ثم قال: (وهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمّى به نفسه بين النفي والإثبات)، الله جل وعلا جمع بين النفي والإثبات في قوله: { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } نفى في قوله: {ليس كمثله شيء} وأثبت في قوله: {وهوالسميع البصير}, كذلك قال: { الله لا إله إلا هو الحيّ القيوم } فأثبت، ثم قال: { لا تأخذه سنة ولا نوم } فنفى.
وقال سبحانه: {قل هو الله أحد * الله الصمد} فيها إثبات في هاتين الآيتين ثم نفى فقال: {لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد }, وهذا فيه بيان لقاعدة أهل السنة والجماعة في ذلك بأعظم دليل وأوضح استدلال في أنهم يجمعون في عقائدهم في الأسماء والصفات بين النفي والإثبات، وعندهم النفي يكون مجملا كما أجمله الله جل وعلا، وعندهم الإثبات يكون مفصلا كما فصله الله جل وعلا، وأما النفي المفصل الذي جاء في القرآن كقوله: {ولا يظلم ربك أحدا }، وكقوله: {لا تأخذه سنة ولا نوم}، وكقوله: {وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا}, فإن النفي لا يكون كمالاً، ولا يمدح به المنفي إلا إذا كان النفي يراد به إثبات كمال الضد، فالله جل وعلا نفى عن نفسه الظلم والغرض, من ذلك إثبات كمال ضد صفة الظلم وهو العدل {ولا يظلم ربك أحدا}، { وما ربك بظلاّم للعبيد } في هذا إثبات لكمال اتصافه بضد الظلم وهو العدل، وبعض العلماء يسمِي هذه الصفات: السلبية، يعني الصفات المسلوبة عن الله جل وعلا، وما الفائدة من السلب؟ الفائدة منه أن يثبت كمال ضده {لا تأخذه سنة ولا نوم}, وذلك لكمال حياته سبحانه، وقد يكون النفي لإثبات صفة واحدة، وقد يكون النفي لإثبات صفتين معا، يعني: النفي يكون المراد منه إثبات صفتين جميعا، يدل على ذلك قوله: {وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض} العجز الذي نفاه الله جل وعلا عن نفسه، قال العلماء: إما أن يكون لأجل عدم العلم عجز عن الشيء لأجل أنه ليس بعالم به، وإما أن يكون العجز لأجل عدم القدرة عليه هو غير قادر عليه: (عجزت من الكتابة لأني غير قادر عليها)، ( عجزت عن المسير لأني غير قادر عليه)، لكن (عجزت عن جواب سؤال لأني غير عالم به), فقوله هنا في هذا النفي: { وما كان الله ليعجزه من شيء} يراد به إثبات كمال ضد العجز, وكمال ضد العجز يكون بكمال صفتين وهي صفة العلم وصفة القدرة ولهذا قال جل وعلا في آخر هذه الآية قال: {إنه كان عليما قديرا}, قال: {وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا}، وقد تقرر أن كلمة {إنه} في القرآن من أساليب التعليل لما قبلها إذا كان خبرا أو أمرا أو نهيا أو حكما أو استفهاما، يكون ما بعد إن تعليل لما قبلها.
{ما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض} ما علة ذلك؟ قال: { إنه كان عليما قديرا}, وهذا فيه ظهور أن النفي هنا أُريد به إثبات كمال ضده وهما صفتان: صفة العلم وصفة القدرة، ولذلك وصف الله جل وعلا نفسه بذلك في قوله: {إنه كان عليما قديرا} مع ما في كان من إثبات الكمال السابق واللاحق، وما في قوله: {عليما قديرا} من إثبات الكمال لدلالة صيغة المبالغة عليه.
قال هنا: (بين النفي والإثبات), المبتدعة عندهم عكس ذلك، عندهم الإثبات مجمل: نثبت لله صفات الكمال، ما هي؟ عندهم إجمال، أما النفي فإنه يكون مفصلا، يقولون: الله جل وعلا ليس بذي دم، وليس بذي جوارح، ليس به روح، ولا به أبعاض، ولا هو فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا بذي جهة وليس بداخل العالم ولا خارجه …. الخ.
عندهم النفي كما ترى في كتاب التمهيد وغيره وكتب أهل الكلام، و( التمهيد ) يعني للباقلاّني، ترى أنه يأتي في وصف الله جل وعلا في النفي في صفحتين أو أكثر كلها نفي مفصل، ليس بكذا وليس بكذا وليس بكذا …، وإذا أتى الإثبات أجمله فقال وله صفات الكمال، ما هي؟ الصفات التي يثبتونها وهي الصفات السبع العقلية.
قال: (فلا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاء به المرسلون)، وهذه كلمة عظيمة تدل على أن أهل السنة والجماعة، يعني السلف الصالح, أنهم تبعوا المرسلين.
و(لا عدول لهم)، يعني: لا ميل لهم ولا انحراف، ولا يعدلون: لا يوازنون بما جاء به المرسلون بشيء بل هم متبعون للمرسلين، وأما غيرهم فهم متبعون للمشركين أو لليهود أو للنصارى أو للملحدين, فكل بدعة في الأسماء والصفات ظهرت في هذه الأمة فإنها لم تستقا من الأنبياء والمرسلين وحاشاهم من ذلك، وإنما أخذت من المشركين وأهل الكتاب وقد قال النبي –عليه الصلاة والسلام–: ((لتتّبعنّ سنن من كان قبلكم))، وبين –عليه الصلاة والسلام– في الحديث الآخر الذي رواه البخاري وغيره من حديث ابن عباس قال: ((إن أبغض الرجال إلى الله ثلاثة)), وذكر منهم: ((مبتغ في الإسلام سنة الجاهلية)), وإذا رأيت فإن المشركين نفوا عن الله جل وعلا اسما من أسمائه الحسنى، فنفوا اسم الرحمن عن الله، قال سبحانه: {وهم يكفرون بالرحمن} فورثه النفاة، نفاة الأسماء في هذه الأمة، واتبعوا سبيل أهل الجاهلية فنفوا عن الله جل وعلا الأسماء الحسنى، أولئك وصفوا الله بما لم يصف به نفسه، ونفوا عن الله جل وعلا ما وصف به نفسه من اليهود والنصارى وجعلوا له مثيلا وشبيها فورثهم المجسمة وورثهم المؤولة فإذا كل بدعة حصلت في هذه الأمة في أبواب الأسماء والصفات فإنها من ابتغاء سنة الجاهلية، فإن أهلها إنما أخذوها من اليهود والنصارى والمشركين، كذلك في باب الإيمان، الذين قالوا بالقدر يعني بالجبر الذين قال بالجبر إنما أخذوها من الجبرية، وهم طائفة كانت قبل النبي -عليه الصلاة والسلام- موجودة، كذلك الذين قالوا بالإرجاء ورثوها ممن قبلهم، وكذلك في أبواب الإمامة، فإن اجتماع الناس على إمام واحد يطيعونه ويرضونه هذا إنما جاءت به الرسل، أما أهل الجاهلية فإنهم يعُدّون التفرق مفخرة ويعُدّون الاتباع والطاعة لوليّ أمر واحد، يعُدّون مسبة وذلا وهكذا، في أبواب الصحابة المشركون يسُبّون أتباع الرسل { أنؤمن لك واتبعك الأرذلون}, وفي هذه الأمة في باب العقائد خالف من خالف في العقيدة في الصحابة لأتباع الرسل فسبوهم يعني أن أهل السنة والجماعة تبعوا المرسلين وكل من خالف أهل السنة والجماعة فإنما تبع أهل الجاهلية،وهذه جملة يطول تفصيلها.
قال: (فإنه الصراط المستقيم) يعني الطريق الوحيد الموصل لرضى الله جل وعلا، (صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين)، وهذه جملة يؤخذ تفسيرها من الآية ونقف عند قوله: (وقد دخل في هذه الجملة ما وصف به نفسه)، أكرر وأقول أن ما ذكر هذا عرض إجمالي لا بد منه، لما ذكر من الكلمات والجمل وأما تفصيل الكلام على الصفات في مواضعها إن شاء الله تعالى، - وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي {ليس كمثله شيءٌ وهو السّميع البصير} حمدا كثيرا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله وصفيه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين أما بعد:
فهذه الجمل التي سيأتي بيان ما فيها من العلم النافع من كلام شيخ الاسلام والمسلمين أبي العباس أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى.
هذه الجمل هي كالتفصيل بل هي تفصيل لما سبق من ذكر مجمل أركان الإيمان فإنه ذكر أركان الإيمان مجملة دون تفصيل، ولهذا قال بعد أن ذكر أركان الإيمان قال: (ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه وبما وصفه به رسوله محمد صلّى الله عليه وسلّم)
قال: (ومن الإيمان بالله)
يعني أن الإيمان بالصفات، الإيمان بما وصف الله جل وعلا به نفسه في كتابه ووصفه به رسوله صلّى الله عليه وسلّم فيما ثبت في السنة أن هذا بعض الإيمان بالله.
وذلك لأن الإيمان بالله جل وعلا متركب من ثلاثة أشياء:
الإيمان بأن الله جل وعلا واحد في ربوبيته، واحد في إلهيته واحد في أسمائه وصفاته.
فالإيمان بتوحيد الأسماء والصفات هو بعض الإيمان بالله ولهذا قال: (ومن الإيمان بالله).
وهذه الجملة تفيد أن أهل السنة والجماعة الذين يقررون هذا الاعتقاد أنهم ساعون في تكميل الإيمان بالله بإيمانهم بالأسماء والصفات التي أخبر الله جل وعلا بها عن نفسه وأخبر بها عنه أعلم الخلق بربه النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم.
وذكر ها هنا القاعدة العظيمة في هذا الباب وذلك بقوله: (ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله صلّى الله عليه وسلّم).
وهذه تقرير لقاعدة هذا الباب، وهذا الباب أعني باب الأسماء والصفات سيكون في هذه الرسالة في أكثرها فإنه أطال عليه المؤلف رحمه الله تعالى إطالة لشدة الحاجة إليه ولكثرة المخالفين فيه ولكثرة الاشتباه في هذا الباب.
ذكر قاعدة هذا الباب بقوله: (الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله صلّى الله عليه وسلّم) وهذه الجملة نأخذ منها أن هذا الباب إنما عمدته على كتاب الله جل وعلا وعلى السنة التي ثبتت عن المصطفى صلّى الله عليه وسلّم.
فإذن مصدر توحيد الأسماء والصفات إنما هو الكتاب والسنة، وهذا كما قال أئمتنا رحمهم الله تعالى ومنهم الإمام أحمد بن حنبل الشيباني رحمه الله إذ قال في الصفات (لا نتجاوز القرآن والحديث) يعني في الأسماء والصفات وفي الأمور الغيبية، لا نتجاوز القرآن والحديث.
فصارت قاعدة أن ما جاء في كتاب الله وما ثبت في السنة أنه يثبت لله جل وعلا من الأسماء والصفات والأفعال وكذلك في الاعتقادات في الأمور الغيبية.
وإذا تقرر هذا وأن القاعدة أن كل ما جاء في الكتاب من صفة الله جل وعلا ومن أسمائه ومن أفعاله أنه يثبت لله جل وعلا، وما ثبت في السنة يثبت لله جل وعلا، إذا تقرر هذا فثم بيان وهو أن ما يوصف الله جل وعلا به مما يكون في كلام أهل العلم مما لم يأت في الكتاب والسنة هذا على أقسام
فإن القاعدة كما ذكرنا أنه لا يتجاوز القرآن والحديث، ولكن ربما استعمل بعض أهل العلم من أئمة السنة ألفاظا هي داخلة في باب الصفات أو داخلة في باب الأفعال ولم تثبت صفة لله جل وعلا في الكتاب والسنة.
وهذا الباب قال أهل العلم إنه من باب الإخبار، والقاعدة عندهم أن (باب الأخبار أوسع من باب الصفات كما أن باب الصفات أوسع من باب الأسماء).
وهذا القسم سيأتي إن شاء الله إيضاح هذه القاعدة بعد ذكر بقية الأقسام.
وتارة يكون ثم ذكرٌ لصفة من الصفات أو لفعل من الأفعال ولا يصح أن ينسب إلى الله جل وعلا.
فقد يطلق بعض التابعين أو بعض العلماء كلمة لا تصح أن تكون صفة لله جل وعلا.
أطلقوها إما من جهة الاجتهاد أو من جهة الحاجة إليها في زمن معين ونحو ذلك.
وإذا كانت الصفة لا يصح أن يوصف الله جل وعلا بها فإنها ترد لأن قاعدة هذا الباب أن لا يتجاوز القرآن والحديث.
ومن الأقسام في هذا أيضا وهو القسم الثالث أن يكون ثم إطلاق لبعض الكلمات التي فيها وصف لله جل وعلا لكن ليس هناك ظهور في معناها من أنها تحمل معنى صحيحا يصح أن يقال إنه من باب الإخبار عن الله جل وعلا بما ثبت جنسه أو معناه في الكتاب والسنة.
وقد يكون أنها تحتمل المعنى الصحيح أو تحتمل معنىً غير صحيح.
وذلك في مثل تسمية الله جل وعلا بـ (الدليل) مثلا، فإن بعض أهل العلم سموا الله جل وعلا بذلك من باب الإخبار خاصة في الدعاء من مثل ما أرشد به الإمام أحمد حيث أرشد من يدعو إلى أن يدعو بقوله: (يا دليل الحيارى دلني على صراطك المستقيم) أو نحو ذلك.
فأثبت طائفة هذا الاسم ولكن هذا يحتمل، يحتمل المعنى الصحيح ويحتمل معنى آخر.
ولهذا فإن هذا الباب يطلق فيه مما لم يأت في الكتاب والسنة مما جاء على هذا مما هو محتمل يطلق فيه على الوجه الذي يكون فيه كمال لله جل وعلا.
وهذا في مثل هذا الاسم وهو الدليل، فإن الله جل وعلا دليل دل العباد عليه، فإن العباد ما استدلوا على الله جل وعلا إلا بدلالته، فالله جل وعلا دليل وهو جل وعلا مدلول عليه أيضا، ولهذا المعنى الصحيح ساغ الإخبار بمثل هذا، وسيأتي إن شاء الله مزيد تفصيل.
المقصود أن القاعدة المقررة عندهم هي أن لا يتجاوز القرآن والحديث، فما لم يأت في الكتاب والسنة من الصفات مما ليس جنسه موجوداً في الكتاب والسنة، ليس معناه، فإنه لا يصح أن ينسب إلى الله جل وعلا ولو في باب الأخبار.
ولكن إذا كان في باب الأخبار قد جاء مثله فإنه ينسب وقد يسمى الله جل وعلا بذلك من باب الأخبار مثل ما يقال إنه جل وعلا (قديم) أو إنه (صانع) أو أنه (مريد) ونحو ذلك، فهذه الألفاظ لم تأت لا في القرآن ولا في السنة أن الله جل وعلا قديم أو أنه مريد يعني بالاسم أو التسمية الخاصة باسم الصانع.
وذلك لأن هذه الأشياء تنقسم إلى ما فيه كمال وما فيه نقص فلاحتمالها لم تطلق في باب الصفات وإنما يجوز أن تطلق في باب الخبر عن الله جل وعلا، يعني يخبر عن الله جل وعلا بأنه موجود، بأنه مريد، يخبر عن الله جل وعلا بأنه قديم، وهذا ليس من باب الاسم ولا من باب الصفة.
يتبع هذا أن نذكر قواعد مهمة في مقدمة شرحنا لهذا الكتاب العظيم وهو العقيدة الواسطية.
قواعد مهمة في باب الأسماء والصفات هي كالتفصيل لهذه القاعدة التي نبه عليها شيخ الإسلام بقوله: (ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله صلّى الله عليه وسلّم).
* فمن القواعد المقررة في ذلك أن باب الأسماء لله جل وعلا أضيق من باب الصفات وأن باب الصفات أضيق من باب الأفعال وأن باب الأفعال أضيق من باب الإخبار.
ومعنى هذا بعبارة مختلفة: أن باب الأخبار أو باب الإخبار عن الله جل وعلا أوسع من باب الأفعال وباب الأفعال أوسع من باب الصفات وباب الصفات أوسع من باب الأسماء.
فإذا ثبت في الكتاب والسنة صفة لله جل وعلا لا يعني أنه يسوغ أن يشتق منها اسم لله جل وعلا بل قد يكون ثم صفة وصف الله جل وعلا بها ولا يلزم أن يشتق له منها جل وعلا اسم.
لأن هذا الباب مبناه على التوقيف، ليس مبناه على الاشتقاق، مبناه على التوقيف.
فإذا أطلق الاسم تقيدنا بذلك بإثبات الاسم إذا أطلقت الصفة تقيدنا بذلك بإطلاق الصفة.
لكن إذا ثبت الاسم لله فإننا - كما سيأتي في القاعدة التي تلي إن شاء الله - فإنه لأن باب الأسماء أضيق فإن الاسم يشتمل على دلالة على الذات وعلى دلالة على الصفة، فيشتق من الاسم صفة، فمثلا الله جل وعلا (الرحمن) فنقول إنه جل وعلا موصوف بصفة الرحمة، الله جل وعلا (السميع) نقول إنه جل وعلا موصوف بصفة السمع، الله جل وعلا (حيي) نقول إنه جل وعلا موصوف بصفة الحياء ونحو ذلك، وهذا كثير في هذا الباب.
كذلك باب الأفعال أوسع من باب الصفات.
يعني قد يكون في الكتاب والسنة وصف الله جل وعلا بالفعل ولكن لم تأت الصفة من الفعل فهنا يتقيد بالكتاب والسنة فنثبت لله جل وعلا ما أثبته لنفسه بالفعل وأما الصفة أو الاسم من باب أولى فإنه لا يذكر ـ يعني لا يوصف الله جل وعلا به ـ
مثلا إنه جل وعلا وصف نفسه بأنه ( يستهزئ) وأنه (يخادع) وأنه جل وعلا (يمكر) وهذه أفعال هي لله جل وعلا على وصف الكمال ونعت الكمال الذي لا يشوبه نقص.
وقد أطلقت في الكتاب والسنة بالمقابلة، قال جل وعلا: (يستهزئون) في سورة البقرة، يستهزئون {اللّه يستهزئ بهم} وقال جل وعلا: {يخادعون اللّه وهو خادعهم} وقال جل وعلا: {ويمكرون ويمكر اللّه}.
فإذن هذه وصف الله جل وعلا بها من باب ذكر فعله جل وعلا.
فلا يشتق له من ذلك اسم كما غلط من غلط في ذلك من أمثال القرطبي في شرحه للأسماء الحسنى في قوله إنه يشتق من يمكر ماكر أو أن من صفاته المكر هكذا بإطلاق، أو أنه يشتق له من قوله: (يستهزئ) أنه مستهزئ، أو أن له صفة الاستهزاء بإطلاق ونحو ذلك.
وإنما المقرر أن لا يتجاوز القرآن والحديث، فيقال يوصف الله جل وعلا بأنه يستهزئ بمن استهزأ به
فنأتي بصيغة الفعل لأن هذا هو محض الاتباع.
أما إطلاق اشتقاقات فإن هذا فيه شيء.
نعم قد يطلق الاشتقاق مقيدا وهذا ينفي النقص.
فنقول، فيقول القائل مثلا الله جل وعلا يوصف بمخادعة من خادعه، يوصف بالاستهزاء بمن استهزأ بمن استهزأ به أو بأوليائه، يوصف بالمكر بمن مكر به أو بنبيه أو بأوليائه،وهذا إذا كان على وجه التقييد إذا كان على وجه التقييد فإنه أجازه العلماء لأنه ليس فيه نقص وليس فيه تعد بالمعنى لأن المعنى المراد هو إثبات الصفة مقيدة.
ولكن الأولى أن يلزم ما جاء في الكتاب والسنة.
مثل صفة (الملل)، الله جل وعلا لا يقال إنه يوصف بالملل.
هذا باطل، لأن الملل نقص ولكن الله جل وعلا وصف نفسه بأنه يمل ممن مل منه وهذا على جهة الكمال.
فإن هذه الصفات التي تحتمل كمالا ونقصا فإن لله جل وعلا منها الكمال.
والكمال فيها يكون على أنحاء منها أن يكون على وجه المقابلة.
قال جل وعلا: {إنّ المنافقين يخادعون اللّه وهو خادعهم} وقال جل وعلا: {ويمكرون ويمكر اللّه} فهو جل وعلا يخادع من خادعه، يستهزئ بمن استهزأ به، وهذا كمال لأنه من آثار أنه جل وعلا.
عزيز جبار ذو الجلال وذو الكمال وذو القدرة العظيمة فهو جل وعلا لا يعجزه شيء.
* ومن القواعد - وتفصيل أيضا - باب الإخبار أوسع من باب الأفعال، يعني أن باب الأفعال مقيد بالنصوص.
ولكن قد يكون باب الإخبار نخبر عن الله جل وعلا بفعل أو بصفة أو باسم، لكنه ليس من باب وصف الله جل وعلا به وإنما من جهة الإخبار لا جهة الوصف.
وهذا سائغ كما ذكرت لك آنفا لأن باب الأخبار أوسع هذه الأبواب.
فإذا كان الإخبار بمعنى صحيح لم ينف في الكتاب والسنة وثبت جنسه في الكتاب والسنة فإنه لا بأس أن يخبر عن ذلك.
مثل أن يخبر عن الله جل وعلا بأنه (الصانع) فإنه جاء في القرآن قوله جل وعلا: {صنع اللّه الّذي أتقن كلّ شيءٍ} وقد جاء أيضا في الحديث (إن الله صانع ما شاء) وكذلك (إن الله صانع كل صانع وصنعته) -
......
(إن الله صانع) هذه رواية الحاكم في المستدرك
(إن الله صانع كل صانع وصنعته) بلفظ صانع
والذي في مسلم (إن الله خالق ما شاء - أو إن الله صانع ما شاء -) هذا أيضا من هذا الباب فإن لفظ الصانع مثل (المريد).
قال بعض أهل العلم ومنه (الشيء) فإنه يخبر عن الله جل وعلا بـ ( الشيء ).
وهذا فيه نظر لأنه جاء في الصحيح صحيح البخاري أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: (لا شيء أغير من الله جل وعلا) والمقصود من هذا أن هذه القاعدة مهمة لك جدا فيما سنأتي من بيان الأسماء والصفات وتقرير عقيدة أهل السنة والجماعة في ذلك.
من القواعد في هذا الباب أن
....
- أنا ذكرت لك هذا، تقيّد بما قيدت به في النصوص فالله جل وعلا لم يصف نفسه بأنه يستهزئ دون مقابلة وإنما وصف نفسه بأنه يستهزئ بمن استهزأ به فقال: {مستهزؤون (14) اللّه يستهزىء بهم} لم يصف نفسه مطلقا بأنه يخادع بل وصف نفسه بأنه يخادع من خادعه.
وهذا كله تقييد وذلك لأن هذه الصفات تحتمل كمالا ونقصا فإنها عند الناس، عند الناس أن ذو الاستهزاء وذو المخادعة وذو المكر ونحو ذلك أنها ليست بجهات كمال، والله جل وعلا كل كمال في المخلوق هو جل وعلا أحق به، كل كمال في المخلوق الله جل وعلا أحق به.
وهذه الأشياء مثل مثلا الاستهزاء فإن الذي لا يردّ على الاستهزاء في العرف العام هذا قد يكون مأخذه العجز وقد يكون مأخذه الضعف، مثل من يستهزئ به كبير قوم أو يستهزئ به أمير أو ملك أو رئيس أو نحو ذلك، فمن جهة الضعف لا يرد ذلك والله جل وعلا موصوف بصفات الكمال.
ولهذا مع أن العرب تعلم أن الجهل مذموم وتذم الجاهلين وتذم الجهل لكن قال عمرو بن كلثوم مثبتا لنفسه كمال هذا الوصف بقوله:
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
وذلك لأن الجهل منه على من جهل عليه هذا من آثار قوته وعزته ومن آثار جبروته ومن آثار ملكه وسلطانه فلهذا صار كملا بهذا الاعتبار، على كل حال هذه لها تفاصيل يأتي إن شاء الله مزيد بيان لها عند الآيات التي فيها تقرير ذلك ـ من القواعد المقررة في ذلك.
.....
نعم.. هو جل وعلا، يعني قصدك أنه يوصف، يسمى بأنه ماكر؟ أو من جهة أنها لم تأت بالمقابلة؟
هو جاء في السياق ما يدل على ذلك بقوله: {ويمكرون ويمكر اللّه} فهم، فالله جل وعلا يمكر وهم يمكرون والله جل وعلا خير من يمكر، إذا كانوا يمكرون فالله جل وعلا يمكر بهم، وقد يكون في بعض النصوص إطلاق غير هذه، استحضر أنا بعض النصوص فيها إطلاق لكنها المعروف أنها تقيّد بما قيدت به في النصوص الأخرى.
* نقول أيضا من القواعد المقررة في هذا الباب أن أسماء الله جل وعلا لا تحصر بعدد معين كما جاء في الحديث الصحيح - أو الحسن - أن النبي صلّى الله عليه وسلّم بين أن لله جل وعلا أسماء استأثر بها في علم الغيب عنده، قال عليه الصلاة والسلام في تعليمه الدعاء (اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي) إلى آخر الحديث، فدل هذا الحديث على أن أسماء الله جل وعلا لا تحد بحد، أما ما جاء في الصحيحين أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة» فهذا تخصيص لتسعة وتسعين اسما بهذا الفضل بأن من أحصاها دخل الجنة وليس معناه حصر الأسماء الحسنى في هذا العدد.
وأسماء الله جل وعلا حسنى كما قال سبحانه: {وللّه الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الّذين يلحدون في أسمآئه} ومعنى كون أسماء الله جل وعلا حسنى أنها بالغة في الحسن نهاية الحسن وبالغة في الجمال والجلال والكمال نهاية الجلال ونهاية الجمال ونهاية الكمال.
وأسماء الله جل وعلا هذه التسعة والتسعين، التسعة والتسعين التي قال فيها عليه الصلاة والسلام (من أحصاها دخل الجنة) فسّر الإحصاء بأشياء وجماع ذلك ثلاثة أمور، الإتيان بها مجتمعة هو معنى الإحصاء:
الأول حفظها.
الثاني: معرفة معانيها.
الثالث: التعبد لله جل وعلا بها. حفظها معرفة معانيها التعبد لله جل وعلا بها بسؤاله بها بدعائه بها ونحو ذلك.…
* القاعدة التالية أن أسماء الله جل وعلا وصفات الله جل وعلا تنقسم باعتبارات، فمن انقسامها أنها تنقسم إلى صفات ذاتية وصفات فعلية:
- ونعني بالصفات الذاتية الصفة التي لا ينفك لا تنفك عن الله جل وعلا، يعني أن الله جل وعلا موصوف بها دائما ليس في حال دون حال بل هو جل وعلا موصوف بتلك الصفات الذاتية مثل (الرحمة) فإن الله جل وعلا من صفاته الذاتية أنه (رحيم) أنه (ذو رحمة) وكذلك (الغنى)، فالله جل وعلا (غني) هذا من صفات الذات، كذلك (القدرة) فالله جل وعلا (قدير) كذلك من صفات ذاته، كذلك (العلو) فالله جل وعلا موصوف بأنه (ذو العلو) ونعني بالعلو جميع أقسامه: علو الذات وعلو القهر وعلو القدر وهذا كله صفة ذاتية لله جل وعلا لا تنفك عن الموصوف، فالله جل وعلا (سميع) هذه صفة ذاتية له جل وعلا، الله جل وعلا (بصير) صفة ذاتية.
- القسم الثاني الصفات الفعلية، ونعني بالصفات الفعلية التي يتصف الله جل وعلا بها بمشيئته وقدرته، يعني أنه ربما اتصف بها في حال وربما لم يتصف بها مثل صفة الغضب مثلا، فالله جل وعلا ليس من صفاته الذاتية الغضب فإنه يغضب ويرضى، يغضب حينا ويرضى حينا وهذا كما جاء في آية سورة طه قال جل وعلا: {ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى} وهنا الغضب يحل وهذا أيضا جاء مبينا في حديث الشفاعة أنه عليه الصلاة والسلام قال: (إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله) وهذا باب واسع، مثل الاستواء فإن الاستواء صفة فعلية باعتبار أن الله جل وعلا لم يكن مستويا على العرش ثم استوى على العرش، وهذا باب واسع.
وهذا يسمى عند كثير من العلماء يسمى بالصفات الاختيارية وهي التي نفاها ابن كلاب ومن شابهه وأخذ نهجه من الأشاعرة والماتريدية ونحوهم كما سيأتي تفصيله إن شاء الله في مواضعه.
* أيضا من التقسيمات أن أسماء الله جل وعلا وصفاته من حيث معناها منها ما هو وصف جلال أو أسماء جلال ومنها ما هي أوصاف أو أسماء جمال ومنها ما هي أوصاف أو أسماء لمعاني الربوبية ومنها أوصاف أو أسماء لمعاني الألوهية ونحو ذلك، فهذه انقسامات للمعاني.
أسماء الله جل وعلا منها أسماء جلال ومنها أسماء جمال وضابط ذلك:
- أن أسماء الجمال ما كان فيها فتح باب المحبة من العبد لربه جل وعلا من جنس أسماء وصفات الرحمة كصفة الرحمة والأسماء المأخوذة منها كالرحمن والرحيم ونحو ذلك من جهة أو من مثل اسم الله جل وعلا الجميل أو صفة الجميل صفة الجمال لله، اسم الله جل وعلا النور أو صفة النور لله جل وعلا، أن الله جل وعلا رزاق اسم الله الرزاق وأنه ذو الرّزق ونحو ذلك مما فيه إحسان بالعباد، هذا يقال له صفات جمال ولهذا يقول شيخ الاسلام في ختمه للقرآن الختم المشهور النسبة إليه يقول في أوله يقول: (صدق الله العظيم المتوحد في الجلال بكمال الجمال تعظيما وتكبيرا الذي نزل الفرقان على عبده) إلى آخره، هنا قال: (متوحد في الجلال بكمال الجمال) وذلك أن أسماء الله جل وعلا منها جلال ومنها جمال.
- أما أسماء الجلال وصفات الجلال فضابطها أنها الأسماء والصفات التي فيها معاني جبروت الله جل وعلا وعزته وقهره من مثل اسم الله العزيز والقهار والجبار والقوي والمنتقم ونحو ذلك من الأسماء والصفات، فمعاني العزة، معاني الجبروت، معاني القهر ونحو ذلك،هذه كلها جلال لأنها تورث الإجلال، تورث التعظيم تورث الخوف والهيبة لله جل وعلا ومن الله جل وعلا.
صفات أو أسماء من جهة الربوبية وذلك اسم الله جل وعلا الرب، المالك، الملك، والسيد عند من أطلقه اسما لله جل وعلا، ومدبر الأمر، الذي يجير ولا يجار عليه، الرزاق، ونحو ذلك، معاني الربوبية، الأسماء التي هي من معاني الربوبية، هذه كلها يقال لها أسماء فيها معاني الربوبية وقد تكون ببعض الاعتبارات أسماء جلال وقد تكون أسماء جمال، وهذا باب واسع يطلب من مظانه.
* من القواعد المقررة في الأسماء والصفات أن العقل
......
نعم، يسأل عن معاني الألوهية، يعني الأسماء التي فيها معاني الألوهية
هذا مثل الله، نعم، والمعبود يعني مع أن المعبود ما أطلق باسم
يعني ما فيه معاني تدل على إفراد الله جل وعلا بأفعال العبيد.
..... نعم، التقسيم هذا من جهة المعنى، هذا التقسيم يقول دليله؟
هذا دليله اللغة هذا المعنى، يعني صفات الجلال هكذا هي في اللغة هذه صفات جلال، صفات الجمال هي هكذا صفات جمال (إن الله جميل يحب الجمال) هو جميل جل وعلا في ذاته وفي أسمائه وصفاته وأفعاله، وهو جل وعلا ذو الجلال والإكرام، فوصف نفسه بأنه ذو الجلال ووصف نفسه بأنه جميل، والله جل له جمال الذات وله جلال الذات، وله جلال الصفات والأسماء وله جمال الصفات والأسماء وهذا مأخذه مع النصوص أيضا مأخذه اللغة لأن الجلال غير الجمال ومأخذ الجلال من الأسماء غير مأخذ الجمال من الأسماء، وهذا ذكره شيخ الاسلام ابن تيمية في مواضع وذكره ابن القيم في مواضع، وهو مقرر عند العلماء في شرح حديث (إن الله جميل يجب الجمال) وكذلك عند قوله: {ذو الجلال والإكرام}.
* من القواعد المقررة في هذا أن العقل تابع للنقل وأن النصوص نصوص الكتاب والسنة لا يحكّم فيها القوانين العقلية التي اصطلح عليها طوائف من الخلق بل نأخذ القواعد العقلية من النصوص، النصوص مصدر للقواعد العقلية كما أنها مصدر للشرع وللأحكام، وهذا فيه إبطال لمن قدم العقل على النقل أو جعل أن العقل أصل والسمع فرع، وهذه القاعدة هي التي كتب فيها شيخ الاسلام كتابه العظيم العجاب درء تعارض العقل والنقل والذي قال فيه ابن القيم رحمه الله تعالى مثنيا عليه معظما له، قال:
واقرأ كتاب العقل والنقل الذي
ما في الوجود له مثيل ثاني
وصدق فإنه في دحض أصول المتكلمين وأصول المبتدعة من الأشاعرة ونحوهم والمعتزلة فإنه أصل ليس ثم مصنف يعدله في هذا من مصنفات علماء المسلمين.
......
الدرء، (درء التعارض) ايه مطبوع، مطبوع طبعة التي بتحقيق الدكتور محمد رشاد سالم في نحو أحد عشر مجلدا. وهذه القاعدة سنستفيد منها في الرد على أولئك في مواضعه وتفصيلها يأتي إن شاء الله تعالى.
* من القواعد المقررة في هذا الباب التي سنحتاجها إن شاء الله تعالى فيما سنأتي من بيان معاني الآيات والأحاديث التي فيها الصفات أن الواجب على العباد أن يؤمنوا بما أنزل الله جل وعلا في كتابه، والإيمان بما أنزل الله جل وعلا في كتابه أو أخبر به نبيه صلّى الله عليه وسلّم من الأسماء والصفات يكون بأشياء:
- الأول إثبات الصفة، لأن الله جل وعلا أثبتها فتثبت كما أثبتها الله جل وعلا، وهذا أول درجات الإيمان.
- الثاني أن يثبت المعنى الذي يدل عليه ظاهر اللفظ فإن القرآن نزل بلسان عربي مبين تعقل معانيه وتفهم ألفاظه بلسان العرب وبلغة العرب وآيات الصفات وآيات الأسماء هي من القرآن فهي تفهم باللسان العربي.
فكل اسم من أسماء الله له معنى يدل عليه، وكل صفة من صفات الله لها معنىً تدل عليه بظاهر اللفظ فيجب إثبات الصفة من حيث هي ويجب إثبات المعنى الذي في اللفظ
أو نقول ما سبب ذلك؟ إثبات المعنى لم؟
لأن الله جل وعلا قال: {أفلا يتدبّرون القرآن} وقال: {بلسانٍ عربيٍّ مّبينٍ} يعني بين واضح، وهذا يعني أن آيات الكتاب ومنها آيات الأسماء والصفات أنه يتعلق بها التدبر والفهم، والتدبر فرع العلم بالمعنى.
ليست الأسماء والصفات غير معلومة المعنى فإن معانيها معلومة، والتدبر للمعاني.
أما لو لم تكن بمعان صارت بمنزلة الأحرف الهجائية ألف باء تاء ثاء إلى آخره ليس لها معان خاصة تدل عليها، وهذا يعني أنها لا تعقل ولا تتدبر
ولكن الله جل وعلا أمرنا أن نعقل وأن نتدبر كتابه، وأعظم ما في القرآن الدلالة والعلم بالله جل وعلا ووصف الله جل وعلا ونعوت كماله جل وعلا.
وهذه كلها متعلق بها التدبر.
كيف يكون التدبر لغير هذا المطلب الأعظم.
أيضا من الإيمان بها أن يؤمن بمتعلقاتها في الخلق وبآثارها في الخلق فإن الأسماء والصفات لها آثار متعلقة بخلق الله، متعلقة بملكوت الله.
فكل اسم وكل صفه له أثر، فنؤمن بالصفة من حيث هي ونؤمن بما اشتملت عليه من المعنى ونؤمن بالأثر الذي للصفة.
وهذا قد يسمى متعلّق الصفة، فمثلا الله جل وعلا موصوف بأنه ذو سمع وأنه السميع وهذا نثبت فيه أن الله جل وعلا له السمع ونثبت معنى السمع، ثم نثبت أثر هذه الصفة في الخلق وأن الله جل وعلا لا يعزب عنه مسموع (سبحان من وسع سمعه الأصوات).
......
السمع، سؤال جيد يقول ما معنى السمع؟
السمع من حيث هو معناه إدراك ما يسمع، هذا معنى السمع، السمع إدراك ما يسمع.
وهنا تنبيه: وهو أن المعاني يصعب تفسيرها بخلاف الذوات والأعيان فإنه يسهل التعريف بها
ولهذا تجد أن معاني القلوب مثلا أو ما يقوم بالقلوب بالقلب قلب البشر من الصفات فإنه إذا عرّفه فإنه يعرف ما قام بقلبه بتعلقه بذاته، تعلقه بالبشر
مثلا لو طلب تعريف الرحمة فإنها معنى قلبي كل واحد يدرك منّا معنى الرحمة لأنها معنى قلبي يشعر به، والدلالة بما يشعر به هذه دلالة أعظم من دلالات الألفاظ، فإذا أراد أن يعبر عنه ربما عسر عليه أن يعبر بتعبير مطلق يعني بتعبير عام، يشمل ما في قلبه ويشمل غيره، ربما عسر على كثير من الناس بل ربما عسر على كثير من أهل العلم ولكن الخاصة يؤتيهم الله جل وعلا من ذلك ما يشاء.
انتهى الشريط الثالث من - شرح العقيدة الواسطية -
للشيخ العلامة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ حفظه الله تعالى
الشريط الرابع
مثلا لو طلب تعريف الرحمة فإنها معنى قلبي.
كل واحد يدرك منّا معنى الرحمة لأنها معنى قلبي يشعر به، والدلالة بما يشعر به هذه دلالة أعظم من دلالات الألفاظ.
فإذا أراد أن يعبر عنه ربما عسر عليه أن يعبر بتعبير مطلق يعني بتعبير عام، يشمل ما في قلبه ويشمل غيره، ربما عسر على كثير من الناس بل ربما عسر على كثير من أهل العلم ولكن الخاصة يؤتيهم الله جل وعلا من ذلك ما يشاء.
فإذا عرّف معرف (الرحمة) فإنه ربما يعرفها بالنظر إلى حاله مثل ما عرفها الأشاعرة.
كل أعمال القلوب التي في الإنسان ووصف الله جل وعلا بها عرفوها بناء على أنها أعمال القلوب للإنسان ولهذا نفوها عن الله جل وعلا، وهذا في المعاني كثير.
لهذا نقول إن المعاني تعقل معانيها.
الصفات هذه التي هي من هذا الجنس تعقل معانيها وأما تفسيرها فلا بد أن تقف عليه بعبارة من عبارات أهل العلم المحققين لأن تفسير تلك المعاني قد يكون من المفسر بالنظر إلى بعض متعلقاتها:
يفسر (الرحمة) من جهة تعلقها بالمخلوق يفسر (الحياء) من جهة اتصاف المخلوق به، يفسر (الغضب) من جهة اتصاف المخلوق به، يفسر (الرضا) من جهة اتصاف المخلوق به وهكذا.
فإن هذه وجودها مطلقا - وجودها مطلق - من دون إضافة كما هو معلوم إنما يوجد في الأذهان أما في الخارج يعني في الواقع فإنما توجد مضافة:
رحمة الله، رحمه الإنسان، فإذا عرّف معرفٌ هذه المعاني فإنه قد ينظر في ذلك، ينظر إلى ما يعقله من نفسه.
ولهذا ضل من ضل في هذا الباب من هذه الجهة.
فتنبهوا لهذه القاعدة وهي أن المعاني تفسيرها من دون إضافة قد يعسر على كثيرين فخذ تفسيرها من أهل العلم المحققين.
حتى بعض اللغويين يفسرها باعتبار من قامت به:
ربما فسر الحياء وهو ينظر إلى حياء المخلوق، لكن الحياء الذي هو مطلق عن الإضافة الذي هو وجود كلي في الذهن، معنى كلي في الذهن قد لا يصل إلى تعريفه لأنه إنما وجد في ذهنه بتخصيص.
ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في التدمرية في قاعدته المعروفة في الفرق بين التعميم أن المعاني هذه لا توجد كلية إلا في الأذهان أما في الخارج فإنما توجد بالإضافات والنسب.
القواعد في هذا كثيرة وقد ذكر ابن القيم رحمه الله منها ربما يضيق الوقت عليها على تعداد ما سنستخدمه، أنا ذكرت أشياء سنستخدمها إن شاء الله في فهم النصوص والرد على المخالفين من المؤولة والمعطلة والمشبهة والمجسمة ونحو ذلك من أصناف أهل الضلال في هذه الأبواب.
* بقي القاعدة الأخيرة التي نختم بها وهي أن ظاهر النصوص مراد، وأن الإيمان إنما يكون بظاهر النص لأن الظاهر هو ما يتبادر إلى الذهن من النص وهذا هو الذي كلفنا الله جل وعلا بالإيمان به إذ لم نكلّف بالغيبيات بأن نؤمن بأشياء وراء الظاهر لأنها لا تدرك، وهذه الغيبيات لا بد من إدراكها.
نقول إن الظاهر هو الذي يجب الإيمان به فما هو ظاهر النصوص؟
ظاهر النصوص هو إثبات المعنى دون إثبات الكيفية.
ولهذا وجب الإيمان به لأن فيه إثبات معنى دون إثبات الكيفية:
الله جل وعلا وصف نفسه بأنه استوى على العرش وهذا إثبات لمعنى دون إثبات لكيفية.
وصف الله جل وعلا نفسه بأنه يغضب {وغضب اللّه عليهم} وهذا إثبات للمعنى دون إثبات للكيفية، وصف الله جل وعلا نفسه بأنه يرضى وهذا إثبات للمعنى دون إثبات للكيفية.
فظاهر النص هو المعنى الذي دل عليه، أما كيفية الاتصاف فإن هذه لا يدل عليها ظاهر النصوص.
ولهذا ضل من ضل حيث زعم وظن أن ظاهر النصوص فيه التشبيه أو فيه التمثيل.
ففهم من الغضب غضب المخلوق - يعني كيفية غضب المخلوق -
فهم من الرضا رضا المخلوق يعني كيفية رضا المخلوق فيفسرون الغضب مثلا بأنه ثوران دم القلب أو غليان دم القلب وهذا أثر الغضب في المخلوق وليس هو معنى الغضب بل الغضب له معنى كلي لا يتقيد بالمخلوق.
وهذا الباب مهم جدا، فإن الإيمان بظاهر النص هو إيمان بالمعنى الذي دل عليه هذا الظاهر.
وهذا الظاهر أحيانا يكون إفراديا نفهمه من كلمة واحدة، وأحيانا يكون هذا الظاهر تركيبيا نفهمه من تركيب الكلام.
يعني أن الظاهر ينقسم إلى قسمين: ظاهر إفرادي وظاهر تركيبي:
* الظاهر الإفرادي هو الذي دل عليه أفراد الكلام يعني كلمة واحدة كقوله: {وغضب اللّه عليهم} وكقوله: {ومن يحلل عليه غضبي} وكقوله: {إنّ اللّه لا يستحيي أن يضرب مثلاً مّا بعوضةً فما فوقها} ونحو ذلك من الصفات.
* وأما الظاهر التركيبي فهو الذي يفهم لا من جهة لفظه ولكن من جهة الكلام كله، وهذا حجة وهو أصل في اللغة وهو مقرر عند أئمة أهل اللغة من السنيين وكذلك أئمه أهل السنة في كتب العقائد وغيرها، مثاله قوله تعالى: {فأتى اللّه بنيانهم مّن القواعد}.
{فأتى اللّه بنيانهم مّن القواعد} هنا لا يفهم منه صفة الإتيان لله جل وعلا لكن هنا يفهم الكلام بظاهره التركيبي وهو أن الله جل وعلا أتى بنيانهم من القواعد، ومعلوم أن تركيب الكلام لا يدل على أن الإتيان كان بالذات وإنما الإتيان كان بالصفات ولهذا فسره المفسرون بأنه إتيان بعذابه أو بقدرته أو بنحو ذلك، كذلك قوله جل وعلا: {ألم تر إلى ربّك كيف مدّ الظّلّ ولو شاء لجعله ساكنًا ثمّ جعلنا الشّمس عليه دليلاً} إلى آخر الآيات، قال: {ألم تر إلى ربّك كيف مدّ الظّلّ} هنا ليست رؤية إلى الله جل وعلا يعني إلى الذات ولكن تركيب الكلام وظاهر الكلام الذي أمرنا بالإيمان به هنا ظاهر تركيبي ليس لفظيا وذلك لأنه دل على معنى قوله: {ألم تر إلى ربّك} دل على معناها قوله: {كيف مدّ الظّلّ} وهذه قاعدة مهمة جدا.
وهذا الذي ذكرت لك بينه شيخ الاسلام رحمه الله في مواضع ومنها في أول المجلد الثالث من رده على الرازي، ببيان تلبيس الجهمية أو الرد على كتاب التأسيس والتقديس أو يسمى نقض التأسيس والتقديس وهذا القسم لم يطبع وهو من الأقسام المهمة جدا في الكتاب.
كذلك الحقيقة تنقسم إلى قسمين حقيقة تفهم من مفرد الكلام، وحقيقة تفهم من تركيب الكلام وهي مرتبطة بتقسيم ظاهر الكلام إلى ظاهر إفرادي وظاهر تركيبي.
فمثلا ادعي المجاز في قوله تعالى ادعي المجاز في قوله تعالى: {واسأل القرية} وادعي المجاز في قوله تعالى: {واخفض لهما جناح الذّلّ من الرّحمة} وادعي المجاز في قوله تعالى: {الرّحمن الرّحيم} وادعي المجاز في أشياء كثيرة، وهم يزعمون أن مثل قوله: {واسأل القرية} فيها إثبات للمجاز لأن الحقيقة - حقيقة اللفظ -لم تعن بيقين، وفهموا من حقيقة اللفظ هنا أن السؤال متوجه إلى القرية والسؤال متوجة إلى العير ففهموا من قوله: {واسأل القرية} أن السؤال يتوجه إلى القرية.
ونقول هذا ليس بظاهر الكلام وليس بحقيقته أيضا، لأن الحقيقة هنا تركيبية، ولأن الظاهر هنا ليس هو ما دل عليه مفرد اللفظ، كما زعموا، بل الحقيقة التركيبية هي المفهومة من قوله: {واسأل القرية} ومعلوم أن السؤال لم نؤمر بتوجيهه إلى جدران القرية وبيوتها وأرضها وإنما لمن يفهم السؤال ويجيب عليه وهم أهل القرية فهذا يسمى حقيقة تركيبية أو ظاهر دل عليه تركيب الكلام وفيه نفي للمجاز.
نقف عند هذا وأسأل الله جل وعلا أن يعلمنا ما ينفعنا وأن يوفقنا للهدى والرشاد وصلى الله وسلم على نبينا محمد.