قال سبحانه في الآية التي بعدها {وتوكّل على الحيّ الّذي لا يموت} قوله: {وتوكّل على الحيّ الّذي لا يموت} فيها اسم الله جل وعلا (الحيّ) هذا هو الشاهد، وهذا كما في آية الكرسي {اللّه لا إله إلا هو الحيّ القيّوم} وقد تقدم الكلام على اسم الله (الحيّ).
وهذه الآية فيها الأمر بالتوكل على الله جل وعلا بقوله: {وتوكّل على الحيّ الّذي لا يموت} والتوكل مما اختلفت فيه عبارات العلماء، بم يفسر؟
ولعله أن يكون من أحسنها أن التوكل هو (صدق التجاء القلب إلى الله جل وعلا بتفويض الأمر إليه بعد فعل السبب) وذلك يجمع شيئين:
- التفويض.
- وفعل الأسباب.
وهناك التفويض، وقد فسر التوكل بأنه تفويض الأمر إلى الله، وهذا ليس بصحيح، وإن كان لغة (وكلتك بالأمر) أو تقول العرب (توكلت على فلان) يعني فوضت أمري إليه، (توكلت على الله) يعني فوضت أمري إليه، لكن جاء الشرع ببيان أن الأسباب وتحصيل الأسباب أنه من التوكل، وهذا في قوله عليه الصلاة والسلام (لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا) وذلك من الطير عمل، فإذن التوكل يجمع فعل السبب وتفويض الأمر إلى الله وصدق اللجأ إلى الله في أن يحصل المقصود.
{وتوكّل على الحيّ الّذي لا يموت} التوكل عبادة قلبية عظيمة من العبادات القلبية العظيمة، والعبادات القلبية منها:
ما يجوز إظهاره على اللسان.
ومنها ما لا يجوز التعبد به لسانا.
فهذا التوكل مما يجوز التعبد به لسانا لمجيء السنة بذلك، تقول (توكلت على الله)، (اللهم إني متوكل عليك) تظهر ذلك بالكلام، وهناك من العبادات ما لا يكون التعبد بإظهاره كالحب ونحو ذلك من العبادات القلبية، فإذن هي تنقسم إلى قسمين:
- منها ما يتعبد بذكره ( توكلت على الله ).
- ومنها ما لا يتعبد بذكره كالمحبة (أحببت الله) (أحبك يا الله) ونحو ذلك.
هناك في تفصيلات للتوكل لكن مكانها في الكلام على توحيد العبادة، وتقسيمات التوكل، والفرق بين التوكل والوكالة ونحو ذلك.
هنا مسألة يكثر السؤال عنها في التوكل وهي قول القائل (توكلت على الله ثم على فلان) من أهل العلم من أجازها ومنهم وهم الأكثر من منعها، والمانعون على الأصل من أن التوكل فعل قلبي وأنه لا يسوغ التوكل على أحد إلا على الله جل وعلا قال سبحانه: {فعليه توكّلوا} {على اللّه توكّلنا} اختصاص ذلك بالله أما المخلوق فيقال: (وكلت فلانا) ونحو ذلك (اعتمدت على فلان) أما التوكل بخصوصه فليس للمخلوق منه نصيب لأن الذي يفعل الأمور وينفذها على ما يرجو العبد هو الله جل وعلا والمخلوق قد يكون سببا، وإذ كان سببا فإنه لا يصح أن يفوض الأمر إليه.
قال طائفة من أهل العلم لا بأس أن يقال: (توكلت على الله ثم على فلان) باعتبار أن العامي إذا أطلقها لا يعني بها التوكل الذي هو عبادة القلب، وإنما يعني به ما تكون فيه الوكالة والاعتماد ظاهرا دون عمل القلب.
(التوكل) انقسامه من حيث الحكم أنه شرك أكبر أو أصغر لكن مو من حيث صحته.
الأخ يسأل يقول التوكل قال العلماء أنه ينقسم؟
نقول قولهم ينقسم ليس من جهة أنه ينقسم إلى ما يجوز وما لا يجوز، لا، قالوا ينقسم إلى ما هو شرك أكبر وما هو شرك أصغر، فإذا توكل على مخلوق ممن لا يقدر على شيء وفوض الأمر إليه، والتجأ قلبه إليه هذا يكون شركا أكبر، ممن لا يقدر يعني فوض أمره إليه، كما يحصل عند عبّاد القبور ونحو ذلك وعبّاد الأولياء فإنه يتوكل على هذا الميت في حصول مقصوده من جلب رزق له أو دفع ضر أو نحو ذلك، هذا شرك أكبر.
والقسم الثاني من التوكل هو إذا توكل على مخلوق فيما كان مقدورا له، توكل على مخلوق فيما كان مقدورا له يعني أنه يعلم أن المخلوق سبب ولكنه توكل عليه، فوض الأمر إليه، يجد في قلبه ميلا لهذا المخلوق وتفويض الأمر إليه وتعلق القلب بأن هذا المخلوق سيحصل المقصود، وإذا كان عند هذا القلب هذا التوجه وهذا الاندفاع نحو المخلوق فهذا القسم الثاني الذي هو شرك أصغر أو نوع تشريك، لأنه يعني الضابط بينه وبين الأول أن الأول (استقلال)، والثاني (سبب) الأول (غير مقدور) والثاني (مقدور) من هذه الجهة، ليس من جهة أنه يجوز أو لا يجوز.
......
قوله: ( توكلت على الله ثم عليك ) يظهر، الأظهر فيه عدم الجواز لأن التوكل عبادة قلبية بحتة ليس للمخلوق فيها نصيب.. حتى (توكلت على فلان) لأنه أعظم.
......
ذكرتم أن التوكل الصحيح هو ما جمع بين التفويض وبين فعل السبب - سؤالي ذكر بعض أهل العلم كابن رجب رحمه الله حالات القصص عن السلف الصالح مفادها بأنهم فوضوا قلوبهم إلى الله فوصلوا إلى درجة من التوكل بحيث لم يحتاجوا إلى فعل السبب، واستدل بحديث ابن عباس وقال هي رتبة الخواص؟
لا، لا سنة إلا بحركة ولا إيمان إلا بتوكل، ولا توكل إلا بفعل السبب، كما قاله غير واحد من السلف، فعل السبب من التوكل، التفويض أمر آخر ويفوض يصبح مفوضا أمره إلى الله وهي عبادة قلبية عظيمة {وأفوّض أمري إلى اللّه إنّ اللّه بصيرٌ بالعباد} أما التوكل فهو فعل للسبب أولا ثم تفويض الأمر إلى الله، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وإن كان عده بعض العلماء من الضعيف قال رجل للنبي صلّى الله عليه وسلّم يا رسول الله أترك ناقتي وأتوكل أو أعقلها وأتوكل؟ قال: (بل اعقلها وتوكل) (اعقلها) فعل السبب، ثم قال: (وتوكل) بواو العطف لأنه يشمل، الأول داخل في الثاني، يعني (العقل) بعض (التوكل) لأنه فعل السبب، وهذا لا شك أمر ظاهر.
......
هذه، الصحيح أنها تقيد بهذه الأفعال ولا يقاس عليها غيرها، لأن هذه الأفعال العرب لهم اعتقاد فيها خاص، العرب يعتقدون في (الكي) اعتقاد خاص ويعتقدون في (الرقية) اعتقاد خاص، ويعتقدون في (التطير) ونحو ذلك، فقوله: {وعلى ربّهم يتوكّلون} يعني تركوا فعل تلك الأشياء توكلا على الله جل وعلا لأن فيها حاجة للخلق، وبعض السلف كأبي بكر وغيره امتنع من إتيان الأطباء ومن العلاج.
ولهذا تنازع أهل العلم هل التداوي من المباح أم من المستحب أم من الواجب؟
الإمام أحمد عنه روايتان:
قال في رواية إنه مستحب وذلك لأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بقوله: (تداووا عباد الله)
وفي رواية أخرى قال مباح تركه بعض السلف، مباح تركه بعض السلف، يعني أن التداوي مباح إن شئت تتداوى وإن شئت لا تتداوى، هكذا قال ومن أهل العلم من حمل الأمر على الوجوب قال: (تداووا عباد الله ولا تتداووا بحرام)
والتحقيق في هذه المسألة أن من فعله من السلف آنس من قلبه قوة يقين وتفويض الأمر إلى الله وصدق لجأ إليه ويعلم من نفسه أنه مع حبه لربه وصدق لجئه إليه أنه لن يندم، وهذا لا يصلح أن يرشد إليه الناس، لأن بعض الناس يجي قال لا أتداوى الأفضل إني ما أتداوى ويجي مع نفسه ويترك الدواء فيقع في مصيبة أعظم فيندم على ما فعل فيقع في محرم آخر، فيترك أمرا مستحبا ويفعل أمرا مستحبا ويقع في محرم عظيم.
......
أي نعم الأكثر أنهم فعلوا التداوي، أكثر السلف فعلوه والنبي عليه الصلاة والسلام كوى وأمر بالتداوي ونحو ذلك، ورقى عليه الصلاة والسلام ورقي، وكل هذا من جنس التداوي.
- ما رأيك فيمن يقول اللهم إني وكلتك بجميع من ظلمني إن شئت أن تغفر له فاغفر له وإن شئت أن تعاقبه فعاقبه ولا تحرمني الأجر؟
إذا ظلمك أحد فالمستحب للمرء أن يعفو عمن ظلمه كما جاء في قوله تعالى: {فمن عفا وأصلح فأجره على اللّه}
والعفو عمن ظلم مستحب، والظلم قد يكون في بعض صوره يجتمع فيه حقان:
حق للعبد، وحق لله جل وعلا.
فحقك أنت لك أن تحلل تقول اللهم حلل فلانا اللهم إني عفوت عن فلان ونحو ذلك.
وهاهنا تنبيه على مسألة مهمة الحقيقة ولا بد - خاصة الشباب - أن يرعوها وهي مسألة التحليل، التحليل الذي جاء في السنة الأمر به في الصحيح أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: (من كانت عنده مظلمة لأخيه في مال أو عرض) - لاحظ - (في مال أو عرض فليتحلله منه اليوم قبل أن يكون يوم لا درهم فيه ولا دينار)، (فليتحلله منه اليوم) هذا أمر، يعني: أنت فيه مظلمة بينك وبين أحد تروح تحلل منه، نلت من عرضه، تحلل منه، يا فلان حللني، هنا المستحب أيضا لمن سئل التحليل أن يحلل دون سؤال عن السبب، وهذا من الخلق بل من الأمور التي ينبغي للشباب أن ينشروها وأن يتواصوا بها، مسألة التحليل:
فلان حللني
الله يحللك..
بدون ما يعترض. ولهذا العلماء تنازعوا فيمن اغتاب غيره هل يسأل غيره أن يحلله، فمنهم من قال: لا، لا يسأل كشيخ الإسلام وغيره لأنه قد يقع من ذلك مفسدة، ومنع هذه المفسدة بأن يكون المستحل منه، يعني المتحلل منه، أن يقول حللتك بدون السؤال عن السبب، قد يكون اغتابه قد يكون وقع فيه ثم تاب، وهي وسيلة من وسائل تحقيق المحبة في القلوب، لأننا - ونسأل الله جل وعلا للجميع الهداية - في هذا الزمن كثر وقوع الناس بعضهم في بعض، وخاصة الشباب، وقوع بعضهم في بعض واغتياب بعضهم لبعض وربما يكون في ذلك ظلم وأحيانا كذب، فالتحليل أولى من يفعله هؤلاء الملتزمون لأنهم أقرب الناس إلى محبة ما تحصل به السنة ثم يرشدون الآخرين، التحليل طيب لأنه يوم القيامة ما في إلا أن تؤخذ إما من حسناتك فتوضع له أو من سيئاته فتوضع عليك.
ونختم بهذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد