دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > العقيدة > متون العقيدة > العقيدة الواسطية

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 13 ذو القعدة 1429هـ/11-11-2008م, 02:32 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 13,458
افتراضي الإيمان بقرب الله تعالى، وأن قربه ومعيته لا تنافي علوه وفوقيته

(فَصْلٌ) وقَدْ دَخَلَ فِي ذَلِكَ الإِيمَانُ بِأَنَّهُ قَرِيبٌ من خلقه ، كَمَا قال تعالى : {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ... يرشدون}[سُورَةُ البَقَرَةِ : 186] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم ((إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ .)) وَمَا ذُكِرَ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِِ مِنْ قُرْبِهِ وَمَعِيَّتِهِ لاَ يُنَافِي مَا ذُكِرَ مِنْ عُلُوِّهِ وَفَوْقِيَّتِه ، فَإِنَّهُ - سُبْحَانَهُ - لَيْسَ كَمِثْلِه شَيْءٌ فِي جَمِيعِ نُعوتِهِ ، وَهُوَ عَلِيٌّ فِي دُنُوِّهِ قَرِيبٌ فِي عُلُوِّهِ .


  #2  
قديم 22 ذو الحجة 1429هـ/20-12-2008م, 05:04 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي شرح العقيدة الواسطية للشيخ : عبد الله بن عبد العزيز بن باز

ليس للشيخ تعليق على هذه الجزئية


  #3  
قديم 22 ذو الحجة 1429هـ/20-12-2008م, 05:36 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي التنبيهات اللطيفة للشيخ : عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وجوب الإيمان بقرب الله من خلْقه وأن ذلك لا يُنافي عُلُوّه وفوقيته

وقد دخل في ذلك الإيمانُ بأنه قريبٌ مُجيبٌ كما جَمعَ بين ذلك في قوله: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ) [سورة البقرة: الآية 186]. وقوله صلى الله عليه وسلم: ((إنّ الّذي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ راحِلتِه)) وما ذكر في الكتابِ والسُّنةِ من قُربهِ ومَعِيَّتِهِ لا يُنافي ما ذُكِرَ من عُلُوِّه وفوْقِيَّتِه، فإنه سبحانه ليس كَمِثْلِه شيءٌ في جميعِ نُعوتِهِ وهُوَ عليٌّ في دُنُوِّهِ قريبٌ في عُلُوِّهِ([1]).

([1]) خصص المصنِّف رحمه الله هذا البحث بهذين الأمرين وذلك لشدة الحاجة إلى الإيمان بقربه وإجابته ليكون العبد مراقباً لله إذا آمن بقربه إيماناً تاماً وكان منيباً إليه على الدّوام إذا آمن بإجابته للسائلين وإثابته للمطيعين، ثم ذكر رحمه الله الجمع بين الإيمان بعلو الله وقُربه ومعيته لئلا يظن الظانّ أن ذلك مثل صفات المخلوقين وأنه إذا قيل إنه عليًّ فوق خلقه كيف يكون معهم وقريباً منهم؟ فأجاب بما تضمنه هذا الأصل الثابت في الكتاب والسُّنة وإجماع الأمة، وهو أن الله تعالى ليس كمثله شيء في جميع نعوته، ومن نعوته اللازمة العلو المطلق والقُرْب العام و الخاص، وأن القُرب والعلو في حقّه يجتمعان لعظمته وكبريائه وإحاطته من كل وجه، فهو العليّ في دُنُوِّه القريب في عُلُوِّه. وهذا الأصل ينفعك في كل ما ورد عليك من صفات الله الثابتة، فأثبتها ولا تتوقف، فإن الذي أثبتها هو الله الذي هو أعلم بنفسه، ورسوله الذي هو أعلم الخلق وأورعهم وأنصحهم للمخلوقين، فإن خطر ببالك تمثيل أو تشبيه فتفطن لقوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ). وكذلك أيضاً فإن الكلام على الصفات مثل الكلام على الذات، فكما أنه لا نظير له ولا مثيل له في ذاته فكذلك لا مثيل له ولا نظير له في صفاته.


  #4  
قديم 22 ذو الحجة 1429هـ/20-12-2008م, 05:39 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي شرح العقيدة الواسطية للشيخ محمد خليل هراس

( فصلٌ: وقَدْ دَخَلَ في ذلكَ الإِيمَانُ بأَنَّهُ قَريبٌ [ مِنْ خَلْقِهِ ] مُجيبٌ؛ كَمَا جَمَعَ بينَ ذلكَ في قَوْلِهِ: { وإِذا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فإِنِّي قَرِيبٌ … } الآيةَ وقولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ الَّذي تَدْعونَهُ أَقْرَبُ إِلى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ راحِلَتِه)).
وَمَا ذُكِرَ في الكِتابِ والسُّنَّةِ مِنْ قُرْبهِ ومعيَّتِهُ لا يُنافي ما ذُكِرِ مِنْ عُلوِّهِ وفوقيَّتِه؛ فإِنَّهُ سبحانَهُ ليسَ كَمِثْلِهِ شيءٌ في جَميعِ نُعوتِه، وهُوَ عَليٌّ في دُنُوِّهِ، قريبٌ في عُلُوِّهِ )( 60).

( 60) قولُهُ: ( وقَدْ دَخَلَ في ذلكَ الإِيمانُ … ) إلخ. يجبُ الإِيمانُ بما وصفَ اللهُ بهِ نفسَهُ مِن أَنَّهُ قريبٌ مجيبٌ، فهوَ سبحانَهُ قريبٌ ممَّنْ يدعُوهُ ويُنَاجيِهِ، يسمعُ دعاءَهُ ونجواهُ، ويجيبُ دعاءَهُ متى شاءَ وكيفَ شاءَ، فهوَ تعالى قريبٌ قربَ العلمِ والإِحاطةِ؛ كمَا قالَ تعالى:
{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ ونَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بهِ نَفْسُهُ ونَحْنُ أَقْرَبُ إِليهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ }.
وبهذا يتبيَّنُ أَنَّهُ لا مُنَافَاةَ أصلاً بينَ ما ذُكِرَ في الكتابِ والسُّنَّةِ مِن قُربهِ تعالى ومعيَّتهِ وبينَ ما فيهمَا مِن عُلُوِّهِ تعالى وفوقيَّتِهِ.
فهذهِ كلُّهَا نعوتٌ لهُ على ما يليقُ بهِ سبحانَهُ، ليسَ كمثلِهِ شيءٌ في شيءٍ منهَا.


  #5  
قديم 22 ذو الحجة 1429هـ/20-12-2008م, 05:44 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي شرح العقيدة الواسطية للشيخ: صالح بن فوزان الفوزان

قال رحمه الله: وقَدْ دَخَلَ في ذلكَ الإِيمَانُ بأَنَّهُ قَريبٌ مُجيبٌ؛ كَمَا جَمَعَ بينَ ذلكَ في قَوْلِهِ: ( وإِذا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فإِنِّي قَرِيبٌ أجيب دعوة الدَّاعِ إذا دعان … ) الآية، وقولِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ الَّذي تَدْعونَهُ أَقْرَبُ إِلى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ راحِلَتِه)).وَمَا ذُكِرَ في الكِتابِ والسُّنَّةِ مِنْ قُرْبهِ ومعيَّتِه لا يُنافي ما ذُكِرَ مِن عُلوِّهِ وفوقيَّتِه؛ فإِنَّهُ سبحانَهُ ليسَ كَمِثْلِهِ شيءٌ في جَميعِ نُعوتِه، وهُو عَليٌّ في دُنُوِّهِ، قريبٌ في عُلُوِّه ).(54)

(54) لَمَّا قرَّرَ المصنِّفُ وجوبَ الإيمانِ بعُلُوِّ اللَّهِ سُبْحَانَهُ على خَلقِه، واستوائِه على عرشِه نَبَّهَ في هَذَا الفصْلِ إلى أَنَّهُ يَجِبُ مع ذَلِكَ الإيمانُ بأَنَّهُ قريبٌ مِن خَلْقِه، وقولُه: (وقد دخَلَ في ذلك) أيْ: في الإيمانِ باللَّهِ (الإيمانُ بأَنَّهُ قريبٌ) أيْ: مِن خَلقِه (مجيبٌ) لِدُعائِهِم (كما جَمَعَ بَيْنَ ذَلِكَ) أيْ: بَيْنَ القُربِ والإجابةِ في قولِه (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي) وَرَدَ في سببِ نزولِ هَذِهِ الآيةِ أنَّ رجُلا جاءَ إلى النَّبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم فقال: يا رسولَ اللَّهِ، أقريبٌ ربُّنا فنُناجِيهِ أمْ بَعيدٌ فنُنادِيهِ؟ فسكَتَ النَّبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم فنَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ (فَإِنِّي قَرِيبٌ) مِن الدَّاعِي (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ).
وهَذَا يدُلُّ على الإرشادِ إلى المناجاةِ في الدُّعاءِ بدونِ رَفْعِ صَوتٍ كما في قولِه صلى اللهُ عليه وسلم: (( إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ )) سَبَقَ شرحُه.
وفي هَذِهِ الآيةِ وهَذَا الحديثِ دلالةٌ على قُربِ اللَّهِ تعالى مِن الدَّاعِي بإجابَتِهِ، وهَذَا القُربُ لا يناقِضُ عُلُوَّه، ولهَذَا قال المصنِّفُ: (وما ذُكِرَ في الكتابِ والسُّنَّةِ مِن قُربِه ومَعِيَّتِه لا يُنافِي ما ذُكِرَ مِن عُلُوِّه وفَوْقِيَّتِه) لأنَّ الكُلَّ حَقٌّ، والحقُّ لا يَتناقَضُ؛ ولأنَّ اللَّهَ تعالى: (لَيْسَ كمِثْلِه شيءٌ في جميعِ نُعُوتِه) أيْ: صفاتِه، فلا يُقالُ: إذا كان فَوْقَ خَلقِه فكَيْفَ يكونُ معهم؛ لأنَّ هَذَا السُّؤالَ ناشئٌ عن تَصَوُّرٍ خاطئٍ، هُوَ قياسُه سُبْحَانَهُ بخَلقِه، وهَذَا قياسٌ باطلٌ؛ لأنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ).
فالقُربُ والعُلُوُّ يجتمعانِ في حَقِّه لِعظَمَتِه وكبريائِه وإحاطَتِه، وأنَّ السَّماواتِ السَّبْعَ في يدِه كخَرْدلةٍ في يدِ العبدِ، فكَيْفَ يَستحيلُ في حَقِّ مَن هَذَا بعضُ عَظَمتِه أنْ يكونَ فَوْقَ عرشِه ويَقْرُبُ مِن خَلقِه كَيْفَ يشاءُ، وَهُوَ على العرشِ. (وَهُوَ عَلِيٌّ في دُنُوِّه قريبٌ في عُلُوِّه) سُبْحَانَهُ وتعالى كما دَلَّتْ على ذَلِكَ نصوصُ الكتابِ والسُّنَّةِ، وأجْمَع عليه عُلماءُ الملَّةِ، وَهُوَ مِن خصائصِه سُبْحَانَهُ (عليٌّ في دُنُوِّه) أيْ: في حالِ قُربِه مِن خَلقهِ (قريبٌ في عُلُوِّه) أيْ: قريبٌ مِن خَلقِه في حالِ عُلُوِّه على عرشِه.


  #6  
قديم 22 ذو الحجة 1429هـ/20-12-2008م, 05:49 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي شرح العقيدة الواسطية للشيخ ابن عثيمين رحمه الله

"فَصْلٌ: وَقَدْ دَخَلَ في ذلِكَ الإيمانُ بأنَّهُ قريبٌ مِنْ خَلْقِهِ مُجِيبٌ": (27)
قولُهُ: ((كَمَا جَمَعَ بَيْنَ ذلِكَ في قوله: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةً الدَّاعِ إذَا دَعَانِ) [البقرة: 186]، وَقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إنَّ الذي تَدْعونَهُ أقْرَبُ إلى أحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ راحِلَتِهِ)) )).
((وَمَا ذُكِرَ في الكِتابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ قُرْبِهِ وَمَعِيَّتِهِ لا يُنافي ما ذُكِرَ مِنْ عُلُوِّهِ وَفَوْقِيَّتِهِ؛ فإنَّهُ سُبْحَانَهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ في جَميعِ نُعوتِهِ، وَهُوَ عَلِيٌّ في دُنُوِّهِ، قَريبٌ في عُلُوِّهِ)).

فَصْلٌ في قُرْبِ اللهِ تعالَى وإجابتِهِ وأنَّ ذلكَ لَا يُنافِي عُلُوَّهُ وفَوْقِيَّتَهُ
(27) قولُهُ: ((وقَدْ دَخَلَ في ذلِكَ))؛ يعني: فيما وَصَفَ بهِ نفسَهُ:
((الإيمانُ بأنَّهُ قريبٌ مِنْ خلقِهِ مجيبٌ)): الإيمانُ بأنَّهُ قريبٌ في نفسِهِ، ومجيبٌ؛ يعني: لعبادِهِ.
ودليلُ ذلكَ قولُه تعالَى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) [البقرة: 186].
في هذه الآيةِ ستَّةُ ضمائرَ تعودُ على اللهِ، وعلى هذا؛ فيكونُ القربُ قربَهُ عزَّ وجلَّ، ولكنْ نقولُ في (قَرِيبٌ) كما قُلْنا في المعيَّةِ؛ أنَّهُ لا يستلزمُ أنْ يكونَ في المكانِ الَّذِي فيه الإنسانُ.
وإذا كانَ الرَّسولُ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يقولُ: ((إِنَّهُ أَقْرَبُ إِلى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ))، ولا يلزَمُ أنْ يكونَ اللهُ عزَّ وجلَّ نفسُهُ في الأرضِ بَيْنَهُ وبَيْنَ عُنُقِ راحلتِهِ.
وإذا كانَ قولُ الرَّسولِ عليهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ((فَإِنَّ اللهَ قِبَلَ وَجْهِ المُصَلِّي)): لا يستلزِمُ أنْ يكونَ اللهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الجدارِ، إنْ كانَ يصلِّي إلى الجدارِ، ولا بَيْنَهُ وبَيْنَ الأرضِ إنْ كانَ ينظرُ إلى الأرضِ.
فكذلِكَ لا يلزمُ مِنْ قُرْبِهِ أنْ يكونَ في الأرضِ؛ لأنَّ اللهَ لَيْسَ كمثِلِه شيءٌ في جميعِ صفاتِهِ، وهو محيطٌ بكلِّ شيءٍ.
واعلَمْ أنَّ مِنَ العلماءِ مَنْ قَسَّمَ قُرْبَ اللهِ تعالَى إلى قسمَيْنِ؛ كالمعيَّةِ، وقَالَ: القُرْبُ الَّذِي مُقتضاهُ الإحاطةُ قربٌ عامٌّ، والقُرْبُ الَّذِي مقتضاه الإجابةُ والإثابةُ قربٌ خاصٌّ.
ومِنْهُم مَنْ يقولُ: إنّ القُرْبَ خاصٌّ فَقَطْ؛ مقتضٍ لإجابةِ الدَّاعِي وإثابةِ العابدِ، ولا ينقسِمُ.
-ويستدلُّ هؤلاءِ بقولِهِ تعالَى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) [البقرة: 186]، وبقولُ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أقربُ ما يكونُ العبدُ مِنْ ربِّهُ وهو سَاجِدٌ))، وأنَّهُ لا يمكنُ أنْ يكونَ اللهُ تعالَى قريباً مِنَ الفَجَرةِ الكفرةِ.
وهذا اختيارُ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميةَ وتلميذِه ابنِ القيِّمِ رحمَهُما اللهُ تعالَى.
-ولكنْ أُورِدَ على هذا القولِ قولُهُ تعالَى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِليْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ) [ق: 16]؛ فالمرادُ بـ (الإِنسَانَ): كلُّ إنسانٍ، وَلِهَذَا قَالَ في آخِرِ الآيةِ: (لَّقَدْ كُنتَ في غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ…) إلى أن قَالَ: (أَلْقِيَا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ) [ق: 22-23]؛ فَهُوَ شاملٌ.
-وأُورِدُ عَلَيْهِ أيضاً قولُهُ تعالَى: (فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ، وَنَحنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لاَّ تُبْصِرُونَ) [الواقعة: 83-85]، ثُمَّ قَسَّمَ هؤلاءِ الَّذِين بَلَغَتْ أرواحُهُم الحُلْقُومَ إلى ثلاثةِ أقسامٍ، ومِنْهُم الكافرُ.
-وأُجِيبَ عَنْ ذلِكَ بأنَّ قولَه: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِليْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ) [ق: 16]؛ يعني: بملائكتِنَا، واستدلَّ لذلِكَ بقولِهِ: (إِذْ يَتَلَقَّى المُتَلَقِّيَانِ) [ق: 17]؛ فإنَّ (إِذْ) ظرفٌ متعلِّقٌ بـ (أَقْرَبُ)؛ يعني: ونحنُ أقربُ إِلَيْهِ حِينَ يتلقَّى المتلقِّيانِ، وهذا يدلُّ على أنَّ المرادَ بقربِهِ تعالَى قربُ ملائكتِهِ.
وكذلِكَ قولُهُ في المحتضِرِ: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِليْهِ): المرادُ: قربُ الملائكَةِ، وَلِهَذَا قَالَ: (وَلَكِن لاَّ تُبْصِرُونَ) [الواقعة: 85]، وهذا يدلُّ على أنَّ هذا القريبَ موجودٌ عندَنَا، لكنْ لا نبصرُهُ، وهذا يمتنعُ غايةَ الامتناعِ أنْ يكونَ المرادُ بهِ اللهَ عزَّ وجلَّ؛ لأنَّ اللهَ في السَّماءِ.
وما ذهَبَ إليه شَيْخُ الإسلامِ؛ فهو عندِي أقربُ، ولكنَّهُ لَيْسَ في القُرْبِ بذاكَ.
قولُهُ: ((كَما جَمَعَ بَيْنَ ذلِكَ)): المشارُ إليه قربُ الإجابةِ.
((نُعُوتِهِ))؛ يعني: صفاتِهِ. هو علِيٌّ مَعَ أنَّهُ دانٍ، قريبٌ مَعَ أنَّهُ عالٍ، ولا تناقضَ في ذلِكَ، وقَدْ سَبَقَ بيانُ ذلِكَ قريباً في الكلامِ على المعيَّةِ.


  #7  
قديم 22 ذو الحجة 1429هـ/20-12-2008م, 06:09 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي الروضة الندية للشيخ: زيد بن عبد العزيز بن فياض

وَقَوْلُه تَعَالَى:{ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ } فِي هَذِهِ الآيَةِ وَكَذَلكَ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى كَمَا تَقَدَّمَ دَلالَةٌ عَلَى قُرْبِ اللَّهِ تَعَالَى مِن الدَّاعِي بِإِجَابَتِهِ وَمِنْ العَابِدِ بِإِنَابَتِهِ، وَقُرْبُهُ تَعَالَى لا يُنَاقِضُ عُلُوَّهُ، وَقَدْ جَاءَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا أَنَّ الصَّحَابَةَ قَـالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: رُبُّنَا قَرِيبٌ فَنُنَاجِيه أَمْ بَعِيدٌ فَنُنَادِيه فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:{ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ }، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إِرْشَادِهِمْ للْمُنَاجَاةِ فِي الدُّعَاءِ لا النِّدَاءِ الذي هُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ فَإِنَّهُمْ عَنْ هَذَا سَأَلُوهُ فَأُجِيبُوا بِأَنَّ رَبَّهُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَرِيبٌ لا يَحْتَاجُ فِي دُعَائِهِ وَسُؤَالهِ إِلَى النِّدَاءِ، وَإِنَّمَا يُسْأَلُ مَسْأَلَةَ القَرِيبِ المُنَاجَى لا مَسْأَلَةَ البَعِيدِ المُنَادَى.
وَهَذَا القُرْبُ مِن الدَّاعِي هُوَ قُرْبٌ خَاصٌّ ليْسَ قُرْباً عَامًّا مِن كُلِّ أَحَدٍ، فَهُوَ قَرِيبٌ مِن دَاعِيهِ وَقَرِيبٌ مِن عَابِدِهِ، وَأَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، وَهُوَ أَخَصُّ مِن قُرْبِ الإِنَابَةِ وَقُرْبِ الإِحَاطَةِ الذي لمَ يُثْبِتْ أَكْثَرُ المتَكلَّمَينَ سِوَاهُ. بَلْ هُوَ قُرْبٌ خَاصٌّ مِن الدَّاعِي وَالعَابِدِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ راوياً عَن رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: " مَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْراً تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعاً وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعاً تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعاً " فَهَذَا قُـرْبُهُ مِن عَابِدِهِ، وَأَمَّا قُـرْبُهُ مِن دَاعِيهِ وَسَائِلهِ فَكَمَا قَالَ:{ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ }، وَقَوْلِهِ:{ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً } فَفِيهِ الإِشَارَةُ وَالإِعْلامُ بِهَذَا القُرْبِ. وَأَمَّا قُرْبُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِن مُحِبِّهِ فَنَوْعٌ آخَرُ وَبِنَاءٌ آخَرُ وَشَأْنٌ آخَرُ. وَإِذَا كَانَ الدُّعَاءُ المَأْمُورُ بِإِخْفَائِهِ يَتَضَمَّنُ دُعَاءَ الطَّلَبِ وَالثَّنَاءِ وَالمَحَبَّةِ وَالإِقْبَالِ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ مِن أَعْظَمِ الكُنُوزِ الَّتِي هِيَ أَحَقُّ بِالإِخْفَاءِ وَالسَّتْرِ عَن أَعْيُنِ الحَاسِدِينَ.
فَإِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ ذِكْرٌ للْمَدْعُوِّ سُبْحَانَهُ مُتَضَمِّنٌ للطَّلَبِ مِنْهُ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِأَسْمَائِهِ وَأَوْصَافِهِ فَهُوَذِكْرٌ وَزِيَادَةٌ كَمَا أَنَّ الذِّكْرَ سُمِّيَ دُعَاءً لتَضَمُّنِهِ الطَّلَبَ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَفْضَلُ الدُّعَاءِ الحَمْدُ للَّهِ " فَسَمَّى الحَمْدَ دُعَاءً وَهُوَ ثَنَاءٌ مَحْضٌ لاِنَّ الحَمْدَ يَتَضَمَّنُ الحُبَّ وَالثَّنَاءَ، وَالحُبُّ أَعْلَى أَنْوَاعِ الطَّلَبِ لِلمَحْبُوبِ، فَالحَامِدُ طَالِبٌ لِمَحْبُوبِهِ فَهُوَ أَحَقُّ أَنْ يُسَمَّى داعياً مِن غَيْرِهِ مِن أَنْوَاعِ الطَّلَبِ الذِي هُوَ دُونَهُ.
وَالمَقْصُودُ أَنَّ كُلَ وَاحِدٍ مِن الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ يَتَضَمَّنُ الآخَرَ وَيَدْخُلُ فِيهِ. وَتَأَمَّلْ كَيْفَ قَالَ فِي آيَةِ الذِّكْرِ: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً }، وَفِي آيَةِ الدُّعَاءِ:{ ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً }، فَذَكَرَ التَّضَرُّعَ فِيهِمَا معاً وَهُوَ التَّذَلُّلُ وَالتَّمَسْكُنُ وَالاِنْكِسَارُ وَهُوَ رُوحُ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ. وَأَخْبَرَ عَن الرَّحْمَةِ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ بِالتَّاءِ بِقَوْلهِ: ( قَرِيبٌ ) وَهُوَ مُذَكَّرٌ؛ لأَنَّ الرَّحْمَةَ صِفَةٌ مِن صِفَاتِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَالصِّفَةُ قائِمَةٌ بِالمَوْصُوفِ لا تُفَارِقُهُ؛ لأَنَّ الصِّفَةَ لا تُفَارِقُ مَوْصُوفَهَا فَإِذَا كَانَتْ قَرِيبَةً مِن المُحْسِنِينَ فَالمَوْصُوفُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَوْلَى بِالقُرْبِ مِنْهُ بَلْ قُرْبُ رَحْمَتِهِ تَبَعٌ لقُرْبِهِ هُوَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِن المُحْسِنِينَ فَإِنَّ اللَّهَ قَرِيبٌ مِن أَهْلِ الإِحْسَانِ بِإِثَابَتِهِ، وَمِنْ أَهْلِ سُؤَالهِ بِإِجَابَتِهِ.
وَالإِحْسَانُ يَقْتَضِي قُرْبَ الرَّبِّ مِنْ عَبْدِهِ كَمَا أَنَّ العَبْدَ قَرُبَ مِن رَبِّهِ بِالإِحْسَانِ فَالرَّبُّ تَعَالَى قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ، وَرَحْمَتُهُ قَرِيبَةٌ مِنْهُمْ وَقُرْبُهُ مُسْتَلْزِمٌ قُرْبَ رَحْمَتِه،ِ فَفِي حَذْفِ التَّاءِ هَهُنَا تَنْبِيهٌ عَلَى هَذِهِ الفَائِدَةِ الجَليلَةِ وَأَنَّ اللَّهَ قَرِيبٌ مِن المُحْسِنِينَ وَذَلكَ يَسْتَلْزِمُ القُرْبَيْنِ: قُرْبَهُ وَقُرْبَ رَحْمَتِهِ، وَلَوْ قَالَ: إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبَةٌ مِن المُحْسِنِينَ لمْ يَدُلَّ عَلَى قُرْبِهِ تَعَالَى مِنْهُمْ؛ لأَنَّ قُرْبَهُ تَعَالَى أَخَصُّ مِنْ قُرْبِ رَحْمَتِهِ، وَالأَعَمُّ لا يَسْتَلْزِمُ الأَخَصَّ بِخِلافِ قُرْبِهِ، فَإِنَّهُ لمَّا كَانَ أَخَصَّ اسْتَلْزَمَ الأَعَمَّ وَهُوَ قُرْبُ رَحْمَتِهِ. وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: قُرْبُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِن المُحْسِنِينَ وَقُرْبُ رَحْمَتِهِ مِنْهُمْ مُتَلازِمَانِ لا يَنْفَكُّ أَحَدُهُمَا عَنِ الآخَر،ِ فَإِذَا كَانَتْ رَحْمَتُهُ قَرِيبَةً مِنْهُمْ فَهُوَ أيضاً قَرِيبٌ مِنْهُمْ وَإِذَا كَانَ المَعْنَيَانِ مُتَلازِمَيْنِ صَحَّ إِرَادَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَكَانَ فِي بَيَانِ قُرْبِهِ سُبْحَانَهُ مِنَ المُحْسِنِينَ مِنَ التَّحْرِيضِ عَلَى الإِحْسَانِ وَاسْتِدْعَائِهِ مِن النُّفُوسِ وَتَرْغِيبِهَا فِيهِ غَايَةُ حظٍّ لهَا وَأَشْرَفُهُ وَأَجَلُّهُ عَلَى الإِطْلاقِ وَهُوَ أَفْضَلُ إِعْطَاءٍ أُعْطِيَهُ العَبْدُ وَهُوَ قُرْبُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنَ عَبْدِهِ الذي هُوَ غَايَةُ الأَمَانِي وَنِهَايَةُ الآمَالِ وَقُرَّةُ العُيُون،ِ وَلَمَّا ظَهَرَتِ الجَهْمِيَّةُ المُنْكِرَةُ لمُبَايَنَةِ اللَّهِ وَعُلُوِّهِ عَلَى خَلْقِهِ افْتَرَقَ النَّاسُ فِي هَذَا البَابِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: فَالسَّلَفُ وَالأَئِمَّةُ يَقُولُونَ: إِنَّ الَّلهَ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلكَ الكِتَابُ وَالسُّنَّة وَإِجْمَاعُ سَلَفِ الأُمَّةِ، وَكَمَا عُلِمَ العُلُوُّ وَالمُبَايَنَةُ بِالمَعْقُولِ الصَّرِيحِ المُوَافِقِ للْمَنْقُولِ الصَّحِيحِ وَكَمَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَى ذَلكَ خَلْقَهُ فِي إِقْرَارِهِمْ بِهِ وَقَصْدِهِمْ إِيَّاهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وَالقَوْلُ الثَّانِي: قَوْلُ مُعَطِّلَةِ الجَهْمِيَّةِ ونُفاتِهِمْ وَهُمُ الذين يَقُولُونَ لا دَاخِـلُ العَالَمِ وَلا خَارِجُهُ وَلا مُبَايِنٌ لهُ وَلا مُحايِثٌ لهُ فَيَنْفُونَ الوَصْفَيْنِ المُتَقَابِلَيْنِ لِلَّذِينَ لا يَخْلُو مَوْجُودٌ عَنْ أَحَدِهِمَا كَمَا يَقُولُ ذَلكَ أَكْثَرُ المُعْتَزِلَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِن غَيْرِهِمْ.
والقَوْلُ الثَّالثُ: قَوْلُ حُلُوليَّةِ الجَهْمِيَّةِ الذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّهُ بِذَاتهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ كَمَا تَقُولُ ذَلكَ النَّجَّاريةُ أَتْبَاعُ حُسَيْنِ النَّجَّارِ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الجَهْمِيَّةِ، وَهَؤُلاءِ القَائِلُونَ بِالحُلُولِ وَالاتِّحَادِ مِن جِنْسِ هَؤُلاءِ، فَإِنَّ الحُلُولَ أَغْلَبُ عَلَى عُبَّادِِ الجَهْمِيّةِ وَصُوفِيَّتِهِمْ وَعَامَّتِهِمْ، وَالنَّفْيُ وَالتَّعْطِيلُ أَغْلَبُ عَلَى نُظَّارِهِمْ وَمُتَكَلِّمِيهِمْ، كَمَا قِيلَ: مُتَكَلِّمَةُ الجَهْمِيّةِ لا يَعْبُدُونَ شيئاً، وَمُتَصَوِّفَةُ الجَهْمِيّةِ يَعْبُدُونَ كُلَّ شَيْءٍ،وَذَلكَ لأَنَّ العِبَادَةَ تَتَضَمَّنُ القَصْدَ وَالطَّلَبَ وَالإِرَادَةَ وَالمَحَبَّةَ وَهَذَا لا يَتَعَلَّقُ بِمَعْدُومٍ.
وَالقَوْلُ الرَّابِعُ قَوْلُ مَن يَقُولُ: إِنَّ الَّلهَ بِذَاتِه فَوْقَ العَالَمِ وَهُوَ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَهَذَا قَوْلُ طَوَائِفَ مِنْ أَهْلِ الكَلامِ وَالتَّصَوُّفِ كَأَبِي مُعَاذٍ وَأَمْثَالهِ.


  #8  
قديم 22 ذو الحجة 1429هـ/20-12-2008م, 06:20 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي نبيهات السنية للشيخ: عبد العزيز بن ناصر الرشيد

( فصلٌ: وقَدْ دَخَلَ في ذلكَ الإِيمَانُ بأَنَّهُ قَريبٌ [ من خلقهِ ] مُجيبٌ؛ كَمَا جَمَعَ بينَ ذلكَ في قَوْلِهِ: ( وإِذا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فإِنِّي قَرِيبٌ … ) الآية.(143)
وقولِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ الَّذي تَدْعونَهُ أَقْرَبُ إِلى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ راحِلَتِه)).
وَمَا ذُكِرَ في الكِتابِ والسُّنَّةِ مِنْ قُرْبهِ ومعيَّتِه لا يُنافي ما ذُكِرِ مِن عُلوِّهِ وفوقيَّتِه؛ فإِنَّهُ سبحانَهُ ليسَ كَمِثْلِهِ شيءٌ في جَميعِ نُعوتِه، وهُو عَليٌّ في دُنُوِّهِ، قريبٌ في عُلُوِّه ).(144)

(143) فَصلٌ
قولُه: (وقد دَخلَ في ذَلِكَ) أيْ: في الإيمانِ باللَّهِ بأنَّه قريبٌ مجيبٌ كما جمعَ بين ذَلِكَ في الآيةِ والحديثِ. وسببُ نزولِ الآيةِ أنَّ أعرابِيًّا قال: يا رسولَ اللَّهِ، أقريبٌ ربُّنا فنُناجِيه أَمْ بعيدٌ فنُنادِيه؟ فسَكَتَ النَّبيُّ –صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- فأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيةَ. رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ وابنُ جريرٍ، وروى الإمامُ أحمدُ عن أبي موسى قال: كُنَّا مع رسولِ اللَّهِ –صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- في غزوةٍ، فجَعَلْنا لا نَصْعَدُ شَرَفاً ولا نَعْلُو شَرَفاً ولا نَهبِطُ واديًا إلا رَفَعْنا أصواتَنا بالتَّكبيرِ، قال: فدَنَا منا فقال: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ ولا غَائِباً، إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا، إنَّ الَّذِي تَدْعُونَ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ، يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ أَلاَ أُعَلِّمُكَ كَلِمَةَ كُنُوزِ الجَنَّةِ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَّهِ)) خَرَّجاهُ في "الصَّحيحَيْنِ" وبقيَّةُ الجماعةِ.
قولُه: (ارْبَعُوا) بهمزةِ وصْلٍ وبفتحِ الباءِ الموحَّدةِ، معناه ارْفُقوا بأنْفُسِكم، واخفِضوا أصواتَكم، فإنَّ رَفعَ الصَّوتِ إِنَّما يَفعَلُه الإنسانُ لبُعدِ مَن يخاطِبُه ليَسمَعُه، وأنتم تَدْعُونَ اللَّهَ، وليس هُوَ بأصمَّ ولا غائبا، بل هُوَ سميعٌ قريبٌ. ففيه النَّدبُ إلى خفضِ الصَّوتِ بالذِّكْرِ إذا لم تَدْعُ حاجةٌ إلى رَفعِه، فإنَّه إذا خفَضَه كان أبلغَ في تَوقِيرِه وتعظيمِه، فإنْ دَعَت الحاجَةُ إلى الرَّفعِ رَفَعَ كما جاءتْ به أحاديثُ، كما في التَّلبِيةِ وغيرِها، فقد وَرَدَ الشَّرْعُ برَفعِه فيها.
قولُه: (هُوَ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ) المرادُ به قُربُ الإحاطةِ والعِلمِ، كما في قولِه: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) انتهى. نَووِيٌّ.
ومِن أسمائِه -سُبْحَانَهُ- القريبُ، وقُربُه -سُبْحَانَهُ- نوعانِ:
قُربٌ عامٌّ، وهُوَ إحاطةُ عِلمِه بجميعِ الأشياءِ كما في الحديثِ المتقَدِّمِ، وقولُه سُبْحَانَهُ: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ). وقيل: إنَّ المرادَ قُربُ ملائكَتِه منه، وأضافَ ذَلِكَ إلى نَفْسِه بِصيغةِ الجمعِ على عادةِ العظماءِ في إضافةِ أفعالِ عَبيدِها إليها، ورَجَّحَه ابنُ القيِّمِ، واختارَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ.
الثَّاني: قُرْبٌ خاصٌّ، ويَنقَسِمُ إلى قِسمَيْنِ: قُربُه مِن داعِيه بالإجابةِ، وقُرْبُه مِن عابِدِه بالإثابةِ، فالأوَّلُ: كقولِه: (وإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي) الآيةَ. ولهَذَا نَزَلَتْ جوابًا للصَّحابةِ، وقد سألوا رسولَ اللَّهِ: أقريبٌ ربُّنا فنُناجيهِ أَمْ بعيدٌ فنُناديه؟ والثَّاني: كقولِه –صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: ((أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، وَأَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنْ عَبْدِهِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ)). فهَذَا قُربُه مِن أهلِ طاعَتِه، وأمَّا حديثُ أبي موسى المتقدِّمِ ففيه القُربُ الخاصُّ بالدَّاعِينَ دعاءَ العِبادةِ والثَّناءِ، وهَذَا القُربُ لا يُنافي كمالَ مبايَنَتِه –سُبْحَانَهُ- لخَلقِه واستوائِه على عرشِه، بل يجامِعُه ويُلازِمُه، فإنَّه ليس كقُربِ الأجسامِ بعضِها مِن بعضٍ، تعالى اللَّه عن ذَلِكَ عُلُواًّ كبيرًا، ولكنَّه نوعٌ آخَرُ.
قال ابنُ القيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- في (المدَارجِ) على قولِه: وأنتَ الباطنُ فليسَ دُونَكَ شَيءٌ، قال: فهَذَا قُربُ الإحاطةِ العامَّةِ، وأمَّا القُربُ المذكورُ في الكِتابِ والسُّنَّةِ فقُربٌ خاصٌّ مِن عابِديه وسائلِيه وداعِيه، وهُوَ مِن ثمرةِ التَّعبُّدِ باسِمه الباطنِ، قال تعالى: (وإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فإِنَّي قَرِيبٌ) الآيةَ، وفي الصَّحيحِ: ((أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وهُوَ سَاجِدٌ)). فهَذَا قُربٌ خاصٌّ غيرُ قُربِ الإحاطةِ وقُربِ البُطونِ. انتهى.
قولُه: (مجيبٌ) أي: المجيبُ لدُعاءِ الدَّاعِينَ وسؤالِ السَّائلِينَ، وإجابَتُه -سبحانَهُ وتعالَى- نوعانِ:
(الأوَّلُ) إجابةٌ عامَّةٌ لِكُلِّ مَن دَعاه دُعاءَ عِبادةٍ أو دُعاءَ مسألةٍ، كما قال: (وَقَالَ رَبُّكُـمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ). فهَذَا يَقعُ مِن البَرِّ والفاجرِ، ويَستجيبُ اللَّهُ –سُبْحَانَهُ- لِكُلِّ مَن دعاهُ بحسَبِ الحالِ المقتضِيَةِ، وبحسَبِ ما تقتضيه حِكمتُه سُبْحَانَهُ، وهَذَا مما يُستَدَلُّ به على كَرَمِ المَوْلَى –سُبْحَانَهُ- وشُمولِ إحسانِه، ولا يَدلُّ على حُسْنِ حالِ الدَّاعي إنْ لم يَقْتَرِنْ بِذَلِكَ ما يَدلُّ عليه، كسؤالِ الأنبياءِ ودُعائِهم على قَومِهم ولِقومِهم فيجيبُ –سُبْحَانَهُ- فإنَّه يدلُّ على صِدقِهم فيما أخَبْروا به، وكرامِتهم على اللَّهِ -سُبْحَانَهُ- وتعالى.
(الثَّاني) إجابةٌ خاصَّةٌ، ولها أسبابٌ عديدةٌ، منها دعوةُ المضْطرِّ، قال اللَّهُ –سُبْحَانَهُ-: (أمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ) ومِن أسبابِها: طُولُ السَّفَرِ والتَّوسُّلُ إلى اللَّهِ -سُبْحَانَهُ- بأَحَبِّ أسمائِه وصِفاتِه ونِعَمِه، وَكَذَلِكَ دَعوةُ المريضِ والمظلومِ والصَّائمِ والوالدِ على ولَدِه أو له، وفي الأوقاتِ والأحوالِ الفاضِلةِ، وفيما تَقدَّمَ دليلٌ على أنَّ الدُّعاءَ مِن أقوى الأسبابِ في جَلْبِ المنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ، وفيه الرَّدُّ على مَنْ زَعَم مِن المتصوِّفَةِ وأتباعِهم أنَّ الدُّعاءَ لا يَنفعُ، وقولُهم باطلٌ مردودٌ بأدِلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ المتواتِرةِ، والعقلِ، وتجاربِ الأُمَمِ، وفيه أنَّ الدُّعاءَ يُطلَقُ على السُّؤالِ والطَّلَبِ، ويُطلَقُ على العِبادةِ، فالدُّعاء معناه لغةً: السُّؤالُ والطَّلَبُ، وينقسِمُ إلى قسمينِ: دُعاءُ عبادةٍ ودُعاءُ مسألةٍ، فدُعاءُ المسألةِ "هُوَ طَلَبٌ ما يَنفعُ الدَّاعي مِن جَلْبِ نفعٍ أو دَفعِ ضُرٍّ، وأمَّا دعاءُ العبادةِ فهُوَ سائرُ العباداتِ مِن تسبيحٍ وتهليلٍ وتكبيرٍ وصلاةٍ وغيرِ ذَلِكَ؛ لأنَّ العابِدَ سائلٌ في المعنى، فيكونُ داعيًا عابدًا.

(144) قولُه: (وما ذُكِرَ في الكِتابِ والسُّنَّةِ مِن قُربِه لا يُنافي ما ذُكِرَ مِن عُلُوِّه وفوقِيَّتِه). فإنَّ عُلُوَّه -سُبْحَانَهُ- مِن لوازِمِ ذاتِه، فلا يكونُ قطُّ إلا عاليًا، ولا يكونُ فوقَه شيءٌ ألْبتَّة، كما قال أَعْلمُ الخَلقِ بربِّه: ((وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ)). فهُوَ -سُبْحَانَهُ- قريبٌ في عُلُوِّه عالٍ في قُربِه، فأخبَرَ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- أنَّه أَقْربُ إلى أحِدِهم مِن عُنُقِ راحلِتِه، وأخبَرَ أنَّه فوقَ سماواتِه على عرشِه مطَّلِعٌ على خَلقِه يرى أعمالَهم، وهَذَا حقٌّ لا يُناقِضُ أحدُهما الآخَرَ، والذي يُسَهِّلُ عليكَ فَهْمَ هَذَا معرفةُ عظمَتِه -سُبْحَانَهُ- وإحاطتِه بخَلقِه، وأنَّ السَّماواتِ السَّبعِ في يدِه كخَردلَةٍ في يدِ العبدِ، فكَيْفَ يَستحِيلُ في حقِّ مَن هَذَا بعضُ عظمَتِه أنْ يكونَ فوقَ عرشِه، ويَقُربُ مِن خَلقِه كَيْفَ شاءَ وهُوَ على العرشِ. انتهى. مِن "الصَّواعِقِ".
قولُه: (في دُنُوِّه) أي: قُرْبِهِ.
قولُه: (في نُعوتِه) أي: في صفاتِه، فالوصْفُ والنَّعتُ مترادِفانِ، وقيل متقارِبانِ، فالوصفُ للذَّاتِ والنَّعتُ للفِعِل.


  #9  
قديم 6 رجب 1447هـ/25-12-2025م, 12:12 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 14,419
افتراضي شرح العقيدة الوسطية للشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ (مفرغ)

وجوب الإيمان بقرب الله من خلقه، وأن ذلك لا ينافي علوه وفوقيته
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فهذا الكلام الذي سمعت في هذا الفصل هو كالتفصيل لما ذكر من قبل، وذلك أن الإيمان بعلو الله جل وعلا وأنه عال على خلقه بذاته وأنه مستو على عرشه قد عورض بقربه جل وعلا الذي ورد في النصوص وببطونه جل وعلا وبمعيته جل وعلا لخلقه.
فذكر في الفصل الذي مضى ما يتصل بالمعية وأن معية الله تبارك وتعالى لا تنافي علوه فهو عال جل وعلا على خلقه بذاته، مع أنه معهم سبحانه وتعالى في كل حال المعية العامة ومع عباده المؤمنين المعية الخاصة.
وهذا الفصل فيه ذكر لصفة القرب لله جل وعلا.
وقال: (وقد دّخل في ذلك الإيمان بأنّه قريبٌ من خلقه مجيبٌ)
و(دّخل في ذلك) يعني في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره.

دخل في أركان الإيمان الإيمان بهذه الصفة وأنه جل وعلا (قريبٌ من خلقه مجيبٌ) سبحانه.
وإذا كان كذلك فإن ما دخل في الإيمان بنص الكتاب والسنة لا يناقض ما دخل فيه بنص الكتاب والسنة لأن الحق لا يناقض الحق وإنما يناقض الحقّ الباطل ويناقض الحقّ الباطل وأن ما كان مورده واحدا وهو الدليل من الكتاب والسنة فإن الجميع حق والحق يؤيد الحق ولا يعارضه ولا يناقضه بل الكل حق وخارج مخرجا واحدا في الدلالة على ما يجب اعتقاده.
ومما جاء في الكتاب والسنة من الحق أن الله جل وعلا عال على عرشه مستو عليه وأنه عال على خلقه بذاته سبحانه وتعالى.
وأتى أيضا في الكتاب والسنة أن الله جل وعلا قريب قال سبحانه: ({وإذا سألك عبادي عنّي فإنّي قريبٌ...}) وقال جل وعلا: {هو الأوّل والآخر والظّاهر والباطن} وقال جل وعلا: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} ونحو ذلك من الآيات التي فيها أن الله جل جلاله قريب من عباده وأنه عال على عرشه سبحانه.
فهذا الكل هذه الطائفة من الآيات والطائفة الأخرى التي فيها إثبات صفة العلو لله تبارك وتعالى هذه كلها توافق بعضها بعضا ولهذا قال شيخ الإسلام (وما ذكر في الكتاب والسّنّة من قربه ومعيّته لا ينافي ما ذكر من علوّه وفوقيّته) لأن الكل جاء من الله جل وعلا وإنما قد يتصور بعض الخلق لما في أذهانهم من التصورات السقيمة، قد يتصورون أن هذا يناقض هذا، وهذا باطل.
وسبب هذا التصور أنهم جعلوا الرب تبارك وتعالى في نعوته وصفاته وأحواله أنه جل وعلا ممثلٌ بخلقه، ولما لم يكن ممكنا فيما شاهدوه من الخلق أن يكون المخلوق قريبا عاليا في نفس الوقت قالوا الله جل وعلا لا يمكن أن يكون قريبا وعاليا في نفس الوقت والله جل جلاله ليس كمثله شيء.

فالذين جعلوا المنافاة بين قربه تبارك وتعالى ومعيته وبين علوه علو الذات واستوائه على عرشه هم مشبهة لأنهم ما نفوا ذلك ولا جعلوا هذا يعارض ذاك وهذا ينافي ذاك إلا من جهة أنهم مثلوا وشبهوا فجعلوا الله في صفاته ممثلا بخلقه مشبها بهم ولما جعلوه كذلك لزم التناقض ولزم التنافي بين صفات الله جل وعلا.
فهذا الفصل معقود لبيان علو الله جل وعلا واستوائه على عرشه وأن ذلك لا ينافي قربه تبارك وتعالى.
قال سبحانه: {وإذا سألك عبادي عنّي فإنّي قريبٌ أجيب دعوة الدّاع إذا دعان}
{وإذا سألك عبادي عنّي} قد سأل الصحابة النبي صلّى الله عليه وسلّم فقالوا (أبعيد ربنا فنناديه أم قريب فنناجيه؟) فنزلت هذه الآية {وإذا سألك عبادي عنّي فإنّي قريبٌ أجيب دعوة الدّاع إذا دعان} فالله جل وعلا وصف نفسه بأنه قريب ووصف نفسه بأنه يجيب دعوة الداعي إذا دعاه فدل ذلك على أن القرب المذكور في هذه الآية هو قرب الإجابة من العباد، قرب الإجابة ممن سأله تبارك وتعالى، قرب الإجابة ممن دعاه جل وعلا.
ولهذا قلنا فيما سلف أن قرب الرب جل وعلا في الكتاب والسنة قرب خاص ويقرب جل وعلا من أوليائه، يقرب جل وعلا من الساجد، يقرب جل وعلا من العابد من الداعي إلى غير ذلك فهذا قرب خاص.
وأما القرب العام فإنه يفسر بقرب الإحاطة والبطون والله جل وعلا قريب من جميع خلقه لكن ليس هو القرب الخاص وإنما هو قرب الإحاطة وقرب البطون الذي فسره النبي صلّى الله عليه وسلّم في قوله: (وأنت الباطن فليس دونك شيء)
وفرقٌ بين القرب من غير إضافة والقرب الذي يضاف إلى الإحاطة والبطون.

ولهذا اختار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وجماعة من المحققين أن قرب الله جل وعلا الذي جاء في الكتاب والسنة إنما هو قرب خاص لأنه ما جاء الدليل بالقرب العام وقال بعض أهل العلم: القرب قربان:
* قرب عام.
* وقرب خاص.
فالقرب العام من جميع الخلق بإحاطته جل وعلا وبقدرته عليهم وهذا هو الذي جاء في قوله: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} وقوله: {ونحن أقرب إليه منكم} والقرب الخاص هو الذي جاء في الآيات والأحاديث الأخر التي فيها أنه جل وعلا قريب من خاصة خلقه.
وهذان وجهتان لأهل السنة: هل القرب ينقسم أم لا ينقسم؟
ومحصل ذلك أن قرب الله جل وعلا عند الجميع صفة من صفاته اللائقة به سبحانه وتعالى.
قال جل وعلا: {وإذا سألك عبادي عنّي فإنّي قريبٌ أجيب دعوة الدّاع إذا دعان} وهذا القرب في هذه الآية خاص وقد جعله قرب إجابة جل وعلا وقرب الإجابة نوعان:
* قرب عطاء.
* وقرب إثابة.
فمن سأل الله جل وعلا في دعائة كان داعيا دعاء المسألة فيكون قرب الله جل وعلا منه قرب من يعطي، وإذا دعا العبد ربه جل وعلا في عبادة وطاعة - يعني دعاء - عبادة كان قرب الله جل وعلا منه قرب إثابة.
فإذن الإجابة في تفسير السلف في قوله: {أجيب دعوة الدّاع إذا دعان} فسرت بأنها إعطاء السؤال أو إثابة الداعي، وكل أحد يسأل الله جل وعلا شيئا أو يدعو الله جل وعلا شيئا فإن الله جل وعلا يعطيه ويجيب دعاءه {أجيب دعوة الدّاع إذا دعان} ولا بد فإنه ما من داع يدعو إلا والله جل وعلا يجيب دعاءه.
ولكن إجابة الدعاء أعم من إعطاء عين السؤال فإن العبد قد يدعو بدعاء فيه مسألة وقد يدعو بدعاء ليس فيه مسألة خاصة، فإذا سأل العبد ربه مسألة خاصة (أعطني كذا) فإنه يجاب بإحدى ثلاث خصال:

* إما أن يعطى عين ما سأل (اللهم هيء لي زوجة صالحة) (اللهم هيء لي من أمري رشدا) (اللهم اجعل هذا الأمر خيرا لي) فيجاب في سؤاله فيعطى عين ما سأل هذا حال.
* والثانية أن لا يعطى عين ما سأل ولكنه يؤخر له ذلك في الآخرة فيكون جواب السؤال في الآخرة، هذا أعظم في بعض الأحوال.
* والثالث أن يصرف عنه من السوء مثل ما سأل فهو سأل شيئا وقضى الله جل وعلا بحكمته أن لا يعطي العبد عين ما سأل فيصرف عنه من السوء مثل ما سأل وهذا قد جاء في الحديث الذي رواه مسلم في الصحيح وغيره (ما من عبد يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال) وذكر هذه الخصال التي أسلفت.
فإذن إجابة الداعي قد تكون إجابة للسائل وقد تكون إثابة للعابد، وإجابة السائل أعم من إعطاء عين المسؤول ولهذا في حديث التنزل الإلهي تبارك ربنا وتقدس (فإن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى الثلث الآخر من الليل فيقول هل من سائل فأعطيه هل من مستغفر فأغفر له هل من داع فأجيبه) ومعلوم أن الاستغفار والسؤال والدعاء الأولى تدخل في الثانية فإن المستغفر سائل وليس كل سائل مستغفرا كما أن السائل داع وليس كل داع سائلا، ولهذا نقول الدعاء ينقسم إلى قسمين:
* دعاء مسألة.
* ودعاء عبادة.
وهذا جميعا داخل في قوله جل وعلا: {أجيب دعوة الدّاع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي}
قال رحمه الله (وقوله صلّى الله عليه وسلّم: "إنّ الّذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته")
(إنّ الّذي تدعونه أقرب) فعلق القرب هنا بقربه جل وعلا ممن دعاه.
وذلك أنهم كانوا يرفعون أصواتهم بالدعاء فبين لهم النبي صلّى الله عليه وسلّم أن الله قريب منهم.

وهذا يشهده العبد في هذا القرب الخاص ويشهده أيضا إذا تأمل اسم الله الباطن الذي ليس دونه شيء فيجد أنه إذا قوي علمه بمعنى اسم الله الباطن فإنه يظهر له ظهورا جليا لا لبس معه في قلب العبد المؤمن العالم بأسماء الله وصفاته أنه إذا حدث نفسه بحديث فإن الله جل وعلا معه قريب يسمع جل وعلا ما حدّث به نفسه مطلع عليه يعلمه وذلك لأن الله جل وعلا الباطن الذي ليس دونه شيء.
فلا تتصور أن ثم شيء يمكن أن تكون فيه خفيا على رب العالمين ولو كان ذلك بأقل حديث نفس ولو بخطرة نفس أو بخطرة بال فإن الله جل وعلا ليس دونه شيء يعلم ذلك، وهذا من آثار اسم الله الباطن فإنه جل وعلا ليس دونه شيء كما أوضحنا ذلك مفصلا في معنى البطون في تفسير حديث النبي صلّى الله عليه وسلّم فيما مضى.
قال: (إنّ الّذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) والتمثيل هنا أو المفاضلة بعنق الراحلة لأجل شدة قربها من جهة من على الراحلة فإن عنق الراحلة قريب منه جدا فإذا تحدث بحديث خفي فإن من على عنق الراحلة سيسمعه والله جل وعلا أقرب من ذلك، فهذه المفاضلة للتقريب لتقريب معنى الصفة (إنّ الّذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) فليس العبد بحاجة إلى أن ينادي في الدعاء بل الأمر أمر مناجاة والله جل وعلا قرب موسى عليه السلام فناجاه كما قال سبحانه: {وقرّبناه نجيًّا} فالمناجي هو من حاله القرب والعبد المؤمن العابد لله تبارك وتعالى الذي يستحضر أسماءه وصفاته ويستحضر آثار ذلك في ملكوته وفي نفسه وفي خلق الله تبارك وتعالى فإنه إذا نادى الله جل وعلا يحس بقرب الرب تبارك وتعالى من العبد الداعي خاصة.
وهذا مراد شيخ الإسلام أن القرب، قرب العبد من الله يستلزم قرب الرب جل وعلا من العبد.

وليس هذا القرب قرب مساحة بأن من قرب شيئا مساحة من الأرض أو قرب مسافة فإن المقابل يقرب منه، ليس قرب مسافة ولكنه قربٌ كما يليق بالله جل وعلا.
ولهذا في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: (من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا) وهذا التقرب فإن الله جل وعلا يقرب من العبد إذا قرب العبد منه (وأقرب ما يكون العبد من ربه جل وعلا وهو ساجد).
وهذا قرب لا تحيط به العبارة.. لكن نعلم أنه ليس قربا بالمسافة يعني بحركة البدن لأن العبد وهو ساجد، اثنان يصليان هذا بجنب هذا ويكون أحدهما قريبا جدا من ربه تبارك وتعالى والآخر يكون بعيدا جدا من ربه تبارك وتعالى.
وهذا القرب لا تحيط به العبارة ولكنه حق يحسه العابد إحساسا بينا لا يحتاج معه إلى أن يدلل عليه وهذا ظاهر، هل هو قرب الروح والعلو علو النفس أم شيء آخر؟
ولهذا قال بعض السلف (القلوب والأرواح جوالة فمنها ما يجول حول العرش ومنها ما يجول حول الحش)
فالقلوب جوالة بعضها يرتقي يرتقي يرتقي حتى يصير قريبا.
المقصود من ذلك أن النصوص فيها قرب العبد من الله وفيها قرب الله جل وعلا من العبد وليس الأمر مستلزما، ما نقول قرب العبد من الله يستلزم قرب الله من العبد لأن العبد قد يكون من أهل الخشوع والبكاء ونفسه متعلقه بالله جل وعلا أعظم تعلق ويكون من الممقوتين كما قال طائفة من السلف (ليس الشأن أن تحب ولكن الشأن أن تحب) فهو يتعلق قلبه بالله جل وعلا ولكن يكون على ضلالة وعلى غواية فلا يلزم من قرب العبد من ربه في ظنه أن يكون الله جل وعلا قريبا منه.
ولهذا نقول أن قرب الله تعالى صفة له تبارك وتعالى وأما العبد المؤمن المسدد الصالح فإنه إذا تقرب من الله جل وعلا فإن الله يقرب منه كيف يشاء.

فهذا الاستلزام في حق العبد الصالح إذا قرب من الله جل وعلا فإن الله يقرب منه كما قال جل وعلا (من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة).
قال رحمه الله: (وما ذكر في الكتاب والسّنّة من قربه ومعيّته لا ينافي ما ذكر من علوّه وفوقيّته)
ما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته لأن الجميع حق والحق كما ذكرت لك لا يناقض حقا أبدا بل يكون معه يسير معه ويدل عليه ويبينه ويكون أحدهما دالا على الآخر والآخر دالا على الأول وهكذا.
قال: (فإنّه سبحانه) هذا تعليل (فإنّه سبحانه ليس كمثله شيءٌ في جميع نعوته، وهو عليٌّ في دنوّه، قريبٌ في علوّه)
هو سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته، ليس كمثله شيء سبحانه في علوه علو الذات، ليس كمثله شيء في استوائه على عرشه، ليس كمثله شيء في قربه ليس كمثله شيء في معيته الخاصة ليس كمثله شيء في معيته العامة، ليس كمثله شيء في إحاطته، ليس كمثله شيء في قهره، ليس كمثله شيء في جبروته، ليس كمثله شيء في جماله، ليس كمثله شيء في جلاله تبارك ربنا وتقدس ليس كمثله شيء البتة، وذلك أن العبد لا يمكن أن يتصور شيئا إلا كان الله جل وعلا بخلافه لأن عقل الإنسان لا يمكن أن يطرأ عليه شيء إلا وقد صار لهذا مقدمة وهو أنه:
* قد رأى مثيلا لما طرأ على ذهنه.
* أو يكون رأى شبيها له.
* أو يكون رأى ما يقيسه عليه.
وإلا لا يمكن أن يتصور شيئا {واللّه أخرجكم مّن بطون أمّهاتكم لا تعلمون شيئًا وجعل لكم السّمع والأبصار والأفئدة} فهذه وسائل الإدراك السمع والأبصار والأفئدة حتى يحصل القياس حتى تحصل المعرفة والمعرفة إنما تحصل بالوسائل.

والعبد لا يمكن أن يتصور شيئا حتى يكون ذلك الشيء قد رآه.
إذا قلت لك كتاب تتصور الكتاب لأنك قد رأيته أو رأيت مثيله، كتاب تتصور كيفيته لكن أي كتاب؟ هل هو كبير هل هو صغير؟ لكن يقوم في ذهنك تصور معنى ودلالة هذه الكلمة.
أو تصور لشبيهها لما يشبهها من بعض الصفات.
أو تصور لما يقاس على ما ذكر فتقول الإنسان فإذا قيل لك الإنسان في العلو يعني إذا علا فإنه يخف ويطير في السماء، فإنك ما تتصور هذه العبارة إلا بتصورك للإنسان وما يقاس عليه وتصورك لطيرانه وهو إنسان ومن صفة الإنسان أنه يمشي ليس من صفته أنه يطير، لكن إنسان يطير ما تتصوره، يسبح في الهواء لا تتصوره لأنك هنا إذا ألقي إنسان من فوق فإنه لا بد أن ينزل إلى السفل لكن تتصور ذلك لأن المقدمات موجودة، السباحة تعرف معناها، السقوط تعرف معناه الإنسان بحركته تعرف معناه، فيمكن أن تقيس الحال المجهولة على هذه الحال المعلومة.
والله جل وعلا لم ير، ولم ير مثاله ولم ير شبيها له ولم ير ما يقاس عليه فلهذا لا يمكن أن يخطر في البال شيء، الله جل وعلا يكون شبيها لما طرأ في البال.
ولهذا يكون إثبات الصفات إثبات معنى لا إثبات كيفية اتصاف، فإننا لا نقول يتصف باليد وهذه اليد متصلة مثلا بالجمع، أو نقول متصف بالعينين وهاتان العينان في وجهه على صفة كذا هذا غير مقول، وإنما نثبت الصفة ولا نثبت الكيفية، الكيفية مفوضة لله جل وعلا: {وما يعلم تأويله إلاّ اللّه}.
ولهذا من جعل منافاة بين قربه تبارك وتعالى وبين علوه وفوقيته فإنه يكون مبطلا، لماذا؟
لأنه لم يتصور المنافاة حتى قام في قلبه وعقله التشبيه، فلما قام التمثيل والتشبيه قال لا يمكن أن تجتمع هذه وهذه، لماذا؟
لأن ذهنه شبه أو مثل ثم بعد ذلك سعى في نفي ما عقده الذهن مشبّها وممثّلا، أما المسلّم لنصوص الكتاب والسنة فإنه يثبت الصفات إثبات معنى لا إثبات كيفية.

ومما يدلك على بطلان هذا التشبيه والتمثيل وبطلان من ادعى المنافاة بين القرب والمعية وبين العلو والفوقية إذا تصورت أن الله جل وعلا من عظمته وجلاله وسعته تبارك وتعالى وإحاطته، أن السماوات السبع في كف الرحمن تبارك وتعالى كخردلة في كف أحدكم، تأخذ حبة خردل وتضيع في راحتك، الله تبارك وتعالى السماوات السبع في كف الرحمن كخردلة في كف أحدكم، فكيف بالأرض التي هي صغيرة جدا بالنسبة للسماوات السبع.
ولهذا يقرّب لك ذلك فهم أن اتصاف الله بالصفة لا يعلم كيفيته إلا هو وإنما علينا التسليم.
فمن جعل بعض النصوص مناقضة لبعض وبعض النصوص لا تتفق مع بعض آخر حتى يعمل فيها عقله يكون قد أتي من جهله ومن تشبيهه وتمثيله وضلاله لأنه جعل اتصاف الله جل وعلا بصفاته كاتصاف المخلوق بصفاته وهذا من أصول الضلال التي بها ضل كثير من الخلق.
قال رحمه الله (فإنّه سبحانه ليس كمثله شيءٌ في جميع نعوته)
وقد قدمنا لكم أن قوله: {ليس كمثله شيءٌ} كما قال جل وعلا: {ليس كمثله شيءٌ وهو السّميع البصير} أن هذه فيها تأكيد نفي المماثلة لأن الكاف هنا في قوله: {ليس كمثله شيءٌ} هذه صلة على الصحيح، صلة جاءت لتوكيد الكلام، يعني زائدة لفظا مؤكدة معنى، زائدة لفظا يعني إعرابا... ثلاث مرات، أو أكثر فقال: {ليس كمثله شيءٌ} يعني ليس مثله شيء ليس مثله شيء ليس مثله شيء، فكأنه كرّر الكلام تأكيدا مرارا، أفادنا ذلك مجيء الكاف.
وقال آخرون إن الكاف هنا اسم وليست حرفا وتكون بمعنى مثل وذلك كقوله جل وعلا: {ثمّ قست قلوبكم مّن بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشدّ قسوةً} قال: {أو أشدّ} وجعل (أشد) مرفوعة وهي معطوفة على الكاف قال: {فهي كالحجارة أو أشدّ قسوةً} من الحجارة، فصارت الكاف هنا اسما بمعنى مثل، ومنه أيضا قول الشاعر:

لو كان في قلبي كقدر قلامة
حبا لغيرك ما أتتك رسائلي
قال: (لو كان في قلبي كقدر قلامة) لا بد أن تكون الكاف اسما لأنه إن لم تكن اسما فلا يكون ثم خبر لـ (كان) لأنه تكون كلا الكلمتين شبه جملة (لو كان في قلبي كقدر قلامة) فلا بد أن تكون الكاف اسم أو صلة حتى يستقيم الكلام.
المقصود من ذلك أن قوله: {ليس كمثله شيءٌ} فيها إثبات نفي المثلية.
قال: (في جميع نعوته وهو عليٌّ في دنوّه، قريبٌ في علوّه)
(في جميع نعوته) النعوت عند أكثر أهل العلم هي الصفات، فيقال صفات الرحمن ونعوت الرحمن
ومن أهل العلم من يفرق بين الصفات والنعوت فيجعل الصفات مما يتعلق بالذات ويجعل النعوت مما يتعلق بالأفعال، والأمر فيه واسع، وطريقة شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أن النعوت والصفات متقاربان من جهة الدلالة فهي غير مختصة بالأفعال بل هي نعوت الله جل وعلا وصفاته الذاتية والفعلية وغيره كلها الباب واحد.
قوله هنا (في جميع نعوته) هذا فيه التنبيه على أنه لا يفرق في نفي المثلية بين بعض الصفات وبعض وهذا معلوم من طريقة أهل السنة.
وطائفة من المبتدعة يجعلون عدم المماثلة في النعوت متعلقا ببعض الصفات دون بعض.
فما كان من جهة الأفعال قالوا يقاس على الخلق وما كان من جهة الذات فلا يقاس على الخلق.
وهذا باطل فإن الباب باب واحد في جميع نعوته سبحانه ليس كمثله شيء سواء في الأفعال أو في الصفات، صفات الذات أو صفات الفعل، الصفات الذاتية أو الاختيارية، الباب جميعا باب واحد ليس كمثل الله جل وعلا شيء في جميع النعوت، نعوت الجمال ونعوت الجلال ونعوت الكبرياء ونعوت الربوبية ونعوت الألوهية كل ذلك هو جل وعلا متفرد فيه ليس كمثله شيء.
قال: (وهو عليٌّ في دنوّه، قريبٌ في علوّه)

هذه من كلمات السلف المشهورة أنه جل وعلا (علي في دنوه) وعلوه جل وعلا المقصود هنا (علي) علو الذات في دنوه تبارك وتعالى الذي جاء في بعض الأحاديث (كدنوه من أهل عرفة) في المشهد يدنو الرحمن جل وعلا منهم ثم يباهي بهم الملائكة.
وهو جل وعلا (قريبٌ في علوّه) يعني أنه سبحانه يدنو ويقرب من عباده كيف شاء وهو على عرشه مستو عليه عال على خلقه بذاته تبارك وتعالى.
فعلو الرحمن علو الذات والقهر والقدر وفوقية الرحمن فوقية الذات والقدر والقهر، أو العلو والفوقية الراجعة إلى الذات والراجعة إلى الصفات كل ذلك لا ينافي دنوه تبارك وتعالى ولا ينافي قربه تبارك وتعالى بل هو جل وعلا علي في دنوه قريب في علوه {ليس كمثله شيءٌ وهو السّميع البصير} تبارك ربنا وتقدس وتعاظم.
نقف عند هذا وهذا الدرس هو آخر الدروس في هذا الفصل ثم نستأنف إن شاء الله تعالى بعد ذلك، والفصل القادم قد يطول الكلام عليه بعض الشيء لأنه في الكلام على صفة الكلام لله جل وعلا وأن القرآن كلامه هذا يتطلب كلاما مفصلا.


نجيب على بعض الأسئلة فيما بقي من الزمن
.....
يقول: ذكرت أن آية {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} تدل على قرب الله للعبد يكون أقرب من حبل الوريد فهل هذا النوع من الاستدلال يدل على ذلك وأن الله أقرب إلى العبد من حبل الوريد وقد سمعت من قال إن المعنى قرب الملائكة؟
هذا ذكرته لكم المرة الماضية بأن القرب عند من جعله قربا واحدا خاصا يفسر الآيات التي فيها القرب العام بأنه قرب الملائكة، هذه طريقة شيخ الإسلام وابن القيم رحمهما الله.
يقول: الكلام على أن السماوات السبع في يد الله كالخردلة هل معنى هذا معرفة نسبة السعة وتكون بذلك محددة أم المعنى يقصد به التقريب؟
المقصود بهذا الحديث أن السماوات السبع هي صغيرة بالنسبة لعظمة الله جل وعلا، هذا المقصود، ليس المقصود تحديد النسب..

يقول: بناء على قاعدة نفي المماثلة هل نثبت البطون لله عز وجل بذاته أم أنه باطن بصفاته؟
ذكرنا لكم من قبل أنه بطون الإحاطة وليس بطون الذات، بطون الذات هو تفسير الذين يجعلونه حالا بكل مكان.
يقول: ما معنى قولنا ليس مثل مثله شيء إذا قلنا معنى الكاف مثل؟
ليس مثل مثله شيء، يعني إذا صارت الكاف بمعنى مثل فيكون معنى قوله: {ليس كمثله شيءٌ} يعني ليس مثل مثله شيء وهذا التركيب ظن أن فيه إثبات المثلية لأنه نفى مثل المثل، ونفي مثل المثل لا يلزم منه عقلا نفي المثل، ولأنه نفى البعيد وليس معنى نفي البعيد أن ينفى القريب، ولكن هذا احتجاج عجمي ليس احتجاجا عربيا وأما أهل اللسان العربي يعلمون أن نفي مثل المثل هذا من باب التنزيه والتعظيم فإن من لا يشابهه أحد ولا يماثله فإن من تعظيمه وإجلاله أن لا تنفى المثلية عنه مباشرة بل تنفى المثلية عن الأبعد لدلالة أنه متنزه متعال عظيم عن أن يكون له مثل في الأصل، فإذن قولهم ليس مثل مثله شيء على هذا التقدير يكون ذلك إبعادا لوجود المثل على اللسان العربي لأن مثل ذلك يستعمل لمباعدة النفي عمن لا يستحق وجود الأصل فالله جل وعلا لا يوجد له مثيل ولكن على هذا التقدير إذا صار الكلام ليس مثله شيء عند من قدر هذا التقدير يكون ليس فيه المبالغة في نفي وجود المثيل وليس فيه التعظيم لله جل وعلا عن وجود المثيل فيكون التعبير عندهم أن الكاف بمعنى مثل لأجل المبالغة في نفي وجود المثيل ثم لأجل تعظيم الله جل وعلا عن وجود المثيل جميعا، فإذن يكون هذا التقدير فيه التنزيه والتعظيم لله جل وعلا عن أن يوجد له مثيل باللسان العربي، بعضهم تصور من ذلك أنه نفي لوجود مثل المثل وليس نفيا لوجود المثل نقول هذا كلام عجمي عقلي أما الكلام العربي فإنه يفهم على اللسان العربي ما يفهم على لسان العجم
هذا سؤال عن الخوارج: ما معنى قول ابن القيم في نونيته في وصف الخوارج:

ولهم نصوص قصروا في فهمها
فأتوا من التقصير في العرفان
هل تصح العبارة أن الخوارج أرادوا الآخرة وضلوا الطريق؟
كل المتأولة من هذه الأمة الجميع يريد الآخرة الجميع يريد الجنة الجميع يريد رضا الرحمن جل وعلا فليس كفر من كفر وضلال من ضل عن عناد بل ضلوا عن جهل أو عن تأويل أو عن شبه، فإذا تصور أن ثم من يعتنق مذهبا عنادا فإن هذا يكون من جهة عناده هذا يكون لا يريد الآخرة لكن أراد الدنيا فعاند فأخذ هذا المذهب، وليس هكذا الفرق التي افترقت عن طريق أهل السنة والجماعة عن طريق الصحابة يعني الثنتين وسبعين فرقة، هذه الفرق جميعها افترقت بتأويل حصلت الفتنة الأولى كما يقول شارح الطحاوية بين عثمان وبعده بين علي ومعاوية حصلت هذه الفتنة الأولى فخرجت عدة فرق خرجت الشيعة خرجت الخوارج خرجت الناصبة وخرج المرجئة، حدثت الفتنة الثانية فظهر فرق، حدثت الفتنة الثالثة فظهر الجهمية والمعتزلة إلى آخره، فدائما الفتن تحدث هذا الافتراق وسبب الافتراق بعد الفتن أن المرء يدخل فيها بتأويله يدخل فيها بعقله، وكل أصحاب البدع كما يقول شارح الطحاوية في آخرها كل أصحاب البدع عندهم بعض الحق ليس ثم صاحب بدعة إلا وعنده بعض الحق ولكنه خلط الحق الذي معه برأيه وهواه وعدم تسليمه للأمر الأول فخلط رأيه بالحق فصار عنده خليط من البدعة ومن السنة فيأتي الآتي فينظر إليه فإما أن يذمه جميعا ويقول كل ما عليه هذا ضلال وإما أن يمدحه جميعا وهم طائفته وحزبه ويقول كل ما عليه حق مثل طوائف الخوارج طوائف المرجئة القدرية وهكذا طوائف أهل الضلال، وإما أن ينظر إليه فيقال هذا صاحب بدعة معه حق ومعه باطل، فهم ينظرون إلى النصوص واستدلوا بالنصوص فلهم في النصوص فهم لكنه فهم قاصر مثل ما قال ابن القيم في الخوارح:
ولهم نصوص قصروا في فهمها
فأتوا من التقصير في العرفان

ومن العجمة أتي من انحرف عن الحق والسنة كما يقوله طائفة من السلف، فأولئك لهم نصوص لهم أدلة لكن قصروا في فهمها، أخذوا المتشابه وتركوا المحكم، لهم كل واحد له دليل ما في أحد ما له دليل، لا بد، كل طائفة من طوائف الضلال لها دليل، فليس الشأن في الاستدلال ولكن الشأن أن يكون الاستدلال على وفق طريقة الصحابة رضوان الله عليهم وعلى فهم أئمة السنة، أما وجود المنزع من الاستدلال فإن الله ابتلى هذه الأمة بأن جعل القرآن فيه متشابه يمكن أن يأخذ منه النصراني الحجة على مذهبه بأن محمدا صلّى الله عليه وسلّم رسالته مخصوصة بالعرب قال النصراني قال تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين} {وإنّه لذكرٌ لّك ولقومك وسوف تسألون} فهذا دليل من القرآن على أن رسالة النبي صلّى الله عليه وسلّم خاصة للعرب، الذي لا يحرم الخمر قال: الله جل وعلا قال: {فيهما إثمٌ كبيرٌ ومنافع للنّاس} وقال في اجتنابها {فاجتنبوه لعلّكم تفلحون} فعلله بالفلاح وقال: {اجتنبوه لعلّكم} وهذا فيه تردي يدل على أن المستحب والأفضل تركه لكن لا يدل على حرمته، الخوارج {ومن يقتل مؤمنًا مّتعمّدًا فجزآؤه جهنّم خالدًا فيها} قالوا هذا دليل على تكفير مرتكب الكبيرة، المعتزلة {ولتكن مّنكم أمّةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} قالوا يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر ولو كان في ذلك الخروج عن الإمام الحق فإنه ينهى عن المنكر لعموم الدلالة {ولتكن مّنكم أمّةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عن
المنكر} فأي منكر وجد فإنه لا بد من إنكاره باليد إن استطاع الناس دون النظر إلى التفريق بين الإمام وغيره وبين المقدور عليه وغير المقدور عليه والشرائط التي عند أهل السنة وهكذا، وهكذا فإن كل طائفة خرجت عن الحق ينطبق عليها كلام ابن القيم هذا:
ولهم نصوص قصروا في فهمها
فأتوا من التقصير في العرفان
وسبب ذلك المجملات، المجملات من أنواع المتشابه لدلالتها على أكثر من حال، والمجمل إذا ما بين واتضح بيانه من النصوص وأفهم بيانه أهل العلم فإنه يحصل الالتباس في هذه المجملات يعني التي تحتمل أكثر من شيء، ولهذا يقول ابن القيم أيضا في النونية بعد كلام له في بعض مسائل القدر وهو انقسام الإرادة يقول:
فعليك بالتفصيل والتبيين فالـ
إطلاق والإجمال دون بيان
قد أفسدا هذا الوجود...
(عليك بالتفصيل والتبيين) إذا كان العالم يتكلم فإنه يفصل ويبين في المؤلّف وكذلك في الكلام يفصل ويبين فإن أكثر الناس يتعلق بالمجملات ويقع منه اشتباه من جهة ما سمع لأجل عدم التبيين فيقول (عليك بالتفصيل والتبيين) التفصيل والتبيين لنصوص الكتاب والسنة (فالإجمال والإطلاق دون بيان قد أفسدا هذا الوجود) يعني أن من أخذ بالمجمل ولم يأخذ بالمبين من أخذ بالمطلق ولم يأخذ بالمقيد من أخذ بالنص يعني بالدليل مع الكتاب والسنة ولم ينظر في فهمه إلى فهم أهل العلم فإنه يحصل له من البعد عن طريقة أهل السنة بقدر ما بعد من جهة فهمه للأدلة.
هذه مسألة عظيمة لا بد لطالب العلم من أن يرعاها تماما.
......
على كل حال المشترك اللفظي هو الذي يكون يصدق على كذا واحد بدون تداخل.
عين هذه العين الباصرة وعين الماء والذهب إلى آخره، هذه كل واحدة لها معنى.
أو يكون المشترك مما يدل على معنيين فأكثر ولا يعرف دلالته مثل القرء يدل على الطهر ويدل على الحيض، وهل يحمل المشترك اللفظي على معنى واحد أو على معنيين أو على معانيه؟

الصحيح أنه يحمل على معانيه جميعا ما لم يدل الدليل على واحد منها وهذه قاعدة من قواعد التفسير، على كل حال المعية معية الله تبارك وتعالى لعباده ليست من جهة المشترك، هي معية هذه المعية الخاصة لها معناها والمعية العامة لها معناها وكل ذلك من مقتضيات معية الله جل وعلا لعباده...
يقول ذكرت أن أهل السنة أخرجوا الجهمية من الإسلام فما هي الفرق التي أخرجت من الإسلام؟
الجهمية أخرجهم من الإسلام عبدالله بن المبارك وجماعة يعني أخرجوهم من الثنتين وسبعين فرقة، أصلا، وأخرجهم من الإسلام أصلا يعني جعلوهم مرتدين أكثر بل كل أهل السنة:
ولقد تقلد كفرهم خمسون في
عشر من العلماء في البلدان
و الرافضة أيضا ألحقوا بالفرق التي لا تدخل في الثنتين وسبعين فرقة، وبعض أهل العلم يرى دخول الرافضة في الثنتين والسبعين فرقة وذلك لأن قول النبي صلّى الله عليه وسلّم (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة) هذا الافتراق لا يدل على أن هذه الثنتين وسبعين فرقة من هذه الأمة على أنها مخلدة في النار لا يدل عليه بل هي متوعدة بالنار، والمعتزلة يسأل عنهم السائل ليسوا بخارجين من الإسلام كطائفة، هم من الطوائف الثنتين وسبعين فرقة لكن منهم يعني من المعتزلة من يخرج من الإسلام.
هل يجوز أن أسلم على أخت جدتي والتي تعتبر بالنسبة للوالدة خالة؟.
نعم، خالة أمك خالتك محرمة عليك يعني يجوز أن تسلم عليها.
وفي هذا القدر كفاية.
وأسأل الله جل وعلا لي ولكم الهدى السداد.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

موضوع مغلق

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الإيمان, بقرب

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:23 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir