دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > العقيدة > متون العقيدة > العقيدة الواسطية

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 13 ذو القعدة 1429هـ/11-11-2008م, 02:21 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 11,769
افتراضي الإيمان برؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة

قَوْلُهُ : {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}[سُورَةُ الْقِيَامَةِ : 22- 23] ، {عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ}[سُورَةُ الْمُطَفِّفِينَ : 23] ، {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}[سُورَةُ يُونُسَ : 26] ، {لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ}[سُورَةُ ق : 35] ، وهََذَا البابُ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى كثيرٌ. منْ تَدَبَّرَ القُرآنَ طَالِبًا لِلْهُدَى منْهُ تَبَيَّنَ لَهُ طَرِيقُ الْحَقِّ .


  #2  
قديم 18 ذو الحجة 1429هـ/16-12-2008م, 07:09 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي شرح العقيدة الواسطية للشيخ : عبد الله بن عبد العزيز بن باز

ليس للشيخ تعليق على هذه الجزئية

  #3  
قديم 18 ذو الحجة 1429هـ/16-12-2008م, 07:10 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي نبيهات اللطيفة للشيخ : عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وقوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) [القيامة: 22- 23]. (عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ) [المطففين: 23]. (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) [يونس: 26]. وقوله: (لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) [ق: 35].[1]
وهذا البابُ في كتابِ اللهِ تعالى كثيرٌ. مَنْ تدبَّرَ القُرآنَ طالباً للهُدَى منه تبيَّنَ له طريقُ الحقِّ([2]).


([1]) ومن أصول أهل السُّنة والجماعة الثابتة، إثبات رؤية المؤمنين لربهم في دار القرار والتنعُّم برؤيته وقربه ورضوانه ويدل على ذلك من الآيات التي ذكرها المصنِّف قوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ) أي جميلة ناعمة حسَنة (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) وهذا صريح في نظرهم إلى ربهم، وكذلك قوله (عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ) أي إلى ما أعطاهم من النعيم الذي أجلّه وأعظمه النظر إلى ربهم، وكذلك قوله: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ) أي وفوا مقام الإحسان (الحُسنى) التي هي الجنّة (وَزِيادةٌ) وهي النّظر إلى وجه الله الكريم، وكذلك قوله (لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ).


([2])ذكر المصنِّف رحمه الله في هذا الموضوع عدة آيات وكلها داخلة في الإيمان بالله، ويتضح معناها عموماً وخصوصاً بذكر أصول وضوابط نوضحها فيما يأتي:
منها أن هذه النصوص القرآنية تنطبق عليها القاعدة المتفق عليها بين السلف وهو أنه يجب الإيمان بجميع الأسماء الحسنى وما دلّت عليه من الصفات وما نشأ عنها من الأفعال، مثال ذلك: القدرة، يجب علينا الإيمان بأنه على كل شيء قدير، والإيمان بكمال قدرة الله، والإيمان بأن قدرته شاملة لجميع الكائنات، وبأنه عليم ذو علم محيط، وأنه يعلم الأشياء كلها. وهكذا بقية الأسماء الحسنى، على هذا النمط، كما في هذه الآيات التي ذكر المصنِّف من الأسماء الحُسنى فإنها داخلة في الإيمان بالله، وما فيها من ذكر الصفات مثل عزة الله وقدرته وعلمه وحكمته وإرادته ومشيئته وكلامه وأمره وقوله ونحوها، فإنها داخلة في الإيمان بالله، وما فيها من ذكر الأفعال المطلقة والمقيدة مثل: (يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) ويعلم كذا وكذا، ويحكم ويريد وسمع ويسمع ويرى وأسمع وأرى وقال ويقول وكلّم ويكلِّم ونادى وناجى ونحوها من الأفعال فإنها داخلة في الإيمان بأفعاله تعالى، فعلى العبد الإيمان بكلّ ذلك إجمالاً وتفصيلاً وإطلاقاً وتقييداً على الوجه اللائق بجلال الله وعظمته وأن يعلم أن صفاته لا تشبهها صفات المخلوقين، كما أن ذاته لا تشبهها ذوات المخلوقين.
ومن الأصول المتفق عليها بين السلف التي دلّت عليها هذه النصوص أن صفات الباري قسمان:
- صفات ذاتية لا تنفك عنها الذات كصفة الحياة، والعلم، والقدرة، والقوة، والعزة، والملك، والعظمة، والكبرياء ونحوها كالعلوّ المطلق.
- وصفات فعلية: تتعلق بها أفعاله في كل وقت وآن وزمان، ولها آثارها في الخلق والأمر، فيؤمنون بأنه تعالى فعّال لما يريد، وأنه لم يزل ولا يزال يقول ويتكلم ويخلق ويدبر الأمور، وأن أفعاله تقع شيئاً فشيئاً تبعاً لحكمه وإرادته. فإن شرائعه وأوامره ونواهيه الشرعية لا تزال تقع شيئاً فشيئاً، وقد دلّ على هذا الأصل الكبير ما في هذه النصوص من ذكر قال ويقولُ وسمع ويسمع وكلّم ويكلِّم ونادى وناجى وعلم وكتب ويكتب وجاء ويجيء وأتى ويأتي وأوحى ويوحي ونحوها من الأفعال المتنوعة التي تقع مقيدة بأوقاتها كما سمعت في هذه النصوص المذكورة آنفاً، وهذا أكبر الأصول وأعظمها ولقد صنّف فيه المؤلف مصنَّفاً مستقلاً، وهو المسمى بالأفعال الاختيارية. فعلى المؤمن الإيمان بكل ما نسبه الله لنفسه من الأفعال المتعلقة بذاته كالاستواء على العرش والمجيء والإتيان والنزول إلى السماء الدنيا والقول ونحوها، والمتعلِّقة بخلقه كالخلق والرزق وأنواع التدبير.

فصل
اعلم أنّ أهل السُّنة والجماعة وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وأهل القرون المفضَّلة متفقون على إثبات جميع ما ورد في الكتاب والسُّنة من صفات الله، لا فرق بين الذاتية منها كالعلم والقدرة والإرادة والحياة والسمع والبصر ونحوها، ولا بين الفعلية كالرضى والغضب والمحبّة والكراهية، وكذلك لا فرق بين إثبات الوجه واليدين ونحوها، وبين الاستواء على العرش والنزول إلى السماء الدنيا كل ليلة وغيرها، وكلها يثبتونها من غير نفي لشيء منها ولا تأويل ولا تحريف ولا تمثيل، وهذا هو الحق، وهو الصراط المستقيم، وهو الطريق المنْجي من عذاب الله والهدي والنور، وخالفهم في هذا الأصل طائفتان من أهل البدع.
إحداهما: الجهمية والمعتزلة على اختلاف طوائفهم فإنهم نفوا جميع الصفات ولم يثبتوا إلا الأسماء والأحكام، والآيات السابقة كلها تنقض قولهم وتبطله، وكذلك كلامهم هذا ينقض بعضه بعضاً، فإن إثبات الأسماء والأحكام بلا أوصاف تقوم بالله محال عقلاً، كما أنه باطل سمعاً.
الطائفة الثانية: الأشعرية ومن تبعهم، وهم أخف حالاً وأهون من المعتزلة لأنهم وافقوا أهل السنة في شيء ووافقوا المعتزلة في شيء. وافقوا أهل السُّنة في إثبات الصفات السّبع وهي الحياة والكلام والعلم والسمع والبصر والإرادة والقُدرة، ووافقوا المعتزلة في بقية الصِّفات، والجميع محجوجون بالكتاب والسُّنة وإجماع الصحابة والقرون المفضّلة على الإثبات العام، وأما النّفي للصفات كلها أو التناقض، فإنه مخالف للكتاب والسُّنة، ومناف للعقل الصحيح، فلا يثبت للعبد إيمان إلا بالإيمان المحض والعمل بما جاء به الرسول بلا شرط ولا قيد، والدوران مع النصوص الشرعية إثباتاً ونفياً.


  #4  
قديم 19 ذو الحجة 1429هـ/17-12-2008م, 06:41 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي شرح العقيدة الواسطية للشيخ محمد خليل هراس

وَقَوْلُهُ: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ. إِلى رَبِّها نَاظِرَةٌ }، { عَلَى الأَرَائِكَ يَنْظُرُونَ }، { لِلَّذينَ أَحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيَادَةٌ }، وقَوْلُهُ: { لَهُمْ مَا يَشَاؤُونَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيْدٌ }، وهذا البابُ في كِتابِ اللهِ كَثيرٌ، مَنْ تَدَبَّرَ القُرآنَ طالِبًا للهُدى مِنْهُ؛ تَبَيَّنَ لهُ طريقُ الحَقِّ (42).

(42) قولُهُ: { وُجُوهٌ يَوْمَئذٍ نَاضِرةٌ … } إلخ. هذهِ الآياتُ تُثبتُ رؤيةَ المؤمنينَ للهِ عزَّ وجلَّ يومَ القيامةِ في الجنَّةِ.
وقَدْ نفاهَا المعتزلَةُ؛ بناءً على نفيِهِم الجهةَ عن اللهِ؛ لأنَّ المرئيَّ يجبُ أنْ يكونَ في جِهةٍ مِن الرَّائِي، وما دامتْ الجهةُ مستحيلَةٌ، وهيَ شرطٌ في الرُّؤيةِ؛ فالرُّؤيةُ كذلكَ مستحيلةٌ.
واحتجُّوا مِن النَّقلِ بقولِهِ تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصارُ }، وقولِهِ لموسى عليهِ السَّلامُ حينَ سألَهُ الرُّؤيةَ: { لَنْ تَرَاني ولكِنِ انْظُرْ إِلى الجَبَلِ فإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي }.
وأَمَّا الأشاعرةُ؛ فَهُمْ معَ نفيِهِمْ الجِهةَ كالمعتزلةِ يُثبتون الرُّؤيةَ، ولذلكَ حارُوا في تفسيرِ تلكَ الرُّؤيةِ، فمِنْهُمْ مَنْ قالَ: يرونَهُ مِن جميعِ الجهَاتِ، ومِنْهُمْ مَنْ جعلَهَا رُؤيةً بالبصيرةِ لا بالبصرِ، وقالَ: المقصودُ زيادةُ الانكشافِ والتَّجلِّي حتَّى كأنَّهَا رؤيةُ عينٍ.
وهذهِ الآياتُ التَّي أوردَهَا المؤلِّفُ حُجَّةٌ على المعتزلةِ في نفيِهِمُ الرُّؤيةَ؛ فإنَّ الآيةَ الأولى عُدِّي النَّظرُ فيهَا بِـ ( إِلى )، فيكونُ بمعنى الإِبصارِ؛ يُقالُ: نظرتُ إليهِ وأبصرتُهُ بمعنى، وَمُتَعَلَّقُ النَّظرِ هوَ الرَّبُ جلَّ شأنُهُ.
وأَمَّا ما يتكلَّفهُ المعتزلةُ مِن جعلِهِمْ ( ناظرَةٌ ) بمعنى منتظرةٌ، و ( إلى ) بمعنى: النِّعمةِ، والتَّقدْيرُ: ثوابُ رَبِّهَا منتظرةٌ؛ فهوَ تأويلٌ مُضحكٌ.
وأَمَّا الآيةُ الثانيةُ؛ فتُفِيدُ أنَّ أهلَ الجنَّةِ، وهمْ على أرائِكِهِمْ – يعني: أَسِرَّتِهمْ، جمعُ أَرِيكةٍ – ينظرون إلى رَبِّهمْ.
وأَمَّا الآيتانِ الأخِيرتانِ؛ فقَدْ صحَّ عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلمَ تفسيرُ الزِّيادةِ بالنَّظرِ إلى وجهِ اللهِ عزَّ وجلَّ.
ويشهدُ لذلكَ أيضًا قولُهُ تعالى في حقِّ الكفَّارِ: ( كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبونَ ). فدلَّ حَجْبُ هؤلاءِ على أنَّ أولياءَهُ يرونَهُ.
وأحاديثُ الرُّؤيةِ متواترةٌ في هذا المعنى عندَ أهلِ العلمِ بالحديثِ، لا ينكرُهَا إلاَّ مُلحدٌ زِنديقٌ.
وأَمَّا ما احتجَّ بهِ المُعتزِلَةُ مِن قولِهِ تعالى: { لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصارُ }؛ فَلا حُجَّةَ لهمْ فيهِ؛ لأنَّ نفيَ الإِدراكِ لا يستلزمُ نفيَ الرُّؤيةِ، فالمرادُ أنَّ الأبصارَ تراهُ، ولكنْ لا تحيطُ بهِ رُؤيةً؛ كمَا أنَّ العقولَ تعلمُهُ ولكنْ لا تحيطُ بهِ عِلمًا؛ لأنَّ الإِدراكَ هوَ الرُّؤيةُ على جِهةِ الإِحاطةِ، فهوَ رُؤيةٌ خاصَّةٌ، ونفيٌ الخاصِّ لا يستلزمُ نفيَ مطلقِ الرُّؤيةِ.
وكذلكَ اسْتِدْلاَلُهُمْ على نَفْيُ الرُّؤيةِ بقولِهِ تعالى لِمُوسى عليهِ السَّلامُ: ( لَنْ تَرانِي ) لا يَصلُحُ دليلاً، بلْ الآيةُ تدلُّ على الرُّؤيةِ مِن وُجُوهٍ كثيرةٍ؛ مِنهَا:
1 – وُقُوعُ السُّؤالِ مِن مُوسى، وهوَ رسولُ اللهِ وكليمُهُ، وهوَ أعلمُ بما يستحيلُ في حقِّ اللهِ مِن هؤلاءِ المُعتزِلَةِ، فلو كانَتِ الرُّؤيةُ مُمتنِعَةً لَمَا طلبَهَا.
2 – أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ علَّقَ الرُّؤيةَ على استقرارِ الجبلِ حالَ التَّجلِّي، وهوَ ممكنٌ، والمعلَّقُ على الممكنِ ممكنٌ.
3 – أنَّ اللهَ تجلَّى للجبلِ بالفعلِ، وهوَ جمادٌ، فلا يمتنِعُ إذًا أنْ يتجلَّى لأهلِ محبَّتِهِ وأصفيائِهِ.
وأَمَّا قولُهُم: إنَّ ( لَنْ ) لتأبِيدِ النَّفيِ، وأَنَّهُا تدلُّ على عدمِ وُقُوعِ الرُّؤيةِ أصلاً؛ فهوَ كَذِبٌ على اللُّغةِ، فقَدْ قالَ تعالى حكايةً عن الكفَّارِ: { ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا }، ثمَّ قالَ: { ونَا دَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ }، فأخبرَ عن عدمِ تمنِّيهِمْ للموتِ بِـ (لَنْ)، ثمَّ أخبرَ عن تمنِّيهمْ لهُ وَهُمْ في النَّارِ.
وإذًا؛ فمعنى قولِهِ: { لَنْ تَرَاني }: لنْ تستطيعَ رُؤيتِي في الدُّنيا؛ لضعفِ قُوَى البشرِ فيهَا عن رؤيتِهِ سبحانَهُ، ولو كانَتِ الرُّؤيةُ ممتنعةً لذاتِهَا؛ لقالَ: إنِّي لا أُرَى، أو لا يجوزُ رُؤيَتِي، أو لستُ بمرئيٍّ … ونحوَ ذلكَ، واللهُ أعلمُ.
مباحثُ عامَّةٌ حولَ آياتِ الصِّفاتِ:
إنَّ النَّاظِرَ في آياتِ الصِّفاتِ التَّي ساقَهَا المؤلِّفُ رَحِمَهُ اللُهُ يستطيعُ أنْ يستنبِطَ منهَا قواعدَ وأصولاً هَامَّةً يجبُ الرُّجوعُ إِلَيْهَا في هذا البابِ:
الأصلُ الأوَّلُ: اتَّفقَ السَّلَفُ على أَنَّهُ يجبُ الإِيمانُ بجميعِ الأسماءِ الحُسنى، وما دلَّتْ عليهِ مِن الصِّفاتِ، وما ينشأُ عنها مِن الأفعالِ.
مثالُ ذلكَ القُدرةُ مثلاً، يجبُ الإِيمانُ بأنَّهُ سبحانَهُ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، والإِيمانُ بكمَالِ قُدرتِهِ، والإِيمانُ بأنَّ قدْرتَهُ نشأَتْ عنهُا جميعُ الكائناتِ.. وهكذا بقيَّةُ الأسماءِ الحُسنى على هذا النَّمَطِ.
وعلى هذا؛ فما وردَ في هذهِِ الآياتِ التَّي ساقَهَا المصنِّفُ مِن الأسماءِ الحُسنى؛ فإنَّهَا داخلةٌ في الإِيمانِ بالاسمِ.
وما فيهَا مِن ذِكرِ الصِّفاتِ؛ مثلُ: عزَّةِ اللهِ، وقُدرتِهِ، وعلمِهِ، وحكمتِهِ، وإرادتِهِ، ومشيئتِهِ؛ فإنَّهَا داخلةٌ في الإِيمانِ بالصِّفاتِ.
وما فيهَا مِن ذِكرِ الأفعالِ المُطلَقةِ والمقيَّدةِ، مِثلُ: يعلمُ كذا، ويحكمُ ما يُريدُ، ويرى، ويسمعُ، ويُنادِي، ويُناجِي، وكلَّمَ، ويكلِّمُ؛ فإنَّهَا داخلةٌ في الإِيمانِ بالأفعالِ.
الأصلُ الثَّانِي: دلَّتْ هذهِ النُّصوصُ القرآنيَّةُ على أنَّ صفاتَ البارِي قِسمانِ:
1 – صفاتٌ ذاتيَّةٌ لا تنفكُّ عنها الذَّاتُ، بلْ هيَ لازمةٌ لهَا أزلاً وأبدًا، ولا تتعلََّقُ بهَا مشيئتُهُ تعالى وقُدرتُهُ، وذلكَ كصِفاتِ: الحياةِ، والعلمِ، والقدْرةِ، والقوَّةِ، والعزَّةِ، والمُلكِ، والعظمةِ، والكبرياءِ، والمجدِ، والجلالِ … إلخ.
2 – صفاتٌ فعليَّةٌ تتعلَّقُ بهَا مشيئتُهُ وقُدرتُهُ كلَّ وقتٍ وآنٍ، وتحدثُ بمشيئتِهِ وقُدرتِهِ آحادُ تلكَ الصِّفاتِ مِن الأفعالِ، وإنْ كانَ هوَ لمْ يزلْ موصوفًا بهَا، بمعنى أنَّ نوعَهَا قدْيمٌ، وأفرادُهَا حادثَةٌ، فهوَ سبحانَهُ لمْ يزلْ فعّالاً لِمَا يُريدُ، ولمْ يزلْ ولا يزالُ يقولُ ويتَكَلَّمُ ويخلقُ ويُدبِّرُ الأمورَ، وأفعالُهُ تقعُ شيئًا فشيئًا؛ تبعًا لحكمتِهِ وإرادتِهِ.
فعلى المؤمنِ الإِيمانُ بكلِّ ما نسبَهُ اللهُ لنفسِهِ مِن الأفعالِ المتعلِّقةِ بذاتِهِ؛ كالاستواءِ على العرشِ، والمجيءِ، والإِتيانِ، والنُّزولِ إلى السَّماءِ الدُّنيا، والضَّحكِ، والرِّضى، والغضبِ، والكراهيةِ، والمحبَّةِ. والمتعلِّقةِ بخلقِهِ؛ كالخلقِ، والرِّزقِ، والإِحياءِ، والإماتَةِ، وأنواعِ التَّدبيرِ المختلفةِ.
الأصلُ الثَّالثُ: إثباتُ تفرُّدِ الرَّبِّ جلَّ شأنُهُ بِكُلِّ صفةِ كمَالٍ، وأنَّهُ ليسَ لهُ شريكٌ أو مثيلٌ في شيءٍ مِنهَا.
وما وردَ في الآياتِ السَّابِقةِ مِن إثباتِ المَثَلِ الأعلى لهُ وحدَهُ، ونفيِ النِّدِ والمِثلِ والكُفءِ والسَّمِيِّ والشَّريكِ عنهُ يدُلُّ على ذلكَ؛ كمَا يدُلُّ على أَنَّهُ مُنزَّهٌ عن كلِّ نقصٍ وعيبٍ وآفةٍ.
الأصلُ الرَّابعُ: إثباتُ جميعِ ما وردَ بهِ الكتابُ والسُّنَّةُ مِن الصِّفاتِ، لا فرقَ بينَ الذَّاتيَّةِ منهَا؛ كالعلمِ والقدْرةِ والإِرادةِ والحياةِ والسَّمعِ والبصرِ ونحوِهَا، والفعليَّةِ؛ كالرِّضَا والمحبَّةِ والغضبِ والكراهَةِ، وكذلكَ لا فرقَ بينَ إثباتِ الوجهِ واليدينِ ونحوِهِمَا، وبينَ الاستواءِ على العرشِ والنُّزولِ، فكلُّهَا مما اتَّفَقَ السَّلفُ على إثباتِهِ بلا تأويلٍ ولا تعطيلٍ، وبلا تشبيهٍ وتمثيلٍ.
والمُخَالِفُ في هذا الأصلِ فريقانِ:
1 - الْجَهْمِيَّةُ: ينفُون الأسماءَ والصِّفاتِ جميعًا.
2 – المُعْتَزِلَةُ: فإنَّهمْ ينفُون جميعَ الصِّفاتِ، ويُثبتون الأسماءَ والأحكامَ، فيقولون: عليمٌ بلا عِلمٍ، وقَديرٌ بلا قُدرةٍ، وحيٌّ بلا حياةٍ … إلخ.
وهذا القولُ في غايةِ الفسادِ؛ فإنَّ إثباتَ موصوفٍ بلا صِفةٍ، وإثباتَ ما للصِّفةِ للذَّاتِ المجرَّدةِ: مُحالٌ في العقلِ؛ كمَا هوَ باطلٌ في الشَّرعِ.
أَمَّا الأشعريةُ ومَنْ تَبِعَهُم؛ فإنَّهمْ يوافِقُون أهلَ السُّنَّةِ في إثباتِ سبعِ صفاتٍ يُسَمُّونَهَا صفاتَ المعانِي، ويدَّعون ثُبُوتَهَا بالعقلِ، وهيَ: الحياةُ، والعلمُ، والقدْرةُ، والإِرادةُ، والسَّمعُ، والبصرُ، والكلامُ.
ولكنَّهمْ وافقوا المُعتزِلَةَ في نفيِ ما عدا هذهِِ السَّبعِ مِن الصِّفاتِ الخبريَّةِ التَّي صحَّ بهَا الخبرُ.
والكلُّ محجُوجون بالكتابِ والسُّنَّةِ وإجماعِ الصَّحابةِ والقرونِ المفضَّلةِ على الإِثباتِ العامِّ.


  #5  
قديم 19 ذو الحجة 1429هـ/17-12-2008م, 06:44 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي شرح العقيدة الواسطية للشيخ: صالح بن فوزان الفوزان

وَقَوْلُهُ: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ. إِلى رَبِّها نَاظِرَةٌ )، ( عَلَى الأَرَائِكَ يَنْظُرُونَ )، ( لِلَّذينَ أَحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيَادَةٌ )، وقَوْلُهُ: ( لَهُمْ مَا يَشَاؤُونَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ )، وهذا البابُ في كِتابِ اللهِ كَثيرٌ، مَنْ تَدَبَّرَ القُرآنَ طالِباً للهُدى مِنْهُ؛ تَبَيَّنَ لهُ طريقُ الحَقِّ.(40)


(40)قولُه تعالى: (وُجُوهٌ) أي وجوهُ المؤمنين (يَومَئِذٍ) أي يومَ القيامةِ (نَاضِرَةٌ) بالضَّادِ مِن النَّضَارةِ وهي البهَاءُ والحُسنُ. أي ناعِمةٌ غَضَّةٌ حَسَنةٌ مُضِيئةٌ مُشْرِقةٌ (إلى رَبِّهَا) أي: خالِقهَا (نَاظِرَةٌ) أي تنظرُ إليه بأبصارِها كما تواترت به الأحاديثُ الصَّحيحةُ، وأجمع عليه الصَّحابةُ والتَّابعون وسلفُ الأُمَّةِ، واتَّفق عليه أئمَّةُ الإسلامِ، فالشَّاهدُ مِن الآيةِ الكريمةِ: إثباتُ رؤيةِ المؤمنينَ لرَبِّهم يومَ القيامةِ ـ وقولُه: (عَلى الأَرائِكِ) جَمعُ أريكةٍ وهي السُّررُ (يَنْظرونَ) إلى اللهِ عزّ وجلّ. وأمَّا الكفَّارُ فقد تقدَّم في الآياتِ التي قبل هذه الآيات أنَّهم (عَنْ رَبّهِمْ يَوْمَئذٍ لَمحْجُوبُونَ).
والشَّاهِدُ مِن الآيةِ: إثباتُ رؤيةِ المؤمنين لرَبِّهم عزَّ وجلَّ.
وقولُه تعالى: (للَّذيِنَ أَحْسَنُوا) بالقيامِ بما أوجبه اللهُ عليهم مِن الأعمالِ والكفِّ عما نهاهم عنه مِن المعاصي (الحُسْنَى) أي: المثوبةُ الحسنى. وقيلَ: الجنَّةُ. (وَزِيَادَةٌ) وهي النَّظرُ إلى وجهِ اللهِ الكريم، كما ثبت تفسيرُها بذلك عَن رسولِ اللهِ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ في صحيحِ مسلمٍ وغيرِه، وكما فسَّرها بذلك سَلَفُ هذه الأُمَّةِ، وعَلى ذلك يكونُ الشَّاهِدُ مِن الآيةِ الكريمةِ: إثباتَ رؤيةِ المؤمنين لرَبِّهم يومَ القيامةِ.
وقولُه تعالى: (لَهُمْ مَا يَشاءُونَ فِيهَا) أي للمؤمنين في الجنَّةِ ما تشتهي أنفسُهم وتَلَذُّ أعينهُم مِن فُنونِ النَّعيمِ وأنواعِ الخيرِ (وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) أي زيادةٌ عَلى ذلك، وهو النَّظرُ إلى وجِه اللهِ الكريمِ. وهذا هو الشَّاهدُ مِن الآيةِ الكريمةِ، وهو إثباتُ النَّظرِ إلى وجِه اللهِ الكريمِ في الجنَّةِ.
ما يُستفادُ مِن الآياتِ الكريمةِ:
يستفادُ منها إثباتُ رؤيةِ المؤمنين لرَبِّهم يومَ القيامةِ، وأنَّها أعظمُ النَّعيمِ الذي ينالونه. وهذا هو قولُ الصَّحابةِ والتَّابعين وأئمّةِ المسلمين، خلافا للرَّافضةِ والجهميّةِ والمعتزلة، الذين ينفُونَ الرُّؤيةَ ويخالفونَ بذلك الكتابَ والسُّنَّةَ وإجماعَ سلفِ الأمةِ وأئمَّتَها، ويعتمدون عَلى شُبهٍ واهيةٍ وتعليلاتٍ باطلةٍ منها:
1-قولُهم: إنَّ إثباتَ الرُّؤيةِ يلزمُ منه إثباتُ أنَّ اللهَ في جِهةٍ، ولو كان في جهةٍ لكان جسمًا، والله منـزَّهٌ عن ذلك. والجوابُ عَن هذه الشُّبهةِ أن نقولَ: لفظُ الجهةِ فيه إجمالٌ. فإن أُرِيدَ بالجهةِ أنَّه حَالٌّ في شيءٍ مِن مخلوقاتِه، فهذا باطلٌ، والأدلةُ تردُّه، وهذا لا يلزمُ مِن إثباتِ الرؤيةِ، وإن أُرِيد بالجهةِ أنَّه سبحانَه فوقَ مخلوقاتِه، فهذا ثابتٌ للهِ سبحانَه، ونفيُه باطلٌ، وهو لا يتنافى مع رؤيتِه سبحانَه.
2-استدلُّوا بقولِه تعالى لموسى: (لَنْ تَرَانِي)، والجوابُ عَن هذا الاستدلالِ: أنَّ الآيةَ الكريمةَ واردةٌ في نفيِ الرُّؤيةِ في الدُّنيا، ولا تنفي ثبوتَها في الآخرةِ، كما ثبت في الأدلَّةِ الأُخرى. وحالةُ النَّاسِ في الآخرةِ تختلفُ عن حالتِهم في الدُّنيا.
3- استدلُّوا بقولِه تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ)، والجوابُ عَن هذا الاستدلالِ: أنَّ الآيةَ إنَّما فيها نفيُ الإدراكِ وليس فيها نفيُ الرُّؤيةِ. والإدراكُ: معناه الإحاطةُ، فاللهُ سبحانَه وتعالى يراه المؤمنون ولا يحيطون به، بل نفيُ الإدراكِ يلزمُ منه وجودُ الرؤيةِ، فِالآيةُ مِن أدلَّةِ إثباتِ الرُّؤيةِ، واللهُ تعالى أعلمُ.
وقولُ المؤلِّفِ رحمه اللهُ: (وَهَذَا الْبَابُ في كِتَابِ اللهِ كَثِيرٌ) أي بابُ إثباتِ أسماءِ اللهِ وصفاتِه في القرآنِ كثيرٌ، وإنما ذكر المؤلِّفُ بعضَه، فقد ورد في آياتٍ كثيرةٍ مِن كتابِ اللهِ إثباتُ أسماءِ اللهِ وصفاتِه عَلى ما يليقُ به، و(مَن تدبَّر القرآنَ) أي تفكَّر فيه وتأمَّل ما يدلُّ عليه مِن الهُدى (تَبَيَّنَ لَهُ طَرِيقُ الْحَقِّ) أي اتَّضح له سبيلُ الصَّوابِ، وتدبُّرُ القرآنِ هو المطلوبُ مِن تلاوتِه، قال تعالى:(كِتَابٌ أَنْزَلْناهُ إِليْكَ مَبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الأَلْبَابِ) وقال تعالى: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) وقال تعالى: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ).


  #6  
قديم 19 ذو الحجة 1429هـ/17-12-2008م, 06:44 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي شرح العقيدة الواسطية للشيخ ابن عثيمين رحمه الله

------------

  #7  
قديم 19 ذو الحجة 1429هـ/17-12-2008م, 06:47 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي الروضة الندية للشيخ: زيد بن عبد العزيز بن فياض

وَقَوْلُهُ :{ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ . إِلى رَبِّها نَاظِرَةٌ } ، { عَلَى الأَرَائِكَ يَنْظُرُونَ } ، { لِلَّذينَ أَحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } ، وقَوْلُهُ :{ لَهُمْ مَا يَشَاؤُونَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ }(1) .

(1) فِي هَذِهِ الآْيَاتِ إثباتُ رؤيةِ المؤمنين ربَّهم جل وعلا يومَ القِيامَةِ عِيَاناً بأبْصارِهم . ومسألةُ الرُّؤيةِ من أعظم المسائلِ التي وقعَ النِّزاعُ فِيهَا بين أَهْلِ السُّنَّةِ وغَيْرِهم .
(( وقد اتَّفقَ عليها الأَنْبِيَاءُ والمُرسلونَ ، وجميعُ الصَّحابةِ والتَّابعونَ ، وأئمَّةُ الإسلامِ عَلَى تتابعِ القرونِ . والمُخالفُ فِي الرُّؤيةِ الْجَهْمِيَّةُ والْمُعْتَزِلَةُ ومَن اتَّبعهم مِن الخوارجِ والإمامِيَّةِ وقولُهم باطلٌ مَردودٌ بالْكِتَابِ والسُّنَّةِ . قَالَ ابنُ خُزيمةَ : لم يختلفِ المؤمنونَ فِي أَنَّ المؤمنين يَرونَ خالِقَهم يومَ المعادِ ومَن أَنْكرَ ذَلِكَ فلَيْسَ بمؤمِنٍ عندَ المؤمنينَ ا.ه .
قَوْله :{ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ } أي حسنةٌ مُشرقةٌ { إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } ترى اللهَ عِياناً .
(( وإضافةُ النَّظرِ إلى الوَجْهِ الَّذِي هُوَ مَحلُّه فِي هَذِهِ الآْيَةِ ، وتَعدِّيه بأداةِ (( إلى )) الصَّريحةِ فِي نظرِ العينِ ، وإخلاءِ الْكَلاَمِ مِن قرينةٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بالنَّظرِ المضافِ إلى الوَجْهِ المُعدَّى بإلى خلاف حقيقِته وموضوعه صريحٌ فِي أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى أرادَ بذَلِكَ نَظرَ العَينِ التي فِي الوَجْهِ إلى نَفْسِِ الرَّبِّ جل جلاله فإِنَّ النظرَ له عِدَّةُ استعمالاتٍ بحسبِ صلاتِه وتَعدِّيه بنفسِه فإِنْ عُدِّيَ بنفسِه فمعناه التَّوقُّفُ والانْتظارُ . كقَوْلِه :{ انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ } وإِنْ عُدِّيَ بفِي فمعناه التَّفكُّرُ والاعتبارُ كقَوْله :{ أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } وإِنْ عُدِّيَ بإلى فمعناه المُعاينةُ بالأبْصارِ . كقَوْلِهِ :{ انْظُرُواْ إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ } فكَيْفَ إذا أُضيفَ إلى الوَجْهِ الَّذِي هُوَ محلُّ البَصرِ .
(( وقد أخْرجَ عبدُ بنُ حُميدٍ عَن عِكرمةَ إِنْكارَ الرُّؤيةِ . ويُمْكِنُ الجمْعُ بالحَمْلِ عَلَى غيرِ أَهْلِ الجَنَّةِ وأخَرجَ بسندٍ صحيحٍ عَن مُجاهدٍ : ناظِرةٌ : تنظرُ الثَّوابَ . وعَن أبي صالحٍ نحوُه . وأوْردَ الطَّبريُّ الاختلافَ فقَالَ : الأوْلى بالصَّوابِ ما ذكَرْناه عَن الحسنِ وعِكرمةَ وهُوَ ثبوتُ الرُّؤيةِ لمُوافقِته الْأَحَادِيثَ الصَّحيحةَ . وبالَغَ ابنُ عبدِ البرِّ فِي رَدِّ الَّذِي نُقِلَ عَن مُجاهدٍ . وقَالَ : هُوَ شذوذٌ وقد تَمسَّكَ به بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ . وتَمَسَّكوا أيضاً بقَوْلِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ سؤالِ جبريلَ عَن الإسلامِ والإيمانِ والإحْسانِ .
وفيه : أَنْ تَعبدَ اللهَ كَأَنَّك تراه فإِنْ لم تكن تَراهُ فإِنَّه يَراكَ . وتُعُقِّبَ بإِنَّ المَنْفِِيَّ فيه رُؤيتُه فِي الدُّنيا لأَنَّ العبادَةَ خَاصَّةٌ بها . فلو قَالَ قائلٌ : إِنَّ فيه إشارةً إلى جوازِ الرُّؤيةِ فِي الآخرةِ لَما أبعدَ . وقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : إذا ثَبَتَ أَنَّ ((ناظِرةٌ )) هنا بمعنى ((رَائِيةٍ )) انْدفعَ قَوْلُ مَن زَعَمَ أَنَّ المعنى ناظرةٌ إلى ثوابِ ربِّها لأَنَّ الأصلَ عدمُ التَّقديرِ . وأُريدَ منطوقُ الآْيَةِ فِي حقِّ المؤمنين بمفهومِ الْآيَةِ الأخْرى فِي حقِّ الكافِرينَ { إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ } وقَيْدُها بالقِيامَةِ فِي الآيتين إشارةٌ إلى أَنَّ الرُّؤْيةَ تَحصلُ للمؤمنين فِي الآخرةِ دونَ الدُّنيا ا.ه وقدْ أخْرَجَ أبو العَبَّاسِ السَّرَّاجُ عَن مالكِ بنِ أَنَسٍ وقِيلَ له:يا أبا عبدِ اللهِ ، قَوْلُ اللهِ تَعَالَى :{ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } يَقُولُ قومٌ إلى ثَوابِه ؟ فقَالَ كََذَبوا فأين هم عَن قَوْلِه تَعَالَى :{ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ } ومِن حَدِيثِ النَّظرِ؟ إِنَّ كُلَّ موجودٍ يصِحُّ أَنْ يُرى . وهَذَا عَلَى سبيلِ التَّنزلِ وإلا فَصفاتُ الخالقِ لا تُقاسُ عَلَى صفاتِ المخْلُوقين . وَتَعَقَّبَ ابنُ التِّينِ مَن زَعَمَ أَنَّ الرُّؤْيةَِ بمعنى الْعِلْمِ تَتعدَّى إلى مَفعولين تَقُولُ : رأيتُ زَيداً فَقيهاً – أي عَلِمتُه – فإِنْ قُلتَ رأيتُ زَيداً مُنطَلِقاً لم يُفهمْ منه إلا رؤيةُ البصرِ . ويَزيدُهُ تَحقيقاً قَوْلُه فِي الخبرِ : إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَاناً ،
لأَنَّ اقترَانَ الرُّؤْيةِ بالعِيانِ لا يَحتملُ أَنْ تَكُونَ بمعنى الْعِلْمِ . وقَالَ ابنُ بَطَّالٍ : ذَهبَ أَهْلُ السُّنَّةِ وجمهورُ الأُمَّةِ إلى جوازِ رؤيةِ اللهِ فِي الآخرةِ . وَمَنعَ الخوارجُ والْمُعْتَزِلَة وبَعْضُ المُرجئةِ ، وتَمَسَّكُوا بإِنَّ الرُّؤْيةَ تُوجبُ كَوْنَ المرئيِّ مُحدثاً وحَالاًّ فِي مكَانٍ . وأوَّلُوا قَوْلَه (( ناظِرَةٌ )) بِمُنتظرةٍ وهُوَ خطأٌ لأَنَّه لا يَتعدَّى (( بإلى )) وما تَمسَّكوا به فاسِدٌ لقيامِ الأدلَّةِ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى موجودٌ . والرُّؤْيةُ فِي تَعلُّقِها بالمرئِيِّ بِمنزلةِ الْعِلْمِ فِي تعلُّقِه بالمعلومِ فإذا كَانَ تَعلُّقُ الْعِلْمِ بالمعلومِ لا يُوجبُ حُدوثَه فكذَلِكَ المَرْئِيُّ .
(( وأما ما رُوِيَ عمَّن تَأوَّلَ ذَلِكَ بإِنَّ الْمُرَادَ "بإلى" مُفردُ الآلاءِ ؛ وهِيَ النِّعمُ فقد أبْعَدَ النُّجعةَ وأبطلَ فيما ذَهب إليه . وأين هُوَ مِن قَوْلِه تَعَالَى :{ كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ } قَالَ الشَّافِعِيُّ رحِمَه اللهُ : ما حُجِبَ الفُجَّارُ إلا وقد عُلِم أَنَّ المؤمنين يَرونه عز وجل . ثُمَّ تواتَرَتِ الأخبارُ عَن رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما دَلَّ عَلَيْهِ سياقُ الآْيَةِ الكريمةِ وهِيَ قَوْلُه :{ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } .
وقَوْلُه :{ عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ } الأرائكُ جمْعُ أريكةٍ . وهِيَ سريرٌ مفروشٌ .
قَالَ فِي الصِّحاحِ الأريكةُ : سريرٌ مُتَّخذٌ مُزيَّنٌ فِي قُبَّةٍ أو بيتٍ . والجمْعُ الأرائِكُ .
وقَالَ الأزْهَرِيُّ الأريكةُ : كُلُّ ما يُتَّكأُ عَلَيْهِ . (يَنظُرُونَ) إلى وَجْهِ اللهِ وهُوَ أفضلُ نَعيمِ أَهْلِ الجَنَّةِ . فأَهْلُ الجَنَّةِ فِي النَّعيمِ ، والكُفَّارُ فِي الجحيمِ مَحجوبونَ عَن رؤيةِ اللهِ .
(( فجَمَعَ عليهم بينَ نَوعَي العذابِ عذابِ النَّارِ وعذابِ الحِجابِ عنه سُبْحَانَهُ كما جمَعَ لأوْلِيائِهِ بين نَوْعي النَّعيمِ نَعِيمِ التَّمتُّعِ بما فِي الجَنَّةِ وَنعيمِ التَّمتُّعِ برؤيتِه . وذكرَ سُبْحَانَهُ هَذِهِ الأَنْواعَ الأربعةَ فِي هَذِهِ السُّورةِ فقَالَ فِي حقِّ الأبرارِ :{ إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ } ولقد هَضَمَ معنى الآْيَةِ مَن قَالَ : ينظرونَ إلى أعدائِهم يُعذَّبونَ ، أو يَنظرونَ إلى قُصورِهم وبَساتِينِهم ؛ أو يَنظرُ بعضُهم إلى بَعْضٍ ! وكُلُّ هَذَا عدولٌ عَن المقصودِ إلى غيرِه . وإِنَّما المعنى ينَظرونَ إلى وَجْهِ ربِّهم ضِدَّ حالِ الكُفَّارِ الذين هم عَن ربِّهم لَمحجوبون { ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ } ، وتأمَّلْ كَيْفَ قابَلَ سُبْحَانَهُ ما قالَه الكُفَّارُ فِي أعدائِهم فِي الدُّنْيا وسَخِروا به منهم بِضِدِّه فِي القِيامَةِ فإِنَّ الكُفَّارَ كَانُوا إذا مَرَّ بهم المُؤمنونَ يَتغامَزُون ويَضحكُونَ منهم { وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُواْ إِنَّ هَؤُلاَءِ لَضَالُّونَ } فقَالَ تَعَالَى :{ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنواْ مِن الكُفَّارِ يَضْحَكُونَ } مقابَلةً لِتَغامُزِهم وضَحِكِهم منهم . ثُمَّ قَالَ :{ عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ } فأطْلقَ النَّظرَ ولم يُقيِّدْه بمنظورٍ دونَ منظورٍ . وأعَلَى ما نُظِرَ إليه وأجَلُّه وأعْظَمُه هُوَ اللهُ سُبْحَانَهُ . والنَّظرُ إليه أجَلُّ أَنْواعِ النَّظرِ وأفْضلُها وهُوَ أعْلَى مراقبِ الهدايةِ . فقابَلَ بذَلِكَ قولَهم { إِنَّ هَؤُلاَءِ لَضَالُّونَ } فالنَّظرُ إلى الرَّبِّ سُبْحَانَهُ مُرادٌ مِن هذين المَوْضوعين ولابُدَّ . إمَّا بخُصوصِه وإما بالعمومِ والإطلاقِ . ومَن تَأمَّلَ السِّياقَ لم يجدِ الآيتين تَحْتملانِ غيرَ إرادةِ ذَلِكَ خُصوصاً أو عُموماً)) .
قَوْلُه :{ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } الْحُسنى الجَنَّةُ وما شاء اللهُ مِن الثَّوابِ .
والزِّيادةُ النَّظرُ إلى وَجْهِ اللهِ . وفِي الجَنَّةِ ما لا عينٌ رأتْ ولا أُذنٌ سَمِعتْ ولا خَطرَ عَلَى قلبِ بَشَرٍ كما قَالَ تَعَالَى :{ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } وأعْلَى ما أُعطيه أَهْلُ الجَنَّةِ مِن النَّعيمِ النَّظرُ إلى وَجْهِ اللهِ كما روى مُسْلِمٌ فِي صحيحِهِ عَن صُهيبٍ قَالَ : قَرَأَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } قَالَ : إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأَهْلُ النَّارِ النَّارَ نَادَى مُنَادٍ :
يا أَهْلَ الجَنَّةِ، إِنَّ لكم عندَ اللهِ مَوْعِداً ويُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ . فيَقُولُونَ ما هُوَ ؟ ألمْ يُبَيِّضْ وُجُوهَنَا وُيُثَقِّلْ مَوازِينَنَا وَيُدْخِلْنا الجَنَّةَ وَيُزَحْزِحْنَا مِن النَّارِ ؟ قَالَ فَيُكْشَفُ الحِجَابُ فَيَنْظُرونَ إليه فواللهِ ما أعَطَاهُمُ اللهُ شَيْئاً أَحَبَّ إليهم مِن النَّظَرِ إليه وهِيَ الزِّيادةُ. وبذَلِكَ فَسَّرَهَا الصَّحَابَةُ والتَّابِعونَ وأئمَّةُ الإسلامِ (( وقَالَ غيرُ واحدٍ مِن السَّلَفِ فِي الآْيَةِ :{ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ } وبعد النَّظرِ إليه ، ولمَّا عَطفَ سُبْحَانَهُ الزِّيادةَ عَلَى الُحسنَى التي هِيَ الجَنَّةُ دَلَّ عَلَى أَنَّها أمْرٌ آخرُ وراءَ الجَنَّةِ ، وقَدرٌ زَائِدٌ عليها. ومَن فَسَّرَ الزِّيادةَ بالمَغْفِرَةِ والرِّضْوانِ فهُوَ مِن لوازمِ رؤيةِ الرَّبِّ تبارك وتَعَالَى ))
(( وهذا الباب من تدبر ؟ في كتاب الله كثير من تدبير القرآن طالباً للهدى منه تبين له طريق الحق .


  #8  
قديم 19 ذو الحجة 1429هـ/17-12-2008م, 06:50 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي التنبيهات السنية للشيخ: عبد العزيز بن ناصر الرشيد

وَقَوْلُه تَعَالَى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ. إِلى رَبِّها نَاظِرَةٌ ).
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ( عَلَى الأَرَائِكَ يَنْظُرُونَ ).
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ( لِلَّذينَ أَحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيَادَةٌ )،( لَهُمْ مَا يَشَاؤُونَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيْدٌ )، وهذا البابُ في كِتابِ اللهِ كَثيرٌ، مَنْ تَدَبَّرَ القُرآنَ طالِباً للهُدى مِنْهُ؛ تَبَيَّنَ لهُ طريقُ الحَقِّ.



قَولُهُ: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ): أي وجوهُ المؤمنينَ (يَوْمَئِذٍ): أي يومَ القيامةِ. (نَاضِرَةٌ): بالضَّادِ من النَّضَارة وهي البهاءُ والحسنُ، ومنه نَضْرَةُ النَّعيمِ، وروى ابنُ مَرْدَوَيهِ بسندٍ إلى ابنِ عمرٍو قال: قالَ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- في قَولِهِ: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ) قال: من الحُسنِ والبَهاءِ ( إِلى رَبِّها نَاظِرَةٌ) قال: في وجهِ اللهِ.

قَولُهُ: (إِلى رَبِّها نَاظِرَةٌ): مِن النَّظرِ بالعينِ، فَيَرَوْنَهُ -سُبْحَانَهُ- في عَرَصةِ القيامةِ، ويراه المؤمنونَ في الجنَّةِ، ولا يجوزُ حملُ النَّظرِ هنا بمعنى الانتظارِ إلى ثوابِ اللهِ، فإنَّه مُعَدَّى بِإِلى، ولا يُعَدَّى بإلي إلا إذا كانَ بمعنى النَّظرِ بالعينِ، وأيضًا فالانتظارُ لا يليقُ في دارِ القرارِ، فهذه الآيةُ صريحةٌ في أنَّ اللهَ يُرى عَيَانًا بالأبصارِ يومَ القيامةِ، وفيها الرَّدُّ على مَن زعَم أنَّ معنى (نَاظِرَةٌ): أي مُنتظرةٌ ثوابَ ربِّها؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ التَّقديرِ، ولأنَّ النَّظرَ المُعَدَّى بإلى لا يكونُ إلا بمعنى النَّظرِ، لا سيَّما وقد ذُكرَ الوجهُ الَّذي هو محلُّ النَّظرِ، وقد تواترتِ الأدلَّةُ في إثباتِ النَّظرِ إلى وجهِ اللهِ -سُبْحَانَهُ- وتعالى.
قال ابنُ القيِّمِ رحمه اللهُ في (النُّونيَّةِ):


وَيَرَوْنَهُ -سُبْحَانَهُ- مِنْ فَوْقِهِمْ=نَظَر العَيَانِ كَمَا يُرى القَمَرَانِ
هَذَا تَوَاتَر عَنْ رَسُولِ اللهِ=لَمْ يُنْكِرْه إلا فَاسِدُ الإِيمَانِ


وقال ابنُ حجرٍ:

مِمَّا تَوَاتَر حَديثُ مَن كَذَب=وَمَنْ بَنى للهُ بَيْتًا وَاحْتَسَب
وَرُؤْيَةٌ شَفَاعَةٌ وَالحَوْضُ=وَمَسْحُ خُفَّيْنِ وَهَذي بَعْض

وفي هذهِ الآيةِ دليلٌ على أنَّ هذه الرُّؤيةَ خاصَّةٌ بالمؤمنينَ، وفيها دليلٌ على أنَّ الرُّؤيَة تحصلُ للمؤمنينَ يومَ القيامةِ دونَ الدُّنْيَا، ولم يَثبتْ أنَّ أحدًا رآه -سُبْحَانَهُ- في الدُّنْيَا، قالَ اللهُ في حقِّ موسى عليه السَّلامُ: (قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي ) أي في الدُّنْيَا، وفي صحيحِ مسلمٍ أنَّ رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: ((إِنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا)). واخْتُلِفَ هل حصلتِ الرُّؤيةُ لنبيِّنا محمَّدٍ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-؟ فالأكثرونَ على أنَّه لم يرهُ -سُبْحَانَهُ- وحكاهُ عثمانُ بنُ سعيدٍ الدَّارميُّ بإجماعِ الصَّحابةِ.
قال ابنُ القيِّمِ رحمهُ اللهُ: والنَّاسُ في إثباتِ الرُّؤيةِ وعدمِها طَرفان ووسطٌ، فقِسمٌ غَلَوا في إثباتِها حتَّى أثبتُوها في الدُّنْيَا والآخرةِ، وهم الصُّوفيَّةُ وأَضْرابُهم، وقِسمٌ نَفوها في الدُّنْيَا والآخرةِ وهم الجهميَّةُ والمعتزلةُ، والوسطُ هم أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ الَّذين أثبَتوها في الآخرةِ فقط حسبما تواترتْ به الأدلَّةُ. انتهى.

قَولُهُ: (عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ): الأرائكُ جمعُ أَرِيكَةٍ وهي: السُّرُرُ تَحْتَ الحجَالِ.
قَولُهُ: (يَنْظُرُونَ): أي ينظرونَ إلى وجهِ اللهِ، وهذا مقابلٌ لما وُصفَ به أولئك الفُجَّارُ في قَولِهِ: (كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ) فذُكِرَ عن هؤلاءِ أنَّهم يُبَاحونَ النَّظرَ إلى اللهِ، وهم على سُررِهم وفُرُشِهِمْ وعن أولئكِ الفجَّارِ أنَّهم يُحجبَون عن رؤيتِه، وقد استدلَّ العلماءُ بهذه الآيةِ، أي قَولِهِ: (كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ) على إثباتِ رؤيةِ اللهِ، قالوا: لأنَّه لمَّا حَجَبَ أعداءَه عن رُؤْيَته دلَّ على أنَّ أولياءَه يَرَوْنه.

قَولُهُ: (أَحْسَنُوا): أي في أعمالِهم، وقد تقدَّم الكلامُ على هذا الإحسانِ.
قَولُهُ: (الحُسْنَى): أي الجنَّةُ. (وَزِيَادَةٌ) وهي النَّظرُ إلى وجهِ اللهِ، كما فسَّرها رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- والصَّحابةُ، ولمَّا عطفَ الزِّيادةَ على (الحُسْنَى) دلَّ على أنَّها جزاءٌ آخرُ وراءَ الجنَّةِ وقَدْرٌ زائدٌ عليها، وثبتَ في صحيحِ مسلمٍ عن النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- تفسيرُ الزِّيادةِ بالنَّظرِ إلى وجهِ اللهِ الكريمِ.
قال ابنُ رجبٍ رَحمه اللهُ: وهذا مناسبٌ لجعلِه جزاءً لأهلِ الإحسانِ؛ لأنَّ الإحسانَ هو أنْ يَعْبدَ المؤمنُ ربَّه على وجهِ الحُضورِ والمُراقبةِ كأنَّه يراهُ بقلبِه وينظرُ إليه في حالِ عبادتِه، فكانَ جزاءُ ذلك النَّظرَ إلى وجهِ اللهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- عيانًا في الآخرةِ وعكسُ هذا ما أخبرَ به عن جزاءِ الكُفَّارِ أنَّهم عن ربِّهم محجوبونَ، وذلك جزاءٌ لحالِهم في الدُّنْيَا، وهو تَرَاكُمُ الرَّانِ على قلوبِهم حتَّى حجبتْ عن معرفتِه في الدُّنْيَا، فكانَ جزاؤُهم على ذلك أَنْ حُجِبوا عن رؤيتِه في الآخرةِ. انتهى.
قَولُهُ: (لَهُمْ مَا يَشَاؤُونَ فِيها): أي في الجنَّةِ ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعَتْ ولا خَطَر على قَلبِ بَشَرٍ، كما في حديثِ أبي هريرةَ عن النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: ((قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِيِنَ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ)) ثمَّ قرَأ: (فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) رواه البخاريُّ.
قَولُهُ: (وَلَدَيْنا مَزِيدٌ): وهو النَّظرُ إلى وجهِ اللهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- كما قالَ ذلك عليُّ بنُ أبي طالبٍ وأنسٌ وغيرُهم: أفادت الآياتُ إثباتَ الرُّؤيةِ، وأنَّها خاصَّةٌ بيومِ القيامةِ، وأنَّ رؤيَةَ اللهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- من أَجَلِّ نعيمِ الجنَّةِ وأعظمِه.اهـ.
قَولُهُ: (وهذا البابُ): أي بابُ معرفةِ اللهِ بأسمائِه وصفاتِه وأفعالِه وما يستحقُّه -سُبْحَانَهُ- من إفرادِه بالعبادةِ وتركِ عبادةِ ما سواه.
قَولُهُ: (في كتابِ اللهِ كثيرٌ): فقد أفصحَ القرآنُ عنه كلَّ الإفصاحِ، وأغلبُ سورِ القرآنِ مُتضمِّنةٌ لذلك، بل كلُّ سورةٍ من القرآنِ، فإنَّ القرآنَ إمَّا خَبَرٌ عن اللهِ وأسمائِه وصفاتِه، وهو التَّوحيدُ العلميُّ الخَبَريُّ، وإمَّا دعوةٌ إلى عبادتِه وحدَه لا شريكَ له، وخَلْعِ ما يُعْبدُ من دونِه وهو التَّوحيدُ الطَلَبِيُّ، وإمَّا أمرٌ ونهيٌ وإلزامٌ بطاعتِه، فذلك من حقوقِ التَّوحيدِ ومُكَمِّلاتِه، وإمَّا خبرٌ عن إكرامِهِ لأهلِ توحيدِه وما فُعِل بهم في الدُّنْيَا وما يُكْرمُهم به في الآخرةِ، فهو جزاؤُه وتوحيدُه، وإمَّا خبرٌ عن أهلِ الشِّركِ وما فُعل بهم في العُقبى من العذابِ، فهو جزاءُ مَن خرجَ من توحيدِه، والقرآنُ كلُّه في التَّوحيدِ وحقوقهِ وجزائهِ وفي الشِّركِ وأهلِه وجزائِهم، فلا تجدُ كتابًا قد تضمَّنَ من البراهينِ والأدلَّـةِ على هذه المطالبِ العاليةِ كما تضمَّنه القرآنُ بأسلوبٍ واضحٍ جَليٍّ، فألفاظُ القرآنِ أفصحُ الألفاظِ وأبينُها وأعظمُها مطابقةً لمعانيها المرادةِ منها، فلا تجدُ كلامًا أحسنَ تفسيرًا ولا أتمَّ بيانًا مِن كلامِه سُبْحَانَهُ، ولهذا سمَّاه بيانًا خلافًا لمَنْ زعمَ أنَّ كلامَ اللهِ ورسولِه لا يفيدُ العلمَ بشيءٍ من أصولِ الدِّينِ ولا يجوزُ أن تُستفادَ معرفةُ اللهِ وأسمائِه وصفاتِه وأفعالِه منه، وعبَّرَ عن ذلك بقَولِهِ: الأدلَّـةُ اللفظيَّةُ لا تُفيدُ اليقينَ.
قالَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ بنُ تيميةَ رحمَه اللهُ: وزعَم قومٌ من غَاليةِ أهلِ البدعِ أنَّه لا يَصحُّ الاستدلالُ بالقرآنِ أو الحديثِ على المسائلِ القطعيَّةِ، بناءً على أنَّ الدَّلالةَ اللفظيَّةَ لا تفيدُ اليقينَ، كما زعموا وزعمَ كثيرٌ من أهلِ البدعِ أنَّه لا يُسْتَدلُّ بالأحاديثِ المُتلقَّاةِ بالقبولِ على مسائلِ الصِّفاتِ والقدرِ ونحوِهِما ممَّا يُطْلبُ فيه القطعُ واليقينُ.اهـ.
قَولُهُ: (مَن تدبَّرَ القرآنَ): أي تَفكَّرَ فيه، والفكرُ: هو إِعْمَالُ النَّظرِ في الشَّيءِ، وقد جاءَ في الكتابِ والسُّنَّةِ الحثُّ على التَّدَبُّرِ والتَّفكُّرِ، قال تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُواْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ )، وقال تعالى: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) إلى غيرِ ذلك من الآياتِ الحَاثَّةِ على التَّدبُّرِ وتفهُّمِ معاني القرآنِ، وفيها الرَّدُّ على مَن زعمَ أنَّه لا وصولَ إلى ذلك، وأنَّ بابَ الفهمِ عن اللهِ وعن رسولِه قد أُغلقَ، وبابَ الاجتهادِ قد سُدَّ، وهذا قولٌ باطلٌ تَردُّه أدلَّـةُ الكتابِ والسُّنَّةِ.
قَولُهُ: (طالبًا للهُدى): أي الرَّشادِ (تبيَّنَ له): أي اتَّضَح (طريقُ): أي سبيلُ.
قَولُهُ: (الحقِّ): وهو ضدُّ الباطلِ.


موضوع مغلق

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الإيمان, برؤية

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:06 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir