دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > برنامج إعداد المفسر > المستوى السابع > منتدى المستوى السابع

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 27 رجب 1439هـ/12-04-2018م, 12:52 AM
هيئة الإدارة هيئة الإدارة متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 28,438
افتراضي المجلس الثالث: مجلس مذاكرة القسم الرابع عشر من تفسير سورة البقرة

مجلس مذاكرة القسم الرابع عشر من تفسير سورة البقرة
الآيات (189 - 203)


أجب على إحدى المجموعات التالية:
المجموعة الأولى:
1. فسّر بإيجاز قول الله تعالى:

{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198)}.
2.
حرّر القول في المسائل التالية:
أ: معنى الإحصار وحكمه في قوله تعالى: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي}.
ب: معنى قوله تعالى: {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس}.
2. بيّن ما يلي:
أ: المراد بالتهلكة في قوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}.
ب: معنى الهلال واشتقاقه.
ج: المراد بالتمتّع بالعمرة إلى الحجّ، وشروطه، وسبب تسميته بذلك.

المجموعة الثانية:
1. فسّر بإيجاز قول الله تعالى:
{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193)}.
2.
حرّر القول في المسائل التالية:
أ: معنى قوله تعالى: {فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشدّ ذكرا}.
ب:
معنى قوله تعالى: {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص}.
2. بيّن ما يلي:
أ: متعلّق الاعتداء في قوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا}.

ب: المراد بإتمام الحجّ والعمرة لله.
ج
: حكم القتال عند المسجد الحرام.

المجموعة الثالثة:
1. فسّر بإيجاز قول الله تعالى:
{وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203)}.
2.
حرّر القول في المسائل التالية:
أ: معنى قوله تعالى: {والفتنة أشد من القتل}.
ب:
المراد بالظالمين في قوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين}.
3. بيّن ما يلي:
أ: سبب نزول قوله تعالى: {وأتوا البيوت من أبوابها}.
ب:
أقوال أهل العلم في نسخ قوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم}.
ج: المراد بالجدال في الحجّ.



تعليمات:
- ننصح بقراءة موضوع " معايير الإجابة الوافية " ، والحرص على تحقيقها في أجوبتكم لأسئلة المجلس.
- لا يطلع الطالب على أجوبة زملائه حتى يضع إجابته.
- يسمح بتكرار الأسئلة بعد التغطية الشاملة لجميع الأسئلة.
- يمنع منعًا باتّا نسخ الأجوبة من مواضع الدروس ولصقها لأن الغرض تدريب الطالب على التعبير عن الجواب بأسلوبه، ولا بأس أن يستعين ببعض الجُمَل والعبارات التي في الدرس لكن من غير أن يكون اعتماده على مجرد النسخ واللصق.
- تبدأ مهلة الإجابة من اليوم إلى الساعة السادسة صباحاً من يوم الأحد القادم، والطالب الذي يتأخر عن الموعد المحدد يستحق خصم التأخر في أداء الواجب.



تقويم أداء الطالب في مجالس المذاكرة:
أ+ = 5 / 5
أ = 4.5 / 5
ب+ = 4.25 / 5
ب = 4 / 5
ج+ = 3.75 / 5
ج = 3.5 / 5
د+ = 3.25 / 5
د = 3
هـ = أقل من 3 ، وتلزم الإعادة.

معايير التقويم:
1: صحة الإجابة [ بأن تكون الإجابة صحيحة غير خاطئة ]
2: اكتمال الجواب. [ بأن يكون الجواب وافيا تاما غير ناقص]
3: حسن الصياغة. [ بأن يكون الجواب بأسلوب صحيح حسن سالم من ركاكة العبارات وضعف الإنشاء، وأن يكون من تعبير الطالب لا بالنسخ واللصق المجرد]
4: سلامة الإجابة من الأخطاء الإملائية.
5: العناية بعلامات الترقيم وحسن العرض.

نشر التقويم:
- يُنشر تقويم أداء الطلاب في جدول المتابعة بالرموز المبيّنة لمستوى أداء الطلاب.
- تكتب هيئة التصحيح تعليقاً عامّا على أجوبة الطلاب يبيّن جوانب الإجادة والتقصير فيها.
- نوصي الطلاب بالاطلاع على أجوبة المتقنين من زملائهم بعد نشر التقويم ليستفيدوا من طريقتهم وجوانب الإحسان لديهم.


_________________

وفقكم الله وسدد خطاكم ونفع بكم.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 29 رجب 1439هـ/14-04-2018م, 09:34 PM
هناء محمد علي هناء محمد علي غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى السابع
 
تاريخ التسجيل: Aug 2015
المشاركات: 380
افتراضي

مجلس مذاكرة القسم الرابع عشر من تفسير سورة البقرة
الآيات (189 - 203)

المجموعة الثانية:

1. فسّر بإيجاز قول الله تعالى:
{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193)}.
بعد أن ذكر الله أمره للمؤمنين بقتال المشركين ، ورد اعتدائهم إن اعتدوا ، وبين حكم قتالهم في الشهر الحرام وفي المسجد الحرام ، ثم حكم من انتهى عن القتال فأسلم أو انتهى عن العدوان قال تعالى ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) الآية
🔺التفسير :
🔹وَقَاتِلُوهُمْ
أمر الله المؤمنين بقتال الكافرين ، وهو أمر مطلق بالقتال دون تقييد برد الاعتداء
واعتبرها البعض ناسخة للآية التي قيدت القتال بالاعتداء ( فإن قاتلوكم فاقتلوهم )
وبعضهم قال هي ليست ناسخة وهي بيان للغاية التي يقاتل فيها من قال الله فيهم في الآيات السابقة ( فإن قاتلوكم فاقتلوهم )
والظاهر أنه أمر مطلق بقتال الكافرين حتى تتحقق غاية معينة وهي :

🔹حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ
والفتنة هنا الكفر والشرك ... وقد تكون بمعنى فتن الرجل عن دينه ، فإن وجود الكفار الذين يسعون للقضاء على هذا الدين مدعاة لفتنة المؤمنين عن دينهم
فأمرهم الله بالقتال حتى لا يبقى كفر وشرك بالله

🔹وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ
ويكون دين الله ظاهرا على غيره لا يمنعه مانع ولا يحول بينه وبين وصوله للناس شيء ...
ويبين هذا المعنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين : "أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا: لا إله إلّا اللّه، فإذا قالوها عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلّا بحقّها، وحسابهم على اللّه"

🔹فَإِنِ انْتَهَوْا
أي إن تركوا ما هم فيه من كفر وشرك ، وانتهوا عما هم فيه من فتنة للمؤمنين عن دينهم ومحاربة وأذية لهم
وذلك يتضمن أحد أمرين : فإما أن يؤمنوا وذلك تركهم الكفر والشرك باعتبار أن الفتنة الكفر
أو يدفعوا الجزية ويكفوا عن المؤمنين وهذا باعتبار أن الفتنة أذية المؤمنين وفتنتهم عن دينهم

🔹فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ
فإن فعلوا ذلك فلا عدوان عليهم ، أي لا معاقبة لهم بفعلهم ، لأنهم إن آمنوا فإيمانهم يجب ما قبله ، فمن ترك ما كان عليه من الكفر فلا اعتداء عليه بسبب فعله قبل إسلامه ؛ ومن أدى الجزية فقد سالم ووادع ...
ولا عدوان بعد ذلك إلا على من ظلم نفسه بالكفر أو غيره بالفتنة أو الأذية والاعتداء على المسلمين .
- وسمى معاقبة الكافر بفعله عدوانا لكونه عقابا على عدوانه ، من باب تسمية عقوبة الذنب باسمه ...

- قال البخاريّ في قوله: {وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنةٌ [ويكون الدّين للّه]} الآية: حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، حدّثنا عبد الوهّاب، حدّثنا عبيد اللّه، عن نافعٍ، عن ابن عمر، قال: أتاه رجلان في فتنة ابن الزّبير فقالا: إنّ النّاس صنعوا وأنت ابن عمر وصاحب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فما يمنعك أن تخرج؟ قال: يمنعني أنّ اللّه حرّم دم أخي. قالا ألم يقل اللّه: {وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنةٌ}؟ قال: قاتلنا حتّى لم تكن فتنةٌ وكان الدّين للّه، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتّى تكون فتنةٌ ويكون الدّين لغير الله)

2. حرّر القول في المسائل التالية:
أ: معنى قوله تعالى: {فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشدّ ذكرا}.
أمر الله المؤمنين في هذه الآية بذكره بل بالإكثار من ذكره سبحانه بعد قضائهم مناسكهم في الحج كما كان أمرهم بذكره في الآيات السابقة بعد الإفاضة من عرفات عند المشعر الحرام واستغفاره ...

وقد أمرهم هنا بذكره كذكرهم آباءهم ، واختلف في المراد بالمماثلة هنا على أقوال :
1- أن العرب كانت إذا أنهت حجها وقفوا عند الجمرة بمنى فيتفاخرون بآبائهم ويعددون فضائلهم ومحاسنهم وما كان من بسالتهم وكرمهم وغير ذلك ؛ فأنزل الله هذه الآية يأمرهم أن يجعلوا هذا الذكر لله تعالى فهو المنعم المتفضل ، أي اذكروا الله وعددوا نعمه عليكم كما كنتم في الجاهلية تتفاخرون وتعددون نعم آبائكم ؛ ذلك أن ما كان بهم أو بآبائهم من نعمة فمن الله ؛ فليوحدوه ويذكروا نعمه ويحمدوه عليها
ذكر هذا القول المفسرون الثلاثة ... فلم يذكر الزجاج غيره ، وقال ابن عطية أنه قول جمهور المفسرين ، وذكر ابن كثير قول ابن أبي حاتم أن هذا مروي عن أنس بن مالكٍ، وأبي وائلٍ، وعطاء بن أبي رباحٍ في أحد قوليه، وسعيد بن جبير، وعكرمة في إحدى رواياته، ومجاهدٍ، والسّدّيّ، وعطاءٍ الخراسانيّ، والرّبيع بن أنسٍ، والحسن، وقتادة، ومحمّد بن كعبٍ، ومقاتل بن حيّان، نحو ذلك. وقال ابن كثير : هكذا حكاه ابن جريرٍ أيضًا عن جماعةٍ، واللّه أعلم.

2- وقيل أن المراد بذلك : اذكروا الله والجأوا إليه كما يذكر الطفل الصغير أباه وأمه ويلجأ إليهما ، أي فليكن ذكركم لله تعالى أكثر مما كنتم تذكرون آباءكم وتلجأون إليهم في صغركم ... ذكر ذلك ابن عطية عن ابن عباس وعطاء
وذكره ابن كثير عن ابن جريج عن عطاء : هو كقول الصبي ( أبه أمه ) ، وذكر أنه قول الضحاك والربيع بن أنس وذكره ابن جرير عن ابن عباس .


3- وقيل أن المراد اذكرو الله وذبوا عن حرماته واغضبوا لها ولانتهاكها كما يغضب أحدكم إذا أوذي أحد أبويه وكما يذب أحدكم عن والديه أي سوء . ذكره ابن عطية

4- وذكر ابن عطية قراءة محمد بن كعب القرظي ( كذكركم آباؤكم ) أي كما يذكركم آباؤكم ...
وعلى هذا يكون المعنى اذكروا الله واهتبلوا بذكره كما يهتبل المرء بذكر ابنه

والأقوال كلها غايتها واحدة ومقصودها واحد وهو الحث على الإكثار من ذكره سبحانه أكثر من أي شيء ، فلا يكن هم المرء في حجه ولا بعده إلا ذكره سبحانه وتوحيده وعبادته والتقرب إليه
و( أو ) هنا للتحقيق كما ذكر ابن كثير وليست للتشكيك أو التخيير ، بل المعنى اذكروا الله وأكثروا من ذكره أكثر من ذكركم آباءكم . والله أعلم .

ب: معنى قوله تعالى: {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص}.
اختلف في المعنى هنا على اختلافهم في سبب نزول الآية :
1- فقالوا أن قوله تعالى ( الشهر الحرام بالشهر الحرام ) نزل عند عمرة القضاء سنة سبع للهجرة ، حيث أن رسول الله كان في سنة ست للهجرة قد أحرم بعمرة في ذي القعدة وقد صد عنها وكان صلح الحديبية على أن يعود لها في العام القابل فيعتمر ، فعاد رسول الله في ذي القعدة سنة سبع للهجرة فاعتمر بأصحابه فيما سمي بعمرة القضاء ، فنزل قوله تعالى : ( الشهر الحرام بالشهر الحرام ) أي عمرة القضاء كانت في الشهر الحرام مكان العمرة التي صددتم عنها في الشهر الحرام
ذكر هذا المعنى ابن عطية وابن كثير عن ابن عباس ومقسم والسدي والربيع والضحاك وغيرهم ...
كما ذكره ابن عطية عن مجاهد وقتادة ، وابن كثير عن عطاء


وعلى هذا القول يكون معنى ( والحرمات قصاص ) :
أي حرمة الشهر وحرمة البلد وحرمة المحرمين حين صددتم بحرمتهم حين دخلتم معتمرين من العام التالي ...
فكأن الله اقتص للمسلمين من المشركين فجعل عمرة القضية بعمرة الحديبية ...

2- أن الآية نزلت عندما سأل المشركون رسول الله عن القتال في الشهر الحرام ؛ ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير ) وأنهم سألوا ذلك ليعلموا حكمه عند المسلمين ، فإن كان يحرم عليهم القتال فيه أخذوهم على حين غرة فقاتلوهم فيه ولم يستطع المسلمين القتال فيه لحرمته ، فأنزل الله ( الشهر الحرام بالشهر الحرام ) ليبين أن القتال في الشهر الحرام يجوز للمسلمين قصاصا ، فمن قاتلهم في الشهر الحرام قاتلوه فيه ، فقطع بذلك الطريق على المشركين ، وأجاز للمسلمين القتال في الشهر الحرام قصاصا ...
ذكر هذا المعنى الزجاج وابن عطية وابن كثير
وذكر ابن كثير عن الإمام أحمد ما رواه عن جابر بن عبد الله قال : لم يكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يغزو في الشّهر الحرام إلّا أن يغزى ويغزوا فإذا حضره أقام حتّى ينسلخ.
قال ابن كثير : هذا إسنادٌ صحيحٌ؛
وذكر أن هذا يؤيده فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية حين بلغه مقتل عثمان أخذ البيعة من الصحابة على القتال ، فلما عاد عثمان كف عن القتال ...

وعلى هذا يكون ( والحرمات قصاص ) كما مر أن حرمة الشهر بحرمة الشهر قصاصا فإن قاتل المشركون قاتلهم المسلمون فيه قصاصا .
وزاد ابن عطية أن الحرمات هنا تشمل النفس والمال والعرض وغير ذلك ، فأباح الله للمسلمين المدافعة بالمثل .

3- أن ( والحرمات قصاص ) مقطوع عما قبله ، وهو حكم وحده ليبين أن من اعتدي عليه في شيء فله أن يقتص ويعتدي بمثل ما اعتدي عليه فيه ...ذكر ذلك ابن عطية ، وذكر أنهم اختلفوا في جواز أن يأخذ المعتدى عليه حقه ويقتص بنفسه لنفسه :
أ. فذكر أن الشافعي ورواية في مذهب مالك يرون جواز أن يتعدى المعتدى عليه على من اعتدى عليه بمال أو جرح ويكون مع فعله هذا ليس بينه وبين الله شيء لأنه لم يعتدي وإنما رد الاعتداء واسترد ظلامته واقتص لنفسه

ب. وذكر رواية أخرى عن مالك أن ذلك ليس له ، وأمور القصاص في الجراحات كلها للحكام ، والأموال يعمل فيها بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك )
كما ذكر قول ابن عباس في الآية أنه بعد هجرة رسول الله ( أمر المسلمون برفع أمورهم إلى حكامهم وأمروا بقتال الكفار )
والأصل رفع الأمور إلى الحكام لكي لا يحصل اعتداء وتجاوز باسم القصاص..

وقد رجح ابن عطية القول الأول أي أن الآية نزلت في عمرة القضاء .. وقدمه ابن كثير ، ولم يذكر الزجاج إلا القول الثاني ... والمعنيان صحيحان وإن كان أكثر السلف على أن الآية نزلت في الأول والله أعلم .

3. بيّن ما يلي:
أ: متعلّق الاعتداء في قوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا}.
يأمر الله المؤمنين في هذه الآية بمقاتلة من قاتلهم ، ثم نهاهم عن الاعتداء ...
فقال تعالى ( ولا تعتدوا ) ؛ واختلفوا في متعلق الاعتداء هنا بناء على اختلافهم في هل كان الأمر بمقاتلة من يقاتل المسلمين فقط أي برد الاعتداء فقط وعدم ابتداء القتال منسوخا ب( وقاتلوا المشركين كافة ) ؛ أم هي محكمة ولا يجوز قتال إلا من قاتل ...

1- قيل أن ذلك كان أول فرض القتال ونسخ ب( وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ) ذكر ذلك الزجاج وابن عطية وابن كثير
وعلى القول بنسخها يكون معنى ( ولا تعتدوا) قبل النسخ : أي لا تعتدوا في قتال من لم يقاتلكم وكفوا عمن كف عنكم ... ذكر معنى ذلك الزجاج فقال : ولا تقاتلوا من لم تؤمروا بقتاله ولا تقتلوا غيرهم
- كما ذكره ابن عطية عن ابن زيد والربيع ،
- وذكره ابن كثير عن أبي العالية وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم
وقال أن فيه نظر ، ذلك أن أول ما نزل في القتال بعد الهجرة ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ) ، وأن هذه الآية ليست منسوخة كما سيرد في القول الثاني ...

2- قيل أن الآية محكمة غير منسوخة ، وأن الأمر فيها بقتال من هم في حالة قتال للمسلمين ، فمن تأهب لقتالكم فتأهبوا لقتاله واستعدوا له ، ومن كان همه الكيد للمسلمين والنيل منهم فلتكن همتكم منبعثة لقتاله ولتستعدوا له ... ذكر ذلك ابن عطية عن ابن عباس ومجاهد وعمر بن عبد العزيز ، كما ذكره ابن كثير وبين أن هذه الآية تهييج وإغراء للمسلمين بقتال من كانت همته قتال المسلمين ... ورجح إرادة هذا المعنى وإحكام هذه الآية ..، وذلك لترجح أن أول ما كان من أمر القتال في المدينة هو آية الحج ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ) لا هذه الآية
ثم إن الأصل في اعتبار النسخ أن لا يمكن حمل الآية على معناها والعمل بحكمها إلا بوجود تناقض ظاهر بينها وبين ما يعتبر ناسخا لها ، وعلى هذا القول في تفسير الآية يظهر أن لا تناقض بين هذه الآية وآية الأمر بالقتال كافة ، إذ من كان في حالة تأهب لقتال المسلمين والقضاء عليهم كان مقاتلا لهم محاربا ... فتكون الآية أمرا للمسلمين بقتالهم ليس برد الاعتداء فقط .

وعلى إحكامها فلـ( ولا تعتدوا عدة معان ) :
أ. ولا تعتدوا في قتالكم على النساء والصبيان والعجائز ومن ليس من أهل القتال من أصحاب الصوامع والبيع وغيرهم . ذكره الزجاج وابن عطية وابن كثير

ب. وقيل لا تعتدوا بارتكاب أي من مناهي القتال من التمثيل والغلول والغدر وقطع الأشجار والتحريق للأشجار وقتل الحيوان لغير مصلحة وأي نوع من الاعتداء والفعل المنهي عنه في القتال ، ويدخل في ذلك النهي عن قتل غير المقاتلة من النساء والصبيان والشيوخ وأصحاب الصوامع دخولا أوليا ... ذكر ذلك ابن كثير عن الحسن البصري ، وذكر أنه قول ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومقاتل بن حيان وغيرهم .
وأيده بما ورد عن رسول الله من النهي عن تلك الأمور في القتال :
- جاء في صحيح مسلمٍ، عن بريدة أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقول: "اغزوا في سبيل اللّه، قاتلوا من كفر باللّه، اغزوا ولا تغلّوا، ولا تغدروا، ولا تمثّلوا، ولا تقتلوا وليدًا، ولا أصحاب الصّوامع". رواه الإمام أحمد.

- وعن ابن عبّاسٍ قال: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا بعث جيوشه قال: "اخرجوا بسم اللّه، قاتلوا في سبيل اللّه من كفر باللّه، لا تغدروا ولا تغلّوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصّوامع". رواه الإمام أحمد.

- وفي الصّحيحين عن ابن عمر قال: وجدت امرأةٌ في بعض مغازي النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مقتولةً، فأنكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قتل النّساء والصّبيان.

- وعن حذيفة عن رسول الله قال : "إنّ قومًا كانوا أهل ضعف ومسكنةٍ، قاتلهم أهل تجبّرٍ وعداءٍ، فأظهر اللّه أهل الضّعف عليهم، فعمدوا إلى عدوهم فاستعملوهم وسلّطوهم فأسخطوا اللّه عليهم إلى يوم يلقونه".رواه أحمد .

ج. وقيل ولا تعتدوا في القتال لغير وجه الله تعالى ، ككسب الذكر أو الحمية أو غيرها ؛ بل ليكن القتال ( في سبيل الله ) . ذكره ابن عطية

والمعاني الواردة في( ولا تعتدوا ) على القول بالإحكام كلها محتملة ، فالقول بعدم الاعتداء على غير المقاتلة داخل في القول الثاني ، والقول الثالث محتمل كذلك لأن من قاتل حمية أو رياء لم يكن قتاله لوجه الله ، والعبادة لغير الله تعد وتجاوز . والله أعلم

ب: المراد بإتمام الحجّ والعمرة لله.
أمر الله المسلمين بإتمام الحج والعمرة له تعالى فقال ( وأتموا الحج والعمرة لله )
واختلف في المراد بإتمام الحج والعمرة على أقوال :
1- أن إتمامهما أن تحرم من دويرة أهلك .. ذكره الزجاج وابن عطية وابن كثير عن علي بن أبي طالب
كما ذكر الزجاج أنه قول ابن مسعود كذلك ، وزاد ابن عطية أن عمران بن الحصين فعله ... وقال ابن كثير أنه به قال ابن عباس وابن جبير وطاوس

2- إتمامهما أن تكون النفقة لهما حلالا وتنتهي عما نهيت عنه ... ذكره الزجاج

3- إتمامهما أن يكون قصدك من خروجك أداؤهما والتوجه لبيت الله لا لتجارة ولا لغير ذلك من أمور الدنيا ، فلا تخرج إلا لهما إذ تحرم من الميقات قاصدا الحج والعمرة .. ذكره ابن عطية وابن كثير عن سفيان الثوري ، وأيده ابن عطية بقوله تعالى ( لله ) أي قاصدا وجهه سبحانه بخروجك لا غيره من منافع الدنيا وإن كانت مباحة ، إذ قد يخرج إنسان لحاجة له فلما يجد نفسه عند البيت يهل بعمرة ، فعلى هذا القول هذا ليس من إتمامها ، بل إتمامها ألا يكون الخروج إلا لأجل العمرة .

4 -إتمامهما إكمال مناسك كل منهما فلا تفسخ إن بدأت بهما ... ذكره الزجاج ، ومثله ما ذكره ابن عطية عن ابن زيد والشعبي أن إتمامهما ألا تفسخ أيا منهما وتتمه إن بدأت به
فمناسك الحج نية وإحرام وسعي والطواف والوقوف بعرفة ورمي الجمار على قول ابن الماجشون ...
ومناسك العمرة نية وإحرام وطواف وسعي ...
- وذكره ابن كثير بقوله : إكمال أفعالهما بعد الشروع فيهما . واستدل لهذا المعنى بقوله تعالى بعده ( فإن أحصرتم ) أي صددتم ومنعتم وحبستم عن الوصول للبيت أو إتمام ما شرعتم به منهما ؛ ولهذا كان الشروع بالحج والعمرة ملزم .
- كما ذكر قول السدي في معنى أتموا الحج والعمرة أي أقيموا الحج والعمرة والإقامة تقتضي إكمال المناسك
وذكر عن ابن عباس قوله فيها : من أحرم بحج أو عمرة فليس له أن يحل حتى يتمهما ،
وتمام الحج يوم النحر إذا رمى الجمرة وطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة فقد حل ،وتمام العمرة السعي بعد الطواف .

▪ويدخل في إتمام المناسك وإكمالها لمن أهل بحج أو عمرة أقوال
أ. فمنهم من قال أن إتمام الحج هو إكمال مناسكه دون نقص أو جبر بدم .. ذكره ابن عطية عن قتادة والقاسم بن محمد
وقال أن مبنى هذا على أن الدم في الحج والعمرة لجبر نقص وهو قول مالك وغيره ، أما أبو حنيفة وأصحابه يرون كثرة الدم كمال وزيادة ، وكلما زاد الدم كان ذلك أفضل .
ب. وقيل بل إتمامهما إتمام المناسك بما فيها من دم ... ذكره ابن عطية عن ابن عباس وعلقمة وإبراهيم وغيرهم

5 - وقيل إتمامهما يتعلق بقرانهما أو إفرادهما :،
أ. فقيل إتمامهما إفراد كل منهما عن الأخرى فلا تقرن بينهما ، وهذا على أن حج الإفراد أفضل ... ذكره ابن عطية ؛ وذكره ابن كثير عن الزهري عن عمر قال : من تمامهما أن تفرد كلّ واحدٍ منهما من الآخر، وأن تعتمر في غير أشهر الحجّ؛ إنّ اللّه تعالى يقول: {الحجّ أشهرٌ معلوماتٌ}.
وقال ابن كثير أنه قول فيه نظر ، لأن رسول الله قرن بين الحج والعمرة في حجته ، وقال : ( من كان معه هدي فليهل بحج وعمرة ) وقال ( دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة )

ب. ومن رأى أن حج القران أفضل اعتبر تمامهما القران بينهما ... ذكره ابن عطية ،

ج. وقال البعض أن إتمام العمرة أن تحرم بها وتقضيها في غير أشهر الحج ؛ ذكره ابن عطية عن قتادة والقاسم بن محمد
وذكره ابن كثير عن القاسم بن محمد أنه
قال : ( إن العمرة في أشهر الحج ليست تامة ، فقيل له : العمرة في المحرم ؟ قال : كانوا يرونها تامة)
وذكر ابن كثير أنه قول فيه نظر ، لأن رسول الله أحرم في ذي القعدة عمرة الحديبية سنة ست ، وعمرة والقضية سنة سبع ، وعمرة الجعرانة سنة ثمان ، وعمرته مع حجته سنة عشر ، فكلها في ذي القعدة وهو من أشهر الحج ولم يعتمر غيرها

▪ وهي أقوال كلها محتملة ، فإتمام الحج والعمرة أن تكون خالصة لله تعالى لا يخرج المرء إلا قاصدا بيت الله لا لغاية أخرى ، ويكون ذلك من طيب نفقته ، فيهل من بيته أو من الميقات ، ويكون مؤديا للحج أو العمرة على ما ورد في السنة ، وإن اعتمر في موسم الحج فله الإفراد أو التمتع أو القران ... فمن دخل في النسك لزم عليه إتمامه ؛وليحرص على أن لا يخل بالنسك فإن نقص أو قصر جبر نقصه بدم ... فكل هذه من أوجه تمام الحج و العمرة والله أعلم .
🔺وإن كان ظاهر الآية ثم تتمتها ببيان حكم الإحصار يرجح ما رجحه ابن كثير من أن المعنى المراد هو إكمال أعمالهما ونسكهما فلا يحل حتى يتمها والله أعلم .

ج: حكم القتال عند المسجد الحرام.
قال تعالى ( ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم )
- اختلف في حكم القتال عند المسجد الحرام باختلافهم في نسخ هذه الآية بالأمر بقتال الكافرين حيث وجدوا ( واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ) أو بكونها محكمة غير منسوخة ..

1- فمن قال بنسخ الآية يرى أن القتال عند المسجد الحرام كان حراما إلا إن قوتل المسلمون فيه فردوا العدوان ، وأن هذه الحرمة زالت وأمر بالقتال في كل موضع ... ذكره ابن عطية عن الربيع وقتادة وذكر أنه قول الجمهور، وذكره ابن كثير عن القرطبي عن قتادة ومقاتل بن حيان ...
- واختلف في الناسخ للآية :
فذكر ابن عطية عن الربيع أن الناسخ لها ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة )
وعن قتادة ومقاتل الناسخ لها ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم )
وقال ابن كثير وفي هذا نظرٌ ، وذلك لما ورد في الصحيحين من خطبة يوم الفتح في حرمته وحرمة القتال فيه .

2- ومن قال بأنها محكمة أبقى حكم الآية جاريا ، فلا يجوز قتال أحد في المسجد الحرام إلا بعد إن قوتل فيه فيكون قتاله فيه ردا لا ابتداء ... ذكره ابن عطية عن مجاهد ، وذكره ابن كثير ورجحه لما جاء في الصّحيحين عن رسول الله قوله : "إنّ هذا البلد حرّمه اللّه يوم خلق السّموات والأرض، فهو حرامٌ بحرمة اللّه إلى يوم القيامة، ولم يحلّ لي إلّا ساعةً من نهارٍ، وإنّها ساعتي هذه، حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة، لا يعضد شجره، ولا يختلى خلاه. فإن أحدٌ ترخّص بقتال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقولوا: إنّ اللّه أذن لرسوله ولم يأذن لكم".
وتلك الساعة يوم فتح مكة إذ حصلت مقاتلة عند الخندمة

▪ فالآية تحرم القتال في المسجد الحرام وعنده إلا إن اعتدي على المسلمين فيه فكان قتالهم فيه ردا للعدوان ، كما حصل يوم الحديبية إذبايع الصحابة رسول الله على القتال بعد إشاعة مقتل عثمان ، ثم إن الله كف القتال بينهم .
والقول الثاني هو الراجح والله أعلم .

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 30 رجب 1439هـ/15-04-2018م, 02:06 AM
عقيلة زيان عقيلة زيان غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى السابع
 
تاريخ التسجيل: May 2011
المشاركات: 577
افتراضي

المجموعة الثالثة:
1. فسّر بإيجاز قول الله تعالى:

{وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203)}.
يأمر الله عزوجل بذكره في الأيام المعدودات وهي أيام التشريق ، أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ: يَوْمُ النَّحْرِ، وَثَلَاثَةُ أيام بَعْدَهُ
والذكر المأمور به عام يشمل كل ما يطلق عليه ذكر في تلك الأيام .فيدخل به
التكبير في أيام التشريق بعد الصلوات المكتوبات؛ وكذا التكبير عند رمى الجمرات؛ وكذا التكبير و الذكر على الأضاحي
فبينت الآية أن أيام التشريق أيام ذكر لله عزوجل كما ورد ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم روى الإمام أحمد عَنْ نُبَيشة الْهُذَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أيامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ".
ثم رخص الله عزوجل التعجل في الخروج من منى لمن أراد فقال سبحانه : {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه"}
-
يعني من تعجل فنفر قبل غروب الشمس{ فلا إثم عليه } فلا ذنب عليه ؛{ و من تأخر } فمن لم ينفر حتى تغرب الشمس فليقم إلى الغد يوم الثالث ، فيرمي الجمار ، ثم ينفر مع الناس { فلا إثم عليه } لا ذنب عليه
وقد أعاد بيان رفع الإثم على المتأخر لرفع ما كان عليه الجاهلية من أن بعضهم قائل بإثم المتعجل ، وبعضهم بإثم المتأخر .
أو أن المعنى : لا إثم على المتأخر في ترك الأخذ بالرخصة.
{لمن اتقى } لمن اتقى في حجه فأتى به تاما كاملا لم يفرط في أركانه ولا واجباته ؛ و تجنب ما يجب عليه تجنبه في الحج من محظورات الحج كالصيد و النساء و غير ذلك.
ثم أمر الله عزوجل{ واتقوا الله } اتقوا الله في مَجامِع أمورِكم فاجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية بفعل الواجبات وترك المحظورات.
{ واعلموا } يخوفهم { أنكم إليه تحشرون } في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم .
وأصلُ الحشر الجمعُ والضمُّ المتفرّق ، وهو تأكيدٌ للأمر بالتقوى وموجب للامتثال به ، فإن من علِم بالحشر والمحاسبة والجزاءِ كان ذلك من أقوى الدواعي إلى ملازمة التقوى .


2. حرّر القول في المسائل التالية:

أ: معنى قوله تعالى: {والفتنة أشد من القتل}..

قال تعالى :{..وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْوالفتنة أشد من القتل.}
أمر سبحانه جل وعلا المؤمنين بقتل الكافرين حيثما وجدوهم وأحكموا غلبهم قادرين عليهم لأنهم أخرجوا المهاجرين من ديارهم وهي مكة وعليه يكون الخطاب لهم أي للمهاجرين... و قيل الخطاب لجميع المؤمنين والذي أخرجوه هو الأعزل منهم والأجل قدرا وهو النبي صلى الله عليه وسلم فكان بمثابة إخراجهم جميعا..بعدما أمر بذلك .أخبر أن الفتنة أشد من القتل.
واختلف أهل التأويل في المراد بالفتنة
أولا : الشرك والكفر وهو قول أبي العالية ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك والربيع بن أنس .وهو قول الزجاج وابن كثير وذكره ابن عطية.
يقال : رجل مفتون في دينه أي كافر ...وإنما سمي الكفر فتنة , لأنه يؤدي إلى الهلاك كالفتنة.
وقيل في سبب ذلك أن الكفارعَيَّروا المؤمنين بأن قَتَلَ واقد بن عبد الله وهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عَمْرو بن الحضرمي وكان مشركاً في الشهر الحرام ، فقالوا : قد استحلّ محمد القتال في الشهر الحرام ؛ فأخبر الله تعالى أن : { والفتنة أشدّ من القتل } يعني ما أنتم عليهم من الشرك والكفر بالله عزوجل في الحرم أشد في الحرم و أعظم جرما من القتل الذي عيروكم به في شأن ابن الحضرمي.
قال ابن كثير: ....وَلَمَّا كَانَ الْجِهَادُ فِيهِ إِزْهَاقُ النُّفُوسِ وقتلُ الرِّجَالِ، نبَّه تَعَالَى عَلَى أَنَّ مَا هُمْ مشتملون عليه من الْكُفْرِ بِالْلَّهِ وَالشِّرْكِ بِهِ وَالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِهِ أَبْلَغُ وَأَشَدُّ وَأَعْظَمُ وأطَم مِنَ الْقَتْلِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} .
قَالَ أَبُو مَالِكٍ: أَيْ: مَا أَنْتُمْ مُقِيمُونَ عَلَيْهِ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ.
ووجه كون الكفر والشرك أعظم من القتل..أن الكفر ذنب يستحق صاحبه به العقاب الدائم؛و القتل ليس كذلك..والكفر يخرج صاحبه به عن الأمة و الملة والقتل ليس كذلك
ثانيا : تعذيب المؤمنين و حملهم على الردة و الكفر والشرك.. وهو قول مجاهد ذكره ابن عطية .
وأصل الفتنة عرض الذهب على النار لاستخلاصه من الغش ثم استعمل في الابتلاء والعذاب والصد عن دين الله والشرك به.... فالاختبار والابتلاء الذي يؤدي إلى الكفر أشد من القتل .
والمعنى ما أنتم عليه أيها الكفار من تعذيب المؤمنين وحملهم على الشرك والردة حتى يرجعوا عنه فيصيروا مشركين بالله من بعد إسلامهم أشدّ و أعظم من القتل في الأشهر الحرم.الذي ابتدأ به المؤمنون.....
وعلى هذا..ويكون المراد بالقتل ابتداء المؤمنين القتل في الأشهر الحرم.
وقيل المرد بالقتل هو قتل المؤمن محقا على دينه..فتختص معنى الفتنة في الردة نفسها
والمعنى.. الرجوع إلى الكفر أشدّ من أن يقتل المؤمن صابرا على دينه

- قال مجاهد : ارتداد المؤمن عن الدين أشد عليه من أن يقتل مُحِقّاً .

الثالث : هتك حرمات الله
والمعنى ما هو عليه –الكفار- من هتك حرمات الله أشدّ من القتل الذي أبيح لكم أيها المؤمنون أن توقعوه بهم .ذكره ابن عطية

الترجيح:
لا تعارض بين الأقوال فكلها صحيحة يمكن حمل الآية عليها و هي واقعة في حق الكفار. ومما يدل على ذلك أن قول الله عزوجل " الفتنة أشد من القتل" .تقرير وبيان أن ماهية الفتنة أشد وأعظم من ماهية القتل...ذلك أن القتل و الفتنة مصدران لم يذكر فاعلهما و لا مفعولهما.. ، فكل حال تتحقق فيه هذه النسبة كان داخلاً في عموم هذه الأخبار سوآء كان المصدر فاعله أو مفعوله : المؤمنون أم الكافرون.والله أعلم


ب: المراد بالظالمين في قوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين}.

قوله تعالى : [ و قاتلوهم ] أمر بالقتال لكل مشرك في كل موضع ، على من رآها ناسخة، ومن رآها غير ناسخة قال : المعنى قاتلوا هؤلاء الذين قال الله فيهم :[ فإن قاتلوكم ] ..
{ فإن انتهوا } عن الأمر الذي وجب قتالهم لأجله وهو إما الكفر أو القتال..فإن انتهوا عن الكفر ، إما بالإسلام ، أو بأداء الجزية في حق أهل الكتاب.أو انتهوا عن قتالكم ..
فلا عدوان إلا على الظالمين المعنى : فلا قَتْلَ إلاّ على الظالمين
والنفي في قوله " فلا عدوان" يراد به النهى أي" فلا تعتدوا" وهو في سبيل المبالغة في النهى عن الاعتداء ولا يصح حمله على النهي لوجود الاعتداء على غير الظالم
وهو من الأساليب العربية.. العدول من النهى عن الشيء إلى النفي المحض العام للمبالغة في النهى وترك الإقدام عليه كأنه صار من الأشياء المنفية التي لا تقع .
والمراد بالظالمين
-أولا: هم الذين وجب القتال لأجلهم وهم نوعان على تأويل الآية من بدأ بقتالكم في الأشهر الحرم..أو الكافرون المشركون ثم لم ينتهوا عن ذلك .
والمعنى{ فَإِنِ انْتَهَوْاْ } عن قتالكم وتركوا الشرك فلا تعتدوا عليهم و الحال أنهم قد تخلصوا مما كانوا فيه من الظلم الذي هو الشرك وبدأكم بالقتال. ودخلوا في ملتكم وأقرُّوا بما ألزمكم الله من فرائضه، وتركوا ما هو عليه من عبادة الأوثان فلا تعدوا عليهم .ولا تقاتلوهم لأن الاعتداء لا يكون إلا على الظالمين...المشركين الكافرين الذين أصروا على كفرهم و الذين بدؤوكم بالقتال في الأشهر الحرم ...
وهو قول أبى العالية وعكرمة وقتادة ومجاهد
-قال عكرمة ، وقتادة : الظالم هنا من أبى أن يقول لا إله إلاَّ الله .
- وعن مجاهد:"فإن انتهوا فلا عُدوان إلا على الظالمين" يقول: لا تقاتلوا إلا من قاتلكم.
و إنما سمي الكافر والمشرك ظالماً ، لوضعه العبادة في غير موضعها ؛ وكذا سمى المبتدأ للقتل في أشهر الحرم ظالما . لأنه تجاوز حد حكم القتال
-قال الأخفش المعنى : فإن انتهى بعضهم فلا عدوان إلاَّ على من لم ينته ، وهو الظالم
- ومما يدل عليه أن جواب الشرط "فإن انتهوا" محذوف قام مقامه
{ فلا عدوان إلا على الظالمين} لأنه علة الجواب المحذوف ، والمعنى فإن انتهوا عن قتالكم ولم يقدموا عليه فلا تأخذوهم بالظنة ولا تبدءوهم بالقتال ، لأن العدوان على الظالمين والمنتهون ليسوا بظالمين .
-والله عزوجل لا يحب الاعتداء ولا المعتدين كما قال تعالى "{ إنه لا يحب المعتدين"}
و إنما سمى قتال الظلمة اعتداء لأنه جزاء العدوان، وإن لم يكن هو في الحقيقة عدوانا و هو من باب مشاكلة اللفظ وتسمية الجزاء بالذنب
كقوله : ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) ،وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ}
وهذا من أساليب العرب المعروفة
وهو كما يقال:"إن تَعاطيتَ منّي ظلما تعاطيته منك"، والثاني ليس بظلم،
و كما قال عمرو بن شأس الأسديّ:
جزينا ذوي العدوان بالأمس قرضهم قصاصا ، سواء حذوك النعل بالنعل

ثانيا: من قاتلهم بعد انتهاءهم فهو ظالم..أو أن مقاتلة المنتهين عدوان وظلم...ذكره ابن كثير
المعنى: من تعرض لهم بعد انتهائهم عن الشرك والقتال كان ظالما ولا عدوان إلا على الظالمين. فحق أن يُعتدى عليه بالقتل.
قال مجاهد لا يقاتل إلا من قاتل
قال الزمخشري:. : فلا تعتدوا على المنتهين لأن مقاتلة المنتهين عدوان وظلم ، فوضع قوله : إلاَّ على الظالمين ، موضع : على المنتهين. انتهى كلامه
و العدوان هنا مصدر عدا بمعنى وثب وقاتل .
و في هذا المعنى إشارة وتنبيه أن الظالم لا يأمن أن يسلط الله عليه من يعتدي عليه جزاء على ظلمه و اعتدائه
الترجيح
اكتفى ابن عطية على القول الأول و صدر ابن كثير القول الأول. وكلا المعنيين ينصبان في معنى واحد ولا تعارض بينهما
فإن الله عزوجل أخبر ونبه عن موجب الاعتداء و سببه وهو الظلم ...فكل من تلبس بصفة الظلم سواء كان بالقتل أو بالكفر و الشرك وسواء كان ذلك الفاعل كافرا أو مؤمنا فإن ظلمه يبيح الاعتداء عليه جزاء سيئة مثلها... وجاءت الآية بأسلوب القصر دلالة أنه لا اعتداء علي غيرهم
ونعتهم بالظلم إشارة وبيان أن فعلهم ذلك ظلم ؛ و فيه أيضا بيان لعلة قتالهم.وفيه تعميم الحكم على كل ظالم.


3. بيّن ما يلي:
أ: سبب نزول قوله تعالى: {وأتوا البيوت من أبوابها}.

ورد في سبب نزولها أقوال..
أولا .:
سبب ذلك الإحرام.. أن ناس من العرب كانوا إذا أحرموا بالحج أو العمرة لم يدخلوا من أبواب بيوتهم إذا قدموا .بل يأتون البيوت من ظهورها بجعل في ظهر البيوت فتوحا يدخلون منها..وقيل بل كانوا يتسنمون ظهور بيتوهم على الجدرات
عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: كَانُوا إِذَا أَحْرَمُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أتَوْا الْبَيْتَ مِنْ ظَهْرِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} رواه البخاري في صحيحه
وقد ورد في تعين أولئك الناس أقوال:

-قيل هم الأنصار وهو قول مجاهد وقتادة و البراء بن عازب والزهري وإبراهيم النخعي والسدي والربيع بن أنسذكره ابن عطية وابن كثير
-قَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ: كَانَتْ قُرَيْشٌ تُدْعَى الحُمْس، وَكَانُوا يَدْخُلُونَ مِنَ الْأَبْوَابِ فِي الْإِحْرَامِ، وَكَانَتِ الْأَنْصَارُ وَسَائِرُ الْعَرَبِ لَا يَدْخُلُونَ مِنْ بَابٍ في الإحرام، فبينا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بُسْتَانٍ إذْ خَرَجَ مِنْ بَابِهِ، وَخَرَجَ مَعَهُ قُطْبة بْنُ عَامِرٍ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ قطبة ابن عَامِرٍ رَجُلٌ تَاجِرٌ وَإِنَّهُ خَرَجَ مَعَكَ مِنَ الْبَابِ. فَقَالَ لَهُ: "مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ " قَالَ: رَأَيْتُكَ فعلتَه ففعلتُ كَمَا فعلتَ. فَقَالَ: "إِنِّي رجل أَحْمُسُ". قَالَ لَهُ: فَإِنَّ دِينِي دِينُكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ

- وروى الربيع أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل وخلفه رجل أنصاري فدخل وخرق عادة قومه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لم دخلت وأنت قد أحرمت؟، قال: دخلت أنت فدخلت بدخولك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إني أحمس، أي من قوم لا يدينون بذلك، فقال الرجل: وأنا ديني دينك، فنزلت الآية.

-وقيل بل هم أهل الحجاز ذكره ابن عطية عن إبراهيم النخعي

وقيل هم قوم من قريش يقال لهم الحمس ذكره الزجاج وابن عطية عن السدي
والحمس قوم من قريش ؛بنو عامر بن صعصعة وثقيف وخزاعة كانوا إذا خرج أحدهم من الإحرام لم يدخل من بيته .
وسموا الحمس لأنهم تحمسوا في دينهم ؛ أي تشددوا , والحَمَاسَةُ الشدة . أفاده الزجاج
وقيل الحمس قريش
- قال السدي: ناس من العرب، وهم الذين يسمون الحمس، قال: فدخل النبي صلى الله عليه وسلم بابا ومعه رجل منهم، فوقف ذلك الرجل وقال إني أحمس، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أحمس، ونزلت الآية.

و خص بغضهم سبب النزول بالعكوف خاصة قال محمد بن كعب كان الرجل إذا اعتكف لم يدخل منزله من باب البيت فأنزل الله الآية ذكره ابن كثير.


ثانيا : سبب نزولها السفر

وهو أن جماعة من العرب كانوا إذا خرج الرجل منهم في حاجة فلم يقضيها و لم تتيسر له رجع فلم يدخل من باب بيته تطيرا فأعلمهم الله أن ذلك لا بر فيه .
-قال الحسن البصري : كان أقوام من أهل الجاهليّة إذا أراد أحدُهم سَفرًا وخرج من بيته يُريد سفره الذي خرج له ، ثم بدا له بَعْد خُروجه أن يُقيم ويدعَ سفره ، لم يدخل البيت من بابه ، ولكن يتسوّره من قبل ظهره ، فقال الله تعالى : { وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى ] } الآية .

وقيل الفاعل ذلك الأنصار
-عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: كَانَتِ الْأَنْصَارُ إِذَا قَدِمُوا مِنْ سَفَر لَمْ يَدْخُلُ الرَّجُلُ مِنْ قِبَلِ بَابِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. رواه الطيالسي في مسنده.


ثالثا : سبب نزولها الرجوع من العيد
أن أهل المدينة كانوا إذا رجعوا من عيدهم فعلوا ذلك، وهو قول عطاء بن أبي رباح ذكره ابن كثير.
-وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: كَانَ أَهْلُ يَثْرِبَ إِذَا رَجَعُوا مِنْ عِيدِهِمْ دَخَلُوا مَنَازِلَهُمْ مِنْ ظُهُورِهَا ويَرَوْنَ أَنَّ ذَلِكَ أَدْنَى إِلَى الْبَرِّ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا}



ب: أقوال أهل العلم في نسخ قوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم}.

اختلف أهل العلم في نسخ هذه الآية و ما هو الناسخ لها:
على قولين
أولا : من قال أنها منسوخة.
كان في ابتداء الإسلام ، أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالكف عن قتال المشركين ، ثم لما هاجر إلى المدينة أمره بقتال من قاتله منهم بقوله تعالى "{ {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} أي أن القتال يباح في حق من قاتل من الكفار ، ولا يباح في حق من لم يقاتل ، ثم أمرهم بقتل جميع المشركين ؛ وعليه تكون هذه الآية منسوخة وهو مذهب منهم أبى العالية زيد بن أسلم و الربيع بن أنس.
-عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} قَالَ: هَذِهِ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقِتَالِ بِالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَاتِلُ مَنْ قَاتَلَهُ، وَيَكُفُّ عَمَّن كَفَّ عَنْهُ حَتَّى نَزَلَتْ سُورَةُ بَرَاءَةٍ..
--قال الربيع بن أنس : هذه أول آية نزلت في القتال ، ثم أمره بقتال المشركين كافة ، قاتلوا أو لم يقاتلوا بقوله ( فاقتلوا المشركين ) فصارت هذه الآية منسوخة بها .
وخص الزجاج الآية بأهل مكة ؛أمر الله بقتالهم.
ثم اختلفوا في الناسخ لها
- قيل الناسخ لها آية براءة في قوله تعالى :{ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً } [التوبة: 36] وهو قوله الربيع بن أنس كما سبق ذكره .
-وقيل أن الناسخ لها قوله تعالى "{وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} ذكره ابن عطية ولم يعزه إلى أحد
-وقيل الناسخ لها قوله تعالى :{فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة: 5] وهو قول عبد الرحمان بن زيد بن أسلم .ذكره ابن كثير

ثانيا:الآية ليست منسوخة
وهو قول ابن عباس و مجاهد وعمر بن عبد العزيز..وهو قول ابن كثير
و تأويل الآية : الأمر بقتال الذين هم بحالة من يقاتلكم ، ولا تقاتلوا من ليسوا بحالة من يقاتلكم كالنساء والأطفال والشيخ الكبير و الرهبان وغيرهم . ذكره ابن عطية
.
وقيل أن قوله: {الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} إِنَّمَا هُوَ تَهْييج وَإِغْرَاءٌ بِالْأَعْدَاءِ الَّذِينَ همّتْهم قِتَالُ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، أي: كما يُقَاتِلُونَكُمْ فَقَاتِلُوهُمْ أَنْتُمْ، كَمَا قَالَ: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} . ؛ وَلِهَذَا قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} أَيْ: لِتَكُنْ هِمَّتُكُمْ مُنْبَعِثَةً عَلَى قِتَالِهِمْ، كَمَا أَنَّ هِمَّتَهُمْ مُنْبَعِثَةٌ عَلَى قِتَالِكُمْ، وَعَلَى إِخْرَاجِهِمْ مِنْ بِلَادِهِمُ التِي أَخْرَجُوكُمْ مِنْهَا، قِصَاصًا. ذكره ابن كثير.
وقد رد رحمه الله تعالى مقول من قال أن هذه الآية أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقِتَالِ بِالْمَدِينَةِ
بأن الأشهر أن أول آية نزلت في القتال بعد الهجرة ما حكي عن أبى بكر الصديق ، {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} ...
ثم قال :وَهُوَ الْأَشْهَرُ وَبِهِ وَرَدَ الْحَدِيثُ.

ج: المراد بالجدال في الحجّ.
ورد في المراد به قولان
أولا:
الجدال مصدر جادل ؛ . والجدال : أشدُّ الخصام ، مشتقٌّ من الجدالة ، وهي الأرض لصلابتها وشدتها ؛ كأن كلَّ واحد من المتجادلين يرمي صاحبه بالجدالة .
الجدال هنا بمعنى الخصومة ..كقوله سبحانه : { ما يجادل في آيات الله } ...أي
"لَا تتخاصموا وَأَنْتُمْ مُحْرِمُونَ" وهو قول ابن مسعود وابن عباس وعطاء ومجاهد والضحاك، أَبي الْعَالِيَةِ، ، وَسَعِيد بن جُبَيْرٍ، وعكرمة وجابر بن زيد ومكحول ؛ وعمر بن دينار ؛ والسدي ؛والضحاك ؛والربيع بن أنس؛ وإبراهيم؛ والنخعي ؛وَعَطَاء بن يَسَارٍ ؛والحسن ؛وقتادة؛و الزهري؛ ومقال بين حيان ذكره الزجاج وابن عطية وابن كثير
فيدخل فيه النهي عن كل خصومة تكون في الحج مما يذهب هيبة وتعظيم أمر الحج.كالسباب و النزاع و الشجار
قال الزجاج:. لا ينبغي لرجل أن يجادل أخاه فيخرجه الجدال إلى ما لا ينبغي تعظيما لأمر الحج
- الآثار الواردة عن السلف في تعين الخصومة.

أولا: نهى عن أن يجادل صاحبه حتى يغضبه.
-عن ابْنُ مَسْعُودٍ -فِي قَوْلِهِ: {وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} قَالَ: أنْ تُمَارِيَ صَاحِبَكَ حَتَّى تُغْضِبَهُ.
- قال ابن عباس وغيره : الجِدَالُ هنا : أن تماري مسلماً
وعنه أيضا قَالَ الْجِدَالُ: الْمِرَاءُ وَالْمُلَاحَاةُ، حَتَّى تُغْضِبَ أَخَاكَ وَصَاحِبَكَ، فَنَهَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ..
- وعن قتادة قالا الجدال هو الصخب والمراء وأنت محرم
- عَنْ عِكْرِمَةَ: {وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} وَالْجِدَالُ الْغَضَبُ، أَنْ تُغْضب عَلَيْكَ مُسْلِمًا، إِلَّا أَنْ تَسْتَعْتِبَ مَمْلُوكًا فتُغْضبه مِنْ غَيْرِ أَنْ تَضْرِبَهُ، فلا بأس عليك، إن شاء الله.

ثانيا:السباب
- وعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: الْجِدَالُ: السِّبَابُ وَالْمُنَازَعَةُ.
- وعنه أيضا كَانَ يَقُولُ: الْجِدَالُ فِي الْحَجِّ: السِّبَابُ، وَالْمِرَاءُ، وَالْخُصُومَاتُ.


ثالثا:
الجدال: الفخر بالآباء...ذكره ابن عطية.


ويستثنى من هذه الخصومة ما كان من تمام الحج كضرب البعير؛ إذ بسببه يكون الوصول إلى مكان المناسك
كما قال ابن كثير حَكَى بعضُهم عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ: مِنْ تَمَامِ الْحَجِّ ضَرْبُ الْجِمَالِ..
ويستثنى من ذلك ما كانت الخصومة لإحقاق حق و إبطال باطل..
قال عكرمة عَنْ عِكْرِمَةَ: {وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} وَالْجِدَالُ الْغَضَبُ، أَنْ تُغْضب عَلَيْكَ مُسْلِمًا، إِلَّا أَنْ تَسْتَعْتِبَ مَمْلُوكًا فتُغْضبه مِنْ غَيْرِ أَنْ تَضْرِبَهُ، فلا بأس عليك، إن شاء الله. ..قال ابن كثير وَلَوْ ضَرَبَهُ لَكَانَ جَائِزًا سَائِغًا.
واستدل على ذلك بحديث رواه الإمام أحمد ..أن أبا بكر ضرب غلاما له وهو محرم لأنه ضيع بعيرا له فقال النبي صلى الله عليه وسلم
وهو يَتَبَسَّمُ وَيَقُولُ: "انْظُرُوا إِلَى هَذَا المُحْرِم مَا يَصْنَعُ؟ ".

قال ابن عاشور:..واتفقوا على أن المجادلة في إنكار المنكر وإقامة حدود الدين ليست من المنهي عنه فالمنهي عنه هو ما يجر إلى المغاضبة والمشاتمة وينافي حرمة الحج ولأجل ما في أحوال الجدال من التفصيل كانت الآية مجملة فيما يفسد الحج من أنواع الجدال فيرجع في بيان ذلك إلى أدلة أخرى .

الثاني:
الجدال بمعنى الشك أي لا شك ولا مراء والمجادلة في فرض الحج ووقته ومناسكه . وقول ابن عباس ومجاهد والسدي ذكره الزجاج و ابن كثيرَ
والمعنى لا يصح و لا ينبغي أن يقع منكم مُجَادَلَةَ فِي وَقْتِ الْحَجِّ وَفِي مَنَاسِكِهِ، وَقَدْ بَيَّنَهُ اللَّهُ أتَمّ بَيَانٍ وَوَضَّحَهُ أَكْمَلَ إِيضَاحٍ.
فيدخل فيه النهى عن المراء والشك والخصومة في كل ما يتعلق بالحج من حيث فرضه و مناسكه و ثبوته أشهره وغير ذلك. فيدخل فيه
قال مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: {وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} قَالَ: قَدِ اسْتَقَامَ الْحَجُّ، فَلَا جدَال فِيهِ
أولا:
- من ذلك ما كان عند العرب من التغيير و تبديل أشهر الحرم فتنسئ العرب أشهر الحرم حتى لا يتوالى ثلاث أشهر حرم لا إغارة فيها فيحرمون صفر وربما سموه المحرم..
ذكره ابن عطية وابن كثير وقال ابن عطية .وهذا أصح الأقوال وأظهرها،
-قال مجاهد وجماعة معه: الجدال أن تنسى العرب الشهور حسبما كان النسيء عليه، فقرر الشرع وقت الحج وبينه، وأخبر أنه حتم لا جدال فيه.
وأسند الطبري عن مجاهد أنه قال: كانوا يسقطون المحرم ثم يقولون صفران لصفر وشهر ربيع الأول، ثم كذلك ينقلون أسماء الشهور، ويتبدل وقت الحج في الحقيقة، لكنه يبقى في ذي الحجة بالتسمية لا في حقيقة الشهر..
فكان حج أبي بكر سنة تسع في ذي القعدة على الحقيقة ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة عشر في ذي الحجة على الحقيقة، وحينئذ قال: «إن الزمان قد استدار» الحديث، ونزلت وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ أي قد تبين أمره فلا ينتقل شهر البتة أبدا.
ومما يقوي هذا المعنى قوله تعالى { الحج أشهر معلومات } والتقدير أشهر الحج و وقت الحج أشهر معلومات؛ فلما قرر ذلك في بداية الآية وبينه نبه أنه لا يصح المراء و الشك في هذه الأشهر و الجدل في تعيينها ..
ومما يترب على هذا القول اختلافهم في بدأ وقت الحج..لهذا خصه بعض أهل العلم في المراد بالجدال

قال ابن عطية :وقالت فرقة: الجدال هنا أن تقول طائفة: الحج اليوم وتقول طائفة بل الحج غدا.
-عن مجاهد:" ولا جدال في الحج"، قال: قد علم وقت الحج، فلا جدال فيه ولا شك.
- وعنه أيضا. قال: هو شهر معلوم لا تنازع فيه.

ثانيا
المراء في مواقف الحج ؛ أيهم أصاب موقف إبراهيم
-قال مالك وابن زيد: الجدال هنا أن يختلف الناس أيهم صادف موقف إبراهيم عليه السلام كما كانوا يفعلون في الجاهلية حين كانت قريش تقف في غير موقف سائر العرب ثم يتجادلون بعد ذلك.
- وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: كَانُوا يقفُون مَوَاقف مُخْتَلِفَةً يَتَجَادَلُونَ، كُلّهم يَدَّعِي أَنَّ مَوْقِفَهُ مَوْقِفُ إِبْرَاهِيمَ فَقَطَعَهُ اللَّهُ حِينَ أَعْلَمَ نَبَّيه بِالْمَنَاسِكِ.

ثالثا :
-المراء فيمن هو أتم حجا من الحجاج.
-قال محمد بن كعب القرظي: الجدال أن تقول طائفة حجنا أبر من حجكم وتقول الأخرى مثل ذلك.

الترجيح
رجح كل من ابن جرير و ابن عطية أن المراد بالجدال ما كان حاصل واقع في التنازع في بيان أشهر الحج ووقته . .
ولم يرجح ابن كثير..
والقولان تحتملهما الآية ..لكن لعل أولاها بالقبول هو النهي عن التنازع في مناسك الحج ووقته .لأن النهي عن الخصومة في الحج يدخل في قوله {ولا فسوق} و الخصومة معصية من المعاصي تدخل في ماهية الفسوق.
ويكون أكثر الأقوال موافقة لسياق الآية النهى عن الشك والمراء في تعيين أشهره ووقته لقوله تعالى "{ الحج أشهر معلومات"} ؛ أي أن الحج قد استقام أمره وعرف وقته وزال النسيء عنه. فلا جدال فيه ..
والله أعلم

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 14 شعبان 1439هـ/29-04-2018م, 04:33 PM
هيئة التصحيح 11 هيئة التصحيح 11 غير متواجد حالياً
هيئة التصحيح
 
تاريخ التسجيل: Jan 2016
المشاركات: 1,205
افتراضي

تقويم مجلس مذاكرة القسم الرابع عشر من تفسير سورة البقرة


المجموعة الثانية:

هناء محمد: أ+
أحسنتِ، بارك الله فيكِ ونفع بكِ.



المجموعة الثالثة:

عقيلة زيان : أ+

سؤال التفسير :
ذكر ابن كثير عدة أقوال في المراد بالأيام المعدودات، ثم رجح القول الأول أنها أيام التشريق ورد القول الذي اخترتيه بأنها يوم النحر وثلاثة أيام بعده بقوله : " والقول الأوّل هو المشهور وعليه دلّ ظاهر الآية الكريمة، حيث قال: {فمن تعجّل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخّر فلا إثم عليه} فدلّ على ثلاثةٍ بعد النّحر".
وكذلك ذكر ابن عطية :" وأمر الله تعالى عباده بذكره في الأيام المعدودات، وهي الثلاثة التي بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق، وليس يوم النحر من المعدودات، ودل على ذلك إجماع الناس على أنه لا ينفر أحد يوم القر وهو ثاني يوم النحر، فإن يوم النحر من المعلومات، ولو كان يوم النحر في المعدودات لساغ أن ينفر من شاء متعجلا يوم القر، لأنه قد أخذ يومين من المعدودات".

س2: ب:
قول مجاهد : " لا يُقاتل إلا من قاتل " أي يُبدأ بالقتال وإنما نقاتل من بدأ به.
س3:ج: وعلق ابن كثير على أثر أبي بكر الصديق رضي الله عنه : " ولكن يستفاد من قول النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عن أبي بكرٍ: "انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع؟ " -كهيئة الإنكار اللّطيف -أنّ الأولى ترك ذلك، واللّه أعلم."


نفع الله بي وبكم.

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
المجلس, الثالث

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:28 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir