إثبات الوجه لله سبحانه
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم نسألك علما نافعا وعملا صالحا وقلبا خاشعا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وعملا يا أرحم الراحمين، أما بعد:
فهذه الآيات فيها ذكر صفتين من صفات الله جل وعلا التي تكاثرت الأدلة على إثباتها في الكتاب والسنة ويجب الإيمان بها وإثباتها لله جل وعلا ودحض ومنع التأويلات التي تخرجها عن حقائقها مع نفي الكيفية ونفي التمثيل والمشابهة بين صفات الله جل وعلا وصفات خلقه.
صفة (الوجه) لله جل وعلا ذكر عليها من الأدلة قوله جل وعلا: {كلّ من عليها فانٍ ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام} وذكر قوله: {كلّ شيءٍ هالكٌ إلّا وجهه}
......
ثم ذكر صفة (اليد) لله جل وعلا وذكر جملة من الأدلة على إثباتها مما سيأتي.
أما صفة (الوجه) لله جل وعلا فهي من الصفات الذاتية، والله جل وعلا أثبت لنفسه وجها كما أثبت لنفسه العلية كما أثبت لذاته (يدين) وكما أثبت له نبيه صلى الله عليه وسلم (عينين) وكما أثبت لنفسه سائر الصفات الذاتية كـ (السمع) و(البصر) ونحو ذلك.
فهذه الصفة صفة (الوجه) من جنس تلك الصفات التي وصف الله جل وعلا بها ذاته، وصف الله جل وعلا بها نفسه.
وهذه الآيات التي فيها الصفات يجب أن يصدق بها وأن يؤمن بها لأن باب الصفات باب واحد لا فرق فيه بين صفة وصفة، فكما أننا نثبت صفة (السمع) وصفة (البصر) وصفة (الكلام) وصفة (الحياة ) وصفة (الإرادة) إلى آخر تلك الصفات التي يثبتها المبتدعة ويثبتها أهل السنة نثبت أيضا الصفات الذاتية صفة (الوجه) وصفة (اليدين) وغير ذلك من الصفات.
فالباب باب الصفات باب واحد هذا أصل وقاعدة عظيمة في ذلك.
فإن أهل السنة لم يفرقوا بين صفة وصفة لم يفرقوا بين نعت ونعت بل أجروا الجميع مجرىً واحدا
فكل ما كان صفة لله جل وعلا أثبتوه ومنعوا تحريفه وآمنوا به على الوجه اللائق به جل وعلا من ذلك صفة (الوجه) لله جل وعلا.
و(الوجه) جاء إثباته في آيات كثيرة وفي أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم:
منها قوله جل وعلا: {كلّ من عليها فانٍ ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام} فقوله: {ويبقى وجه ربّك} فيه إثبات صفة (الوجه) لأنه أضاف الوجه إلى الرب جل وعلا ثم نعته نعت الوجه بقوله: {ذو الجلال والإكرام} كذلك قوله جل وعلا: {كلّ شيءٍ هالكٌ إلّا وجهه} هنا أضاف الوجه الذي هو صفة أضافه لنفسه وفي هذا إثبات كونه صفة لله جل وعلا.
أما الآية الأولى وهي قوله: {كلّ من عليها فانٍ ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام}
فقد قال فيها الشعبي عامر بن شراحبيل إمام من أئمة التابعين قال:
لا تقف على قوله: {فانٍ} وإنما صل {كلّ من عليها فانٍ ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام}، تصل بين الآية الأولى والآية الثانية لأن فناء الأشياء ليس مما يمدح لكن يمدح الإفناء، والله جل وعلا يفنيها والذي في هذه الآية هو فناؤها {كلّ من عليها فانٍ} وإنما أريد بالآية ما هو حمد وثناء على الله جل وعلا بكون كل شيء يفنى ويبقى وجه الله جل وعلا ذو الجلال والإكرام.
قال جل وعلا: {كلّ من عليها فانٍ} يعني كل من عليها هالك {ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام} ففي ذلك إثبات أن الأشياء هالكة فانية وأن الذي يبقى هو الله جل وعلا وهنا ذكر البقاء لوجهه جل وعلا وذلك مقتضٍ لتشريفه وتعظيمه.
كذلك قوله جل وعلا: {كلّ شيءٍ هالكٌ إلّا وجهه}
{كلّ شيءٍ هالكٌ} من المخلوقات
{كلّ شيءٍ هالكٌ} يعني يفنى ويذهب وليس موصوفا باستحقاق البقاء، وإنما الذي يبقى هو وجه الله جل وعلا.
{كلّ شيءٍ هالكٌ إلّا وجهه} والله جل وعلا يبقى.
كما جاء في آية سورة غافر قال جل وعلا: {لمن الملك اليوم للّه الواحد القهّار} بعد أن يفني كل شيء فيقول {لمن الملك اليوم} ثم يجيب جل وعلا نفسه العظيمة بقوله: {للّه الواحد القهّار}.
إذا تبين لك ذلك فقوله جل وعلا: {كلّ من عليها فانٍ ويبقى وجه ربّك} الكلية في الآية الأولى وكذلك الكلية في الآية الثانية على هذا التفسير الذي قدمت وهو أن المراد بـ {ويبقى وجه ربّك} و{كلّ شيءٍ هالكٌ إلّا وجهه } على أن المراد به الإفناء والإهلاك للذوات الكلية هنا يدخلها التخصيص وذلك أن {كلّ} من ألفاظ الظهور في العموم قد يستثنى منها أشياء يعبر عنها كثير من أهل العلم بقولهم (عموم {كلّ} في كل مقام بحسبه)
لهذا قال جل وعلا في وصف الريح قال: {تدمّر كلّ شيءٍ بأمر ربّها فأصبحوا لا يرى إلّا مساكنهم} فقال: {تدمّر كلّ شيءٍ بأمر ربّها فأصبحوا لا يرى إلّا مساكنهم} بقيت المساكن مع أنه جل وعلا قال: {تدمّر كلّ شيءٍ} وذلك أن {كلّ شيءٍ} يعني مما أتت عليه الريح فهو عموم مخصوص ولهذا قال جل وعلا في الآية الأخرى في آية الذاريات {ما تذر من شيءٍ أتت عليه إلّا جعلته كالرّميم} وكذلك قال جل وعلا في وصف ملكة اليمن بلقيس قال: {وأوتيت من كلّ شيءٍ ولها عرشٌ عظيمٌ} مع أن ثم أشياء لم تؤت إياها بل اختص بها سليمان عليه السلام، وإنما المقصود {وأوتيت من كلّ شيءٍ} يؤتاه الملوك في الغالب.
فإذن عموم {كلّ} فيه الظهور وهذا يقبل الاستثناء أو نقول إن العموم في كل مقام بحسبه.
المستثنى: ما شاء الله، كما قال جل وعلا: {ونفخ في الصّور فصعق من في السّماوات ومن في الأرض إلّا من شاء اللّه} فهنا استثناء أنه يصعق كل شيء ويفنى كل شيء إلا من شاء الله، وهذا على أحد التفسيرين.
والتفسير الثاني لهاتين الآيتين أن المراد بقوله: {كلّ شيءٍ هالكٌ إلّا وجهه} و{كلّ من عليها فانٍ ويبقى وجه ربّك} المراد به الأعمال التي تعمل وعلى هذا جمع من السلف في تفسير آية القصص {كلّ شيءٍ هالكٌ إلّا وجهه}.
قال طائفة منهم: كل شيء هالك من الأعمال إلا ما أريد به وجهه جل وعلا، فالأعمال المخلصة التي أخلص فيها أصحابها هي التي تبقى لهم، أما أعمال المشركين فهي هالكة ويفنيها الله جل وعلا كما قال: {الّذين كفروا بربّهم أعمالهم كرمادٍ اشتدّت به الرّيح} وقال: {والّذين كفروا أعمالهم كسرابٍ بقيعةٍ} وكما قال جل وعلا: {وقدمنا إلى ما عملوا من عملٍ فجعلناه هباءً منثورًا}.
فإذن يكون المعنى هنا {كلّ شيءٍ هالكٌ إلّا وجهه} يعني [كل شيء هالك إلا ما أريد به وجهه]
{كلّ من عليها فانٍ ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام} هل تحتمل هذين التفسيرين؟
هذا فيه نظر، ومنهم ن جعل هذه الآية مثل آية القصص {كلّ من عليها فانٍ} يعني من الأعمال
لكن هذا ليس بوجيه لمجيء {من} فيها وقوله: {ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام}
لكن منهم من جعلها من جنس آية القصص، لكن آية القصص فيها نص من السلف على أنهم فسروها - يعني طائفة منهم - فسروها بأن المراد: كل شيء هالك إلا ما أريد به وجهه.
إذا تقرر ذلك فما معنى كون البقاء لوجه الله والأشياء تهلك إلا وجه الله؟
ما فائدة التخصيص هنا بقوله: {ويبقى وجه ربّك}؟
هذا يستفاد منه:
- أولا بقاء الله جل وعلا لأنه إذا بقيت صفة من صفات الله الذاتية فالله جل وعلا باق.
- والثاني أن يقال هنا خصص الوجه لجلاله وإكرامه وعظمته وتشريفه بذلك لكون المخلوقات تقصد وجه العظيم، فهنا خص لأجل هذا فيكون هذا أبلغ في نفس المستمع، أبلغ في نفس المخلوق.
ويعبر بعضهم ها هنا تعبيرا لا يليق يقول هنا في قوله: {ويبقى وجه ربّك} يقول هذا من إطلاق الجزء وإرادة الكل.
والنتيجة صحيحة لكن التعبير ليس بجيد.
وذلك لأن الله جل وعلا لا يعبّر عن صفاته بالجزء والكل وإنما يقال هذا فيه إثبات بقاء الوجه وهذا يقتضي إثبات بقاء الذات، تخصيص الوجه هنا لعظمته ولتشريفه أو لأن الناس يقصدونه أو نحو ذلك.
إذا تقرر ذلك ووضح لك المراد من وجه الاستدلال بهذا ومعنى الآيتين فإن المخالفين في هذه الصفة منهم من أوّل الوجه.
منهم من قال: الوجه هنا مجاز والمراد به الذات والله جل وعلا ليس له وجه تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا
قال يراد به الذات.
ومنهم من قال الوجه يراد به الثواب يعني ويبقى ثواب ربك
ولا شك أن هذين من جنس التحريفات التي يقولونها في الصفات
وكما تنظر في الآية بل في الآيتين أن الله جل وعلا قال: {ويبقى وجه ربّك} وفي الآية الثانية قال: {كلّ شيءٍ هالكٌ إلّا وجهه}
والقاعدة في العربية وهي في صفات الله جل وعلا أن الأشياء التي تضاف إلى الله على قسمين:
- أعيان………- وصفات.
الأعيان يعني ذوات كما قال الله جل وعلا: {ناقة اللّه وسقياها} (بيت الله) (كعبة الله) ونحو ذلك فهذه الإضافة إضافة مخلوق إلى خالقه، مملوك إلى مالكه.
وهذه تقتضي أن يكون لمن أضيف إلى الله مزيد تشرف لأنه خص بالإضافة
كذلك وصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه عبد الله لأنه مخصوص بهذه الصفة {وأنّه لمّا قام عبد اللّه يدعوه كادوا يكونون عليه لبدًا}.
فإذن إضافة الذات الذوات الأعيان إلى الله جل وعلا هذه إضافة تكريم وتشريف فيها تخصيصها لمزيد بيان فضل هذه الأشياء.
القسم الثاني إضافة صفات، وإضافة الصفات أيضا على قسمين:
- إضافة صفات مستحقة لله جل وعلا وهذه يأتي بعدها لام الاستحقاق.
- والثاني إضافة صفات يتصف الله جل وعلا بها.
القسم الأول كقوله جل وعلا: {الحمد للّه} {سبحان اللّه} فهذا {سبحان اللّه}، سبحان ليس من صفات الله ولكن التسبيح سبحان يعني تسبيح هذا مستحق لله {الحمد للّه} يعني الحمد مستحق لله (صلاتي ونسكي للّه) يعني مستحقة لله أو تكون مملوكة له جل وعلا.
القسم الثاني من هذا النوع هو ما كان صفة لله جل وعلا، ولا يقال هو مستحق لذلك لأن العبد ليس له فعل في هذا النوع مثل ما جاء هنا (وجه الله) {ويبقى وجه ربّك} هذه هنا أضاف صفة الوجه إلى الله.
والوجه صفة ليس بعين يعني ليس بذات تقوم بنفسها فهو صفة.
والصفة هنا ليست مستحقة لله - يعني مستحقة يفعلها العبد يتوجه بها إلى الله - وإنما هي صفة من الصفات التي يستحقها الله جل وعلا استحقاق موصوف لصفته، كذلك {يد اللّه} من هذا الجنس (سمع الله) من هذا الجنس (قدرة الله) (قوة الله) (كلام الله) {رحمة اللّه} (سلام الله) كلها من هذا الجنس.
فإذن هي إضافة صفات إلى متصف بها وإذا كان كذلك فهذا الذي في هذه الآيات وفي غيرها في هذا الباب فالإضافة تقتضي رد قول من أوّل أو قال إن في الآية مجازا لأنهم قالوا {كلّ من عليها فانٍ ويبقى وجه ربّك} قالوا يعني ويبقى ربك والوجه هذا المراد به الذات، ويبقى ذات ربك أو ويبقى ثواب ربك ونحو ذلك.
نقول هنا الوجه صفة من صفات الله جل وعلا لأنه أولا أضافه إلى نفسه وهو منطبق على ما ذكرنا من القاعدة.
ثانيا أن قوله: {ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام} هنا نعت الوجه بأنه ذو الجلال والإكرام فقال: {وجه ربّك ذو الجلال} فـ (ذو) نعت للوجه ولو أراد أن النعت للرب جل وعلا لقال: (ذي الجلال والإكرام) كما جاء في آخر السورة سورة الرحمن حيث قال جل وعلا: {تبارك اسم ربّك ذي الجلال والإكرام}
وذلك أن الجلال والإكرام للرب جل وعلا لا لاسمه وذلك أن أسماء الله منقسمة كما سيأتي.
هنا قال: {ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام} فإذن الجلال والإكرام هاتان صفتان لوجه الله جل وعلا
{ذو الجلال} وجه الله وهو ذو {الإكرام} هذا يمتنع عربية أن يكون نعتا للرب (وجه ربك ذي) لا قال: {وجه ربّك ذو الجلال} فهو نعت للوجه، وهذا ظاهر واضح من حيث العربية ومن حيث القواعد في الصفات.
من المنتسبين للأشاعرة أو الذين جروا على طريقتهم وإن كانوا أخف طبقات الأشاعرة منهم من يفرق في الصفات بين صفات الذات وصفات الفعل مثل (الخطّابي) و(البيهقي).
(البيهقي) له تأويلات من جنس الأشاعرة لكنه هو و(الخطابي) ومن على شاكلتهم أخف الأشاعرة لأنهم لم يتابعوهم في كل أصولهم وإنما في الصفات حرفوا على أصولهم مثل ما جعلهم شيخ الإسلام في أخف طبقات الأشاعرة أو الذين تأثروا بالأشاعرة.
(البيهقي) مثلا في الأسماء والصفات يفرق:
- فالصفات الذاتية عنده يقول تثبت
- الصفات الفعلية أو ما تأول بالفعل يقول لا تثبت.
يميز بينها (البيهقي) في كتابه الأسماء والصفات بقوله: (باب الوجه لله) أو (باب اليدين لله) أو (باب إثبات الوجه لله) (باب إثبات اليدين لله)، وأما الأخرى فيقول (باب ما جاء في الإصبع) (باب ما جاء في النزول) (باب ما جاء في كذا) فيفرق بين هذه وهذه فيثبت البعض ويخالف في إثبات الأخريات والجواب أن الباب باب واحد فكل من نفى بعضا وأثبت بعضا فهو متناقض فيما فرق فيه.
قوله جل وعلا هنا {ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام} (ذو) بمعنى صاحب، يعني صاحب الجلال الموصوف بالجلال والإكرام.
فإذن الجلال والإكرام هذه صفة للوجه، وهو صفة لله جل وعلا كما في آخر السورة {تبارك اسم ربّك ذي الجلال والإكرام}.
والجلال هو التعظيم والهيبة وأسماء الله وصفاته منقسمة إلى قسمين بأحد الاعتبارات:
- صفات جلال وأسماء جلال.
- وصفات جمال وأسماء جمال.
ولهذا في الختمة، ختمة القرآن المنسوبة لشيخ الإسلام ابن تيمية فيها هذا التفريق حيث قال في أوله (صدق الله العظيم المتوحد بالجلال بكمال الجمال) وهذه من الألفاظ التي أشعرت كثيرا من أهل العلم بصحة نسبة تلك الختمة لشيخ الإسلام ابن تيمية
المقصود أن صفات الله وأسماء الله جل وعلا منقسمة إلى جلال وجمال.
معنى الجلال يعني الصفات والأسماء التي تورث العظمة والهيبة والخوف (هذا واحد)، مثل ايش؟
(القوي) (العزيز) (الجبار) (القهار) (القدير) إلى آخر هذه الصفات والأسماء.
صفات وأسماء الجمال هذه هي التي ينبعث عنها المحبة والرغب.
فكل صفة ينشأ عنها المحبة يقال لها صفة جمال.
فمن صفات الله جل وعلا أنه (جميل) هذه من صفات الجمال، الله جل وعلا هو (الرحمن الرحيم) هذه من صفات الجمال (السلام) من صفات الجمال (المؤمن) (الودود) ونحو ذلك، الأسماء والصفات التي هي من تفريعات الربوبية، ربوبية الله على خلقه هذه من قسم الجمال وهي التي تورث حسن التوكل على الله جل وعلا.
المقصود أن هذا باب - يعني فيه تقسيم الصفات على هذا النحو يحتاج إلى مزيد إيضاح - لكن المقصود ما يناسب قوله جل وعلا: {ذو الجلال والإكرام}
الإكرام هنا الإكرام من (الكريم) أو من (الكرامة)
وقد ذكرنا لكم فيما مضى أن الكريم والكرامة في اللغة ما معناها؟ من هو الكريم في اللغة؟
الكريم هو الذي فاق جنسه في صفات الكمال هذا الكريم.
وصفات الكمال هنا اللي هي صفات الجمال فقال هنا {ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام}
يعني الذي فاق في أوصاف الجمال.
فجمعت الآية بين الجلال والجمال اللذين تنقسم إليهما الصفات، فدل على أن وجه الله جل وعلا فيه صفة الجلال وفيه صفة الإكرام وهو جل وعلا ذو الجلال والإكرام في صفاته وذاته جل وعلا.
قال بعض أهل العلم المراد بـ {ذو الجلال} يعني أهل الجلال يعني أهل لأن يجل أهل لأن يكرم كما قال في آية المدثر {هو أهل التّقوى وأهل المغفرة} يعني أهل لأن يتقى أهل لأن يغفر.
هنا {ذو الجلال} قال بعضهم معناها أهل الجلال يعني المستحق لأن يجل المستحق لأن يكرم.
ويكرم يعني يتوجه إليه بالعبادة الكاملة.
ويجل يعني يعظم التعظيم اللائق به جل وعلا.
إذا تبين لك ذلك الوجه الأول بأن يجل ويكرم جل وعلا، ومن قال إنه يقال هو المستحق للإجلال المستحق للإكرام فإن معنى ذلك أنه يوهم أن الأول منفي وذلك لأن الصفة - صفة الجلال والإكرام - أثبتت لله جل وعلا فلا يريد أن يثبتها للوجه بخصوصه لكن هذا ليس بسديد لما ذكرت.
هذا بعض ما يتصل بالكلام على هاتين الآيتين فالواجب إذن الإيمان بنصوص الصفات والتسليم بها وإثبات ما أثبت الله جل وعلا لنفسه وعدم الخوض في ذلك بما يصرفها عن حقائقها اللائقة به جل وعلا، فالباب باب الصفات باب واحد فمن فرق فيه بين صفة وصفة فقد عطل وتناقض.