دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > العقيدة > متون العقيدة > العقيدة الواسطية

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 13 ذو القعدة 1429هـ/11-11-2008م, 02:18 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 11,492
افتراضي الإيمان بصفة المعية على ما يليق بالله جل وعلا

وَقَوْلُهُ:{هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}[سُورَةُ الْحَدِيدِ : 4] ، {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}[سُورَةُ الْمُجَادَلَةِ : 7] ،{لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}[سُورَةُ التَّوْبَةِ : 40] ، {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى}[سُورَةُ طَهَ : 46] ، {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ}[سُورَةُ النَّحْلِ : 128] ، {وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}[سُورَةُ الأَنْفَالِ : 46] ، {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}[سُورَةُ البقرة : 249]


  #2  
قديم 18 ذو الحجة 1429هـ/16-12-2008م, 06:21 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي شرح العقيدة الواسطية للشيخ : عبد الله بن عبد العزيز بن باز

ليس للشيخ تعليق على هذه الجزئية

  #3  
قديم 18 ذو الحجة 1429هـ/16-12-2008م, 06:23 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي نبيهات اللطيفة للشيخ : عبد الرحمن بن ناصر السعدي

إثبات معية الله لخلقه

وقوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [الحديد: 4].
وقوله: (مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [المجادلة: 7].
وقوله: (لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) [التوبة: 40]. وقوله: (إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) [طه: 46]. (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ) [النحل: 128]. (وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [الأنفال: 46]. (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) [البقرة: 249].([1])


([1]) ومن أصول أهل السُّنة والجماعة إثبات معية الله كقوله تعالى: (مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ) وهذه المعية تدل على إحاطة علمه بالعباد ومجازاته لهم بأعمالهم. وفيها ذكر المعيّة الخاصة كقوله (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) (لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) وهذه الآيات تدل مع العلم المحيط على العناية بمن تعلقت به تلك المعية وأن الله معهم بعونه وحفظه وكلاءته وتوفيقه. وإذا أردت أن تعرف هل المراد المعية العامة أو الخاصة فانظر إلى سياق الآيات، فإن كان المقام مقام تخويف ومحاسبة للعباد على أعمالهم، وحثّ على المراقبة، فإن المعية عامة، مثل قوله: (مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ) الآية، وإن كان المقام مقام لطف وعناية من الله بأنبيائه وأصفيائه، وقد رتبت المعية على الاتصاف بالأوصاف الحميدة، فإن المعية معية خاصة، وهو أغلب إطلاقاتها في القرآن مثل: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِين) (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) ونحوها.


  #4  
قديم 18 ذو الحجة 1429هـ/16-12-2008م, 06:26 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي شرح العقيدة الواسطية للشيخ محمد خليل هراس

{ هُوَ الَّذي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ في سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلى العَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ في الأَرْضِ ومَا يَخْرُجُ مِنْها وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }، وقَوْلُهُ: { مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَُهمْ أَيْنَمَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }، { لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا }، وقَوْلُهُ: { إِنَّني مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى }، { إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذينَ هُمْ مُحْسِنُونَ }، { وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ }، { كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيْلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثيرةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } (39).


(39) قولُهُ: { هُوَ الَّذي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ … } إلخ. تَضَمَّنَتْ هذهِ الآيةُ الكريمةُ إثباتَ صفةِ المعيَّةِ لهُ عزَّ وجلَّ، وهيَ على نوعَينِ:
1 – معيَّةٌ عامَّةٌ: شاملةٌ لجميعِ المخلوقاتِ، فهوَ سبحانَهُ معَ كلِّ شيءٍ بعلمِهِ وقُدرتِهِ وقهرِهِ وإحاطتِهِ، لا يغيبُ عنهُ شيءٌ، ولا يُعجزُهُ، وهذهِ المعيَّةُ المذكورةُ في الآيةِ.
ففي هذهِ الآيةِ يُخبرُ عن نفسِهِ سبحانَهُ بأنَّهُ هوَ وحدَهُ الذي خلقَ السَّماواتِ والأرضَ – يعني: أوجدَهُما على تقدْيرٍ وترتيبٍ سابقٍ في مُدَّةِ ستَّةِ أيَّامٍ -، ثمَّ علا بعدَ ذلكَ وارتفعَ على عرشِهِ؛ لتدبيرِ أمورِ خلقِهِ. وهوَ معَ كونِهِ فوقَ عرشِهِ لا يغيبُ عنهُ شيءٌ مِن العالَمَيْنِ العُلويِّ والسُّفليِّ، فهوَ { يَعْلَمُ مَا يَلِجُ }، أي: يدخلُ { في الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِن السَّماءِ وَمَا يَعْرُجُ }؛ أي: يَصْعَدُ ( فيهَا )، ولا شكَّ أنَّ مَنْ كانَ علمُهُ وقَدْرتُهُ مُحيطَيْنِ بجميعِ الأشياءِ؛ فهوَ معَ كلِّ شيءٍ، ولذلكَ قالَ: {وَهُو مَعَكُمْ أَيْنَما كُنْتُمْ وَاللهِ بِما تَعَمَلونَ بَصيرٌ }.
قولُهُ: { مَا يَكُونُ مِن نَجْوى … } إلخ. يُثبتُ سبحانَهُ شمولَ علمِهِ وإحاطتِهِ بجميعِ الأشياءِ، وأنَّهُ لا يخفى عليهِ نجوى المُتناجِينَ، وأنَّهُ شهيدٌ على الأشياءِ كلِّهَا، مطَّلِعٌ عليهَا.
وإضافةُ ( نَجْوى ) إلى ثلاثةٍ مِن إضافةِ الصِّفةِ إلى الموصوفِ، والتَّقديرُ: ما يكونُ مِن ثلاثةٍ نجوى: أيْ: متناجِينَ.
2 – وأَمَّا الآياتُ الباقيةُ؛ فهيَ في إثباتِ المعيَّةِ الخاصَّةِ التَّي هيَ معيَّتُهُ لرُسُلِهِ تعالى وأوليائِهِ بالنَّصرِ والتَّأيِيدِ والمحبَّةِ والتَّوفيقِ والإِلهَامِ.
فقولُهُ تعالى: {لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا } حكايةٌ عمَّا قالَهُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لأبي بكرٍ الصدِّيقِ وهمَا في الغارِ، فقَدْ أحاطَ المشركون بفمِ الغارِ عندَما خرجوا في طلبِهِ عليهِ السَّلامُ، فلمَّا رأى أبو بكرٍ ذلكَ انزَعَجَ، وقالَ:
((وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ! لَوْ نَظَرَ أَحَدُهُمْ تَحْتَ قَدَمِهِ لأَبْصَرَنَا )).
فَقالَ لَهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلمَ مَا حَكَاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هُنَا: { لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا }.
فالمرادُ بالمعيَّةِ هنَا معيةُ النَّصرِ والعصمةِ مِن الأعداءِ.
وأَمَّا قولُهُ: { إِنَّني مَعَكمَا أَسْمَعُ وَأَرَى }؛ فقَدْ تقدَّمَ الكلامُ عليهِ، وأنَّهَا خطابٌ لموسى وهَارونَ عليهِما السَّلامُ أنْ لا يخافَا بطشَ فرعونَ بِهِمَا؛ لأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ معهمَا بِنَصْرِهِ وتأيِيدِهِ.
وكذلكَ بقيَّةُ الآياتِ يُخبرُ اللهُ فيهَا عن معيَّتِهِ للمتَّقِينَ الَّذينَ يراقبُون اللهَ عزَّ وجلَّ في أمْرِهِ ونهيِهِ، ويحفظون حدودَهُ، وللمُحسنِينَ الَّذينَ يلتزمون الإِحسانَ في كلِّ شيءٍ، والإِحسانُ يكونُ في كلِّ شيءٍ بحسبِهِ، فهوَ في العبادَةِ – مَثلاً – أنْ تعبُدَ اللهَ كأنَّكَ تراهُ، فإنْ لمْ تكنْ تراهُ فإنَّهُ يراكَ؛ كمَا جاءَ في حديثِ جبريلَ عليهِ السَّلامُ.
وكذلكَ يُخبرُ عن معيَّتِهِ للصَّابرينَ الَّذينَ يحبسون أُنفُسَهُمْ على ما تكرَهُ، ويتحمَّلون المشاقَّ والأذى في سبيلِ اللهِ وابتغاءِ وجهِهِ؛ صبرًا على طاعةِ اللهِ، وصبرًا عن معصيتِهِ، وصبرًا على قضائِهِ.


  #5  
قديم 18 ذو الحجة 1429هـ/16-12-2008م, 06:27 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي شرح العقيدة الواسطية للشيخ: صالح بن فوزان الفوزان

( هُوَ الَّذي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ في سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلى العَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ في الأَرْضِ ومَا يَخْرُجُ مِنْها وَمَا يَنْزِلُ مِن السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ )، وقَوْلُهُ: ( مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )، ( لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا )، وقَوْلُهُ: ( إِنَّني مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى )، ( إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذينَ هُمْ مُحْسِنُونَ )، ( وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ )، ( كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثيرةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ).(37)


(37)قولُه تعالى: (هُوَ الَّذي خَلَقَ السَّماواتِ ـ إلى قولِه ـ وَمَا يَعْرُجُ فِيها) تقدَّم تفسيرُه. وقولُه: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ) أي هو معكم بعِلْمِه رقيبٌ عليكم شَهيدٌ عَلى أعمالِكم، حيثُ كنتم وأين كنتم في برٍّ أو بحرٍ في ليلٍ أو نهارٍ في البيوتِ أو القِفَارِ، الجميعُ في علمِه عَلى السَّواءِ وتحت سمعِه وبصرِه. يسمعُ كَلامَكم ويرى مكانَكم، وهذا مَحَلُّ الشَّاهدِ مِن الآيةِ الكريمةِ ففيه إثباتُ المعيّةِ العامّةِ (وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) لا يخفى عليه شيءٌ مِن أعمالِكم.
وقولُه تعالى: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاَثةٍ) النَّجوى السِّرُّ، والمعنَى: ما يُوجَدُ مِن تَنَاجي ثلاثةٍ (إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُم وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ) أي جاعلُهم أربعةً وجاعلُهم سِتَّةً، مِن حيثُ إنَّه سبحانَه يشاركُهُم في الاطِّلاعِ عَلى تلك النَّجوى، وتخصيصُ هذيْنِ العدديْنِ بالذِّكرِ؛ لأنَّ أغلبَعاداتِ المتناجِينَ أَن يكونوا ثلاثةً أو خمسةً، أو أنَّ سببَ النُّزولِ تناجِي ثلاثةٍ في واقعةٍ وخمسةٍفي واقعةٍ أخرى.وإلاّ فهوسبحانَه مع كُلِّ عددٍ، قَلَّ أو كَثُر، ولهذا قال تعالى: (وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ) أي: ولا أقلَّ مِن العددِ المذكورِ كالوَاحدِ والاثنيْنِ، ولا أكثرَ منه كالسِّتَّةِ والسَّبعَةِ (إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ) بعلمِه يعلمُ ما يتناجَوْن به ولا يخفى عليه شيءٌ منه.
قال المفسِّرونَ: إنَّ المنافقين واليهودَ كانوا يتناجوْن فيما بينهم، ويُوهمون المؤمنينَ أنَّهم يتناجوْن فيما يسُوؤهم، فيحزنون لذلك، فلما طال ذلك وكَثُر؛ شكَوْا إلى رسولِ الله صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ فأمرهم أَن لا يتناجوْا دون المسلمين، فلم ينتهوا عن ذلك وعادوا إلى مناجاتِهم، فأنزل اللهُ هذه الآياتِ.
وقولُه تعالى: (أَيْنَمَا كَانُوا) معناه إحاطةُ علمِه سبحانَه بكُلِّ تَنَاجٍ يَقعُ منهم في أيِّ مَكانٍ (ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ) أي يخبرُهم سبحانَه (بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامةِ) ويُجَازِيهم عَلى ذلك، وفي هذا تهديدٌ لهم وتوبيخٌ (إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) لا يخفى عليه شيْءٌ.
والشَّاهدُ مِن الآيةِ: أنَّ فيها إثباتَ معيّةِ اللهِ لخلقهِ، وهي معيّةٌ عامَّةٌ مقتضاها الإحاطَةُ والعلمُ بجميعِ أعمالِهم، ولهذا يقولُ الإمامُ أحمدُ رحمه اللهُ: افتتحَ الآيةَ بالعِلْمِ واختتمها بالعِلْمِ.
وقولُه تعالى: (لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا) هذا خطابٌ مِن النَّبيِّ صَلى اللهُ عَلَيْه وَسَلمَ لصاحبِه أبي بكرٍ-رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حينما كانا في الغارِ وقتَ الهجرةِ، وقد لحِقَ بهما المشركون، فَحَزِنَ أبو بكرٍ-رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، خَوفًا عَلى النبَّيِّ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ مِن أذى الكُفَّارِ، فقال له النَّبيُّ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ (لاَ تَحْزَنْ) أي دَعِ الحزْنَ (إِنَّ اللهَ مَعَنَا) بنصرِه وعوْنِه وتأييدِه. ومَن كان اللهُ معه فلن يُغلبَ، ومن لا يُغلبُ لا يحِقُّ له أنْ يحْزَنَ.
والشَّاهدُ مِن الآيةِ: أَنَّ فيها إثباتَ المعيّةِ الخاصّةِ بالمؤمنين التي مقتضاها النَّصْرُ والتَّأييدُ.
وقولُه تعالى لموسى وهارونَ عليهما السَّلامُ: (إِنَّنِي مَعَكُمَا أسْمَعُ وَأَرَى) أي لا تخافا مِن فرعونَ (إِنَّنِي مَعَكُمَا) تعليلٌ للنَّهْيِ أي معكما بالنَّصْرِ لَكُما، والمعونةِ عَلى ِفرعونَ، (أَسْمَعُ) كَلامَكُمَا وكَلامَه (وأرى) مكانَكُما ومكانه، لا يخفى عليَّ مِن أمرِكم شيْءٌ.
والشَّاهدُ مِن الآيةِ: أنَّ فيها إثباتَ المعيّةِ الخاصّةِ في حَقِّ اللهِ تعالى لأوليائِه بالنَّصرِ والتَّأييدِ، كما أنَّ فيها إثباتَ السَّمعِ والبصرِ له سبحانَه وتعالى، وقولُه تعالى: (إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذين اتَّقَوْا) أي تركوا المحرماتِ والمعاصيَ عَلى اختلافِ أنواعِهَا (وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) بتأديةِ الطَّاعاتِ والقيامِ بما أُمروا به، فهو سبحانَه مع هؤلاءِ بتأييدِه ونصرِه ومعونتِه، وهذه معيَّةٌ خاصَّةٌ هي مَحلُّ الشَّاهدِ مِن الآيةِ الكريمةِ.
وقولُه: (وَاصْبِروُا) هذا أمرٌ بالصَّبْرِ وهو حبسُ النَّفْسِ، والمرادُ هنا الصَّبرُ عَلى شدائدِ الحربِ التي بين المسلمين وبين الكفارِ، ثم علَّل هذا الأمرَ بقولِه: (إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرينَ) فهو سبحانَه مع الصَّابِرين في كُلِّ أمرٍ ينبغي الصَّبرُ فيه.
والشَّاهدُ مِن الآيةِ الكريمةِ: أنَّ فيها إثباتَ مَعِيَّةِ اللهِ للصَّابرين عَلى طاعتهِ والمجاهدين في سبيلِه، قال الإمامُ الشوكانيُّ: ويا حبذا هذه المعيَّةُ التي لا يَغلِبُ مَن رُزِقَهَا غَالِبٌ، ولا يُؤْتَى صاحبُها مِن جهةٍ مِن الجهاتِ وإن كانت كثيرةً. اهـ
وقولُه تعالى: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً) الفئةُ: الجَمَاعَةُ والقِطعةُ منهم (بِإذْنِ اللهِ) أي بإرادتِه وقضائِه ومشيئتِه، (وَاللهُ مَعَ الصَّابِرينَ) هذا محلُّ الشَّاهدِ مِن الآيةِ الكريمةِ وهو إثباتُ مَعيّةِ اللهِ سبحانَه للصَّابرين عَلى الجهادِ في سبيلهِ، وهي مَعِيَّةٌ خاصَّةٌ مقتضاها النَّصرُ والتأييدُ.
ما يُستفادُ مِن مجموعِ الآياتِ السَّابقةِ: أفادت إثباتَ المعيّةِ، وأنَّها نوعان:
النَّوعُ الأوَّلُ: مَعيَّةٌ عامَّةٌ، كما في الآيتيْن الأولييْن، ومقتضى هذه المعيّةِ إحاطتُه سبحانَه بخلْقِه، وعلمُه بأعمالهِم خيرِها وشرِّها، ومجازاتُهم عليها.
النَّوعُ الثاني: معيّةٌ خاصَّةٌ بعبادهِ المؤمنين، ومقتضاها النَّصرُ والتَّأييدُ والحِفظُ، وهذا النَّوعُ تدلُّ عليه الآياتُ الخمسُ الباقيةُ التي أوردها المؤلِّفُ رحمه اللهُ. ومعيَّتُه سبحانَه لا تنافي عُلُوَّه عَلى خَلْقِه واستواءه عَلى عرشِه.فإنَّ قُرْبَهُ سبحانَه ومعيَّتَهُ ليست كقُرْبِ المخلوقِ ومعيَّةِ المخلوقِ للمخلوقِ: فإنَّه سبحانَه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)، ولأنَّ المعيَّةَ: مُطْلَقُ المقارنةِ، لا تقتضي مُماسَّةً ولا مُحاذاةً. تقولُ العربُ: مازلنا نمشي والقمرُ مَعَنا، مع أنَّه فوقَهم والمسافةُ بينهم وبينه بعيدةٌ. فَعُلُوُّ اللهِ جلَّ جلالُه ومعيَّتُه لخلقِه لا تَنَافي بينهما. وسيأتي لهذا مزيدُ بيانٍ إنْ شاء اللهُ.


  #6  
قديم 18 ذو الحجة 1429هـ/16-12-2008م, 06:28 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي شرح العقيدة الواسطية للشيخ ابن عثيمين رحمه الله

--------

  #7  
قديم 18 ذو الحجة 1429هـ/16-12-2008م, 06:28 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي الروضة الندية للشيخ: زيد بن عبد العزيز بن فياض

وقوله :{ هُوَ الَّذي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ في سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلى العَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ في الأَرْضِ ومَا يَخْرُجُ مِنْها وَمَا يَنْزِلُ مِن السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } ، وقَوْلُهُ :{ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } ، قوله :{ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا } ، { إِنَّني مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى } ، { إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذينَ هُمْ مُحْسِنُونَ } ، { وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } ، { كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثيرةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } (1) .


(1) فِي هَذِهِ الآيَاتِ إِثْباتُ مَعِيَّةِ اللهِ . لِخلْقِهِ ، وَالْمَعِيَّةُ الْوَارِدَةُ فِي الْكِتَابِ والسُّنَّةِ نَوْعانِ : مَعِيَّةٌ عَامَّةٌ ومِن مُقْتَضَاها الْعِلْمُ وَالإحَاطةُ والاطِّلاعُ ، قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُه فِي آيةِ الُمَجَادَلَةِ : اْبتَدَأَهَا بالْعِلْمِ وَخَتَمها به حَيْثُ قَالَ :{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ } . ثم قَالَ فِي آخِرِها :{ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } .
والنَّوعُ الثَّانِي مِن الْمَعِيَّةِ الْمَعِيَّةُ الخَاصَّةُ ومِن مُقْتضَاها النَّصْرُ والتَّأْييدُ والتَّوفِيقُ ونحوُ ذَلِكَ . وهِيَ الْمَذْكُورةُ فِي مِثلِ قَوْلِه تَعَالَى :{ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا } فهَذِهِ الْمَعِيَّةُ المَذْكُورةُ فِي قَوْلِه تَعَالَى :{ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ } الآيةَ وقَوْلهِ :{ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِن اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ } فإِنَّ هَذِهِ الْمَعِيَّةَ تَقْتَضِي عِلْمَه ، وَاطِّلاعَهُ ، وَمُراقَبَتَهُ لأعْمَالِهم . فهِيَ مُقْتضِيةٌ لِتَخْويفِ العِبَادِ مِنْهُ ، والْمَعِيَّةُ الأْولىَ تَقْتَضِي حِفْظَه وَحِياطَتَهُ وَنَصْرَهُ ، وَمَعِيَّتُهُ سُبْحَانَهُ لا تُنافِي عُلُوَّه واسْتِواءَه عَلَى عَرْشِه ، وَمُبَاينَتَهُ لِخَلْقِه .
(( ولَيْس فِي ظَاهِرِ قَوْلِه :{ وَهُوَ مَعَكُمْ } وَنَحْوِها ولا فِي حَقيقَتِها : أَنَّه مُختَلِطٌ بالْمَخْلوقاتِ مُمْتزِجٌ بِهَا . ولاَ تَدُلُّ لَفْظَةُ (( مَعَ )) عَلَى هذا بِوجْهٍ مِن الوُجوهِ . فَضْلاً عنْ أَنْ يَكُونَ هُوَ حَقِيقةَ اللَّفظِ ومَوْضُوعَهُ . فإِنَّ (( مَعَ )) فِي كلامِ العَربِ للصُّحْبةِ اللاَّئِقَةِ ، وهِيَ تَختِلفُ باخْتلافِ مُتعلَّقاتِها وَمَصْحُوبِها ؛ فَكَوْنُ نَفْسِ الإِنْسَانِ ( مَعَهُ ) لَوْنٌ . وَكَوْنُ عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَقُوَّتِهِ مَعَهُ لَوْنٌ . وكَوْنُ زَوْجَتِهِ مَعَهُ لَوْنٌ ، وكَوْن أمِيرِهِ وَرَئِيسِه مَعَهُ لَونٌ وكَوْنُ مَالِه مَعَهُ لَوْنٌ . فَالْمَعِيَّةُ ثَابِتَةٌ فِي هذا كُلِّه مَع تَنَوُّعِها واخْتِلاَفِها فَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ : زَوْجَتُه مَعَهُ وبَيْنَهما شُقَّةٌ بَعِيدةٌ . وكذَلِكَ يُقَالُ مع فُلانٍ دَارُ كذا ، وَضَيْعَةُ كذا . فَتَأَمَّلْ نُصوصَ الْمَعِيَّةِ فِي الْقُرْآنِ كقَوْلِه تَعَالَى :{ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } وقَوْله :{ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ } { وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ } { وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ } { فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ } { وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنواْ مَعَهُ } { وَالَّذِينَ آمَنواْ مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } { فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ } { فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ } { وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ } وأضعافِ ذَلِكَ . هل يَقْتَضِي مَوضِعٌ وَاحِدٌ منها مُخالَطَةً فِي الذَّواتِ الْتِصَاقاً وَامْتِزَاجاً ؟ فكيفَ تكُونُ حَقِيقةُ الْمَعِيَّةِ فِي حقِّ الرَّبِّ تَعَالَى كذَلِكَ حتى يُدَّعى أَنَّه مَجَازٌ لاَ حَقِيقَةٌ . فلَيْسَ فِي ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَاتَهُ تَعَالَى فيهم ، ولا مُلاَصِقَةٌ لهم ، ولاَ مُخَالِطَةٌ ، ولا مُجاوِرةٌ بِوَجْهٍ مِن الوُجوهِ . وغَايةُ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ ( مَعَ ) الْمُصاحبةُ والمُوافَقَةُ والمُقارَنَةُ فِي أمْرٍ مِن الأُمُورِ . وهذا الاقْتِرانُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ بِحَسْبِهِ يَلزمُه لَوازِمُ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقِهِ . فإِذَا قِيلَ : اللهُ مع خَلْقِه بِطريقِ العُمومِ كَانَ مِن لوازمِ ذَلِكَ عِلْمُه بهم ، وَتَدْبِيرُه لهم وَقُدْرَتُه عليهم .
وإذا كَانَ ذَلِكَ خَاصاًّ كقَوْلِه :{ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ } كَانَ مِن لوازمِ ذَلِكَ مَعِيَّتُه لهم بالنُّصْرةِ والتَّأْييدِ والْمَعُونةِ فَمَعِيَّةُ اللهِ مع عَبْدِه نَوْعانِ :
عَامَّةٌ وخَاصَّةٌ .
وقد اشْتَمَلَ الْقُرْآنُ عَلَى النَّوْعينِ . ولَيْسَ ذَلِكَ بِطريقِ الاِشْتِراكِ اللَّفظيِّ . بل حَقِيقتُها ما تَقدَّمَ مِن الصُّحْبَةِ اللاَّئِقَةِ . وقد أخْبرَ اللهُ تَعَالَى أَنَّه مع خَلْقِه . مع كَوْنِه مُستَوِياً عَلَى عَرْشِهِ . وَقَرَنَ بينَ الأمْرَينِ كما قَالَ تَعَالَى :{ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِن السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فأخْبَرَ أَنَّه خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأرْضَ وأَنَّه اسْتَوى عَلَى العرْشِ وأَنَّه مَعَ خَلْقِه يُبْصِرُ أعْمَالَهُم مِن فوقِ عَرْشِه . فَعُلُوُّه لا يُناقِضُ مَعِيَّتَهُ ، وَمَعِيَّتُه لا تُبْطِلُ عُلُوَّه . بل كِلاَهُمَا حَقٌّ .
فمِن الْمَعِيَّةِ الخَاصَّةِ قَوْلُه :{ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } { وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ } ومِن العَامَّةِ قَوْلُه :{ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ } الآيةَ . فَنَبَّه سُبْحَانَهُ بالثَّلاثَةِ عَلَى العَدَدِ الذي يجمَعُ الشَّفعَ وَالوِتْرَ ولا يُمكِّنُ أهْلَه أنْ يَنْقَسِموا فِي النَّجْوى قِسمينِ ونَبَّهَ بالخَمْسَةِ عَلَى العَدَدِ الَّذِي يَجْمَعُهما . ويُمَكِّنُ أهْلَه أَنْ يَنْقَسِموا فيها قِسْمَينِ ، فيَكُونُ مَعَ كُلِّ العَددَينِ فَالمُشْتركِونَ فِي النَّجْوى : إِمَّا شَفْعٌ فَقَطْ . أو وِتْرٌ فَقَطْ أو كِلاَ الْقِسْمينِ . وأقَلُّ أقسامِ الوِتْرِ المُتَناجِينَ ثَلاَثةٌ وَأَقَلُّ أَنْواعِ الشَّفعِ اثْنَانِ .
وأقَلُّ أقْسامِ النَّوعَينِ إذا اجْتَمَعا خَمْسةٌ فَذَكَرَ أَدْنَى مَرَاتِبِ طَائِفَةِ الوِتْرِ وَأَدْنَى مَرَاتِبِ النَّوْعَينِ إذا اجْتَمَعا . ثُمَّ ذَكَرَ مَعِيَّتَهُ العَامَّةَ لِمَا هُوَ أدْنى مِن ذَلِكَ أو أكْثَرُ . وَتَأَمَّلْ كَيْفَ جَعَلَ نَفْسَهُ رَابِعَ الثَّلاثَةِ وَسَادِسَ الْخَمسَةِ . إذ هُوَ غَيْرُهم سُبْحَانَهُ بالحَقِيقةِ . لا يَجْتمعُونَ مَعَهُ فِي جِنْسٍ ، ولا فَصْلٍ ، وقَالَ :{ لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ } فإِنَّهم سَاوَوْا بَيْنَه وبينَ الاثْنَيْنِ فِي الإلَهِيَّةِ : والْعَربُ تَقولُ : رَابِعُ أرْبَعةٍ ، وَخَامِسُ خَمْسَةٍ ، وَثَالِثُ ثَلاَثةٍ لِمَا يَكُونُ فِي المُضافِ إليه مِن جِنْسِ المُضافِ كما قَالَ تَعَالَى :{ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ } رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسلَّمَ وَصَدِيقُه ، فإِنْ كَانَ مِن غيرِ جِنْسِه قَالُوا : رَابِعُ ثَلاثةٍ وَخَامِسُ أَرْبعةٍ ، وَسَادِسُ خَمْسةٍ . وقَالَ تَعَالَى فِي الْمَعِيَّةِ الْخَاصَّةِ لمُوسَى وأَخِيه :{ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى } ، وقَالَ فِي العَامَّةِ :{ فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ } فَتَأَمَّلْ كيفَ أفْردَ ضَميرَ نَفْسِه حَيْثُ أفْرَدَ مُوسَى وأخَاهُ عَن فِرعونَ ، وكيفَ جمَعَ الضَّمِيرَ لمَّا أدْخَلَ فِرعونَ مَعهما فِي الذِّكْرِ فَجَعَلَ الخَاصَّ مَعَ الْمَعِيَّةِ الْخَاصَّةِ ، والعامَّ مَعَ العامَّةِ )) .


  #8  
قديم 18 ذو الحجة 1429هـ/16-12-2008م, 06:40 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي التنبيهات السنية للشيخ: عبد العزيز بن ناصر الرشيد

وقوله تعالى( هُوَ الَّذي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ في سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلى العَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ في الأَرْضِ ومَا يَخْرُجُ مِنْها وَمَا يَنْزِلُ مِن السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ).(96)
وقَوْلُهُ: ( مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَُهمْ أَيْنَمَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ).(97)
وقوله ( لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا )، وقَوْلُهُ: ( إِنَّني مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى )، ( إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذينَ هُمْ مُحْسِنُونَ).(98)
وقوله ( وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ )، وقوله تعالى ( كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيْلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثيرةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)


(96) قَولُهُ: (هُوَ الَّذي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ في سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلى العَرْشِ) فيه إثباتُ الأفعالِ الاختياريـَّةِ للرَّبِّ سُبْحَانَهُ، وهي تنقسمُ إلى قسمين: لازمةٍ كالاستواءِ والمجيءِ والنُّزولِ، ومتعدِّيةٍ كالخلقِ والرِّزقِ والإحياءِ والإماتةِ ونحوِ ذلك، فهو -سُبْحَانَهُ- موصوفٌ بالنَّوعين وقد جمعهُما في هذهِ الآيةِ، وفيها بيانُ أنَّ الَخلقَ غيرُ المخلوقِ؛ لأنَّ نفسَ خلقِه السَّماواتِ والأرضَ غيرُ السَّماواتِ والأرضِ، وفيها دليلٌ على مُبايَنَةِ الرَّبِّ -سُبْحَانَهُ- لخلقِه، فإنَّه لم يخلقْه في ذاتِه، بل خلقَهم خارجًا عن ذاتِه، ثمَّ بانَ عنهم باستوائِه على عرشِه، وهو يعلمُ ما هم عليه فيراهُم وينفذُه بصرُه فيهم ويحيطُ بهم علمًا وقدرةً وإرادةً وسمعًا وبصرًا، وهذا معنى كونِه معهم أينما كانوا.
قَولُهُ: (وَهُوَ مَعَكُمْ): أي معكُم بعلمِه، وقد حكى غيرُ واحدٍ الإجماعَ على أنَّ المرادَ بهذه: معيَّةُ العلمِ ولا شكَّ في إرادةِ ذلك، فعلمهُ بهم وبصرهُ نافِذٌ فيهم، فهو -سُبْحَانَهُ- مطَّلعٌ على خلقِه لا يغيبُ عنه من أمورِهم شيءٌ، فإنَّ ((معَ)) في لغةِ العربِ لا تقتضي أنْ يكونَ أحدُ الشَّيئينِ مختلطًا بالآخرِ، كقَولِهِ سُبْحَانَهُ: (اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ) وجاءت المعيَّـةُ في القرآنِ عامَّةً وخاصَّةً، فالعامَّةُ كما في هذه الآيةِ، فافتتح الكلامَ بالعلمِ وختمَهُ بالعلمِ، فدلَّ على أنَّه معهم بالعلمِ، ولهذا قال ابنُ عبَّاسٍ والضَّحَّاكُ وسفيانُ وأحمدُ والثَّوريُّ: وهو معهم بعلمِه.
أمَّا المعيَّةُ الخاصَّةُ فكقَولِهِ: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) فهو مع المتَّقينَ دونَ الظَّالمين، فلو كانَ معنى المعيَّةِ أنَّهُ في كلِّ مكانٍ بذاتِه لتناقضَ الخبرُ الخاصُّ والعامُّ، بل المعنى أنَّه معَ هؤلاءِ بنصْرِه وحفظِه وتأييده دونَ أولئك.
وقد أخبرَ في هذه الآيةِ وغيرِها: أنَّهُ -سُبْحَانَهُ- مع خلقِه مع كونِه مستويًا على عرشِه، وقَرَنَ بين الأمرين كما قالَ سُبْحَانَهُ: ((هُوَ الَّذي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ في سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلى العَرْشِ) الآية، فأخبر أنَّه اسْتوى على عرشِه وأنَّه معَ خلقه، يُبصِرُ أعمالَهم من فوقِ عرشِه، كما في حديث الأوعالِ، فعلوُّه -سُبْحَانَهُ- لا يُناقِضُ معيَّتَه، ومعيَّتُه لا تُبطِلُ عُلُوَّهُ، فكلاهما حقٌّ، فهذه الآيةُ فيها إثباتُ صفةِ الخلقِ كما تقدَّمَ، وفيها الرَّدُّ على مَنْ زعم قِدَمَ هذهِ المخلوقاتِ، وأنَّها لم تزلْ ولا تزالُ، وفيها إثباتُ الأفعالِ الاختياريَّةِ، وفيها أنَّ هذه المخلوقاتِ خُلِقَت في ستَّةِ أيامٍ، وفيها إثباتُ الاستواءِ، وفيها إثباتُ العرشِ، وفيها دليلٌ على أنَّ الاستواءَ صفةُ فعلٍ، وفيها دليلٌ على إثباتِ صفةِ العلمِ، ودليلٌ على شمولِ العلمِ لكلَّ شيءٍ مِن الكُلِّـيَّاتِ والجزئيَّاتِ، وفيها إثباتُ معيَّتِه -سُبْحَانَهُ- لخلقِه وأنَّها لا تُناقضُ عُلوَّه واستواءَه على العرشِ، بل كلاهما حقٌّ.
وفيها إشارةٌ إلى النَّدبِ إلى استحضارِ قربِه واطَّلاعِه كما في الحديثِ: ((الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ)).


(97) قَولُهُ: (مَا يَكُونُ): أي يوجدُ فكانَ تامـَّةٌ.
قَولُهُ: (مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ): النَّجوى إسرارُ ثلاثةٍ، فالنَّجوى الإسرارُ.
قَولُهُ (رَابِعُهُمْ): لمَّا كان -سُبْحَانَهُ وتعالَى- ليسَ من جنسِ خلْقهِ جعلَ نفسَهُ رابعَ الثَّلاثةِ وسادسَ الخمسةِ، إذ هو غيرُهم بالحقيقةِ، والعربُ تقولُ: رابعُ أربعةٍ وخامسُ خمسةٍ لِمَا يكونُ فيه المضافُ إليه من جنسِ المضافِ، فإذا كان المضافُ إليه من غيرِ جنسِه قالوا رابعُ ثلاثةٍ وسادسُ خمسةٍ ونحوُ ذلك، أفاده ابنُ القيِّم في (الصَّواعقِ).
قَولُهُ: (إِلاَّ هُوَ مَعَُهمْ): أي مُطَّلِعٌ عليهم يسمعُ كلامَهم ويعلمُ سرَّهُم ونَجْواهم، ورسلُه مع ذلك تكتبُ ما يتناجَونَ به مع علمِه وسمعِه، كما قال سُبْحَانَهُ: (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ) قال ابنُ كثيرٍ رحمه اللهُ: ولهذا حكى غيرُ واحدٍ الإجماعَ على أنَّ المرادَ بهذه الآيةِ مَعِيَّةُ علمِه سُبْحَانَهُ، ولا شكَّ في إرادةِ ذلك، ولكنَّ سمعَهُ أيضًا مع علمِهِ بهم، وبصرَهُ نافِذٌ فيهم، فهو -سُبْحَانَهُ- مُطَّلعٌ على خلقِه لا يغيبُ عنه من أمرِهم شيءٌ.
قَولُهُ: ( ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ): أي يخبرُهم يومَ القيامةِ بجميعِ أعمالِهم، قال تعالى: (وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا).
قَولُهُ: (إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ): قال الإمامُ أحمدُ: افتتحَ الآيةَ بالعلمِ واختَتمها بالعلم، وقال أبو عمرَ بنُ عبدِ البرِّ رحمه اللهُ: أجمعَ العلماءُ من الصَّحابة والتَّابعين الَّذين حُملَ عنهم التَّأويلُ – أي تفسيرُ القرآنِ – قالوا في تأويلِ قَولِهِ: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ ) الآيةَ هو على عرشِه وعلمُه بكلِّ مكانٍ، وما خالفَهُم في ذلك مَن يُحتجُّ بقَولِهِ.


(98) قَولُهُ: (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا): كانَ هذا القولُ عامَ الهجرةِ، لماَّ هَمَّ المشركونَ بقَتلِ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- أو حبسِه أو نفيِه فخرجَ منهم هاربًا صَحِبَهُ صَدِيقُهُ وَصَاحِبُهُ أَبُو بكرٍ، فلجأ إلى غارِ ثورٍ ثلاثةَ أيامٍ ليَرجعَ الطَّلبُ الَّذين خرجُوا في آثارِهم ثمَّ يسيرونَ نحوَ المدينةِ، فخافَ أبو بكرٍ على النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-، فجعلَ النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- يُسَكِّنُهُ وَيُثَبِّتُهُ وَيَقُولُ: ((مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُما))

كما رَوى الإمامُ أحمدُ في مسندِه عن أنسٍ أنَّ أبا بكرٍ حدَّثَهُ قالَ: قلتُ للنَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- ونحَنُ في الغارِ: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلى قَدَمَيْهِ لأََبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ، فَقالَ رسولُ الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: ((مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُما)) أخرجَاه في الصَّحيحينِ، ولذلك قالَ العلماءُ: من أنكرَ صُحبةَ أبي بكرٍ فهو كافرٌ، لإنكارِه كلامَ اللهِ وليسَ ذلك لغيرِ أبي بكرٍ.
قَولُهُ: (لاَ تَحْزَنْ): الحزنُ هو ضدُّ السُّرورِ.
وقَولُهُ: (إِنَّ اللهَ مَعَنَا): أي بِنصرِه وحفظهِ وكلاءَتهِ، ومَن كان اللهُ معه فلا خوفَ عليه.
قَولُهُ: (إِنَّني مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) قد تقدَّم الكلامُ على هذهِ الآيةِ الكريمةِ فارجعْ إليه.
وقَولُهُ: (إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذينَ هُمْ مُحْسِنُونَ): أي معهم بنصرِه وحفظِه وتأييدِه، وهذه معيَّةٌ خاصَّةٌ، وأمَّا المعيَّةُ العامَّةُ فبالسَّمعِ والبصَرِ والعلمِ كما تقدَّم في قَولِهِ: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) فهي مقتضيةٌ لتخويفِ العبادِ منه.
قَولُهُ: (وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ): في هذه الآيةِ الأمرُ بالصـَّبرِ وهو دليلٌ على وجوبِه، وهو شاملٌ لأنواعِ الصـَّبرِ الثَّلاثةِ، فإنَّ حذفَ المعمولِ يُؤذِنُ بالعمومِ.
وقَولُهُ: (إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ): أي بحفظِه ونصرِه وتأييدِه، وهذه معيَّةٌ خاصَّةٌ.
قَولُهُ: (فِئَةٍ): أي جماعةٍ، وهي جمعٌ لا واحدَ له من لفظِه.
قَولُهُ: (بِإِذْنِ اللهِ): أي بقضائِه وإرادته ومشيئتِه.
أفادتْ هذه الآيةُ -كالآيةِ السَّابقةِ- الحثَّ على الصَّبرِ، وأنَّه أعظمُ سببٍ في تحصيلِ المقصودِ، وفيه أيضًا المعيَّةُ الخاصَّةُ للصَّابرين، وأنَّ اللهَ ضمنَ لهم النَّصرَ، وفي حديثِ ابنِ عبَّاسٍ أنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: ((وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ)) وفيها أنَّ النَّصرَ من عندِ اللهِ -سُبْحَانَهُ- وتعالى، لا عن كثرةِ عددٍ ولا عُدَّةٍ، وإنَّما تلك أسبابٌ، وقد أمرَ اللهُ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- بتعاطِيها واتَّخاذِها كما قال سُبْحَانَهُ: (وَأَعِدَّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مِّنْ قُوَّةٍ) أفادتْ هذه الآياتُ المتقدِّمةُ إثباتَ المعيَّةِ، فالآيتانِ الأُوليانِ فيهما إثباتُ المعيَّةِ العامَّةِ، والخمسُ الآياتِ الأخيرةُ فيها إثباتُ المعيَّةِ الخاصَّةِ، ومعيَّتُه -سُبْحَانَهُ- لا تُنافي علوَّه على خلقِه واستوائِه على عرشِه، بل تجامعُه، فإنَّ قُربَه -سُبْحَانَهُ- ومعيَّتَه ليست كقربِ المخلوقِ ومعيَّتِهِ (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).
قَولُهُ: (وَهُوَ الَّذي فِي السَّماء إِلَـهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَـهٌ): أي هو إلهُ ومعبودُ أهلِ السَّماواتِ والأرضِ، كما تقولُ فلانٌ أميرٌ في خُراسانَ وفي العراقِ، فلا يدلُّ على أنَّه فيهما جميعًا , وكذلك قَولُهُ: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ) فسَّرهُ أئمَّةُ العلمِ كالإمامِ أحمدَ وغيرِه أنَّه المعبودُ في السَّماواتِ والأرضِ، فهذه الآياتُ لا تُخالِفُ الآياتِ الَّتي فيها إثباتُ علوِّه -سُبْحَانَهُ- واستوائِه على عرشِه، بل تُجامعُها، فإنَّ قربَهُ ومعيَّته كما يليقُ بجلالِه وعظمتِه، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ).


موضوع مغلق

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الإيمان, بصفة

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:48 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir