُضَافٌ إليهِ، (فالمُبْتَدَا) مبتدأٌ.

([22]) (نَحْوُ) خبرٌ للمبتدأِ في آخِرِ البيتِ السابقِ، (لَهُ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ، خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، (عَلَيَّ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ، حالٌ مِن الضميرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمجرورِ السابقِ، (أَلْفٌ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، (عُرْفَا) مفعولٌ مُطْلَقٌ، وجملةُ المبتدأِ وخبرِه في مَحَلِّ جرٍّ بإضافةِ نحوُ إليها، (والثانِ) مبتدأٌ، (كَابْنِي) الكافُ جارَّةٌ لقولٍ محذوفٍ، والجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خَبَرٍ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، (ابْنِي) ابن: خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وابن مضافٌ وياءُ المتكلِّمِ مُضَافٌ إليهِ، (أَنْتَ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، وجملةُ المبتدأِ وخبرِه في مَحَلِّ نصبٍ مَقُولٌ لذلك القولِ المحذوفِ، (حَقًّا) مفعولٌ مُطْلَقٌ، (صِرْفَا) نَعْتٌ لقولِهِ: حَقًّا.

([23]) (كَذَاكَ) كذا: جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والكافُ حرفُ خِطابٍ، (ذو) اسمٌ بمعنى صاحِبٍ: مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، وذو مضافٌ و(التشبيهِ) مُضَافٌ إليهِ، (بَعْدَ) ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ حالٌ، وبعدَ مضافٌ و(جُمْلَة) مُضَافٌ إليهِ، (كَلِي) الكافُ جَارَّةٌ لقولٍ محذوفٍ، لي، جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، (بُكاً) قُصِرَ للضرورةِ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، (بُكَاءَ) مفعولٌ مطلَقٌ، وبكاءَ مضافٌ و(ذاتِ) مُضَافٌ إليهِ، (وذاتِ) مضافٌ و(عُضْلَهْ) مُضَافٌ إليهِ.

([24]) الشروطُ التي تُشْتَرَطُ في هذا الموضِعِ سَبْعَةُ شُرُوطٍ؛ ثلاثةٌ مِنها تُشْتَرَطُ في المفعولِ المطلَقِ نفسِه، والأربعةُ الباقيةُ في الكلامِ الذي يَسْبِقُه.
فأمَّا الثلاثةُ التي يَجِبُ أنْ تَتَحَقَّقَ في المفعولِ المُطْلَقِ، فهي: أنْ يكونَ مَصْدَراً، وأنْ يكونَ مُشْعِراً بالحدوثِ، وأنْ يكونَ المرادُ به التشبيهَ.
وأمَّا الأربعةُ التي يَجِبُ أنْ تَتَحَقَّقَ فيما يَتَقَدَّمُه، فهي: أنْ يكونَ السابِقُ عليه جُمْلَةً، وأنْ تكونَ هذه الجملةُ مُشْتَمِلَةً على فاعلِ المصدرِ، وأنْ تكونَ أيضاًً مُشْتَمِلَةً على معنى المصدرِ، وأنْ يكونَ في هذه الجملةِ ما يَصْلُحُ للعملِ في المصدرِ.
فإنْ لم يَكُنِ المصدرُ مُشْعِراً بالحُدُوثِ، نحوُ قولِكَ: لِفُلانٍ ذَكاءٌ ذَكَاءُ الحُكَمَاءِ، أو لم تَتَقَدَّمْه جملةٌ، بل تَقَدَّمَهُ مُفْرَدٌ؛ كقولِكَ: صَوْتُ فُلانٍ صَوْتُ حِمَارٍ، أو تَقَدَّمَتْهُ جُملةٌ ولكنَّها لم تَشْتَمِلْ على فاعلِ المصدرِ؛ كقولِكَ: دَخَلْتُ الدارَ فإذا فيها نَوْحٌ نَوْحُ الحَمامِ ـ ففي كلِّ هذه المُثُلِ وما أَشْبَهَهَا لا يكونُ المصدرُ مفعولاً مُطْلَقاً والعاملُ فيه محذوفٌ وُجُوباً، بل هو فيما ذَكَرْنَا مِمَّا تَقَدَّمَتْه جُمْلَةٌ مِن الأمثلةِ بَدَلٌ ممَّا قبلَه.


  #3  
قديم 24 ذو الحجة 1429هـ, 11:00 صباحاً
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 12,277
افتراضي أوضح المسالك لجمال الدين ابن هشام الأنصاري (ومعه هدي السالك للأستاذ: محمد محيي الدين عبد الحميد)

هذا بَابُ المَفْعولِ المُطْلَقِ

أي: الذي يَصْدُقُ عليهِ قَوْلُنا: (مَفْعولٌ). صِدْقاً غَيْرَ مُقَيَّدٍ بالجارِّ.
وهو: اسْمٌ يُؤَكِّدُ عَامِلَه أو يُبَيِّنُ نَوْعَه أو عَدَدَه([1])، وليسَ خَبراً، ولا حَالاً، نحوَ: (ضَرَبْتُ ضَرْباً)، أو (ضَرْبَ الأَمِيرِ), أو (ضَرْبَتَيْنِ) بخِلافِ نحوِ: (ضَرْبُكَ ضَرْبٌ أَلِيمٌ).
ونحوِ: {وَلَّى مُدْبِراً}([2]).
وأكثرُ ما يَكونُ المفعولُ المُطْلَقُ مَصْدراً.
والمَصْدَرُ: اسْمُ الحَدَثِ الجاري على الفِعْلِ.
وخَرَجَ بهذا القيدِ نحوُ: (اغْتَسَلَ غُسْلاً), و(تَوَضَّأَ وُضوءاً), و(أعْطَى عَطَاءً) فإِنَّ هذهِ أسماءُ مَصادِرَ([3]).
وعاملُه إمَّا مَصْدَرٌ مثلُه نحوُ: {فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفوراً}([4]) أو مَا اشْتُقَّ منه: مِن فِعْلٍ نَحْوِ: {وكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً}([5]).
أو وَصْفٍ نحوِ: {وَالصَّافَّاتِ صَفًّا}([6]).
وزعَمَ بعضُ البَصْرِيِّينَ أَنَّ الفِعْلَ أصْلٌ للوَصْفِ, وزَعَمَ الكُوفِيُّونَ أَنَّ الفِعْلَ أصْلٌ لهما([7]).
فصلٌ: يَنوبُ عن المصدرِ في الانتصابِ على المفعولِ المُطْلَقِ ما يَدُلُّ على المَصْدَرِ من صِفَةٍ؛ كـ (سِرْتُ أَحْسَنَ السَّيْرِ), و: (اشْتَمَلَ الصَّمَّاءَ), و:َرَبْتُهُ ضَربَ الأَمِيرِ اللِّصَّ)؛ إذِ الأصلُ: (ضَرْباً مِثْلَ ضَرْبِ الأميرِ اللِّصَّ), فحذَفَ الموصوفَ، ثم المُضافَ, أو ضَمِيرَه، نَحْوَ: (عَبْدَ اللهِ أَظُنُّهُ جَالِساً), ونحوَ: {لاَ أُعَذِّبُهُ أَحَداً}([8]).أو إشارةٍ إليهِ؛كـ(ضَرَبْتُهُ ذَلِكَ الضَّرْبَ), أو مُرادِفٍ له نَحْوَ: (شَنَأْتُهُ بُغْضاً), و(أحْبَبْتُهُ مِقَةً), و(فَرِحْتُ جَذَلاً), وهو بالذَّالِ المُعْجمَةِ, مَصْدَرُ جَذِلَ بالكَسْرِ. أو مُشارِكٍ له في مَادَّتِه, وهو ثَلاثَةُ أقْسَامٍ: اسْمُ مَصْدَرٍ, كما تَقدَّمَ, واسْمُ عَيْنٍ ومَصْدَرٍ لفِعْلٍ آخَرَ نحوِ: {وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتاً}([9]َتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً}([10]والأَصْلُ: إنباتاً, وتَبَتُّلاً. أو دَالٍّ على نَوْعٍ منه؛كـ(قَعَدَ القُرْفُصَاءَ), و(رَجَعَ القَهْقَرَى). أو دَالٍّ على عَدَدِه؛ كـ (ضَرَبْتُهُ عَشْرَ ضَرَباتٍ), {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً}([11]أو على آلتِه؛ كـ (ضَرَبْتُهُ سَوْطاً) أو: (عَصاً), أو: (كُلّ) نَحْوَ: {فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ}([12])
وقولِه:

246- يَظُنَّانِ كُلَّ الظَّنِّ أَنْلاَ تَلاقِيَا([13])

أو (بَعْض)؛ كـ (ضَرَبْتُهُ بَعْضَ الضَّرْبِ).
مسألةٌ: المَصْدَرُ المُؤَكِّدُ لا يُثَنَّى ولا يُجْمَعُ باتِّفاقٍ, فلا يُقالُ: ضَرْبَيْنِ ولا ضُرُوباً؛ لأنَّهُ كماءٍ وعَسَلٍ, والمختومُ بتاءِ الوَحْدةِ- كضَرْبَةٍ- بعِكْسِه باتِّفاقٍ, فيُقالُ: ضَرْبَتَيْنِ وضَرَباتٍ؛ لأنَّهُ كتَمْرَةٍ وكِلْمَةٍ, واخْتُلِفَ في النوعِيِّ: فالمَشهورُ الجوازُ وظَاهِرُ مذهبِ سِيبَوَيْهِ المنعُ, واختارَهُ الشَّلَوْبِينُ([14]).

فَصْلٌ:

اتَّفَقُوا على أنَّه يَجوزُ لدليلٍ مَقالِيٍّ أو حاليٍّ حَذْفُ عامِلِ المصدرِ غيرِ المُؤَكِّدِ؛ كأنْ يُقالَ: (مَا جَلَسْتَ). فتَقولُ: (بَلَى جُلُوساً طَوِيلاً), أو: (بَلَى جَلْستَيْنِ). وكقَوْلِكَ لمَن قَدِمَ من سَفَرٍ: (قُدُوماً مُبارَكاً).


وأمَّا المُؤَكِّدُ فزَعَمَ ابنُ مَالِكٍ أنَّه لا يُحْذَفُ عَامِلُه؛ لأنَّهُ إِنَّما جِيءَ بِهِ لتقويتِه وتقريرِ معناهُ, والحذفُ مُنافٍ لهما, ورَدَّهُ ابْنُه بأنَّه قَدْ حُذِفَ([15]) جوازاً في نحوِ: (أَنْتَ سَيْراً), ووجوباً في (أَنتَ سَيْراً سَيْراً) وفي نحوِ: (سَقْياً ورَعْياً).
وقدْ يُقامُ المَصدَرُ مُقامَ فِعْلِه فيَمْتَنِعُ ذِكْرُه معَه, وهو نوعانِ:
(1) مالا فِعْلَ له نحوُ: (وَيْلَ زَيْدٍ), و(وَيْحَهُ).

247- و* بَلْهَ الأكُفِّ............ *([16])

فيُقَدَّرُ له عَامِلٌ من معناهُ على حَدِّ:َعَدْتُ جُلُوساً).
(2) وما له فعلٌ, وهو نوعانِ: وَاقِعٌ في الطَّلَبِ وهوالواردُ دُعاءً, كـ (سَقْياًورَعْياًوجَدْعاً), أو أمْراً أو نَهْياً نَحْوَ: (قِياماً لا قُعوداً), ونحوَ: {فَضَرْبَ الرِّقَابِ}([1]) وقولِه:
248- فَنَدْلاً زُرَيْقُ المَالَ نَدْلَ الثَّعَالِبِ([2])
كذا أطلَقَ ابنُ مَالِكٍ وخَصَّ ابنُ عُصفورٍ الوُجوبَ بالتَّكْرارِ؛ كقَولِهِ:
249- فَصَبْراً فِي مَجَالِ المَوْتِ صَبْراً([3])
أو مَقْروناً باستفهامٍ تَوْبيخِيٍّ نحوَ: (أَتَوَانِياً وَقَدْ جَدَّ قُرَنَاؤُكَ؟)
وقولِه:
250- * أَلُؤْماً لاَ أَبَا لَكَ وَاغْتِرَابَا *؟([4])
وواقِعٌ في الخَبَرِ, وذلك في مَسائِلَ:
إحداها: مَصَادِرُ مسموعةٌ كَثُرَ استعمالُها، ودَلَّتِ القرائنُ على عاملِها؛ كقولِهم عندَ تَذَكُّرِ نعمةٍ وشِدَّةٍ: (حَمْداً وشُكْراً لا كُفْراً), و(صَبْراً لا جَزَعاً). وعندَ ظُهورِ أمْرٍ مُعْجِبٍ:َجَباً). وعندَ خطابٍ مَرْضِيٍّ عنه أو مَغْضوبٍ عليهِ:(أفْعَلُهُ وكَرَامَةً ومَسَرَّةً), و(لاَ أَفعَلُهُ وَلاَ كَيْداً ولاَ هَمًّا).
الثانيةُ: أنْ يَكُونَ تَفْصيلاً لعَاقبةِ ما قبلَه نحوَ: {فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وإِمَّا فِدَاءً}([5]).
الثالثةُ: أنْ يَكُونَ مُكَرَّراً أو مَحْصوراً أو مُسْتَفْهَماً عنه, وعاملُه خَبَرٌ عن اسْمِ عينٍ، نَحْوَ: (أَنْتَ سَيْراً سَيْراً), و: َا أنتَ إِلاَّ سَيْراً), و:ِنَّمَا أنتَ سيرَ البَرِيدِ), و: (أأنتَ سَيْراً؟).
الرابعةُ: أنْ يَكُونَ مُؤكِّداً لنَفْسِه أو لغيرِه, فالأَوَّلُ الوَاقِعُ بعدَ جُملةٍ هي نَصٌّ في معناهُ، نحوَ: (لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ عُرْفاً)؛ أي: اعترافاً. والثاني: الواقِعُ بعدَ جُملةٍ تَحْتَمِلُ معناهُ وغيرَه، نَحْوَ: (زَيْدٌ ابْنِي حَقًّا), و: (هذا زَيْدٌ الحَقَّ لاَ البَاطِلَ), و: (لا أفْعَلُ كَذَا البَتَّةَ)([6]).
الخامسةُ: أنْ يَكُونَ فِعْلاً عِلاجِيًّا تَشْبِيهيًّا بعدَ جُملةٍ مُشتمِلَةٍ عليه وعلى صاحبِه؛ كـ (مَرَرْتُ بزَيْدٍ, فإِذَا له صَوْتٌ صَوْتَ حِمَارٍ وبُكَاءٌ بُكَاءَ ذَاتِ دَاهِيَةٍ)([7]).
ويَجِبُ الرفعُ في نحوِ: (لَهُ ذَكَاءٌ ذَكَاءُ الحُكَمَاءِ)؛ لأنَّهُ مَعْنَوِيٌّ, لا عِلاجِيٍّ، وفي نحوِ: (صَوْتُهُ صَوْتُ حِمارٍ)؛ لعَدَمِ تَقَدُّمِ جُمْلَةٍ، وفي نحوِ: (فإِذَا في الدَّارِ صَوْتٌ صَوْتُ حِمَارٍ), ونحوِ: (فَإِذَا عَلَيْهِ نَوْحٌ نَوْحُ الحَمامِ)؛ لعَدَمِ تَقدُّمِ صَاحِبِه, ورُبَّما نُصِبَ نَحْوُ هَذَيْنِ, لكنْ على الحالِ.
تَنْبيهٌ: مِثْلَُهُ صَوْتٌ صَوْتَ حِمَارٍ,) قولُه:
251- مَا إِنْ يَمَسُّ الأَرْضَ إِلاَّ مَنْكِبٌ = مِنْهُ وحَرْفُ السَّاقِ طَيَّ المِحْمَلِ([8])
لأنَّ ما قبلَه بمنزلةِ:َهُ طَيٌّ), قالَه سِيبَوَيْهِ.


([1]) أوْمَأَ المُؤَلِّفُ بهذا الكلامِإلى أنَّ المفعولَ المُطْلَقَ يُؤْتَى به في الكلامِ لواحدٍ من ثلاثةِ أغراضٍ: أَوَّلُها: توكيدُ معنَى عاملِه، والثاني: بيانُ نوعِ عاملِه، والثالثُ: بيانُ عَدَدِ مرَّاتِ وُقوعِ عاملِه.
فإنْ قُلْتَ: فهل لكلِّ غرضٍ من هذه الأغراضِ صورةٌ أو صورٌ، أم أنَّ مرجِعَ ذلك إلى القرائنِ؟
فالجوابُ عن هذا أنَّ لكلِّ غرضٍ من هذهِ الأغراضِ صورةً أو صوراً تَخُصُّه، وبها يَتمَيَّزُ عن أخَوَيْهِ.
فأمَّا المُؤَكِّدُ فصورتُه أنْ يَكُونَ مصدراً مُنكَّراً غيرَ مُضافٍ ولا موصوفٍ، سواءٌ أكانَ عاملُه فعلاً نحوَ قولِكَ: (ضَرَبْتُ ضَرْباً). أم كانَ عاملُه وصْفاً نحوَ قولِكَ: (أنَا ضَارِبٌ زَيْداً ضَرْباً). ومنه قولُه تعالى: {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً}. ونحوَ قولِه سبحانَه: {وَالصَّافَّاتِ صَفًّا}. وقولِه: {وَالْعَاصِفَاتِ عَصْفاً}. وسواءٌ أكانَ عاملُه من مادَّتِه؛ كهذيْنِ المثاليْنِ، أم كانَ العاملُ من مَادَّةٍ مرادفةٍ لمادَّتِه، نحوَ قولِكَ: (قَعَدْتُ جُلوساً). وقولِكَ: (أنا قاعدٌ جلوساً).
فإنْ قلْتَ: أنتم تُقرِّرونَ أنَّ المصدرَ يَدُلُّ على الحَدَثِ وحدَه، وأنَّ الفعلَ يَدُلُّ على الحدَثِ والزمانِ والذاتِ، والوَصْفَ يَدُلُّ على الحدَثِ والذاتِ، ثم أنتم تُقرِّرونَ أنَّ التوكيدَ يَجِبُ فيه اتحادُ معنَى المُؤَكِّدِ والمُؤَكَّدِ، فكيفَ يكونُ المصدرُ توكيداً للفعلِ أو للوصفِ، والمعنَى ليسَ مُتَّحِداً؟.
فالجوابُ عن ذلك: أنَّا لا نريدُ أنه يُبيِّنُ كلَّ معنَى الفعلِ أو الوصْفِ، وإنَّما نريدُ أنه يُبيِّنُ أصلَ المعنَى، ويَدُلُّ على حدوثِه حقيقةً؛ لأنَّك حينَ تقولُ: (ضَرَبْتُ زَيْداً). قد يَفْهَمُ السامعُ أنَّكَ أوْقَعْتَ به أذًى، فإذا أردْتَ أنْ تُبَيِّنَ له أنَّكَ ضَربْتَه على وجْهِ الحقيقةِ:َرَبْتُ زَيْداً ضَرْباً), وكأنَّكَ قُلْتَ: أحدَثْتُ ضرباً ضرباً.
وأما المفعولُ المُطْلقُ المُبيِّنُ لنوعِ عاملِه فله ثمانُ صورٍ:
الصورةُ الأولى: أنْ يَكُونَ المصدرُ مُضافاً، نحوَ قولِكَ: (صَنَعْتُ صُنْعَ الحُكماءِ) ومنه مثالُ الناظمِ:ِرْتُ سَيْرَ ذِي رَشَدْ).
الصورةُ الثانية: أنْ يَكُونَ المصدرُ مَقْروناً (بأل) الدالَّةِ على العهدِ، أو (أل) الجنسيَّةِ الدالَّةِ على الكمالِ، نحوَ قولِكَ: (دَافَعْتُ عن عَلِيٍّ الدِّفَاعَ). تريدُ أنَّكَ دافَعْتَ عنه الدفاعَ المعهودَ بينَكَ وبينَ المخاطَبِ، وذلك إذا كانَ بينَكَ وبينَ المُخاطَبِ عهدٌ في دِفاعٍ مُعيَّنٍ، أو تُرِيدُ أنَّكَ دافعْتَ عنه الدفاعَ الكاملَ الخليقَ بأنْ يَنتصِفَ له.
الصورةُ الثالثةُ: أنْ يَكُونَ المصدرُ مَوصوفاً، نحوَ قولِكَ: (ضَرَبْتُ زيداً ضَرْباً شديداً).
الصورةُ الرابعةُ: أنْ يَكُونَ المفعولُ المُطلَقُ وصفاً مُضافاً إلى المصدرِ، نحوَ قولِكَ: (رَضِيتُ عن عليٍّ أجْمَلَ الرِّضَا).
الصورةُ الخامسةُ: أنْ يَكُونَ المفعولُ المطلقُ اسمَ إشارةٍ مَنْعوتاً بمصدرٍ مُحلًّى بأل، نحوَ: (أكْرَمْتُ عَلِيًّا ذلك الإكرامَ).
الصورةُ السادسةُ: أنْ يَكُونَ المصدرُ نَفْسُه دَالاًّ على نوعٍ من أنواعِ عاملِه، نحوَ قولِكَ: (سِرْتُ الخَبَبَ), و:َجَعْتُ القَهْقَرَى).
الصورةُ السابعةُ: أنْ يَكُونَ المفعولُ المُطْلَقُ لفظَُلٍّ) أو (بَعْضٍ) مُضافاً إلى المصدرِ، نحوَ قولِكَ: (أحْبَبْتُه كلَّ الحبِّ). ومنه مثالُ الناظمِ:ِدَّ كُلَّ الجِدِّ) ومنه بيتُ المجنونِ وهو الشاهدُ 246 الآتي.
الصورةُ الثامنةُ: أنْ يَكُونَ المفعولُ اسمَ آلةٍ للعاملِ فيه، نحوَ قولِكَ: (ضَرَبْتُه سَوْطاً), أو:َرَبْتُه عَصًا).
وأمَّا المفعولُ المُطْلَقُ المُبَيِّنُ للعددِ فله ثلاثُ صُورٍ:
الصورةُ الأُولَى: أنْ يَكُونَ مصدراً مَختوماً بتاءِ الوَحْدةِ، نحوَ قولِكَ: (ضَرَبْتُه ضَرْبَةً), و:َلَدْتُه جَلْدَةً).
الصورةُ الثانيةُ: أنْ يَكُونَ مصدراً مَخْتوماً بعلامةِ تثنيةٍ أو علامةِ جمعٍ، نحوَ قولِكَ: (ضَرَبْتُه ضربتيْنِ). أو قولِكَ: (ضَرَبْتُه ضَرَباتٍ). ومنه مثالُ الناظِمِِرْتُ سَيْرَتيْنِ).
الصورةُ الثالثةُ: أنْ يَكُونَ المفعولُ المُطْلَقُ اسمَ عددٍ مُميَّزاً بمصدرٍ، نحوَ قولِكَ: (أشَرْتُ إليهِ عَشْرَ إشاراتٍ). ومنه قولُه سبحانَه: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً}.
وقدْ يَجْتَمِعُ في المفعولِ المُطْلَقِ صورتانِ, فيكونُدَالاًّ على ما تدُلُّ عليه كلُّ صورةٍ منهما، فنحوُ: (سِرْتُ سَيْرَيْ زَيْدٍ), يَدُلُّ على النوعِ وعلى توكيدِ العاملِ جميعاً.
والمصدرُ المُؤكِّدُ لا يَدُلُّ إلا على التوكيدِ على النحوِ الذي ذكَرْناه في بيانِه، أمَّا الدالُّ على النوعِ والدالُّ على العَدَدِ؛ فإنَّ كُلاًّ منهما يَدُلُّ على التوكيدِ زِيادةً على ما تدُلُّ عليه صورتُه، إلاَّ أنَّ النحاةَ نظَروا إلى الصورةِ فأعْطَوُا الاسمَ الذي تدُلُّ عليه، ولم ينظُروا إلى دَلالتِه على التوكيدِ؛ لأنه أمرٌ عامٌّ يكونُ فيهِ، ويكونُ في غيرِه.

([2]) سورة النمْلِ، الآية:10.

([3]) اسمُ المصدرِ: اسمٌ يَدُلُّ على المعنَى الذي يَدُلُّ عليه المصدرُ – وهو الحَدَثُ – ولكنَّ حُروفَه تَنْقُصُ عن حروفِ مصدرِ الفعلِ المُستعمَلِ معَه، ومن أمثلتِه قولُهم: كَلَّمْتُه كَلاماً، وسَلَّمْتُ عليه سَلاماً، وقَبَّلْتُه قُبْلةً، وتَوضَّأْتُ وُضوءاً، واغْتَسَلتُ غُسْلاً، وأعْطَيْتُه عطاءً، وأجَبْتُه إجابةً، وأوقَدْتُ النارَ وُقوداً، وصَلَّيْتُ عليه صلاةً، وراقَبْتُه رِقْبَةً، ورَاعَيْتُه رِعْيَةً، وهو يَعْمَلُ عمَلَ المصدرِ.
ومن إعمالِه قولُه عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((مِنْ قُبْلَةِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ الوُضُوءُ)) فقُبْلَةُ في هذا الحديثِ اسْمُ مَصْدَرٍ، وقد أُضِيفَ إلى فاعلِه، وهو (الرَّجُلِ)، ثم نَصَبَ المفعولَ به، وهو قَوْلُه: (امْرَأَتَهُ). كما تفعَلُ لو وضَعْتَ المصدرَ في موضِعِه، فقُلْتَ: (مِن تَقْبِيلِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ الوُضُوءُ)، وقد مضَى التمثيلُ بهذا الحديثِ في بابِ الفاعلِ (ص76 من هذا الجزءِ)، وسيأتي مزيدُ بيانٍ لهذا الكلامِ في بابِ إعمالِ المصدرِ, فارْتَقِبْهُ.

([4]) سورة الإسراءِ، الآية:63.

([5]) سورة النساءِ، الآية: 164.

([6]) سورة الصافَّاتِ، الآية: 1.

([7]) اخْتَلَفَ النحاةُ في أصْلِ المُشْتَقَّاتِ أهو الفِعْلُ، أم هو المَصْدَرُ، أم أنَّ كُلاًّ من الفعلِ والمصدرِ أصْلٌ قائمٌ بنفسِه, وليسَ أحَدُهما أصلاً للآخَرِ؟ ولهم في ذلكَ أربعةُ مذاهِبَ:
الأوَّلُ: مذهَبُ نحاةِ الكوفةِ, وحاصلُه: أنَّ الفعلَ أصْلُ المُشتقَّاتِ كُلِّها، ومنها المصدرُ.
وثانيها: مذهَبُ نحاةِ البَصْرةِ, وحاصلُه: أنَّ المصدرَ أصْلُ المُشتقَّاتِ كُلِّها، ومنها الفعلُ.
وثالثُها: مذهَبُ ابنِ طَلْحَةَ, وحاصلُه: أنَّ كُلاًّ من الفعلِ والمصدرِ أصْلٌ قائمٌ بنفسِه, وليسَ أحَدُهما أصلاً للآخَرِ.
ورابعُها: مذهَبُ جماعةٍ من النحاةِ, وحاصلُه: أنَّ المصدرَ أصْلٌ للفعلِ وَحْدَه، وأنَّ الفعلَ أصْلٌ لسائرِ المُشتقَّاتِ.
والذي يَعْنِينَا من هذهِ المذاهبِ هو مذهَبُ الكُوفِيِّينَ ومذهبُ البَصْريِّينَ:
فأمَّا الكوفيونَ فقدْ ذكَرَ كلُّ واحدٍ من أئمَّتِهم دَلِيلاً على ما ذَهَبوا إليه، وعِمادُ هذه الأدلَّةِ وقُطْبُها الذي تَدُورُ عليه أربعةُ أدلَّةٍ:
الدليلُ الأولُ: أنَّ المصدرَ يَعتَلُّ إذا اعْتلَّ الفعلُ, ويَصِحُّ إذا صَحَّ الفعلُ، وبيانُ ذلك أنَّكَ تَقولُ: قامَ يَقُومُ قِياماً، وصامَ يَصومُ صِياماً، ولاذَ يَلُوذُ لِياذاً.
وأصْلُ الماضي في هذا المثلِ: قَوَمَ وصَوَمَ ولَوَذَ – بفتحِ أَوَّلِهِنَّ وثانيهِنَّ – فلَمَّا تَحرَّكَتِ الواوُ وانفتَحَ ما قبلَها انقلَبَتْ ألِفاً، وأصْلُ المضارِعِ يَقْوُمُ ويَصْوُمُ ويَلْوُذُ– بسكونِ الفاءِ وضَمِّ العينِ على مثالِ يَكْتُبُ – فنُقِلَتْ ضَمَّةُ الواوِ إلى الساكنِ الصحيحِ قبلَها، فاعتلالُ الماضي بالقلبِ، واعتلالُ المضارعِ بالنقْلِ، فلَمَّا اعتَلَّ الفعلُ اعتَلَّ المصدرُ, فقيلَ: قِيامٌ وصِيامٌ ولِياذٌ.
والأصلُ قِوَامٌ وصِوامٌ ولِواذٌ، بكسرِ أَوَّلِهِنَّ، فلمَّا وقَعَتِ الواوُ بعدَ كسرةٍ في مصدرِ فعلٍ أُعِلَّ ماضيهِ ومضارعُه, قُلِبتِ الواوُ ياءً؛ لمُناسبةِ الكسرةِ التي قبلَها، وتَقولُ: قَاوَمَ فلانٌ فُلاناً قِواماً، وَلاوَذَ لِواذاً، فلا يَعْتَلُّ المصدرُ؛ لأنَّ الفعلَ لم يَعتَلَّ، وإنَّما لم يعتَلَّ الفعلُ في هذا المَثَلِ؛ لأنَّ الواوَ وإنْ كانَتْ مُتحرِّكةً ليسَ ما قبلَها مفتوحاً، وإذا كانَ الأمرُ كذلك, كانَ المصدرُ تَابِعاً للفعلِ في الصِّحَّةِ والاعتلالِ، فيَكُونُ فَرْعاً عليه.
الدليلُ الثاني: أنَّا وجَدْنا الفعلَ يَعْمَلُ في المصدرِ، فإِنَّكَ إذا قُلْتَ: (قَعَدَ قُعُوداً). كانَُعُوداً) منصوباً بقَعَدَ، وقد عَلِمْنا أنَّ رُتبةَ العاملِ قبلَ رُتْبةِ المعمولِ، فتكونُ رُتْبةُ الفعلِ قبلَ رُتبةِ المصدرِ، فيَكُونُ المصدرُ فَرْعاً عليه.
الدليلُ الثالثُ: أنَّا وجَدْنا المصدرَ يُذْكَرُ توكيداً للفعلِ؛ فإنَّكَ إذا قُلْتَ: (ضَرَبْتُ ضَرْباً). كانََرْباً) مُؤكِّداً لضَرَبَ، ولا شَكَّ أنَّ رُتْبةَ المُؤكَّدِ – بفتحِ الكافِ– قبلَ رُتْبةِ المؤكِّدِ – بكسرِ الكافِ– فتكونُ رُتْبةُ الفعلِ قبلَ رتبةِ المصدرِ، فيكونُ الفعلُ أصلاً للمصدرِ.
الدليلُ الرابعُ: أنا وَجَدْنا كثيراً من الأفعالِ وليسَ لها مَصادِرُ، خصوصاً على مذهبِكم مَعْشَرَ البَصْرِيِّينَ، وذلك نحوُ: عَسَى, وليسَ, ونِعْمَ, وبِئْسَ, وفعلِ التعَجُّبِ، فلو قُلْنَا: إنَّ المَصْدَرَ أصْلٌ, والفعلَ فرعٌ. كانتْ هذه الأفعالُ فُروعاً لا أصْلَ لها، وهو أمرٌ مُحالٌ أنْ يُوجَدَ فَرْعٌ لا أصْلَ له، فأمَّا إذا قُلْنا: إنَّ الفعلَ هو الأصْلُ. كانتْ هذه الأفعالُ أصولاً، لا فُروعَ لها، ولا غَرابةَ في ذلك.
وأما البَصريُّونَ فاستدَلُّوا على ما ذَهَبوا إليه من أنَّ المصدَرَ أصلٌ للفعلِ وغيرِه من المُشتقَّاتِ بأربعةِ أدلَّةٍ، ونحنُ نُلَخِّصُها لك فيما يلي:
الدليلُ الأولُ: أنَّ المصدرَ يَدُلُّ على زمانٍ مُطلَقٍ، بدَلالةِ الالتزامِ، والفعلَ يَدُلُّ على زمانٍ مُعيَّنٍ، بدَلالةِ المطابقةِ، وبيانُ ذلك أنَّ العَرَبَ لمَّا أرادوا أنْ يَسْتَعْمِلُوا المصدرَ اسْتَشْعَروا صلاحِيَتَه للأزمانِ الثلاثةِ، وأنَّه لا اختصاصَ له بزمانٍ دونَ زمانٍ, فلمَّا لم يَتعيَّنْ لهم زمانُ حدوثِه؛ لعَدَمِ اختصاصِه بأحدِ الأزمنةِ, اشْتَقُّوا له من لَفْظِه أمثلةً يَخْتَصُّ كلُّ مثالٍ منها بزَمَنٍ، ولهذا كانَتْ أمثلةُ كلِّ فعلٍ منها تَختَصُّ بزمنٍ منها، وكما أنَّ المُطْلَقَ يكونُ أصلاً للمُقيَّدِ, يكونُ المصدرُ الدالُّ على الزمانِ المُطْلَقِ أصلاً للفعلِ الدالِّ على زمانٍ مُقيَّدٍ.
الدليلُ الثاني: أنَّ المَصْدَرَ اسمٌ، والاسمُ يَقومُ بنفسِه ويَسْتَغْنِي عن الفعلِ؛ بدليلِ أنَّ الكلامَ المُفِيدَ قدْ يَتركَّبُ من الأسماءِ وحدَها، كقَولِكَ: (زَيْدٌ قَائِمٌ). فأمَّا الفعلُفلا يقومُ بنفسِه, وإنَّما يقومُ بالاسمِ، ولا يَستغنِي عن الاسمِ؛ بدليلِ أنَّ الكلامَ المُفِيدَ لا يَتركَّبُ من الأفعالِ وحدَها، ولا شَكَّ أنَّ ما يَقومُ بنفسِه ويستغني عَمَّا عَدَاهُ يَكونُ أصْلاً لِمَا لا يَقومُ بنفسِه ولا يستغني عن غيرِه، فيكونُ المصدرُأصْلاً للفعلِ.
الدليلُ الثالثُ: أنَّ المصدرَ يَدُلُّ بدلالةِ المطابقةِ على شيءٍ واحدٍ, وهو الحدَثُ، والفعلَ يَدُلُّ بدلالةِ المطابقةِ أيضاً على شيئيْنِ؛ وهما الحدَثُ والزمانُ، ولا شَكَّ أنَّ الواحِدَ قبلَ الاثنيْنِ، فيكونُ ما دَلَّ على واحدٍ قبلَ ما دَلَ على الاثنيْنِ، فيكونُ المصدرُ قبلَ الفعلِ.
الدليلُ الرابعُ: أنَّ المصدرَ لو كانَ مُشتقًّا من الفعلِ لكانَ يَنبغِي أنْ يَكُونَ له صِيغةٌ واحدةٌ، وكانَ يجرِي على سَنَنٍ واحدٍ، كما أنَّ المُشتقَّاتِ؛ كاسمِ الفاعلِ واسمِ المفعولِ, لمَّا كانَتْ مُشتقَّاتٍ, كانَلكلٍّ منها صيغةٌ واحدةٌ، وجرَى كلُّ واحدٍ منها على سَنَنٍ واحدٍ، ألسْتَ ترَى أنَّنا نقولُ: كلُّ اسمِ فاعلٍ فعلُه ثلاثيٌّ يكونُ على زِنَةِ فاعِلٍ، وكلُّ اسمِ مفعولٍ فعلُه ثُلاثِيٌّ يكونُ على زنةِ مفعولٍ. وهَلُمَّ جَرًّا، والمصدرُ تَختلِفُ صيغتُه معَ استواءِ الأفعالِ في عِدَّةِ الحروفِ، فلَمَّا رَأَيْنا اختلافَ صِيَغِ المصادرِ معَ اتحادِ الأفعالِ في عِدَّةِ الحروفِ, عَلِمْنا أنَّ الفعلَ ليسَ أصْلاً للمصدرِ.
فأمَّا قولُ الكُوفيِّينَ: (إنَّ المصدرَ يَعتَلُّ لاعتلالِ الفعلِ ويُصَحَّحُ لصِحَّتِه). فإنَّا لا نُسلِّمُ أنَّ الاعتلالَ في المصدرِ بسببِ اعتلالِ الفعلِ، وإنَّما الاعتلالُ لطلبِ المناسبةِ والمشاكلةِ في المادَّةِ الواحدةِ، وكم من صِيَغٍ أُعِلَّتْ لاعتلالِ صيغةٍ أخْرَى، وليسَ إحْدَى الصيغتيْنِ أصْلاً للأُخْرَى! ألاَ ترَى أنََّعِدُ، ويَصِفُ) قد أُعِلاَّ بحذفِ الواوِ؛ لوقوعِ هذهِ الواوِ بينَ ياءٍ مفتوحةٍ وكسرةٍ، وقد أُعِلَّ (أَعِدُ، وتَعِدُ، ونَعِدُ)؛ طلباً لمشاكلةَِعِدُ), ولم يَقُلْ أحَدٌ: إنََّعِدُ) أصْلٌ لنحوِ: (أعِدُ، ونَعِدُ، وتَعِدُ).
ثم ألاَ تَرَى أنَُّكْرِمُ) الفعلَ المضارعَ الذي مَاضِيهِ (أكْرَمَ) قدْ أُعِلَّ بحذفِ الهمزةِ؛ لاستثقالِ اجتماعِ همزتَيْنِ في أولِ الكلمةِ, إذا قُلْتَ:ُأَكْرِمُ). وقد أُعِلَّ بحذفِ الهمزةِ أيضاً، (يُكْرِمُ، ونُكْرِمُ، وتُكْرِمُ)؛ طلباً لمجانسةُِكْرِمُ)؛ إذ ليسَ في مجيئِها على الأصلِ ما يُسْتَكْرَهُ، ولم يَقُلْ أحدٌ: إِنَّ (أُكْرِمُ) أصْلٌ ليُكْرِمُ ونُكْرِمُ وتُكْرِمُ. فدلَّ ذلك وما أشْبَهَه على أنَّ اعتلالَ كلمةٍ لمجانسةِ كلمةٍ لا يَدُلُّ على أنَّ إحْدَى الكلمتيْنِ أصْلٌ للأُخْرَى.
وأمَّا قَوْلُ الكُوفيِّينَ: (إنَّ الفعلَ يعمَلُ في المصدرِ, فيجِبُ أنْ يَكُونَ الفعلُ أصْلاً. فكلامٌ لا يُقْضَى العَجَبُ منه؛ فإنَّ كونَ الكلمةِ عاملةً في كلمةٍ أخْرَى لا يَدُلُّ على أنَّ الكلمةَ العاملةَ أصْلٌ للكلمةِ المعمولِ فيها، وانظُرْ فيما نُلْفِتُ نظرَكَ إليه، فقَدْ عَمِلَ اسمُ الفاعلِ في المصدرِ نحوَ قولِه تعالى: {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً}. وقولِه سبحانَه: {وَالصَّافَّاتِ صَفًّا}. ولم يقُلْ أحدٌ: إنَّ اسمَ الفاعلِ أصلٌ للمصدرِ. وقد عَمِلَ اسمُ المفعولِ في المصدرِ نحوَ قولِكَ: (أنتَ مَطلوبٌ طَلَباً شديداً). وقولِكَ: (زيدٌ مَمْدوحٌ مَدْحاً). ولم يقُلْ أحدٌ: إنَّ اسمَ المفعولِ أصلٌ للمصدرِ. وقد عَمِلَ الفعلُ في الأسماءِ الجامدةِ كثيراً نحوَ قولِكَ: (قالَ رَجُلٌ). وقولِكَ: (جاءَ رجُلٌ). وقولِكَ: (رَكِبْتُ فَرَساً). ولم يقُلْ أحدٌ: إنَّ الفعلَ أصلٌ للأسماءِ الجامدةِ التي تقَعُ معمولةً له. وقدْ عَمِلَتْ حروفٌ في أسماءٍ مثلَِنَّ) وأخواتِها و(لا) النافيةِ للجِنْسِ، ولم يقُلْ أحدٌ: إنَّ الحروفَ أصلٌ للأسماءِ. وقد عَمِلَتْ حروفٌ في أفعالٍ مثلَ نواصِبِ المضارعِ, ومثلَ (إنِ) الشرطيَّةِ الجازمةِ، ولم يقُلْ أحَدٌ: إنَّ هذه الحروفَ أصلٌ لهذه الأفعالِ. فالعملُ له أسبابٌ غيرَ الأصليَّةِ والفرعيَّةِ.
وأمَّا قولُهم: (إنَّ المصدرَ يُذْكَرُ تأكيداً للفعلِ. فيَدُلُّ ذلك على أنَّ الفعلَ أصلٌ للمصدرِ؛ لأنَّ رُتْبةَ المُؤكِّدِ – بكسرِ الكافِ– بعدَ رُتبةِ المؤكَّدِ – بفتحِ الكافِ -) فهذا أيضاً كلامٌ عجيبٌ غايةٌ في العجَبِ؛ لأنَّ كونَ الكلمةِ مُؤكِّدَةً لكلمةٍ أخْرَى لا يَدُلُّ على أصالةٍ ولا فرعيَّةٍ، ونحنُ نَعْلَمُ أنَّ التوكيدَ على ضَرْبيْنِ: توكيدٌ لفظيٌّ بتكرارِ اللفظِ بعينِه أو بمُرادفِه، ويقَعُ في الأسماءِ نحوَ: (جاءَ زَيْدٌ زَيْدٌ), وفي الأفعالِ نحوَ: (جَاءَ جَاءَ زَيْدٌ), وفي الحروفِ: (نَعَمْ نَعَمْ فَعَلْتُ كَذَا), وفي الجُمَلِ نحوَ قولِه تعالى: {كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ}. ولم يقُلْ أحدٌ: إنَّ اللفظَ الأولَ أصلُ اللفظِ الثاني. ولا عَكْسَه، وإلاَّ كانَ اللفظُ أصْلاً لنفسِه أو لمرادفِه، وهذا مِمَّا لا يَتصوَّرُه أحدٌ.
وأما قولُهم: (إنَّا وجَدْنا كثيراً من الأفعالِ ليسَ لها مصادِرُ... إلخ). فإنَّ وجودَ هذه الأفعالِ– معَ كونِها فُروعاً عن المصادرِ؛ كما نقولُ نحنُ مَعْشَرَ البَصْريِّينَ– لا غَرابةَ فيهِ، ولا يَدُلُّ على أنَّ الفعلَ أصلٌ, والمصدرَ فَرْعٌ؛ لأنَّ الفرعَ قدْ يُستعمَلُ ويَكْثُرُ استعمالُه، ويُهْجَرُ الأصلُ ويُهْمَلُ, فلا يكونُ له ذِكْرٌ، ولا يَخْرُجُ الأصْلُ بذلك عن كونِه أصلاً، ولا الفرعُ عن كونِه فرعاً؛ فإنَّا نعلَمُ أنَّ الجمعَ فرعٌ عن المفردِ، وكم مِن الجُموعِ قد استُعمِلَتْ ولم تُسْتعمَلْ مفرداتُها، نحوَ: أبَابِيلَ، وعَبَادِيدَ، وشَمَاطِيطَ، ومَحَاسِنَ، ومَلامِحَ، فهذه جُموعٌ لم نجِدْ في كلامِ العربِ لواحدٍ منها مُفرداً.
ومَن ذكَرَ من النحاةِ لواحدٍ منها مُفْرداً فإنَّما ذكَرَه على قياسِ نظائرِه في الزِّنَةِ، ولم يذكُرْه على أنَّه سَمِعَه من العربِ المُحتَجِّ بكلامِهم، ولم يَمْنَعْ وجودُ هذه الجموعِ من غيرِ وُجودِ مفرداتٍ لها من أنْ يَظَلَّ المفردُ أصلاً والجمعُ فرعاً عليه، وأيضاً قد وجَدْنا مصادِرَ لا أفعالَ لها, مثلَ قولِهم: وَيْحَهُ، ووَيْلَهُ، ووَيْبَهُ، ووَيْسَهُ، وأهْلاً، وسَهْلاً، وأفَّةٌ، وتُفَّةٌ، فما كانَ جواباً لكم على وجودِ هذهِ المصادرِ بدُونِ أفعالٍ فهو جوابٌ لنا على تلك الأفعالِ من غيرِ وُجودِ مصادِرَ لها.
وبعدُ، فقدْ أطَلْتُ عليكَ هذهِ المسألةَ؛ ليَكُونَ هذا البَحْثُ تَدرِيباً لك على المُناقشةِ واستخراجِ الأدِلَّةِ ورَدِّ ما ترَى رَدَّه منها، على أنْ يَكُونَ أخْذُكَ وردُّكَ راجعاً إلى دِراسةٍ دقيقةٍ وتَتبُّعٍ للأدلَّةِ وإقرارٍ للصحيحِ منها.

([8]) سورة المائدةِ، الآية: 115.

([9]) سورة نوحٍ، الآية: 17.

([10]) سورة المزَّمِّلِِ، الآية:8.

([11]) سورة النورِ، الآية: 4.

([12]) سورة النساءِ، الآية:129.

([13]) 246-هذا عَجُزُ بيتٍ من الطويلِ، وصَدْرُه قولُه:

*وقَدْ يَجْمَعُ اللهُ الشَّتِيتَيْنِ بَعْدَ مَا*

وهذا البيتُ يُنْسَبُ إلى قيسِ بنِ المُلوَّحِ، المعروفِ بمجنونِ لَيْلَى، من قصيدةٍ له, أوَّلُها قولُه:

تَذَكَّرْتُ لَيْلَى والسِّنِينَ الخَوَالِيَا = وأَيَّامَ لا نَخْشَى عَلَى اللَّهْوِ نَاهِيَا

اللغةُ: (الشَّتيتيْنِ) المُتفرِّقيْنِ اللذَيْنِ تباعَدَ ما بينَهما وتَفرَّقَ ائتلافُهما، ومن الناسِ من يَرْويهِ: (وقَدْ يَجْمَعُ اللهُ الألِيفَيْنِ)؛ أي: المُتحابَّيْنِ اللذَيْنِ يَأْلَفُ كلُّ واحدٍ منهما صاحبَه، والمشهورُ في الروايةِ هو ما ذَكَرْناه أولاً.
المعنَى: لسْتُ بيائسٍ من لقاءِ ليلى معَ تَباعُدِ دِيارِنا وتَشَتُّتِ شَمْلِنا، وبعدَ ما قامَ الوُشاةُ بإقامةِ الحوائلِ بينَنا؛ فإنَّ اللهَ تعالى قادِرٌ على أنْ يَجْمَعَ الشمْلَ المُشتَّتَ, ويَضُمَّ الآلافَ الذينَباعَدَ بينَهم النَّوَى، بعدَ ما قَنَطُوا من اللقاءِ، وقَطَعوا الطَّماعِيَةَ من التدانِي.
الإعرابُ: (قد) حرفُ تحقيقٍ مَبْنِيٌّ علَى السكونِ, لا مَحَلَّ له مِن الإعرابِ,َجْمَعُ) فعلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ بالضمَّةِ الظاهرةِ, (اللهُ) فاعلُ يَجْمَعُ مرفوعٌ بالضمَّةِ الظاهرةِ, (الشَّتِيتيْنِ) مفعولٌ بهِ ليَجْمَعُ, منصوبٌ بالياءِ نيابةً عن الفتحةِ؛ لأنَّه مُثَنًّى, (بَعْدَ مَا) بعدَ: ظرفُ زمانٍ متعلِّقٌ بيَجْمَعُ, مَنْصوبٌ بالفتحةِ الظاهرةِ، وما: حرفٌ مَصْدريٌّ مَبْنِيٌّ علَى السكونِ لا مَحَلَّ له مِن الإعرابِ,َظُنَّانِ) فعلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ بثُبوتِ النونِ، وألِفُ الاثنيْنِ فَاعلُه, (كُلَّ) مفعولٌ مُطلَقٌ، منصوبٌ بالفتحةِ الظاهرةِ، و(كلَّ) مُضافٌ, و(الظنِّ) مُضافٌ إليه مَجْرورٌ بالكسرةِ الظاهرةِ، و(ما) المصدريَّةُ وما دخَلَتْ عليهِ في تأويلِ مصدرٍ مجرورٍ بإضافةِ (بعدَ) إليه، والتقديرُ: بعدَ ظَنِّهِما كلَّ الظنِّ, (أنْ) حرفُ توكيدٍ مُخفَّفٌ من الثقيلِ مَبْنِيٌّ علَى السكونِ, لا مَحَلَّ له مِن الإعرابِ، واسمُه ضميرُ شَأْنٍ محذوفٌ، وتقديرُ الكلامِ: أنَّه؛ أي: الحالَ والشَّأْنَ, (لا) نافيةٌ للجنسِ, حرفٌ مَبْنِيٌّ علَى السكونِ لا مَحَلَّ له مِن الإعرابِ,َلاقِيَا) اسمُ (لا) النافيةِ للجنسِ مَبْنِيٌّ علَى الفتحِ, في مَحَلِّ نصْبٍ، والألِفُ للإطلاقِ، وخبرُ (لا) محذوفٌ، والتقديرُ: لا تَلاقِيَ لهما، والجملةُ من (لا) واسمِها وخَبرِها في مَحَلِّ رفعٍ, خَبَرُ (أَنْ)، و(أنْ) المُؤَكِّدَةُ المُخفَّفةُ من الثقيلةِ وما دخلَتْ عليهِ سَدَّتْ مَسَدَّ مفعولَيْ ظَنَّ.
الشاهِدُ فيه: قولُه: (يَظُنَّانِ كُلَّ الظنِّ). حيثُ نصَبَ (كُلَّ) على أنَّه مفعولٌ مُطلَقٌ نائبٌ عن المصدرِ، وإنَّما يُنْصَبُ (كلّ) و(بَعْض) نيابةً عن المصدرِ في المفعوليَّةِ المُطلَقةِ, إذا أُضِيفَ كلُّ واحدٍ منهما إلى المصدرِ؛ كما في هذا البيتِ، وكما في قولِه تعالى: {فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ}.

([14]) أنتَ تعلَمُ أنَّ المَصْدَرَ من قَبيلِ اسمِ الجنسِ المُبْهَمِ كالماءِ والعَسَلِ والتُّرابِ، وأنَّ اسْمَ الجنسِ المُبْهَمَ يَدُلُّ على القليلِ والكثيرِ من ذلك الجنسِ؛ بسببِ كونِه موضوعاً لحقيقةِ هذا الجنسِ، والحقيقةُ تدُلُّ على الكثيرِ والقليلِ، فالماءُ مثلاً يَدُلُّ على القَطْرَةِ الواحدةِ من هذا الجنسِ, ويَدُلُّ على أكثرِ قَدْرٍ يُمْكِنُ أنْ تَتصوَّرَه من الجنسِ، ثم أنتَ تعلَمُ أنَّ التثنيةَ معناها: ضَمُّ شيءٍ إلى مثلِه، وأنَّ الجَمْعَ معناهُ: ضَمُّ شيئيْنِ أو أكثرَ إلى مثلِهما، فإذا كانَ لفظُ الماءِ يَدُلُّ على مالا زيادةَ عليه لمُستزِيدٍ من هذا الجنسِ؛ فإنَّكَ لو ثَنَّيْتَه لم يَكُنْ في الوجودِ فردٌ آخرُ تَضُمُّه إلى فردٍ حتى يُصْبِحَ عندَكَ اثنانِ.
وإذا عَلِمْتَ هذا, فاعْلَمْ أنَّ المصدرَ على نوعيْنِ:
أحدُهما: مُبْهَمٌ يَدُلُّ على الحقيقةِ, وهذا هو المصدرُ المُؤكِّدُ لعاملِه، نحوُ: (ضَرَبْتُ ضَرْباً), وهذا النوعُ لا يُثَنَّى ولا يُجْمَعُ لسببيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ لفظَه يَدُلُّ على الحقيقةِ، والحقيقةُ تدُلُّ على القليلِ والكثيرِ، فلا يُمكِنُ أنْ يُوجَدَ فردٌ لم يشمَلْه لفظُ ضَرَبَ حتَّى تَضُمَّه إليهِ, فيَصِيرَ عندَك فردانِ تدُلُّ بعلامةِ التثنيةِ عليهما، كالذي قُلْناه في لفظِ الماءِ.
والثاني: أنَّ لفظَ المصدرِ في هذهِ الحالةِ بمنزلةِ تكريرِ الفعلِ؛ ولذلك قُلْنا: إنَّه مُؤكِّدٌ له، ولَمَّا كانَ الفعلُ لا يُثَنَّى ولا يُجْمَعُ, كانَ ما هو بمنزلتِه كذلك، وهذا مِمَّا لا خلافَ فيهِ.
والثاني: من نوعَيِ المصدرِ المختصِّ، وهو ضَرْبانِ: مُبيِّنٌ للعددِ، و مُبيِّنٌ للنوعِ، وإِنَّما كانَ مُختَصًّا في هذيْنِ الضربيْنِ؛ لأنَّه دلَّ على شيءٍ زَائِدٍ عَمَّا يَدُلُّ عليه الفعلُ، فأمَّا المُبيِّنُ للعددِ فلا خِلافَ في أنَّه تَجوزُ تَثْنيتُه وجمعُه، وأمَّا المُبيِّنُ للنوعِ, فذهَبَ سِيبَوَيْهِ إلى أنَّه لا يُثَنَّى ولا يُجْمَعُ, واختارَه الشَّلَوْبِينُ، وذهَبَ ابنُ مالكٍ إلى أنَّه يُثَنَّى ويُجْمَعُ، واستدَلَّ على ذلك بوُرودِه في فصيحِ الكلامِ، نحوَ قولِه تعالى: {وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} ونحوَ قولِ الشاعرِ:

ثَلاثَةُ أحْبَابٍ: فحُبُّ عَلاقَةٍ = وحُبٌّ تِمِلاَّقٌ، وحُبٌّ هو القَتْلُ

وهذا الرأيُ هو الحَريُّ بالقبولِ؛ لأنَّ معنَى كونِه دَالاًّ على النوعِ أنَّ لَفْظَه دَالٌّ على فردٍ، وأنَّ له مَثَلاً أو أمثالاً تُضَمُّ إليه، فليسَ ثَمَّةَ ما يمنَعُ من تثنيتِه أو جَمْعِه.

([15]) إنَّما يُحْذَفُ العاملُ في المصدرِ في الكلامِ الخَبريِّ؛ حيثُ يقَعُ المصدرُ خَبراً عن اسمِ ذاتٍ، وإنَّما يكونُ حَذْفُه جائزاً حينَذاكَ إذا لم يُكَرَّرْ أو يُحْصَرْ أو يَقَعْ بعدَ استفهمامٍ تَوبيخِيٍّ، فمثالُ ما حُذِفَ جَوازاً: (أنتَ سَيْراً), وقد ذكَرَه المُؤَلِّفُ، ومثالُ ما تَكَرَّرَ: (أنتَ سَيْراً سَيْراً), ومثالُ ما حُصِرَ: (إنَّما أنتَ سَيْراً), و:َا أنتَ إِلاَّ سَيْراً), وكانَ الحذفُ وَاجِباً؛ لأنَّ تكريرَ المصدرِ والحصرَ قامَا مَقامِ العاملِ, فكانَ التَّكرارُ أو الحصْرُ عِوَضاً عنه، وقد عُلِمَ أنَّه لا يُجْمَعُ بينَ العِوَضِ والمُعوَّضِ منه، ويُحْذَفُ عاملُه وُجوباً في الكلامِ الطَّلَبِيِّ، ومنه الدُّعاءُ، ومثالُه: (سَقْياً ورَعْياً) الذي ذكَرَه المُؤَلِّفُ، وسيَنُصُّ على كلِّ ذلك قريباً.

([16]) 247-هذهِ قطعةٌ من بيتٍ من الكاملِ لكَعْبِ بنِ مالكٍ الصحابيِّ، من كلمةٍ يَقولُها في غَزْوةِ الخَندقِ، وهذا البيتُبتمامِه معَ بيتٍ سابقٍ عليه:

نَصِلُ السُّيوفَ إِذَا قَصُرْنَ بخَطْوِنَا = قُدُماً ونُلْحِقُها إِذَا لَمْ تَلْحَقِ


تَذَرُ الجَمَاجِمَ ضَاحِياً هَاماتُها = بَلْهَ الأكُفِّ كأنَّها لم تُخْلَقِ

اللغةُ: (تَذَرُ) أي: تَتْرُكُ، و(الجَماجِمَ)جمعُ جُمْجُمةٍ، وهي عَظْمُ الرأسِ المُشتمِلُ على الدِّماغِ، و(ضَاحِياً) أي: بَارزاً للشمسِ، و(الهَاماتُ) جمعُ هَامَةٍ, وهي الرأْسُ، و(بَلْهَ) يكونُ اسمَ فعلٍ بمعنَى اتْرُكْ, فيَنْتَصِبُ ما بعدَه، ويكونُ مصدراً بمعنَى الترْكِ فيُخْفَضُ ما بعدَه بإضافتِه إليه، وبالنصْبِ والخفضِ جميعاً تُرْوَى هذهِ العبارةُ في البيتِ الذي ذكَرْناه.
المعنَى: وصَفَ سُيوفَهم بأنَّها شديدةُ الفَتْكِ بأعدائِهم، عظيمةُ النَّيْلِ منهم، وذكَرَ أنَّ السُّيوفَ تَفْصِلُ رقاباً كثيرةً من رقابِ أعدائِهم, فتَتْرُكُها على أرضِ المعركةِ بارزةً ظاهرةً للشمسِ، فأمَّا الأكُفُّ التي تُنْدِرُها سيوفُهم فيقولُ: لا تَذْكُرْها، ولا تَتَعرَّضْ للبَحْثِ عنها؛ فإنَّا نَعْتَبِرُها كأنْ لم تُخْلَقْ؛ وذلك لأنَّهم أكْثَرُوا من قَطْعِها.
الإعرابُ: (تَذَرُ) فعلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ بالضمَّةِ الظاهرةِ، وفَاعِلُه ضَمِيرٌ مُستتِرٌ فيه جَوازاً تَقْديرُه: هي, يعودُ إلى السُّيوفِ المذكورةِ في البيتِ السابقِ على بيتِ الشاهدِ, (الجَماجِمَ) مفعولٌ بهِ لتَذَرُ,َاحِياً) حالٌ من الجماجمِ, منصوبٌ بالفتحةِ الظاهرةِ,َامَاتُها) هاماتُ: فاعلٌ بضاحٍ, مرفوعٌ بالضمَّةِ، والضميرُ الذي للغَيْبَةِ العائدُ إلى الجماجِمِ مُضافٌ إليه,َلْهَ) مفعولٌ مطلقٌ لفعلٍ محذوفٍ، والتقديرُ: اتْرُكْ بَلْهَ الأكُفِّ، و(بَلْهَ) على هذا الوجْهِ مصدرٌ لا فعلَ له من لفظِه، وله فعلٌ من معناه, وهو تَرَكَ، وكأنَّه قالَ: اتْرُكْ تَرْكاً، و(بَلْهَ) مُضافٌ, و(الأَكُفِّ) مُضافٌ إليه مَجْرورٌ بالكسرةِ الظاهرةِ، ويَجوزُ أنْ تَجْعَلَ بَلْهَ اسمَ فعلِ أمرٍ بمعنَى اتْرُكْ، وفاعلُه ضَمِيرٌ مُستتِرٌ فيه وُجوباً تَقْديرُه: أنتَ، فيكونُ (الأكُفَّ) منصوباً على أنَّه مفعولٌ بهِ لـَلْهَ), (كأنَّها) كأنَّ: حرفُ تشبيهٍ ونصْبٍ، وضميرُ الغائبةِ العائدُ إلى الأَكُفِّ اسمُ كأنَّ مَبْنِيٌّ علَى السكونِ في مَحَلِّ نصبٍ,َمْ) حَرْفُ نَفْيٍ وجَزْمٍ وقَلْبٍ,ُخْلَقِ) فعلٌ مُضارعٌ مَبْنِيٌّ للمَجْهولِ مجزومٌ بلَمْ, وعلامةُ جَزْمِه السكونُ، وحُرِّكَ بالكسرِ؛ لأجلِ الرَّوِيِّ، ونائِبُ فاعلِه ضَمِيرٌ مُستتِرٌ فيه جَوازاً تَقْديرُه: هي, يعودُ إلى الأكُفِّ، والجملةُ من الفعلِ ونائبِ فاعلِه في مَحَلِّ رفعٍ, خَبَرُ كأنَّ.
الشاهِدُ فيه: قولُه: (بَلْهَ الأكُفِّ) فقد رُوِيَتْ هذهِ العبارةُ بروايتيْنِ:
إحداهما: بجرِّ الأكُفِّ، وتُخَرَّجُ على أنََّلْهَ) مصدرٌ، ليسَ له فعلٌ من لفظِه، و(الأكُفِّ) مَجرورٌ بإضافةِ هذا المصدرِ إليه، على مثالِ قولِه تعالى: {فَضَرْبَ الرِّقَابِ}. ولا فَرْقَ إلاَّ أنََّرْبَ) له فعلٌ من لفظِه، و(بَلْهَ) ليسَ له فعلٌ من لفظِه.
الروايةُ الثانيةُ بنَصْبِ (الأكُفَّ)، وتُخَرَّجُ على أنَّ بَلْهَ اسمُ فعلِ أمْرٍ, له فاعلٌ, هو ضَمِيرٌ مُستتِرٌ فيه وُجوباً تَقْديرُه: أنتَ، و(الأكُفَّ) مفعولٌ به، وانتصابُه كانتصابِ الكتابِ في قولِكَ: (دُونَكَ الكِتَابَ). وانتصابِ{أنْفُسَكُمْ}, في قولِه جَلَّ ذِكْرُه: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ}.
ويَتَّضِحُ من هذا أنَّ لـَلْهَ) استعماليْنِ:
أَوَّلُهما: أنْ تَكُونَ فيه مصدراً فيُجَرَّ ما بعدَها بالإضافةِ، والثاني: أنْ تَكُونَ فعلَ أمْرٍ فيَنْتَصِبَ ما بعدَها, على أنَّه مفعولٌ به، ولهذا الكلامِ مزيدُ تفصيلٍ يأتي في بابِ أسماءِ الأفعالِ إنْ شَاءَ اللهُ.
([1]) سورة محمدٍ (القتالِ)، الآية: 4.

([2]) 248-لم أقِفْ لهذا الشاهدِ على نِسْبةٍ إلى قائلٍ مُعيَّنٍ، وهذا الذي ذكَرَه المُؤَلِّفُ عَجُزُ بيتٍ من الطويلِ، ونحن نذكُرُ لك صدْرَه معَ بيتٍ سابقٍ عليه، وذلكَ قولُه:
يَمُرُّونَ بالدَّهْنَا خِفافاً عِيابُهُمْ = ويَرْجِعْنَ مِن دَارِينَ بُجْرَ الحَقَائِبِ
عَلَى حِينَ ألْهَى النَّاسَ جُلُّ أُمورِهِمْ = فنَدْلاً...................إلخ
اللغةُ: (الدَّهْنَا) اسمُ موضِعٍ، وأصلُه ممدودٌ فقَصَرَه، وكذلكََارِينَ) اسمُ موضِعٍ مشهورٍ بالمِسْكِ، ويُقالُ: مِسْكٌ دَارِيٌّ. و(العِيَابُ) جمعُ عَيْبَةٍ، وهي ما يَجعَلُ فيه المسافرُ مَتاعَه, (بُجْرَ) بضمِّ الباءِ وسُكونِ الجيمِ– جمعُ بَجْرَاءَ، وهي صِفَةٌ من البَجَرِ، والبَجْرَاءُ: المُنْتفِخَةُ، وإضافةُ (بُجْرَ) إلى الحقائبِ من إضافةِ الصفةِ للمَوْصوفِ، يُرِيدُ امتلاءَها، و(الحَقَائبِ) جمعُ حَقيبةٍ؛ وهي العَيْبَةُ، و(نَدْلاً) مصدرُ نَدَلَ المالَ، إذا خَطَفَه بسُرعةٍ، و(زُرَيْقُ) اسمُ رجُلٍ.
الإعرابُ: (عَلَى) حرفُ جرٍّ مَبْنِيٌّ علَى السكونِ لا مَحَلَّ له مِن الإعرابِ,ِينَ) يُرْوَى بالفتحِ وبالجرِّ، فعلى روايةِ الجرِّ, هو مجرورٌ بـ(علَى وعلامةُ جَرِّه الكسرةُ الظاهرةُ, وعلى روايةِ الفتحِ, هو مَبْنِيٌّ علَى الفتحِ في مَحَلِّ جَرٍّ بـَلَى)، والجارُّ والمَجْرورُ مُتعَلِّقٌ بقولِه: يَمُرُّونَ في البيتِ السابقِ, (ألْهَى) فعلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ علَى فتحٍ مقدَّرٍ على الألفِ, لا مَحَلَّ له مِن الإعرابِ, (الناسَ) مفعولٌ بهِ لألْهَى، منصوبٌ بالفتحةِ الظاهرةِ,ُلُّ) فاعلُ ألْهَى، مرفوعٌ بالضمَّةِ الظاهرةِ، و(جُلُّ) مُضافٌ, وأُمورِ مِن (أُمورِهم) مُضافٌ إليه، مَجْرورٌ بالكسرةِ الظاهرةِ، وهو مُضافٌ, وضميرُ الغائِبِينَ العائدُ إلى الناسِ مُضافٌ إليه، وجملةُ ألْهَى وفاعلِه ومفعولِه في مَحَلِّ جرٍّ بإضافةِِينَ) إليها, (نَدْلاً) مفعولٌ مُطْلَقٌ منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ، وتقديرُ الكلامِ: فانْدُلْ نَدْلاًُرَيْقُ) مُنادًى بحرفِ نداءٍ مَحْذوفٍ، والتقديرُ: يا زُرَيْقُ, (المالَ) مفعولٌ بهِ لنَدْلاً,َدْلَ) مفعولٌ مُطْلَقٌ مُبيِّنٌ للنوعِ, يقَعُ بدَلاً من قولِه: ندْلاً. السابقِ، وهو مُضافٌ, و(الثعالبِ) مُضافٌ إليه، مَجْرورٌ بالكسرةِ الظاهرةِ.
ورجَّحَ الدنوشريُّ أنَّ قولَه: (نَدْلَ الثعالبِ) نعتٌ لنَدْلاً السابقِ، قالَ: ولا يَضُرُّ كونُه معرفةً, ونَدْلاً السابقُ نكرةً؛ لأنَّه على حذفِ مُضافٍ, والتقديرُ: مِثْلَ نَدْلِ الثعالبِ، ومثلُ لا تَتعرَّفُ بالإضافةِ إلى معرفةٍ. وقالَ بعضُهم: إنَّ المُعرَّفَ بأل الجنسيَّةِ يقَعُ صفةً للنكرةِ. وجعَلَ هذا منه، ونحن لا نُقِرُّ ذلك.
الشاهِدُ فيه: قولُه: (نَدْلاً زُرَيْقُ المالَ) فإنَّ في هذهِ العبارةِ مَصْدراً قائماً مقامَ فعلِه – وهو قولُه: (نَدْلاً) – وهو واقعٌ في الطلبِ؛ لأنَّ المقصودَ به معنَى انْدُلْ؛ أي: اخْطَفْ، وقد ذهَبَ ابنُ مالكٍ إلى أنَّ المصدرَ القائمَ مقامَ فعلِ الأمرِ ينتصِبُ بفعلٍ محذوفٍ وُجوباً، من غيرِ تَفرِقةٍ بينَ أنْ يَكُونَ هذا المصدرُ مُكرَّراً أو محصوراً أو واقعاً بعدَ استفهامٍ توبيخيٍّ, وألاَّ يكونَ كذلك، وقدْ نَاقَشَه في هذا الإطلاقِ جماعةٌ من النحاةِ تَبَعاً لابنِ عُصفورٍ, الذي قَيَّدَ الوجوبَ بما ذكَرَه المُؤَلِّفُ هنا، فتَدَبَّرْ ذلك.

([3]) 249-هذا الشاهدُ من كلامِ أبي نَعامَةَ قَطَرِيِّ بنِ الفُجاءَةِ الخارجِيِّ التَّميمِيِّ, وما ذكَرَه المُؤَلِّفُ صدرُ بيتٍ من الوافرِ، وعَجُزُه قولُه:
*فمَا نَيْلُ الخُلُودِ بمُسْتَطَاعِ*
وأولُ القطعةِ التي مِنها هذا البيتُ قولُه:
أَقُولُ لَهَا وقَدْ طَارَتْ شَعَاعاً = مِنَ الأبْطَالِ: وَيْحَكِ لَنْ تُرَاعِي
فَإِنَّكِ لَوْ سَأَلْتِ بَقَاءَ يَوْمٍ = عَلَى الأجَلِ الَّذِي لَكِ لَمْ تُطَاعِي
اللغة: (أقولُ لَهَا) الضميرُ المُؤنَّثُ راجِعٌ إلى النفسِ, وإنْ لم يَكُنْ قد جَرَى ذِكْرُها؛ لأنَّها مَفْهومةٌ من سياقِ الكلامِ,َارَتْ شَعاعاً) الشَّعاعُ– بفتحِ الشينِ بزِنَةِ سَحابٍ -: المُتفَرِّقُ، وقد ضَرَبَ هذا مَثَلاً، والمرادُ المُبالغةُ في الجَزَعِ والفَزَعِ والرَّوْعِ, (لَنْ تُرَاعِي) يُرْوَى في مكانِه: (لا تُراعِي) بلا الناهيةِ، والمعنَى: لا تَخافِي ولا تَفْزَعِي,َجالِ الموتِ) المرادُ به مكانُ المعركةِ الذي يَجُولُ فيهِ الفُرْسانُ ويَعْدُو فيهِ بعضُهم على بعضٍ بما يكونُ سَبباً للموتِ, (الخُلُودِ) البقاءُ المستمرُّ الذي لا انْقِطاعَ له.
الإعرابُ: (صَبْراً) مفعولٌ مُطْلَقٌ معمولٌ لفعلٍ محذوفٍ وُجوباً، والتقديرُ: اصْبِرِي صَبْراً، وهو مَنْصوبٌ, وعلامةُ نصبِه الفتحةُ الظاهرةُ, (في مَجالِ) جارٌّ ومَجْرورٌ مُتعَلِّقٌ بقولِه: صَبْراً. و(مجالِ) مُضافٌ, و(الموتِ) مُضافٌ إليه مَجْرورٌ بالكسرةِ الظاهرةِ,َبْراً) توكيدٌ للمصدرِ السابقِ, (فمَا) الفاءُ حرفٌ دالٌّ على التفْريعِ، وما: نافيةٌ,َيْلُ) مبتدأٌ، أو اسمُ (ما) مرفوعٌ, وعلامةُ رفعِه الضمَّةُ الظاهرةُ، وهو مُضافٌ, و(الخلودِ) مُضافٌ إليهِ, (بمُستَطاعِ) الباءُ حرفُ جرٍّ زائدٌ، و(مُسْتَطاعِ) خبرُ المبتدأِ, أو خَبَرُ (ما) إنْ جَعَلْتَها عاملةً، مرفوعٌ على الأوَّلِ بضمَّةٍ مقدَّرةٍ على آخرِه، ومنصوبٌ على الثاني بفتحةٍ مقدَّرةٍ على آخرِه, منَعَ من ظهورِها اشتغالُ المحلِّ بحركةِ حرفِ الجرِّ الزائدِ.
الشاهِدُ فيه: قولُه: (صَبْراً في مَجَالِ الموتِ صَبْراً). فإنَّ هذهِ العبارةَ مُشتمِلَةٌ على مصدرٍ قائمٍ مقامَ فعلِ الأمرِ– وهو قولُه: (صَبْراً). الذي يُرادُ منه معنَى اصْبِرِي – وقد تَكرَّرَ هذا المصدرُ في هذهِ العبارةِ؛ كما هو ظاهِرٌ، وهذا مِمَّا أجْمَعَ العلماءُ فيه على أنَّ عاملَ هذا المصدرِ وَاجِبُ الحذفِ، فلا يَجوزُ ذِكْرُه بحالٍ من الأحوالِ؛ لأنَّ ابنَ عصفورٍ ومَن حَذَا حَذْوَه جَعَلوا وجوبَ الحذفِ قاصراً على الموضعِ الذي يَتكرَّرُ فيهِ المصدرُ, أو يَكونُ مَحْصوراً, أو يَقَعُ قبلَه حرفُ استفهامٍ مقصودٌ به التوبيخُ، وغيرُ هذا الفريقِ يذهَبُ إلى أنَّه متى كانَ المصدرُ وَاقعاً موقِعَ فعلِ الأمرِ وجَبَ حذفُ عاملِه بدونِ قَيْدٍ، فهذا المصدرُ واقعٌ موقعَ فعلِ الأمرِ، ومُشتمِلٌ على أحدِ القُيودِ التي قَيَّدَ بها مَن قَيَّدَ وجوبَ الحَذْفِ، فيكونُ الحَذْفُ في هذا البيتِ وَاجِباً بالإجماعِ، وهذا في غايةِ الظُّهورِ، إنْ شَاءَ اللهُ.

([4]) 250- هذا الشاهدُ من كلامِ جريرِ بنِ عَطِيَّةَ بنِ الخَطَفِيِّ، يَهْجُو خالدَ بنَ يَزِيدَ الكِنْدِيَّ، وهذا الذي ذكَرَه المُؤَلِّفُ عَجُزُ بيتٍ من الوافرِ، وصَدْرُه:
*أَعَبْداً حَلَّ فِي شُعَبَى غَرِيباً*
اللغةُ: الهمزةُ من قولِه: (أعَبْداً) للنداءِ، و(شُعَبَى) - بضمٍّ ففتحٍ, وآخرُه ألفٌ مقصورةٌ–: جبالٌ مَنِيعةٌ مُتدانِيَةٌ، تقَعُ من ضَرِيَّةَ على قريبٍ من ثمانيةِ أميالٍ، وقيلَ: هي جَبَلٌ أسودُ, وفيهِ شِعابٌ فيها أوشالٌ تَحْبِسُ الماءَ من سَنَةٍ إلى سَنَةٍ، وقالَ البَكْرِيُّ: شُعَبَى جُبَيْلاتٌ مُتَشَعِّبَةٌ؛ فلذلكَ سُمِّيَتْ شُعَبَى.
َلُؤْماً) اللُّؤْمُ – بالضمِّ– ضِدُّ الكرمِ، وهو فعلٌ من الأفعالِ الخَسيسةِ الدنيئةِ, وفعلُه من بابِ ضِدِّه، وهو كَرُمَ, (لا أبَا لَكَ) هذهِ عبارةٌ تُستعمَلُ في الذمِّ, بأنْ يُرادَ أنَّه مَجهولُ النسبِ؛ كما هو المرادُ هنا، وقدْ يُرادُ بها المدحُ, بأنْ يُرادَ نفيُ نظيرِ الممدوحِ بنفْيِ أبيهِ، وقدْ تُستعمَلُ هذه العبارةُ في معنَى التعَجُّبِ؛ كما فِي: (للهِ دَرُّهُ)! وقدْ تستعمَلُ في الحثِّ على الجِدِّ والتَّشْميرِ؛ لأنَّ مَن له أبٌ يَتَّكِلُ عليه في شُؤونِه كُلِّها عَادَةً.
الإعرابُ: (أعَبْداً) الهمزةُ للنداءِ، عَبْداً: مُنادًى شبيهٌ بالمُضافِ؛ لكونِه مَوْصوفاً، منصوبٌ بالفتحةِ الظاهرةِ,َلَّ) فعلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ علَى الفتحِ, لا مَحَلَّ له مِن الإعرابِ، وفاعلُه ضَمِيرٌ مُستتِرٌ فيه جَوازاً تَقْديرُه: هو، وجملةُ الفعلِ وفاعلِه في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةٌ لعَبْداً, (في شُعَبَى) جارٌّ ومَجْرورٌ مُتعَلِّقٌ بحَلَّ,َرِيباً) حالٌ من فاعلِ حَلَّ, (ألُؤْماً) الهمزةُ للاستفهامِ التوبيخيِّ، لُؤْماً: مفعولٌ مُطْلَقٌ لفعلٍ محذوفٍ وُجوباً، وتقديرُ الكلامِ: أتَلْؤُمُ لُؤْماً؟ (لا) نافيةٌ للجنسِ, (أبَا) اسمُ لا منصوبٌ بالألفِ نيابةً عن الفتحةِ؛ لأنَّه من الأسماءِ السِّتَّةِ, (لكَ) اللامُ زائدةٌ لتأكيدِ الإضافةِ، وكافُ المخاطَبِ في مَحَلِّ جرٍّ بإضافةَِبَا) إليها, (واغتراباً) الواوُ حرفُ عطفٍ مَبْنِيٌّ علَى الفتحِ لا مَحلَّ له، اغتراباً: منصوبٌ على أنَّه مفعولٌ مطلَقٌ, عاملُه محذوفٌ، والتقديرُ: وتَغْتَرِبُ اغتراباً، وجملةُ الفعلِ المحذوفِ معطوفةٌ على جملةِ ألُؤْماً.
الشاهِدُ فيه: قولُه: (ألُؤْماً واغتراباً) فقدِ اشْتَمَلَتْ هذهِ العبارةُ على مصدرٍ واقِعٍ بعدَ همزةِ استفهامٍ دالَّةٍ على التوبيخِ، والعامِلُ في هذا المصدرِ محذوفٌ وُجوباً عندَ جميعِ العلماءِ، على نحوِ ما بَيَّنَّاهُ في شرحِ الشاهدِ السابقِ، ونظيرُه قولُ العَجَّاجِ:
أطَرَباً وأَنْتَ قِنَّسْرِيُّ = والدَّهْرُ بالإنْسَانِ دَوَّارِيُّ؟

([5]) سورة محمدٍ (القتالِ)، الآية: 4.

([6]) إنما كانتْ جملةَُه عَلَيَّ ألْفٌ) نَصًّا في المعنَى الذي يَدُلُّ عليه المصدرُ الواقِعُ بعدَها – وهو قولُه: (عُرْفاً) – لأنَّ مدلولَ هذهِ الجملةِ اعترافُ المُتكَلِّمِ بها على أنَّ المُحَدَّثِ عنه له عليهِ ألْفٌ، ومعنَى قولِه: عُرْفاً: اعترافٌ، فكانَ مدلولُ الجملةِ هو مدلولَ المصدرِ.
وإنَّما كانتْ جملةَُيْدٌ ابْنِي) تَحتمِلُ معنَى المصدرِ الذي هو قولُ القائلِ:َقًّا). وتَحتمِلُ غيرَه؛ لأنَّ قولَه: (أنتَ ابْنِي) تَحتمِلُ أنْ يَكُونَ المخاطَبُ ابنَ المُتكَلِّمِ حقيقةً، كما تَحتمِلُ أنَّ المُتكَلِّمَ يُرِيدُ أنَّ المخاطَبَ مثلُ ابنِ المُتكَلِّمِ في عَطْفِه عليه، وحَدَبِه على إيصالِ الخيرِ إليهِ، فإذا قالَ: حَقًّا. فقد أكَّدَ أحدَ المعنييْنِ اللذيْنِ تدُلُّ عليهما الجملةُ.

([7]) ويجوزُ في هذيْنِ المثاليْنِ – معَ استيفاءِ كلِّ الشروطِ التي ذكَرَها المُؤَلِّفُ كغيرِه من النحاةِ– الرفْعُ، على أنَّ المصدرَ الثانِيَ بدَلٌ من المصدرِ الأولِ، أو على أنَّ الثانِيَ نعتٌ للأولِ؛ لأنَّه تَخصَّصَ بإضافتِه إلى ما بعدَه.

([8]) 251-هذا الشاهدُ من كلامِ أبي كَبيرٍ– عامرِ بنِ الحُلَيْسِ – الهُذَلِيِّ، يَصِفُ تأبَّطَ شَرًّا ابنَ امرأتِه.
اللغةُ: (ما إِنْ يَمَسُّ) إنْ: حرفٌ زائدٌ لتأكيدِ النفْيِ، وزيادتُها تُبْطِلُ عمَلَ (ما) النافيةِ في لغةِ مَن يُعمِلُها، وهم أهلُ الحجازِ، فأمَّا بنو تميمٍ فإنَّهم يُهمِلونَها بكلِّ حالٍ, (المِحْمَلِ) هو حَمَّالَةُ السيفِ، شَبَّهَ ضُمورَه به.
المعنَى: إنَّ هذا الفتَى مُضْمَرٌ قد بلَغَ به التضميرُ إلى حدِّ أنَّ بَطْنَه لا يَصِلُ إلى الأرضِ إذا اضْطَجَعَ، وإنَّما يَمَسُّ الأرضَ منه مَنْكِبُهُ وحَرْفُ سَاقِه، ومعنَى قولِه: (طَيَّ المِحْمَلِ) أنَّه مُدْمَجُ الخَلْقِ كطَيِّ المِحْمَلِ، وأنَّ له تَجَافِياً كتَجافِي المِحْمَلِ، وهو عِلاقةُ السيفِ.
الإعرابُ: (ما) نافيةٌ، و(إنْ) زائدةٌ,َمَسُّ) فعلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ بالضمَّةِ الظاهرةِ (الأرضَ) مفعولٌ به ليَمَسُّ تقدَّمَ على الفاعلِ, منصوبٌ بالفتحةِ الظاهرةِ,ِلاَّ) أداةُ حَصْرٍ، حرفٌ مَبْنِيٌّ علَى السكونِ لا مَحَلَّ له مِن الإعرابِ,َنْكِبٌ) فاعِلُ يَمَسُّ, مرفوعٌ بالضمَّةِ الظاهرةِ, (منه) جارٌّ ومَجْرورٌ مُتعَلِّقٌ بمَحْذوفٍ صفةٌ لـَنْكِبٌ) (وحَرْفُ) الواوُ حرفُ عطفٍ، حرفُ: معطوفٌ على (مَنْكِبٌ)، وحرفُ مُضافٌ و(الساقِ) مُضافٌ إليه، مَجْرورٌ بالكسرةِ الظاهرةِ,َيَّ المِحْمَلِ) مُركَّبٌ إضافيٌّ منصوبٌ على أنَّه مصدرٌ تَشبيهِيٌّ, على ما قرَّرَه سِيبَوَيْهِ، وذكَرَه المُؤَلِّفُ عنه.
الشاهِدُ فيه: قولُه: (طَيَّ المِحْمَلِ). فإنَّه مصدرٌ نُصِبَ بفعلٍ محذوفٍ وُجوباً, مثلُ ذلك الفعلُ المحذوفُ في قولِهم: له صَوْتٌ صَوْتَ حِمَارٍ.
فإنْ قُلْتَ: فكيفَ حَمَلْتُم هذا البيتَ على هذا المثالِ، وجَعَلْتُم شأنَهما واحداً، معَ أنَّكم تُقَرِّرونَ أنَّ ضابطَ هذا المثالِ أنْ تَتقدَّمَ على المصدرِ جُملةٌ بشروطٍ عَيَّنْتُموها، وأنا لا أجِدُ في هذا البيتِ جملةً سبَسقَتْ هذا المصدرَ قدِ اجتمَعَتْ فيها هذهِ الشروطُ؟
فالجوابُ عن هذا أنْ نَقولَ لكَ: إنَّ هذا المصدرَ في هذا البيتِ– وإنْ لم يَتقدَّمْ عليه في ظاهرِ الأمرِ جملةٌ مُستكمِلَةٌ لِمَا ذكَرَه المُؤَلِّفُ من الشروطِ– بمنزلةِ ما تَقدَّمَ فيه ذلك، والسرُّ في هذا الكلامِ السابقِ على المصدرِ يَدُلُّ على المعنَى الذي تدُلُّ عليه هذه الجملةُ؛ لأنَّ الشاعرَ لَمَّا قالَ: (إِنَّ هذا الغلامَ إذا نامَ على الأرضِ تَجَافَى جِسْمُه كُلُّه عنها إِلاَّ مَنْكِبَهُ وحَرْفَ سَاقِهِ). صارَ كأنَّه قدْ قالَ: إنَّ له طَيًّا وضُمُوراً.


  #4  
قديم 24 ذو الحجة 1429هـ, 11:02 صباحاً
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 12,277
افتراضي شرح ألفية ابن مالك للشيخ: علي بن محمد الأشموني


المَفْعُولُ المُطْلَقُ
زَادَ فِي (شَرْحِ الكَافِيَةِ) فِي التَّرجَمَةِ "وهُو المَصْدَرُ" وذَلكَ تَفْسِيْرٌللشيءِ بِمَا هُو أَعَمُّ مِنْهُ مُطْلَقًا كَتَفْسِيْرِ الإنسانِ بِأَنَّهُ الحيوانُ ، إِذِ المَصْدَرُ أَعَمُّ مُطْلَقًا مِنَ المفعولِ المُطْلَقِ ؛ لِأَنَّ المصدرَ يكونُ مفعولًا مُطْلَقًا وفَاعِلًا ومفعولًا بِهِِ وغيرَ ذلكَ، والمفعولُ المُطْلَقُ لَا يكونُ إِلَّا مَصْدَرًا ؛ نَظَرًا إِلَى أَنَّ مَا يقومُ مَقَامَهُ مِمَّا يَدُلُّ عليهِ خَلَفٌ عَنْهُ فِيْ ذلكَ ، وأَنَّهُ الأَصْلُ.
[أَنْوَاعُ المَفَاعِيْلِ]:
واعْلمْ أَنَّ المفاعيلَ خَمْسَةٌ: مفعولٌ بِهِ وقَدْ تقَدَّمَ فِي بابِ تَعَدِّي الفِعْلِ ولُزُومِهِ ، ومفعولٌ مُطْلَقٌ ، ومفعولٌ لَهُ، ومفعولٌ فِيْهِ، ومفعولٌ مَعَهُ.
وهذَا أولُ الكلامِ عَلَى هَذِهِ الأَرْبَعَةِ:
[تَعْرِيْفُ المفعولِ المُطْلَقِ]:
فالمفعولُ المُطْلَقُ "مَا لَيْسَ خَبَرًا مِنْ مصدرٍ مُفِيْدٍ تَوْكِيْدَ عَامِلِهِ ، أَو بَيَانَ نَوْعِهِ أو عَدَدِهِ".
فـ"مَا لَيْسَ خَبَرًا" مُخْرِجٌ لنحوِ المصدرِ المُبَيِّنِ للنوعِ فِي قولِكَ: "ضَرْبُكَ ضَرْبٌ أَلِيْمٌ".
و"مِنْ مَصْدَرٍ" مُخْرِجٌ لنحوِ الحالِ المُؤَكِّدَةِ نحوُ {وَلَّى مُدْبِرًا}
و"مُفِيْدٌ توكيدَ عَامِلِهِ – إِلَى آخِرِهِ" مُخْرِجٌ لنحوِ المصدرِ المُؤَكِّدِ فِي قولِكَ: "أَمْرُكَ سَيْرٌ سَيْرٌ". وللمَسُوقِ مَعَ عَامِلِهِ لغيرِ المَعَانِي الثلاثةِ: نحوُ: "عَرَفْتُ قِيَامَكَ"، ومُدْخِلٌ لأنواعِ المفعولِ المُطْلَقِ: مَا كَانَ مِنْهَا مَنْصُوبًا؛ لكونِهِ فَضْلَةً ، نحوُ: "ضَرَبْتُ ضَرْبًا ، أو ضَرْبًا شَدِيْدًا أو ضَرْبَتَيْنِ" ، أو مَرْفُوعًا؛ لكونِهِ نَائِبًا عَنِ الفَاعِلِ، نحوُ: "غُضِبَ غََضَبٌ شَدِيْدٌ".
وإِنَّمَا سُمِّي مفعولًا مُطْلَقًا ؛ لأَنَّ حَمْلَ المفعولِ عَلَيْهِ لَا يُحْوِجُ إِلَى صِلَةٍ؛ لِأنَّهُ مَفْعُولُ الفاعِلِ حَقِيْقَةً ، بِخِلَافِ سَائِرِ المفعولاتِ ، فَإِنَّها لَيْسَتْ بمفعولِ الفاعِلِ ، وتَسْمِيَةُ كُلٍّ مِنْهَا مفعولًا إنَّمَا هو باعتبارِ إِلْصَاقِ الفِعْلِ بهِ ، أو وقُوعِهِ لِأَجْلِهِ ، أو فيهِ ، أو مَعَهُ؛ فَلِذَلكَ احْتَاجَتْ فِي حَمْلِ المفعولِ عَلَيْهَا إِلَى التَّقْيِيْدِ بحرفِ الجَرِّ بِخِلَافِهِ ، وبِهَذَا اسْتَحَقَّ أَنْ يُقَدَّمَ عليْهَا فِي الوَضْعِ ، وتَقْدِيْمِ المفعولِ بِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَى سَبِيْلِ القَصْدِ بَلْ عَلَى سَبِيْلِ الاسْتِطْرَادِ والتَّبَعِيَّةِ.
ولمَّا كَانَ المفعولُ المُطْلَقُ هو المصدرُ مَعَ ضَمِيْمَةِ شَيْءٍ آخَرَ كَمَا عَرَفْتَ بَدَأَ بتعريفِ المَصْدَرِ؛ لأنَّ مَعْرِفَةَ المُرَكَّبِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ أَجْزَائِهِ ، فَقَالَ:
286 - المَصْدَرُ اسْمُ مَا سِوَى الزَّمَانِ مِنْ = مَدْلُولَي الفِعْلِ كَأَمْنٍ مِنْ أَمِنْ
(المَصْدَرُ: اسْمُ مَا سِوَى الزمانِ مِنْ* مَدْلُولَي الفِعْلِ) أَيْ: اسمُ الحَدَثِ ؛ لِأَنَّ الفِعْلَ يَدُلُّ عَلَى الحَدَثِ ، والزمانِ ، فَمَا سِوَى الزمانِ مِنَ المَدْلُولَيْنِ هُو الحَدَثُ (كَأَمْنٍ مِنْ) مَدْلوُلَي (أَمِنْ) و"ضَرْبٍ" مِنْ مَدْلُولَي "ضَرَبَ".
287 - بِمِثْلِهِ أو فِعْلٍ او وصْفٍ نُصِبْ = وكَوْنُهُ أَصْلًا لِهَذَيْنِ انْتُخِبْ
(بِمِثْلِهِ) ولو مَعْنًى دُوْنَ لَفْظٍ (أو فِعْلٍ او وصْفٍ نُصِبْ) نحوُ: {فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا} و"يُعْجِبُنِي إِيْمَانُكَ تَصْدِيْقًا" {وكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيْمًا}، {والذَّارِيَاتِ ذَرْوًا}
(وكونُهُ) أَيْ: المَصْدَرُ (أَصْلًا) فِي الاشتقاقِ (لِهَذَيْنِ) أَيْ: للفعلِ والوصفِ (انْتُخِبْ) أَيْ: اخْتُيِرَ ، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ ، وخَالَفَ بَعْضُهُم فَجَعَلَ الوَصْفَ مُشْتَقًّا مِنَ الفِعْلِ ، فهو فَرْعُ الفَرْعِ، وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إِلَى أَنَّ الفِعْلَ أَصْلٌ لَهُمَا، وزَعَمَ ابْنُ طَلْحَةَ أَنَّ كُلًّا مِنَ المَصْدَرِ والفِعْلِ أَصْلٌ بِرَأْسِهِ، لَيْسَ أَحَدُهُمَا مُشْتَقًّا مِنَ الآخَرِ ، والصحيحُ مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ ؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الفَرْعِ أَنْ يَكُونَ فِيْهِ مَا فِي الأَصْلِ، وزِيَادَةٌ ، والفِعْلُ والوَصْفُ مَعَ المَصْدَرِ بِهَذِهِ المَثَابَةِ إِذِ المصدرُ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى مُجَرَّدِ الحَدَثِ، وكُلٌّ مِنْهَا يَدُلُّ عَلَى الحَدَثِ وزِيَادَةٍ.
288 - تَوْكِيدًا او نَوْعًا يُبِيْنُ أو عَدَدْ = كَسِرْتُ سَيْرَتَيْنِ سَيْرَ ذِي رَشَدْ
(تَوْكِيْدًا او نَوْعًا يُبِيْنُ) المَصْدَرُ المَسُوقُ مفعولًا مُطْلَقًا (أو عَدَدْ) أَيْ: لا يَخْرُجُ المفعولُ المطلقُ عَنْ أَنْ يكونَ لِغَرَضٍ مِنْ هَذِهِ الأَغْرَاضِ الثلاثةِ، فالمُؤَكِّدُ (كَسِرْتُ) سَيْرًا ، ويُسَمَّى المُبَهَمَ ، ومُبَيِّنُ العَدَدِ – ويُسَمَّى المَعْدُودَ - كَسِرْتُ (سَيْرَتَيْنِ) و{دُكَّتَا دَكَّةً واحِدَةً} ومُبَيِّنُ النوعِ كـ"سِرْتُ (سَيْرَ ذِي رَشَدْ) أو سَيْرًا شَدِيْدًا أو السيرَ الذِي تَعْرِفُهُ" ويُسَمَّى المُخْتَصَّ ، هَكَذَا فَسَّرَهُ بَعْضُهُم والظاهِرُ أَنَّ المَعْدُودَ مِنْ قَبِيْلِ المُخْتَصِّ كَمَا فَعَلَ فِي (التَّسْهِيْلِ) فالمفعولُ المُطْلَقُ عَلَى قِسْمَيْنِ : مُبْهَمٍ ومُخْتَصٍّ، والمُخْتَصُّ عَلَى قِمْسَيْنِ: مَعْدُودٍ، وغَيْرِ مَعْدُودٍ.
[مَا ينوبُ عَنِ المصدرِ فِي المفعوليةِ المُطْلَقَةِ]:
289 - وقَدْ يَنُوبُ عَنْهُ مَا عَلَيْهِ دَلّ = كَجِدَّ كُلَّ الجِدِّ وافْرَحِ الجَذَلْ
(وقَدْ يَنُوبُ عَنْهُ) أَيْ: عَنِ المصدرِ فِي الانْتِصَابِ عَلَى المفعولِ المُطْلَقِ (مَا عَلَيْهِ) أَيْ: مَا عَلَى المَصْدرِ (دَلّ) وذلكَ سِتَّةَ عَشَرَ شَيْئًا ، فينوبُ عَنِ المصدرِ المُبَيِّنِ للنوعِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ شَيْئًا:
الأولُ: كُلِّيَّتُهُ (كَجِدَّ كُلَّ الجِدِّ) ومِنْهُ {فَلَا تَمِيْلُوا كُلَّ المَيْلِ} وقولُهُ [مِنَ الطَّوِيلِ]:
420 – [وقَدْ يَجْمَعُ اللهُ الشَّتِيْتَيْنِ بَعْدَ مَا] = يَظُنَّانِ كُلَّ الظَّنِّ أَنْ لَا تَلَاقِيَا
الثانِي: بَعْضِيَّتُهُ نحوُ: "ضَرَبْتُهُ بَعْضَ الضربِ".
الثالثُ: نوعُهُ نحوُ: "رَجَعَ القَهْقَرَي ،وقَعَدَ القُرْفُصَاءَ".
الرابعُ: صِفَتُهُ نحوُ: "سِرْتُ أَحْسَنَ السَّيْرِ وأَىَّ سَيْرٍ".
الخامسُ: هَيْئَتُهُ نحوُ: "يَمُوتُ الكَافِرُ مِيْتَةَ سُوءٍ".
السادسُ: مُرَادُفُهُ نحوُ: قُمْتُ الوقوفَ" (وافْرَحِ الجَذَلْ) ومِنْهُ قولُهُ [مِنَ الرَّجَزِ]:
421 - يُعْجِبُهُ السَّخُونُ والبَرُودُ = والتَّمْرُ حُبًّا مَا لَهُ مَزِيْدُ
السابعُ: ضَمِيْرُهُ نحوُ: "عَبْدُ اللهِ أَظُنُّهُ جَالِسًا" ومِنْهُ {لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ العَالَمِيْنَ}.
الثامنُ: المُشَارُ بِهِ إِلَيْهِ نحوُ: "ضَرَبْتُهُ ذلكَ الضَّرْبَ".
التاسعُ: وَقْتُهُ كقولِهِ [مِنَ الطَّوِيلِ]:
422 - أَلَمْ تَغْتَمِضْ عَيْنَاكَ لَيْلَةَ أَرْمَدَا = [وبِتَّ كَمَا بَاتَ السَّلِيْمُ مُسَهَّدَا]
أيْ: اغْتِمَاضَ ليلةِ أَرْمَدَا ، وهو عَكْسُ "فَعَلْتُهُ طلوعَ الشَّمْسِ" إِلَّا أنَّهُ قليلٌ.
العاشرُ: "مَا" الاسْتِفْهَامِيَّةُ نحوُ: "مَا تَضْرِبُ زَيْدًا".
الحادى عَشَرَ: "مَا" الشرطيةُ ، نحوُ: "مَا شِئْتَ فَاجْلِسْ".
الثانِي عَشَرَ: آلَتُهُ ، نحوُ: "ضَرَبْتُهُ سَوْطًا" ، وهُو يَطَّرِدُ فِي آلةِ الفِعْلِ دُوْنَ غَيْرِهَا ، فَلَا يجوزُ: "ضَرَبْتُهُ خَشَبَةً".
الثالث عَشَرَ: عدَدُهُ نحوُ {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِيْنَ جَلْدَةً}
وزَادَ بعضُ المُتَأَخِّرِيْنَ اسْمَ المَصْدَرِ العَلَمِ نحوُ: "بَرَّ بَرَّةَ" و"فَجَرَ فِجَارِ".
وفِي (شَرْحِ التَّسْهِيلِ) أَنَّ اسمَ المصدرِ لَا يُسْتَعْمَلُ مُؤَكِّدًا ولَا مُبَيِّنًا.
وينوبُ عَنِ المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءٍ:
الأولُ: مُرَادُفُهُ نحوُ: "شَنَئْتُهُ بُغْضًا" و"أَحْبَبْتُهُ مِقَةً" و"فَرِحْتُ جَذَلًا".
الثانِي: مُلَاقِيْهِ فِي الاشْتِقَاقِ نحوُ {واللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا}، {وتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيْلًا}، والأصلُ إِنْبَاتًا وتَبَتُّلًا.
الثالثُ: اسْمُ مَصْدَرٍ غَيْرُ عَلَمٍ نحوُ: "تَوَضَّأَ وُضُوءًا واغْتَسَلَ غُسْلًا" و"أَعْطَى عَطَاءً".
290 - ومَا لِتَوْكِيْدٍ فَوَحِّدْ أَبَدَا = وثَنِّ واجْمَعْ غَيْرَهُ وأَفْرِدَا
(ومَا) سِيْقَ مِنَ المَصَادِرِ (لتوكيدٍ فَوَحِّدْ أَبَدَا) ؛ لِأنَّهُ بِمَنْزِلَةِ تكريرِ الفِعْلِ، والفِعْلُ لَا يُثَنَّى ولَا يُجْمَعُ (وثَنِّ واجْمَعْ غَيْرَهُ) أَيْ: غَيْرَ المُؤَكِّدِ ، وهُو المُبَيِّنُ (وأَفْرِدَا) لصَلَاحِيَتِهِ لذلكَ ، أَمَّا العَدَدِيُّ فَبِاتِّفَاقٍ نحوُ: "ضَرَبْتُهُ ضَرْبَةً وضَرْبَتَيْنِ وضَرَبَاتٍ". واخْتُلِفَ فِي النَّوعِيِّ، فالمشهورُ الجَوَازُ نَظَرًا إِلَى أَنْوَاعِهِ نحوُ: "سِرْتُ سَيْرَي زَيْدٍ الحَسَنَ والقَبِيْحَ" وظاهِرُ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ المَنْعُ واخْتَارَهُ الشَّلُوبِيْنُ.
291 - وحَذْفُ عَامِلِ المُؤَكِّدِ امْتَنَعْ = وفِي سِوَاهُ لِدَلِيْلٍ مُتَّسَعْ
(وحَذْفُ عَامِلِ) المَصْدرِ (المُؤَّكِدِ امْتَنَعْ) لِأنَّهُ إنَّمَا جِيْءَ بهِ لِتَقْوِيَةِ عَامِلِهِ وتقريرِ مَعْنَاهُ، والحَذْفُ يُنَافِي ذلكَ ونَازَع َفيِ ذلكَ الشَّارِحُ (وفِي) حَذْفِ عَامِلِ (سِوَاهُ لِدَلِيْلٍ مُتَّسَعْ) عِنْدَ الجميعِ كَانَ يُقَالُ: "مَا ضَرَبْتُ" فتقولُ: "بَلَى ضَرْبًا مُؤْلِمًا" أو "بَلَى ضَرْبَتَيْنِ" وكَقَوْلِكَ لِمَنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ "قُدُومًا مُبَارَكًا" ولِمَنْ أَرَادَ الحَجَّ أو فَرَغَ مِنْهُ "حَجًّا مَبْرُورًا" فَحَذْفُ العَامِلُ فِي هَذِهِ الأَمْثِلَةِ ، ومَا أَشْبَهَهَا جَائِزٌ؛ لدلَالَةِ القَرِيْنَةِ عَلَيْهِ، وَليسَ بِوَاجِبٍ.
292 - والحَذْفُ حَتْمٌ مَعَ آتٍ بَدَلَا = مِنْ فِعْلِهِ كَنَدْلًا اللَّذْ كَانْدُلَا
(والحَذْفُ حَتْمٌ) أَيْ: وَاجِبٌ (مَعَ) مَصْدَرٍ (آتٍ بَدَلَا* مِنْ فِعْلِهِ) لِأنَّهُ لَا يجوزُ الجَمْعُ بينَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنْهُ.
وهُو عَلَى نَوْعَيْنِ: واقِعٍ فِي الطلبِ وواقعٍ فِي الخَبَرِ.
فاٍلأولُ: هُو الواقِعُ أَمْرًا أو نَهْيًا (كَنْدَلًا اللَّذْ كَانْدُلَا) فِي قَولِهِ [مِنَ الطَّوِيلِ]:
عَلَى حِيْنِ أَلْهَى النَّاسَ جُلُّ أُمُورِهِم = فَنَدْلًا زُرَيْقُ المَالَ نَدْلَ الثَّعَالِبِ
فـ "نَدْلًا" بَدَلٌ مِنَ اللفظِ بـ "انْدلْ" والأَصْلُ انْدلْ يَا زُرَيْقُ المَالَ: أَيْ : اخْتَطِفْهُ، يُقَالُ: نَدَلَ الشيءَ إِذَا اخْتَطَفَهُ ومِنْهُ {فَضَرْبَ الرِّقَابِ} أَيْ: فَاضْربُوا الرقابَ، وتقولُ: "قِيَامًا لا قُعُودًا" أَيْ: "قُمْ ولَا تَقْعُدْ". كَذَا أَطْلَقَ النَّاظِمُ، وخَصَّ ابْنُ عُصْفُورٍ الوُجُوبَ بالتَّكْرَارِ، كقولِهِ [مِنَ الوَافِرِ]:
423 - فَصَبْرًا فِي مَجَالِ المَوْتِ صَبْرًا = فَمَا نَيْلُ الخُلُودِ بِمُسْتَطَاعِ
أو دُعَاءً نحوُ: "سَقْيًا" و"رَعْيًا" و"جَدْعًا" و"كَيًّا" أو مَقْرُونًا باستفهامٍ تَوْبِيْخِيٍّ نحوُ: "أَتَوَانِيًا وقَدْ جَدَّ قُرَنَاؤُكَ" وقولِهِ [مِنَ الوَافِرِ]:
424 - أَعَبْدًا حَلَّ فِي شُعَبَى غَرِيْبًا = أَلُؤْمًا لَا أَبَا لَكَ وَاغْتِرَابَا
والثانِي: مَا دَلَّ عَلَى عَامِلِهِ قَرِيْنَةٌ ، وكَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ كَقَوْلِهِمْ عِنْدَ تَذَكُّرِ النعمةِ: "حَمْدًا وشُكْرًا لا كْفْرًا"، وعِنْدَ تَذَكُّرِ الشِّدَّةِ: "صَبْرًا لَا جَزَعًا" وعِنْدَ ظهورِ مُعْجِبٍ "عَجَبًا" وعِنْدَ الامْتِثَالِ "سَمْعًاً وطَاعَةً" ، وعِنْدَ خِطَابٍ مَرْضِيٌّ عَنْهُ "أَفْعَلُ ذَلِكَ وكَرَامَةً ومَسَرَّةً" ، وعِنْدَ خِطَابٍ مَغْضُوبٍ عَلَيْهِ "لَا أَفْعَلُ ذَلكَ ولَا كَيْدًا ولا هَمًّا". و"لا فَعَلْتُ ذلكَ ورَغُمًا وهَوَانًا".
293 - ومَا لِتَفْصِيْلٍ كَإِمَّا مَنَّا = عَامِلُهُ يُحْذَفُ حيثُ عَنَّا
(ومَا) سِيْقَ مِنَ المَصَادِرِ (لِتَفْصِيْلٍ) أَيْ: لتفصيلِ عَاقِبَةِ مَا قَبْلَهُ (كَإِمَّا مَنَّا) مِنْ قولِهِ تَعَالَى: {فَشُدُّوا الوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا}، {وإِمَّا فِدَاءً} (عَامِلُهُ يُحْذَفُ حَيْثُ عَنَّا) أَيْ: حَيْثُ عَرَضَ لِمَا ذُكِرَ مِنْ أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ اللفظِ بِعَامِلِهِ والتقديرُ: فَإِمَّا تَمُنُّونَ وإِمَّا تُفَادُونَ.
294 - كَذَا مُكَرَّرٌ وذُو حَصْرٍ وَرَدْ = نَائِبَ فِعْلٍ لاسْمِ عَيْنٍ اسْتَنَدْ
(كَذَا مُكَرَّرٌ وذُو حَصْرٍ وَرَدْ) كُلٌّ مِنْهُمَا (نَائِبَ فِعْلٍ لاسمِ عَيْنٍ اسْتَنَدْ) نحوُ: "أَنْتَ سَيْرًا سَيْرًا" و"إِنَّمَا أَنْتَ سَيْرًا" و"مَا أَنْتَ إِلَّا سَيْرًا" فالتَّكْرَارُ عِوَضٌ مِنَ اللفظِ بالفعلِ، والحَصْرُ يَنُوبُ مَنَابَ التَّكْرِيْرِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُكَرَّرًا، ولا مَحْصُورًا جَازَ الإِضْمَارُ والإظهارُ ، نحوُ: "أَنْتَ سَيْرًا" و"أَنْتَ تَسِيْرُ سَيْرًا"، والاحْتِرَازُ بِاسْمِ العَيْنِ عَنِ اسمِ المَعْنَى نحوُ: "أَمْرُكَ سَيْرٌ سَيْرٌ" فَيَجِبُ أَنْ يُرْفَعَ عَلى الخَبَرِيَّةِ هُنَا لِعَدَمِ الاحْتِيَاجِ إِلَى إِضْمَارِ فِعْلٍ هُنَا بِخِلَافِهِ بَعْدَ اسْمِ العَيْنِ لِِِأنَّهُ يُؤْمَنُ مَعَهُ اعْتِقَادُ الخبريةِ ؛ إِذِ المَعْنََى لَا يُخْبَرُ بِهِ عَنِ العَيْنِ إِلَّا مَجَازًا كقولِهِ [مِنَ البَسِيطِ]:
425 – [تَرْتَعُ مَا رَتَعَتْ حَتَّى إِذَا ادَّكَرَتْ] = فَإِنَّمَا هِي إِقْبَالٌ وإِدْبَارُ
أَيْ: ذَاتُ إِقْبَالٍ وإِدْبَارٍ .
295 - ومِنْهُ مَا يَدْعُونَهُ مُؤَكِّدَا = لِنِفْسِهِ أَو غَيْرِهِ فَالْمُبْتَدَا
296 - نَحْوُ "لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ عُرْفَا" = والثانِ كَـ"ابْنِي أَنْتَ حَقًّا صِرْفَا"
(ومِنْهُ) أَيْ: ومِنَ الوَاجِبِ حَذْفُ عَامِلِهِ (مَا يَدْعُونَهُ مُؤَكِّدَا) وهُو إِمَّا مُؤَكِّدٍ (لِنَفْسِهِ أَو غَيْرِهِ فَالْمُبْتَدَا) مِنَ النوعينِ – وهُو المُؤَكِّدُ لِنَفْسِهِ – هُو الواقِعُ بَعْدَ جُمْلَةٍ هِي نَصٌّ فِي مَعْنَاهُ، وسُمِّيَ بِذَلكَ لِأنَّهُ بِمَنْزِلَةِ إِعَادَةِ الجُمْلَةِ ، فَكَأَنَّهُ نَفْسُهَا نحوُ: (لَهْ عَلَيَّ أَلْفٌ عُرْفَا) أَيْ: اعْتِرَافًا ، أَلَا تَرَى أَنَّ "لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ" هُو نَفْسُ الاعْتِرَافِ (والثانِ) – وهُو المُؤَكِّدُ لغيرِهِ – هُو الواقِعُ بَعْدَ جُمْلَةٍ تَحْتَمِلُ غيرَهُ فتصيرَ بِهِ نَصًّا ، وسُمِّيَ بذلكَ لِأنَّهُ أَثَّرَ فِي الجُمْلَةِ ، فَكَأَنَّهُ غَيْرُهَا؛ لِأَنَّ المُؤَثِّرَ غَيْرُ المُؤَثَّرِ فِيْهِ (كَابْنِي أَنْتَ حَقًّا صِرْفَا) فـ "حَقًّا": رَفَعَ مَا احْتَمَلَهُ "أَنْتَ ابْنِي" مِنْ إِرَادَةِ المَجَازِ.
297 - كَذَاكَ ذُو التَّشْبِيْهِ بَعْدَ جُمْلَهْ = كَلِي بُكًا بُكَاءَ ذَاتِ عُضْلَهْ
و(كَذَاكَ) مِمَّا يُلْتَزَمُ إِضْمَارُ نَاصِبِهِ المَصْدَرُ المُشْعِرُ بالحُدُوثِ (ذُو التَّشْبِيْهِ بَعْدَ جُمْلَهْ) حَاوِيَةٍ مَعْنَاهُ، وفَاعِلُهُ غَيْرُ صَالِحٍ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ للعَمَلِ فِيْهِ (كَلِي بُكًا بُكَاءَ ذَاتِ عُضْلَهْ) أَيْ: مَمْنُوَعَةٌ مِنَ النِّكَاحِ، و"الزَّيْدُ ضَرْبٌ ضَرْبَ المُلُوكِ" و"لَهُ صَوْتٌ صَوْتَ حِمَارٍ" فالمَنْصُوبُ فِي هذِهِ الأمثلَةِ قَدْ اسْتَوْفَى الشروطَ السبعةَ ، بِخِلَافِ مَا فِي نحوِ: "لِزَيْدٌ يَدٌ يَدُ أَسَدٍ" لِعَدَمِ كَوْنِهِ مَصْدَرًا ونَحْوُ: "لَهُ عِلْمٌ عِلْمُ الحُكَمَاءِ" لِعَدَمِ الإِشْعَارِ بالحدوثِ ونحوُ: "لَهُ صوتٌ صَوْتٌ حَسَنٌ" لِعَدمِ التشبيهِ ونحوُ: "صَوْتُ زَيْدٍ صَوْتُ حِمَارٍ" لِعَدمِ تَقَدُّمِ جملةٍ ، ونحوُ: "لَهُ ضَرْبٌ صَوْتُ حِمَارٍ" لِعَدَمِ احْتِوَاءِ الجُمْلَةِ قَبْلَهُ عَلَى مَعْنَاهُ، ونحوُ: "عَلَيْهِ نَوْحٌ نَوْحُ الحَمَامِ" لِعَدَمِ احْتِوَائِهَا عَلَى صَاحِبِهِ ؛ فَيَجِبُ رَفْعُهُ فِي هَذِهِ الأَمْثِلَةِ ونَحْوِهَا، وقَدْ يَنْتَصِبُ فِي هَذَا الأخيرِ لَكِنْ عَلَى الحَالِ.
وبِخِلَافِ مَا فِي نحوِ: "أَنَا أَبْكِي بُكَاءَ ذاتِ عُضْلَةٍ" و"زَيْدٌ يُضْرَبُ ضَرْبَ المُلُوكِ" حيثُ يُتَعَيَّنُ كَوْنُ نَصْبِهِ بالعامِلِ المذكورِ فِي الجُمْلَةِ قَبْلَهُ لَا بمحذوفٍ لصلاحيةِ المذكورِ للعَمَلِ فِيْهِ.
وإِنَّمَا لَمْ يَصْلُحِ المصدرُ المُشْتَمِلَةُ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ – فِي نحوِ: "لِي بُكًا" و"لِزَيْدٍ ضَرْبٌ" – لِلْعَمَلِ ؛ لِأَنَّ شَرْطُ إِعْمَالِ المَصْدَرِ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الفِعْلِ أو مُقَدَّرًا بالحرفِ المَصْدَرِيِّ والفعلِ ، وهَذَا لَيْسَ وَاحِدًا مِنْهُمَا.
تنبيهٌ: مَثَلُ " لهُ صَوْتٌ صَوْتُ حِمَارٍ" قولُهُ [مِنَ الكَامِلِ]:
426 - مَا إِنْ يَمَسَّ الأَرْضَ إِلَّا مَنْكِبٌ = مِنْهُ وحرفُ السَّاقِ طَيَّ المِحْمَلِ
لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ بِمَنْزِلَةِ "لَهْ طَيٌّ" قالَهُ سِيْبَوَيْهِ.
خَاتِمَةٌ: المَصْدَرُ الآتِي بَدَلًا مِنَ اللفظِ بِفِعْلِهِ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
الأولُ: مَا لَهُ فِعْلٌ وهُو مَا مَرَّ.
والثانِي: مَا لَا فِعْلَ لَهُ أَصْلًا كَـ"بَلْهَ" إِذَا اسْتُعْمِلَ مُضَافًا كقولِهِ [مِنَ الكَامِلِ]:
427 - تَذَرُ الجَمَاجِمَ ضَاحِيًا هَامَاتُهَا = بَلْهَ الْأَكُفِّ كَأَنَّهَا لَمْ تُخْلَقِ
فِي رِوَايَةِ خَفْضِ "الأَكُفِّ" فَبَلْهَ حينئذٍ: مَنْصُوبٌ نَصْبَ "ضَرْبَ الرِّقَابِ" ، والعَامِلُ فِيْهِ فِعْلٌ مِنْ مَعْنَاهُ، وهُو "اتْرُكْ" لِأَنَّ "بَلْهَ الشَّيْءَ" بِمَعْنَى تَرَكَ الشَّيْءَ فهُو عَلَى حَدِّ النصبِ فِي نحوِ: "شَنَئْتُهُ بُغْضًا" و"أَحْبَبْتُهُ مِقَةً".
ويجوزُ أَنْ يُنْصَبَ مَا بَعْدَ "بَلْهَ" فيكونَ اسْمَ فِعْلٍ بِمَعْنَى اتْرُكْ ، وهِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي البَيْتِ ، وسَيَأْتِي فِي بَابِهِ.
ومِثْلُ "بَلْهَ" المُضَافِ: ويْلَه ، ووَيْحَه ووَيْسَه، ووَيْبَه ، وهِي كِنَايَاتٌ عَنِ الوَيْلِ وَوَيْلٌ: كَلِمَةٌ تُقَالُ عِنْدَ الشَّتْمِ والتوبيخِ كَثُرَتْ حَتَّى صَارَتْ كَالتَّعَجُّبِ، يَقُولُهَا الإنسانُ لِمَنْ يُحِبُّ ولِمَنْ يُبْغِضُ ، ونَصْبُهَا بتقديرِ: "أَلْزَمَهُ اللهُ" ، وهُو قليلٌ؛ ولذلكَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ هُنَا.

  #5  
قديم 24 ذو الحجة 1429هـ, 11:03 صباحاً
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 12,277
افتراضي دليل السالك للشيخ: عبد الله بن صالح الفوزان


المفعولُ الْمُطْلَقُ
تعريفُ الْمَصدَرِ العاملِ في المصدَرِ، وأنه أصْلُ الْمُشْتَقَّاتِ
285- المصدَرُ اسمُ ما سِوَى الزمانِ مِنْ = مَدلولَيِ الفعلِ كأَمْنٍ مِن أَمِنْ
286- بمِثلِه أو فِعْلٍ او وَصْفٍ نُصِبْ = وكونُه أَصْلاً لهذينِ انْتُخِبْ

اعْلَمْ أنَّ الفعلَ يَدُلُّ على أمْرَيْنِ معاً:
الأوَّلُ: الحدَثُ وهو المعنى القائِمُ بغيرِه، كالقيامِ والقعودِ والضرْبِ ونحوِها.
الثاني: الزمانُ كالْمُضِيِّ والاستقبالِ.
فإذا قُلنا: بَذَلَ الغَنِيُّ مالَه في الخيرِ، فإنَّ الفعْلَ (بَذَلَ) يُفيدُ أَمرينِ: أوَّلُهما: وُقوعُ البذْلِ وحُدوثُه، وثانيهما: وقتُ هذا البذْلِ، وهو الزمَنُ الْمَاضِي، فإذا قُلنا: بَذْلُ المالِ في الخيرِ نَفعٌ لصاحبِه، فإنَّ كَلِمةَ (بَذْلُ) لا تَدُلُّ إلاَّ على حُدوثِ البذْلِ مِن غيرِ زَمَنٍ، وكلُّ اسمٍ يَتَّفِقُ مع الفِعْلِ في الدَّلالةِ على الحدَثِ، ويَختلِفُ عنه في كونِه لا يَدُلُّ على الزمانِ يُسَمَّى (مَصْدَراً) فالمصدَرُ هو: اسمٌ يَدُلُّ على حَدَثٍ مُجَرَّدٍ عن الزمانِ.
وإنما بَوَّبَ الناظِمُ للمفعولِ المطلَقِ، وعَرَّفَ الْمَصدرَ؛ لأنَّ المفعولَ المطلَقَ يَغْلِبُ أنْ يكونَ مَصْدَراً، نحوُ: انتَصَرَ الحقُّ انتصاراً، وقد يكونُ المفعولُ الْمُطْلَقُ غيرَ مَصْدَرٍ كما سيأتي.
فالمفعولُ المطلَقُ اسمٌ منصوبٌ يُؤَكِّدُ عامِلَه أو يُبَيِّنُ نَوْعَه أو عَدَدَه، وسأذْكُرُ الأمثلةَ قَريباً إنْ شاءَ اللهُ.
وأمَّا حُكْمُ المصدَرِ فإنه يُنْصَبُ أحياناً وناصبُه إما فِعْلٌ مُتَصَرِّفٌ تامٌّ، نحوُ: تلا القارئُ القرآنَ تِلاوةً حَسَنَةً، فـ (تلاوةً) مصدَرٌ منصوبٌ بالفعْلِ قَبْلَه، قالَ تعالى: {وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً} أو وَصْفٌ، نحوُ: أَعْجَبَنِي الجالِسُ جُلوساً حَسَناً، فـ (جلوساً) مصدَرٌ منصوبٌ بالوصْفِ قَبْلَه، قالَ تعالى: {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً} أو مصدَرٌ، نحوُ: سَرَّتْنِي كِتابتُكَ الواجِبَ كِتابةً جَيِّدَةً، فـ (كِتابةً) مَصدرٌ منصوبٌ بالمصدَرِ قَبْلَه قالَ تعالى: {فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُوراً}.
والمصدَرُ أصْلُ الْمُشْتَقَّاتِ كُلِّها، فالفعْلُ، واسمُ الفاعلِ، واسمِ المفعولِ، والصفةُ الْمُشَبَّهَةُ واسمُ التفضيلِ، واسمُ الزمانِ والمكانِ، واسمُ الآلةِ، كلُّها مأخوذةٌ مِنَ المصدَرِ، وهذا هو القولُ الراجِحُ، وهو المشهورُ، فاسمُ الفاعلِ: قائمٌ مشْتَقٌّ مِنَ القِيامِ، واسمُ الآلةِ: مِفتاحٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الفتْحِ وهكذا البَقِيَّةُ.
وهذا معنى قولِه: (المصدَرُ اسمٌ.. إلخ) أيْ: إنَّ الْمَصدَرَ اسمٌ يُطْلَقُ على مدلولٍ واحدٍ مِن مَدْلُولَيِ الفعْلِ غيرِ الزمانِ، ولَمَّا كان الفعْلُ يَدُلُّ على الحدَثِ وعلى الزمانِ فكأنه قالَ: المصدَرُ هو اسمُ الحدَثِ، ثم مثَّلَ للمصدَرِ بكلمةِ (أَمْنٍ) فهو يَدُلُّ على المعنى المجرَّدِ، وهو الحدَثُ، وهو أحَدُ مَدْلُولَي الفعْلِ (أَمِنَ).
ثم بَيَّنَ أنَّ المصدَرَ يُنْصَبُ بمصدَرٍ مِثْلِه أو بفِعلِه أو بوصْفٍ، وقد (انْتُخِبَ) أي: اختيرَ كَوْنُ الْمَصدَرِ (أصْلاً لهذينِ) أي: الفعْلِ والوصْفِ لأنَّ المصدَرَ يَدُلُّ على شيءٍ واحدٍ هو الحدَثُ الْمُجَرَّدُ فهو بسيطٌ، والفعْلُ يَدُلُّ على شيئينِ الحدَثِ والزمانِ، فهو مرَكَّبٌ، والوصْفُ يَدُلُّ على الحدَثِ والفاعلِ، فهو مرَكَّبٌ أيضاً، والبسيطُ أصْلُ الْمُرَكَّبِ.
أنواعُ الْمَصْدَرِ
287- تَوكيداً أو نوعاً يُبِينُ أو عَددْ = كَسِرْتُ سَيْرتَيْنِ سَيْرَ ذِي رَشَدْ
يَنقسِمُ المصدَرُ باعتبارِ فائدتِه الْمَعنويَّةِ ثلاثةَ أقسامٍ:
الأوَّلُ: المصدَرُ المؤكِّدُ لعاملِه توكيداً لَفْظِيًّا، ويَتحقَّقُ ذلك بالمصدَرِ المنصوبِ الْمُبْهَمِ، نحوُ: اشتَدَّتِ الريحُ اشتداداً قالَ تعالى: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً}
الثاني: المصدَرُ الْمُبَيِّنُ للنوْعِ إمَّا لكونِه مُضافاً، نحوُ: أَعملُ عَمَلَ الصالحينَ، أو مَوصوفاً، نحوُ: أَعْمَلُ عَملاً صالحاً، قالَ تعالى: {وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً} أو لكونِه مَقروناً بـ (أل) العَهديَّةِ، نحوُ: اجْتَهَدْتُ الاجتهادَ أي المعهودَ بينَ المتكلِّمِ والمخاطَبِ.
الثالثُ: المصدَرُ الْمُبَيِّنُ للعدَدِ، نحوُ: قَرأتُ الكتابَ قِراءتينِ.
وقد يكونُ الغرَضُ مِن الْمَصدَرِ الأمورَ الثلاثةَ مُجْتَمِعَةً، نحوُ: قرأتُ الكتابَ قِراءتينِ نافِعتينِ.
واعلَمْ أنَّ التوكيدَ حاصلٌ بالنوعِيِّ والعدديِّ ـ أيضاً ـ ولا يُمكنِكُ بيانُ النوعِ أو العددِ إلا بتوكيدِ معنى العامِلِ.
وهذا معنى قولِه: (توكيداً أو نوعاً... إلخ) أيْ: أنَّ المصدَرَ يَأتِي للتوكيدِ أو لبيانِ النوعِ أو العدَدِ، ثم مَثَّلَ بقولِه: (سِرْتُ سِيرتَيْنِ) وهذا لبيانِ العددِ مع التوكيدِ و (سَيْرَ ذي رَشَدْ) لبيانِ النوعِ مع التوكيدِ ـ أيضاً.
ما يَنوبُ عَنِ المصدَرِ في النصْبِ على المفعوليَّةِ المطلَقَةِ
288- وقد يَنوبُ عنه ما عليه دَلْ = كجِدَّ كُلَّ الْجِدِّ وافْرَحِ الْجَذَلْ
يَجوزُ حَذْفُ الْمَصْدَرِ وإنابةُ غيرِه عنه، وحُكْمُ هذا النائِبِ: النصْبُ دائماً على أنه مَفعولٌ مُطْلَقٌ، ولا يقالُ: إنه مصدرٌ، إذ مَصدرُ العاملِ المذكورِ في الكلامِ قد حُذِفَ، والأشياءُ التي تَصْلُحُ للإنابةِ عن المصدَرِ كثيرةٌ منها:
1- مُرادِفُه: (والمرادِفُ ما اختَلَفَ لفْظُه واتَّفَقَ مَعناهُ)، نحوُ: سُرِرْتُ فَرَحاً، فـ (فَرَحاً) مفعولٌ مُطْلَقٌ منصوبٌ وهو نائبٌ عن مَصدَرِ الفعْلِ المذكورِ؛ لأنَّ مَصْدَرَه (سُروراً) ولَمَّا كان السرورُ والفرَحُ بمعنى واحدٍ صَحَّت النِّيَابَةُ.
2- صِفتُه:، نحوُ: تلا القارئُ القرآنَ أَحْسَنَ تِلاوةٍ فـ (أحْسَنَ) مفعولٌ مطلَقٌ منصوبٌ، وهو صِفةٌ للمصدَرِ المحذوفِ، والأصْلُ: تلا القارئُ تِلاوةً أحْسَنَ تِلاوةٍ.
3- اسمُ الإشارةِ: والغالِبُ أنْ يكونَ بعدَه مَصْدَرٌ كالمحذوفِ، نحوُ: أكرَمْتُ الضيْفَ ذلك الإكرامَ، فـ (ذا) اسمُ إشارةٍ مَبْنِيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ نَصْبِ مفعولٍ مُطْلَقٍ، و (الإكرامُ) بَدَلٌ أو عَطْفُ بَيانٍ.
4- ضميرُ الْمَصْدَرِ:، نحوُ: جامَلْتُكَ مُجامَلَةً لا أُجَامِلُها أحَداً، فالفعْلُ (أُجَامِلُ) حُذِفَ مَصْدَرُه ونابَ عنه الضميرُ وهو (ها).
والأصْلُ: لا أُجامِلُ الْمُجَامَلَةَ أحَداً.
قالَ تعالى: {لاَ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ} أيْ: لا أُعَذِّبُ التعذيبَ.
5- عدَدُه:، نحوُ: سَجَدَ الْمُصَلِّي أَرْبعاً، فـ (أربعاً) مفعولٌ مُطْلَقٌ نائبٌ عن المصدَرِ المحذوفِ، والأصْلُ: سُجوداً أرْبَعاً قالَ تعالى: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً}.
6- لفْظُ (كلٍّ أو بعضٍ) بشرْطِ الإضافةِ لِمِثْلِ المصدَرِ المحذوفِ، نحوُ: أَتْقَنَ العامِلُ كُلَّ الإتقانِ، فـ (كلَّ) مفعولٌ مُطْلَقٌ نائبٌ عن المصدَرِ المحذوفِ، قالَ تعالى: {وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} ومِثالُ بعضٍ: أَهْمَلَ الطالِبُ بعضَ الإهمالِ.
7- المشارِكُ له في مادَّتِه: وهو إما اسمُ مَصْدَرٍ، نحوُ: أعطى الغَنِيُّ عطاءً جَزْلاً، فـ (عطاءً) مفعولٌ مُطْلَقٌ؛ لأنه اسمُ مَصْدَرٍ للفعْلِ (أَعْطَى) الذي مَصْدَرُه (إعطاءً) أو مَصْدَرٌ لفعْلٍ آخَرَ كقولِِه تعالى: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} فـ (تَبْتِيلاً) مَفعولٌ مُطْلَقٌ، وهو مَصدرٌ للفعْلِ (بَتَلَ) وقد نابَ عن مصدَرِ الفعلِ (تَبَتَّلَ) أو اسمُ ذاتٍ كقولِِه تعالى: {وَاللهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً} فـ (نَباتاً) اسمٌ للشيءِ النابتِ مِن زَرْعٍ أو غيرِه، وهو مفعولٌ مطلَقٌ نائبٌ عن مَصْدَرِ الفعْلِ (أَنبَتَ).
8- نوعٌ مِن أنواعِه:، نحوُ: جَلَسَ الرجلُ القُرْفُصَاءَ، فـ (القُرْفُصَاءَ) مفعولٌ مطْلَقٌ منصوبٌ، والأصْلُ: جُلوسَ القُرْفُصَاءِ.
9- الآلةُ التيُ تُستخدَمُ لإيجادِ معنى ذلك المصدَرِ المحذوفِ، نحوُ: رَمَى الصَّيَّادُ الطيرَ سَهْماً، والأصلُ: رُمِيَ سَهْمٌ.
إلى غيرِ ذلك مما يَنُوبُ عَنِ الْمَصْدَرِ,
وفي بعضِ ما تَقَدَّمَ يقولُ ابنُ مالِكٍ: (وقد يَنوبُ عنه ما عليه دَلّ.. إلخ) أيْ: يَنوبُ عَنِ المصدَرِ بعدَ حذْفِه كلُّ شيءٍ يَدُلُّ عليه، ثم مَثَّلَ لنوعينِ: الأوَّلُ: لفْظُ (كُلٍّ) وقد أَضَافَها للمصدَرِ حيثُ قالَ: (كجِدَّ كُلَّ الْجِدِّ) والثاني: المرادِفُ، وهو (افْرَحِ الْجَذَلَ) والجَذَلُ هو: الفَرَحُ، جاءَ في القاموسِ: جَذِلَ: كفَرِحَ وَزْناً ومعنًى، فهو (جَذَلٌ)(*).
حكْمُ الْمَصدَرِ مِن حيثُ الإفرادُ والتثنيةُ والجمْعُ
289- وما لتوكيدٍ فوَحِّدْ أَبَدَا = وثَنِّ واجْمَعْ غيرَه وأفْرِدَا
لا يَجُوزُ تَثنيةُ الْمَصْدَرِ الْمُؤَكِّدِ لعاملِه ولا جَمْعُه، بل يَجِبُ إفرادُه فتَقولُ:
أشْرَقَ وَجْهُه إِشْرَاقاً؛ وذلك لأنه في معنى (اسمِ الْجِنْسِ) الإفراديِّ الذي يَصْدُقُ على القليلِ والكثيرِ فيَستغنِي بذلك عَنِ التثنيةِ والجمْعِ.
وأمَّا الْمُبَيِّنُ للعددِ، فلا خِلافَ في جَوازِ تَثنيتِه وجَمْعِه، نحوُ: رَكَعَ الْمُصَلِّي رَكعتينِ وسَجَدَ أربعَ سَجْداتٍ.
وأمَّا الْمُبَيِّنُ للنوعِ فالمشهورُ جَوازُ جَمْعِه وتَثنيتِه إذا اختَلَفَتْ أنواعُه، نحوُ: سَلَكْتُ مع الناسِ سُلوكَيِ العاقلِ: الشِّدَّةَ حِيناً والْمُلاَيَنَةَ حِيناً آخَرَ فـ (سُلُوكَيْ) مَصدَرٌ مُبَيِّنٌ للنوعِ مَنصوبٌ بالياءِ لأنه مُثَنَّى، قالَ تعالى: {وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا}.
وهذا معنى قولِه: (وما لتوكيدٍ فَوَحِّدْ أَبَداً... إلخ) أيْ: أنَّ المصدَرَ الْمُؤَكِّدَ لعامِلِه يَجِبُ تَوحيدُه أيْ: إفرادُه، أمَّا غيرُه، مِنَ الْمُبَيِّنِ للعدَدِ والنوعِ فَثَنِّهِ ـ إنْ شِئْتَ ـ أو اجْمَعْهُ أو أَفْرِدْهُ وقولُه: (وأَفْرِدَا) الألِفُ فيه مُنْقَلِبَةٌ عن نونِ التوكيدِ الخفيفةِ للوقْفِ.
حذْفُ عامِلِ المصدَرِ جَوازاً

290- وحَذْفُ عاملِ الْمُؤَكِّدِ امْتَنَعْ = وفي سواهُ لدليلٍ مُتَّسَعْ
يَجوزُ حَذْفُ عامِلِ المصدَرِ الْمُبَيِّنِ للنوعِ أو لِلْعَدَدِ بشرْطِ أنْ يَدُلَّ عليه دليلٌ، والدليلُ نَوعانِ:
1- مَقَالِيٌّ: كأنْ يُقالَ: ما جَلستَ، فتقولُ: بلى جُلوساً طَويلاً، أو بلى جِلستينِ، التقديرُ: بلى جَلستُ جُلوساً طَويلاً، فحُذِفَ عامِلُ المصدَرِ لوُجودِ الدليلِ الْمَقَالِيِّ، وهو (ما جَلستَ) ومِثلُه (بلى جِلستينِ).
2- دليلٌ حالِيٌّ: كقولِك لِمَن قَدِمَ مِن سَفَرٍ: قُدوماً مُبارَكاً، أيْ: قَدِمْتَ قُدوماً مبارَكاً، فحُذِفَ عاملُ المصدَرِ جَوازاً لدليلٍ حالِيٍّ، وهو المشاهَدَةُ.
ومِثالُ العَدديِّ: أنْ تُشاهِدَ خَيلَ السباقِ تَدورُ فتقولُ: دَورتينِ أيْ: دَارَتْ دَورتينِ.
أمَّا المصدَرُ الْمُؤَكِّدُ لعامِلِه، فالأصْلُ أنه لا يَجُوزُ حَذْفُ عامِلِه؛ لأنَّ الْمَصْدَرَ مَسُوقٌ لتأكيدِ عامِلِه وتقويتِه وتقريرِ معناه في الذِّهْنِ، والحذْفُ منافٍ لذلك.
لكنْ وَرَدَ أنَّ العرَبَ التَزَمَتْ حَذْفَ عامِلِ المصدَرِ المؤَكَّدِ باطِّرادٍ في بعضِ المواضِعِ ـ كما سيأتي إنْ شاءَ اللهُ ـ وأنابُوا عنه المصدَرَ، فحَلَّ مَحَلَّه وعَمِلَ عَمَلَه في الرفْعِ والنصْبِ، وأَغْنَى عنه بحيثُ إنه لا يَجُوزُ ذِكْرُه معه؛ لأنَّ الْمَصْدَرَ عِوَضٌ عنه ولا يُجْمَعُ بينَ الْعِوَضِ والمعَوَّضِ عنه.
فالمصْدَرُ المؤكِّدُ لا يُحْذَفُ عامِلُه جَوازاً لِمَا تَقَدَّمَ، ويُحْذَفُ وُجوباً في المواضِعِ التي الْتَزَمَ العرَبُ فيها حَذْفَه مُحاكاةً لكلامِهم.
وهذا معنى قولِه: (وحَذْفُ عاملِ الْمُؤَكِّدِ امْتَنَعْ.. إلخ) أيْ: لا يَجُوزُ حَذْفُ عامِلِ الْمَصدَرِ الْمُؤَكِّدِ، أمَّا سِواهُ مِنَ المصدَرِ الْمُبَيِّنِ للنوعِ أو العددِ، فهناك متَّسَعٌ للحذْفِ إذا وُجِدَ دَليلٌ على المحذوفِ.
حَذْفُ عامِلِ الْمَصْدَرِ وُجوباً في الأساليبِ الإنشائيَّةِ
291- والحذْفُ حَتْمٌ مع آتٍ بَدَلَا = مِن فِعْلِه كنَدْلاً اللَّذْ كانْدُلَا
شَرَعَ ابنُ مالِكٍ رَحِمَه اللهُ في ذِكْرِ مواضِعِ حذْفِ عاملِ المصدَرِ وُجوباً، وضابِطُ ذلك أنْ يكونَ المصدَرُ نائباً عن فِعْلِه وبَدَلاً منه، وهو على ضَربينِ:
الأوَّلُ: خاصٌّ بالأساليبِ الإنشائيَّةِ الطلَبِيَّةِ.
والثاني: خاصٌّ بالأساليبِ الْخَبَرِيَّةِ، وهو إمَّا مسموعٌ وإمَّا مَقيسٌ, أمَّا الأوَّلُ فأنواعُه أربعةٌ.
1- أنْ يكونَ الْمَصدَرُ المؤكِّدُ النائبُ عن فِعْلِه دالاًّ على الأمْرِ، نحوُ: إغاثةَ الملهوفِ، فـ (إغاثةَ) مصدَرٌ مَنصوبٌ نائبٌ مَنَابَ الفعْلِ (أَغِثْ) والفاعِلُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ وُجوباً تقديرُه (أنت) و (الملهوفَ) مفعولٌ به، ومنه قولُه تعالى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} وقولُ الشاعرِ:
يَمُرُّون بالدَّهْنا خِفافاً عِيابُهم = ويَخْرُجْن من دارِينَ بُجْرَ الحَقائبِ
على حينَ أَلهى الناسَ جُلُّ أُمورِهم = فَنَدْلاً زُرَيقُ المالَ نَدْلَ الثَّعالبِ
فـ (نَدْلاً) مَصْدَرٌ نائبٌ عن فِعْلِ الأمرِ (انْدُلْ) أي: اخْطَفْ، و (المالَ) مفعولٌ به للمَصْدَرِ.
2- أنْ يكونَ الْمَصدَرُ دالاًّ على النهيِ، كقولِك لزَميلِك وقتَ سماعِ مُحاضَرَةٍ، سُكوتاً لا تَكَلُّماً أي: اسْكُتْ سُكوتاً ولا تَتَكَلَّمْ تَكَلُّماً.
3- أنْ يكونَ الْمَصدرُ مُراداً به الدعاءُ: كقولِ المجاهِدِ: نَصْراً لعبادِكَ الْمُخْلِصينَ وسُحْقاً لأعدائِكَ الحاقدينَ، أي: انْصُرْ عِبادَك نَصْراً واسحَقْ أعداءَك سَحْقاً.
4- أنْ يكونَ الْمَصْدَرُ مُراداً به الاستفهامُ التوبيخيُّ، نحوُ: أَبُخْلاً وأنتَ واسِعُ الغِنَى؟ أيْ: أَتَبْخَلُ بُخلاً؟
أمَّا الضرْبُ الثاني وهو الخاصُّ بالأساليبِ الْخَبريَّةِ، ففي خَمْسِ مسائلَ تأتي في الأبياتِ التي بعدَ هذا.
وإلى ما تَقَدَّمَ أشارَ بقولِه (والحذْفُ حَتْمٌ.. إلخ) أيْ: أنَّ الحذْفَ واجبٌ في عامِلِ الْمَصدَرِ الآتي بَدَلاً مِن فِعْلِه وعِوَضاً عنه، (كنَدْلاً اللَّذْ كانْدُلَا) أيْ: كالمصدَرِ (نَدْلاً) بمعنى: خَطْفاً (اللَّذْ) أي: الذي (كانْدْلاَ) أيْ: في الدَّلالةِ على الطلَبِ، هو يُشيرُ إلى البيتِ المذكورِ.
حَذْفُ عامِلِ الْمَصدَرِ وُجوباً في الأساليبِ الْخَبَرِيَّةِ
292- وما لتفصيلٍ كإما مَنَّا = عامِلُه يُحْذَفُ حيثُ عَنَّا
شَرَعَ في ذِكْرِ المسائِلِ التي يُحْذَفُ فيها عامِلُ المصدَرِ في الأساليبِ الخبَرِيَّةِ وهي خَمْسُ مَسائلَ:
الأُولَى: في مَصادِرَ مَسموعةٍ عَنِ العرَبِ، كَثُرَ استعمالُها، وحُذِفَ عامِلُها، ودَلَّت القرائنُ على هذا العامِلِ المحذوفِ، كقولِهم عندَ تَذَكُّرِ نِعمةٍ: حَمْداً وشُكْراً لا كُفْراً، أيْ: أَحْمَدُ اللهَ حَمْداً، وأَشْكُرُه شُكْراً، ولا أكفُرُ به، وكقولِهم عندَ نُزولِ شِدَّةٍ: صَبْراً لا جَزَعاً، أيْ: أَصْبِرُ صَبْراً ولا أَجْزَعُ جَزَعاً، وكقولِهم عندَ إظهارِ الطاعةِ والامتثالِ: سَمْعاً وطاعةً، أيْ: أَسْمَعُ سَمْعاً وأُطِيعُ طاعةً، فهذه الأمثلةُ نابَ فيها الْمَصدَرُ عن فعْلِه في أداءِ المعنى، وفي تَحَمُّلِ ضَميرِ الفاعلِ، وتقديرُه للمُتَكَلِّمِ: أنا، وقد جَرَتْ هذه الأساليبُ مَجْرَى الأمثالِ، ولذا لا تُغَيَّرُ.
وهذه المسألةُ لم يَذُكُرْها ابنُ مالكٍ، وإنما ذَكَرَ المسائلَ الْمَقيسةَ إلاَّ أنْ تكونَ داخلةً في الْمَصدَرِ الآتي بَدَلاً مِن فِعْلِه على ما تَقَدَّمَ بيانُه.
المسألةُ الثانيةُ: أنْ يكونَ المصدَرُ تَفصيلاً لعاقِبَةِ ما قَبْلَه، أيْ: أنَّ المصدَرَ جاءَ لبيانِ الغايةِ والغرَضِ مِن مَضمونِ جُملةٍ قَبْلَه، وذلك بوُقوعِه بعدَ أداةِ التفصيلِ، نحوُ: إذا سَئِمْتَ القراءةَ فاتْرُكْها، فإمَّا جُلوساً مع الأهلِ، وإمَّا زيارةً للأقرباءِ والأصدقاءِ، فالوقتُ الذي تَتْرُكُ فيه القراءةَ مُبْهَمٌ لا يُعْرَفُ في أيِّ شيءٍ يُصْرَفُ، وتَفصيلُ المرادِ جاءَ بواسِطَةِ الْمَصْدَرَيْنِ (جُلوساً) و(زيارةً) المسبوقَتَيْنِ بحرْفِ التفصيلِ وهو (إمَّا) وهما مَنصوبانِ بالفعلَيْنِ المحذوفَيْنِ وُجوباً، والتقديرُ فإمَّا أنْ تَجْلِسَ.
وإمَّا أنْ تَزورَ... وقد نابَ كلٌّ مَصْدَرُه عن فِعْلِه المحذوفِ في بيانِ المعنى.
ومنه قولُه تعالى: {فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} فالْمَصدرانِ (مَنًّا) و (فِدَاءً) ذُكِرَا تَفصيلاً وتوضيحاً لعاقبةِ الأمرِ بشَدِّ الوَثاقِ، والتقديرُ فإمَّا تَمُنُّونَ مَنًّا، وإمَّا تُفْدُونَ فِداءً.
وهذا معنى قولِه: (وما لتفصيلٍ كإمَّا مَنَّا.. إلخ) أيْ: يُحْذَفُ عامِلُ الْمَصْدَرِ الْمَسوقِ للتفصيلِ حيث (عَنَّا) وأصلُه: (عَنَّ) بمعنى: عَرَضَ والألِفُ للإطلاقِ، وقولُه: (كإمَّا مَنَّا) إشارةٌ إلى الآيةِ الكريمةِ.
مِن مَسائلِ الحذْفِ الواجبِ في الأساليبِ الخبريَّةِ
293- كذا مُكَرَّرٌ وذو حَصْرٍ وَرَدْ = نائبَ فعلٍ لاسْمِ عَيْنٍ اسْتَنَدْ
المسألةُ الثالثةُ مِن مَسائِلِ حَذْفِ عاملِ الْمَصْدَرِ أنْ يكونَ المصدَرُ مُكَرَّراً أو محصوراً وعامِلُه خَبراً عَنِ اسمِ عَيْنٍ أي: اسمِ ذاتٍ، نحوُ: المطَرُ سَحًّا سَحًّا، ما الأسدُ مع فَريستِه إلاَّ فَتْكاً، والأصْلُ: يَسِحُّ سَحًّا، ويَفْتِكُ فَتْكاً، فحُذِفَ عاملُ المصدَرِ في الْمِثالَيْنِ لأنه مُكَرَّرٌ في الأوَّلِ، ومحصورٌ في الثاني، وعامِلُ المصدَرِ (يَسِحُّ، يَفْتِكُ) وقَعَ خَبراً عن المبتدأِ (المطَرُ، الأسَدُ) وكلٌّ منها اسمُ عينٍ.. وخرَجَ بذلك اسمُ المعنى، نحوُ: إنما سَيْرُكَ سَيْرُ الجوادِ فيَجِبُ الرفْعُ.
وهذا معنى قولِه: (كذا مُكَرَّرٌ... إلخ) أيْ: كذلك يُحْذَفُ عامِلُ الْمَصدَرِ وُجوباً إذا وَقَعَ المصدَرُ نائباً عن فعْلٍ محذوفٍ اسْتَنَدَ لاسمِ عينٍ أيْ: أَخْبَرَ عَنِ اسمِ عَيْنٍ أيْ: ذاتٍ، إذا كان المصدَرُ مُكَرَّراً أو محصوراً.
مِن مَسائلِ الحذْفِ الواجبِ في الأساليبِ الخبريَّةِ
294- ومنه ما يَدعونَه مُؤَكِّدَا = لنفسِه أو غيرِه فالْمُبْتَدَا
295- نحوُ له عليَّ أَلْفٌ عُرْفَا = والثانِ كابني أنتَ حَقًّا صِرْفَا
المسألةُ الرابعةُ مِن مَسائلِ حَذْفِ عامِلِ المصدَرِ وُجوباً أنْ يكونَ المصدَرُ مُؤَكِّداً لنفسِه أو لغيرِه.
فالمؤكِّدُ لنفْسِه: أنْ يكونَ المصدَرُ واقعاً بعدَ جُملةٍ مَضمونُها كمَضمونِه، نحوُ: أنتَ تَعْرِفُ لوالِدَيْكَ فَضْلَهُما يَقيناً، فـ (يَقيناً) مَصدرٌ منصوبٌ بفِعْلٍ محذوفٍ وُجوباً، والتقديرُ: تُوقِنُ يَقيناً، وهو مؤكِّدٌ للجملةِ قبلَه، وهي المصدَرُ نَفْسُه بمعنى أنها لا تَحْتَمِلُ سِواهُ.
والمؤكِّدُ لغيرِه: أنْ يكونَ المصدَرُ واقِعاً بعدَ جُملةٍ تَحْتَمِلُه، وتَحتمِلُ غيرَه، نحوُ: أنتَ ابْنِي حَقًّا، فـ (حقًّا) مَصدرٌ مَنصوبٌ بفِعْلٍ محذوفٍ وُجوباً والتقديرُ أُحِقُّهُ حَقًّا، وسُمِّيَ مُؤَكِّداً لغيرِه؛ لأنَّ الجملةَ قَبْلَه تَصْلُحُ له ولغيرِه، لأنَّ قولَك: (أنتَ ابْنِي) يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ حقيقةً، وأنْ يكونَ مَجازاً على معنى: أنتَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ ابنِي، فلَمَّا قالَ: حقًّا صارَت الجملةُ نصًّا في أنَّ المرادَ البُنُوَّةُ حقيقةً؛ ولذلك سُمِّيَ مُؤَكِّداً لغيرِه؛ لأنَّه جَعَلَ ما قَبْلَه نَصًّا بعدَ أنْ كان مُحْتَمِلاً وأثَّرَ فيه، فكأنه غيرُه، لأنَّ المؤَثِّرَ غيرُ المؤثَّرِ فيه.
وهذا معنى قولِه: (ومنه ما يدعونه مُؤَكِّداً... إلخ) أيْ: مِنَ المصدرِ الذي يُحْذَفُ عاملِهُ حتماً، المصدرُ الذي يسميه النُّحاةُ: المؤكِّدَ لنفسِهِ، والمؤكِّدَ لغيرِهِ (فالمبتدا) أيْ: فالنوعُ الأولُ الذي بُدِئَ به وهو المؤكِّدُ لنفسِهِ، نحوُ: (له عَلَيَّ ألفُ عُرْفَا) والتقديرُ: أَعترِفُ اعترَافاً فحُذِفَ الفعلُ ونَابَ عَنْه مَصْدَرُه، و (الثَّانِ) أيْ: المؤكِّدُ لغيرِهِ، وقولُه: (صِرْفَا) أيْ: خالصاً أيْ: حقَّاً خالصاً لا شُبهةَ فيه.
مِنْ مَسَائلِ الحذْفِ الواجبِ في الأساليبِ الخبريَّةِ
296- كذاك ذو التشبيهِ بعدَ جُمْلَهْ = كلِي بُكاً بُكاءَ ذاتِ عُضْلَهْ
المسألةُ الخامسةُ: مِن مسائِلِ حَذْفِ عامِلِ المصدَرِ وُجوباً أنْ يكونَ المصدَرُ دالاًّ على تَشبيهٍ، واقعاً بعدَ جُملةٍ مُشتمِلَةٍ على فاعلِ المصدَرِ وعلى معناه، وليس فيها ما يَصْلُحُ للعمَلِ في المصدَرِ.
ومِثالُ ذلك: للشجاعِ المقاتِلِ زئيرٌ زئيرَ الأسدِ، فـ (زئيرَ الأسدِ) مصدَرٌ تَشبيهيٌّ مَنصوبٌ بفِعْلٍ محذوفٍ وُجوباً والتقديرُ: يَزأرُ زَئيرَ الأسَدِ، وقبلَه جُملةٌ وهي (للشجاعِ زَئيرٌ) وهي مُشتمِلَةٌ على فاعلِ المصدَرِ، وهو (الشجاعُ) لأنَّ المرادَ بالفاعِلِ هنا: الفاعلُ الْمَعنويُّ، وهو مَن فَعَلَ الشيءَ حقيقةً، ولو لم تَنطبِقْ عليه شُروطُ الفاعِلِ، كما أنها مُشتمِلَةٌ على معنى المصدَرِ، وهو (الزئيرُ) وليس فيها ما يَصْلُحُ للعمَلِ في المصدَرِ فتَعَيَّنَ أنْ يكونَ مَنصوباً بمحذوفٍ كما ذَكَرْنَا.
فلو لم يكن المصدَرُ تَشبيهيًّا وَجَبَ الرفْعُ، نحوُ: له صوتٌ صوتٌ حَسَنٌ، وكذا لو لم يَتقدَّمْ جُملةٌ، نحوُ: زَئيرُه زَئيرُ أسَدٍ، أو لم تَشتمِلْ على فاعِلِ المصدَرِ في المعنى، نحوُ: هذا زئيرٌ زئيرُ أسَدٍ، وإنْ وُجِدَ في الجملةِ ما يَصْلُحُ للعمَلِ في المصدَرِ نُصِبَ به ولم يُقَدَّرْ له عامِلٌ، نحوُ: خالدٌ يَضْرِبُ ضربَ الملوكِ فـ (ضَرْبَ) منصوبٌ بالفعْلِ قَبْلَه.
وهذا معنى قولِه: (كذاك ذو التشبيهِ.. إلخ) أيْ: كذلك يُحْذَفُ عامِلُ المصدَرِ وُجوباً، إذا كان مَقصوداً به التشبيهُ بعدَ جُملةٍ، ولم يَذكُرْ بَقِيَّةَ الشروطِ اكتفاءً بالمثالِ: (لِي بُكاً بُكاءَ ذاتِ عُضْلَهْ)، وشَرْحُه كما تَقَدَّمَ وقولُه: (بُكَا) مقصورٌ وأَصْلُه (بُكاءٌ) والعُضْلَةُ: بالضمِّ الداهيةُ أيْ: لي بكاءٌ مثلُ بكاءِ مَن أصابَتْها داهيةٌ.


(*) لعلها: جَذَلاً.


موضوع مغلق

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
المفعول, المطلق

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

RSS RSS 2.0 XML MAP HTML

الساعة الآن 02:06 مساء


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd.