دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > برنامج إعداد المفسر > خطة التأهيل العام للمفسر > منتدى المسار الأول

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 20 شعبان 1443هـ/23-03-2022م, 10:16 PM
هيئة الإشراف هيئة الإشراف غير متواجد حالياً
معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 8,790
افتراضي مجلس مذاكرة القسم التاسع عشر من تفسير سورة البقرة

مجلس مذاكرة القسم التاسع عشر من تفسير سورة البقرة
الآيات (258-274)


اكتب رسالة بأسلوب التقرير العلمي في تفسير واحدة من الآيات التالية:

1: قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }.
2: قوله تعالى: {
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}.
3: قوله تعالى: {
لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}.




تعليمات:
- ننصح بقراءة موضوع " معايير الإجابة الوافية " ، والحرص على تحقيقها في أجوبتكم لأسئلة المجلس.
- لا يطلع الطالب على أجوبة زملائه حتى يضع إجابته.
- يسمح بتكرار الأسئلة بعد التغطية الشاملة لجميع الأسئلة.
- يمنع منعًا باتّا نسخ الأجوبة من مواضع الدروس ولصقها لأن الغرض تدريب الطالب على التعبير عن الجواب بأسلوبه، ولا بأس أن يستعين ببعض الجُمَل والعبارات التي في الدرس لكن من غير أن يكون اعتماده على مجرد النسخ واللصق.
- تبدأ مهلة الإجابة من اليوم إلى الساعة السادسة صباحاً من يوم الأحد القادم، والطالب الذي يتأخر عن الموعد المحدد يستحق خصم التأخر في أداء الواجب.


تقويم أداء الطالب في مجالس المذاكرة:
أ+ = 5 / 5
أ = 4.5 / 5
ب+ = 4.25 / 5
ب = 4 / 5
ج+ = 3.75 / 5
ج = 3.5 / 5
د+ = 3.25 / 5
د = 3
هـ = أقل من 3 ، وتلزم الإعادة.

معايير التقويم:
1: صحة الإجابة [ بأن تكون الإجابة صحيحة غير خاطئة ]
2: اكتمال الجواب. [ بأن يكون الجواب وافيا تاما غير ناقص]
3: حسن الصياغة. [ بأن يكون الجواب بأسلوب صحيح حسن سالم من ركاكة العبارات وضعف الإنشاء، وأن يكون من تعبير الطالب لا بالنسخ واللصق المجرد]
4: سلامة الإجابة من الأخطاء الإملائية.
5: العناية بعلامات الترقيم وحسن العرض.

نشر التقويم:
- يُنشر تقويم أداء الطلاب في جدول المتابعة بالرموز المبيّنة لمستوى أداء الطلاب.
- تكتب هيئة التصحيح تعليقاً عامّا على أجوبة الطلاب يبيّن جوانب الإجادة والتقصير فيها.
- نوصي الطلاب بالاطلاع على أجوبة المتقنين من زملائهم بعد نشر التقويم ليستفيدوا من طريقتهم وجوانب الإحسان لديهم.


_________________

وفقكم الله وسدد خطاكم ونفع بكم

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 13 محرم 1444هـ/10-08-2022م, 01:19 PM
إيمان جلال إيمان جلال غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى الخامس
 
تاريخ التسجيل: Sep 2019
المشاركات: 380
افتراضي

2: قوله تعالى: { {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}.

رسالة بالأسلوب العلمي في تفسير الآية: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ".

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله يدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، ثم أما بعد،
فإن الآية الكريمة التي بين أيدينا وردت في سورة البقرة المدنية، السورة الثانية من ترتيب المصحف الشريف بعد الفاتحة أعظم سور القرآن، فهي سنام القرآن، حيث روى عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه - حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إن لكل شيء سنام، وسنام القرآن سورة البقرة) [1].
فمما سبق يعلم العبد عظيم شرف السورة وحاجته الماسة لتدبر معانيها والعمل بها فيما يصلح أمور دينه ودنياه.
ومما ذكره بعض أهل العلم في مقصدها: أن معاني آياتها إجمالا تدور حول الاستسلام لله تعالى والخضوع لأوامره امتثالا، ولنواهيه اجتنابا، وهذا يلاحظ منذ أوائل آياتها إلى آخرها فيما تم ذكره من جميع أركان الإسلام والإيمان، وقصص من أطاع وقصص من عصى، حتى ختامها بقول الصحابة رضوان الله عليهم "سمعنا وأطعنا".
وقد جاءت الآية الكريمة في سياق آيات الإنفاق والحث على الصدقة، وقد ذكر ابن عطية وابن كثير في سبب نزولها:
عنِ البراءِ بنِ عازبٍ ، في قولِهِ سبحانَهُ : "وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ" قالَ : نزلَت في الأنصارِ ، كانتِ الأنصارُ تخرجُ إذا كانَ جُدادُ النَّخلِ من حيطانِها أقناءَ البُسرِ ، فيعلِّقونَهُ على حَبلٍ بينَ أسطوانتينِ في مسجدِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ ، فيأكلُ منهُ فقراءُ المُهاجرينَ ، فيعمَدُ أحدُهُم فيُدخلُ قنوًا فيهِ الحشَفُ ، يظنُّ أنَّهُ جائزٌ في كثرةِ ما يوضَعُ منَ الأقناءِ ، فنزلَ فيمن فعلَ ذلِكَ : "وَلَا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ" يقولُ : لا تعمَدوا للحشفِ منهُ تنفقونَ ، "وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ" يقولُ : لو أُهْديَ لَكُم ما قَبِلْتُموهُ إلَّا على استحياءٍ من صاحبِهِ ، غَيظًا أنَّهُ بعثَ إليكم ما لم يَكُن لَكُم فيهِ حاجةٌ ، واعلَموا أنَّ اللَّهَ غَنيٌّ عن صدقاتِكُم. [2]
فمن سبب النزول نعلم أن المخاطب في الآية هم المؤمنون أتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا واضح جلي في قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا". وكما ذكر أحمد شاكر في عمدة التفسير: (أنَّ رجلًا أتى عبدَ اللَّهِ بنَ مسعودٍ فقالَ: اعهَد إليَّ. فقالَ: إذا سمِعتَ اللَّهَ يقولُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فأرعِها سمعَكَ، فإنَّهُ خيرٌ يأمرُ بِهِ أو شرٌّ ينهَى عنهُ). وهذا من ألصق المعاني بالاستسلام والانقياد. فنداء الله عباده بمسمى الإيمان لهو من أشرف الأسماء وأدعاها للانقياد، فلا يعقل أن تمر على تالي الآية أو سامعها مرور الكرام، بل يجب التنبه إلى أهمية الأمر بعدها.
وإن الأمر الذي أمر تعالى عباده به بعد ندائهم هو قوله: "أنفقوا من طيبات ما كسبتم"، وهو الإنفاق من طيب الكسب.

ولنفصل قليلا في تفسير الآية، فمنها يتعلم المرء المعنى ومن ثم التدبر فالعمل.
• المراد بالنفقة المأمور بها هنا
فللمفسرين عدة أقوال فيها، يمكن اختصارها إلى قولين، هما:
القول الأول: الزكاة المفروضة، فيكون الأمر على الوجوب. قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعبيدة السلماني ومحمد بن سيرين. وذكره ابن عطية.
قال ابن عطية: نهى الناس عن إنفاق الرديء فيها بدل الجيد.
القول الثاني: أنها صدقة التطوع، فيكون الأمر فيها للندب. قاله ابن عباس و البراء بن عازب والحسن بن أبي الحسن وقتادة، وذكره ابن عطية وابن كثير.
قال ابن عطية: أما التطوع فكما للمرء أن يتطوع بقليل فكذلك له أن يتطوع بنازل في القدر، ودرهم زائف خير من تمرة.
والتوجيه:
قال ابن عطية: والآية تعم الوجهين، لكن صاحب الزكاة يتلقاها على الوجوب وصاحب التطوع يتلقاها على الندب، وهؤلاء كلهم وجمهور المتأولين قالوا معنى من طيّبات من جيد ومختار ما كسبتم، وجعلوا الخبيث بمعنى الرديء والرذالة.

• معنى "من طيبات ما كسبتم"
جاء في معنى "طيبات" ثلاثة أقوال لأهل العلم، هي:
القول الأول: من جيّد ما كسبتموه من تجارة، ومن ورق وعين، وكذلك من جيّد الثمار، فقد كان قوم أتوا في الصدقة برديء الثمار، فلا تقصدوا إلى رديء المال، والثمار فتتصدقوا به. هو حاصل ما ذكره الزجاج وابن عطية ورجحه ابن كثير.
قال ابن عطية: من جيد ومختار ما كسبتم.
قال ابن كثير: ما رزقهم من الأموال الّتي اكتسبوها.
قال مجاهدٌ: «يعني التّجارة بتيسيره إيّاها لهم». ذكره ابن كثير.
وقال عليٌّ والسّدّيّ: يعني: الذّهب والفضّة، ومن الثّمار والزّروع الّتي أنبتها لهم من الأرض». ذكره ابن كثير.
قال ابن عبّاسٍ: «أمرهم بالإنفاق من أطيب المال وأجوده وأنفسه، ونهاهم عن التّصدّق برذالة المال ودنيه -وهو خبيثه -فإنّ اللّه طيب لا يقبل إلّا طيّبًا. ذكره ابن كثير.
الأدلة والشواهد:
- يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر السعاة إلا يخرص الجعرور ومعى الفارة وذلك أنها من رديء النخل، فأمر ألا تخرص عليهم لئلا يعتلوا به في الصدقة. ذكره الزجاج.

- وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا يحيى بن المغيرة، حدّثنا جريرٌ، عن عطاء بن السّائب، عن عبد اللّه بن معقل في هذه الآية: "ولا تيمّموا الخبيث منه تنفقون" قال: «كسب المسلم لا يكون خبيثًا، ولكن لا يصّدّق بالحشف، والدّرهم الزّيف، وما لا خير فيه». ذكره ابن كثير.
- وقال الإمام أحمد: حدّثنا أبو سعيدٍ، حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن حمّادٍ -هو ابن أبي سليمان -عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: «أتي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بضبٍّ فلم يأكله ولم ينه عنه. قلت: يا رسول اللّه، نطعمه المساكين؟ قال: «لا تطعموهم ممّا لا تأكلون». ثمّ رواه عن عفّان عن حمّاد بن سلمة، به. فقلت: يا رسول اللّه، ألّا أطعمه المساكين؟ قال: «لا تطعموهم ما لا تأكلون».ذكره ابن كثير

القول الثاني: من حلال ما كسبتم، ولا تقصدوا الحرام. قاله ابن زيد وذكره ابن عطية وابن كثير.
الأدلة والشواهد:
- الحديث الّذي رواه الإمام أحمد: حدّثنا محمّد بن عبيدٍ، حدّثنا أبان بن إسحاق، عن الصّبّاح بن محمّدٍ، عن مرّة الهمداني، عن عبد اللّه بن مسعودٍ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم: «إن اللّه قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم بينكم أرزاقكم، وإنّ اللّه يعطي الدّنيا من يحبّ ومن لا يحبّ، ولا يعطي الدّين إلّا لمن أحبّ، فمن أعطاه اللّه الدّين فقد أحبّه، والّذي نفسي بيده، لا يسلم عبدٌّ حتّى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتّى يأمن جاره بوائقه». قالوا: وما بوائقه يا نبيّ اللّه؟. قال: «غشمه وظلمه، ولا يكسب عبدٌ مالًا من حرامٍ فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدق به فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلّا كان زاده إلى النّار، إنّ اللّه لا يمحو السّيّئ بالسّيّئ، ولكن يمحو السّيّئ بالحسن، إنّ الخبيث لا يمحو الخبيث». ذكره ابن كثير.

القول الثالث: حض على الإنفاق فقط، فلا يقصد به لا الجيد ولا الحلال. ثم دخل ذكر الطيب تبيينا لصفة حسنة في المكسوب عاما وتعديدا للنعمة كما تقول: أطعمت فلانا من مشبع الخبز وسقيته من مروي الماء، والطيب على هذا الوجه يعم الجودة والحل. ذكره ابن عطية.
الأدلة والشواهد:
ويؤيد هذا الاحتمال أن عبد الله بن مغفل قال: ليس في مال المؤمن خبيث. ذكره ابن عطية.

التوجيه:
ضعف ابن عطية قول ابن زيد، قائلا: وقول ابن زيد ليس بالقوي من جهة نسق الآية لا من معناه في نفسه.
ورجح ابن كير القول الأول.

• معنى "مما كسبتم"
ذكر ابن عطية أنه ما لكم فيه سعاية: إما بتعب بدن، أو مقاولة في تجارة، ويدخل فيه الموروث، لأن غير الوارث قد كسبه، إذ الضمير في كسبتم إنما هو لنوع الإنسان أو المؤمنين.

• مرجع الضمير في "كسبتم"
لأهل العلم قولان في ذلك، هما:
القول الأول: لنوع الإنسان. ذكره ابن عطية.
القول الثاني: للمؤمنين. ذكره ابن عطية وابن كثير.
ومما دل عليه طبيعة حياة العبد مؤمنا كان أم كافرا أن وصفه: حارث همام، مأمور بالكسب، وهو وصف أعم وأشمل.

• معنى "ومما أخرجنا لكم من الأرض"
أي: مما أخرجنا لكم من الأرض من النباتات والمعادن والركاز وما ضارع ذلك. ذكره ابن عطية.

• معنى "تيمموا"
تعمدوا وتقصدوا. هو حاصل ما ذكره الزجاج وابن عطية وابن كثير.
يقال تيمم الرجل كذا وكذا إذا قصده، ومنه التيمم الذي هو البدل من الوضوء عند عدم الماء. ذكره ابن عطية.
الأدلة والشواهد:
- ومنه قول امرئ القيس:
تيمّمت العين التي عند ضارج ....... يفيء عليها الظّلّ عرمضها طام ذكره ابن عطية.
- ومنه قول الأعشى:
تيمّمت قيسا وكم دونه ....... من الأرض من مهمه ذي شزن ذكره ابن عطية.

• الوقف والابتداء في "ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون"
جاء لأهل العلم قولان، هما:
القول الأول: الكلام متصل إلى قوله "فيه". قاله الجرجاني وذكره ابن عطية.
وعلى هذا القول، فالضمير في "منه" عائد على "ما كسبتم"، ويجيء تنفقون كأنه في موضع نصب على الحال، وهو كقوله: أنا أخرج أجاهد في سبيل الله. ذكره ابن عطية.

القول الثاني: إن الكلام تم في قوله: الخبيث ثم ابتدأ خبرا آخر في وصف الخبيث فقال: تنفقون منه وأنتم لا تأخذونه إلا إذا أغمضتم أي ساهلتم». قاله فريق من الناس وذكره ابن عطية.
قال ابن عطية: كأن هذا المعنى عتاب للناس وتقريع.
على هذا القول: يعود الضمير في "منه" على الخبيث. ذكره ابن عطية.

• معنى "ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه"
جاء لأهل العلم عدة أقوال في معناها، جعلها ابن عطية متعلقة بالمراد بالنفقة هنا:
** فمن قال بأن النفقة هنا هي الزكاة الواجبة، ذكر قولان في معناها، هما:
القول الأول: لستم بآخذيه لو وجدتموه في السوق يباع، إلا أن يهضم لكم من ثمنه. قاله الحسن بن أبي الحسن، وروي نحوه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. هو حاصل ما ذكره الزجاج وابن عطية وابن كثير.
قال الزجاج: أنتم لا تأخذون الخبيث منه إلا بوكس، فكيف تعطونه في الصدقة، وأنتم (تعلمون أنكم) لا تأخذونه إلا بالإغماض فيه.
قال ابن كثير: لو أعطيتموه ما أخذتموه، إلّا أن تتغاضوا فيه.

القول الثاني: ولستم بآخذيه في ديونكم وحقوقكم عند الناس إلا بأن تساهلوا في ذلك، وتتركون من حقوقكم وتكرهونه ولا ترضونه، أي فلا تفعلوا مع الله ما لا ترضونه لأنفسكم. قاله البراء بن عازب وابن عباس والضحاك وغيرهم، وذكره ابن عطية.
روى ابن جرير عن البراء قوله: لو كان لرجلٍ على رجلٍ، فأعطاه ذلك لم يأخذه؛ إلّا أن يرى أنّه قد نقصه من حقّه». ذكره ابن كثير.
قال ابن عباس: لو كان لكم على أحدٍ حقٌّ، فجاءكم بحقٍّ دون حقّكم لم تأخذوه بحساب الجيّد حتّى تنقصوه، فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم، وحقّي عليكم من أطيب أموالكم وأنفسه!!» رواه ابن أبي حاتمٍ، وابن جريرٍ، وذكره ابن كثير.
الأدلة والشواهد:
قال تعالى: "لن تنالوا البرّ حتّى تنفقوا ممّا تحبّون"، ثمّ روى من طريق العوفيّ وغيره، عن ابن عبّاسٍ نحو ذلك، وكذا ذكر غير واحدٍ. ذكره ابن كثير.

** ومن قال بأن النفقة هي صدقة التطوع، فالمعنى:
ولستم بآخذيه لو أهدي إليكم إلّا أن تغمضوا أي تستحيي من المهدوي أن تقبل منه ما لا حاجة لك فيه، ولا قدر له في نفسه». قاله البراء بن عازب وذكره ابن عطية.

** وأما على قول ابن زيد، فالمعنى:
ولستم بآخذي الحرام إلا أن تغمضوا في مكروهه. قاله ابن زيد وذكره ابن عطية.

• معنى "إلا تغمضوا فيه"
بحسب القراءة:
القراءة الأولى: وقرأ جمهور الناس «إلا أن تغمضوا» بضم التاء وسكون الغين وكسر الميم. ذكره ابن عطية.
القراءة الثانية: وقرأ الزهري بفتح التاء وكسر الميم مخففا. ذكره ابن عطية.
قال ابن عطية: فمعناها تهضموا سومها من البائع منكم فيحطكم.

القراءة الثالثة: وروي عن الزهري أيضا «تغمّضوا» بضم التاء وفتح الغين وكسر الميم مشددة. ذكره ابن عطية.
قال ابن عطية: فهذا مذهب أبي عمرو الداني فيها». ويحتمل أن تكون من تغميض العين.
قال أبو عمرو:«معنى قراءتي الزهري حتى تأخذوا بنقصان». ذكره ابن عطية.

القراءة الرابعة: وحكى مكي عن الحسن البصري «تغمّضوا» مشددة الميم مفتوحة وبفتح التاء. ذكره ابن عطية.

القراءة الخامسة: وقرأ قتادة بضم التاء وسكون الغين وفتح الميم مخففا. ذكره ابن عطية.
قال أبو عمرو: «معناه إلا أن يغمض لكم. ذكره ابن عطية.
وقال ابن جني: «معناها توجدوا قد غمضتم في الأمر بتأولكم أو بتساهلكم وجريتم على غير السابق إلى النفوس، وهذا كما تقول: أحمدت الرجل وجدته محمودا إلى غير ذلك من الأمثلة» ذكره ابن عطية.

قال ابن عطية: هذه اللفظة "تغمضوا" تنتزع إما:
** من قول العرب أغمض الرجل في أمر كذا إذا تساهل فيه ورضي ببعض حقه وتجاوز.
الأدلة والشواهد:
- فمن ذلك قول الطرماح بن حكيم: لم يفتنا بالوتر قوم وللضـ ....... ـيم أناس يرضون بالإغماض ذكره ابن عطية.
** وإما أن تنتزع من تغميض العين لأن الذي يريد الصبر على مكروه يغمض عنه عينيه.
الأدلة والشواهد:
- ومنه قول الشاعر: إلى كم وكم أشياء منكم تريبني ....... أغمض عنها لست عنها بذي عمى ذكره ابن عطية.
وهذا كالإغضاء عند المكروه، وقد ذكر النقاش هذا المعنى في هذه الآية وأشار إليه مكي.
** وإما من قول العرب أغمض الرجل إذا أتى غامضا من الأمر.
الأدلة والشواهد:
- كما تقول: أعمن إذا أتى عمان، وأعرق إذا أتى العراق، وأنجد، وأغور، إذا أتى نجدا والغور الذي هو تهامة، ومنه قول الجارية: وإن دسر أغمض فقراءة الجمهور تخرج على التجاوز وعلى تغميض العين لأن أغمض بمنزلة غمض وعلى أنها بمعنى حتى تأتوا غامضا من التأويل والنظر في أخذ ذلك: إما لكونه حراما على قول ابن زيد، وإما لكونه مهديا أو مأخوذا في دين على قول غيره.

• معنى "غني"
يقال قد غني زيد يغنى غنى - مقصور - إذا استغنى، وقد وقد غني القوم إذا نزلوا في مكان يقيهم، والمكان الذي ينزلون فيه مغنى، وقد غنّى فلان غناء إذا بالغ في التطريب في الإنشاد حتى يستغنى الشعر أن يزاد في نغمته، وقد غنيت المرأة غنيانا. ذكره الزجاج.
الأدلة والشواهد:
- قال قيس بن الخطيم:
أجدّ بعمرة غنيانها... فتهجر أم شأننا شأنها غنيانها: غناها.
والغواني: النساء، قيل إنهن سمين غواني لأنهن غنين بجمالهن. وقيل بأزواجهن. ذكره الزجاج.

• مناسبة ختم الآية ب "واعلموا أن الله غني حميد"
لم يأمركم بأن تتصدقوا من عوز، ولا لحاجة به إلى صدقاتكم، فمن تقرب وطلب مثوبة فليفعل ذلك بما له قدر، فالله أمركم بالصدقة وبالطيب منها وهو غني عنها وعنكم وعن جميع خلقه، فكلهم فقير إليه، وهو واسع الفضل لا ينفد ما لديه، فمن تصدّق بصدقةٍ من كسبٍ طيّبٍ، فليعلم أنّ اللّه غنيٌّ واسع العطاء، كريمٌ جوادٌ، سيجزيه بها ويضاعفها له أضعافًا كثيرةً من يقرض غير عديمٍ ولا ظلومٍ، ولكنه لاختباركم، فهو حميد على ذلك وعلى جميع نعمه، محمود في كل حال، في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقدره، لا إله إلّا هو، ولا ربّ سواه. هو حاصل ما ذكره الزجاج وابن عطية وابن كثير.

فاللهم اجعلنا من المستسلمين المنقادين لله تعالى، العاملين بأوامره، المجتنبين لنواهيه، الكاسبين للحلال، المجنبين للحرام، الطيبي الكسب والنفقة، المنفقين في سبيله تعالى، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مباركا طيبا إلى يوم الدين.

[1] السلسلة الصحيحة (588)، حسنه الألباني.
[2] صحيح ابن ماجه (1487)، صححه الألباني.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 27 محرم 1444هـ/24-08-2022م, 10:54 PM
هيئة التصحيح 11 هيئة التصحيح 11 غير متواجد حالياً
هيئة التصحيح
 
تاريخ التسجيل: Jan 2016
المشاركات: 2,523
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة إيمان جلال مشاهدة المشاركة
2: قوله تعالى: { {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}.

رسالة بالأسلوب العلمي في تفسير الآية: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ".

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله يدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، ثم أما بعد،
فإن الآية الكريمة التي بين أيدينا وردت في سورة البقرة المدنية، السورة الثانية من ترتيب المصحف الشريف بعد الفاتحة أعظم سور القرآن، فهي سنام القرآن، حيث روى عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه - حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إن لكل شيء سنام، وسنام القرآن سورة البقرة) [1].
فمما سبق يعلم العبد عظيم شرف السورة وحاجته الماسة لتدبر معانيها والعمل بها فيما يصلح أمور دينه ودنياه.
ومما ذكره بعض أهل العلم في مقصدها: أن معاني آياتها إجمالا تدور حول الاستسلام لله تعالى والخضوع لأوامره امتثالا، ولنواهيه اجتنابا، وهذا يلاحظ منذ أوائل آياتها إلى آخرها فيما تم ذكره من جميع أركان الإسلام والإيمان، وقصص من أطاع وقصص من عصى، حتى ختامها بقول الصحابة رضوان الله عليهم "سمعنا وأطعنا".
وقد جاءت الآية الكريمة في سياق آيات الإنفاق والحث على الصدقة، وقد ذكر ابن عطية وابن كثير في سبب نزولها:
عنِ البراءِ بنِ عازبٍ ، في قولِهِ سبحانَهُ : "وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ" قالَ : نزلَت في الأنصارِ ، كانتِ الأنصارُ تخرجُ إذا كانَ جُدادُ النَّخلِ من حيطانِها أقناءَ البُسرِ ، فيعلِّقونَهُ على حَبلٍ بينَ أسطوانتينِ في مسجدِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ ، فيأكلُ منهُ فقراءُ المُهاجرينَ ، فيعمَدُ أحدُهُم فيُدخلُ قنوًا فيهِ الحشَفُ ، يظنُّ أنَّهُ جائزٌ في كثرةِ ما يوضَعُ منَ الأقناءِ ، فنزلَ فيمن فعلَ ذلِكَ : "وَلَا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ" يقولُ : لا تعمَدوا للحشفِ منهُ تنفقونَ ، "وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ" يقولُ : لو أُهْديَ لَكُم ما قَبِلْتُموهُ إلَّا على استحياءٍ من صاحبِهِ ، غَيظًا أنَّهُ بعثَ إليكم ما لم يَكُن لَكُم فيهِ حاجةٌ ، واعلَموا أنَّ اللَّهَ غَنيٌّ عن صدقاتِكُم. [2]
فمن سبب النزول نعلم أن المخاطب في الآية هم المؤمنون أتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا واضح جلي في قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا". وكما ذكر أحمد شاكر في عمدة التفسير: (أنَّ رجلًا أتى عبدَ اللَّهِ بنَ مسعودٍ فقالَ: اعهَد إليَّ. فقالَ: إذا سمِعتَ اللَّهَ يقولُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فأرعِها سمعَكَ، فإنَّهُ خيرٌ يأمرُ بِهِ أو شرٌّ ينهَى عنهُ). وهذا من ألصق المعاني بالاستسلام والانقياد. فنداء الله عباده بمسمى الإيمان لهو من أشرف الأسماء وأدعاها للانقياد، فلا يعقل أن تمر على تالي الآية أو سامعها مرور الكرام، بل يجب التنبه إلى أهمية الأمر بعدها.
وإن الأمر الذي أمر تعالى عباده به بعد ندائهم هو قوله: "أنفقوا من طيبات ما كسبتم"، وهو الإنفاق من طيب الكسب.

ولنفصل قليلا في تفسير الآية، فمنها يتعلم المرء المعنى ومن ثم التدبر فالعمل.
• المراد بالنفقة المأمور بها هنا
فللمفسرين عدة أقوال فيها، يمكن اختصارها إلى قولين، هما:
القول الأول: الزكاة المفروضة، فيكون الأمر على الوجوب. قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعبيدة السلماني ومحمد بن سيرين. وذكره ابن عطية.
قال ابن عطية: نهى الناس عن إنفاق الرديء فيها بدل الجيد.
القول الثاني: أنها صدقة التطوع، فيكون الأمر فيها للندب. قاله ابن عباس و البراء بن عازب والحسن بن أبي الحسن وقتادة، وذكره ابن عطية وابن كثير.
قال ابن عطية: أما التطوع فكما للمرء أن يتطوع بقليل فكذلك له أن يتطوع بنازل في القدر، ودرهم زائف خير من تمرة.
والتوجيه:
قال ابن عطية: والآية تعم الوجهين، لكن صاحب الزكاة يتلقاها على الوجوب وصاحب التطوع يتلقاها على الندب، وهؤلاء كلهم وجمهور المتأولين قالوا معنى من طيّبات من جيد ومختار ما كسبتم، وجعلوا الخبيث بمعنى الرديء والرذالة.

• معنى "من طيبات ما كسبتم"
جاء في معنى "طيبات" ثلاثة أقوال لأهل العلم، هي:
القول الأول: من جيّد ما كسبتموه من تجارة، ومن ورق وعين، وكذلك من جيّد الثمار، فقد كان قوم أتوا في الصدقة برديء الثمار، فلا تقصدوا إلى رديء المال، والثمار فتتصدقوا به. هو حاصل ما ذكره الزجاج وابن عطية ورجحه ابن كثير.
قال ابن عطية: من جيد ومختار ما كسبتم.
قال ابن كثير: ما رزقهم من الأموال الّتي اكتسبوها.
قال مجاهدٌ: «يعني التّجارة بتيسيره إيّاها لهم». ذكره ابن كثير.
وقال عليٌّ والسّدّيّ: يعني: الذّهب والفضّة، ومن الثّمار والزّروع الّتي أنبتها لهم من الأرض». ذكره ابن كثير.
قال ابن عبّاسٍ: «أمرهم بالإنفاق من أطيب المال وأجوده وأنفسه، ونهاهم عن التّصدّق برذالة المال ودنيه -وهو خبيثه -فإنّ اللّه طيب لا يقبل إلّا طيّبًا. ذكره ابن كثير.
الأدلة والشواهد:
- يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر السعاة إلا يخرص الجعرور ومعى الفارة وذلك أنها من رديء النخل، فأمر ألا تخرص عليهم لئلا يعتلوا به في الصدقة. ذكره الزجاج.

- وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا يحيى بن المغيرة، حدّثنا جريرٌ، عن عطاء بن السّائب، عن عبد اللّه بن معقل في هذه الآية: "ولا تيمّموا الخبيث منه تنفقون" قال: «كسب المسلم لا يكون خبيثًا، ولكن لا يصّدّق بالحشف، والدّرهم الزّيف، وما لا خير فيه». ذكره ابن كثير.
- وقال الإمام أحمد: حدّثنا أبو سعيدٍ، حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن حمّادٍ -هو ابن أبي سليمان -عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: «أتي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بضبٍّ فلم يأكله ولم ينه عنه. قلت: يا رسول اللّه، نطعمه المساكين؟ قال: «لا تطعموهم ممّا لا تأكلون». ثمّ رواه عن عفّان عن حمّاد بن سلمة، به. فقلت: يا رسول اللّه، ألّا أطعمه المساكين؟ قال: «لا تطعموهم ما لا تأكلون».ذكره ابن كثير

القول الثاني: من حلال ما كسبتم، ولا تقصدوا الحرام. قاله ابن زيد وذكره ابن عطية وابن كثير.
الأدلة والشواهد:
- الحديث الّذي رواه الإمام أحمد: حدّثنا محمّد بن عبيدٍ، حدّثنا أبان بن إسحاق، عن الصّبّاح بن محمّدٍ، عن مرّة الهمداني، عن عبد اللّه بن مسعودٍ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم: «إن اللّه قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم بينكم أرزاقكم، وإنّ اللّه يعطي الدّنيا من يحبّ ومن لا يحبّ، ولا يعطي الدّين إلّا لمن أحبّ، فمن أعطاه اللّه الدّين فقد أحبّه، والّذي نفسي بيده، لا يسلم عبدٌّ حتّى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتّى يأمن جاره بوائقه». قالوا: وما بوائقه يا نبيّ اللّه؟. قال: «غشمه وظلمه، ولا يكسب عبدٌ مالًا من حرامٍ فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدق به فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلّا كان زاده إلى النّار، إنّ اللّه لا يمحو السّيّئ بالسّيّئ، ولكن يمحو السّيّئ بالحسن، إنّ الخبيث لا يمحو الخبيث». ذكره ابن كثير.

القول الثالث: حض على الإنفاق فقط، فلا يقصد به لا الجيد ولا الحلال. ثم دخل ذكر الطيب تبيينا لصفة حسنة في المكسوب عاما وتعديدا للنعمة كما تقول: أطعمت فلانا من مشبع الخبز وسقيته من مروي الماء، والطيب على هذا الوجه يعم الجودة والحل. ذكره ابن عطية.
الأدلة والشواهد:
ويؤيد هذا الاحتمال أن عبد الله بن مغفل قال: ليس في مال المؤمن خبيث. ذكره ابن عطية.

التوجيه:
ضعف ابن عطية قول ابن زيد، قائلا: وقول ابن زيد ليس بالقوي من جهة نسق الآية لا من معناه في نفسه.
ورجح ابن كير القول الأول.

• معنى "مما كسبتم"
ذكر ابن عطية أنه ما لكم فيه سعاية: إما بتعب بدن، أو مقاولة في تجارة، ويدخل فيه الموروث، لأن غير الوارث قد كسبه، إذ الضمير في كسبتم إنما هو لنوع الإنسان أو المؤمنين.

• مرجع الضمير في "كسبتم"
لأهل العلم قولان في ذلك، هما:
القول الأول: لنوع الإنسان. ذكره ابن عطية.
القول الثاني: للمؤمنين. ذكره ابن عطية وابن كثير.
ومما دل عليه طبيعة حياة العبد مؤمنا كان أم كافرا أن وصفه: حارث همام، مأمور بالكسب، وهو وصف أعم وأشمل.

• معنى "ومما أخرجنا لكم من الأرض"
أي: مما أخرجنا لكم من الأرض من النباتات والمعادن والركاز وما ضارع ذلك. ذكره ابن عطية.

• معنى "تيمموا"
تعمدوا وتقصدوا. هو حاصل ما ذكره الزجاج وابن عطية وابن كثير.
يقال تيمم الرجل كذا وكذا إذا قصده، ومنه التيمم الذي هو البدل من الوضوء عند عدم الماء. ذكره ابن عطية.
الأدلة والشواهد:
- ومنه قول امرئ القيس:
تيمّمت العين التي عند ضارج ....... يفيء عليها الظّلّ عرمضها طام ذكره ابن عطية.
- ومنه قول الأعشى:
تيمّمت قيسا وكم دونه ....... من الأرض من مهمه ذي شزن ذكره ابن عطية.

• الوقف والابتداء في "ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون"
جاء لأهل العلم قولان، هما:
القول الأول: الكلام متصل إلى قوله "فيه". قاله الجرجاني وذكره ابن عطية.
وعلى هذا القول، فالضمير في "منه" عائد على "ما كسبتم"، ويجيء تنفقون كأنه في موضع نصب على الحال، وهو كقوله: أنا أخرج أجاهد في سبيل الله. ذكره ابن عطية.

القول الثاني: إن الكلام تم في قوله: الخبيث ثم ابتدأ خبرا آخر في وصف الخبيث فقال: تنفقون منه وأنتم لا تأخذونه إلا إذا أغمضتم أي ساهلتم». قاله فريق من الناس وذكره ابن عطية.
قال ابن عطية: كأن هذا المعنى عتاب للناس وتقريع.
على هذا القول: يعود الضمير في "منه" على الخبيث. ذكره ابن عطية.

• معنى "ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه"
جاء لأهل العلم عدة أقوال في معناها، جعلها ابن عطية متعلقة بالمراد بالنفقة هنا:
** فمن قال بأن النفقة هنا هي الزكاة الواجبة، ذكر قولان في معناها، هما:
القول الأول: لستم بآخذيه لو وجدتموه في السوق يباع، إلا أن يهضم لكم من ثمنه. قاله الحسن بن أبي الحسن، وروي نحوه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. هو حاصل ما ذكره الزجاج وابن عطية وابن كثير.
قال الزجاج: أنتم لا تأخذون الخبيث منه إلا بوكس، فكيف تعطونه في الصدقة، وأنتم (تعلمون أنكم) لا تأخذونه إلا بالإغماض فيه.
قال ابن كثير: لو أعطيتموه ما أخذتموه، إلّا أن تتغاضوا فيه.

القول الثاني: ولستم بآخذيه في ديونكم وحقوقكم عند الناس إلا بأن تساهلوا في ذلك، وتتركون من حقوقكم وتكرهونه ولا ترضونه، أي فلا تفعلوا مع الله ما لا ترضونه لأنفسكم. قاله البراء بن عازب وابن عباس والضحاك وغيرهم، وذكره ابن عطية.
روى ابن جرير عن البراء قوله: لو كان لرجلٍ على رجلٍ، فأعطاه ذلك لم يأخذه؛ إلّا أن يرى أنّه قد نقصه من حقّه». ذكره ابن كثير.
قال ابن عباس: لو كان لكم على أحدٍ حقٌّ، فجاءكم بحقٍّ دون حقّكم لم تأخذوه بحساب الجيّد حتّى تنقصوه، فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم، وحقّي عليكم من أطيب أموالكم وأنفسه!!» رواه ابن أبي حاتمٍ، وابن جريرٍ، وذكره ابن كثير.
الأدلة والشواهد:
قال تعالى: "لن تنالوا البرّ حتّى تنفقوا ممّا تحبّون"، ثمّ روى من طريق العوفيّ وغيره، عن ابن عبّاسٍ نحو ذلك، وكذا ذكر غير واحدٍ. ذكره ابن كثير.

** ومن قال بأن النفقة هي صدقة التطوع، فالمعنى:
ولستم بآخذيه لو أهدي إليكم إلّا أن تغمضوا أي تستحيي من المهدوي أن تقبل منه ما لا حاجة لك فيه، ولا قدر له في نفسه». قاله البراء بن عازب وذكره ابن عطية.

** وأما على قول ابن زيد، فالمعنى:
ولستم بآخذي الحرام إلا أن تغمضوا في مكروهه. قاله ابن زيد وذكره ابن عطية.

• معنى "إلا تغمضوا فيه" [إلا أن] [والمسألة في القراءات وبيان معناها]
بحسب القراءة:
القراءة الأولى: وقرأ جمهور الناس «إلا أن تغمضوا» بضم التاء وسكون الغين وكسر الميم. ذكره ابن عطية.
القراءة الثانية: وقرأ الزهري بفتح التاء وكسر الميم مخففا. ذكره ابن عطية.
قال ابن عطية: فمعناها تهضموا سومها من البائع منكم فيحطكم.

القراءة الثالثة: وروي عن الزهري أيضا «تغمّضوا» بضم التاء وفتح الغين وكسر الميم مشددة. ذكره ابن عطية.
قال ابن عطية: فهذا مذهب أبي عمرو الداني فيها». ويحتمل أن تكون من تغميض العين.
قال أبو عمرو:«معنى قراءتي الزهري حتى تأخذوا بنقصان». ذكره ابن عطية.

القراءة الرابعة: وحكى مكي عن الحسن البصري «تغمّضوا» مشددة الميم مفتوحة وبفتح التاء. ذكره ابن عطية.

القراءة الخامسة: وقرأ قتادة بضم التاء وسكون الغين وفتح الميم مخففا. ذكره ابن عطية.
قال أبو عمرو: «معناه إلا أن يغمض لكم. ذكره ابن عطية.
وقال ابن جني: «معناها توجدوا قد غمضتم في الأمر بتأولكم أو بتساهلكم وجريتم على غير السابق إلى النفوس، وهذا كما تقول: أحمدت الرجل وجدته محمودا إلى غير ذلك من الأمثلة» ذكره ابن عطية.

قال ابن عطية: هذه اللفظة "تغمضوا" تنتزع إما:
** من قول العرب أغمض الرجل في أمر كذا إذا تساهل فيه ورضي ببعض حقه وتجاوز.
الأدلة والشواهد:
- فمن ذلك قول الطرماح بن حكيم: لم يفتنا بالوتر قوم وللضـ ....... ـيم أناس يرضون بالإغماض ذكره ابن عطية.
** وإما أن تنتزع من تغميض العين لأن الذي يريد الصبر على مكروه يغمض عنه عينيه.
الأدلة والشواهد:
- ومنه قول الشاعر: إلى كم وكم أشياء منكم تريبني ....... أغمض عنها لست عنها بذي عمى ذكره ابن عطية.
وهذا كالإغضاء عند المكروه، وقد ذكر النقاش هذا المعنى في هذه الآية وأشار إليه مكي.
** وإما من قول العرب أغمض الرجل إذا أتى غامضا من الأمر.
الأدلة والشواهد:
- كما تقول: أعمن إذا أتى عمان، وأعرق إذا أتى العراق، وأنجد، وأغور، إذا أتى نجدا والغور الذي هو تهامة، ومنه قول الجارية: وإن دسر أغمض فقراءة الجمهور تخرج على التجاوز وعلى تغميض العين لأن أغمض بمنزلة غمض وعلى أنها بمعنى حتى تأتوا غامضا من التأويل والنظر في أخذ ذلك: إما لكونه حراما على قول ابن زيد، وإما لكونه مهديا أو مأخوذا في دين على قول غيره.

• معنى "غني"
يقال قد غني زيد يغنى غنى - مقصور - إذا استغنى، وقد وقد غني القوم إذا نزلوا في مكان يقيهم، والمكان الذي ينزلون فيه مغنى، وقد غنّى فلان غناء إذا بالغ في التطريب في الإنشاد حتى يستغنى الشعر أن يزاد في نغمته، وقد غنيت المرأة غنيانا. ذكره الزجاج.
الأدلة والشواهد:
- قال قيس بن الخطيم:
أجدّ بعمرة غنيانها... فتهجر أم شأننا شأنها غنيانها: غناها.
والغواني: النساء، قيل إنهن سمين غواني لأنهن غنين بجمالهن. وقيل بأزواجهن. ذكره الزجاج.

• مناسبة ختم الآية ب "واعلموا أن الله غني حميد"
لم يأمركم بأن تتصدقوا من عوز، ولا لحاجة به إلى صدقاتكم، فمن تقرب وطلب مثوبة فليفعل ذلك بما له قدر، فالله أمركم بالصدقة وبالطيب منها وهو غني عنها وعنكم وعن جميع خلقه، فكلهم فقير إليه، وهو واسع الفضل لا ينفد ما لديه، فمن تصدّق بصدقةٍ من كسبٍ طيّبٍ، فليعلم أنّ اللّه غنيٌّ واسع العطاء، كريمٌ جوادٌ، سيجزيه بها ويضاعفها له أضعافًا كثيرةً من يقرض غير عديمٍ ولا ظلومٍ، ولكنه لاختباركم، فهو حميد على ذلك وعلى جميع نعمه، محمود في كل حال، في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقدره، لا إله إلّا هو، ولا ربّ سواه. هو حاصل ما ذكره الزجاج وابن عطية وابن كثير.

فاللهم اجعلنا من المستسلمين المنقادين لله تعالى، العاملين بأوامره، المجتنبين لنواهيه، الكاسبين للحلال، المجنبين للحرام، الطيبي الكسب والنفقة، المنفقين في سبيله تعالى، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مباركا طيبا إلى يوم الدين.

[1] السلسلة الصحيحة (588)، حسنه الألباني.
[2] صحيح ابن ماجه (1487)، صححه الألباني.

التقويم:

أ+
أحسنتِ، بارك الله فيكِ، وزادكِ علما وهدى ونفع بكِ

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 16 رجب 1444هـ/6-02-2023م, 10:34 AM
رولا بدوي رولا بدوي غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى الخامس
 
تاريخ التسجيل: Sep 2019
المشاركات: 341
افتراضي

قال تعالى(للْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273)
بسم الله نحمد و نستعينه نستهديه، و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له و من يضبب فلالا هادي له، و نصلي و نسلم و على المبعوث رحمة للعالمين محمد صلى الله عليه و سلم و آله و صحبه.
قال تعالى في سورة البقرة ( للْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273)
جاءت هذه الآية بعد آيات حث الله فيها على الإنفاق و رغب فيه، خالصًا لوجهه الكريم، منزهًا من المنة و من الرياء و الخبث، جاءت لتبين من أولى الناس بها، و لما استحقوها، بما يحفز النفوس لتنفق عليهم و لا يكونوا أشحة عليهم، و هو فقراء المهاجرين أهل الصفة وكانوا نحوًا من أربعمائة رجلٍ، وذلك أنهم كانوا يقدمون فقراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما لهم أهل ولا مال فبُنيت لهم صفة في مؤخرة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل لهم: أهل الصُّفَّة؛ [تفسير القرطبي، ج: 3، ص: 340].
روى الشيخان عن عبدالرحمن بن أبي بكرٍ، رضي الله عنهما: ((أن أصحاب الصُّفَّة كانوا أناسًا فقراء، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال مرةً: من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالثٍ، ومن كان عنده طعام أربعةٍ فليذهب بخامسٍ أو سادسٍ، أو كما قال: وإن أبا بكرٍ جاء بثلاثةٍ، وانطلق النبي صلى الله عليه وسلم بعشرةٍ، وأبو بكرٍ ثلاثةً))؛ [البخاري، حديث: 3581 / مسلم، حديث: 2057].
قال الله واصفًا لهم (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8)الحشر
و في هذه الآية يمدحهم بما كان منهم من عفة السؤال رغم حاجتهم و فاقتهم بعد ما تركوا الديار و الأهل و المال ابتغاء وجه الله و في سبيله لا يرجون إلا رضا الله و يبغون نصرة الدين.
و ببيان مسائل الآية التفسيرية و اللغوية ما يبين عناية الله بعباده المخلصين، يعلي ذكرهم و ينزههم عن الصغائر:
الفقراء المهاجرين هم فقراء المهاجرين من قريش و غيرهم و هو قول مجاهد و السدي و غيرهما ، نقل ذلك عنهم ابن جرير و ابن عطية و قال به ابن كثير، و روى ابن أبي حاتم الرازي عن سعيد في تفسيره أنهم قومٌ أصابتهم الجراحات في سبيل اللّه فصاروا زمنى، فجعل لهم في أموال المسلمين حقًّا، و روى ايضًا ابن أبي حاتم الرازي عن قتادة و السدي أنهم الفقراء الّذين أحصروا في سبيل اللّه ، ممن حصروا أنفسهم في سبيل الله للغزو، و حصرهم المشركين، فلا يستطيعون ضربًا في الأرض، و الذي يظهر أن الىية يدخل فيها دخولا أوليًا فقراء المهاجرين، و يدخل فيها بعد ذلك كل من من يتصف بالفقر و أحصر في سبيل الله غابر الدهر، و هو ما اختاره ابن عطية.
و تقدير القول كأنّه قال: {وما تنفقوا من خيرٍ} ما تتصدقوا به من مال فللفقراء الذين أحصروا في سبيل و ذلك بناء على قول ابن جرير أن اللام في ( للفقراء ) مردودة على موضع اللاّم في فلأنفسكم.
و الذي يترجح ما اختاره ابن عطية و ذكره أن الكلام تقديره الإنفاق أو الصدقة للفقراء ، بناء على أن اللام في قوله للفقراء متعلقة بمحذوف مقدر، تقديره الإنفاق أو الصدقة .
و قد خص الله فقراء المهاجرين بالذكر لأنه لم يكن سواهم يعانون الفقر، و الأنصار من حولهم أهل زراع و خير و هو ما ذكره ابن عطية.
و قد اختصت الآية بصفات للمهاجرين فيها تكريم لهم و ما يوجب الحنو عليهم من أغنياء المسلمين، و بدأ بوصفهم بما اتخص بهم من أنهم فقراء هاجروا في سبيل الله، ثم تلا ذلك بععد من الصفات :
( الذين أحصروا ) ، و الإحصار لغة هو الحبس و المنع، و قد يكون بمرض أو فاقة أو جهاد عدوّ و هو ما حكاه ابن سيده وغيره عن بعض اللغويين، ذكر ذلك عنه ابن عطية.
و جاء في الآية تخصيص الإحصار بأنه( في سبيل الله) و قد اختلف المفسرون في بيان المراد بالإحصار في سبيل الله على أقوال:
القول الأول: حبسوا في الجهاد: قاله قتادة و ابن زيد ، ذكر ذلك عنهم ابن جرير، و ذكره الزجاج و ابن عطية و ابن كثير.
القول الثاني، أنه الدخول في الإسلام، ذكره ابن عطية
و قد قال ابن عطية معقبًا على القولين بأن اللفظ يتناول المعنين.
فالدخول للإسلام كان سببًا لهجرتهم و جهادهم في سبيل الله، و أختلف المفسرين في تحديد ما الذي أحصرهم على أقوال هي من لازم بعضها البعض :
القول الأول: أحصرهم فرض الجهاد فمنعهم من التصرف، مفهوم كلام قتادة و ابن زيد ، ذكر ذك عنهم ابن جرير ، و ذكره الزجاج.
القول الثاني: أحصرهم عدوهم لأنه شغلهم بجهاده، قاله الزجاج( و يكون المعنى رابط في سبيل الله)
القول الثالث: أحصرتهم أنفسهم، قاله ابن جرير.
و قد تأول ابن جرير على هذا القول أن معنى الآية: أنهم هم حابسو أنفسهم بربقة الدين وقصد الجهاد وخوف العدو إذا أحاط بهم الكفر، فصار خوف العدو عذرا أحصروا به.
القول الرابع: الّذين أحصرهم المشركون فمنعوهم التّصرّف، قاله السدي، رواه عنه ابن جرير.
و قد رد ابن جرير قول السدي: ولو كان تأويل الآية على ما تأوّله السّدّيّ لكان الكلام: للفقراء الّذين حصروا في سبيل اللّه ولكنّه {أحصروا}، فدلّ ذلك على أنّ خوفهم من العدوّ الّذي صيّر هؤلاء الفقراء إلى الحال الّتي حبسوا وهم في سبيل اللّه أنفسهم، لا أنّ العدوّ هم كانوا الحابسيهم، وإنّما يقال لمن حبسه العدوّ: حصره العدوّ، وإذا كان الرّجل المحبس من خوف العدوّ قيل: أحصره خوف العدوّ). [جامع البيان: 5/25]
و الجمع بين هذه الاقوال جائز فبعضها لازم بعض و سبب له، و كلها أعذار حبست الفقراء و منعتهم عن طلب الرزق، و هذا القول مفهوم كلام ابن عطية.
و وصفهم بأنهم ( لا يستطيعون ضربًا في الأرض)، و الضرب في الأرض لغة هو السفر و يختص بالسفر لطلب المعاش، و المراد به التجارة، و هو حاصل كلام ابن جرير و ابن عطية و ابن كثير.
و مما يؤيد هذا المعنى ما استدل به ابن كثير من آيات :
قال اللّه تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصّلاة}[النّساء: 101]، وقال تعالى: {علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل اللّه وآخرون يقاتلون في سبيل اللّه} الآية [المزّمّل: 20].
و قد أختلف المفسرين في بيان وجه عدم الاستطاعة للتجارة على أقوال هي:
ما قاله الزجاج أنهم قد ألزموا أنفسهم أمر الجهاد فمنعهم ذلك من التصرف وليس لأنهم لا يقدرون أن يتصرفوا.
و ما ذكره ابن عطية من أنهم كانوا لا يستطيعون الضرب في الأرض لكون البلاد كلها كفرا مطبقا، وهذا في صدر الهجرة، فقلتهم تمنع من الاكتساب بالجهاد.
و ما ذكره ابن عطية أيضًا أن عدم الاستطاعة بسبب إنكار الكفار عليهم إسلامهم منعوا من التصرف في التجارة.
و هذه الأقوال جميعًا سبب في عدم الاستطاعة.
و قد بين الله بقوله عز و جل { يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف )؛ صدق صبرهم وحسن تعففهم، كما قال السعدي و هي الصفة الثالثة لهم في الآيات.
فالجاهل بهم مع علمه بفقرهم يحسبهم أغنياء عفة، و الجاهل هنا لم يرد به الجهل الذي هو ضد العقل، وإنما أراد الجهل الذي هو ضد الخبرة. يقول: يحسبهم من لا يخبر أمرهم، و هو ما قاله عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ) في تفسير غريب القرآن.
يحسبهم يظنهم، فالأمر يترجح عنده أنهم أغنياء، و لا يقع في قلبه مظنة أنهم فقراء.
و لم يذكر متعلق الجهل و لكن يُفهم من معنى الآية ، أنه الجهل بباطن أحوالهم، فالجاهل ليس له فطنة يتفرس بها ما هم عليه، حاصل قول ابن عطية و السعدي.
أما من الذي يدرك حالهم؟ الفطن المتفرس فمجرد ما يراهم يعرفهم بعلامتهم، قاله السعدي و هو يفهم بمفهوم المخالفة.
(يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف): و ما حالهم؟ التعفف، و في زيادة المبنى زيادة معنى، التّعفّف تفعل، وهو بناء مبالغة، و معناه لغة: من عفّ عن الشيء إذا أمسك عنه وتنزه عن طلبه. وبهذا المعنى فسر قتادة وغيره،ذكر ذلك ابن عطية، و في بناء المبالغة إشارة لكمال عفتهم فلا يسألون الناس، كما قال ابن العثيمين في تفسيره.
و حذف متعلق التعفف الذي يقدر بالتعفف عن المسألة، قاله الزجاج و هو ما يدرك من باقي الآية( لا يسألون الناس..)
( من التعفف)، أختلف في معنى من ، و هذا الاختلاف مما يزيد في معنى الآية ، قال الشيخ ابن العثيمين أنها من السببية، أي بسبب التعفف تحسبنوهم أغنياء.
و ذكر ابن عطية أنها تحتمل أن تكون لبيان الجنس، و هنا يكون المعنى أن الحسبة أنهم أغنياء عفة.
و القول الذي ذكره ابن عطية و اختاره هو من لابتداء الغاية أي من تعففهم ابتدأت محسبته،
و أيد ابن عطية هذا القول و رد القول أنها لبيان الجنس وإن احتمله المعنى، و بين سبب ذلك: لأن الجاهل بهم لا يحسبهم أغنياء غناء تعفف، وانما يحسبهم أغنياء غناء مال، ومحسبته من التعفف ناشئة، وهذا على أنهم متعففون عفة تامة عن المسألة، وهو الذي عليه جمهور المفسرين، لأنهم قالوا في تفسير قوله تعالى(لا يسئلون النّاس إلحافاً) المعنى لا يسألون البتة.
( تعرفهم بسيماهم)، معنى (سيماهم) اللغوي: مفرد السيما مقصورة العلامة و الصفات،و هو حاصل قول ابن عطية و ابن كثير.
و المعنى هنا يشابه ما جاء في الآيات: (سيماهم في وجوههم [الفتح: 29]، وقال: {ولتعرفنّهم في لحن القول}[محمّدٍ: 30
و المعني الإجمالي ؛ يظهر فقرهم بسبب ما يتصفون به،لمن، هذا يعود لمرجع الضمير في ( تعرفهم)، قال ابن جرير لك يا محمد ( صلى الله عليه و سلم) و و قال ابن كثير لذوي الألباب، و يجمع القولين فالخطاب للرسول صلى الله عليه و سلم، و للصحابة من حوله و للمسلمين من ذوي الألباب و البصرة ممن يدركون بواطن الأمور مما يظهر لهم من علامات، و هذا كما جاء في الحديث :( اتّقوا فراسة المؤمن، فإنّه ينظر بنور اللّه»، ثمّ قرأ: {إنّ في ذلك لآياتٍ للمتوسّمين}[الحجر: 75].
و أُختلف في الصفات التي يُعرفوا بهاعلى أقوال:
القول الأول: التخشع: رواه ابن أبي حاتم الرازي و ابن جريرعن مجاهد، و ذكره عنه ابن عطية.
القول الثاني: تعرفهم بسيماهم للفقر عليهم، و تعرف في وجوههم الجهد من الحاجة، حاصل ما رواه ابن أبي حاتم الرازي و ابن جرير عن السدي و الربيع ابن أنس، و ذكره ابن عطية.
القول الثال: هي رثة الثياب، رواه ابن جرير عن ابن زيد، و نقله عنه ابن عطية
القول الرابع: هي أثر السجود».، قاله قوم و حكاه مكي، ذكر ذلك عنهم ابن عطية.
و عقب ابن عطية على هذا القول بما يفيد أنه حسن، لما ذكر عنهم من تفرغ للعبادة، فكان أثر السجود عليهم.
و لعل ما يؤيد هذا القول قوله تعالى: (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ... ﴿٢٩ الفتح﴾ .
و اختار ابن جرير الجمع بين الأقوال، فكل ما ذكر هو من المثال لما قد يظهر عليهم من علامات و صفات ، تبين للرسول صلى الله عليه و أصحابه من ذوي البصيرة حالهم من الفقر.
و الصفة الرابعة التي ذكرها الله عز و جل عنهم، قوله تعالى(لا يسألون النّاس إلحافاً)، و الإلحاف لغة: من ألحف أي: اشتمل بالمسألة، وهو مستغن عنها، واللّحاف من هذا اشتقاقه لأنه يشمل الإنسان في التغطية، قاله الزجاج، و مفهوم كلام ابن عطية.
و قال قطرب محمد بن المستنير البصري (ت: 220هـ تقريباً) في معاني القرآن:الفعل: ألحف في المسألة إلحافًا، ألح فيها؛ ومنه لحف القمر: امتحق؛ والملحفة من ذلك اللفظ.
و أُختلف في المعنى المراد من ( لا يسألون الناس إلحافًا):هل هو نفي السؤال مطلقًا أم نفي الإلحاح منه؟
و قد اختار كلًا من الزجاج و ابن جرير بنفي السؤال مطلقًا، و قد وجه ابن جرير اختياره لهذا القول بما ملخصه، أن الله وصفهم بالتعفف و لا يجوز لمن تعفف أن يسأل، و إنما عرفهم الرسول صلى الله عليه و سلم و صحبه بسيماهم.
و وجه ابن عطية هذا القول: أنه على أن تكون صفة التعفف صفة ثابتة لهم، ويحسبهم الجاهل بفقرهم لسبب تعففهم أغنياء من المال، وتكون من لابتداء الغاية ويكون قوله: لا يسئلون النّاس إلحافاً لم يرد به أنهم يسألون غير إلحاف بل المراد به التنبيه على سوء حالة من يسأل إلحافا من الناس.
و قد عقب ابن عطية على قول الزجاج في نفيه السؤال مطلقُا أن الألفاظ بعد( لا) لا تعطي هذا المعنى، على ما فسر أول الآية به، و الآية نص في أنه لا يكون منهم سؤال إلحاف، و استدلال الزجاج ببيت الشعر لامرئ القيس فغير صحيح، وذلك أن قوله:على لاحب لا يهتدى بمناره .....و قف بالطّلول التي لم يعفها القدم ....... ... ... ... ...
وقول الشاعر:
ومن خفت من جوره في القضا ....... ء فما خفت جورك يا عافيه
لا ينتفي إلا المعنى الذي دخل عليه حرف النفي فقط، وكذلك ينتفي العفا وإن وجد القدم، وكذلك ينتفي الخوف وإن وجد الجور، وهذا لا يترتب في الآية.
وقوله تعالى: {لا يسئلون النّاس إلحافاً}، حرف النفي دخل على أمر عام للإلحاف وغيره، ثم خصص بقوله: إلحافاً جزءا من ذلك العام فليس بعدم الإلحاف ينتفي السؤال
و وجه هذا القول عند القسطلاني في(إرشاد الساري: 7/)46: أن المراد أنهم لا يسألون ولا يلحفون فهو كقوله: فلان لا يرجى خيره أي لا خير عنده البتة فيرجى ..

أما القول أن المراد نفي السؤال بإلحاف، ذكره ابن عطية ، و وجهه عنده: أن المعنى على أن يكون التّعفّف داخلا في المحسبة أي إنهم لا يظهر لهم سؤالا، بل هو قليل، و تكون (من التعفف) لبيان الجنس على هذا التأويل، حيث نفى نوع السؤال بالإلحاف، و بقي السؤال بغير إلحاف حسبما يقتضيه دليل الخطاب، وهذا المعنى في نفي الإلحاف فقط هو الذي تقتضيه ألفاظ السدي.
و قد بين القسطلاني في (إرشاد الساري: 7/46) وجه هذا لقول فقال: ({لا يسألون}) ولأبي ذر باب بالتنوين لا يسألون ({الناس إلحافًا}) [البقرة: 273] نصب على المصدر بفعل مقدر أي يلحفون إلحافًا والجملة المقدرة حال من فاعل يسألون أو مفعولًا من أجله أي لا يسألون لأجل الإلحاف أو مصدرًا في موضع الحال أي لا يسألون ملحفين
و قال: والعرب إذا نفت الحكم عن محكوم عليه فالأكثر في لسانهم نفي ذلك القيد.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والآية تحتمل المعنيين نفي السؤال جملة ونفي الإلحاف.
و اختار ابن كثير هذا القول ؛ فقال لا يلحون في المسألة ويكلّفون النّاس ما لا يحتاجون إليه، و استدل بقول أبو هريرة قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «ليس المسكين الّذي تردّه التّمرة والتّمرتان، ولا اللّقمة واللّقمتان، إنّما المسكين الّذي يتعفّف؛ اقرؤوا إن شئتم -يعني قوله-:{لا يسألون النّاس إلحافًا}».
و قوله: ومن استعفّ أعفّه اللّه، ومن استغنى أغناه اللّه، ومن يسأل النّاس وله عدل خمس أواقٍ فقد سأل النّاس إلحافًا»
.و ختمت الآية بتذييل بديع، (وما تنفقوا من خيرٍ فإنّ اللّه به عليمٌ}: ما تنفقوا من خير، مال ، قليل أو كثير، فإن الله يعلمه، لا يخفى عليه شيءٌ منه، وعد محض أي يعلمه ويحصيه ليجازي عليه ويثيب.
و هذا بيان صغير لما بينت الىية من صفات تعلي من مكانة الفقراء المهاجرين مع فقرهم، فهم من تركوا الدنيا و اشتروا الآخرة، ابتغاء وجه الله، فالنفقة عليهم و لمن كان هذا حالهم سواء، خير يعلمه الله و يثيب عليه، فهو الشكور الكريم.
نسأل الله أن يلحقنا بهم على خير، اللهم اغفر لنا و للمؤمنين الذين سبقونا بالإيمان.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 16 رجب 1444هـ/6-02-2023م, 10:34 AM
رولا بدوي رولا بدوي غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى الخامس
 
تاريخ التسجيل: Sep 2019
المشاركات: 341
افتراضي

قال تعالى(للْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273)
بسم الله نحمد و نستعينه نستهديه، و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له و من يضبب فلالا هادي له، و نصلي و نسلم و على المبعوث رحمة للعالمين محمد صلى الله عليه و سلم و آله و صحبه.
قال تعالى في سورة البقرة ( للْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273)
جاءت هذه الآية بعد آيات حث الله فيها على الإنفاق و رغب فيه، خالصًا لوجهه الكريم، منزهًا من المنة و من الرياء و الخبث، جاءت لتبين من أولى الناس بها، و لما استحقوها، بما يحفز النفوس لتنفق عليهم و لا يكونوا أشحة عليهم، و هو فقراء المهاجرين أهل الصفة وكانوا نحوًا من أربعمائة رجلٍ، وذلك أنهم كانوا يقدمون فقراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما لهم أهل ولا مال فبُنيت لهم صفة في مؤخرة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل لهم: أهل الصُّفَّة؛ [تفسير القرطبي، ج: 3، ص: 340].
روى الشيخان عن عبدالرحمن بن أبي بكرٍ، رضي الله عنهما: ((أن أصحاب الصُّفَّة كانوا أناسًا فقراء، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال مرةً: من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالثٍ، ومن كان عنده طعام أربعةٍ فليذهب بخامسٍ أو سادسٍ، أو كما قال: وإن أبا بكرٍ جاء بثلاثةٍ، وانطلق النبي صلى الله عليه وسلم بعشرةٍ، وأبو بكرٍ ثلاثةً))؛ [البخاري، حديث: 3581 / مسلم، حديث: 2057].
قال الله واصفًا لهم (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8)الحشر
و في هذه الآية يمدحهم بما كان منهم من عفة السؤال رغم حاجتهم و فاقتهم بعد ما تركوا الديار و الأهل و المال ابتغاء وجه الله و في سبيله لا يرجون إلا رضا الله و يبغون نصرة الدين.
و ببيان مسائل الآية التفسيرية و اللغوية ما يبين عناية الله بعباده المخلصين، يعلي ذكرهم و ينزههم عن الصغائر:
الفقراء المهاجرين هم فقراء المهاجرين من قريش و غيرهم و هو قول مجاهد و السدي و غيرهما ، نقل ذلك عنهم ابن جرير و ابن عطية و قال به ابن كثير، و روى ابن أبي حاتم الرازي عن سعيد في تفسيره أنهم قومٌ أصابتهم الجراحات في سبيل اللّه فصاروا زمنى، فجعل لهم في أموال المسلمين حقًّا، و روى ايضًا ابن أبي حاتم الرازي عن قتادة و السدي أنهم الفقراء الّذين أحصروا في سبيل اللّه ، ممن حصروا أنفسهم في سبيل الله للغزو، و حصرهم المشركين، فلا يستطيعون ضربًا في الأرض، و الذي يظهر أن الىية يدخل فيها دخولا أوليًا فقراء المهاجرين، و يدخل فيها بعد ذلك كل من من يتصف بالفقر و أحصر في سبيل الله غابر الدهر، و هو ما اختاره ابن عطية.
و تقدير القول كأنّه قال: {وما تنفقوا من خيرٍ} ما تتصدقوا به من مال فللفقراء الذين أحصروا في سبيل و ذلك بناء على قول ابن جرير أن اللام في ( للفقراء ) مردودة على موضع اللاّم في فلأنفسكم.
و الذي يترجح ما اختاره ابن عطية و ذكره أن الكلام تقديره الإنفاق أو الصدقة للفقراء ، بناء على أن اللام في قوله للفقراء متعلقة بمحذوف مقدر، تقديره الإنفاق أو الصدقة .
و قد خص الله فقراء المهاجرين بالذكر لأنه لم يكن سواهم يعانون الفقر، و الأنصار من حولهم أهل زراع و خير و هو ما ذكره ابن عطية.
و قد اختصت الآية بصفات للمهاجرين فيها تكريم لهم و ما يوجب الحنو عليهم من أغنياء المسلمين، و بدأ بوصفهم بما اتخص بهم من أنهم فقراء هاجروا في سبيل الله، ثم تلا ذلك بععد من الصفات :
( الذين أحصروا ) ، و الإحصار لغة هو الحبس و المنع، و قد يكون بمرض أو فاقة أو جهاد عدوّ و هو ما حكاه ابن سيده وغيره عن بعض اللغويين، ذكر ذلك عنه ابن عطية.
و جاء في الآية تخصيص الإحصار بأنه( في سبيل الله) و قد اختلف المفسرون في بيان المراد بالإحصار في سبيل الله على أقوال:
القول الأول: حبسوا في الجهاد: قاله قتادة و ابن زيد ، ذكر ذلك عنهم ابن جرير، و ذكره الزجاج و ابن عطية و ابن كثير.
القول الثاني، أنه الدخول في الإسلام، ذكره ابن عطية
و قد قال ابن عطية معقبًا على القولين بأن اللفظ يتناول المعنين.
فالدخول للإسلام كان سببًا لهجرتهم و جهادهم في سبيل الله، و أختلف المفسرين في تحديد ما الذي أحصرهم على أقوال هي من لازم بعضها البعض :
القول الأول: أحصرهم فرض الجهاد فمنعهم من التصرف، مفهوم كلام قتادة و ابن زيد ، ذكر ذك عنهم ابن جرير ، و ذكره الزجاج.
القول الثاني: أحصرهم عدوهم لأنه شغلهم بجهاده، قاله الزجاج( و يكون المعنى رابط في سبيل الله)
القول الثالث: أحصرتهم أنفسهم، قاله ابن جرير.
و قد تأول ابن جرير على هذا القول أن معنى الآية: أنهم هم حابسو أنفسهم بربقة الدين وقصد الجهاد وخوف العدو إذا أحاط بهم الكفر، فصار خوف العدو عذرا أحصروا به.
القول الرابع: الّذين أحصرهم المشركون فمنعوهم التّصرّف، قاله السدي، رواه عنه ابن جرير.
و قد رد ابن جرير قول السدي: ولو كان تأويل الآية على ما تأوّله السّدّيّ لكان الكلام: للفقراء الّذين حصروا في سبيل اللّه ولكنّه {أحصروا}، فدلّ ذلك على أنّ خوفهم من العدوّ الّذي صيّر هؤلاء الفقراء إلى الحال الّتي حبسوا وهم في سبيل اللّه أنفسهم، لا أنّ العدوّ هم كانوا الحابسيهم، وإنّما يقال لمن حبسه العدوّ: حصره العدوّ، وإذا كان الرّجل المحبس من خوف العدوّ قيل: أحصره خوف العدوّ). [جامع البيان: 5/25]
و الجمع بين هذه الاقوال جائز فبعضها لازم بعض و سبب له، و كلها أعذار حبست الفقراء و منعتهم عن طلب الرزق، و هذا القول مفهوم كلام ابن عطية.
و وصفهم بأنهم ( لا يستطيعون ضربًا في الأرض)، و الضرب في الأرض لغة هو السفر و يختص بالسفر لطلب المعاش، و المراد به التجارة، و هو حاصل كلام ابن جرير و ابن عطية و ابن كثير.
و مما يؤيد هذا المعنى ما استدل به ابن كثير من آيات :
قال اللّه تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصّلاة}[النّساء: 101]، وقال تعالى: {علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل اللّه وآخرون يقاتلون في سبيل اللّه} الآية [المزّمّل: 20].
و قد أختلف المفسرين في بيان وجه عدم الاستطاعة للتجارة على أقوال هي:
ما قاله الزجاج أنهم قد ألزموا أنفسهم أمر الجهاد فمنعهم ذلك من التصرف وليس لأنهم لا يقدرون أن يتصرفوا.
و ما ذكره ابن عطية من أنهم كانوا لا يستطيعون الضرب في الأرض لكون البلاد كلها كفرا مطبقا، وهذا في صدر الهجرة، فقلتهم تمنع من الاكتساب بالجهاد.
و ما ذكره ابن عطية أيضًا أن عدم الاستطاعة بسبب إنكار الكفار عليهم إسلامهم منعوا من التصرف في التجارة.
و هذه الأقوال جميعًا سبب في عدم الاستطاعة.
و قد بين الله بقوله عز و جل { يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف )؛ صدق صبرهم وحسن تعففهم، كما قال السعدي و هي الصفة الثالثة لهم في الآيات.
فالجاهل بهم مع علمه بفقرهم يحسبهم أغنياء عفة، و الجاهل هنا لم يرد به الجهل الذي هو ضد العقل، وإنما أراد الجهل الذي هو ضد الخبرة. يقول: يحسبهم من لا يخبر أمرهم، و هو ما قاله عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ) في تفسير غريب القرآن.
يحسبهم يظنهم، فالأمر يترجح عنده أنهم أغنياء، و لا يقع في قلبه مظنة أنهم فقراء.
و لم يذكر متعلق الجهل و لكن يُفهم من معنى الآية ، أنه الجهل بباطن أحوالهم، فالجاهل ليس له فطنة يتفرس بها ما هم عليه، حاصل قول ابن عطية و السعدي.
أما من الذي يدرك حالهم؟ الفطن المتفرس فمجرد ما يراهم يعرفهم بعلامتهم، قاله السعدي و هو يفهم بمفهوم المخالفة.
(يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف): و ما حالهم؟ التعفف، و في زيادة المبنى زيادة معنى، التّعفّف تفعل، وهو بناء مبالغة، و معناه لغة: من عفّ عن الشيء إذا أمسك عنه وتنزه عن طلبه. وبهذا المعنى فسر قتادة وغيره،ذكر ذلك ابن عطية، و في بناء المبالغة إشارة لكمال عفتهم فلا يسألون الناس، كما قال ابن العثيمين في تفسيره.
و حذف متعلق التعفف الذي يقدر بالتعفف عن المسألة، قاله الزجاج و هو ما يدرك من باقي الآية( لا يسألون الناس..)
( من التعفف)، أختلف في معنى من ، و هذا الاختلاف مما يزيد في معنى الآية ، قال الشيخ ابن العثيمين أنها من السببية، أي بسبب التعفف تحسبنوهم أغنياء.
و ذكر ابن عطية أنها تحتمل أن تكون لبيان الجنس، و هنا يكون المعنى أن الحسبة أنهم أغنياء عفة.
و القول الذي ذكره ابن عطية و اختاره هو من لابتداء الغاية أي من تعففهم ابتدأت محسبته،
و أيد ابن عطية هذا القول و رد القول أنها لبيان الجنس وإن احتمله المعنى، و بين سبب ذلك: لأن الجاهل بهم لا يحسبهم أغنياء غناء تعفف، وانما يحسبهم أغنياء غناء مال، ومحسبته من التعفف ناشئة، وهذا على أنهم متعففون عفة تامة عن المسألة، وهو الذي عليه جمهور المفسرين، لأنهم قالوا في تفسير قوله تعالى(لا يسئلون النّاس إلحافاً) المعنى لا يسألون البتة.
( تعرفهم بسيماهم)، معنى (سيماهم) اللغوي: مفرد السيما مقصورة العلامة و الصفات،و هو حاصل قول ابن عطية و ابن كثير.
و المعنى هنا يشابه ما جاء في الآيات: (سيماهم في وجوههم [الفتح: 29]، وقال: {ولتعرفنّهم في لحن القول}[محمّدٍ: 30
و المعني الإجمالي ؛ يظهر فقرهم بسبب ما يتصفون به،لمن، هذا يعود لمرجع الضمير في ( تعرفهم)، قال ابن جرير لك يا محمد ( صلى الله عليه و سلم) و و قال ابن كثير لذوي الألباب، و يجمع القولين فالخطاب للرسول صلى الله عليه و سلم، و للصحابة من حوله و للمسلمين من ذوي الألباب و البصرة ممن يدركون بواطن الأمور مما يظهر لهم من علامات، و هذا كما جاء في الحديث :( اتّقوا فراسة المؤمن، فإنّه ينظر بنور اللّه»، ثمّ قرأ: {إنّ في ذلك لآياتٍ للمتوسّمين}[الحجر: 75].
و أُختلف في الصفات التي يُعرفوا بهاعلى أقوال:
القول الأول: التخشع: رواه ابن أبي حاتم الرازي و ابن جريرعن مجاهد، و ذكره عنه ابن عطية.
القول الثاني: تعرفهم بسيماهم للفقر عليهم، و تعرف في وجوههم الجهد من الحاجة، حاصل ما رواه ابن أبي حاتم الرازي و ابن جرير عن السدي و الربيع ابن أنس، و ذكره ابن عطية.
القول الثال: هي رثة الثياب، رواه ابن جرير عن ابن زيد، و نقله عنه ابن عطية
القول الرابع: هي أثر السجود».، قاله قوم و حكاه مكي، ذكر ذلك عنهم ابن عطية.
و عقب ابن عطية على هذا القول بما يفيد أنه حسن، لما ذكر عنهم من تفرغ للعبادة، فكان أثر السجود عليهم.
و لعل ما يؤيد هذا القول قوله تعالى: (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ... ﴿٢٩ الفتح﴾ .
و اختار ابن جرير الجمع بين الأقوال، فكل ما ذكر هو من المثال لما قد يظهر عليهم من علامات و صفات ، تبين للرسول صلى الله عليه و أصحابه من ذوي البصيرة حالهم من الفقر.
و الصفة الرابعة التي ذكرها الله عز و جل عنهم، قوله تعالى(لا يسألون النّاس إلحافاً)، و الإلحاف لغة: من ألحف أي: اشتمل بالمسألة، وهو مستغن عنها، واللّحاف من هذا اشتقاقه لأنه يشمل الإنسان في التغطية، قاله الزجاج، و مفهوم كلام ابن عطية.
و قال قطرب محمد بن المستنير البصري (ت: 220هـ تقريباً) في معاني القرآن:الفعل: ألحف في المسألة إلحافًا، ألح فيها؛ ومنه لحف القمر: امتحق؛ والملحفة من ذلك اللفظ.
و أُختلف في المعنى المراد من ( لا يسألون الناس إلحافًا):هل هو نفي السؤال مطلقًا أم نفي الإلحاح منه؟
و قد اختار كلًا من الزجاج و ابن جرير بنفي السؤال مطلقًا، و قد وجه ابن جرير اختياره لهذا القول بما ملخصه، أن الله وصفهم بالتعفف و لا يجوز لمن تعفف أن يسأل، و إنما عرفهم الرسول صلى الله عليه و سلم و صحبه بسيماهم.
و وجه ابن عطية هذا القول: أنه على أن تكون صفة التعفف صفة ثابتة لهم، ويحسبهم الجاهل بفقرهم لسبب تعففهم أغنياء من المال، وتكون من لابتداء الغاية ويكون قوله: لا يسئلون النّاس إلحافاً لم يرد به أنهم يسألون غير إلحاف بل المراد به التنبيه على سوء حالة من يسأل إلحافا من الناس.
و قد عقب ابن عطية على قول الزجاج في نفيه السؤال مطلقُا أن الألفاظ بعد( لا) لا تعطي هذا المعنى، على ما فسر أول الآية به، و الآية نص في أنه لا يكون منهم سؤال إلحاف، و استدلال الزجاج ببيت الشعر لامرئ القيس فغير صحيح، وذلك أن قوله:على لاحب لا يهتدى بمناره .....و قف بالطّلول التي لم يعفها القدم ....... ... ... ... ...
وقول الشاعر:
ومن خفت من جوره في القضا ....... ء فما خفت جورك يا عافيه
لا ينتفي إلا المعنى الذي دخل عليه حرف النفي فقط، وكذلك ينتفي العفا وإن وجد القدم، وكذلك ينتفي الخوف وإن وجد الجور، وهذا لا يترتب في الآية.
وقوله تعالى: {لا يسئلون النّاس إلحافاً}، حرف النفي دخل على أمر عام للإلحاف وغيره، ثم خصص بقوله: إلحافاً جزءا من ذلك العام فليس بعدم الإلحاف ينتفي السؤال
و وجه هذا القول عند القسطلاني في(إرشاد الساري: 7/)46: أن المراد أنهم لا يسألون ولا يلحفون فهو كقوله: فلان لا يرجى خيره أي لا خير عنده البتة فيرجى ..

أما القول أن المراد نفي السؤال بإلحاف، ذكره ابن عطية ، و وجهه عنده: أن المعنى على أن يكون التّعفّف داخلا في المحسبة أي إنهم لا يظهر لهم سؤالا، بل هو قليل، و تكون (من التعفف) لبيان الجنس على هذا التأويل، حيث نفى نوع السؤال بالإلحاف، و بقي السؤال بغير إلحاف حسبما يقتضيه دليل الخطاب، وهذا المعنى في نفي الإلحاف فقط هو الذي تقتضيه ألفاظ السدي.
و قد بين القسطلاني في (إرشاد الساري: 7/46) وجه هذا لقول فقال: ({لا يسألون}) ولأبي ذر باب بالتنوين لا يسألون ({الناس إلحافًا}) [البقرة: 273] نصب على المصدر بفعل مقدر أي يلحفون إلحافًا والجملة المقدرة حال من فاعل يسألون أو مفعولًا من أجله أي لا يسألون لأجل الإلحاف أو مصدرًا في موضع الحال أي لا يسألون ملحفين
و قال: والعرب إذا نفت الحكم عن محكوم عليه فالأكثر في لسانهم نفي ذلك القيد.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والآية تحتمل المعنيين نفي السؤال جملة ونفي الإلحاف.
و اختار ابن كثير هذا القول ؛ فقال لا يلحون في المسألة ويكلّفون النّاس ما لا يحتاجون إليه، و استدل بقول أبو هريرة قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «ليس المسكين الّذي تردّه التّمرة والتّمرتان، ولا اللّقمة واللّقمتان، إنّما المسكين الّذي يتعفّف؛ اقرؤوا إن شئتم -يعني قوله-:{لا يسألون النّاس إلحافًا}».
و قوله: ومن استعفّ أعفّه اللّه، ومن استغنى أغناه اللّه، ومن يسأل النّاس وله عدل خمس أواقٍ فقد سأل النّاس إلحافًا»
.و ختمت الآية بتذييل بديع، (وما تنفقوا من خيرٍ فإنّ اللّه به عليمٌ}: ما تنفقوا من خير، مال ، قليل أو كثير، فإن الله يعلمه، لا يخفى عليه شيءٌ منه، وعد محض أي يعلمه ويحصيه ليجازي عليه ويثيب.
و هذا بيان صغير لما بينت الىية من صفات تعلي من مكانة الفقراء المهاجرين مع فقرهم، فهم من تركوا الدنيا و اشتروا الآخرة، ابتغاء وجه الله، فالنفقة عليهم و لمن كان هذا حالهم سواء، خير يعلمه الله و يثيب عليه، فهو الشكور الكريم.
نسأل الله أن يلحقنا بهم على خير، اللهم اغفر لنا و للمؤمنين الذين سبقونا بالإيمان.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 16 رجب 1444هـ/6-02-2023م, 10:36 AM
رولا بدوي رولا بدوي غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى الخامس
 
تاريخ التسجيل: Sep 2019
المشاركات: 341
افتراضي

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
اعتذر عن الارسال مرتين بالخطا، الاجابتين واحدة

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 30 رجب 1444هـ/20-02-2023م, 09:26 AM
أمل عبد الرحمن أمل عبد الرحمن متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 8,163
افتراضي

تابع التقويم


رولا بدوي أ+

أحسنت أحسن الله إليك.

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
مذاكرة, مجلس

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:33 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir