دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > العقيدة > متون العقيدة > العقيدة الواسطية

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 13 ذو القعدة 1429هـ/11-11-2008م, 02:34 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 13,458
افتراضي الإيمان بفتنة القبر وعذاب القبر ونعيمه

وَمِن الإِيمَان بِاليَومِ الآخِرِ : الإيمَانُ بِكُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مِمَّا يَكُونُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَيُؤْمِنُونَ بِفِتْنَةِ القَبْر ِ، وَبِعَذَابِ القَبْرِ وَنَعِيمِهِ.
فَأَمَّا الفِتْنَةُ فَإِنَّ النَّاسَ يفتنون فِي قُبُورِهِمْ فَيُقَالُ لِلرَّجُل ِ: مَنْ رَبُّكَ ؟ وَمَا دِينُكَ ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ ؟ فَيثَبِّتُ اللهُ الَّذِين آمَنُوا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ، فَيَقُولُ الْمُؤْمِن : اللهُ رَبِّي ، وَالإِسْلاَمُ دِينِي ، وَمُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم نَبِيِّي . وَأَمَّا الْمُرْتَابُ فَيَقُولُ : آه آه ، لاَ أَدْرِي ، سَمِعْتُ النّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ . فَيُضْرَبُ بِمَرْزَبَّةٍ مِنْ حَدِيدٍ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلاَّ الإِنْسَانَ وَلَوْ سَمِعَهَا الإِنْسَانُ لَصُعِقَ.
ثُمَّ بَعْدَ هَذِهِ الفِتْنَةِ إمَّا نَعِيمٌ ، وَإِمَّا عَذَابٌ إِلَى يوم القِيَامَةُ الكُبْرَى.


  #2  
قديم 22 ذو الحجة 1429هـ/20-12-2008م, 07:09 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي شرح العقيدة الواسطية للشيخ : عبد الله بن عبد العزيز بن باز

ليس للشيخ تعليق على هذه الجزئية

  #3  
قديم 22 ذو الحجة 1429هـ/20-12-2008م, 07:11 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي التنبيهات اللطيفة للشيخ : عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ومن الإيمان باليومِ الآخر: الإيمانُ بكلِّ ما أخبرَ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم مما يكونُ بعدَ الموتِ ([1]) فيؤمنونَ بفتنة القبرِ، وبعذابِ القبرِ ونعيمِهِ. فأما الفِتنةٌ فإنّ الناسَ يُمتَحنون في قبورِهم فيُقالُ للرجلِ: مَنْ ربُّكَ؟ وما دينُكَ؟ ومَنْ نبِيُّكَ؟، فيُثَبِّتُ اللهُ الذين آمنوا بالقولِ الثابتِ في الحياةِ الدُّنيا وفي الآخرةِ، فيقول المؤمنُ: ربِّي الله، والإسلامُ ديني، ومحمدٌ صلى الله عليه وسلم نبيِّي. وأما المُرتابُ فيقولُ: هاه هاه، لا أدري، سمعتُ الناسَ يقولونَ شيئاً فقلتُهُ؛ فيُضْرَبُ ِبِمرْزَبَّةٍ من حديدٍ، فيصيحُ صيحةً يسمعها كلُّ شيءٍ إلا الإنسان ولو سمعها الإنسان لصعِقَ.
ثم -بعد هذه الفتنة- إمّا نعيمٌ وإما عذابٌ إلى أن تقوم القيامةُ الكُبرى.



([1]) وهذا ضابط جامع يدخل فيه الإيمان بالنصوص الواردة في حالة الاحتضار وفي القبر والقيامة والجنّة والنار، وجميع ما احتوت عليه من التفاصيل التي صنّفت فيها المصنّفات المطوّلة والمختصرة، وكلها داخلة في الإيمان باليوم الآخر.
ثم أشار المصنِّف إلى شيء منها، فقال: (فيؤمنونَ بفتنة القبرِ، وبعذابِ القبرِ ونعيمِه:
فأما الفِتنةُ فإنّ الناسَ يُمتَحنون في قبورِهم فيُقالُ للرجلِ: مَنْ ربُّكَ؟ وما دينُكَ؟ ومَنْ نبِيُّكَ؟ فيُثَبِّتُ اللهُ الذين آمنوا بالقولِ الثابتِ في الحياةِ الدُّنيا وفي الآخرةِ، فيقول: المؤمنُ: الله ربي، والإسلامُ ديني، ومحمدٌ صلى الله عليه وسلم نبيِّي، وأما المُرتابُ فيقولُ: هاه هاه، لا أدري، سمعتُ الناسَ يقولونَ شيئاً فقلتُهُ. فيُضْرَبُ ِبمِرْزَبَّةٍ من حديدٍ، فيصيحُ صيحةً يسمعها كلُّ شيءٍ إلا الإنسانَ ولو سمعها الإنسان لصُعِقَ).
وهذا الابتلاء والامتحان لكل عبد، فأما من كان مؤمناً إيماناً صحيحاً ثبّته الله ولقّنه الجواب الصحيح للملكين كما قال تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ امَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} فذكر أن تثبيته لهم جزاء لهم على إيمانهم في الدنيا، فالمؤمن يُجيب الجواب الصحيح وإن كان أُمِّيّاً أو أعجمياً، وأما الكافر والمنافق ممن كان في الدّنيا غير مؤمن بما جاء به الرسول فإنه يستعجم عليه الجواب ولو كان من أعلم الناس وأفصحهم كما قال تعالى: {وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ}.

ومن حكمة الله أن نعيم البرزخ وعذابه لا يحسُّ به الإنس والجنّ بمشاعرهم؛ لأن الله تعالى جعله من الغيب ولو أظهره لفاتت الحكمة المطلوبة.


  #4  
قديم 22 ذو الحجة 1429هـ/20-12-2008م, 07:19 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي شرح العقيدة الواسطية للشيخ محمد خليل هراس

( فصلٌ:
ومِنَ الإِيمانِ باليومِ الآخِرِ الإِيمانُ بكُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا يَكُونُ بعدَ المَوْتِ، فيؤِمنُونَ بفِتْنَةِ القَبْرِ، وبِعذابِ القَبْرِ ونَعيِمهِ.
فأَمَّا الفِتْنَةُ؛ فإِنَّ النَّاسَ [يُمْتَحَنونَ] في قُبُورِهِمْ، فَيُقالُ للرَّجُل: مَنْ رَبُّكَ؟ ومَا دِينُكَ؟ و [مَنْ] نَبِيُّكَ؟
فيُثَبِّتُ اللهُ الَّذينَ آمَنُوا بالقَوْلِ الثَّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، فيقولُ المؤمِنُ: [رَبِّيَ اللهُ]، والإِسلامُ دِيني، ومحمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيِّي.
وأَمَّا المُرْتَابُ؛ فَيقولُ: هَاه هَاه، لا أَدْري، سمعتُ النَّاسَ يَقولُونَ شَيْئًا فقُلْتُهُ؛ فَيُضْرَبُ بمِرْزَبَةٍ مِنْ حَديدٍ، فيَصيحُ صيحَةً يَسْمَعُها كُلُّ شيءٍ؛ إِلا الإِنسانَ، ولَوْ سَمِعَها الإِنْسانُ؛ لَصَعِقَ.
ثمَّ بعدَ هذهِِ الفِتْنَةِ إِمَّا نعيمٌ وإِمَّا عذابٌ، إِلى أَنْ تَقومَ القِيامَةُ الكُبْرى، فُتعادُ الأرواحُ إِلى الأجْسادِ ) (63).


(63) قولُهُ: (( ومِنَ الإِيمانِ باليومِ الآخرِ … )) إلخ. إذَا كانَ الإِيمانُ باليومِ الآخرِ أحدَ الأركانِ السِّتَّةِ التَّي يقومُ عليهَا الإِيمانُ؛ فإنَّ الإِيمانَ بهِ إيمانَا تامًّا كاملاً لا يتحقَّقُ إلاَّ إذَا آمَنَ العبدُ بكلِّ ما أخبرَ بهِ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلمَ مِنْ أمورِ الغيبِ التَّي تكونُ بعدَ الموتِ.
والضَّابِطُ في ذلكَ أنَّهَا أمورٌ مُمْكِنَةٌ أخبرَ بهَا الصَّادقُ صلواتُ اللهِ عليهِ وسلامُهُ عليهِ وآلِهِ، وكلُّ مُمْكِنٍ أخبرَ بهِ الصَّادقُ يجبُ الإِيمانُ بوقوعِهِ كمَا أخبرَ، فإنَّ هذهِ الأمورَ لا تُسْتَفَادُ إلاَّ مِنْ خَبَرِ الرَّسُولِ، فأهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ يؤمنونَ بذلكَ كلِّهِ.
وأَمَّا أهلُ الْمُرُوقِ والإِلحادِ مِنَ الفلاسفةِ والمعتزلةِ؛ فينكرونَ هذهِ الأمورَ؛ مِنْ سؤالِ القبرِ، ومِنْ نعيمِ القبرِ، وعذابِهِ، والصِّرَاطِ، والمِيزانِ، وغيرِ ذلكَ؛ بِدَعْوَى أَنَّها لمْ تثْبُتْ بالعقلِ، والعقلُ عندَهمْ هوَ الحاكمُ الأوَّلُ الذي لا يجوزُ الإِيمانُ بشيءٍ إلاَّ عنْ طريقِهِ، وهُمْ يَرُدُّونَ الأحاديثَ الواردةَ في هذهِِ الأمورِ بِدَعْوَى أنَّهَا أحاديثُ آحادٍ لا تُقبلُ في بابِ الاعتقادِ، وأَمَّا الآياتُ فيؤوِّلُونَهَا بمَا يَصْرِفُهَا عنْ مَعَانِيهَا.
والإِضافةُ في قولِهِ: (( بِفِتْنَةِ الْقَبْرِ )). على معنى " في "؛ أيْ: بالفتنةِ التَّي تكونُ في القبرِ.
وأصلُ الفتنةِ وَضْعُ الذَّهَبِ ونحوِهِ على النَّارِ لِتَخْلِيصِهِ مِنَ الْأَوْضَارِ والعناصرِ الغريبةِ، ثمَّ استُعْمِلَتْ في الاختبارِ والامتحانِ.
وأَمَّا عذابُ القبرِ ونعيمُهُ؛ فيدُلُّ عليهِ قولُهُ تعالى في حقِّ آلِ فِرْعَونَ: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عليهَا غُدُوًّا وعَشِيًّا}، وقولُهُ سبحانَهُ عن قومِ نُوحٍ: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فأُدْخِلُوا نارًا}، وقولُهُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((القَبْرُ أَمَّا رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ)).
والمِرْزَبَةُ – بِالتَّخْفِيفِِ -: الْمِطْرَقَةُ الكبيرةُ، ويقالُ لهَا أيضًا: إِرْزَبَّةٌ؛ بالهمْزَةِ والتَّشْدِيدِ.


  #5  
قديم 22 ذو الحجة 1429هـ/20-12-2008م, 07:25 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي شرح العقيدة الواسطية للشيخ: صالح بن فوزان الفوزان

قال رحمه الله: ومِن الإِيمانِ باليومِ الآخِرِ الإِيمانُ بكُلِّ مَا أَخْبَرَ بِه النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا يَكُونُ بعدَ المَوْتِ، فيؤمِنُونَ بفِتْنَةِ القَبْرِ، وبِعذابِ القَبْرِ ونَعيِمهِ.فأَمَّا الفِتْنَةُ؛ فإِنَّ النَّاسَ يُمْتَحَنونَ في قُبُورِهِمْ، فَيُقالُ للرَّجُل: مَنْ رَبُّكَ؟ ومَا دِينُكَ؟ ومن نبيُّكَ؟ فيُثَبِّتُ اللهُ الَّذينَ آمَنُوا بالقَوْلِ الثَّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، فيقولُ المؤمِنُ: رَبِّيَ اللهُ، والإِسلامُ دِيني، ومحمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيِّي. وأَمَّا المُرْتَابُ؛ فَيقولُ: هاه هاه، لا أَدْري، سمعتُ النَّاسَ يَقولُونَ شَيْئاً فقُلْتُهُ؛ فَيُضْرَبُ بمِرْزَبَةٍ مِنْ حَديدٍ، فيَصيحُ صيحَةً يَسْمَعُها كُلُّ شيءٍ؛ إِلا الإِنسانَ، ولَوْ سَمِعَها الإِنْسانُ؛ لَصَعِقَ.ثمَّ بعدَ هذه الفِتنةِ إِمَّا نعيمٌ وإِمَّا عذابٌ. (57)



(57) اليومُ الآخِرُ هُوَ يومُ القيامةِ، والإيمانُ به أحدُ أركانِ الإيمانِ، وقد دلَّ عليه العقلُ والفِطرةُ، وصرَّحَتْ به جميعُ الكتُبِ السَّماويَّةِ، ونادى به جميعُ الأنبياءِ والمرسَلِينَ، وسُمِّيَ باليومِ الآخِرِ لتأَخُّرِه عن الدُّنْيا.
وقد ذكر الشَّيخُ رَحِمَهُ اللَّهُ هنا ضابِطا شامِلا لمعنى الإيمانِ باليومِ الآخِرِ بأَنَّهُ الإيمانُ بكُلِّ ما أخبَرَ به النَّبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم مِمَّا يكونُ بعدَ الموْتِ، فيدخُلُ فيه الإيمانُ بكُلِّ ما دلَّتْ عليه النُّصوصُ مِن حالةِ الاحتضارِ وحالةِ الميِّتِ في القبرِ والبعثِ، وما يحصُلُ بعده، ثم أشار الشَّيخُ رَحِمَهُ اللَّهُ إلى أشياءَ مِن ذَلِكَ.
منها ما يكونُ في القبرِ قال: (فيؤمنونَ بفِتنةِ القبرِ وبعذابِ القبرِ ونَعيمِه) فذَكَرَ أمرَيْنِ:
الأمْرُ الأوَّلُ: فتنةُ القبرِ، والفِتنةُ لُغةً: الامتحانُ والاختبارُ، والمرادُ بها هنا سؤالُ المَلَكَيْنِ للميِّتِ، ولهَذَا قال: (فأمَّا الفتنةُ فإنَّ النَّاسَ يُفتنونَ في قُبورِهم، فيُقالُ للرجُلِ) أيْ: الميِّتِ، سواءً كان رجُلا أو امرأةً، ولَعلَّ ذِكْرَ الرجُلِ مِن بابِ التَّغليبِ. ثم ذكَرَ الأسئلةَ التي تُوجَّهُ إلى الميِّتِ، وما يُجيبُ به المؤمنُ، وما يُجيبُ به غيرُ المؤمنِ، وما يكونُ بعدَ هَذِهِ الإجابةِ مِن نعيمٍ أو عذابٍ.
والإيمانُ بسؤالِ المَلَكَيْنِ واجبٌ؛ لثُبوتِه عن النَّبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم في أحاديثَ يبلُغُ مجمُوعُها حدَّ التَّواتُرِ. ويدُلُّ على ذَلِكَ القرآنُ الكريمُ في قولِه تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِاْلقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27] فقدْ أخْرَجَ الشَّيخانِ مِن حديثِ البراءِ بنِ عازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عن النَّبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قال في قولِه تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} نَزَلَتْ في عذابِ القبرِ ـ زادَ مسلمٌ: (( يُقَالُ لَهُ مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ )) فذَلِكَ قولُه: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ}ـ والقولُ الثَّابتُ هُوَ كلمةُ التَّوحيدِ التي تَثْبتُ في قلبِ المؤمنِ بالحُجَّةِ والبُرهانِ، وتَثبيتُ المؤمنينَ بها في الدُّنْيا أنَّهم يتَمَسَّكُونَ بها، ولو نالَهم في سبيلِها ما نالَهم مِن الأذَى والتَّعذيبِ. وتَثبيتُهم بها في الآخِرةِ تَوفِيقُهم للجوابِ عندَ سؤالِ المَلَكَيْنِ.
وقولُه: (وَأَمَّا الْمُرْتَابُ) أي الشَّاكُّ (فَيَقُولُ) إذا سُئِلَ (هَاهْ هَاهْ) كلمةُ تردُّدٍ وتوَجُّعٍ (لاَ أَدْرِي سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئاً فَقُلْتُهُ) لأَنَّهُ غيرُ مؤمنٍ بما جاءَ به الرَّسولُ صلى اللهُ عليه وسلم، فيَستَعْجِمُ عليه الجوابُ، ولو كان مِن أعلمِ النَّاسِ وأفْصَحِهم، كما قال تعالى: {وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ} (فَيُضْرَبُ بِمِرْزَبَّةٍ مِنْ حَدِيدٍ) وهِيَ المِطْرَقةُ الكبيرةُ (فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلاَّ الإِنْسَانَ) ثم بَيَّنَ الحِكمةَ مِن عدمِ سماعِ الإنسانِ لها بقولِه: (وَلَوْ سَمِعَهاَ الإِنْسَانُ لَصُعِقَ) أيْ: خَرَّ ميِّتاً أو غُشِيَ عليه، ومِن حِكمةِ اللَّهِ أيضا أنَّ ما يجري على الميِّتِ في قبرِه لا يُحِسُّ به الأحياءُ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى جعَلَه مِن الغيبِ، ولو أظْهرَه لفَاتَت الحِكْمةُ المطلوبةُ، وهِيَ الإيمانُ بالغيبِ.
الأمْرُ الثَّاني: مما يجري على الميِّتِ في قبرِه ما أشار إليه الشَّيخُ بقولِه: (ثم بعدَ هَذِهِ الفِتنةِ، إمَّا نعيمٌ وإمَّا عذابٌ إلى أنْ تقومَ القيامةُ الكُبرى) هَذَا فيه إثباتُ عذابِ القبرِ أو نَعيمِه، ومذهبُ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ أنَّ الميِّتَ إذا ماتَ يكونُ في نعيمٍ أو عذابٍ، وأنَّ ذَلِكَ يحْصُلُ لرُوحِه وبَدَنِه، كما تواتَرَتْ به الأحاديثُ عن رسولِ اللَّهِ صلى اللهُ عليه وسلم فيَجِبُ الإيمانُ به، ولا يُتَكلَّمُ في كيفيَّتِه وصفَتِه؛ لأنَّ ذَلِكَ لا تُدْرِكُه العقولُ؛ لأَنَّهُ مِن أمورِ الآخِرةِ، وأمورُ الآخرةِ لا يَعلَمُها إلاَّ اللَّهُ، ومَن أطْلعَهُم اللَّهُ على شيءٍ منه، وهُم الرُّسلُ صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليهم.
وأَنْكَرَ عذابَ القبرِ المعتزِلةُ، وشُبْهَتُهم في ذَلِكَ أنَّهم لا يُدْرِكونَه، ولا يَرَوْنَ الميِّتَ يُعذَّبُ ولا يُسألُ. والجوابُ عن ذَلِكَ أن عدَمَ إدْراكِنا ورُؤيَتِنا للشَّيءِ لا يدُلُّ على عدمِ وُجودِه ووقوعِه، فكم مِن أشياءَ لا نَراها وهِيَ موجودةٌ، ومِن ذَلِكَ عذابُ القبرِ أو نَعيمُه. وأنَّ اللَّهَ تعالى جَعَلَ أمْرَ الآخرةِ وما كان متَّصِلا بها غَيْباً وحَجَبها عن إدراكِ العقولِ في هَذِهِ الدَّارِ ليَتميَّزَ الذينَ يُؤمِنونَ بالغيبِ مِن غيرِهم. وأمورُ الآخرةِ لا تُقاسُ بأمورِ الدُّنْيا، واللَّهُ أعلمُ.
وعذابُ القبرِ على نوعَيْنِ:
النَّوْعُ الأوَّلُ: عذابٌ دائمٌ، وَهُوَ عذابُ الكافرِ، كما قال تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُواًّ وَعَشِياًّ} [غافِر: 46].
النَّوعُ الثَّاني: يكونُ إلى مُدَّةٍ، ثم يَنقطِعُ، وَهُوَ عذابُ بعضِ العُصاةِ مِن المؤمنين، فيُعذَّبُ بحسَبِ جُرْمِه، ثم يُخفَّفُ عنه. وقد يَنقطِعُ عنه العذابُ بسببِ دعاءٍ أو صدقةٍ أو استغفارٍ.


  #6  
قديم 22 ذو الحجة 1429هـ/20-12-2008م, 07:26 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي شرح العقيدة الواسطية للشيخ ابن عثيمين رحمه الله

((فصل: ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مما يكون بعد الموت)): (30)
فَيُؤْمِنُونَ بفِتْنةِ الْقَبْرِ، وَبعَذَابِ الْقَبْرِ، وَبِنَعِيِمهِ، فَأَمَّا الْفِتْنَةُ فإِنَّ النَّاسَ يُفْتَنُونَ في قُبُورِهِمْ فَيُقالُ لِلرَّجُلِ: مَن رَبُّكَ؟ وَمَا دِينُك؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ فَيُثَبِّتُ اللهُ الذينَ آمنُوا بالقولِ الثَّابتِ في الحياةِ الدُّنيا وفي الآخرةِ، فيقولُ المؤمنُ: ربِّي اللهُ والإسلامُ ديني ومحمدٌ نَبِيِّي، وأمَّا المرتابُ فيقولُ: هَاهْ هَاهْ، لاَ أَدْري، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئاً فَقُلْتُهُ، فَيُضْرَبُ بمرْزَبَّةٍ مِنْ حَدِيدٍ، فَيصيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلاَّ الإِنْسَانَ. ولو سمِعَها الإنسَانُ لَصَعِقَ. ثُمَّ بَعْدَ هَذِهِ الفِتْنَةِ إِمَّا نَعيمٌ وإمَّا عَذَابٌ.
((إلى أنْ تَقومَ القِيامَةُ الكُبْرى)) (31)

شَرَعَ المؤلِّفُ رحمَهُ اللهُ تعالَى في الكلامِ عَنِ اليومِ الآخِرِ وعقيدةِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ فيهِ، فقَالَ:
فصْلٌ في الإيمانِ باليومِ الآخرِ
(30) حكمُ الإيمانِ باليومِ الآخِرِ فريضةُ واجبٍ، ومرتبتُهُ في الدِّينِ أنَّهُ أحدُ أركانِ الإيمانِ السِّتَّةِ.
وكثيراً ما يقرِنُ اللهُ تعالَى بَيْنَ الإيمانِ بهِ تعالَى والإيمانِ باليومِ الآخِرِ؛ الإيمانُ بالمبدأِ والإيمانُ بالمعادِ؛ لأنَّ مَنْ لم يؤمِنْ باليومِ الآخِرِ؛ لا يمكنُ أنْ يؤمِنَ باللهِ؛ إذْ إنَّ الَّذِي لا يؤمنُ باليومِ الآخِرِ؛ لَنْ يعملَ؛ لأنَّهُ لا يعملُ إلاّ لِمَا يرجُوه مِنَ الكرامةِ في اليومِ الآخِرِ، وما يخافهُ مِنَ العذابِ والعقوبةِ؛ فإذا كانَ لا يؤمِنُ بِهِ؛ صارَ كَمَنْ حكى اللهُ عَنْهُم: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحيَا وَمَا يُهلِكُنَا إِلاَّ الدَّهرُ) [الجاثية: 24].
وسُمِّيَ اليومُ الآخرُ باليومِ الآخِرِ؛ لأنَّهُ يومٌ لا يومَ بعدَهُ؛ فَهُوَ آخرُ المراحلِ.
والإنسانُ له خَمْسُ مراحلَ: مرحلةُ العدمِ: ثُمَّ الحملِ، ثُمَّ الدُّنْيا، ثُمَّ البرزَخِ، ثُمَّ الآخِرةِ.
فأمَّا مرحلةُ العدمِ؛ فَقَدْ دلَّ عليها قولُهُ تعالَى: (هَل أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهرِ لَم يَكُن شَيئًا مَّذكُورًا) [الإنسان: 1]، وقَالَ تعالَى: (يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُم في رَيِبٍ منَ البَعثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ من تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيرِ مُخَلَّقَةٍ لّنُبَيّنَ لَكُم وَنُقِرُّ في الأَرحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخرِجُكُم طِفلاً ثُمَّ لِتَبلُغُوا أَشُدَّكُم وَمِنكُم من يُتَوَفَّى وَمِنكُم من يُرَدُّ إِلَى أَرذَلِ العُمُرِ لِكَيلاَ يَعلَمَ مِن بَعدِ عِلمٍ شَيئًا وَتَرَى الأَرضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنا عَلَيهَا المَاءَ اهتزَّت وَرَبَت وَأَنبَتَت مِن كُلِّ زَوجٍ بَهِيجٍ) [الحج: 5].
وأمَّا مرحلةُ الحملِ؛ فقَالَ اللهُ عَنْها: (يَخلُقُكُم في بُطُونِ أُمَّهَاتِكُم خَلقًا من بَعدِ خَلقٍ في ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ) [الزُّمَر:].
وأمَّا مرحلةُ الدُّنْيا؛ فقَالَ اللهُ عَنْها: (وَاللهُ أَخرَجَكُم من بُطُونِ أُمَّهَاتِكُم لاَ تَعلَمُونَ شَيئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمعَ والأَبصاَرَ وَالأَفئِدَةَ لَعَلَّكُم تَشكُرُونَ) [النَّحْل: 78].
وهذِهِ المراحلُ هي الَّتي عليها مدارُ السَّعادةِ والشَّقاءِ، وهي دارُ الامتحانِ والابتلاءِ؛ كما قَالَ تعالَى: (الَّذِي خَلَقَ المَوتَ وَالحَيَاةَ لِيَبلُوكُم أَيُّكُم أَحسَنُ عَمَلاً وَهُوَ العَزِيزُ الغَفُورُ) [الملك: 2].
وأمَّا مرحلةُ البرزخِ؛ فقَالَ اللهُ عَنْها: (وَمِن وَرَائِهِم بَرزَخٌ إِلَى يَومِ يُبعَثُونَ) [المؤمنون: 100].
وأمَّا مرحلةُ الآخِرةِ؛ فَهِيَ غايةُ المراحلِ، ونهايةُ المراحلِ؛ قَالَ اللهُ تعالَى بَعْدَ ذِكْرِ المراحلِ: (ثُمَّ إِنَّكُم بَعدَ ذَلكَ لَمَيّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُم يَومَ القِيَامَةِ تُبعَثُونَ) [المؤمنون: 15-16].
وقولُهُ رحمَهُ اللهُ: ((الإيمانُ بكلِّ ما أخْبَرَ بِهِ النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا يَكُونُ بَعْدَ المَوْتِ)): كلُّ هذا داخلٌ في الإيمانِ باليومِ الآخِرِ.
وذلِكَ لأنَّ الإنسانَ إذا ماتَ؛ دَخَلَ في اليومِ الآخِرِ، وَلِهَذَا يُقَالُ: مَنْ ماتَ؛ قامت قيامَتُه؛ فكلُّ ما يكونُ بَعْدَ الموتِ؛ فإنَّه مِنَ اليومِ الآخِرِ.
إذًا؛ ما أقربَ اليومَ الآخرَ لنا؛ لَيْسَ بَيْنَنَا وبَيْنَهُ إلا أنْ يموتَ الإنسانُ، ثُمَّ يَدخُلَ في اليومِ الآخِرِ الَّذِي لَيْسَ فيه إلا الجزاءُ على العملِ.
وَلِهَذَا يجبُ عَلَيْنا أنْ ننتبهَ لهذه النُّقطةِ.
فكِّرْ أيُّها الإنسانُ؛ تجدْ أنَّك على خطرٍ؛ لأنَّ الموتَ لَيْسَ لَهُ أجلٌ معلومٌ عندَنا؛ قَدْ يخرجُ الإنسانُ مِنْ بيتِهِ ولا يرجعُ إليه، وقَدْ يكونُ الإنسانُ على كرسيِّ مكتبِهِ ولا يقومُ مِنْه، وقَدْ ينامُ الإنسانُ على فراشِهِ ولكنَّهُ يُحملُ مِنْ فراشِهِ إلى سريرِ غُسْلِه، وهذا أمرٌ يستوجبُ منا أنْ ننتهزَ فرصةَ العُمْرِ بالتَّوبةِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ، وأنْ يكونَ الإنسانُ دائمًا يستشعرُ بأنَّهُ تائبٌ إلى اللهِ وراجعٌ ومنيبٌ حتَّى يأتِيَه الأجلُ وَهُوَ على خيرِ ما يُرامُ.
قولُهُ: ((فيؤْمِنونَ بفتنةِ القبرِ وبعذابِ القبرِ ونعيمِهِ)):
الفِتْنَةُ هنا الاختبارُ، والمرادُ بفتنةِ القبرِ: سؤالُ الميِّتِ إذا دُفِنَ عَنْ رَبِّهِ ودينهِ ونبيِّه.
والضَّميرُ في ((يؤمنونَ)): يعودُ على أهلِ السُّنَّةِ؛ أيْ أنَّ أهلَ السُّنَّةِ والجماعةِ يؤمنونَ بفتنةِ القبرِ، وذلك لدلالةِ الكتابِ والسُّنَّةِ عَلَيْهَا.
أمَّا الكتابُ؛ ففِي قولِهِ تعالَى: (يُثَبّتُ اللهُ الَّذِين ءَامَنُوا بِالقَولِ الثَّابِتِ في الحَيَاةِ الدُّنْيا وَفِى الآخِرةِ)[إبراهيم: 27]؛ فإنَّ هذا في فتنةِ القبرِ؛ كما ثَبَتَ في ((الصَّحيحينِ)) وغيرِهما مِنْ حديثِ البراءِ بنِ عازبٍ عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وسلَّم.
وأمَّا السُّنَّةُ؛ فقد تضافرَتْ بأنَّ الإنسانَ يُفتَنُ في قبرهِ، وهِيَ فتنةٌ قَالَ فيها النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّهُ قَدْ أُوحِي إِليَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ في قُبُورِكُمْ مثلَ (أو: قريبًا من) فِتْنَةِ الدَّجَّالِ)).
وفتنةُ الدَّجَّالِ أعظمُ فتنةً منذُ خَلَقَ اللهُ آدمَ إلى أنْ تقومَ السَّاعةُ؛ كَمَا في ((صحيحِ مسْلمٍ)) عَنْ عِمْرانَ بنِ حُصَينٍ رَضِي اللهُ عَنْهُ؛ قَالَ: سمعْتُ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: ((مَا بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ إِلى قِيَامِ السَّاعةِ أَمْرٌ أَكْبَرُ مِنَ الدَّجَّالِ)).
ولكنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لأصحابِهِ، بل قَالَ لأُمَّتِهِ: ((إِنْ يَخْرُجْ وَأنَا فِيكُمْ؛ فَأَنا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ، وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ؛ فامرؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَاللهُ خَليفَتي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ)).
ومَعَ ذلِكَ؛ فإنَّ نبيِّنَا محمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعلَمَنا كَيفَ نحاجُّهُ، وأعلَمَنا بأوصافِهِ وميزاتِهِ، حتَّى كأنَّا نشاهدُه رأيَ عَيْنٍ، وبهذِهِ الأوصافِ والميزاتِ نستطيعُ أنْ نحاجَّه.
وَلِهَذَا نقولُ: إنَّ فتنةَ الدَّجَّالِ أعظمُ فتنةً، والرَّسولُ عليهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: ((إِنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ مثلَ – أَوْ قَرِيبًا مِنْ – فِتْنَةِ الدَّجَّالِ)).
وما أعظمَها مِنْ فتنةٍ! لأنَّ الإنسانَ يتلقَّى فيها السؤالَ الَّذِي لا يمكنُ الجوابُ عَلَيْهِ؛ إلَّا على أساسٍ متينٍ مِنَ العقيدةِ والعملِ الصَّالحِ.
قولُهُ: ((فأمَّا الفتنةُ فإنَّ النَّاسَ يُفَتنُونَ في قبورِهِم)):
هذا شروعٌ في بيانِ كيفيَّةِ فتنةِ الميِّتِ في قبرِهِ.
وكلمةُ ((النَّاس)) عامَّةٌ، وظاهرُ كلامِ المؤلِّفِ أنَّ كلَّ أحدٍ؛ حتَّى الأنبياءُ والصِّدِّيقونَ والشُّهداءُ والمرابِطُونَ وغيرُ المكلَّفيِنَ مِنَ الصِّغارِ والمجانينِ، وفي هذا تفصيلٌ؛ فنقولُ:
أولاً: أمَّا الأنبياءُ؛ فلا تشملُهُم الفتنةُ، ولا يُسْألُونَ، وذلك لوجهينِ:
الأوَّل: أنَّ الأنبياءَ أفضلُ مِنَ الشُّهداءِ، وقد أخْبَرَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّ الشَّهيدَ يُوقَّى فتنةَ القبرِ، وقَالَ: ((كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ عَلَى رَأْسِهِ فتنةً))؛ أخرجه النَّسائيُّ.
الثَّاني: أنَّ الأنبياءَ يُسْأَلُ عَنْهُم؛ فيقَالُ للميِّتِ: مَنْ نبيُّك؟ فَهُم مسْؤُولٌ عنهم، ولَيْسُوا مسؤُولينَ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّهُ أُوحِيَ إِليَّ أَنَّكُم تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ))، والخطابُ للأمَّةِ المرسَلِ إلَيهِم؛ فلا يكونُ الرَّسولُ داخلاً فِيهم.
ثانياً: وأمَّا الصِّدِّيقونَ؛ فلا يُسأَلون؛ لأنَّ مرتبةَ الصِّدِّيقينَ أعلى مِنْ مرتبةِ الشُّهداءِ؛ فإذا كانَ الشُّهداءُ لا يُسألونَ؛ فالصِّدِّيقُونَ مِنْ بابِ أَوْلَى، ولأنَّ الصِّدِّيقَ على وصفِهِ مصدِّقٌ وصادقٌ؛ فَهُوَ قد عُلِمَ صدقُهُ؛ فلا حاجةَ إلى اختبارِهِ؛ لأنَّ الاختبارَ لمن يُشَكُّ فيه؛ هَلْ هُوَ صادقٌ أو كاذبٌ، أمَّا إذا كانَ صادقًا؛ فلا حاجةَ تدعو لسؤالِهِ، وذَهَبَ بعضُ العلماءِ إلى أنَّهم يُسْأَلونَ؛ لعمومِ الأدلَّةِ، واللهُ أعلمُ.
ثالثًا: وأمَّا الشُّهداءُ الَّذِين قُتِلُوا في سبيلِ اللهِ؛ فإنَّهم لا يُسْأَلونَ؛ لظهورِ صدقِ إيمانِهم بجهادِهِم:
قَالَ اللهُ تعالَى: (إِنَّ اللهَ اشتَرَى مِنَ المُؤمِنِينَ أَنفُسَهُم وَأَموَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجنَّةَ يُقَاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ فَيَقتُلُونَ وَيُقتَلُونَ…) الآية [التوبة: 111].
وقَالَ: (وَلاَ تَحسَبَنَّ الَّذِين قُتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ أمْواتًا بَل أَحيَاءٌ عِندَ رَبّهِم يُرزَقُونَ) [آل عمران: 169].
وقَالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيوفِ عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةً)).
وإذا كانَ المرابِطُ؛ إذا ماتَ؛ أمَنِ الفَتَّانَ؛ لظهورِ صدقِهِ؛ فهذا الَّذِي قُتِلَ في المعركةِ مِثْلُهُ أو أَوْلَى مِنْهُ؛ لأنَّهُ بَذَلَ وعَرَّضَ رقبَتَهُ لعدوِّ اللهِ؛ إعلاءً لكلمةِ اللهِ، وانتصارًا لدينِهِ، وهذا مِنْ أكبرِ الأدلَّةِ على صدقِ إيمانِهِ.
رابعًا: وأمَّا المرابطونَ؛ فإنهَّم لا يُفْتَنُون؛ ففِي ((صحيحِ مُسْلِمٍ))؛ أنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ؛ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِي عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الفَتَّانَ)).
خامسًا: الصِّغارُ والمجانينُ؛ هل يُفْتَنُونَ أو لا يُفْتَنُونَ؟
قَالَ بعضُ العلماءِ: إنهَّم يُفْتَنُون؛ لدخولِهِم في العمومِ، ولأنهَّم إذا سَقَطَ التَّكليفُ عَنْهُم في حالِ الحياةِ؛ فإنَّ حالَ المماتِ تخالفُ حالَ الحياةِ.
وقَالَ بعضُ العلماءِ: إنَّ المجانينَ والصِّغارَ لا يُسْأَلونَ؛ لأنَّهم غيرُ مكلَّفِينَ، وإذا كانوا غَيْرَ مكلَّفينَ؛ فإنَّه لا حِسَابَ عليهم؛ إذْ لا حسابَ إلَّا على مَنْ كانَ مكلَّفاً يُعاقَبُ على المعاصِي، وهؤلاءِ لا يُعاقَبُون، ولَيْسَ لهم إلَّا الثَّوابُ؛ إنْ عملوا عملاً صالحًا يثابُونَ عليهِ.
إذًا؛ خَرَجَ مِنْ قَوْلِ المؤلِّفِ: ((فإنَّ النَّاسَ)): خمسةُ أصنافٍ: الأنبياءُ، والصِّدِّيقونَ، والشُّهداءُ، والمرابِطونَ، ومَنْ لا عَقْلَ لَهُ؛ كالمجانينِ والصِّبيانِ.
تنبيه:
النَّاسُ ثلاثةُ أقسامٍ: مؤمنونَ خُلَّصٌ ومنافقونَ، وهذانِ القسمانِ يُفْتَنُونَ، والثَّالثُ كُفَّارٌ خُلَّصٌ؛ ففِي فتنتِهِم خلافٌ، وقَدْ رجَّحَ ابنُ القيِّمِ في كتابِ ((الرُّوح)) أنهَّم يُفْتَنُون.
وهَلْ تُسأَلُ الأممُ السَّابقةُ؟
ذَهَبَ بعضُ العلماءِ – وهُوَ صحيحٌ – إلى أنَّهُم يُسْأَلون؛ لأنَّهُ إذا كانَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ – وهِيَ أشرفُ الأممِ – تُسْأَلُ؛ فَمَنْ دونَها من بابٍ أَوْلَى.
قولُهُ: ((في قبورِهِم)): جَمْعُ قبرٍ، وهِيَ مدفنُ الأمواتِ، والمرادُ ما هو أعمُّ؛ فيشملُ البرزخَ، وهُوَ ما بَيْنَ موتِ الإنسانِ وقيامِ السَّاعةِ، سواءً دُفِنَ الميِّتُ أو أكلَتْهُ السِّباعُ في البرِّ أو الحيتانُ في البحرِ أو أتلفَتْهُ الرِّياحُ.
والظَّاهرُ أنَّ الفتنةَ لا تكونُ إلَّا إذا انتهَتِ الأحوالُ الدُّنيويَّةُ، وسُلِّمَ إلى عالَمِ الآخِرةِ؛ فإذا تأخَّرَ دفنُهُ يومًا أو أكثرَ؛ لم يكنْ السُّؤالُ حتَّى يدفَنَ.
قولُهُ: ((فَيُقَالُ للرَّجُلِ)): القائلُ مَلَكانِ يأتيانِ إلى الإنسانِ في قَبرِهِ، ويُجلسَانِهِ، ويَسْألانِهِ، حتَّى إنَّهُ ليَسْمَعُ قَرعَ نِعالِ المنصَرِفينَ عنه، وهما يسألانِهِ، وَلِهَذَا كانَ مِنْ هَدْيِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ أنه إذا دَفَنَ الميِّتَ؛ وَقَفَ عليه، وقَالَ: ((اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُم، وَاسْأَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ؛ فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ)).
وَوَرَدَ في بعضِ الآثارِ أنَّ اسمَهُما: مُنْكَرٌ، ونَكِيرٌ.
وأنكَرَ بعضُ العلماءِ هذَينِ الاسمينِ؛ قَالَ: كيفَ يُسمَّى الملائكةُ وهم الَّذِين وصَفَهُم اللهُ تعالَى بأوصافِ الثَّناءِ بهذَيْنِ الاسمَيْنِ المنكَرَيْنِ، وضعَّفَ الحديثَ الواردَ في ذلِكَ.
وذهَبَ آخَرونَ إلى أنَّ الحديثَ حُجِّةٌ، وأنَّ هذه التَّسميةَ لَيْسَ لأنَّهُما منكَرانِ مِنْ حيثُ ذواتِهِما، ولكنَّهما منكَرَانِ مِنْ حيثُ إنَّ الميِّتَ لا يعرفُهُما، ولَيْسَ له بِهِما علمٌ سابقٌ، وقَدْ قَالَ إبراهيمُ لأضْيافِه الملائكةِ: (قَومٌ مُّنكَرُونَ) [الذَّارِيات: 25]؛ أنَّهُ لا يعرفُهُم؛ فهذان مثنْكَرٌ ونَكِيرٌ؛ لأنهَّما غيرُ معروفَيْنِ للميِّتِ.
ثم هذانِ الملَكانِ هَلْ هُمَا ملَكانِ جديدانِ، موكَّلانِ بأصحابِ القُبورِ أو هما الملَكانِ الكاتبانِ اللَّذانِ عَنِ اليمينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ؟
مِنْهُم مَنْ قَالَ: إنهَّما الملَكانِ اللَّذانِ يصحبانِ المرءَ؛ فإنَّ لكلِّ إنسانٍ مَلَكَيْنِ في الدُّنْيا يكتبانِ أعمالَهُ، وفي القَبْرِ يسألانِهِ هذِهِ الأسئلةَ الثَّلاثةَ.
ومِنْهُم مَنْ قَالَ: بَلْ هما مَلَكانِ آخرانِ، واللهُ عزَّ وجلَّ يقولُ: (وَمَا يَعلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ) [المدثر: 31]، والملائكةُ خلقٌ كثيرٌ؛ قَالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَطَّتِ السَّمَاءُ، وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ (وَالأَطِيطُ: صَريرُ الرَّحْلِ)؛ مَا مِنْ مَوْضِع شِبْرٍ (أَوْ قَالَ: أَرْبَعِ أَصَابِعٍ)؛ إِلاَّ وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ للهِ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ))، والسَّماءُ واسعةُ الأرجاءِ؛ كَمَا قَالَ اللهُ تعالَى: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) [الذاريات: 47].
فالمهمُّ أنَّهُ لا غرابةَ أنْ يُنشئَ اللهُُ عزَّ وجلَّ لكلِّ مَدْفونٍ ملَكَيْنِ يرسلُهُما إِلَيْه، واللهُ على كلِّ شيءٍ قديرٌ.
قولُهُ: ((مَنْ ربُّكَ؟))؛ يعني: مَنْ ربُّكَ الَّذِي خلقَكَ وتعبدُهُ وتخصُّهُ بالعبادةِ؟ لأجلِ أنْ تنتظمَ هذه الكلمةُ توحيدَ الرُّبوبيةِ وتوحيدَ الأُلوهيةِ.
وقولُهُ: ((ما دينُكَ؟)): يعني: ما عمَلُكَ الَّذِي تدينُ بِهِ للهِ عزَّ وجلَّ، وتتقرَّبُ بِهِ إِلَيْهِ؟
والثَّالثُ: ((مَنْ نَبِيُّكَ؟))؛ يعني: مَنِ النَّبيُّ الَّذِي تؤمنُ بِهِ وتَتَّبِعُه؟
قولُهُ: ((فـ(يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِين ءَامَنُوا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ في الحَياَةِ الدُّنْيا وَفِى الآخِرةِ) [إبراهيم: 27]))؛ أيْ: يجعَلُهُم ثابتينَ لَا يَتردَّدُونَ ولا يَتلَعْثَمُونَ في الجوابِ.
والقولُ الثَّابتُ: هو التَّوحيدُ؛ كَمَا قَالَ تعالَى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابتٌ وَفَرْعُهَا في السَّماءِ) [إبراهيم: 24].
وقولُهُ: (في الحَيَاةِ الدُّنْيا وَفِى الآخِرةِ): يحتملُ أنَّها متعلِّقةٌ بـ(يُثَبِّتُ)؛ يعني: أنَّ اللهَ يثبِّتُ المؤمنينَ في الدُّنْيا وفي الآخِرةِ. ويُحتملُ أنَّها متعلِّقةٌ بالثَّابتِ؛ فتكونُ وصفاً للقولِ؛ يعني: أنَّ هذا القولَ ثابتٌ في الدُّنْيا وفي الآخِرةِ.
ولكنَّ المعنَى الأوَّلَ أحسنُ وأقربُ؛ لأنَّ اللهَ يقولُ: (يَأَيُّهَا الَّذِين ءَامَنُوا إِذَا لَقِيتُم فِئَةً فَاثْبُتُواْ) [الأنفال: 45]، وقَالَ اللهُ عزَّ وجلَّ: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى المَلائِكَةِ أَنِّى مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِين ءَامَنُواْ) [الأَنْفال: 12]؛ فَهُم يُثَبِّتُونَ في الحياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرةِ بالقولِ الثَّابتِ.
قولُهُ: ((فيقولُ المؤمنُ: ربي اللهُ، والإسلامُ دِيني، ومحمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نبيِّي)):
فيقولُ المؤمنُ: ربِي اللهُ. عندما يُقَالَ لَهُ: مَنْ ربُّكَ؟ ويقولُ إذا قِيلَ لَهُ: ما دينُكَ؟ فيقولُ: الإسلامُ ديني. ويقولُ كذلِكَ: محمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نبيِّي. إذا قِيلَ لَهُ: مَنْ نبيُّكَ؟
وحينئذٍ يكونُ الجوابُ صواباً، فينادِي منادٍ مِنَ السَّماءِ: أنْ صَدَقَ عبدِي؛ فافْرشُوه مِنَ الجِنَّةِ، وألبسُوه مِنَ الجِنَّةِ، وافتحُوا له باباً إلى الجنَّةِ.
قولُهُ: ((وأمَّا المرتابُ؛ فيقولُ: هاه هاه! لا أدرِي؛ سمعْتُ النَّاسَ يقولُونَ شيئاً فقلْتُهُ)):
المرتابُ: الشَّاكُّ والمنافقُ وشبهُهُما.
((فيقولُ: هاه! هاه! لا أدرِي؛ سمِعْتُ النَّاسَ يقولُونَ شيئاً فقلْتُه))؛ يعني: لم يلجِ الإيمانُ قلبَهُ، وإنَّما كانَ يقولُ كَمَا يقولُ النَّاسُ مِنْ غَيْرِ أنْ يَصِلَ الإيمانُ إلى قلبِهِ.
وتأمَّلْ قولَه: ((هاه! هاه!))؛ كأنَّ شيئاً غابَ عَنْه، يريدُ أنْ يتذكَّرَهُ، وهذا أشدُّ في التَّحسُّرِ؛ أنْ يتخيَّلَ أنَّهُ يعرفُ هذا الجوابَ، ولكنْ يحُالُ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، ويقولُ: هاه! هاه! ثُمَّ يقولُ: سِمعْتُ النَّاسَ يقولُونَ شيئاً فقلْتُهُ. ولا يقولُ: ربِّي اللهُ! ولا: دِيني الإسلامُ! ولا: نبيِّي محمَّدٌ! لأنَّهُ في الدُّنْيا مرتابٌ شاكٌّ!
هذا إذا سُئِلَ في قَبْرِهِ وصارَ أحوجَ ما يكونُ إلى الجوابِ الصَّوابِ؛ يعجَزُ ويقولُ: لا أدرِي؛ سمِعْتُ النَّاسَ يقولُونَ شيئاً فقلْتُهُ.
إذاً؛ إيمانُهُ قولٌ فَقَطْ!!
قولُهُ: ((فيُضْرَبُ بمرزبَّةٍ مِنْ حديدٍ، فيصيحُ صيحةً يسمَعُها كلُّ شيءٍ إلَّا الإنسانَ)):
((يُضْرَبُ))؛ يعني: الَّذِي لم يُجِبْ؛ سواءً كانَ الكافرُ أو المنافقُ والضَّاربُ له الملكان اللَّذانِ يسألانِهِ.
والمرزبةُ: هِيَ مِطْرقةٌ مِنْ حديدٍ، وقَدْ وَرَدَ في بعضِ الرِّواياتِ أنَّهُ لو اجتمعَ عليها أهلُ مِنًى؛ ما أقلُّوها.
فإذا ضُرِبَ؛ يصيحُ صيحةً يسمَعُها كلُّ شيءٍ إلَّا الإنسانَ.
قولُهُ: ((يُضْرَبُ فيصيحَ))؛ أيْ: صِياحاً مسموعاً؛ يسمَعُهُ كلُّ شيءٍ، يكونُ حوْلَهُ مما يسمعُ صوتَهَ، ولَيْسَ كلُّ شيءٍ في أقطارٍ الدُّنْيا يسمَعُهُ وأحياناً يتأثَّرُ به ما يسمَعُهُ، كما مرَّ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأقْبُرِ للمشركِينَ على بغلتِهِ؛ فحادَتْ بهِ، حتَّى كادَتْ تُلقيهِ؛ لأنهَّا سَمِعَتْ أصواتَهُم يعذَّبونَ.
قولُهُ: ((إلا الإنسانَ))؛ يعني: أنَّهُ لا يسمعُ هذا الصياحَ، وذلك لحِكَمٍ عظيمةٍ؛ مِنْها:
أولاً: ما أشارَ إليه النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله: ((لَوْلا أَنْ لاَ تَدَافَنُوا؛ لَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ)).
ثانياً: أنَّ في إخفاءِ ذلِكَ سَترًا للميِّتِ.
ثالثًا: أنَّ فيه عدمَ إزعاجٍ لأهلِهِ؛ لأنَّ أهلَهُ إذا سمعُوا ميِّتَهُم يُعذَّبُ ويصيحُ؛ لم يستقرَّ لهم قرارٌ.
رابعًا: عدمُ تخجيلِ أهلِهِ؛ لأنَّ النَّاسَ يقولُونَ: هذا ولدُكُم! هذا أبوكُم! هذا أخُوكم! وما أشبَهَ ذلكَ.
خامسًا: أنَّنا قَدْ نهلكُ؛ لأنَّها صيحةٌ لَيْسَتْ هَيِّنةً، بَلْ صيحةً توجبُ أنْ تُسْقِطَ القلوبَ مِنْ معاليِقِها، فيموتُ الإنسانُ أو يُغشَى علَيه.
سادسًا: لو سَمِعَ النَّاسُ صُراخَ هؤلاءِ المعذَّبيِنَ؛ لكانَ الإيمانُ بعذابِ القبرِ مِنْ بابِ الإيمانِ بالشَّهادةِ، لا مِنْ بابِ الإيمانِ بالغَيْبِ، وحينئذٍ تفوتُ مصلحةُ الامتحانِ؛ لأنَّ النَّاسَ سوفَ يؤمِنونَ بما شاهدُوه قطعًا؛ لكنْ إذا كانَ غائبًا عَنْهُم، ولم يعلمُوا بِهِ إلاَّ عَنْ طريق الخَبَرِ؛ صارَ مِنْ بابِ الإيمانِ بالغَيبِ.
تنبيهٌ:
قولُ المؤلِّفُ رحِمَهُ اللهُ: ((فيصيحَ صيحةً يسمَعُها كلُّ شيءٍ إلَّا الإنسانَ، ولو سمِعَها الإنسانُ؛ لَصُعِقَ))؛ إنَّما ورَدَ قولُهُ: ((يسمعُها كلُّ شيءٍ إلا الإنسانَ…)) إلخ في قولِ الجنازةِ إذا احتمَلَها الرِّجالُ على أعناقِهِم؛ كَمَا قَالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً؛ قَالَتْ: قَدِّمُونِي! وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ؛ قَالَتْ: يَا وَيْلَها! أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا؟! يَسْمَعُ صَوْتَها كُلُّ شَيْءٍ إِلاَّ الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهُ؛ لَصُعِق)). أمَّا الصَّيْحَةُ في القَبْرِ؛ فقَالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((فيصيحُ صيحةً يسمَعُها مَنْ يَليهِ غيرَ الثَّقلَينِ)). أخرجه البُّخارِيُّ بهذا اللَّفظِ، والمراد بالثَّقَلَيْنِ: الإنسُ والجِنُّ.
قولُهُ: ((ثُمَّ بعدَ هذهِ الفِتنةِ إمَّا نَعيمٌ وإما عَذابٌ)):
((ثُمَّ)): هذه لمطلقِ التَّرتيبِ، ولَيْسَتْ للتَّراخِي؛ لأنَّ الإنسانَ يُعذَّبُ أو يُنعَّمُ فورًا؛ كَمَا سَبَقَ أنَّهُ إذا قَالَ: لا أدرِي! يُضْرَبُ بمرزبَّةٍ، وأنَّ ذاكَ الَّذِي أجابَ بالصَّوابِ؛ يُفْتَحُ له بابٌ إلى الجنَّةِ، ويُوسَّعُ له في قَبْرِهِ.
وهذا النَّعيمُ أو العذابُ؛ هَلْ هو على البدَنِ أو على الرُّوحِ أو يكونُ على البدنِ والرُّوحِ جميعًا؟
نقولُ: المعروفُ عِنْدَ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ أنَّهُ في الأصلِ على الرُّوحِ، والبدنٌ تابعٌ لهَا؛ كما أنَّ العذابَ في الدُّنْيا على البدَنِ، والرُّوحُ تابعةٌ لَهُ، وكَمَا أنَّ الأحكامَ الشَّرعيَّةَ في الدُّنْيا على الظَّاهرِ، وفي الآخِرةِ بالعكسِ؛ ففِي القَبْرِ يكونُ العذابُ أو النَّعيمُ على الرُّوحِ، لكنَّ الجسمَ يتأثرُ بهذا تبعًا، ولَيْسَ على سبيلِ الاستقلالِ، وربمَّا يكونُ العذابُ على البدَنِ، والرُّوحُ تتبَعُه، لكنَّ هذا لا يقع إلا نادرًا؛ إنمَّا الأصلُ أنَّ العذابَ على الرُّوح،ِ والبدَنُ تبعٌ، والنَّعيمُ للرُّوحِ والبدَنُ تبعٌ.
وقولُهُ: ((أمَّا نعيمٌ وأمَّا عذابٌ)): فيه إثباتُ النَّعيمِ والعذابِ في القَبْرِ، وقَدْ دلَّ على ذلِكَ كتابُ اللهِ وسُّنَّةُ رسولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَلْ لنا أنْ نقولَ: وإجماعُ المسلمِينَ:
أمَّا مِنْ كتابِ اللهِ؛ فالثَّلاثةُ أصنافٍ الَّتي في آخِرِ الواقعةِ ظاهرةٌ في ثبوتِ عذابِ القَبْرِ ونعيمِهِ.
قَالَ اللهُ تعالَى: (فَلَولاَ إِذَا بَلَغَتِ الحُلقُومَ وَأَنتُم حِينَئِذٍ تَنظُرونَ وَنَحنُ أَقرَبُ إِلَيهِ مِنكُم وَلَكِن لاَّ تُبصِرُونَ فَلَولاَ إِن كُنتُم غَيرَ مَدِينِينَ تَرجِعُونَهَا إِن كُنتُم صَادِقِينَ فَأمَّا إِن كَانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ فَرَوحٌ وَرَيحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ وَأمَّا إِن كَانَ مِن أَصحَابِ اليَمِينِ فَسَلامٌ لَّكَ مِن أَصْحَابِ اليَمِينِ وَأمَّا إِن كَانَ مِنَ المُكَذّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ من حَمِيمٍ وَتَصلِيَةُ جَحِيمٍ) [الواقعة: 83 – 94].
وهذا أمرٌ مشاهدٌ؛ يُسْمَعُ المحتضرُ يرحِّبُ بالقادمِينَ علَيه مِنَ الملائكةِ، ويقولُ: مرحبًا! وأحيانًا يقول: مرحبًا؛ اجلِسْ هنا! كَمَا ذَكَرَهُ ابنُ القيِّمِ في كتابِ ((الرُّوح))، وأحيانًا يُحَسُّ بأنَّ هذا الرَّجُلَ أُصيِبَ بشيءٍ مخيفٍ، فيتغيرُ وجهُهُ عِنْدَ الموتِ إذا نزلَتْ عليه ملائكةُ العذابِ والعياذُ باللهِ.
ومِنْ أدلَّةِ القرآنِ قولُهُ تعالَى في آلِ فرعونَ: (النَّارُ يُعرَضُونَ عَلَيهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا)، وهذا قَبْلِ قيامِ السَّاعةِ؛ بدليلِ قولِهِ: (وَيَومَ تَقُومُ السَّاعةُ أَدخِلُوا آلَ فِرعَونَ أَشَدَّ العَذَابِ) [غافر: 46].
ومِنْ أدلَّةِ القرآنِ أيضًا قولُهُ تعالَى: (وَلَو تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ في غَمَرَاتِ المَوتِ وَالمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيدِيهِم أَخرِجُوا أَنفُسَكُمُ)، وهم شاحُّونَ بأنفسِهِم، لا يريدونهَا أنْ تخرجَ؛ لأنهَّم قد بُشِّرُوا بالعذابِ والعقوبةِ؛ فتجِدُ الرُّوحَ تأبى الخروجَ، وَلِهَذَا قَالَ: (أَخرِجُوا أَنفُسَكُمُ اليَومَ تُجزَونَ عَذَابَ الهُونِ)[الأنعام: 93]: (اليَومَ): (ال): للعهدِ الحضورِي؛ كقولِهِ تعالَى: (اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم) [المائدة: 3]؛ يعني: اليومَ الحاضِرَ.
وكذلك (اليَومَ تُجزَونَ): (ال) للعهدِ الحضورِي، والمرادُ بهِ: يومُ حضورِ الملائكةِ لقبْضِ أرواحِهِم، وهذا يقتضِي أنهَّم يُعذَّبُون مِنْ حينِ أنْ تخرجَ أرواحُهُم، وهذا هو عذابُ القَبْرِ.
ومن أدلَّةِ القرآنِ أيضًا قولُهُ تعالَى: (الَّذِين تَتَوفَّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيّبِينَ يقولُونَ سَلَامٌ عَلَيكُمُ ادخُلُوا الجنَّةَ) [النحل: 32]، وذلِكَ في حالِ الوفاةِ.
وَلِهَذَا جاءَ في الحديثِ الصَّحيحِ: ((يُقَالَ لِنَفْسِ المُؤْمِنِ: اخرُجِي أَيَّتُها النَّفسُ الطَّيِّبَةُ إِلى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ))؛ فتفرحُ بهذِهِ البُشْرَى، وتخرجُ منقادةً سهلةً، وإنْ كانَ البدنُ قد يتألَّمُ، لكنَّ الرُّوحَ منقادةٌ مستبشرةٌ.
وأمَّا السُّنَّةُ في عذابِ القبرِ ونعيمِهِ؛ فمتواترةٌ، ومِنْها ما ثَبَتَ في ((الصَّحيحينِ)) مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِي اللهُ عَنْهُما؛ أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرَّ بقبرَيْنِ؛ فقَالَ: ((إِنَّهُما لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ في كَبِيرٍ …)) الحديث.
وأمَّا الإجماعُ؛ فكلُّ المسلمِينَ يقولُونَ في صلاتهِم: أعوذُ باللهِ مِنْ عذابِ جهنَّمَ، ومِنْ عذابِ القبرِ … ولو أنَّ عذابَ القبرِ غيرُ ثابتٍ؛ ما صحَّ أن يتعوَّذُوا باللهِ مِنْه؛ إذ لا تَعَوُّذَ مِنْ أمرٍ لَيْسَ موجودًا، وهذا يدلُّ على أنهَّم يؤمنُونَ بهِ.
فإنْ قَالَ قائلٌ: هَلِ العذابُ أو النَّعيمُ في القبرِ دائمٌ أو ينقطعٌ؟
فالجوابُ أنْ يقَالَ:
أمَّا العذابُ للكفَّارِ؛ فإنَّهُ دائمٌ، ولا يمكنُ أنْ يزولَ العذابُ عَنْهُم؛ لأنَّهُم مستحِقُّونَ لذلِكَ، ولأنَّهُ لو زالَ العذابُ عَنْهُم؛ لكانَ هذا راحةً لَهُم، وهُم لَيْسُوا أهلاً لذلِكَ؛ فَهُم باستمرارٍ في عذابٍ إلى يومِ القيامةِ، ولو طالَتِ المدةُ؛ فقومُ نوحٍ الَّذِين أُغرقِوا ما زالوا يعذَّبونَ في هذه النَّارِ الَّتي أُدخِلُوا فيها، ويستمرُّ عذابهُم إلى يومِ القيامةِ، وكذلِكَ آلُ فرعونَ يُعْرَضُونَ على النَّارِ غدوًّا وعشيًّا.
وذكَرَ بعضُ العلماءِ أنَّهُ يخفَّفُ عَنِ الكُفَّارِ ما بين النَّفختَيْن، واستدلُّوا بقولِهِ تعالَى: (قَالُوا يَاوَيْلنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرقَدِنَا)
[يس: 52]، ولكنَّ هذا لَيْسَ بلازمٍ؛ لأنَّ قبورَهُم مرقدٌ لهم، وإنْ عُذِّبوا فيها.

- أمَّا عصاةُ المؤمنينَ الَّذِين يقضِي اللهُ تعالَى عليهم بالعذابِ؛ فهؤلاءِ قَدْ يدومُ عذابهُم وقَدْ لا يدومُ، وقَدْ يطولُ وقَدْ لا يطولُ؛ حسبَ الذُّنوبِ، وحسبَ عفوِ اللهِ عزَّ وجلَّ.
والعذابُ في القَبْرِ أهونُ مِنْ عذابِ يومِ القيامةِ؛ لأنَّ العذابَ في القَبْرِ لَيْسَ فيه خِزيٌ وعارٌ، لكنْ في الآخِرةِ فيه الخزيُ والعارُ؛ لأنَّ الأشهادَ موجودٌ: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِين ءَامَنُوا في الحَيَاةِ الدُّنْيا وَيَومَ يَقُومُ الأَشْهَادُ) [غافر: 51].
فإنْ قَالَ قائلٌ: لَوْ أنَّ هذا الرَّجُلَ تمزَّقَ أوصالاً، وأكلَتْهُ السباعُ، وذرَّتْهُ الرِّياحُ؛ فكَيْفَ يكونُ عذابُهُ، وكَيْفَ يكونُ سؤالُهُ؟!
فالجوابُ: أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وهذا أمرٌ غَيبيٌّ؛ فاللهُ عزَّ وجلَّ قادرٌ على أنْ يجمعَ هذه الأشياءَ في عالمِ الغيبِ، وإنْ كنا نشاهدُها في الدُّنْيا متمزِّقةً متباعدةً، لكنْ في عالِم الغيبِ ربَّما يجمَعُها اللهُ:
فانظرْ إلى الملائكةِ تنزلُ لقَبْضِ روحِ الإنسانِ في المكانِ نفسِهِ؛ كَمَا قَالَ تعالَى: (وَنَحنُ أَقرَبُ إِلَيهِ مِنكُم وَلَكِن لاَّ تُبصِرُونَ) [الواقعة: 58]، ومَعَ ذلِكَ؛ لا نبصرُهُم.
وملَكُ الموتِ يكلِّمُ الرُّوحَ، ونحنُ لا نسمعُ.
وجبريلُ يتمثَّلُ أحيانًا للرَّسولِ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، ويكلِّمُه بالوحِي في نفسِ المكانِ، والنَّاسُ لا ينظرُون ولا يسمعُونَ.
فعالمُ الغَيْبِ لا يمكنُ أبدًا أنْ يُقاسَ بعالمِ الشَّهادةِ، وهذه مِنْ حِكْمةِ اللهِ عزَّ وجلَّ؛ فنفسُكَ الَّتي في جَوفِكَ ما تدرِي كَيْفَ تتعلَّقُ ببدنِكَ؟! كيفَ هِيَ موزعةٌ على البَدَنِ؟! وكَيْفَ تخرجُ مِنْكَ عِنْدَ النَّومِ؟! هَلْ تحسُّ بها عِنْدَ استيقاظِكَ بأنهَّا ترجعُ؟! ومِنْ أيْنَ تدخلُ لجسمِكَ؟!
فعاَلمُ الغَيْبِ لَيْسَ فيه إلا التَّسليمُ، ولا يمكنُ فيه القياسُ إطلاقًا؛ فاللهُ عزَّ وجلَّ قادرٌ على أنْ يجمعَ هذه المتفرقاتِ مِنَ البدنِ المتمزِّقِ الَّذِي ذَرَّتْهُ الرِّياحُ، ثُمَّ يحصِّلُ عليه المساءلةَ والعذابَ أو النَّعيمَ؛ لأنَّ اللهَ سبحانَهُ على كلِّ شيءٍ قديرٌ.
فإنْ قَالَ قائلٌ: الميِّتُ يُدْفَنُ في قبرٍ ضيقٍ؛ فكيفَ يوسَّعُ له مدَّ البصرِ؟!
فالجوابُ: أنَّ عالَمَ الغيبِ لا يُقاسُ بعالم الشَّهادةِ، بَلْ إنَّنا لو فُرِضَ أنَّ أحدًا حَفَرَ حُفْرةً مدَّ البصرِ، ودَفَنَ فيها الميِّتَ، وأطبقَ عليه التُّرابَ؛ فالَّذِي لا يعلمُ بهذِهِ الحفرةِ؛ هَلْ يراها أو لا يراها؟! لا شكَّ أنَّهُ يراهَا؛ معَ أنَّ هذا في عالم الحِسِّ، ومَعَ ذلِكَ لا يَرَى هذه السِّعةَ، ولا يعلَمُ بها؛ إلَّا مَنْ شاهَدَها.
فإذا قَالَ قائلٌ: نحنُ نَرَى الميِّتَ الكافرَ إذا حفَرْنا قَبْرَه بعدَ يومٍ أو يومينِ؛ نَرَى أنَّ أضْلاعَهُ لم تختلِفْ وتتداخلْ مِنَ الضِّيقِ؟!
فالجوابُ كما سَبَقَ: أنَّ هذا مِنْ عالَمِ الغيبِ، ومِنَ الجائزِ أنْ تكونَ مختلفةً؛ فإذا كُشِفَ عَنْها؛ أعادَها اللهُ، وردَّ كلَّ شيءٍ إلى مكانِهِ؛ امتحانًا للعبادِ؛ لأنهَّا لو بقِيَتْ مختلِفةً ونحنُ قد دفنَّاهُ وأضلاعُهُ مستقيمةٌ؛ صارَ الإيمانُ بذلك إيمانُ شَهادةٍ.
فإنْ قَالَ قائلٌ كَمَا قَالَ الفلاسفةُ: نحُن نضعُ الزِّئبقَ على الميِّتِ، وهو أسرعُ الأشياءِ تحرُّكًا ومروقًا، وإذا جِئْنا مِنَ الغدِ؛ وجَدْنا الزِّئبقَ على ما هُو علَيهِ، وأنْتُم تقولُونَ: إنَّ الملائكةَ يأتُون ويُجْلِسونَ هذا الرَّجُلَ، والَّذِي يَجْلِسُ؛ كيف يبقى عليه الزِّئبقُ؟!
فنقولُ أيضاً كَمَا قُلنْا سابقًا: هذِهِ مِنْ عالمِ الغيبِ، وعَلَيْنَا الإيمانُ والتَّصديقُ، ومِنَ الجائزِ أيضاً أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يردُّ هذا الزِّئبقَ إلى مكانِهِ بعدَ أنْ تحوَّلَ بالجلُوسِ.
ونقولَ أيضاً: انظُرُوا إلى الرَّجلِ في المنامِ؛ يَرى أشياءَ لو كانَ على حسبِ رؤيته إيَّاهُا؛ ما بَقِيَ في فراشِهِ على السَّريرِ، وأحيانًا تكونُ رؤيا حقٍّ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ، فتقعُ كَما كانَ يراها في منامِهِ، ومَعَ ذلِكَ؛ نحنُ نؤمنُ بهذا الشَّيءِ.
والإنسانُ إذا رأى في منامِهِ ما يكْرَهُ؛ أصبَحَ وهُوَ متكدِّرٌ، وإذا رأى ما يسرُّه؛ أصبحَ وهو مستبشرٌ؛ كلُّ هذا يدلُّ على أنَّ أمورَ الرُّوحِ لَيْسَتْ مِنَ الأمورِ المشاهدَةِ، ولا تُقاسُ أمورُ الغيبِ بالمشاهَدِ، ولا تُرَدُّ النُّصوصُ الصَّحيحةُ؛ لاستبعادِنا ما تدلُّ عليه حسبَ المشاهَدِ.
فَصْلٌ في القيامةِ الكُبْرَى

(31) قولُهُ: ((إلى أنْ تَقومَ القِيامَةُ الكُبْرَى)):
القيامةُ الكُبْرَى هِيَ الَّتي يقومُ فيها النَّاسُ مِنْ قبورِهِم لربِّ العالَمِينَ.
وأفادَنَا المؤلِّفُ رحمَهُ اللهُ بقولِهِ: ((القيامةُ الكُبْرَى)): أنَّ هُناك قيامةً صُغرَى، وهي قيامةُ كلِّ إنسانٍ بعينِهِ؛ فإنَّ كلَّ إنسانٍ له قيامةٌ؛ فَمَنْ ماتَ؛ قامَتْ قيامتُهُ.
وسكَتَ المؤلِّفُ رحمَهُ اللهُ عَنْ أشراطِ السَّاعةِ؛ فلَمْ يذكرْهَا؛ لأنَّ المؤلِّفَ إنَّما يريدُ أنْ يتكلَّمَ عَنِ اليومِ الآخِرِ، وما أشراطُ السَّاعةِ إلا مجرَّدُ علاماتٍ وإنذاراتٍ لقُرْبِ قيامِ السَّاعةِ؛ ليستعدَّ لها مَنْ يستعدُّ.
وبعضُ أهلِ العلمِ الَّذِين صنَّفُوا في العقائدِ ذكرُوا أشراطَ السَّاعةِ هنا، والحقيقةُ أنَّهُ لا تعلُّقَ لها في الإيمانِ باليومِ الآخِرِ، وإنْ كانت هِيَ مِنَ الأمورِ الغيبيةِ الَّتي أشارَ اللهُ إليها في القرآنِ وفصَّلها النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في السُّنَّةِ.


  #7  
قديم 22 ذو الحجة 1429هـ/20-12-2008م, 07:29 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي الروضة الندية للشيخ: زيد بن عبد العزيز بن فياض

فَصْلٌ: وَمِن الإِيمَانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ الإِيمَانُ بِكُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا يَكُونُ بَعْدَ المَوْتِ، فيؤِمنُونَ بِفِتْنَةِ القَبْرِ، وَبِعَذَابِ القَبْرِ ونَعيِمهِ.
فَأَمَّا الفِتْنَةُ فَإِنَّ النَّاسَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ، فَيُقَالُ للرَّجُلِ: مَن رَبُّكَ؟ وَمَا دِينُكَ؟ ومَن نَبِيُّكَ ؟
فَيُثَبِّتُ اللَّهُ الذين آمَنُوا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ، فأمَّا المُؤْمِنُ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ ، وَالإِسْلامُ دِينِي، وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيِّي.
وَأَمَّا المُرْتَابُ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ، لا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئاً فَقُلْتُهُ ، فَيُضْرَبُ بِمِرْزَبَّةٍ مِن حَدِيدٍ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلاَّ الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهَا الإِنْسَانُ لَصَعِقَ.
هَذَا هُوَ الرُّكْنُ الخَامِسُ مِن أَرْكَانِ الإِيمَانِ وَهُوَ الإِيمَانُ بِاليَوْمِ الآخِرِ، وَجُمْهُورُ بَنِي آدَمَ يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلكَ العَقْلُ وَالفِطْرَةُ كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ جَمِيعُ الكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ وَنَادَى بِهِ الأَنْبِيَاءُ وَالمُرْسَلُونَ، وَالنَّاسُ فِي البَرْزَخِ يُفْتَنُونَ وَيُنَعَّمُونَ أَوْ يُعَذَّبُونَ عَلَى ذَلكَ كَمَا دَلَّتِ النُّصُوصُ القُرْآنِيَّةُ وَالأَحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ.
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ قَتَادَةَ عَن أَنَسٍ أَنَّ رَسُول َ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ العَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ أَتَاهُ مَلكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولاَنِ لهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَّا المُؤْمِنُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُـولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُقَالُ لهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَداً مِنَ الجَنَّـةِ قَالَ فَيَرَاهُمَا جميعاً". قَالَ: وَذُكِرَ لنَا أَنَّهُ يُفْسَحُ لهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ البَصَـرِ، ثُمَّ رَجَـعَ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: "وَأَمَّا المُنَافِقُ وَالكَافِرُ فَيُقَالُ لهُ: مَا كُنْتَ تَقُـولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لاَ أَدْرِي كُنْتُ أَقُـولُ مَا يَقُـولُ النَّاسُ. فَيُقَالُ: لا دَرَيْتَ وَلاَ تَلَيْتَ، وَيُضْرَبُ بِمَضَارِبَ مِن حَدِيدٍ ضَرْبَةً فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرَ الثِّقْلَيْنِ".
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (({يُثَبِّتُ اللَّهُ الذين آمَنُواْ بِالقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَـاةِ الدُّنْيَـا وَفِي الآخِـرَةِ} نَزَلَـتْ فِي عَـذَابِ القَـبْرِ)). زَادَ مُسْلمٌ: ((فَيُقَـالُ لهُ: مَن رَبُّكَ ؟ فَيَقُـولُ رَبِّيَ اللَّهُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الذين آمَنُواْ بِالقَوْلِ الثَّابِتِ}))، وَفِي رِوَايَةٍ للْبُخَارِيِّ: "إِذَا قَعَدَ المُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ أُتِيَ ثُمَّ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ". وَخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا قُبِرَ المَيِّتُ -أَوْ قَالَ: أَحَدُكُمْ- أَتَاهُ مَلكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ يُقَالُ لأَحَدِهِمَا: المُنْكَرُ، وَالآخَرِ: النَّكِيرُ، فَيَقُولانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُـلِ؟ فَيَقُولُ مَا كَانَ يَقُولُ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلا اللَّهَ وَأَنْ مُحمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَيَقُولانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ هَذَا، ثُمَّ يُفْسَحُ لهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعاً فِي سَبْعِينَ ذِرَاعاً ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ. وَإِنْ كَانَ مُنَافِقاً قَالَ: سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئاً فَقُلْتُ مِثْلَهُ، لا أَدْرِي؟ فَيَقُولانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّك تَقُولُ ذَلكَ، فَيُقَالُ للأَرْضِ الْتَئِمِي عَلَيْهِ فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلاَعُهُ فَلا يَزَالُ فِيهَا مُعَذَّباً حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِن مَضْجَعِهِ".
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن عَذَابِ القَبْرِ؟ قَالَ: "نَعَمْ عَذَابُ القَبْرِ حَقٌّ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ مِثْلَ أَوْ قَرِيباً مِن فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّال"، وَفِيهِمَا عَن أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ وَجَبَتِ الشَّمْسُ فَسَمِعَ صوتاً فَقَالَ: "يَهُودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا".
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي آلِ فِرْعَوْنَ: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ} وَالنَّعِيمُ وَالعَذَابُ فِي القَبْرِ يَكُونُ للرُّوحِ وَالجَسَدِ جميعاً، وَكَذَا السُّؤَالُ وَالجَوَابُ. فَإِنَّ الرُّوحَ لهَا بِالبَدَنِ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ مِن التَّعَلُّقِ مُتَغَايِرَةِ الأَحْكَامِ:
(أَحَدُهَا): تَعَلُّقُهَا بِهِ فِي بَطْنِ الأُمِّ جَنِيناً.
(الثَّانِي): تَعَلُّقُهَا بِهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ إِلَى وَجْهِ الأَرْضِ.
(الثَّالثُ): تَعَلُّقُهَا بِهِ فِي حَالِ النَّوْمِ فَلَهَا بِهِ تَعَلُّقٌ مِن وَجْهٍ وَمُفَارَقَةٌ مِن وَجْهٍ.
(الرَّابِعُ): تَعَلُّقُهَا بِهِ فِي البَرْزَخِ فَإِنَّهَا وَإِنْ فَارَقَتْهُ وَتَجَرَّدَتْ عَنْهُ فَإِنَّهَا لمْ تُفَارِقْهُ فِرَاقاً كُلِّياً بِحَيْثُ لا يَبْقَى لهَا إِلَيْهِ الْتِفَاتٌ البَتَّةَ، فَإِنَّهُ وَرَدَ رَدُّهَا إِلَيْهِ وَقْتَ سَلامِ المُسْلمِ، وَوَرَدَ أَنَّهُ يَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ حِينَ يُوَلُّونَ عَنْهُ، وَهَذَا الرَّدُّ إِعَادَةٌ خَاصَّةٌ لا يُوجِبُ حَيَاةَ البَدَنِ قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ.
(الخَامِسُ): تَعَلُّقُهَا بِهِ يَوْمَ بَعْثِ الأَجْسَادِ وَهُوَ أَكْمَلُ أَنْوَاعِ تَعَلُّقِهَا بِالبَدَنِ وَلا نِسْبَةَ لِمَا قَبْلَهُ مِن أَنْوَاعِ التَّعَلُّقِ إِلَيْهِ إِذْ هُوَ تَعَلُّقٌ لا يَقْبَلُ البَدَنُ مَعَهُ موتاً وَلا نوماً وَلا فساداً.
وَمَذْهَبُ سَلَفِ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا: أَنَّ المَيِّتَ إِذَا مَاتَ يَكُونُ فِي نَعِيمٍ أَوْ عَذَابٍ، وَأنَّ ذَلكَ يَحْصُلُ لرُوحِهِ وَبَدَنِهِ، وَأَنَّ الرُّوحَ تَبْقَى بَعْدَ مُفَارَقَةِ البَدَنِ مُنْعَّمَةً أَوْ مُعَذَّبَةً، وَأَنَّهَا تَتَّصِلُ بِالبَدَنِ أحيـاناً وَيَحْصُـلُ لهُ مَعَهَا النَّعِيمُ أَوِ العَذَابُ، ثُمَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ الكُبْرَى أُعِيدَتِ الأَرْوَاحُ إِلَى أَجْسَادِهَا وَقَامُوا مِن قُبُورِهِمْ لرَبِّ العَالَمِينَ، وَمَعَادُ الأَبْدَانِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ المُسْلمِينَ وَاليَهُودِ وَالنَّصَارَى.
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ عَذَابَ القَبْرِ هُوَ عَذَابُ البَرْزَخِ، فَكُلُّ مَن مَاتَ وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ للْعَذَابِ نَالَهُ نَصِيبُهُ مِنْهُ، قُبِرَ أَوْ لمْ يُقْبَرْ فَلَوْ أَكَلَتْهُ السِّبَاعُ أَوْ أُحْرِقَ حَتَّى صَارَ رَمَاداً وَنُسِفَ فِي الهَوَاءِ أَوْ صُلِبَ أَوْ غَرِقَ فِي البَحْرِ وَصَلَ إِلَى رُوحِهِ وَبَدَنِهِ مِن العَذَابِ مَا يَصِلُ إِلَى القُبُورِ
وَالرُّسُلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لمْ يُخْبِرُوا بِمَا تُحِيلُهُ العُقُولُ وَتَقْطَعُ بِاسْتِحَالَتِهِ بَلْ إِخْبَارُهُمْ قِسْمَانِ:
(أَحَدُهُمَا): مَا تَشْهَدُ بِهِ العُقُولُ وَالفِطَرُ.
(الثَّانِي): مَا لا تُدْرِكُهُ بِمَجَرَّدِهَا كَالغُيُوبِ الَّتِي أَخْبَرُوا بِهَا عَن تَفَاصِيلِ البَرْزَخِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَتَفَاصِيلِ الثَّوَابِ وَالعِقَابِ. وَلا يَكُونُ خَبَرُهُمْ مُحَالاً فِي العُقُولِ أصلاً. وَكُلُّ خَبَرٍ يُظَنُّ أَنَّ العُقُولَ تُحِيلُهُ فَلا يَخْلُو مِن أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الخَبَرُ كذباً عَلَيْهِمْ، أَوْ يَكُونَ ذَلكَ القَوْلُ فاسداً وَهُوَ شُبْهَةٌ خَيَاليَّةٌ يَظُنُّ صَاحِبُهَا أَنَّهَا مَعْقُولٌ صَرِيحٌ، فَيَجِبُ أَنْ يُفْهَمَ عَن الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرَادُهُ مِن غَيْرِ غُلُوٍّ وَلا تَقْصِيرٍ، فَلا يُحَمَّلُ كَلامُهُ مَا لا يَحْتَمِلُهُ، وَلا يَقْصُرُ بِهِ عَن مُرَادِهِ، وَمَا قَصَدَهُ مِن الهُدَى وَالبَيَانِ.
وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الدُّورَ ثلاثاً: دَارً الدُّنْيَا وَدَارً البَرْزَخِ وَدَارً القَرَارِ، وَجَعَلَ لكُلِّ دَارٍ أحكاماً تَخُصُّهَا، وَرُكِّبَ هَذَا الإِنْسَانُ مِن بَدَنٍ وَنَفْسٍ وَجَعَلَ أَحْكَامَ الدُّنْيَا عَلَى الأَبْدَانِ وَالأَرْوَاحِ تبعاً لهَا.
وَلِهَذَا جَعَلَ أَحْكَامَهُ الشَّرْعِيَّةَ مُرَتَّبَةً عَلَى مَا يَظْهَرُ مِن حَرَكَاتِ اللسَانِ وَالجَوَارِحِ وَإِنْ أَضْمَرَتِ النُّفُوسُ خِلافَهُ. وَجَعَلَ أَحْكَامَ البَرْزَخِ عَلَى الأَرْوَاحِ وَالأَبْدَانِ تبعاً لهَا فَإِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ عِنْدَ بَعْثِ الأَجْسَادِ وَقِيَامِ النَّاسِ مِن قُبُورِهِمْ لرَبِّ العَالَمِينَ صَارَ النَّعِيمُ وَالعَذَابُ عَلَى الأَرْوَاحِ وَالأَجْسَامِ جميعاً. وَأَعْجَبُ مِن ذَلكَ أَنَّكَ تَجِدُ القَائِمِينَ فِي فِرَاشٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا رُوحُهُ فِي النَّعِيمِ، وَيَسْتَيْقِظُ وَأَثَرُ النَّعِيمِ عَلَى بَدَنِهِ، وَهَذَا رُوحُهُ فِي العَذَابِ وَيَسْتَيْقِظُ وَأَثَرُ العَذَابِ عَلَى بَدَنِهِ، وَلَيْسَ عِنْدَ أَحَدِهِمَا خَبَرٌ بِمَا عِنْدَ الآخِرِ، فَأَمْرُ البَرْزَخِ أَعْجَبُ مِن ذَلكَ
وَالعَذَابُ فِي القَبْرِ نَوْعَانِ: نَوْعٌ دَائِمٌ كَمَا فِي قَوْلهِ تَعَالَى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} وَفِي حَدِيثِ سَمُرَةَ عِنْدَ البُخَارِيِّ فِي رُؤْيَا النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ يَفْعَلُ بِهِ وَذَلكَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ.
وَفِي حَدِيثِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فِي قِصَّةِ الكَافِرِ: "ثُمَّ يُفْتَحُ لهُ بَابٌ إِلَى النَّارِ فَيَنْظُرُ إِلَى مَقْعَدِهِ فِيهَا حَتَّى تَقُـومَ السَّاعَةُ". رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ وفِي بَعْضِ طُرُقِهِ: "ثُمَّ يُخْرَقُ لهُ خَرْقٌ إِلَى النَّارِ فَيَأْتِيهِ مِن غَمِّهَا وَدُخَانِهَا إِلَى يَـوْمِ القِيَامَةِ".
(النَّوْعُ الثَّانِي) إِلَى مُدَّةٍ ثُمَّ يَنْقَطِعُ، وَهُوَ عَذَابُ بَعْضِ العُصَاةِ الذين خَفَّتْ جَرَائِمُهمْ فَيُعَذَّبُ بِحَسَبِ جُرْمِهِ ثُمَّ يُخَفَّفُ عَنْهُ كَمَا يُعَذَّبُ فِي النَّارِ مُدَّةً ثُمَّ يَزُولُ عَنْهُ العَذَابُ وَقَدْ يَنْقَطِعُ عَنْهُ العَذَابُ بِدُعَاءٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوِ اسْتِغْفَارٍ أَوْ ثَوَابِ حَجٍّ أَوْ قِرَاءَةٍ تَصِلُ إِلَيْهِ مِن بَعْضِ أَقَارِبِهِ أَوْ غَيْرِهِمْ.
وَاخْتُلِفَ فِي مُسْتَقَرِّ الأَرْوَاحِ مَا بَيْنَ المَوْتِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ؟ وَالرَّاجِحُ فِي ذَلكَ أَنَّ الأَرْوَاحَ مُتَفَاوِتَةٌ فِي مُسْتَقَرِّهَا فِي البَرْزَخِ أَعْظُمَ تَفَاوُتٍ. فَمِنْهَا: أَرْوَاحٌ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ فِي المَلاَ الأَعْلَى وَهِيَ أَرْوَاحُ الأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِي مَنَازِلهِمْ أَعْظَمَ تَفَاوُتٍ كَمَا رَآهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليْلَةَ الإِسْـرَاءِ. (وَمِنْهَا) أَرْوَاحٌ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْـرَحُ فِي الجَنَّـةِ حَيْثُ شَاءَتْ وَهِيَ أَرْوَاحُ بَعْضِ الشُّهَـدَاءِ لا جَمِيعِهِمْ، بَلْ مِن الشُّهَـدَاءِ مَن تُحْبَسُ رُوحُهُ عَن دُخُـولِ الجَنَّـةِ لدَيْنٍ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرِهِ. كَمَا فِي المُسْنَدِ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ: أَنَّ رَجُـلاً جَـاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لِي إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: "الجَنَّةُ" فَلَمَّا وَلَّى قَالَ: "إِلاَّ الدَّيْنَ، سَارَّنِي بِهِ جِبْرِيلُ آنِفاً". (وَمِنْهُمْ) مَن يَكُونُ محبوساً عَلَى بَابِ الجَنَّةِ كَمَا فِي الحَدِيثِ الآخَرِ: "رَأَيْتُ صَاحِبَكُمْ مَحْبُوساً عَلَى بَابِ الجَنَّةِ". (وَمِنْهُمْ) مَن يَكُونُ محبوساً فِي قَبْرِهِ كَحَدِيثِ صَاحِبِ الشَّمْلَةِ الَّتِي غَلَّهَا ثُمَّ اسْتُشْهِدَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي غَلَّهَا لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَاراً فِي قَبْرِهِ". (وَمِنْهُمْ) مَن يَكُونُ مَقَرُّهُ بَابَ الجَنَّةِ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "الشُّهَدَاءُ عَلَى بَارِقِ نَهْرِ بَابِ الجَنَّةِ فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ رِزْقُهُمْ مِنَ الجَنَّةِ غُدْوَةً وَعَشِياً" رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَهَذَا بِخِلافِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالبٍ حَيْثُ أَبْدَلَهُ اللَّهُ مِن يَدَيْهِ بِجَنَاحَيْنِ يَطِيرُ بِهِمَا فِي الجَنَّةِ حَيْثُ يَشَاءُ.
(وَمِنْهُمْ) مَن يَكُونُ محبوساً فِي الأَرْضِ لمْ تَعْلُ رُوحُهُ إِلَى المَلأِ الأَعْلَى فَإِنَّهَا كَانَتْ رُوحاً سُفْليَّةً.
(وَمِنْهَا) أَرْوَاحٌ فِي تَنُّورٍ وهم الزُّنَاةُ وَالزَّوانِي. وَأَرْوَاحٌ فِي نَهْرِ الدَّمِ تَسْبَحُ فِيهِ وَتُلْقَمُ الحِجَارَةَ
فَلَيْسَ للأَرْوَاحِ سَعِيدِهَا وَشَقِيِّهَا مُسْتَقَرٌّ وَاحِدٌ، بَلْ رُوحٌ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ، وَرُوحٌ أَرْضِيَّةٌ سُفْليَّةٌ لا تَصْعَدُ عَن الأَرْضِ.
"وَالحَيَاةُ الَّتِي امْتَازَ بِهَا الشَّهِيدُ هِيَ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ أَرْوَاحَهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُمْ -يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ- جَعَلَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أَنْهَارَ الجَنَّةِ، وَتَأْكُلُ مِن ثِمَارِهَا، وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ مُظَلَّلَةٍ فِي العَرْشِ". الحَدِيثَ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرَوَاهُ بِمَعْنَاهُ مُسْلمٌ مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَإِنَّهُمْ لمَّا بَذَلُوا أَنْفُسَهُمْ للَّهِ حَتَّى أَتْلَفَهَا أَعْدَاؤُهُ فِيهِ، أَعَاضَهُمْ مِنْهَا أبداناً خيراً مِنْهَا تَكُونُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَيَكُونُ نَعِيمُهَا بِوَاسِطَةِ تِلْكَ الأَبْدَانِ أَكْمَلَ مِن نَعِيمِ الأَرْوَاحِ المُجَرَّدَةِ عَنْهَا. وَلِهَذَا كَانَتْ نَسَمَةُ المُؤْمِنِ فِي صُورَةِ طَيْرٍ أَوْ كَطَيْرٍ، وَنَسَمَةُ الشَّهِيدِ فِي جَوْفِ طَيْرٍ".
وَتَأَمَّلْ لفْظَ الحَدِيثَيْنِ فَإِنَّهُ قَالَ: "نَسَمَةُ المُؤْمِنِ طَيْرٌ" فَهَذَا يَعُمُّ الشَّهِيدَ وَغَيْرَهُ. ثُمَّ خَصَّ الشَّهِيدَ بِأَنْ قَالَ: "هِيَ فِي جَوْفِ طَيْرٍ" وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ صَدَقَ عَلَيْهَا أَنَّهَا طَيْرٌ، فَنَصِيبُهُمْ مِن هَذَا النَّعِيمِ فِي البَرْزَخِ أَكْمَلُ مِن نَصِيبِ غَيْرِهِمْ مِن الأَمْوَاتِ عَلَى فُرُشِهِمْ، وَإِنْ كَانَ المَيِّتُ عَلَى فِرَاشِهِ أَعْلَى دَرَجَةً مِن كَثِيرٍ مِنْهُمْ فَلَهُ نَعِيمٌ يَخْتَصُّ بِهِ لا يُشَارِكُهُ فِيهِ مَن هُوَ دُونَهُ.
"وَأَجْمَعَتِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أَنَّ الرُّوحَ مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ مَصْنُوعَةٌ مَرْبُوبَةٌ مُدَبَّرَةٌ، وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالاضْطِرَارِ مِن دِينِهِمْ، كَمَا يُعْلَمُ بِالاضْطِرَارِ مِن دِينِهِمْ أَنَّ العَالَمَ حَادِثٌ، وَأَنَّ مَعَادَ الأَبْدَانِ وَاقِعٌ، وَأَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ الخَالِقُ، وَكُلَّ مَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ لهُ. وَقَدْ انْطَوَى عَصْرُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ وَهُمُ القُرُونُ المُفَضَّلَةُ عَلَى ذَلكَ مِن غَيْرِ اخْتِلافٍ بَيْنَهُمْ فِي حُدُوثِهَا، وَأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ حَتَّى نَبَغَتْ نَابِغَةٌ مِمَّنْ قَصَرَ فَهْمُهُ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ حَتَّى زَعَمَ أَنَّهَا قَدِيمَةٌ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، قَالَ شَيْخُ الإِسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: رُوحُ الآدَمِيِّ مَخْلُوقَةٌ مُبْدَعَةٌ بِاتِّفَاقِ سَلَفِ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَسَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَقَدْ حَكَى إِجْمَاعَ العُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ غَيْرُ وَاحِدٍ مِن أَئِمَّةِ المُسْلمِينَ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الرُّوحَ جِسْمٌ مُخَالِفٌ بِالمَاهِيَّةِ لِهَذَا الجِسْمِ المَحْسُوسِ، وَهُوَ جِسْمٌ نُورَانِيٌّ عُلْوِيٌّ خَفِيفٌ مُتَحَرِّكٌ يَنْفُذُ فِي جَوْهَرِ الأَعْضَاءِ وَيَسْرِي فِيهَا سَرَيَانَ المَاءِ فِي الوَرْدِ، وَالدُّهْنِ فِي الزَّيْتُونِ، وَالنَّارِ فِي الفَحْمِ. فَمَا دَامَتْ هَذِهِ الأَعْضَاءُ صَالحَةً لقَبُولِ الآثَارِ الفَائِضَةِ عَلَيْهَا مِن هَذَا الجِسْمِ اللَّطِيفِ بَقِيَ ذَلكَ الجِسْمُ اللَّطِيفُ مُشَابِكاً لهَذِهِ الأَعْضَاءِ، وَأَفَادَهَا هَذِهِ الآثَارُ مِن الحِسِّ وَالحَرَكَةِ الإِرَادِيَّةِ، فَإِذَا فَسَدَتْ هَذِهِ الأَعْضَاءُ بِسَبَبِ اسْتِيلاَءِ الأَخْلاَطِ الغَليظَةِ عَلَيْهَا وَخَرَجَتْ عَن قَبُولِ تِلْكَ الآثَارِ فَارَقَ الرُّوحُ البَدَنَ وَانْفَصَلَ إِلَى عَالَمِ الأَرْوَاحِ.
وَهَذَا القَـوْلُ هُوَ الصَّـوَابُ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ، وَهُوَ الذي يَدُلُّ عَلَيْهِ الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَأَدِلَّةُ العَقْلِ وَالفِطْرَةِ.
وَهَلْ تُمُوتُ الرُّوحُ؟ الصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: مَوْتُ النُّفُوسِ هُوَ مُفَارَقَتُهَا لأَجْسَادِهَا وَخُرُوجُهَا مِنْهَا، فَإِنْ أُرِيدَ بِمَوْتِهَا هَذَا القَدْرُ فَهِيَ ذَائِقَةُ المَوْتِ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهَا تَعْدَمُ وَتَفْنَى بِالكُلِّيَّةِ فَهِيَ لا تَمُوتُ بِهَذَا الاعْتِبَارِ، بَلْ هِيَ بَاقِيَةٌ بَعْدَ قَبْضِهَا فِي نَعِيمٍ أَوْ عَذَابٍ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَه أنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ لا يَمُوتُونَ وَلا يَذُوقُونَ فِيهَا المَوْتَ إِلا المَوْتَةَ الأُولَى، وَتِلْكَ المَوْتَةُ هِيَ مُفَارَقَةُ الأَرْوَاحِ للْجَسَدِ، وَصَعْقُ الأَرْوَاحِ عِنْدَ النَّفْخِ فِي الصُّوْرِ لا يَلْزَمُ مِنْهُ مَوْتُهَا، فَإِنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ إِذَا جَاءَ اللَّهُ لِفَصْلِ القَضَاءِ، وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا، وَلَيْسَ ذَلكَ بِمَوْتٍ، وَكَذَلكَ صَعْقُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ لمْ يَكُنْ مَوْتاً وَالذي يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ نَفْخَةَ الصَّعْقِ- وَاللَّهُ أَعْلَمُ- مَوْتُ كُلِّ مَنْ لمْ يَذُقِ المَوْتَ قَبْلَهَا مِن الخَلائِقِ، وَأَمَّا مَن ذَاقَ المَوْتَ أَوْ لمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ المَوْتُ مِن الحُورِ وَالوِلْدَانِ وَغَيْرِهِمْ فَلا تَدُلُّ الآيَةُ عَلَى أَنَّهُ يَمُوتُ مَوْتَةً ثَانِيَةً. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.


  #8  
قديم 22 ذو الحجة 1429هـ/20-12-2008م, 07:30 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي التنبيهات السنية للشيخ: عبد العزيز بن ناصر الرشيد

(فصلٌ:
ومِن الإِيمانِ باليومِ الآخِرِ الإِيمانُ بكُلِّ مَا أَخْبَرَ بِه النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا يَكُونُ بعدَ المَوْتِ، فيؤِمنُونَ بفِتْنَةِ القَبْرِ، وبِعذابِ القَبْرِ ونَعيِمهِ. (155)
فأَمَّا الفِتْنَةُ؛ فإِنَّ النَّاسَ [ يُمْتَحَنونَ ] في قُبُورِهِمْ، فَيُقالُ للرَّجُل: مَنْ رَبُّكَ؟ ومَا دِينُكَ؟ و [ من ] نبيُّكَ؟ (156)
فيُثَبِّتُ اللهُ الَّذينَ آمَنُوا بالقَوْلِ الثَّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، فيقولُ المؤمِنُ: [ رَبِّيَ اللهُ ]، والإِسلامُ دِيني، ومحمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيِّي.

(157)
وأَمَّا المُرْتَابُ؛ فَيقولُ: هاه هاه، لا أَدْري، سمعتُ النَّاسَ يَقولُونَ شَيْئاً فقُلْتُهُ؛ فَيُضْرَبُ بمِرْزَبَةٍ مِنْ حَديدٍ، فيَصيحُ صيحَةً يَسْمَعُها كُلُّ شيءٍ؛ إِلا الإِنسانَ، ولَوْ سَمِعَها الإِنْسانُ؛ لَصَعِقَ ثمَّ بعدَ هذه الفِتنةِ إِمَّا نعيمٌ وإِمَّا عذابٌ، إِلى أَنْ تَقومَ القِيامَةُ الكُبْرى). (158)



(155) فَصلٌ: قولُه: (الإيمانُ باليومِ الآخِرِ) الذي هُوَ أحدُ أُصولِ الإيمانِ السِّتَّةِ المذكورةِ في حديثِ عُمرَ وغيرِه، والمرادُ بالإيمانِ بِهِ التَّصدِيقُ بما يَقعُ مِن الحسابِ، والميزانِ، والجَنَّةِ، والنَّارِ، وغيرِ ذَلِكَ، وسُمِّيَ باليومِ الآخِرِ لتأخُّرِه عن الدُّنْيَا.
قولُه: (الإيمانُ بكُلِّ ما أخبَرَ بِهِ النَّبيُّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- مما يكونُ بعدَ الموتِ) أيْ: مِن فِتنةِ القبرِ وعذابِه ونَعيمِه، وكونِه حُفرةً مِن حُفَرِ النَّارِ، أو رَوْضةً مِن رياضِ الجَنَّةِ، وتوسِيعِه على بعضٍ وتَضييقِه على بعضٍ، وضَغْطِه، ونحوِ ذَلِكَ، وإعادةِ الرُّوحِ إلى الميِّتِ، فيؤمنون بما يَقعُ في البَرْزَخِ ممَّا وَرَدَتْ بِهِ الأدلَّةُ، والبَرزخُ لُغةً: الحاجِزُ بين الشَّيْئَيْنِ، كما قال -سُبْحَانَهُ وتعالى-: (بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ) أي حاجزٌ، وفي الشَّرعِ: البَرزخُ مِن وقتِ الموتِ إلى القيامةِ مَن ماتَ دَخَلَه، وسُمِّيَ بَرزخًا لكونِه يَحجِزُ بين الدُّنْيَا والآخرةِ.
قولُه: (فِتنةِ القبرِ) الفتنةُ لغةً: الامتحانُ والاختبارُ، والفَتَّانانِ منكرٌ ونكيرٌ، ويُريدُ بفتنةِ القبرِ مسألةَ مُنكرٍ ونكيرٍ، ويجبُ الإيمانُ بِذَلِكَ لثُبوتِه عن النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- في عِدَّةِ أخبارٍ يَبلُغُ مجموعُها حَدَّ التَّواتُرِ.
قولُه: (وبعذابِ القبرِ ونَعِيمِه) تَواتَرَت الأخبارُ عن رسولِ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- في ثُبوتِ عذابِ القبرِ، ولمَن كان أهلاً لذَلِكَ، فيَجبُ اعتقادُ ذَلِكَ والإيمانُ به، ولا يُتكَلَّمُ في كَيفيَّتِه، إذْ ليس للعقلِ وقوفٌ على كيفيَّتِه؛ لكونِه لا عَهْدَ له بِهِ في هَذِهِ الدَّارِ، وعلى هَذَا دَرَجَ السَّلَفُ الصَّالِحُ، وأَنْكَرَ الخوارجُ والمعتزِلةُ وبعضُ المُرْجِئةِ.
قال ابنُ رجبٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: تَواتَرَت الأحاديثُ عن النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- في عذابِ القبرِ، ففي الصَّحيحَيْنِ عن عائشةَ -رضي اللَّهُ عنها- أنها قالت: سألتُ النَّبيَّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- عن عذابِ القبرِ قال: ((نَعَمْ عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ)) وفي صحيحِ مسلمٍ عن ابنِ عباسٍ عن النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- أنَّه كان يُعلِّمُهم هَذَا الدُّعاءَ كما يُعلِّمُهم السُّوَرَ مِن القرآنِ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ)) وفي الصَّحيحَيْنِ مِن حديثِ ابن عباسٍ -رضي اللَّهُ عنهما- قال: مَرَّ النَّبيُّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- بقبرَيْنِ فقال: ((إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ))، ثم قال: ((بَلَى إِنَّهُ كَبِيرٌ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لاَ يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ)).
وقال المرُّوذِيُّ: قال أبو عبدِ اللَّهِ أحمدُ بنُ حنبلٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: عذابُ القبرِ حَقُّ لا يُنكِرُه إلا ضالٌّ مُضِلٌّ. ا.هـ. وعذابُ القبرِ على الرُّوحِ والبَدَنِ.
قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين -رَحِمَهُ اللَّهُ-: العذابُ والنَّعيمُ على النَّفْسِ والبَدنِ جميعًا باتِّفاقِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ.

(156) قولُه: (فإنَّ النَّاسَ يُفتَنُون في قُبورِهم) أي: بأنْ تُعادَ إليهم أرواحُهم، كما في حديثِ البراءِ وغيرِه، فتُعادُ إليه رُوحُه إعادةً غيرَ الإعادةِ المألوفةِ في الدُّنْيَا، لِيُسألَ ويُمتَحنَ في قبرِه. انتهى. وهَذَا الرَّدُّ إعادةٌ خاصَّةٌ تُوجِبُ حياةَ البَدنِ قبلَ يومِ القيامةِ، فإنَّ الرُّوحَ لها بالبَدَنِ خمسةُ أنواعٍ مِن التَّعلُّقِ متغايرةُ الأحكامِ: أحدُها: تَعلُّقُها بِهِ في بَطنِ الأُمِّ جَنِينًا. الثَّاني: تعلقها بِهِ بعدَ خُروجِه إلى الأرضِ. الثَّالثُ: تَعلُّقُها بِهِ حالَ النَّومِ، فلها تَعلُّقٌ بِهِ مِن وجهٍ ومُفارَقةٌ مِن وجهٍ. الرَّابعُ: تعلُّقُها بِهِ في البَرزخِ، فإنَّها وإنْ فارَقتْه وتجرَّدَتْ عنه فإنَّها لم تُفارِقْه فِراقًا كُلِّيا. الخامِسُ: تعلُّقُها بِهِ يومَ بَعثِ الأجسادِ، وهَذَا أَكْملُ أنواعِ تعلُّقِها بالبَدنِ، ا. هـ. مِن كتابِ الرُّوحِ.
قولُه: (فيُقالُ للرَّجُلِ) أيْ: للإنسانِ مِن رُجُلٍ وامرأةٍ وغيرِهما ممَّن ورَدَت الأدِلَّةُ أنَّه يُمتَحنُ في قبرِه، أي يقولُه له المَلَكانِ، واسمُهما (المُنكَرُ والنَّكيرُ) نَصَّ على ذَلِكَ أحمدُ، وفي حديثِ أبي هريرةَ: ((يَأْتِيهِ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ يُقَالُ لأَحَدِهِمَا الْمُنْكَرُ وَلِلآخَرِ النَّكِيرُ)) رواه ابنُ حِبَّانَ والتَّرمذِيُّ، وفي روايةِ ابنِ حِبَّانَ: ((يُقالُ لَهُمَا مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ)) وقولُه: (منكرٌ) مُفْعلٌ، و(نَكيرٌ) فَعِيلٌ بمعنى مفعولٍ مِن أَنْكَرَ، وكِلاهما ضِدُّ المعروفِ، وسُمِّيا به؛ لأنَّ الميِّتَ لم يَعرِفْهُما ولم يَرَ صورةً مِثلَ صورَتِهما، وظاهرُ هَذَا ومقتضَى الأحاديثِ استواءُ النَّاسِ في اسمِهما، وذَكَر بعضُ العلماءِ أنَّ اللذَيْنِ يسألانِ المؤمِنَ اسمُهما البَشيرُ والمُبَشِّرُ، والأوَّلُ هُوَ الصَّحيحُ.
قولُه: (فيُقالُ للرَّجُلِ مَن رَبُّكَ) إلخ. كما أَخرجَ الشَّيخانِ مِن حديثِ البراءِ بنِ عازبٍ -رضي اللَّهُ عنه- عن النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- في قولِه: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) الآيةَ، نَزَلَتْ في عذابِ القبرِ، زادَ مسلمٌ: ((فَيُقَالُ لَهُ مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ، فذَلِكَ: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ) الآيةَ)).
وفي الصَّحيحَيْنِ مِن حديثِ أنسِ بنِ مالكٍ -رضي اللَّهُ عنه- أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: ((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولاَنِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ لمُحَمَّدٍ –صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ مَقْعَدَكَ مِنَ النَّارِ وَقَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَداً مِنَ الجَنَّةِ))، قَالَ: ((فَيَرَاهُمَا جَميعاً)) يعني الْمَقْعَدَيْنِ.
قال قتادةُ: ذُكِرَ لنا أنَّه يُفسَحُ له في قبرِه،((وأمَّا المنافِقُ والكافرُ فَيُقالُ له: ما تقولُ في هَذَا الرَّجُلِ؟ فيقولُ: لا أدري، كنتُ أقولُ ما يقولُ النَّاسُ، فيقال: لا دَرَيْتَ، ولا تَلَيْتَ، ويُضْرَبُ بِمِطْرَاقٍ مِن حديدٍ ضَربةً فيَصِيحُ صيحةً يَسمَعُه مَن يَلِيه غيرُ الثَّقلَيْنِ)).
قولُه: (فإنَّ النَّاسَ يُفتنون) إلخ، ظاهرُه أنَّ السُّؤالَ في القبرِ عامٌّ للمؤمِنِ والفاسِقِ والكافرِ، كما اختاره الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ وابنُ القيِّمِ وجمهورُ العلماءِ، خِلافاً لابنِ عبدِ البَرِّ، حَيْثُ قال: لا يُسألُ إلا مؤمِنٌ أو مُنافِقٌ كان مَنسوباً لِدِينِ الإسلامِ بظاهرِ الشَّهادةِ، بخلافِ الكافرِ، والكِتابُ والسُّنَّةُ تدلُّ على خلافِ هَذَا القولِ، قال اللَّهُ تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ) وفي البخاريِّ: ((وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ فَيَقُولُ: لاَ أَدْرِي)) بالواو، ورَجَّحَه أيضًا ابنُ حجَرٍ، ويفيدُ أيضًا أنَّ السُّؤالَ عامٌّ للأُمَمِ كُلِّها، ليس خاصًّا بهذهِ الأمَّةِ، كما اختاره ابنُ القيِّمِ وعبدُ الحقِّ الإشبيليُّ وغيرُهم، وجَزَم بِهِ القرطبيُّ، وقال الحكيمُ التِّرمذيُّ: إنَّه خاصٌّ بهذه الأمَّةِ، وتَوقَّفَ ابنُ عبدِ البَرِّ، ويُستثنَى ممَّا تقدَّمَ المرابِطُ في سبيلِ اللَّهِ، فقد صَحَّ أنَّه لا يُفْتَنُ في قبرِه، كما في صحيحِ مسلمٍ وغيرِه، وكشهيدِ المعركةِ، والصَّابرِ في الطَّاعونِ، وغيرِ هؤلاء ممَّا جاءَ في الأحاديثِ.
قولُه: (في قبورِهم) وكذا مَن لم يُدْفَنْ مِن مصلوبٍ ونحوِه ينالُه نصيبُه مِن فتنةِ السُّؤالِ وضغطةِ القبرِ. قال ابنُ القيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- في كتابِ (الرُّوحِ) وممَّا ينبغي أنْ يُعلَمَ أنَّ عذابَ القبرِ هُوَ عذابُ البَرزخِ، فكُلُّ مَن ماتَ، وهُوَ مستحِقٌّ للعذابِ نالَه نصيبُه مِن ذَلِكَ قُبِرَ أو لم يُقْبَرْ، فلو أَكَلتْهُ السِّباعُ أو أُحرِقَ حتى صار رماداً أو نُسِفَ في الهواءِ أو غَرِقَ في البَحرِ، وصَلَ إلى رُوحِه وبَدنِه مِن العذابِ ما يَصِلُ إلى المقبورِ. ا.هـ.
وقولُه: (فيُقالُ للرَّجُلِ) ظاهرُه اختصاصُ السُّؤالِ بالمكلَّفِ، أمَّا الصَّغيرُ فجَزَم غيرُ واحدٍ مِن الشَّافعيَّةِ أنَّه لا يُسألُ، وجَزَم القرطبيُّ في التَّذكِرةِ بأنَّه يُسألُ، وهُوَ منقولٌ عن الحَنفِيَّةِ.
وأفادَ قولُه: (فيُقالُ للرَّجُلِ) إلى آخرِه أنَّ السُّؤالَ والجوابَ يكونُ باللُّغةِ العربيَّةِ، خِلافا لما ذُكِرَ عن البَلقينيِّ أنَّه يُجِيبُ باللُّغةِ السُّريانِيَّةِ؛ إذْ لا دليلَ عليه، وأفادَ أيضًا أنَّ السُّؤالَ في القَبرِ للرُّوحِ والبَدنِ، وَكَذَلِكَ عذابُ القبرِ ونَعيمُه، والأدلَّةُ صريحةٌ بِذَلِكَ، وعليه أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ، وأفاد قولُه: (فيَقولانِ له) أنَّ الملائكةَ الذين يسألُونَ في القَبرِ اثنانِ، وزَعَم بعضُهم أنَّهم أربعةٌ، والصَّحيحُ الأوَّلُ للأدلَّةِ الصَّحيحةِ في ذَلِكَ، وأفاد أيضًا أنَّ السُّؤالَ مَرَّةٌ واحدةٌ.
وقال القسطلانيُّ: وذَكَر ابنُ رجبٍ عن بعضِهم أنَّ المؤمِنَ يُفتَنُ سَبعًا والكافِرُ أربعين صباحًا، ومِن ذَلِكَ كانوا يَستحِبُّون أنْ يُطعَمَ عن المؤمنِ سبعةَ أيامٍ مِن يومِ دَفْنِه. قال: وهَذَا مما انفرَدَ بِهِ، ولا أَعْلَمُ أنَّ أحدًا قالَه غيرَه. انتهى.
وأفاد أيضًا أنَّ عذابَ القبرِ واقعٌ على الكفارِ، ومنْ شاءَ اللَّهُ مِن الموحِّدِينَ، وأفاد ذَمَّ التَّقليدِ في الاعتقاداتِ لمُعاقَبةِ مَن قال سمعتُ النَّاسَ يقولون شيئا فقُلْتُه، وأفاد أيضًا أنَّ الميِّتَ يُحْيَا في قبرِه للمسألةِ، خلافا لابنِ حَزْمٍ، وقد سَبَقَت الإشارةُ إلى ذَلِكَ.

(157) قولُه: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ) نَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ في سؤالِ المكلَّفِينَ في القبرِ، كما قالَه الجمهورُ، قال الطبريُّ: يُثَبِّتُهم في الدُّنْيَا على الإيمانِ حتى يَمُوتوا، وفي الآخرةِ عند المسألةِ. انتهى.
وقولُه: (بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ) أي: الذي ثَبَتَ عندَهم بالحُجَّةِ، وَهِيَ كلمةُ التَّوحيدِ، وثُبوتُها تَمكُّنُها في القلبِ، واعتقادُ حقيقَتِها، واطمئنانُ القلبِ بها، وتَثْبيتُهم في الدُّنْيَا أنَّهم إذا فُتِنوا لم يُزالوا عنها، وإنْ أُلْقوا في النَّارِ ولم يَرتابوا، وتَثْبيتُهم في الآخرةِ أنَّهم إذا سُئِلوا في القبرِ لم يَتَوقَّفوا في الجوابِ، وَكَذَلِكَ إذا سُئِلوا في الحشْرِ، وعِندَ مَوقِفِ الأشهادِ عن مُعتقَدِهم ودِينِهم لم تُدْهِشْهُم أحوالُ يومِ القيامةِ، وبالجُملةِ فالمرءُ على قَدْرِ ثَباتِه في الدُّنْيَا يكونُ ثباتُه في القبرِ وما بعدَه.

(158) قولُه: (وأمَّا المُرتابُ) أي: الشَّاكُّ (فيقولُ: هاه هاه) هي كلمةُ توجُّعٍ، والهاءُ الأُولى مُبْدَلةٌ مِن همزةِ آه، وهُوَ الأليقُ بمعنى هَذَا الحديثِ، ا.هـ.
قولُه: (فيُضرَبُ بِمَرْزَبَةٍ مِن حديدٍ) قال في النِّهايةِ: المَرْزَبَةُ بالتَّخفيفِ: المَطْرَقةُ الكبيرةُ التي للحدَّادِ.
قولُه: (يَسْمَعُها كُلُّ شيءٍ إلاَّ الإنسانَ) وفي حديثٍ آخرَ: ((فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرُ الثَّقَلَيْنِ)) أي الجِنِّ والإنْسِ، قيلَ لهم ذَلِكَ؛ لأنَّهم كالثِّقَلِ على وجْهِ الأرضِ. انتهى. فتحُ الباري.
قولُه: (لَصَعِقَ) أي: خرَّ مَيِّتا، وصَعِقَ أيضًا إذا غُشِيَ عليه.
قولُه: (ثم بعد هَذِهِ الفتنةِ إمَّا نعيمٌ وإمَّا عذابٌ) المرادُ أنَّه لا بدَّ مِن أحدِ الأمرَيْنِ، ولا يُفْهَمُ منه دَوامُ العذابِ، فإنَّ النَّاسَ بالنِّسبةِ لدوامِ عذابِ القبرِ وعَدمِه يَنقسِمونَ إلى قِسمَيْنِ: قِسمٌ عذابُه دائمٌ لا يَنقطِعُ، كما قال -سُبْحَانَهُ-: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًَّا وَعَشِياًّ..) الآيةَ، وكما في حديثِ البراءِ بنِ عازبٍ في قصَّةِ الكافرِ: ((ثم يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى النَّارِ فَيَنْظُرُ إِلَى مَقْعَدِه فِيهَا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ)). رواه أحمدُ في بعضِ طُرُقِه.
النَّوعُ الثَّاني: إلى مِدَّةٍ ينقطِعُ، وهُوَ عذابُ بعضِ العُصاةِ الذين خَفَّتْ جَرائِمُهم، فيُعذَّبُ بحسَبِ جُرْمِه، ثم يُخفَّفُ عنه، وقد يَنقطِعُ عنه العذابُ بدُعاءٍ أو صدقةٍ أو استغفارٍ أو ثوابٍ حَجٍّ أو غيرِ ذَلِكَ مِن الأسبابِ.
قولُه: (إلى أنْ تقومَ القيامةُ الكُبرى) بعد ما يُنفَخُ في الصُّورِ نَفخةُ البَعثِ، فإنَّ يومَ القيامةِ يقع على ما بعدَ نفخةِ البَعثِ مِن أهوالٍ وزلزلةٍ وغيرِ ذَلِكَ إلى آخرِ الاستقرارِ في الجَنَّةِ أو النَّارِ.
قولُه: (الكُبرى) إشارةٌ إلى أنَّ فيه قيامةً صُغرى، وهُوَ الموتُ كما قيل:
خَرَجْتُ مِن الدُّنْيَا وقامتْ قِيامَتي غَداةَ أَقَلَّ الحامِلون جِنازَتي
قال القرطبيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: القيامةُ قيامتانِ: صُغرى وكُبرى، فالصُّغرى: ما تقومُ على كُلِّ إنسانٍ في خاصَّتِه مِن خُروجِ رُوحِه وانقطاعِ سَعْيِه وحُصولِه على عِلمِه، وأمَّا الكُبرى: فهي التي تَعُمُّ النَّاسَ وتأخُذُهم أخْذةً واحدةً، قيل: سُمِّيَ ذَلِكَ اليومُ يومَ القيامةِ؛ لكونِ النَّاسِ يَقُومون مِن قُبورِهم، قال تعالى: (يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مَّنتَشِرٌ) وقال: (يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا) وروى مسلمٌ في "صحيحِه" مرفوعا: (يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)، قال: ((يقومُ أحدُهم في رَشْحِه إلى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ))، قال ابنُ عمرَ: يقومونَ مائةَ سَنةٍ.


  #9  
قديم 6 رجب 1447هـ/25-12-2025م, 12:20 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 14,419
افتراضي شرح العقيدة الوسطية للشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ (مفرغ)

وجوب الإيمان باليوم الآخر وما فيه
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فهذا الفصل فيه ذكرٌ لركن من أركان الإيمان ألا وهو الإيمان باليوم الآخر.
والإيمان باليوم الآخر واجب وفرض ومن لم يؤمن به فلا يصح إسلامه.
والقدر الذي يصح به الإسلام منه أن يؤمن بأن هناك بعثا بعد الموت وحسابا وجنة ونار، هذا القدر لا يسوغ أو لا يسع أحدا أن يجهله، فإذا آمن بالبعث بعد الموت يعني بيوم القيامة وآمن بالجنة والنار صح إيمانه بهذا الركن.
هذا من حيث القدر الواجب الذي يصحح الإسلام، ثم هناك تفاصيل في هذه الجملة من الإيمان باليوم الآخر وهذه التفاصيل يلزم ويجب اعتقادها لمن علمها بدليلها فمن علم شيئا من ذلك بدليله وجب عليه أن يعتقده وأن يصدق خبر الله وخبر رسوله صلّى الله عليه وسلّم في ذلك.
واليوم الآخر اسمٌ ليوم القيامة سمي يوما آخرا لأنه يوم طويل.

و(آخر) لأنه آخر الأيام وبعده حياة جديدة جنة ونار دائمة لا انقطاع لها.
ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله ها هنا (فصلٌ: ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكلّ ما أخبر به النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ممّا يكون بعد الموت) ما بعد الموت من الموت فما بعده، دار البرزخ ثم الدار الأخرى هذه كلها داخلة في هذا الاسم - يعني داخلة في الحكم في حكم الاسم - وذلك لأن الإيمان باليوم الآخر هو الإيمان بالقيامة والإيمان بالقيامة يشمل نوعي القيامة:
* القيامة الصغرى.
* والقيامة الكبرى.
فالقيامة الصغرى هي الإيمان بما بعد الموت لأن من مات فقد قامت قيامته والإيمان بالقيامة الكبرى فإذن اسم اليوم الآخر يطلق على ما ذكرنا من يوم القيامة الكبرى وكذلك يدخل فيه ما بعد الموت إلى أن يبعث الله جل وعلا الأجساد.
قال رحمه الله هنا (ومن الإيمان باليوم الآخر)
يعني الإيمان الواجب (الإيمان بكلّ ما أخبر به النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ممّا يكون بعد الموت).
الموت مخلوق خلقه الله جل وعلا كما قال: {الّذي خلق الموت والحياة} فليس الموت عدما للحياة وإنما الموت مخلوق كما أن هذه الحياة الدنيا مخلوقة.
حقيقة الموت انفصال التعلق الظاهر بين الروح والبدن هذا هو الموت.
وذلك أن الروح مع البدن لها أنواع من التعلقات أربعة:
* الأول ما يكون في رحم الأم حين يبعث الملك فيؤمر بأن ينفخ في الجنين الروح، وهذا فيه حياة للبدن والروح لكن التعلق هنا تعلق خاص ليس كما إذا خرج الجنين من بطن أمه.

* النوع الثاني من التعلق تعلق الروح بالبدن على هذه الحياة الدنيا، فإن الحياة للأبدان والروح تبع للبدن، يعني أنه يقع النعيم أو التنعم في الدنيا ويقع التألم ونحو ذلك على الأجساد والروح تبع له فإنها تألم بألمه وتسعد بسعادته، وقد يكون أيضا هناك استقلال للروح في تنعمها وحزنها ونحو ذلك.
* الثالث ما بعد الموت، حياة البرزخ الحياة هناك للروح والبدن تبع عكس الحياة الدنيا، الحياة الدنيا الأبدان تتحرك والأرواح غامضة وما بعد الموت في البرزخ الحياة للأرواح والعذاب والنعيم على الأرواح والأبدان تبع لها يكون لها نصيب من العذاب ومن النعيم لتبعيتها للروح.
* الرابع والأخير هو تعلق الروح بالبدن يوم القيامة العظمى وما بعده وهذا أكمل تعلق فإن الروح مخلوق منفصل والبدن مخلوق منفصل ويكون التنعم يوم القيامة والعذاب واقعين على الروح والبدن جميعا في أكمل تعلق لهما، وهذا أسراره يعلمه الله جل وعلا.
هناك نوع من التعلق ذكره طائفة من أهل العلم زيادة على ما ذكرنا وهو (حال المنام) وهو أن النائم للروح تعلق بالبدن لكن ليس كالحياة الدنيا فيه نوع اختلاف وذلك أن الروح منها ما - يعني بعض الروح بعض روح المعين المكلف - ما يمسكها الله جل وعلا حال المنام ومنها ما تسرح وتذهب وتجيء ويكون منها الأحلام، ومنها ما يكون ملازما للبدن وبه تكون حياته البدنية، ولهذا قال طائفة: إن الأنفس التي تتكون منها الروح ثلاثة:
* نفس تكون بها الحياة تتضح هذه الأنفس في المنام تكون بها الحياة حياة البدن.
* ونفس يمسكها الله جل وعلا.
* ونفس تذهب وتجيء ويكون منها لقاء الأرواح ولقاء الأنفس وتكون منها الرؤى إذا لقيت الأرواح الطيبة، وتكون منها الأحلام إذا لقيت الشياطين أو الأرواح الخبيثة أو نحو ذلك.

وهذا كما قال الله جل وعلا: {اللّه يتوفّى الأنفس حين موتها} فجمع قال الأنفس ثم قال: {موتها والّتي لم تمت في منامها فيمسك الّتي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجلٍ مسمًّى} الآية، المقصود من ذلك أن الموت مخلوق تكون بعده حياة أخرى جديدة فكما أن لحظة نفخ الروح في الجنين تكون بها حياة لهذا الجنين فإن نزع الروح من البدن تكون بها حياة جديدة للروح، وهذا تفصيل مهم في فهم ما يتعلق بالعذاب والنعيم إلى آخر ذلك.
قال هنا رحمه الله (الإيمان بكلّ ما أخبر به النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ممّا يكون بعد الموت)
يعني بعد انفصال الروح من البدن، وانفصال الروح من البدن يعني بالموت يكون على أنحاء:
* ومنها أن يكون القبض للروح من البدن والبدن سليم لا علة فيه.
* وآخر يكون البدن غير قابل صار فاسدا لا يقبل أوامر الروح ولا يقبل أن تسكنه الروح، فإذا كان البدن فسد ولا يصلح أن تسكنه الروح فإن الروح تخرج يقبضها ملك الموت لأجل عدم مناسبة البدن لسكنى الروح لأن البدن مسكن الروح.
قال طائفة أيضا من أهل العلم إن القلب هو محل الروح ولهذا قال عليه الصلاة والسلام (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) ومعلوم أنه لا يقصد القلب من حيث كونه لحما ودما من حيث كونه مضغة بل إنما يقصد القلب من حيث كونه محلا للتكليف محلا للعبادات محلا للمشاعر ولهذا قال طائفة إنه مسكن الروح ومكانها.
المقصود من ذلك أن الإيمان بما بعد الموت هذا فرض واجب لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أخبر بذلك.
فأخبر شيخ الإسلام عن أهل السنة بأنهم (يؤمنون بفتنة القبر، وبعذاب القبر ونعيمه)
بفتنة القبر وبعد الفتنة يكون عذاب ويكون نعيم، ثم فصل ذلك، فصل هذه الثلاثة فقال:

(فأمّا الفتنة؛ فإنّ النّاس يمتحنون في قبورهم)
سمى بعض ما يحصل في القبر فتنة لأن الفتنة هي الابتلاء والإختبار، فتن الشيء يعني اختبره وامتحنه
والمقصود من هذه الفتنة مجيء ملكين خاصين يقال لأحدهما المنكر وللآخر النكير أو منكر ونكير ويسألان الناس عن ربهم وعن نبيهم وعن دينهم، يسألان الناس هذه الثلاث مسائل العظيمة والأصول الثلاثة العظيمة، هذه هي فتنة القبر.
يعني إذن فتنة القبر هي سؤال الملكين للناس في قبورهم عن هذه المسائل الثلاث العظيمة.
قال رحمه الله (فأمّا الفتنة؛ فإنّ النّاس يفتنون في قبورهم) أولا إذا قيل فتنة القبر فإن المقصود به فتنة البرزخ وذلك لأن الفتنة واقعة لما بعد الموت وما بعد الموت هو الحياة البرزخية وإنما سمي ذلك بفتنة القبر لأن غالب الناس يقبرون ولكن لا يخص ذلك من قبر دون من أحرق مثلا وذرّ أو من فتّتت عظامه أو نحو ذلك الكل يقع عليهم الافتتان ويأتيهم الملكان والله جل وعلا قادر على كل شيء.
قال العلماء سمي ذلك فتنة القبر لأن معظم الناس يقبرون وأما غير المقبور فإنها حالات خاصة فأطلق هذا الاسم باعتبار الغالب.
قوله هنا رحمه الله (فإنّ النّاس يفتنون في قبورهم) قوله: (النّاس) هذا يشمل الصغير والكبير والذكر والأنثى من المسلمين والمنافقين والكافرين، هذا لفظ الناس.
الناس لفظ عام يدخل فيه جميع الإنس وإذا كان كذلك هل هذا المفهوم مراد؟
هل هذا اللفظ مراد بأن هؤلاء جميعا يفتنون؟
الجواب: نعم، فإن فتنة القبر تقع على جميع الخلق من الناس، يمتحن المسلم ويمتحن المنافق ويمتحن الكافر ويمتحن الرجل وتمتحن المرأة ويمتحن الصغير ويمتحن الكبير، فهذه كلها جاءت بها الأدلة وفيها خلاف:
* قال طائفة من أهل العلم إن الفتنة فتنة القبر تقع على المسلم والمنافق دون الكافر أما الكافر فإنه لا يفتن.

* وقال طائفة إنها تقع على المسلم والكافر بعد بعثة النبي صلّى الله عليه وسلّم خاصة وأما من قبل بعثة النبي صلّى الله عليه وسلّم فإنه لا فتنة عليهم في قبورهم.
والجواب أن هذا ليس بصحيح بل الصواب تعميم ذلك، وما استدل به من حصر الفتنة مثلا في هذه الأمة قالوا إن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: (إنه أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم) قال(أوحي إلي أنكم) قالوا الخطاب لهذه الأمة ومعنى ذلك أن الفتنة خاصة بها، والجواب أن هذا من باب الخطاب وليس من باب الحصر فهم يفتنون في قبورهم لبعث النبي صلّى الله عليه وسلّم عليهم وغير هم أيضا يفتن فهذا اللفظ لا يدل على التخصيص والأصل أن الفتنة عامة وذلك لقوله جل وعلا: {يثبّت اللّه الّذين آمنوا بالقول الثّابت في الحياة الدّنيا وفي الآخرة ويضلّ اللّه الظّالمين ويفعل اللّه ما يشاء} قال أهل التفسير: نزلت في فتنة القبر وهذا اللفظ في آية إبراهيم هذه ليس خاصا بهذه الأمة.
فإذن هذا الأول أن الصحيح أن فتنة القبر غير خاصة بأمة محمد صلّى الله عليه وسلّم بل بالجميع.
الثاني: هل هي خاصة بالمسلمين والمنافقين دون الكفار؟
الجواب: لا أيضا، بل الكافر يفتن كما دل عليه حديث البراء، فقول القائل (سمعت الناس يقولون شيئا فقلته) لا يدل على أنه للمنافق والمسلم فقط بل في حديث البراء أنه يقول (فأما الكافر أو المنافق) وهذا يدل على دخول الجميع في ذلك، ويدل عليه أيضا قول الله تعال {ويضلّ اللّه الظّالمين ويفعل اللّه ما يشاء}.

أما الصغير فإن طائفة كثيرة من أهل العلم قالوا إنه لا يفتن، وقد ثبت أن النبي صلّى الله عليه وسلّم دعا لصغير بأنه يعيذه الله من عذاب القبر، كذلك أبو هريرة دعا لصغير في ذلك، وإذا كان ثبت أن ثمة على الصغير عذابا في القبر فإنه يعني أنه يمتحن، لا يقال إنه انعقد الإجماع على أن أطفال المسلمين في الجنة، نقول هذا صحيح ولكن خبر النبي صلّى الله عليه وسلّم ودعاؤه هذا أيضا يجب الإيقان به والدعاء للصغير لا يعني أن يكون حتما يعذب ولكن دعاء بأن يعاذ من العذاب وأن يعاذ من التعذيب فيه فمعنى ذلك أنه دعاء له بأنه إذا سئل أسئلة فتنة القبر فإنه يجيب جواب المصيب المسلم المسدد.
وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة أيضا من أهل العلم من تلامذته كابن القيم وغيره.
المقصود من ذلك أن قوله: (النّاس يفتنون في قبورهم)عام لهذه الأمة ولغيرها للكفار والمسلمين والمنافقين والصغير والكبير للرجل وللمرأة.
قال: (فيقال للرّجل) (يقال)
القائل هما الملكان منكر ونكير.
(فيقال للرّجل من رّبك؟)
هذا السؤال الأول، وهو أعظم الأسئلة (من رّبك؟)
السؤال عن المعبود والرب هنا ليس المقصود به الخالق الرازق المحيي المميت وإنما المقصود به الذي يعبد لأن الرب يطلق في القرآن والسنة على السيد المتصرف المطاع ويطلق على المعبود وهو في حق الله جل وعلا على المعنيين، لهذا قال تعالى: {ولا يأمركم أن تتّخذوا الملائكة والنّبيّين أربابًا} يعني معبودين، وقال: {اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا مّن دون اللّه} يعني معبودين من دون الله {وما أمروا إلاّ ليعبدوا} وهذا يدل على أن الربوبية تأتي ويكون معناها العبودية وهذا:
- إما أن يكون بطريق اللزوم لأنه يلزم ممن هو رب أن يكون معبودا وحده دون ما سواه.

- وإما أن يكون بطريق اجتماع الألفاظ وافتراقها، قد قال إمام هذه الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله (إن لفظ الإله والرب والألوهية والربوبية في الكتاب والسنة تدخل في الألفاظ التي إذا اجتمعت افترقت وإذا تفرقت اجتمعت) وهذا ربما يكون لأجل التضمن واللزوم الذي بين اللفظين.
المقصود من ذلك أن قول الملكين للمقبور (من رّبك؟) يعني من معبودك، ودليل ذلك أن المحنة والرسالات والابتلاء بالنبوات إنما وقع في العبودية ولم يقع في الاعتراف بالربوبية فإذن (من رّبك؟) يعني من معبودك من الذي تعبد، هذا هو السؤال الأول، والمسلم يجيب (ربّي الله) يعني معبودي الله، المنافق يقول (هاه هاه؛ لا أدري، سمعت النّاس يقولون شيئًا فقلته) والكافر يصرح يقول معبودي كذا من الأوثان والأصنام، وهذا معنى قوله: {ويضلّ اللّه الظّالمين ويفعل اللّه ما يشاء}
قال أيضا (فيقال للرّجل من رّبك؟وما دينك؟)
الدين يعني ما يلتزمه من الدين، ما هو الدين الذي تلتزمه، ما هو الدين الذي تعتنقه؟ فيجيب المسلم بالإسلام والكافر بدينه وهكذا والمنافق أيضا يتردد والشاك والمرتاب يتردد ويقول (سمعت النّاس يقولون شيئًا فقلته).
(من نّبيّك؟)
السؤال عن النبي الذي أرسل إليه وبعد بعثة النبي صلّى الله عليه وسلّم السؤال عن محمد عليه الصلاة والسلام.

قال أهل العلم في قول المرتاب (هاه هاه؛ لا أدري، سمعت النّاس يقولون شيئًا فقلته) في قول المرتاب ذلك ما يدل على أن العقائد لا ينفع فيها التقليد بل لا بد فيها من معرفة الحق بدليله لأنه قال: (سمعت النّاس يقولون شيئًا فقلته) وهذا هو التقليد، أن يقلد غيره دون حجة فإذن يكون مقتضى ذلك أن من يثبّت ويلهم الحجة هو من عرف أجوبة هذه المسائل بدليلها وهذه المسائل الثلاث هي التي أورد أدلتها وبينها الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في الرسالة المشهورة باسم ثلاثة الأصول فإن هذه الأصول هي الثلاثة (من الرب ما الدين من النبي).
قال فـ {يثبّت الله الّذين آمنوا بالقول الثّابت في الحياة الدّنيا وفي الآخرة}
في الحياة الدنيا يثبتهم الله بالقول الثابت يعني بالتوحيد والإسلام والقول بالشهادتين وذكر الله جل وعلا حتى يتوفاهم الله على ذلك، وفي الآخرة يعني إذا ابتدأت آخرتهم وابتدأت قيامتهم قامت عليهم القيامة الصغرى، يعني بالموت يثبتهم الله عند سؤال الملكين.
(فيقول المؤمن: ربّي الله، والإسلام ديني، ومحمّدٌ صلّى الله عليه وسلّم نبيّي)
هذا جواب المؤمن الذي عرف أجوبة هذه المسائل بدليلها.
قال: (وأمّا المرتاب؛ فيقول: هاه هاه؛ لا أدري، سمعت النّاس يقولون شيئًا فقلته)
وهذا حال المنافق، والكافر يجيب بما يعبد وما يدين به.
(فيضرب بمرزبة) أو بمرزبّة (من حديدٍ، فيصيح صيحةً يسمعها كلّ شيءٍ؛ إلاّ الإنسان، ولو سمعها الإنسان؛ لصعق)

وهذا نوع من أنواع العذاب والميت يسمع قرع نعال من يثخلّفونه حال تخليفهم إياه، فإذن له حياة خاصة وله في روحه وبدنه تعلقات خاصة والله جل وعلا على كل شيء قدير، فهذا المنافق يعذب وأول عذابه أنه يضرب بهذا النوع من العذاب (بمرزبة من حديدٍ، يصيح صيحةً) من أثرها (يسمعها كلّ شيءٍ؛ إلاّ الإنسان) هذا يدل على أن الجن والحيوانات تسمع عذاب المعذبين.
ومن هذا الأصل أخذ شيخ الإسلام رحمه الله تعالى إبطال عبادة من كان يعبد في دمشق عمود من الأعمدة كان مبنيا هناك وكانوا يتوسلون به ويتمسحون به ويعتقدون في هذا العمود وكان من إبطال شيخ الإسلام لذلك أن الدواب إذا أتت عنده يعني عند هذا العمود تسلح وتخرج ما في بطنها قال شيخ الإسلام وهذا يدل على أن هذا العمود تحته قبر كافر أو منافق يعذب ولهذا تسمعه الحيوانات فتسلح وتتغير.
وهذا من عظيم فقهه في النصوص فأبطل ذلك وهدم ووجد تحته قبر يقال إنه قبر نصراني.
المقصود أنه يعذب والعذاب تتأذى منه البهائم وتسمعها البهائم ولكن الله جل وعلا جعل لها من الاحتمال ما ليس للإنسان في ذلك.
قال: (ولو سمعها الإنسان؛ لصعق) وذلك لأن روح الإنسان بتلقي هذه الأشياء غير روح ونفس الحيوانات، والله جل وعلا له الحكمة البالغة في خلقه.
قال رحمه الله (ثمّ بعد هذه الفتنة إمّا نعيمٌ وإمّا عذابٌ)
بعد هذه الفتنة يكون القبر إما روضة من رياض الجنة وإما حفرة من حفر النار، والعذاب في القبر نوعان:
* عذاب أمدي، فترة ثم ينقطع وهو عذاب عصاة الموحدين أو بعض غيرهم.

* وعذاب أمدي لا ينقطع وهو عذاب الكفار أو طائفة من الكفار لأن الله جل وعلا قال في وصف آل فرعون {النّار يعرضون عليها غدوًّا وعشيًّا ويوم تقوم السّاعة أدخلوا آل فرعون أشدّ العذاب} فبين أنهم قبل قيام الساعة يعرضون على النار غدوا وعشيا وهذا يكون في قبورهم.
......
النوع الأول عذاب أمدي يعني مدة ثم ينقطع، وهذا لأن دار البرزخ نوع من الدور قد يجعل الله جل وعلا العذاب فيها من المكفرات يعني يكون العبد عنده ذنوب فيزال أثر هذه الذنوب وتكفّر عنه بالعذاب في البرزخ، لأن هناك عشرة أشياء يزال بها العذاب أو أثر الذنب ومنها ما يكون من العذاب والمصائب في البرزخ وكذلك في عرصات القيامة إلى غير ذلك من الأنواع العشرة المعروفة.
القبر أيضا له ضمة كما هو معروف والقبر حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة.
وضمة القبر لا ينجو منها أحد، وقد رأت عائشة رضي الله عنها صغيرا ميتا يحمل فبكت وقالت أشفقت عليه من ضمت القبر، وضمة القبر لم ينج منها أحد وقال عليه الصلاة والسلام (لو نجا منها أحد لنجا منها سعد).
وهذه الضمة تختلف فأما ضمة الكافر فإن الأرض حمقة عليه حمقة غاضبة عليه فتضمه ضم عذاب وأما المسلم المؤمن فإن الأرض إذا كان المسلم على ظهرها وفقدته فإنها تبكي على فقده حين تسمع ذكره وفقدت مكان صلاته وفقدت مصلاّه وفقدت تنقله للخير فتكون الأرض في ضمها لهذا المقبور كما قال طائفة من أهل العلم تضمه ضمة الحبيب لحبيبه ولكن هذه الضمة يكون منها شدة على المضموم يعني على المقبور.
يعني أن الضمة لا بد منها ولكن فرق بين ضمة مسلم وضمة كافر أو منافق، نسأل الله جل وعلا لنا ولكم حسن الختام والموت على الشهادة.

ومن الدلائل على النعيم والعذاب أو عذاب القبر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم مر بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير بلى إنه كبير أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة) فهذا دليل من أدلة عذاب القبر وهو حق أجمع أهل السنة والجماعة عليه والأدلة عليه كثيرة كبيرة ومن الحديث المتواتر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يعلمهم الناس كما يعلمهم السورة من (الصلاة) أن يدعو في آخر الصلاة بالاستعاذة من أربع (اللهم إني أعوذ بك من عذاب النار وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال) وهذا دليل ظاهر ولا حجة لمن منع النعيم والعذاب في القبر بل هو مخالفة للنصوص وضلال بيّن.
قال رحمه الله (إلى أن تقوم القيامة الكبرى)
يعني يلبثون في قبورهم إلى أن تقوم القيامة الكبرى وهم في حال كونهم في قبورهم أرواح المؤمنين مقرها الجنة كما ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: (نسمة المؤمن طائر يعلق من ثمار الجنة) (نسمة المؤمن طائر) ووصف نفس الشهيد فقال: (أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تروح وتسرح في الجنة وتأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش) المقصود من ذلك أن مقر أرواح المؤمنين في الجنة ومقر أرواح الكفار في النار، ولا يمنع ذلك أن تكون هذه الروح لها تعلق بالقبر بل تذهب تصل إلى القبر في لحظات وتذهب إلى مكانها في لحظات ولا يمنع هذا أيضا من أن من الناس من تحبس أرواحهم على قبورهم على حسب ما جاء في الأدلة فالأدلة يصدق بعضها بعضا وبعضها يفهم البعض الآخر.

موضوع مغلق

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الإيمان, بفتنة

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:53 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir