دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > برنامج إعداد المفسر > خطة التأهيل العالي للمفسر > منتدى الامتياز

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 15 ذو القعدة 1437هـ/18-08-2016م, 06:20 PM
هيئة الإدارة هيئة الإدارة غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 29,544
افتراضي وضع تطبيق المرحلة الثانية في مجلس إعداد دروس التفسير

وضع تطبيق المرحلة الثانية في مجلس إعداد دروس التفسير


يوضع هنا تطبيق المرحلة الثانية من مراحل إعداد دروس التفسير
كما توضع منه نسخة في صفحة اختبارات الطالب ليصحّح له.
درجة التطبيق: خمسون درجة

معايير تقويم تطبيق المرحلة الثانية:
1: حسن الابتداء: [ 5 درجات ]
2: تحقيق المقاصد [ 10 درجات ]
3: التحرير العلمي [ 15 درجة]
5: ترتيب المسائل [ 5 درجات ]
6: حسن الختام [ 5 درجات ]
7: مناسبة الصياغة للمتلقين [ 5 درجات ]
8: حسن العرض [ 5 درجات ]
كما هو مبين في الخطة ( هنا )


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 15 ذو القعدة 1437هـ/18-08-2016م, 07:26 PM
هلال الجعدار هلال الجعدار غير متواجد حالياً
طالب علم
 
تاريخ التسجيل: Aug 2014
الدولة: مصر
المشاركات: 608
افتراضي تطبيق المرحلة الثانية من مراحل إعداد دروس التفسير

إعداد درس في تفسير القرآن.
(سورة العصر)
المرحلة الثانية: إعداد الدرس للإلقاء.

أولا:عنوان الدرس: من الخاسر؟

ثانياً:فئة المتلقّين: عامة المسلمين.

ثالثاً:مقاصد الدرس
1- بيان أصول مسائل الاعتقاد .
2- بيان فضل العلم وأهله .
3- الحث على شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
4- تفسير سورة العصر ، وتوضيح معانيها.

رابعاً:العناصر الرئيسة للدرس
بيان فضل سورة العصر.تفسير السورة.
بيان شرف الزمان الذي هو رأس مال الإنسان في هذه الحياة
القسم في القرآن أهميته وفائدته.
معرفة حال الناس مع الربح والخسران.
الخسران أسبابه ومراتبه. الفرق بين خسارة الدنيا وخسارة الآخرة.
المستثنون من الخسران.بيان معنى الإيمان ، وحقيقته، وأركانه.
العمل الصالح شروطه ، وتعريفه.
بيان معنى الحق والتواصي به.
بيان معنى الصبر والتواصي به.
الاستطرادات.
- المراد بالعشي؟
- حكم الحلف بغير الله .
- أقسام الناس تجاه دعوة الرسل.
- أنواع أعداء الدعاة ، وكيفية التغلب عليهم.
- مراتب كمال الإنسان.

خامساً:بداية الدرس
المقدمة ،وتهيئة النفوس للدرس.

سادساً:خاتمة الدرس
التنبيه على الفوائد ، من خلال التذكير بها، ثم طرح أسئلة مع تقديم مكافئة ( إن أمكن ذلك ) لمن يجيب إجابة صحيحة.

سابعاً: طريقة إلقاء الدرس
محاضرة ، أو كلمة في مسجد أو مجلس.

ثامناً:الوسائل المساعدة.
مكبرات الصوت ،لإيصال الكلمة لمن في البيوت.
طباعة ورقة أو اثنتين بها أهم الفوائد من الدرس، ثم تُوزع على الحضور.


بداية الدرس
الحمد لله الذي لا إله إلا هو ، خلق الخلق وقسم الرزق ، خلق الجنة وخلق لها أهلها ، ويسرهم للعمل لها، وخلق النار وخلق أهلها فعملوا لها ، وكانوا من الخاسرين في الدنيا والآخرة ؛ ((ولكن كلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ له )).

يا ربّ إن عظمتْ ذنوبي كثرةً *** فلقد علمتُ بأن عفوك أعظم
إن كان لا يرجوك إلا محسن ***فبمن يلوذ ويستجير المجرم
أدعوك ربّ كما أمرت تضرّعاً ***فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم
مالي إليك وسيلةٌ إلا الرجـا ***وجميل عفوك ثم إني مسلم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وخاتم النبيين ، حبيب رب العالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

أما بعد......
فدرسنا اليوم بعنوان (من الخاسر؟)
يا غاديا في غفلة ورائحا ... إلى متى تستحسن القبائحا
وكم إلى كم لا تخاف موقفا ... يستنطق الله به الجوارحا
واعجبا منك وأنت مبصر ... كيف تجنبت الطريق الواضحا
وكيف ترضى أن تكون خاسرا ... يوم يفوز من يكون رابحا
سأل النبي صلى الله عليه وسلم يوماً أصحابه لُيعلمهم ويُعرفهم ويُصحح مفاهيمهم ، فقال صلى الله عليه وسلم :(أتدرون من المفلس ؟ )قالوا المفلس فينا يا رسول الله من لا درهم له ولا متاع له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاتِه وصيامِه وزكاتِه وقد شتَم هذا وأكَل مالَ هذا وسفَك دمَ هذا وضرَب هذا فيقعُدُ فيُعطى هذا مِن حسناتِه وهذا مِن حسناتِه فإنْ فنِيَتْ حسناتُه قبْلَ أنْ يُعطيَ ما عليه أُخِذ من خطاياهم فطُرِحت عليه ثمَّ طُرِح في النَّار )روى ابن حبان وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، اعلم أُخيَ يرحمني الله وإياك أن المرء في هذه الدنيا كالتاجر عنده راس مال أعطاه الله إياه وفتح له سوق الأعمال ، ويسر له الأمور وهيأ له الأسباب { أَلَمْتَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ۗ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ}سورة لقمان – الآية 20، فرأس المال هو العمر ، وهو محدد معدود لا يزيد ولا ينقص قال تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ }سورة الأعراف – الآية 34 ، وسوق الأعمال هو هذه الحياة الدنيا فهي دار عمل بلا حساب ، ولكن ليعم الجميع أنه ومهما طال به العمر وامتدت به الأيام سيأتي اليوم الذي يقف فيه أما المعطي الوهاب الواحد القهار سبحانه ليُسأل عن رأس ماله فيما أفناه فقد جاء في الحديث الذي رواه معاذ بن جبل : ((ما تزال قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع ، عن عمره فيم أفناه ؟ و عن شبابه فيم أبلاه ؟ و عن ماله من أين اكتسبه ؟ و فيم أنفقه ؟ و عن علمه فيما علم ؟)).

يا خادم الجسم كم تشقى لخدمته *** أتطلب الربح مما فيه خسران
أقبل على النفس واستكمل فضائلها *** فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان
فالعاقل هو الذي يسأل عن كيفية استغلا رأس ماله استغلالاً صحيحاً وكيف يربح ولا يخسر ، فمن أراد ذلك فعليه بالقرآن الذي فيه بيان الربح والخسران ، ومعرفة طريق الفائزين والإرشاد إليها وطريق الخاسرين والتحذير منها ، وحديثنا اليوم يدور حول تفسير سورة من سور القرآن الكريم ،سورة بينت ذلك بياناً واضحاً جلياً ، هي سورة مكية ، من قصار المفصل ، سورة قال عنها الشافعي الإمام المعروف ( محمد بن إدريس صاحب المذهب المعروف ) : لو تدبر الناس هذه السورة ، لوسعتهم.
سورة كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوصي بعضهم بعضاً بها ، فقد روى ابن جرير الطبري من طريق حماد بن سلمة ، عن ثابت عن عبد الله بن حصن[أبي مدينة]، قال : [ كان الرجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقيا ، لم يتفرقا إلا على أن يقرأ أحدهما على الآخر " سورة العصر " إلى آخرها ، ثم يسلم أحدهما على الآخر] .
سورة رغم قصرها لكنها معجزة تحدى بها الله الكافرين، فقد ذكروا أنّ عمرو بن العاص وفد على مسيلمة الكذّاب، وذلك بعدما بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقبل أن يسلم عمرٌو؛ فقال له مسيلمة: ماذا أنزل على صاحبكم في هذه المدّة؟ قال: لقد أنزل عليه سورةٌ وجيزةٌ بليغةٌ. قال: وماهي؟ فقال: {والعصر إنّ الإنسان لفي خسرٍ إلاّ الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات وتواصوا بالحقّ وتواصوا بالصّبر}.
ففكّر مسيلمة هنيهةً ثمّ قال: وقد أنزل عليّ مثلها. فقال له عمرٌو: وما هو؟ فقال: ياوبر، ياوبر، إنّما أنت أذنان وصدرٌ، وسائرك حقرٌ نقرٌ. ثمّ قال.: كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرٌو: واللّه إنّك لتعلم أنّي أعلم أنّك تكذب.
إنها سورة العصر ، وإن شئت فقل هى السورة الجامعة لأصول رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ، كما قال عنها الشيخ الشنقيطي رحمه الله .
فهيا بنا لنقف معها وقفة تدبر وفكر وتأمل ، نعيش ملياً في رحابها نقطف من ثمارها ونجني من حصادها فهى من كلام ربنا بدأها بالقسم ثم أكد قسمه وهو جل وعلا لا يحتاج أن يُقسم أو يؤكد سبحانه وتعالى ،ولكن لينتبه الغافل ويعي العاقل ويتقين الجميع أن الأمر حق ، ألا وهو أن جميع الخلق من الجن والإنس في خسار وهلاك ، إلا من استثناهم رب البرية الرحيم الكريم سبحانه جل في عُلاه .
قال سبحانه: {وَالْعَصْرِ}.
فالواو هنا واو القسم ، وحروف القسم ثلاثة هى ( الواو ، والباء ، والتاء ) كوالله ، وتالله ، وبالله ، فليعم الناس ذلك حتى لا يقعوا في قسم محرم ، فيقسم سبحانه وتعالى بشيء من خلقه ألا وهو العصر وذلك لحكمة بليغة ، ألا وهي: تأكيد الخبر كما هو شأن أقسام القرآن، ومقصد القسم بيان حال الناس في عصر الإِسلام بين مَن كفر به ومن آمن واستوفى حظه من الأعمال التي جاء بها الإِسلام ، ويعرف منه حالُ من أسلموا وكان في أعمالهم تقصير متفاوت، والعصر هُنا هو الليل والنهار ، محل أفعال العباد وأعمالهم، وهو من مظاهر بديع التكوين الرباني الدال على عظيم قدرته وسعة علمه، فالألف واللام معناها تعريف العهد الذهني أي كل عَصْر، وللعصر معانٍ يتعين أن يَكون المراد منها لا يعدو أن يكون حالة دالة على صفة من صفات الأفعال الربانية ، يتعين إما بإضافته إلى ما يُقدر ، أو بالقرينةفهو اسم للزمن كله أو جزء منه، والمراد بالعصر هنا ورد فيه أقوال كثيرة :
فروي عن ابن عباس أنه قال أنه الدهر.
وروي عن قتادة وزيد بن أسلم أنهما قالا أنه العشي ، والعشي هو وقتٍ ما بين آخر وقت الظهر وبين اصفرار الشمس فمبدؤه إذا صار ظل الجسم مثلَه بعد القَدْر الذي كان عليه عند زوال الشمس ويمتد إلى أن يصير ظلُّ الجسم مثلَيْ قدرِه بعد الظل الذي كان له عند زوال الشمس . وذلك وقت اصفرار الشمس.
وقيل :هو صلاة العصر لكونها الوسطى. ذكره الشنقيطي
وقيل : المراد به عصرَ النبي صلى الله عليه وسلم. ذكره ابن عاشور والشنقيطي
وقيل: أنه عصر الإِسلام كلِه. ذكره ابن عاشور
وقيل : أنه الليل والنهار. ذكره ابن عطية والشنقيطي
والراجح : قال الشيخ الشنقيطي: وعليه ، فإما أن يكون المراد بالعصر في هذه السورة العموم لشموله الجميع وللقراءة الشاذة ، وهذا أقواها، واستدل لهذا القول بما جاء موقوفا على علي رضي الله عنه ، ومرفوعا من قراءة شاذة : " والعصر ونوائب الدهر " . وحمل على التفسير إن لم يصح قرآنا ، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس .
وإما حياة الإنسان ، لأنه ألزم له في عمله ، وتكون كل الإطلاقات الأخرى من إطلاق الكل ، وإرادة البعض ، والله تعالى أعلم .
ومناسبة القسم بالعصر هُنا ذكرها ابن عاشور في التحرير والتنوير فقال: [فذلك وقت يؤذن بقرب انتهاء النهار ، ويذكر بخلقة الشمس والأرض ، ونظام حركة الأرض حول الشمس ، وهي الحركة التي يتكون منها الليل والنهار كل يوم وهو من هذا الوجه كالقسم بالضحى وبالليل والنهار وبالفجر من الأحوال الجوية المتغيرة بتغير توجه شعاع الشمس نحو الكرة الأرضية، وفي ذلك الوقت يتهيأ الناس للانقطاع عن أعمالهم في النهار كالقيام على حقولهم وجنَّاتهم ، وتجاراتهم في أسواقهم ، فيذكر بحكمة نظام المجتمع الإِنساني وما ألهم الله في غريزته من دأب على العمل ونظام لابتدائه وانقطاعه . وفيه يتحفز الناس للإِقبال على بيوتهم لمبيتهم والتأنس بأهليهم وأولادهم . وهو من النعمة أو من النعيم ، وفيه إيماء إلى التذكير بمَثَل الحياة حين تدنو آجال الناس بعد مضي أطوار الشباب والاكتهال والهَرم].
ثم قال تعالى: { إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ}: أي أن جميع الناس في خسارة ، والخسران محيط بهم.
إِنَّ : أداة توكيد ،أي مؤكدة للكلام ، فما الذي نستفيده من القسم ثم التأكيد مع عموم الخبر ؟ قال ابن عاشور: [ومجيء هذا الخبر على العموم مع تأكيده بالقَسم وحرفِ التوكيد في جوابه ، يفيد التهويل والإِنذار بالحالة المحيطة بمعظم الناس]. يقصد رحمه الله ما فيه الناس من الخسران المبين.
و الْإِنْسَانَ : يُراد به جميع الناس ، أي جنس الانسان فهو يستغرق جميع أفراده ، ويخص الناس الذين بلغتهم الدعوة في بلاد العالم على تفاوتها ، بل ذكر الشيخ الشنقيطي رحمه الله أن الجن داخلين في الخطاب، فالخطاب هنا ، والخبر يشمل الثقلين الجن والإنس.
لَفِي خُسْرٍ: فمراد الخبر هنا الحصول في المستقبل بقرينة مقام الإِنذار والوعيد ، أي لفي خسر في الحياة الأبدية الآخرة فلا التفات إلى أحوال الناس في الحياة الدنيا ، قال تعالى:{لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد}
فِي: هنا ظرفية مجازية، فائدتها أنها شبهت ملازمة الخسر بإحاطة الظرف بالمظروف فكانت أبلغ من أن يقال : إن الإنسان لخاسر، كما ذكره ابن عاشور
و خُسْرٍ: الخسارة ضد الربح والخسر النقصان وسوء الحال والهلاك ، وجاءت نكرة للتنويع ، أي تنويع الخسران ، أو للتعظيم والتعميم في مقام التهويل وفي سياق القسَم، والمعنى : إن الناس لفي خسران عظيم وهم المشركون،وسبب الاستعارة بالخسر هنا لسوء العاقبة لمن يظن لنفسه عاقبةً حسنة ، وتلك هي العاقبة الدائمة وهي عاقبة الإِنسان في آخرته من نعيم أو عذاب كما ذكره ابن عاشور
ومراتب الخسر متفاوتة بحسب كثرة الأعمال السيئة ظاهرها وباطنها:
الأول: أن يكون خسارًا مطلقًا، ويدخل فيه الخسران في الدين من حيث الإيمان بسبب الكفر ، كحال من خسر الدنيا والآخرة، وفاته النعيم، واستحق الجحيم.
الثاني: أن يكون خاسرًا من بعض الوجوه دون بعض . ويدخل فيهوعدم العمل الصالح وهو العمل الفاسد ، وعدم التواصي بالحق وهو انعدام التواصي كلية أو التواصي بالباطل ، وعدم التواصي بالصبر ، وهو إما انعدام التواصي كلية أو الهلع والجزع.
ومن أكبر أسباب الخسران في الدين من حيث الإيمان : بسبب الكفر ، وفي الإسلام :ترك العمل ، وإن كان يشمله الإيمان في الاصطلاح والتلهي في الباطل وترك الحق ، أو فعل الذنوب والمعاصي ، على تفاوت بينها، فالكبائر خسائرها كبيرة وليست كالصغائر ،ومن ثم ترك الأمر والنهي بما فيه مصلحة العبد وفلاحه وصلاح دينه ودنياه.

وهنا يتبادر إلى الأذهان أن المؤمن يخسر أحياناً ، بل أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى المرء على قدر دينه ، كما جاء في الحديث ، فما الفرق بين هذه الخسارة وذاك ؟ الفرق بينهما كبير جداً فالمؤمن وإن خسر شيء مادي في الدنيا فخسارته لا تساوي شيء في جانب فلاحه وما فاز به في الآخرة ، و الكافر كان على العكس تماما ، فإذا دخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار ، فيأخذ كل منزلته فيها ، وتبقى منازل أهل النار في الجنة خالية فيتوارثها أهل الجنة ، وتبقى منازل أهل الجنة في النار خالية ، فتوزع على أهل النار ، وهنا يظهر الخسران المبين ; لأن من ترك منزلة في الجنة وذهب إلى منزلة في النار ، فهو بلا شك خاسر ، وإذا ترك منزلته في الجنة لغيره وأخذ هو بدلا عنها منزلة غيره في النار ، كان هو الخسران المبين ، عياذا بالله.
ومن هنا نعرف رأس مال الإنسان الذي يُتاجر به ،وفيه ربحه وخسارته، فرأس مال الإنسان عمره ، وقد دل على ذلك آيات وأحاديث منها:
قوله تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة }وفي الحديث:" كل الناس يغدو ، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها ".

قوله تعالى: { إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ }.
هُنا استثنى سبحانه وتعالى من الخسران فريق من الناس ، ألا وهم الذين علِموا فآمنوا وعمِلوا بما علِموا فكانوا من أهل الصالحات ، ثم بعد ما كملوا أنفسهم بالعلم والعمل ، عمِلوا على تكميل غيرهم وذلك بالدعوة والتواصي بالحق ، وكان ذلك بحق ، ثم استعانوا بأكبر معين من الله في الدعوة ، ألا وهو الصبر على ما يجدونه من الناس وأعداء الحق، ومن هنا يُعلم أن لا نجاة من الخسران إلا بالإيمان والعمل الصالح ، بل لابد من دعوة الغير لا ترك الناس والقعود عن العمل لدين الله.
إِلَّا: أداة استثناء ، وفائدتها أن يتقرر الحكم تاماً في نفس السامع، أي يُتيقن في النفوس أن الكل في خسار إلا من استثناهم الله، وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهُنا دلالة على أن سبب خسران الناس هو عدم الإيمان والعمل الصالح.

الَّذِينَ آَمَنُوا: وهُنا لابد من وقفات مع هذه الجملة :
الأولى: معنى الإيمان: فالإيمان لغة التصديق ، وشرعا الاعتقاد الجازم بأركان الإيمان الستة .
الثانية : أركان الإيمان: أركانه ستة وهى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
الثالثة: حقيقة الإيمان : وحقيقته قول باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان.
الرابعة: أصل الإيمان : أصل الإيمان العلم ،ولا يكون الإيمان بدون العلم، فهو فرع عنه لا يتم إلا به.

الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ: أي الذين آمنوا بقلوبهم وعملوا الصالحات بجوارحهم.

وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ: وهُنا أيضاً وقفات ، فكثير من الناس يعلم ولكن لا يعمل ، وهذا دليل خلل وعدم توفيق من الله فروي عن أحد السلف أنه قال : إنما العلم العمل، أي لا علم نافع إلا الذي يصحبه عمل ، ومن شروط أن يكون العالم رباني أن يعمل بما يعلم ، فلابد من العمل بالعلم فالذي لا يعمل بعلمه على خطرٍ عظيم، ومن هنا يتضح لكم أن كمال الإنسان في العلم والعمل ، وأيضاً أن ديننا الحنيف لابد فيه من علم وعمل ، لا انفكاك لأحدهما عن الآخر ، وكما هو معلوم أن الله ذم الذين علموا ولم يعملوا بعلمهم ، وأيضاً ذم الذين عملوا بلا علم ، وسمى الفريق الأول مغضوب عليهم ، وسمى الفريق الآخر ضالين ، فالذي لا يعمل بعلمه مغضوب عليه وهذه صفة اليهود ، والذي يعمل بلا علم كأهل التصوف والبدع وغيرهم ضالين وهذه صفة النصارى.
فالعمل الصالح هو الذي يكونشاملاً لأفعال الخير كلها، الظاهرة والباطنة، المتعلقة بحق الله وحق عباده ، الواجبة والمستحبة، وشروطه ثلاثة:
الأول: أن يكون موافقا لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، لا ابتداعاً من عند الخلق.
الثاني: أن يكون خالصا لوجه الله ، فلا يكون فيه رياء ولا سمعة .
الثالث: أن يكون صادرا من مؤمن بالله ، فإن الله لا يصلح عمل المفسدين ولا يقبل عمل الكافرين.
الصَّالِحَاتِ : التعريف هنا تعريف الجنس مراد به الاستغراق ، أي عملوا جميع الأعمال الصالحة التي أمروا بعملها بأمر الدين ، وعَمل الصالحات يشمل ترك السيئات، وذلك على قدر استطاعتهم ، وبعد بذل الوسع في ذلك فلا يُفهم من ذلك أنه لابد من فعل كل عمل صالح ، لا بل المقصود أن لا يترك المرء عملاً صالحاً ولا باباً من أبواب الخير سمع به ويستطيع فعله إلا فعل منه ما تطيقه نفسه، ذكر ابن حبان في صحيحه من حديث ابي هريرة ان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ما نهَيْتُكم عنه فانتَهوا وما أمَرْتُكم به فَأْتُوا منه ما استطَعْتُم)).

وهنا يسأل سائل ويقول : إن العطف يقتضي المغايرة ، ومن هذا يُعلم أن العمل لا يدخل في الإيمان فنقول صحيح العطف يقتضي المغايرة، ولكن ليس معناه أن العمل لا يدخل في الإيمان ، كما اعتقدت بعض الفرق ذلك ، بل العمل شرط أقرب من أن يكون جزءا ، أي أن الإيمان يصدق بالاعتقاد ، ولا يتوقف وجوده على العمل ، ولكن العمل شرط في الانتفاع بالإيمان ، إذا تمكن العبد من العمل ، ومما يدل لكون الإيمان يصدق عليه حد الاعتقاد والنطق ، ولو لم يتمكن العبد من العمل ، قصة الصحابي الذي أسلم عند بدء المعركة ، وقاتل ، واستشهد ولم يصل لله ركعة ، فدخل الجنة، والجمهور على أن مجرد الاعتقاد لا ينفع صاحبه ، كما كان يعتقد عم النبي صلى الله عليه وسلم صحة رسالته ، ولكنه لم يقل كلمة يحاج له صلى الله عليه وسلم بها ، وكذلك لو اعتقد ونطق بالشهادتين ، ولم يعمل كان مناقضا لقوله. وهذا نص كلام شيخ مشايخنا الشنقيطي رحمه الله

ثم قال تعالى: وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ: فما العلاقة بين التواصي وعمل الصالحات؟
العلاقة بينهما علاقة عطْف الخاص على العام ، أي أن التواصي بالحق والصبر من الأعمال الصالحة ، وذلك للاهتمام به لأنه قد يُغفل عنه ، يُظن أن العمل الصالح هو ما أثرُه عمل المرء في خاصته ، فوقع التنبيه على أن من العمل المأمور به إرشادَ المسلم غيره ودعوتَه إلى الحق ، فالتواصي بالحق يشمل تعليم حقائق الهدى وعقائد الصواب وإراضة النفس على فهمها بفعل المعروف وترك المنكر.

وَتَوَاصَوْا : ما المراد بالتواصي؟ المراد به أن يوصي بعضهم بعضا بالحق.

والْحَقِّ: هو كل ما كان ضد الباطل ، فيشمل عمل الطاعات ، وترك المعاصي،وهو مساويا لقوله : وتواصوا بالصراط المستقيم . واستقيموا عليه، وورد في المراد به أقوال:
الأول: قيل هو القرآن ; لشموله كل أمر وكل نهي ، وكل خير ، ويشهد لذلك قوله تعالى في حق القرآن: {وبالحق أنزلناه وبالحق نزل} .
الثاني: قيل أنه يشمل الشريعة كلها ، أصولها وفروعها ، ماضيها وحاضرها ، من ذلك ما وصى الله به الأنبياء وعموما ، من نوح وإبراهيم ومن بعدهم في قوله تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} .
والتواصي بالحق المراد به التواصي بإقامة الحق ، والاستقامة على الطريق المستقيم ، وذلك هو الإيمان والعمل الصالح ، ويتضمن أداء الطاعات وترك المحرمات ، وتعليم حقائق الهدى وعقائد الصواب وإراضة النفس على فهمها بفعل المعروف وترك المنكر . ، فيوصي بعضهم بعضًا بذلك، ويحثه عليه، ويرغبه فيه.

وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ : الصبر هو منع المرء نفسه من تحصيل ما يشتهيه أو من محاولة تحصيله، ومنه الصبر على ما يلاقيه المسلم إذا أمَرَ بالمعروف من امتعاض بعض المأمورين به أو مِن أذاهم بالقول أو الفعل، والتواصي به هو التواصي بتحمَّل مشقة إقامة الحق وما يعترض المسلم من أذى في نفسه في إقامة بعض الحق.
وللتواصي بالحق والتواصي بالصبر فوائد منها: أنهما سبب في تكميل الغير ، وسبب في النجاة من الخسران ، وبهما تكتمل مقومات المجتمع المتكامل قوامه الفضائل المثلى ، والقيم الفضلى، لأن بالتواصي بالحق إقامة الحق ، والاستقامة على الطريق المستقيم،وبالتواصي بالصبر ، يستطيعون مواصلة سيرهم على هذا الصراط ، ويتخطون كل عقبات تواجههم .
وأنواع الصبر ثلاثة:
الأول: الصبر على طاعة الله.
الثاني: الصبر عن معصية الله.
الثالث: الصبر على أقدار الله المؤلمة.
وهُنا لفتة لطيفة: وهى الفرق بين صبر الطائع وصبر العاصي.
فالفرق بينهما كبير جداً ، لأن صبر العاصي في فعل المنكرات كالصبر على تجشّم السهر في اللهو والمعاصي ، والصبر على بشاعة طعم الخمر لشاربها ،ليس من الصبر لأنه منبعث عن رجحان اشتهاء تلك المشقة على كراهية المشقة التي تعترضه في تركها، وأما صبر الطائع في الطاعات وترك المنكرات ملاك فضائل الأخلاق كلها فإن الارتياض بالأخلاق الحميدة لا يخلو من حمل المرء نفسه على مخالفة شهوات كثيرة ، ففي مخالفتها تعب يقتضي الصبرَ عليه حتى تصير مكارم الأخلاق ملكه لمن راض نفسه عليها ، وعن علي بن أبي طالب قال: ((الصبر مطية لا تكبو))، فضلاً عن نتيجة هذا وذاك فالعاصي نتيجة صبره تعب وعذاب ، أما الطائع فنتيجة صبره راحة ونعيم مقيم.
ومن أكبر الأعمال الصالحة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الاذى فيه ، وكذلك التوبة من الذنوب لمقترفيها ، فمن تحقق فيه وصف الإِيمان ولم يعمل السيئات أو عملها وتاب منها فقد تحقق له ضد الخسران وهو الربح المجازي ، أي حسن عاقبة أمره ، وأما من لم يعمل الصالحات ولم يتب من سيئاته فقد تحقق فيه حكم المستثنى منه وهو الخسران.
ولصيغة التواصي بالحق والتواصي بالصبر فائدة وهى: أن يكون شأن حياة المؤمنين قائماً على شيوع التآمر بهما ديدناً لهم ، وذلك يقتضي اتصاف المؤمنين بإقامة الحق وصبرهم على المكاره في مصالح الإِسلام وأمته لما يقتضيه عرف الناس من أن أحداً لا يوصي غيره بملازمة أمر إلا وهو يرى ذلك الأمر خليقاً بالملازمة إذ قلّ أن يُقدم أحد على أمر بحق هو لا يفعله أو أمر بصبر وهو ذو جزع.
ومن هذا يُفهم مقصد قوله تعالى:{وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} فمقصده إقامة المصالح الدينية كلها ، فالعقائد الإِسلامية والأخلاق الدينية مندرجة في الحق ، والأعمال الصالحة وتجنب السيئات مندرجة في الصبر.

- الاستطرادات :
- ورد في المراد بالعصر أنه العشي ، فما العشي؟
العشي هو وقتٍ ما بين آخر وقت الظهر وبين اصفرار الشمس فمبدؤه إذا صار ظل الجسم مثلَه بعد القَدْر الذي كان عليه عند زوال الشمس ويمتد إلى أن يصير ظلُّ الجسم مثلَيْ قدرِه بعد الظل الذي كان له عند زوال الشمس . وذلك وقت اصفرار الشمس. ذكره ابن عاشور


1- حكم الحلف بغير الله أو بشيء من مخلوقاته؟
والجواب: وإن لم يكن قد ذكره المفسرون ، ولكن ذكره شراح الأصول الثلاثة وغيرها ، وقد جاء بيانه في موضعه من الفقه، وخلاصة ما ذُكر أنه لا يجوز الحلف بغير الله فمن حلف بغير الله فقد اشرك أو كفر ، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد ، والشرك هنا شرك أصغر لا يُخرج من الملة ، وأما الله فهو الخالق المالك له أن يقسم بما يشاء من مخلوقاته.


2-بيان أقسام الناس تجاه دعوة الرسل ثلاثة:-
الأول: قوم آمنوا وقالوا : ربنا الله ، واستقاموا على ذلك بالعمل الصالح .
الثاني: قوم ارتفعت همتهم إلى دعوة غيرهم وهم أحسن قولا بلا شك .
الثالث: قوم عادوا الدعاة وأساءوا إليهم. فكيف التعامل معهم ؟ وهذا يتضح بمعرفة أنواع الأعداء وكيفية التغلب عليهم ، كما جاءت به الشريعة.


3-معرفة أنواع أعداء الدعاة ، وكيفية التغلب عليهم.
ذكر الشيخ الشنقيطي أن للدعاة عدوان:
الأول: عدو الإنس.
والثاني: عدو الشيطان .
وقد أرشدنا الله لكيفية التغلب عليهما واكتفاء شرهما:
أما عداوة الإنس فبمقابلة الإساءة بالإحسان ، فيصبح وليا حميما .
وأما عدو الجن فبالاستعاذة منه : {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم}.

4- معرفة مراتب كمال الإنسان.
ومراتب كمال الإنسان مرتبتين:-
الأولى : أن يكمل الإنسان نفسه. وهذا يكون بالإيمان والعمل الصالح.
الثانية : أن يكمل الإنسان غيره. وهذه تكون بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر.
وفي الختام نذكر بأهم ما جاء في هذه السورة العظيمة من الفوائد والعلوم وأهمها معرفة المسائل الأربع التي يجب على كل مسلم معرفتها ، ألا وهى :
1-الإيمان بالله ، ولا يكون إلا بعلم. ودليله قوله تعالى: {إلاّ الّذين آمنوا }
2-العمل بهذا العلم. ودليله قوله تعالى: {وعملوا الصّالحات }
3-الدعوة إليه . ودليله قوله تعالى: {وتواصوا بالحقّ }
4-الصبر على الأذى فيه . ودليله قوله تعالى: {وتواصوا بالصّبر}
ومن ذلك أيضاً:
5-بيان فضل سورة العصر.
6-بيان الفرق بين إقسام الله ، وإقسام الخلق.
7-معرفة معنى والمراد من العصر.
8-معرفة الحكمة من الإقسام بالعصر.
9-بيان فضل ومكانة عبادة التفكر في زيادة الإيمان، ومن ذلك التفكر في تعاقب الليل والنهار ، وتقلب الأيام والدهور.
10- المراد بالإنسان في السورة.
11- بيان معنى الخسر ، ومعرفة مراتبه وأسبابه.
12- العمل الدؤوب للنجاة من الخسران.
13- دخول الجن في الخطاب.
14- معرفة المستثنى والمستثنى منه ، وفائدة الاستثناء.
15- بيان حقيقة الإيمان ، ومعرفة أركانه.
16- بيان مقتضى الإيمان ، وهو العلم ن فلا إيمان إلا بعلم.
17- بيان المراد بالعمل الصالح ، ومعرفة شرط صلاح العمل.
18- معرفة معنى التواصي.
19- بيان المراد بالحق.
20- بيان معنى الصبر ، وأنواعه.
21- الفرق بين صبر الطائع وصبر العاصي.
22- معرفة مراتب كمال الإنسان.
23- بيان أعداء الدعاة ، وكيفية التغلب عليهم.
24- بيان مكانة شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.


والآن مع الأسئلة:
السؤال الأول:
ما هو الإيمان بالله وما هي أركانه وشروطه؟


السؤال الثاني:
ما هى المسائل الأربع التي دلت عليها السورة؟


السؤال الثالث:
ما الفرق بين خسار المؤمن للدنيا وخسارة الكافر للآخرة؟


السؤال الرابع:
ما معنى الصبر ؟ وما هي أنواعه؟


السؤال الخامس:
أذكر ثلاث فوائد سلوكية استفدتها من تفسير السورة؟


وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 16 ذو القعدة 1437هـ/19-08-2016م, 06:49 AM
هناء هلال محمد هناء هلال محمد غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - الامتياز
 
تاريخ التسجيل: Aug 2014
المشاركات: 663
افتراضي

المرحلة الثانية لإعداد درس التفسير

أولا: عنوان الدرس: أحكام هامة لنساء الأمة
ثانياً: فئة المتلقّين : النساء
ثالثاً: مقاصد الدرس :
1- توضيح ما فرضه الله سبحانه وتعالى على النساء من أحكام .
2- منع انتشار الفتن والمنكرات في جسد الأمة .
3- الاهتمام بالنساء فهن منشأت الأجيال .

رابعاً: العناصر الرئيسة للدرس :
1- سبب نزول الآية 31 من سورة النور
2- وجوب غض البصر عما حرمه الله سبحانه .
3- وجوب حفظ الفرج عما حرمه الله سبحانه .
4- عدم إظهار المرأة زينتها إلا ما لم تستطع إخفاءه .
5- بيان وجوب الحجاب على النساء .
6- بيان محارم المرأة التي تبدي زينتها أمامهم .
7- حرمة افتعال النساء أفعال وحركات تفضي لما حرمه الله .
8- الأمر بالتوبة لجميع المؤمنين .
9- التوبة رئيسي من أسباب الفلاح .

خامساً: بداية الدرس :
1- تكريم الله سبحانه وتعالى للمرأة .
2- قوله تعالى : (زين للنساء حب الشهوات من النساء)
3- قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ما تركت فتنة أضر على الرجال من النساء .
4- معرفة المرأة دورها الحقيقي في إصلاح المجتمع وعدم انخداعها بما يردده أعداء الإسلام .

سادساً: خاتمة الدرس :
1- إصلاح المجتمع يقع بأكمله على كاهل النساء .
2- طاعة الله سبحانه فيما أمر والانتهاء عما نهى من أسباب الفلاح والفوز .

سابعاً: طريقة إلقاء الدرس :
إلقاء الدرس صوتي .

ثامناً: الوسائل المساعدة :
1- مواقع التواصل الاجتماعي .

الدرس
أحكام هامة لنساء الأمة
المقدمة :
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وبعد ،
كرم الله النساء أيما تكريم ، فحرم وأدهن وأوصى بهن ، وأعطاهن حقوقهن من ميراث وذمة مالية خاصة واختيار الزوج ، كما أعطاها حق الشهادة والتعليم والتدريس وغيرها من الحقوق ، لذا فنحمد الله على هذا التكريم.
ولكن نلاحظ أن أعداء الإسلام قد استغلوا نقاط الضعف البشري في الرجل والمرأة جميعا ، وكذلك الجهل والضعف الإيماني فأبعدوا المرأة عن دورها الذي خلقها الله من أجله وأوقعوها فيما حرم الله من محذورات فانتشرت الفواحش والفتن في مجتمعنا الإسلامي .
وهذا الدرس يوضح بعض الأحكام التي تعيد المرأة إلى دورها الحقيقي التي خلقها الله سبحانه من أجله وهو إعمار الأرض ، وبناء البيوت المسلمة ، وتخريج الأجيال القادرة على تحمل أمانة هذا الدنيا ونشره في أرجاء المعمورة ، وأن تكون أجيال يطلق عليها خليفة الله في الأرض حقا كما قال تعالى : (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) .
والمرأة لها أهمية كبيرة في المجتمع المسلم ، ونلاحظ أن الله سبحانه وتعالى قال : (زين للناس حب الشهوات من النساء) قال ابن كثير في تفسيره : بدأ الله سبحانه بالنساء بالنساء لأن الفتنة بهن أشد ، كما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم : (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء) .
ولكن إن كان المقصد بهن الإعفاف وكثرة الأولاد فهذا هو المطلوب المرغوب فيه كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم : (الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة).
ولما كانت النساء أشد فتنة على الرجال ، جعل الله سبحانه لهن أحكاما خاصة تمنع من انتشار هذه الفتن وتحافظ على المجتمع سليما خاليا من المنكرات والأمراض التي نراها حاليا في مجتمعنا .
بعض الأحكام الهامة :
من هذه الأحكام ما ورد في قوله تعالى : ((وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)) النور )
وسبب نزول هذه الآية كما أورد ابن كثير رحمه الله عن مقاتل بن حبان عن جابر بن عبدالله : أن أسماء بنت مرشدة كانت في محل لها في بني حارثة فجعل النساء يدخلن عليها غير متأزرات فيبدو ما في أرجلهن من الخلاخل ، وتبدو صدورهن وذوائبهن ، فقالت أسماء : ما أقبح هذا؟! ، فأنزل الله (قل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ...) الآية .
فأمر الله سبحانه وتعالى نبيه بأن يأمر النساء بغض أبصارهن عما حرم الله سبحانه فقال : (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن) والغض بمعنى النقصان ، يقال غض فلان فلانا أي وضع منه وانتقصه . ذكره الشنقيطي
ونلاحظ أن الأبصار سبقت ب(من) وقد ذكر المفسرون لها عدة معان منها : التبعيض ، فعلى اللمرأة أن تغض بصرها الإ عن بعض الرجال وهم زوجها ومحارمها ، كما أن لها معنى أن لا تنظر نظر مدقق بملء العين وكذلك لها معنى ابتدأ الغاية فإن نظرت فجأة للأجنبي فعليها غض البصر ولا تستمر في النظر .
وجاء وصف النساء في الآية بالمؤمنات لأن في هذا تهييجا لهن وحث على امتثال أوامر الله سبحانه وقد ذكر ذلك الشنقيطي .
والإيمان في اللغة هو التصديق ، أما الإيمان شرعا فهو هو قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان وهو الاعتقاد الجازم بأن الله رب كل شيء ومليكه وأنه الخالق الرازق المحي المميت وإنه المستحق لأن يفرد بالعبادة والذل والخضوع وجميع أنواع العبادة وأنه المتصف بصفات الكمال المنزه عن كل عيب ونقص.

ومن الأحكام أيضا قوله تعالى : (ويحفظن فروجهن) أي تحفظ المرأة فرجها عما حرم الله من الزنى والسحاق ومن الانكشاف كما قال تعالى (والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين) ، ونلاحظ أنه ورد تقديم غض البصر على حفظ الفرج لأن النظر كما هو معلوم بريد الزنى ، كما نلاحظ عدم دخول (من) التبعيضية على حفظ الفرج وذلك لأن النظر أوسع أما الفرج فمضيق . ذكره الشنقيطي .

ومن الأحكام أيضا قوله تعالى : (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) والزينة هي كل ما يتزين به الإنسان من حلي وثياب ومساحيق وخضاب ، وأورد ابن عاشور أن الزينة نوعان : زينة خلقية وهي الوجه والكفان ونصف الذراعين ، وزينة مكتسبة وهي الثياب والحلي والكحل وغيرها .
واختلف المفسرون في تعريف ما ظهر منها على أقوال :
الأول : أن المراد بالزينة ما تتزين به المرأة خارجا عن أصل خلقتها ، ولا يستلزم النظر إليه رؤية شيء من بدنها ; كقول ابن مسعود ، ومن وافقه : إنها ظاهر الثياب ; لأن الثياب زينة لها خارجة عن أصل خلقتها وهي ظاهرة بحكم الاضطرار ، كما ترى . ذكره ابن كثير والشنقيطي
القول الثاني : أن المراد بالزينة : ما تتزين به ، وليس من أصل خلقتها أيضا ، لكن النظر إلى تلك الزينة يستلزم رؤية شيء من بدن المرأة ، وذلك كالخضاب والكحل ، ونحو ذلك ; لأن النظر إلى ذلك يستلزم رؤية الموضع الملابس له من البدن ، كما لا يخفى .
قال الزمخشري : الزينة ما تزينت به المرأة من حلي أو كحل أو خضاب ، فما كان ظاهرا منها كالخاتم والفتخة والكحل والخضاب ، فلا بأس به ، وما خفي منها كالسوار ، والخلخال ، والدملج ، والقلادة ، والإكليل ، والوشاح ، والقرط ، فلا تبديه إلا لهؤلاء المذكورين . ذكره الشنقيطي
القول الثالث : أن المراد بالزينة الظاهرة بعض بدن المرأة الذي هو من أصل خلقتها ; كقول من قال : إن المراد بما ظهر منها الوجه والكفان ، ذكر ابن كثير عن ابن عباس : وجهها وكفيها والخاتم ، وهذا يحتمل أمران : يحتمل أن يكون تفسير للزينة التي نهين عن أبدائها ، ويحتمل أن يكون تفسيرا لما ظهر منها بالوجه والكفين .
رد الشنقيطي على من قال أن المراد بالزينة الوجه والكفين :
أولا : توجد في الآية قرينة تدل على عدم صحة القول وهي أن الزينة في لغة العرب ما تتزين به المرأة مما هو خارج عن أصل خلقتها كالحلي والثياب .
ثانيا : أن لفظ الزينة في القرآن يراد به الزينة الخارجة عن أصل الشيء المزَين بها ولا يراد بها بعض أجزائه كقوله : (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) وقوله : (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب) .
قال الشنقيطي : وبهذا فإن تفسير الزينة بالوجه والكفين فيه نظر ، وأظهر الأقوال هو القول الأول وهو قول ابن مسعود لأنه الأحوط والأبعد عن أسباب الفتنة ، وأطهر للقلوب ، ومعلوم أن وجه المرأة هو أصل جمالها ورؤيته من أعظم أسباب الافتتان بها .
قال السعدي : ورد عن السيدة عائشة في الصحيح : " رحم الله نساء المهاجرات الأول لما نزل (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) شققن مروطهن فاختمرن بها .
وهذا دليل على أن الزينة التي يحرم ابداؤها يدخل فيها جميع البدن .
قال القاضي أبو محمد : ويظهر أن المرأة مأمورة بألا تبدي وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة ، ووقع الاستثناء في كل ما غلبها فظهر بحكم ضرورة حركة فيما لابد منه أو إصلاح شأن ونحو ذلك ، ذكره ابن عطية .
وسبب النهي عن إظهار الزينة أن هذه الأشياء عرف من النساء التساهل فيها ، فنهين عن إظهار أشياء تعودن أن يحببن ظهورها ، كما أن التزين يزيد المرأة حسنا ويلفت إليها الأنظار ، فنهيت عن إظهار الزينة إلا للرجال الذين ليس من شأنهم أن تتحرك منهم شهوة نحوها . ذكره ابن عاشور

ومن الأحكام أيضا قوله تعالى :(وليضربن بخمرهن على جيوبهن) والخمار هو كل ما يخمر ويغطى به الرأس ، والجيوب هي النحور والصدور ، فالأية تأمر النساء بشد خمرهن على صدرهن ونحورهن ، وتعدى فعل يضرب بالباء للتأكيد ومبالغة في إحكام وضع الخمار على الجيب . ذكره ابن عاشور .
وقد ورد عن السيدة عائشة في الصحيح : " رحم الله نساء المهاجرات الأول لما نزل (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) شققن مروطهن فاختمرن بها .

ومن الأحكام كذلك قوله تعالى : (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن) نلاحظ تكرار النهي تأكيدا للنهي السابق ، ولكي يستثنى منه قوله (إلا لبعولتهن ...) الآية ، ذكره السعدي وابن عاشور .
فلايحل للمرأة أن تظهر زينتها إلا لمن ورد في الآية ، والبعل : هو الزوج وسيد الأمة والمالك ، وقد بدأ الله به سبحانه لأن اطلاعه أعظم مما بعده ، والمراد بالأباء في الآية الأب بنفسه والجد وإن علا ، وكذلك يدخل في الأبناء : الأبناء وأبناء البعولة هما نزلوا . ذكره السعدي
واختلف المفسرون في عدم ذكر العم والخال في الآية على أقوال :
أولا : لا يجوز للمرأة أن تظهر زينتها للعم أو الخال لأنهما ينعتان لأبنائهما ، وقد روي هذا عن الشعبي وعكرمة . وذكره ابن كثير
ثانيا : أن الآية سكتت عن ذكرهم ليس لمخالفة حكمهما حكم بقية المحارم وإنما أقتصرت الآية على الذين تكثر مزاولتهم ببيت المرأة ، ذكره ابن عاشور ورد على أن ما قاله الشعبي تعليل واهٍ لأن وازع الإسلام يمنع من وصف المرأة .
وذكر ابن عاشور أنه يلحق بهم من كان في مراتبهم من الرضاعة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب "
ثالثا : أن العم والخال لم يذكرا لأن هناك استنباطات من بعض الآيات الكريمة حيث سمى الله العم أبا في بعض الآيات ، ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم : "يا عمر أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه) وعلى هذا فإن لفظ الآباء ينطبق على العم والخال . ذكره النابلسي في تفسيره .

ومن الذين استثناهم الله سبحانه قوله تعالى : (أو نسائهن)
اختلف المفسرون في المراد بمعنى الإضافة للضمير هن على قولين :
أولا : يحتمل أن يكون ضمير نسوة كباقي الضمائر السابقة فيكون المراد مطلق النساء ، فيجوز للنساء أن ينظر بعضهن لبعض مطلقا . ذكره السعدي وابن عاشور .
ثانيا : يحتمل معنى الإضافة أنه يقتضي الجنسية فيكون النساء المسلمات من جنسكم أي نساء المسلمات دون نساء أهل الذمة ، لأن نساء أهل الذمة قد يصفن المرأة لرجالهن ، أما النساء المسلمات فإن وازع الإسلام يمنع من ذلك ، وقد روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تباشر المرأة المرأة وتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها .وقد ذكر السعدي وابن عاشور وذكره ابن كثير ورجحه .

وكذلك مما استثناهم الله سبحانه : (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ )
المراد بذلك :
الأول : الأمة المشركة ، فيجوز للمرأة أن تظهر زينتها أمامها لأنها أمتها ولأن ستر الزينة عنها فيه مشقة لكثرة ترددها عليها ، وليس في هذا خلاف بين المفسرين .
الثاني : يدخل في ذلك أيضا العبد ، وقد اختلف المفسرون في جواز إظهار المرأة زينتها أمامه على أقوال :
1- يجوز نظر العبد إلى سيدته إن كانت تملكه كله ، ويكون بذلك من محارمها ، وقد ذهب لذلك عائشة وسعيد بن المسيب وذكره السعدي .
والدليل : ما روي عن أم سلمه : " إذا كان لأحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه" رواه الخمسة .
2- لا يجوز نظر العبد لسيدته فهو كالأجنبي بدليل صحة تزوجهن به بعد العتق ، وهذا قول الجمهور .

واستثنى سبحانه أيضا : (أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ ) والتابعون : هم صنف من الرجال الأحرار ، ويشتركون في الوصفين : التبعية وعدم الإربة .
التبعية : كونهم من أتباع بيت المرأة وليسوا ملك اليمين ولكن يترددون على البيت لأخذ الصدقة أو للخدمة .ذكره ابن عطية وابن عاشور .
والإربة : الحاجة ، والمراد الحاجة إلى إتيان النساء .ذكره ابن عاشور .
والمراد بـ(التابعين غير أولي الأربة من الرجال )
كالأجير والتابع الذين ليسوا بأكفاء وفي عقولهم وله ولا يشتهون النساء وكالعنين والمجبوب والشيخ الهرم ، قال ابن عباس : هو المغفل الذي لا شهوة له ، وقال مجاهد : هو الأبله ، وقد رخص لهم لرفع المشقة عن النساء مع السلامة الغالبة من تطرق الشهوة من الجانبين . ذكره ابن كثير والسعدي وابن عاشور .
واستثنى الله سبحانه كذلك : (أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ۖ)
المراد بالطفل : هو الصغير الذي لا يفهم أحوال النساء وعوراتهن . ذكره السعدي .
وسبب استثناء الطفل صغرهم وعدم فهمهم أحوال النساء ولا يوجد فيهم شهوة ، فلا بأس بدخوله على النساء , ذكره ابن كثير والسعدي وابن عاشور .
والطفل في الآية مفرد يراد به الجنس لذا استخدم الاسم الموصول (الذين) ذكره ابن عطية وابن عاشور .
تدل الآية على أن المراهق والمميز الذي يميز بين الشوهاء والحسناء تستتر منه المرأة ولا يدخل على النساء ، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إياكم والدخول على النساء ، قالوا : أرأيت الحمو ؟ قال : الحمو الموت " . ذكره ابن كثير والسعدي .

ومن الأحكام أيضا قوله تعالى : ( وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ۚ )
وسبب نزول الآية أن النساء في الجاهلية كانت تضرب برجلها الأرض ليعلم الرجال طنين خلخالها ، فنهي الله سبحانه المؤمنات عن مثل ذلك . ذكره ابن كثير والسعدي . وفي هذه الآية بيان قاعدة مهمة وهي قاعدة (سد الوسائل) أي أنه إذا كان الأمر مباحا ولكنه يفضي إلى محرم فإن يمنع منه ، ولذا فإن ضرب الأرض مباحا لكن لأن سماع صوت هذه الزينة أشد تحريكا للشهوة من ابدائها نهين على ذلك . ذكره ابن عطية والسعدي
ويُلحق بالآية ما إذا تحركت المرأة بحركة لتظهر ما هو خفي من زينتها المستورة ، وأيضا يلحق به التعطر والتطيب عند الخروج من البيت ، وقد روى أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم : "كل عين زانية والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا يعنى زانية" ذكره ابن كثير

وقد ختم سبحانه هذه الأحكام بقوله تعالى : (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)
ونلاحظ هنا الالتفات من مخاطبة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مخاطبة جميع المؤمنين لأن هذا تذكير بواجب التوبة المقررة من قبل وليس استئناف تشريع . ذكره ابن عاشور
والتوبة هي الرجوع مما يكرهه الله ظاهرا وباطنا إلى ما يحبه الله ظاهرا وباطنا . ذكره الشنقيطي والسعدي
وشروط التوبة النصوح : الإقلاع عن الذنب ، والندم على ما وقع من المعصية ، والنية على ألا يعود إلى الذنب أبدا ، ورد المظالم إلى أهلها . ذكره الشنقيطي
وقد أمر الله تعالى بالتوبة بعد هذه الوصايا لأنه لابد من وقوع تقصير من المؤمنين ، فأمر الله سبحانه بالتوبة فقال (وتوبوا ...) الآية . ذكره الشنقيطي وابن عاشور والسعدي .
ولم يُذكر سبحانه متعلق التوبة ، فهي توبة عامة مطلقة من كل شيء صغير أو كبير . ذكره ابن عطية
وفائدة قوله (إلى الله ) الحث على الإخلاص بالتوبة فلا مقصد غير وجهه من السلامة من آفات الدنيا أو الرياء والسمعة وغير ذلك من المقاصد الفاسدة . ذكره السعدي
أما فائدة قوله (جميعا) يدل أن كل مؤمن يحتاج إلى التوبة ، وتنبه على أن المخاطبين هم المؤمنون والمؤمنات جميعا لذا خاطب الله سبحانه جميع المؤمنين . ذكره السعدي وابن عاشور .
وكما ذكرنا سابقا أن تخصيص النداء بصفة المؤمنين لأن المؤمن يدعوه إيمانه إلى التوبة الصادقة ، كما أن فيه تهييج لهم وحث على امتثال الأمر ، ولأن الاتصاف بصفة الإيمان الصحيح يقتضي المسارعة إلى امتثال أمر الله واجتناب نهيه . ذكره الشنقيطي والسعدي
وفي قوله تعالى : (لعلكم تفلحون) عدة معان :
أولا : (لعل) لها معنيان : 1- أنها على بابها من الترجي : أي توبوا إلى الله رجاء أن تفلحوا ، وهذا الرجاء يكون بالنسبة للعبد ، أما الله سبحانه فلا يجوز في حقه إطلاق الرجاء .
2- أنها تكون للتعليل : فتكون بمعنى لأجل أن تفلحوا . ذكره الشنقيطي .
ثانيا : معنى الفلاح
يطلق الفلاح على معنين :
1- الفوز بالمطلوب الأعظم
2- البقاء الدائم في النعيم والسرور
والآية تحتمل المعنيين ، فمن تاب إلى الله نال المطلوب الأعظم وهو الجنة ، والبقاء الدائم في النعيم والسرور . ذكره الشنقيطي .
وقد علق الله سبحانه وتعالى الفلاح على الأمر بالتوبة لأنه لا سبيل إلى الفلاح إلا بالتوبة . ذكره السعدي

الخاتمة :
وعلى هذا فإننا نرى أن هذه الأحكام هامة لأصلاح المجتمع وأن هذا الإصلاح يقع أكثره على كاهل النساء فهن مربيات الرجال والنساء على السواء ، وكذلك على المرأة طاعفيما أمر والانتهاء عما نهى ، ولا يضرها الشبهات والشهوات التي يحاول أعداء الإسلام وضعاف النفوس في أيقاعها فيها ، فمن أرضى الله سبحانه بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عليه الناس وهذا هو سبب الفلاح والفوز الدائم .
سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، استغفرك وأتوب إليك .

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 16 ذو القعدة 1437هـ/19-08-2016م, 10:25 PM
كوثر التايه كوثر التايه غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى السابع
 
تاريخ التسجيل: Aug 2014
المشاركات: 787
افتراضي


طريقك للفوز من تفسير سورة والشمس
سورة الشمس مكية ( نزلت قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ) عدد آياتها خمسة عشر آية ... نزلت بعد سورة القدر

سورة الشمس وسورة البلد كالجواهر المتلاصقة :
سورة الشمس ظاهرة الاتصال بالسورة التي قبلها- سورة البلد- ( وكل سورة تتصل بالتي تسبقها والتي تأتي بعدها وتلحقها ،لأن القرآن من عند الله فترتيبه أيضا له معنى هام وترابط ) ، فإنه سبحانه وتعالى ختم سورة البلد بذكر أصحاب الميمنة، وأصحاب المشئمة، وأعاد ذكر الفريقين في سورة الشمس في قوله ( قد أفلح من زكاها ) - هم أصحاب الميمنة في سورة البلد- وقوله : ( وقد خاب من دساها ) - هم أصحاب المشأمة في سورة البلد-.

اسم السورة وسبب تسميتها :
بدأ الله تعالى هذه السورة المباركة بالقسم بالشمس ، وكان هذا سببا لتسميتها يسورة الشمس
فضائل السورة :
-ثبتفي الصحيحين : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ رضي الله عنه : ( هلا صليتبسبح اسم ربك الأعلى ، والشمس وضحاها ، واليل إذا يغشى )






الآيات من 1 – 15
سؤال التهيئة :
كيف يمكن أن أطهر نفسي؟
من الذي يفوز في الآخرة ومن يخسر؟
ما قصة قوم ثمود؟

أغراض الآيات :
-التنبيه إلى عظيم خلق الله في مخلوقاته لنفعنا وتسهيل أمورنا في حياتنا للتفكر والتأمل (عقيدة وعبادة)
-بيان النفس البشرية وطبيعتها وكيف يمكن اصلاحها للفوز برضى الله تعالى (عبادة وتربية)
-الترغيب بالأعمال الصالحة والطاعة لما فيها من سعادة الدنيا والآخرة (عبادة وتربية)
-التهديد والتحذير من المعاصي التي تسبب غضب الله (عبادة وتربية)
-قص الله علينا قصة قوم ثمود ليحذرنا من عاقبة المعاصي التي تكون سببا للهلاك (عقيدة وتربية )

لماذا بدأت السورة بالقسم ؟
يدأت سورة الشمس بالقسم – كغيرها من سور أخرى – لتأكيد ما جاء في السورة من أخبار وقصص ، ولتشويق المخاطب بما سيكون في هذه السورة ، فقد يدأت السورة بإحدى عشر قسما متوالية لعظمة ما سيأتي فيها وما سيقسم الله تعالى عليه .



لنفهم معنى الآيات الكريمة ومراد الله منها :
والشمس وضحاها :
يقسم الله تعالى بالشمس وضحاها الذي هو ضوؤها وانتشاره في الأفق فينتفع به الناس
والقمر إذا تلاها :
يقسم الله تعالى بالقمر وتتبعه للشمس في كثير من أحواله ، فضوؤه هو تبع لضوء الشمس وليس مستقلا عنها ، وهو يتبعها في السير والظهور
والنهار إذا جلاها :
يقسم سبحانه وتعالى بالنهار إذا تجلى وظهر وانكشف وأضاء الأرض فكشف ما فيها وأظهره
والليل إذا يغشاها :
يقسم سبحانه وتعالى بالليل إذا غطى الشمس فذهب ضوؤها ، وغطى بظلامه الأرض.
والسماء وما بناها :
يقسم تعالى بالسماء والذي بناها ورفعها وهو سبحانه القادر على كل شيء ، وبناؤها الذي يدل على عطمة الله وقدرته .
والأرض وما طحاها :
يقسم تعالى بالأرض والذي بسطها ومدها للسكن عليها وهو سبحانه الذي أحسن كل شيء خلقه ، فجعلها أرض ممتدة سهله للنفع والحياة عليها.
ونفس وما سواها :
يقسم سبحانه بالنفس البشرية الذي أبدع سبحانه في خلقها فجعل فيها المشاعر والارادة والانفعالات النفسية ، والتي لولاها لكن الجسد تمثال لا نفع منه ،وأقسم بالذي خلقها وألهمها رشدها وهو سبحانه.


ما معنى سواها ؟
سواها أي جعلها مستقيمة مستوية في أعضائها ، وجعلها على الفطرة السليمة الصحيحة التي هي توحيد الله وعبادته ، فكل طفل يُولد هو على الفطرة ، وهذه الفطرة السليمة ترشده إلى ربه وتعينه على طاعته
فالهمها فجورها وتقواها :
أي عرّف الله تعالى النفس البشرية طريق الخير وطريق الشر وأعطاها القدرة على التمييز بين الهداية والضلال ، وبين الخير والشر ، وبين الأعمال الصالحة والأعمال الفاسدة ، وبين الحق والباطل ، فقد أوجد الله تعالى في كل البشر القدرة على معرفة الخير والشر ، والتمييز بين الحق والباطل ، فمن أراد الحق سلكه واتبع طريقه والتزم الأسباب التي تعينه عليه ، وابتعد عن كل ما يبعده عن الحق ويشغله عن طاعة ربه .


قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها :
بعد أن أقسم الله تعالى بكل ما سبق أحدى عشر قسماً – لأهمية المقسم عليه - جاء جواب القسم الذي أقسم عليه – والذي يجب علينا أن نهتم به ونعمل لأجله - وهو أن الفوز والفلاح من نصيب من زكَى نفسه بطاعة الله وطهرها من دنس المعاصي والآثام ، وأن من لم يزك نفسه فإنه يعرضها لغضب الله تعالى وعقابه كما حدث مع قوم ثمود حين دنسوا أنفسهم بالتكذيب وعصيان أوامر الله ونبيه صالح عليه السلام

كذبت ثمود بطغواها :
وهنا ابتدأ الله تعالى كلاما جديدا ليعطي لنا مثالا لمن طغى وبغى ولم يطهر نفسه بالتوحيد وعبادة الله وهم قوم ثمود الذين كذبوا نبيهم صالح عليه السلام وتكبروا وطغوا وزادوا في التكذيب حتى تجرؤا على الناقة التي بعثها الله تعالى لهم آية ودليل ، وأمرهم أن لا يمسوها بسوء ، ولكنهم خالفوا وعصوا وتمردوا فكان هذا سبب هلاكهم ، فلم يظلهمهم الله تعالى ، ولكنهم ظلموا أنفسهم بذنوبهم ومعاصيهم ومخالفة أمر نبيهم صالح عليه السلام .
إذ إنبعث أشقاها :
وفي هذه الآية بيّن تعالى الدرجة العظيمة التي وصل إليها قوم ثمود الكفر والطغيان ، حيث أن القوم اختاروا رجلا منهم وانتدبوه وهو ( قدار بن سالف ) أن يعقر الناقة فيقتلها فأسرع إلى ذلك وطاوعهم على ما طلبوا .
فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها:
هو سيدنا صالح عليه السلام الذي أرسله الله لهم وذكرهم بأمر الله لهم أن لا يقتلوا الناقة حيث أن الله تعالى أمرهم أن لا يمسوها بسوء ، وأن لا يزاحموها في شربها للماء ، فهي تشرب يوما – وفي هذا اليوم يشربون هم من لبنها الذي يكفي القبيلة ويزيد – وهم يشربون الماء في اليوم التالي ، وعلى الرغم من هذا الخير الذي أعطاهم الله إياه إلا أنهم تجرؤا على ناقة الله فعقروها.


لماذا أضاف الله تعالى الناقة إلى اسمه فقال : ناقة الله ؟
هذه الاضافة هي اضافة تشريف للناقة لأن الله تعالى أخرجها لهم من الحجر ، وكانوا هم قوما أقوياء أشداء ينحتون الحجار ويحفرونها ويجعلون منها مساكن وقصور .
فكذبوه فعقروها:
ولكن هؤلاء القوم الذين تجاوزوا الحد في الطغيان والكفر والإعراض كذبوا سيدنا صالح عليه السلام ، وتجرؤا على قتل الناقة وعقرها





فماذا كان نتيجة طغيانهم وتجبرهم ؟؟
فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسّواها :
فأطبق الله عليهم العذاب فأهلكهم ودمرهم عن آخرهم ولم يفلت منهم أحد فاستووا كلهم بالعقاب لأنهم لم ينكروا المنكر ورضوا بعقر الناقة ، فأهلكهم العذاب واستأصلهم فلم يبق منهم أحد.
ولا يخاف عقباها :
فالله سبحانه أهلكهم واستأصلهم ، وهو سبحانه لا يظلم الناس أبدا ولكن الناس أنفسهم يظلمون ، وهو سبحانه يتصرف بخلقه ولا يُسئل عما يفعل وهم يُسألون فلا يخاف الله عاقبة إهلاكهم وتدميرهم، وكيف يخاف من هو قاهر مخلوقاته ولا يخرج منهم أحد عن تصرفه ومشيئته، وله سبحانه وحده الأمر والخلق والتدبير .

ماذا أتعلم من سورة الشمس ؟!
1- أقسم الله تعالى بأحد عشر قسماً في هذه السورة لبيان عظمة ما أقسم الله به وليلفتنا للتفكير في قدرته سبحانه وحكمته التي أوجد بها هذه المخلوقات العظيمة لينتفع منها بنو آدم ويشكروا الله عليها .
2- الحقيقة التي أقسم الله عليها عظيمة وهي أهمية النفس البشرية التي يجب الاهتمام والاعتناء بها فتكون كما أراد الله تعالى .
3- الفوز والفلاح في تزكية النفس وتطهيرها مما لا يليق بها من ذنوب ومعاصي والخيبة والخسران في تدنيسها بالشرك والمعاصي.
4- قوم ثمود أرسل الله لهم سيدنا صالح عليه السلام وأرسل مع الناقة معجزة لهم ، ولكنهم لم يطيعوا الله ورسوله وكانوا إللى الخسارة والهلاك ، فهم مثل على من دنس نفسه وأهلكها بالكفر والذنوب والتكذيب فكان عاقبتهم الخسران في الدنيا والآخرة.
5- الذي عقر الناقة وأحد منهم وهو أشقى القوم، ولكن لأن القوم وافقوه وأيدوه بل وشجعوه على ذلك واختاروه فنالهم جميعاً نفس العقاب ، فالموافقة على الجريمة جريمة تستحق العقاب.
6- تحذير لكفار مكة لكفرهم بالرسول صلى الله عليه وسلم ، وتحذير لكل من خالف أمر الله ودنس نفسه بالمعاصي
7- البعث والجزاء ثابتان بأدلة الله وقدرته.
8- تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بأن الله تعالى سينصر رسوله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين حتى لو كان الكفار أكثر عدد وعدة وقوة .


كيف أعيش في حياتي مع سورة الشمس :
1- أفكر في مخلوقات الله العظيمة التي تدل على قدرته وعطمته (عقيدة).
2- أعلم أن الله تعالى سخر لنا الأرض وما فيها لننتفع به وهذا من فضل الله ونعمه الكثيرة علينا التي تستوجب الشكر الدائم (عبادة).
3- أشكر الله دائماً على نعمه الكثيرة بلساني وقلبي وجوارحي كلها (عبادة).
4- أعلم أن السعادة الحقيقية باتباع أمر الله تعالى وتزكية النفس بالطاعة والتزام أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم (عقيدة وعبادة وتربية )
5- من اتبع أمر الله يعيش سعيداً في الدنيا وفي الآخرة ، فقد وعد الله تعالى من اتبع هداه والتزم أمره بالسعادة والفوز في الدنيا والآخلاة (عقيدة و عبادة ).
6- من ترك طاعة الله وأمره واتبع الضلال والمعاصي ولم يسع لتزكية نفسها بل دنسها بالمعاصي والسيئات فقد استوجب غضي الله وقد ينزل عليه عقاب الله (عقيدة وعبادة وتربية)
7- أدعو الله تعالى دائماً أن يرزقني حسن الخلق ويوفقني لمرضاته ، لأنه سبحانه القادر على ذلك (عبادة).
8- أعلم أن قوم ثمود كذبوا برسولهم صالح وعاقبهم الله عقاباً شديداً وأنا أكرههم وأكره أفعالهم وأتجنبها ، فهم مثال على من دنسوا أنفسهم بالمعاصي والسيئات(عبادة+عقيدة)
9- أقرأ القصص في القرآن لأعتبر منها (عبادةو تربية) .
10- الله سبحانه له القوة المطلقة والحكمة البالغة ولا يسُأل عما يفعل (عقيدة).
11- أدعو غيري ممن أعرف إلى أهمية تزكية النفس وقدرة الله تعالى حتى أنشر بين المسلمين أهمية تزكية النفس وأن في ذلك الفوز والفلاح ( عبادة ودعوة)
12- أحفظ سورة الشمس جيداً وأحاول أن أقرأها في صلاتي في بعض الأحيان.
لنتعلم ونتذكر :
1- كان قوم ثمود من قوتهم وجبروتهم ينحتون من الجبال بيوتاً فارهين آمنين فيها وطلبوا من سيدنا صالح عليه السلام أن يخرج لهم الله ناقة من الصخر ليؤمنوا به فأخرج لهم الناقة وجعل لها يوماً ولهم يوماً لكنهم كفروا وتجبروا.
2- خص الله تعالى قوم ثمود في هذه السورة لأنهم ردوا الهدى وكفروا بعد أن عرفوا الحق وتأكدوا منه واختاروا العمى على الهدى قال تعالى : ( وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى ). وهذا تحذير لكل من عرف الحق ولم يتبعه.
3- على المسلم أن يبحث عن الحق ويتعلمه ويعمل به ، وهذا لا يكون إلا بقراءة القرآن وحفظه وتدبره وفهمه ، ومعرفة حديث الرسول صلى الله عليه وسلم والعمل به

من أسماء الله تعالى الحسنى :
القاهر والقهار
القهار من القاهر وهو الذي يقهر كل شيء فيغلبه ويصرفه لما يشأء كيف يشاء ولا يغلبه شيء ، هذا ليس معناه انتقاماً أو تعذيباً ولكن أمره الغالب في خلقه فلا غالب له ولا منازع بل كلشيء تحت قهره وسلطانه.
والمسلم إذا عرف أن الله رضى بكل ما قدر الله فهو سبحانه غالب على أمره وأمر كله حكمة وعرف ان الله ما يشاء فلا ينازعه ولا يغتاله.



آيات في معاني آيات سورة الشمس :
· قال تعالى في سورة الشمس : وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ﴿٢
وبين في سورة يس : لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴿٤٠
· قال تعالى : (وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ﴿٥﴾)
وقال في سورة النازعات : (أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا ﴿٢٧ رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ﴿٢٨ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا)
قال تعالى في سورة الذاريات : (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴿٤٧
· قال تعالى في سورة الشمس : (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴿۷
وقال تعالى في سورة الروم : (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [30]


أحاديث في معنى هذه الآيات الكريمة :
· من حديث جابر بن عبدالله الذي في الصحيحين ان الرسول صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ : ( هلا صليت بسبح اسم ربك الأعلى ، والشمس و ضحاها والليل إذا يغاها) فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد أرشد معاذ رضي الله عنه إلى أن تكون هذه السورة مما يقرأه في صلاته بعد الفاتحة ).
· أنرجلا من مُزَينة أو جهينة، أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم،فقال: يا رسولالله، أرأيت ما يعمل الناس فيه ويتكادحون أشيء قضي عليهم،ومضى عليهم من قدرسبق، أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم عليه السلام،وأكّدت به عليهمالحجة ؟ قال: " فِي شَيء قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ"؛ قال : ففيم نعمل ؟ قال: " مَنْ كانَ اللهُ خَلَقَهُ لإحْدَى المَنـزلَتَينِ يُهَيِّئُهُ لَهَا، وَتَصْدِيقُ ذَلكَ فِي كِتَابِ اللهِ: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا)". رواه الامام أحمد ومسلم وذكره ابن جرير في تفسيره

· وعن ابن عمر عن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : انتبهت نفسي ليلة فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول : ( رب أعط نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها ) رواه الامام أحمد – وهذا الحديث هو تأويل الآية.

· وجاء في حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ ( قد افلح من زكاها) وقف ثم قال : ( اللهم آت نفسي تقواها، وأنت وليها ومولاها ، وزكها أنت خير من زكاها ) رواه الطبري في الكبير من حديث ابن عباس رضي الله عنه ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد حديث حسن.

· قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة : ( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء هب تحسون فيها من جدعاء ) أخرجه البخاري ومسلم وذكره ابن كثير في تفسيره

من جمال اللغة العربية ودررها :
الضحى : هو وقت ارتفاع الشمس عن أفق مشرقها وظهور شعاعها.
التلو : التبع وأريد به أن ضوء القمر يتبع ضوء الشمس ، وابتدأ بالشمس لبين كما أن نور الشمس يضيء الكون فإن نور ، الإسلام يضيء النفوس والحياة.
جلّى : كشف وأظهر ، وتجلية النهار هو طلوع الشمس وارتفاعها ، فهو جلى الظلمة وكشفها
الغشى : التغطية ، فالليل يغطي الأرض بظلامه ، فكأنما الأرض اكتست ولبست الليل لأنه غطاها كلها وغشاها
بناء السماء : هو بناؤها ورفعها
طحو الأرض : بسطها وتوطئتها للسير والجلوس والحياة ، فقد يسرها الله تعالى للخلق وجعل لهم فيها منافعهم
النفس : هي نفس الانسان المكلف فهي جمع تعم جميع النفوس ، والنفس آية كبيرة من آيات الله ، وهي غاية في اللطف والخفة سريغة التنقل والحركة التأثر والانفعالات النفسية من الهم والارادة والقصد والحب والكره .
وماسواها : أنشأها وسوى أعضائها وركب فيها الروح وجعل فيها القوى والادراك وجعلها مستقيمة على الفطرة .
فألهمها : الالهام : إيقاع الشيء في الروع وهذا يكون اختصاصه من جهة الله تعالى ، فهو حدوق علم في النفس بدون تعليم ولا تجربة ولا تفكير ولا دليل ، فجعل الله في النفس البشرية قوة يصح معها اكتساب الفجور واكتساب التقوى .
الفجور : أصله : فجر يفجر فجورا : أصله يدل على التفتح ، أكثر استعماله في التفتح في المعاصي فجورا
التقوى : من الوقاية وهو أن تجعل بينك وبين الله وقاية من سخطه وغضبه وعقابه ، فتتبع أمره وتلزم طاعته لتحقق الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة
التزكية : الزيادة في الخير والعمل به ، والانسان المسلم يحتاج دائما أن يزكي نفسه ويتابعها.
الفلاح : النجاح بحصول المطلوب وقد يكون في الدنيا والآخرة ، والمقصود هنا الفلاح في الآخرة والذي يكون بدايته في الدنيا
الخيبة : ضد الفوز فهي الخسارة
دساها : هو من الدس ودسى : هو إذا أدخل شيئا تحت شيء فأخفاه ، فكأنه حال بين نفسه وفعل الخير ، وأهلكها بالمعصية
قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها : جاء تعالى في هذه الآية بلفظ ( قد ) وهو يفيد التحقيق والتأكيد في الجملة ، فسبحانه بؤكد أن الفوز والنجاة بتزكية النفس وأن الهلاك والخيبة إذا سلك الانسان طريق المعاصي والآثام .
كذبت ثمود بطغواها : المقصود بالتكذيب هنا هو تكذيبهم لرسولهم صالح عليه السلام ، فأرسل الله تعالى لهم الناقة وحذرهم من عقرها .
فكذبوه فعقروها : التكذيب هنا هو تكذيبهم بالناقة وعدم التزامهم أمر نبيهم فعقروها .
طغواها : الطغيان : هو الزيادة في الشر والمعاصي ، وقله تعالى : ( بطغواها ) : أي بسبب طغيانها في الشرك والمعاصي وتكبرها عن الحق وترفعها عليه أهلكها الله تعالى .
انبعث : اندفع في السير وأسرع ، وتبين الآية أن أشقى القوم سارع وطاوع في عقر الناقة وفعل الشر ، ولم يخش عاقبة فعله وعصيان ربه .
أشقاها : أكثرهم تعاسة ، ولعظيم جرمه أصبح يضرب به المثل على الهلاك والشقاء فيقال :
( أشقى من قدار )
العقر : جرح البعير في يده ليبرك على الأرض من الألم فينحر في لبته.
دمدم : يقال : دممت على الشيء إذا أطبقت عليه ، والمقصود : أطبق عليهم فأهلكهم هلاك استئصال وإبادة عمهم جميعا فلم ينج منهم أحد
فدمدم عليهم ربهم : قال تعالى أنه سبحانه دمدم عليهم – أي أهلكهم- وجاء بلفظ الربويبة
( ربهم ) : لبيان قدرته سبحانه الخالق الرازق المالك لكل شيء وماسواه مقهور تحت ربوبيته وأمره
فسواها : أي جعلها على السواء ، جعل الأرض مستوية عليهم فلا يظهر منهم أحد ، وسوى عليهم الدمدمة والهلاك فلم ينج منهم أحد
العقبى : ما يحصل عقب فعل من الأفعال من تبعة لفاعله أو مثوبة.
وفي الآيات جمال بلاغي، فقد ذكرت أشياء متقابلة متضادة مرة ( محسنات الطباق ) مثل : الشمس والقمر لاختلاف ظهورها، النهار والليل ، التجلي والغشى، السماء والأرض، البناء والمحو، الفجور والتقوى ، الفلاح والخيبة، التزكية والتدسية .


لنفكر معاً:
1- هدى الله تعالى الانسان لطريق الخير والشر وأرسل له الرسل وأنزل الكتب لذلك، والناس في هذا فريقان ، أكمل المخطط التالي :
فريق من الناس أطاعوا الرسل واتبعوا أمر الله سلكوا طريق ................
عملوا ................... ، ................... أنفسهم ، فازوا .............. يدخلهم الله
........................ برحمته.

فريق من الناس عصوا الرسل واعرضوا أمر الله ، سلكوا طريق .......................
ارتكبوا ................... ، ...................... أنفسهم ، خسروا ....................
يدخلهم الله ................... عقاباً لهم.

وأنا بإذن الله أختار أن اكون من الفريق ( _____________ ).



2- قال تعالى في سورة البلد (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ) ، أين تجد معنى هذه الآية في آيات سورة الشمس ؟



3- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كل مولود يولد على الفطرة ) أين تجد معنى هذا الحديث في آيات سورة الشمس ؟



4- ذكر تعالى قصة قوم ثمود في سورة الأعراف ، ارجع للسورة واقرأ الآيات ولخص مع معلمك قصة قوم ثمود ، وقارن بينها وبين قصتهم في سورة الشمس



5- قال تعالى : {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا}. [يونس : 13]، وقال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ}. [القصص : 59]
أين تجد معنى هذه الآيات في سورة الشمس ؟ وهل يهلك الله تعالى من أصلح نفسه وزكاها ؟؟وضح اجابتك بالشرح .

6- ذكر الله تعالى في سورة البلد ( وهي السورة التي تسبق سورة الشمس ) أصحاب الميمنة وأصحاب المشئمة ، فهلا ذكرت صفات كل منهما ؟








7- ذكر تعالى في سورة الفجر جزاء النفس المطمئنة – التي تزكت بالطاعة والعبادة – يوم القيامة ، اذكر الآية الدالة على ذلك مع التوضيح .






8- قال تعالى في سورة النحل : (وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ [68]
ماهو الأيحاء هنا ؟ وهل في سورة الشمس ما يشبه الإيحاء الذي ألهمه الله تعالى للنحل دون تعليم ؟؟










رد مع اقتباس
  #5  
قديم 17 ذو القعدة 1437هـ/20-08-2016م, 01:01 PM
فاطمة الزهراء احمد فاطمة الزهراء احمد متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - الامتياز
 
تاريخ التسجيل: Aug 2014
المشاركات: 1,051
افتراضي

المرحلة الثانية لإعداد درس التفسير
أولا: عنوان الدرس: "سورة الضحى عناية بالحبيب صلى الله عليه وسلم وتربية له وللمؤمنين بعده"
ثانياً: فئة المتلقّين : فئة النساء
ثالثاً: مقاصد الدرس :
1- بيان مكانة النبي صلى الله عليه وسلم عند ربه وعنايته به
2- بيان تربية الله لنبيه صلى الله عليه وسلم على الأخلاق الكريمة
3- التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم فيما أمر به ونهي عنه.........................................
4-بيان أن النعم كلها من عند الله وربط المسلم بربه
5- الحث على شكر النعمة والحث على إظهارها والتحدث عنها.
رابعاً: العناصر الرئيسة للدرس [2]:
1- بيان المنازل التي مر بها النبي صلى الله عليه وسلم في حياته..........................................
2- بيان الأخلاق التي أمر الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم في سورة الضحى ومانهي عنه فيها
3- بيان جزاء الله لنبيه صلى الله عليه وسلم في الدنياوالاخرة.
4-الفوائد المستفادة من السورة الكريمة
خامساً: بداية الدرس [3]:
1- ذكر سبب نزول سورة الضحى وبيان عناية الله بحبيبه صلى الله عليه وسلم وتسليته له بما أعطاه في الدنيا والاخرة وأدبه معه في الخطاب وتربيته له وللمؤمنين من بعده .
سادساً: خاتمة الدرس [4]:
1- التركيز على الفوائد السلوكية والعامة من تفسيرنا لهذه السورة الكريمة ومحاولة الربط بين ماجاء فيها من امتنان من الله على عباده وبما أنعم عليهم ،فمنا اليتيم ومنا العائل ومنا الضال والله سبحانه وتعالى أنعم علينا بنعم كثيرة وكذلك نحن مأمورون تبعا للنبي صلى الله عليه وسلم بما أمر به .

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 17 ذو القعدة 1437هـ/20-08-2016م, 01:06 PM
فاطمة الزهراء احمد فاطمة الزهراء احمد متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - الامتياز
 
تاريخ التسجيل: Aug 2014
المشاركات: 1,051
افتراضي

بِسْم الله الرحمن الرحيم
"سورة الضحى عناية بالحبيب صلى الله عليه وسلم وتربية له وللمؤمنين بعده "

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده، ورسوله ،، أما بعد:
أخواتي الكريمات :
السلام عليكن ورحمة الله وبركاته
يتجدد اللقاء معكن لمدارسة كتاب الله عز وجل ومع سورة عظيمة من سور القرآن الكريم ألا وهي سورة الضحى .
مقدمة :
سورة الضحى سورة مكيَّة باتفاق أهل العِلم، وهي خاصة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والعِبْرة بعموم اللفظ كما هو معلوم لا بخصوص السبب، وقيل: إن سببَ نزولها أن الوحي فَتَر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبطأ عنه جبريل - عليه السلام - فقال المشركون: قد وُدِّع محمدٌ، فأنزل الله تعالى:* {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}، وفي رواية:*احتبس جبريلُ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت بعض نساء المشركين: ما أرى صاحبَك إلا قد قلاكَ، فأنزل الله تعالى: {وَالضُّحَى.......... مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}، وفي الصحيحين وغيرهما:*أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اشتكى (مرضًا)، فلم يَقُم لليلتين أو ثلاثًا، فأتته امرأة (من المشركين) فقالت: ما أرى شيطانَك إلا تركك لم نَرَه قرُبك منذ ليلتين أو ثلاثًا، فأنزل الله تعالى: {وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى}.
قال سيد قطب عن السورة: "لمسة من حنان، ونسمة من رحمة، وطائف من وُدٍّ، ويد حانية تَمسَح على الآلام والمواجع، وتَنْسَم بالروح والرضا والأمل، وتَسكُب البَرْدَ والطمأنينة واليقين"
ومن أهم ما جاء في هذه السورة الكريمة هو تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وبيان منزلته وقدره عند ربه عزوجل وذلك بعنايته وحفظه له كما جاء في الآيات الكريمة في هذه السورة العظيمة.
فبعد أن أقسم سبحانه وتعالى بالضحى وما جعل فيه من الضياء والليل إذا سكن بأهله وامتد ظلامه ، وذلك لتأكيد الخبر ردا على زعم المشركين أن الوحي انقطع عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - حين رأوه لم يقم الليل بالقرآن بضع ليال ، فالتأكيد منصب على التعريض المعرض به لإبطال دعوى المشركين ، فالتأكيد تعريض بالمشركين ،ومناسبة القسم بالضحى لأنه وقت انبثاق نور الشمس فهو إيماء إلى تمثيل نزول الوحي وحصول الاهتداء به ، وأن الليل وقت قيام النبي -صلى الله عليه وسلم - بالقرآن وهو الوقت الذي كان يسمع فيه المشركون قراءته من بيوتهم القريبة من بيته أو من المسجد الحرام .
أقسم تعالى بالضحى والليل هنا فقط ; لمناسبتها للمقسم عليه ; لأنهما طرفا الزمن وظرف الحركة والسكون ، فإنه يقول له مؤانسا : " ما ودعك ربك وما قلى " ، لا في ليل ولا في نهار فتبين بذلك مدى عناية الله سبحانه وتعالى بنبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم .
( ما ودعك ربك وما قلى )
1- {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}، (ما ودَّعك): ترجَّحت قراءة الجمهور بالتشديد من "ودَّعك" من التوديع؛ لأن وَدَع بمعنى: ترَك، فيها شدة وشُبْة جفوة وقطيعة، وهذا لا يليق بمقام المصطفى*- صلى الله عليه وسلم - عند ربه، أما الموادعة والوداع،وجملة ( ما ودعك ربك ) إلخ ، جواب القسم ،وهنا : " ما ودعك " بصيغة الماضي ، وهو كذلك للمستقبل ، بدليل الواقع وبدليل : وللآخرة خير لك من الأولى لأنها تدل على مواصلة عناية الله به ، حتى يصل إلى الآخرة فيجدها خيرا له من الأولى ، فيكون ما بين ذلك كله في عناية ورعاية ربه .
{وَمَا قَلَى}، ٍحذَف كافَ الخطاب؛ لثبوتها فيما معها، فدلَّت عليها، هكذا قال المفسرون، وقال بعضهم: تُركِت لرأس الآية، والذي يظهر من لطيف الخطاب ورقيق الإيناس ومداخل اللُّطف، أن الموادعة*تُشعِر بالوفاء والود، فأُبرِزت فيها كاف الخطاب، أي: لم تتأتَّ موادعتك وأنت الحبيبالمقرب ،وما أبغضك ، وفي هذا رد على تهكم المشركين .
( وللآخرة خير لك من الأولى )
أي : والدار الآخرة خير لّك من الاولى ،وأن عاقبة أمرك خير من بدايته ، ويومئ ذلك إلى أن عودة نزول الوحي عليه هذه المرة خير من العودة التي سبقت ، أي : تكفل الله بأن لا ينقطع عنه نزول الوحي من بعد ذلك .
كما دلت هذه الآية على وعد الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن ينشر دين الإسلام وأن يمكن أمته من الخيرات التي يأملها النبي صلى الله عليه وسلم - لهم . وقد روى الطبراني والبيهقي في دلائل النبوءة عن ابن عباس قال : " قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : عرض علي ما هو مفتوح لأمتي بعدي فسرني ، فأنزل الله تعالى ( وللآخرة خير لك من الأولى ) .
واللام في قوله : ( لك ) لام الاختصاص ، أي : خير مختص بك وهو شامل لكل ما له تعلق بنفس النبيء - صلى الله عليه وسلم - في ذاته وفي دينه وفي أمته .
( ولسوف يعطيك ربك فترضى )
ورد عن بعض أهل البيت : أنها أرجى آية في كتاب الله ، ذكره ابن عطية .
ومعنى اللام في " ولسوف" قال الزمخشري : أنهالام ابتداء ، ورجح هذا ابن عاشور
وقال ابن الحاجب : أنها لام توكيد.
وحرف الاستقبال لإفادة أن هذا العطاء الموعود به مستمر لا ينقطع كما تقدم في قوله تعالى : ( قال سوف أستغفر لكم ربي ) في سورة يوسف ، وقوله : ( ولسوف يرضى ) في سورة الليل .
وحذف المفعول الثاني لـ ( يعطيك ) ليعم كل ما يرجوه - صلى الله عليه وسلم - من خير لنفسه ولأمته ، فكان مفاد هذه الجملة تعميم العطاء كما أفادت الجملة قبلها تعميم الأزمنة .
وجيء بفاء التعقيب في ( فترضى ) لإفادة كون العطاء عاجل النفع بحيث يحصل به رضى المعطى عند العطاء فلا يترقب أن يحصل نفعه بعد تربص .
وتعريف ( ربك ) بالإضافة دون اسم الله العلم لما يؤذن به لفظ ( رب ) من الرأفة واللطف ، وللتوسل إلى إضافته إلى ضمير المخاطب ؛ لما في ذلك من الإشعار بعنايته برسوله وتشريفه بإضافة ( رب ) إلى ضميره .
والعطاء هنا وعد واسع الشمول لما أعطيه النبيء - صلى الله عليه وسلم - من النصر والظفر بأعدائه يوم بدر ويوم فتح مكة ، ودخول الناس في الدين أفواجا وما فتح على الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من أقطار الأرض شرقا وغربا . ذكره ابن عاشور.
وقال السدي ، عن ابن عباس : من رضاء محمد - صلى الله عليه وسلم - ألا يدخل أحد من أهل بيته النار . رواه ابن جرير ، وابن أبي حاتم .
وقال الحسن : يعني بذلك الشفاعة . وهكذا قال أبو جعفر الباقر . هذا ماذكره ابن كثير والقرطبي.
وعن أبي نعيم قال عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو مفتوح على أمته من بعده فسر بذلك ، فأنزل الله ولسوف يعطيك ربك فترضى فأعطاه في الجنة ألف قصر من لؤلؤ ترابه المسك في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله : ولسوف يعطيك ربك فترضى قال : رضاه أن يدخل أمته كلهم الجنة .
( ألم يجدك يتيما فآوى )

من هذه الآية بدأ الامتنان على النبي صلى الله عليه وسلم وذكر المنازل التي مر بها في حياته صلى الله عليه وسلم
وأول هذه المنازل هو يتمه صلى الله عليه وسلم واليتيم هو : الصبي الذي مات أبوه ، وقد كان أبو النبيء - صلى الله عليه وسلم - توفي وهو جنين أو في أول المدة من ولادته.
ومجاز هذه الآية هو:ألم يجدك واحدا في شرفك لا نظير لك ، فآواك الله بأصحاب يحفظونك ويحوطونك . ذكر هذا المعنى الإمام القرطبي وإن كان بعيدا .
والمقصود من هذا إيقاع اليقين في قلوب المشركين بأن ما وعده الله به محقق الوقوع قياسا على ما ذكره به من ملازمة لطفه به فيما مضى وهم لا يجهلون ذلك عسى أن يقلعوا عن العناد ويسرعوا إلى الإيمان ، وإلا فإن ذلك مساءة تبقى في نفوسهم وأشباح رعب تخالج خواطرهم . ويحصل مع ذلك المقصود امتنان على النبيء - صلى الله عليه وسلم - وتقوية لاطمئنان نفسه بوعد الله تعالى إياه و الاستفهام في هذه الآية تقريري، أطلق الإيواء على الكفالة وكفاية الحاجة مجازا أو استعارة ، فالمعنى : أنشأك على كمال الإدراك والاستقامة وكنت على تربية كاملة مع أن شأن الأيتام أن ينشئوا على نقائص لأنهم لا يجدون من يعنى بتهذيبهم وتعهد أحوالهم الخلقية . وفي الحديث : " أدبني ربي فأحسن تأديبي " ، فكان تكوين نفسه الزكية على الكمال خيرا من تربية الأبوين .
و قيل في الحكمة من يتمه : أن يتمه ; لأن لا يكون لأحد حق عليه ، نقله أبو حيان .
والذي يظهر أن يتمه راجع إلى قوله : ما ودعك ربك ، أي : ليتولى الله تعالى أمره من صغره ، وتقدم معنى إيواء الله له ، فكان يتمه لإبراز فضله ; لأن يتيم الأمس أصبح سيد الغد ، وكافل اليتامى .
( ووَجَدَك ضالا فهدى )

وفي هذه الآية الكريمة المنزلة الثانية في حياته صلى الله عليه وسلم
ومعنى الضلال في هذه الآية هو : عدم الاهتداء إلى الطريق الموصل إلى المكان المقصود سواء سلك السائر طريقا آخر يبلغ إلى غير المقصود أم وقف حائرا لا يعرف أي طريق يسلك ، وهو المقصود هنا ; لأن المعنى : أنك كنت في حيرة من حال أهل الشرك من قومك ، فأراكه الله غير محمود وكرهه إليك ولا تدري ماذا تتبع من الحق ، فإن الله لما أنشأ رسوله - صلى الله عليه وسلم - على ما أراد من إعداده لتلقي الرسالة في الإبان ، ألهمه أن ما عليه قومه من الشرك خطأ وألقى في نفسه طلب الوصول إلى الحق ليتهيأ بذلك لقبول الرسالة عن الله تعالى .
و ليس المراد بالضلال هنا اتباع الباطل ، فإن الأنبياء معصومون من الإشراك قبل النبوءة باتفاالعلماء.
واختلف في المراد بالضلال في الآية على أقوال منها:
الأول كما في قوله : وإن كنت من قبله لمن الغافلين [ يوسف : 3 ] والمعنى : أنه وجدك غافلا عما يراد بك من أمر النبوة .
وقيل معنى ضالا : لم تكن تدري القرآن ولا الشرائع فهداك لذلك .
وقال الكلبي ، والسدي ، والفراء : وجدك في قوم ضلال فهداهم الله لك .
وقيل وجدك طالبا للقبلة فهداك إليها كما في قوله : قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها [ البقرة : 144 ] ويكون الضلال بمعنى الطلب .
وقيل وجدك ضائعا في قومك فهداك إليه ، ويكون الضلال بمعنى الضياع .
وقيل وجدك محبا للهداية فهداك إليها ، ويكون الضلال بمعنى المحبة ، ومنه قول الشاعر :
عجبا لعزة في اختيار قطيعتي ****بعد الضلال فحبلها قد أخلقا
وقيل وجدك ضالا في شعاب مكة فهداك : أي ردك إلى جدك عبد المطلب .
والضلال يختلف، فمنه القريب ومنه البعيد، فالبعيد ضلال الكفار الذين يعبدون الأصنام ويحتجون لذلك ويعتبطون به، وكان هذا الضلال الذي ذكره الله تعالى لنبيه عليه السلام أقرب ضلال وهو الكون واقفاً لا يميز المهيع لا أنه تمسك بطريق أحد بل كان يرتاد وينظر. ذكره ابن عطية .
( ووَجَدَك عَائِلا فأغنى )
وهنا المنزلة الثالثة
والعائل هو : الذي لا مال له ، والفقر يسمى عيلة ، قال تعالى : ( وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء ) وقد أغناه الله غناءين : أعظمهما غنى القلب إذ ألقى في قلبه قلة الاهتمام بالدنيا ، وغنى المال حين ألهم خديجة مقارضته في تجارتها
وفي الآية إشارة إلى أن الإيواء والهدى والغنى من الله ; لإسنادها هنا لله تعالى .
المعنى الاجمالي للآية الكريمة هو : كنت فقيرا ذا عيال ، فأغناك الله عمن سواه ، فجمع له بين مقامي الفقير الصابر والغني الشاكر ، صلوات الله وسلامه عليه .
وقال المفسرون حذف ضمير الخطاب في الآيات الثلاث : لمراعاة رءوس الآي والفواصل ، ولكن الذي يظهر - والله تعالى أعلم - : أنه لما كان فيه امتنان ، وأنها نعم مادية لم يبرز الضمير لئلا يثقل عليه المنة ، بينما أبرزه في : ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك ورفعنا لك ذكرك لأنها نعم معنوية ، انفرد بها . صلى الله عليه وسلم . والله تعالى أعلى وأعلم .
وفي السياق لطيفة دقيقة ، وهي معرض التقرير ، يأتي بكاف الخطاب : ألم يجدك يتيما ، ألم يجدك ضالا ، ألم يجدك عائلا ، لتأكيد التقرير ، لم يسند اليتم ولا الإضلال ولا الفقر لله ، مع أن كله من الله ، فهو الذي أوقع عليه اليتم ، وهو سبحانه الذي منه كلما وجده عليه ، ذلك لما فيه من إيلام له ، فما يسنده لله ظاهرا ، ولما فيه من التقرير عليه أبرز ضمير الخطاب.
وأخيرًا، "تأمَّلي قول الحقِّ لم يقل: فآواك، فأغناك؛ لأنه لو قال ذلك لصار الخطاب خاصًّا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وليس الأمر كذلك، فإن الله آواه وآوى به، وهداه وهدى به، وأغناه وأغنى به"[10]، قال الله تعالى: {وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا} [الفتح: 20]، وما أكثر ما غَنِم المسلمون من الكفار تحت ظلال السيوف، غنائم عظيمة كثيرة كلها بسبب هذا الرسول الكريم - عليه الصلاة والسلام - حين اهتدوا بهديه، واتَّبَعوا سُنَّتَه فنصرهم الله تعالى به، وغَنِموا من مشارق الأرض ومغاربها، ولو أن الأمة الإسلامية عادت إلى ما كان عليه السلف الصالح لعاد النصر إليهم، والغنى، والعزة، والقوة ولكن مع الأسف أن الأمة الإسلامية في الوقت الحاضر كل منها يَنظُر إلى حظوظ نفسه بقطع النظر عما يكون به نُصْرة الإسلام أو خِذلانه"[11].
( فأما اليتيم فلا تقهر )
بعد امتنان الله سبحانه وتعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم بالنعم التي أنعم بها عليه أمره بالإحسان والرفق باليتيم والسائل ومناسبة النهي عن قهر اليتيم لأن أهل الجاهلية كانوا يقهرون الأيتام ، ولأنه إذا نهى عن قهر اليتيم مع كثرة الأسباب لقهره ; لأن القهر قد يصدر من جراء القلق من مطالب حاجاته ، فإن فلتات اللسان سريعة الحصول كما قال تعالى : ( فلا تقل لهما أف ) وقال : ( وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا).
والقهر هو :التسلط بالظلم وأخذ الحق وقيل : الغلبة والاستدلال وعن مجاهد : الاحتقار .
ودلت الآية على اللطف باليتيم ، وبره والإحسان إليه حتى قال قتادة : كن لليتيم كالأب الرحيم . وروي عن أبي هريرة أن رجلا شكا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قسوة قلبه فقال : " إن أردت أن يلين ، فامسح رأس اليتيم ، وأطعم المسكين " . وفي الصحيح عن أبي هريرة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : أنا وكافل اليتيم له أو لغيره كهاتين ، وأشار بالسبابة والوسطى .
وهذا يحثنا على كفالة اليتيم والإحسان إليه لما في ذلك من فضل عظيم وتأسيا بفعل الحبيب صلى الله عليه وسلم .
( وأما السائل فلا تنهر )
والوصية الثانية من الله عز وجل كانت بالسائل
والتعريف في ( السائل ) تعريف الجنس فيعم كل سائل ، أي : عما يسأل النبيء - صلى الله عليه وسلم - عن مثله .
وقيل : المراد بالسائل الذي يسأل عن الدين .
ومعنى النهرهو : الزجر بالقول
معنى الآية : لا تكن جبارا ، ولا متكبرا ، ولا فحاشا ، ولا فظا على الضعفاء من عباد الله .
وقال قتادة : يعني رد المسكين برحمة ولين . ( وهذا بمفهوم المخالفة ).
ودلت الآية على النهي عما هو أشد من النهر في الأذى كالشتم والضرب والاستيلاء على المال وتركه محتاجا ، وليس من النهر نهي السائل عن مخالفة آداب السؤال في الإسلام .
( وأما بنعمة ربك فحدث)
أريد بالنعمة هنا الجنس فيفيد عموما في المقام الخطابي ، أي : حدث ما أنعم الله به عليك من النعم ، فحصل في ذلك الأمر شكر نعمة الإغناء ، وحصل الأمر بشكر جميع النعم لتكون الجملة تذييلا جامعا .
وقيل:المراد بنعمة ربه نعمة الهداية إلى الدين الحق .
وقيل : المراد بها النبوّة .
ومعنى التحديث هوالإخبار ، أي : أخبر بما أنعم الله عليك اعترافا بفضله ، وذلك من الشكر .
والخطاب للنبيء - صلى الله عليه وسلم - فمقتضى الأمر في المواضع الثلاثة أن تكون خاصة به ، وأصل الأمر الوجوب ، فيعلم أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - واجب عليه ما أمر به ، وأما مخاطبة أمته بذلك فتجري على أصل مساواة الأمة لنبيها فيما فرض عليه ما لم يدل دليل على الخصوصية ، فأما مساواة الأمة له في منع قهر اليتيم ونهر السائل فدلائله كثيرة مع ما يقتضيه أصل المساواة .
وأما مساواة الأمة في الأمر بالتحدث بنعمة الله فإن نعم الله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - شتى منها ما لا مطمع لغيره من الأمة فيه ، مثل نعمة الرسالة ونعمة القرآن ونحو ذلك من مقتضيات الاصطفاء الأكبر ، ونعمة الرب في الآية مجملة .
ومنه ما يدخل التحديث به في واجب الشكر على النعمة ، فهذا وجوبه على النبيء - صلى الله عليه وسلم - خالص من عروض المعارض ; لأن النبيء معصوم من عروض الرياء ولا يظن الناس به ذلك فوجوبه عليه ثابت .
وقال القرطبي : الخطاب للنبيء - صلى الله عليه وسلم - والحكم عام له ولغيره . قال عياض في الشفا : " وهذا خاص له عام لأمته".
فنعم الله التي أنعم بها على نبيه - صلى الله عليه وسلم - كثيرة منها ما يجب تحديثه به وهو تبليغه الناس أنه رسول من الله ، وأن الله أوحى إليه ، وذلك داخل في تبليغ الرسالة ، وقد كان يعلم الناس الإسلام فيقول لمن يخاطبه : أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله .
ومنها تعريفه الناس ما يجب له من البر والطاعة كقوله لمن قال له : اعدل يا رسول الله . فقال : " أيأمنني الله على وحيه ولا تأمنوني ؟ ! " .
ومن الفوائد التي يمكننا الاستفادة منها من هذه السورة الكريمة :
1- تورث سورة الضحى الزهد في الدنيا لتوفر النعم الثلاث لذا يجب علينا زيادة التعلق بالآخرة .
2- بيان مكانة نبينا صلى الله عليه وسلم وبذلك يزداد حبنا له والتأسي به .
3- محبة الله وإكرامه لا تكون بالإمداد بمتاع الدنيا فقط " وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى " فالآخرة هي دار الجزاء والحساب .
4- الترغيب في ثواب الآخرة . " وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى " فيتسلى بها من لم يحصل له شي من متاع الدنيا .
ومثله لمن دعا الله بأمر من الدنيا فلم يستجب له .
5- عطاء الله لا حدود له ولا مقيد لنوعه " ولسوف يعطيك ربك فترضى"
6- امتثال نبينا صلى الله عليه وسلم لما أنزله الله عز وجل عليه فكان رسول صلى الله عليه وسلم بعد هذه السورة أزهد الناس في الدنيا .
وقد خير صلى الله عليه وسلم آخر عمره بين البقاء في الدنيا أو الانتقال إلى الآخرة فاختار الرفيق الأعلى .
7- المنة بهداية النبي صلى الله عليه وسلم ولم يمتن علينا بولادته صلى الله عليه وسلم, وهذا يدل على تعظيم الوحي .
8- وجوب مقابلة نعم الله بالشكر. فنجد النهي عن نهر اليتيم مناسب لنعمة " أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى ...." وإعطاء الفقير مناسب لحالة الإغناء بعد الفقر.
والثالثة:- التحدث بالهداية دعوة إلى الله. " وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ " فسرت النعمة في السورة التي بعدها " أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ " , فالهداية أعظم النعم.
9- على الإنسان أن يعامل غيره بما يحب أن يعامل به ربه .
10- اليتم والفقر من الأسباب المبعدة عن الهداية غالباً.
11- ومن أسباب الهداية الإيواء والإغناء. لذا حث النبي صلى الله عليه وسلم على كفالة اليتيم
قال صلى الله عليه وسلم ( أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا . وأشار بالسبابة والوسطى ، وفرج بينهما شيئا )
12- لا يجوز للمخلوق أن يقسم إلا بالخالق وقسم الله بشيء من مخلوقاته يدل على عظمته ووجوب التفكر في هذه المخلوقات المقسم بها.
هذا والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 17 ذو القعدة 1437هـ/20-08-2016م, 09:08 PM
تماضر تماضر غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى الثامن
 
تاريخ التسجيل: Aug 2014
المشاركات: 521
افتراضي

أولا: عنوان الدرس: محبة الله والطريق الموصل إليها.
ثانياً: فئة المتلقّين: عامة المسلمين.
ثالثاً: مقاصد الدرس :
1- بيان الطريق الصحيح الموصل لمحبة الله.
2-معرفة أسباب محبة الله للعبد وتطبيقها.
3-معرفة ثمرات محبة الله.

رابعاً: العناصر الرئيسة للدرس:
1- بيان مناسبة الآية لما قبلها.
2- سبب نزول الآية.
3-مقصد الآية.
4- لماذا قدم الله سبحانه هذه الآية بفعل الأمر (قل)؟
5-من المخاطب في الآية؟
6-ما معنى محبة العبد لله تعالى؟
7-كيف يكون اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ؟
8- ما هي الأسباب الجالبة لمحبة الله للعبد؟
9-ماهي ثمرات محبة العبد لربه؟
10-ما المراد بالمغفرة ولماذا ختم الله تعالى الآية بقوله (والله غفور رحيم) ؟


خامساً: بداية الدرس :
ستكون بعرض قصة اشتقت إليه ( http://hindamer.com/?p=661)
ثم التعليق عليها :
كيف يصل الإنسان إلى هذه المنزلة من محبة الله والشوق إليه؟
أليس كل واحدة منّا تتمنى أن تتذوق طعم الإيمان ومحبة الله والشوق إليه ؟
أليس الجميع هنا يقول أنه يحب الله؟
كيف تكون محبة العبد لله وما هي الأسباب الجالبة لمحبة الله للعبد؟
هذا ما سنعرفه في درس اليوم في تفسير قوله تعالى ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم).
فإن المؤمنُ إذا عرفَ ربَّه أحبَّه، وإذا أحبَّه أقبلَ إليه، وإذا وجدَ حلاوةَ الإقبال إليه لم ينظُر إلى الدنيا بعينِ الشهوة،ولم ينظُر إلى الآخرة بعين الفترة.


سادساً: خاتمة الدرس
إذن حقيقةُ المحبَّة هي: أن تهبَ كلَّك لمن أحبَبتَه حتى لا يبقَى لك منه شيءٌ، وتسبِقَ محبَّةُ الله جميعَ المحابِّ وتغلِبَها، وتكون سائرُ محابِّ العبد تبَعًا لهذه المحبَّة التي بها سعادةُ العبد وفلاحُه.
وبمِقدار ما يستكثِرُ المرءُ من حبِّ الله بمِقدار ما يشعُر بلذَّة الإيمان وحلاوتِه، ومن غمرَ قلبَه بمحبَّة الله أغناه ذلك عن محبَّة غيره وخشيتِه والتوكُّل عليه؛ فلا يُغنِي القلب ولا يسُدُّ خلَّتَه، ولا يُشبِعُ جوعتَه إلا محبَّتُه - سبحانه -.
ولو حصلَ له كلُّ ما يلتذُّ به لم يأنَس ولم يطمئِنّ إلا بمحبَّة الله - عز وجل -، وإذا فقدَها القلبُ كان ألمُه أعظمَ من ألَم العين إذا فقدَت نورَها، والأُذن إذا فقدَت سمعَها، والأنف إذا فقدَ شمَّه، واللسان إذا فقدَ نُطقَه؛ بل فسادُ القلب إذا خلا من محبَّة فاطِره وبارِئِه وإلهِه الحق أعظمُ من فساد البدَن إذا فقدَ الروح.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقني وإياكم حبه وحب من يحبه وحب كل عمل يقربنا إلى حبه ، وأن يوفقني وإياكم إلى مرضاته إنه ولي ذلك والقادر عليه و صلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا إلى يوم الدين.



سابعاً: طريقة إلقاء الدرس
إلقاء الدرس في اجتماع عائلي.

ثامناً: الوسائل المساعدة
1-استخدام مكبرات الصوت.
2-سماع الآية من قارئ جيد.
3-استخدام أسلوب الأسئلة والاستفهام للتفاعل مع الحاضرين.



الدرس

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين هذا الموضوع ، موضوع مهم جدا ، وهو أسباب محبة الله للعبد ولكن قبل ذلك لابد أن نبين محبة العبد لله عز وجل لأن هذا هو أصل العبادة ، أصل العبادة محبة الله سبحانه وتعالى ، محبة العبد لله عزوجل ، فالعبادة أصلها الحب ثم بالخوف والرجاء والرغبة والرهبة والتوكل الخ أنواع العبادة ولكن أساسها ومدارها على المحبة ، محبة الله سبحانه وتعالى .
فالعبادة هي غاية الحب مع غاية الذل لله سبحانه وتعالى كما قال الإمام ابن القيم :
وعبادة الرحمن غاية حبــه ـ ـ ـ ـ مع ذل عابــده هما قطبــــان
وعليهما فلك العبادة دائـــر ـ ـ ـ ـ ما دار حتى قامت القطبـــان
ومداره بالأمر أمر رسوله ـ ـ ـ ـ لا بالهوى والرأي والشيطـان
فمحبة الله تقتضي الذل له سبحانه وتعالى والخضوع بين يديه والتقرب إليه بما شرع من أنواع العبادات الكثيرة ، فالمؤمن يحب الله محبة خالصة وكذلك يحب من يحبه الله من ملائكته وأنبيائه ورسله وعباده الصالحين وهذا يسمى الحب في الله .
وسأذكر لكم قصة قصيرة مشوقة في هذا الباب تقول فيها الأستاذة هند عامر :
يا أحباب
سأحدثكم عن حكاية صديقة تملك هدوء عجيب, وابتسامه دائمة*
لها هيبة في قلبي لحلمها, وثباتها على الحق
أسأل الله أن يديم ثباتها عليه وأن يختم بالصالحات أعمالها
دعوني أسمي صديقتي تلك باسم فاتن .. ليسهل سرد الحكاية* -
ففي أحد الأيام كنت أقف مع زميلة أخرى في أحد ممرات الجامعة, فأقبلت (فاتن)
مددت يدي لأصافحها كالعادة *فصافحتني بثقل شديد, كانت مرهقة ومتعبة ومتوترة ,
بدا وكأنها تحمل حملا ثقييييلا على كاهلها
أعرف فاتن, أعرفها جيدا..
طاقتها في الاحتمال عالية جدا, كيف وصلت لهذه الحالة من التعب,
وما هو الأمر الذي لم تستطع تحمله؟
شددت على يديها ورفعت رأسها, كان أول ما رأيته دموعا حائرة في عينيها .
همست لها: ما رأيك لو نذهب إلى مكان أكثر هدوءً ؟
وافقتني بإيمائه بسيطة
أمسكت بيدها وذهبت بها إلى مصلى الجامعة, جعلتها تجلس مستندة إلى الحائط – لشدة تعبها-
وجلست أنا بالاتجاه المقابل
كانت دموعها كسيل ممتد !!
*
سألتها: ما بك؟ مالذي حدث؟ هل توفي أحد؟ هل ……هل……..

في كل مرة كانت ترد: لا
لما استفرغت كل الأسئلة.. سألتها:
حسنا يا فاتن .. لم أرك بهذه الحالة قط, ما هو الأمر الذي زلزلك؟
جاء ردها صادما .. قالت:
(اشتقت إليه .. اشتقت إليه يا هند)
ظننتها تتحدث عن خطيبها .. إذ كان أهلها يصرون على تأجيل عقد القران
بدأت أحاول أن أريها الجانب المشرق في تأجيل الزواج.
قالت: هند .. أنا لا أتحدث عن فلان
قلت: اذن عن من تتحدثين؟
فعادت إلى نشيجها الصامت.
شددت على يديها وقلت: من هذا الذي يقتلك شوقك إليه؟
قالت:
الله .. حبيبنا جل في علاه
-
يا هند منذ مدة وأنا لم أنم,
أفكر هل سأرى الله يوم القيامة أم سأحرم من رؤيته بذنوبي؟!
كلما قرأت عن أسماء الله وصفاته وكلما رأيت شواهد رحمته زاد شوقي له,
وزاد خوفي من ذنوبي
والله أني لأتساءل كم سأعيش؟!,
ما عدت أتحمل طول الحياة لشدة شوقي إلى الله
ألا تشتاقين إلى الله يا هند؟!!
ألا تخافين من أن تحرمي رؤيته بذنوبك؟!
كل تلك الأفكار تفتك بي وتريدينني أن لا أبكي؟!
لأول مرة أشعر بعجز تام ، شعرت أن كلماتها تقرع قلبي قرعًا !
لم أدر بما ذا أجيبها !
من السهل أن تحتوي من يبكي خوفا من الله, وتردد عليه أجمل آية رجاء:
(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)
لكن كيف تحتوي من يبكي شوقا ؟!
بدأت أنظر إليها وأنا أحاول أن أعثر على كلاما أجيبها به
لكني تلعثمت وشعرت أن الأحرف تفر مني فرارا
بقيت فترة ثم شعرت أنه لا رغبة لي بالكلام
قمت, واستندت إلى الحائط بجوارها
وأطلقت لدموعي *العنان وأنا أستحضر أسئلتها:
ألا تشتاقين إلى الله يا هند؟!
ألا تخافين من أن تحرمي رؤيته بذنوبك؟!
كل تلك الأفكار تفتك بي وتريدينني أن لا أبكي؟!

ياترى كيف يصل الإنسان إلى هذه المنزلة من محبة الله والشوق إليه؟
أليس كل واحدة منّا تتمنى أن تتذوق طعم الإيمان ومحبة الله والشوق إليه ؟
أليس الجميع هنا يقول أنه يحب الله؟
كيف تكون محبة العبد لله وما هي الأسباب الجالبة لمحبة الله للعبد؟
هذا ما سنعرفه في درس اليوم في تفسير قوله تعالى ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم).
وبعد ما ذكر الله سبحانه الترهيب في الآية السابقة وختمه بالترغيب في قوله :(والله رؤف بالعباد) والرأفة تستلزم محبة المرؤف به للرؤف ، فجعلت محبة الله الحقيقية يسبقها شرط الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم حتى يحصل المحب على فوق ما يرجوه وهو محبة الخالق الرؤف الرحيم له فقال تعالى:(قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني...) الآية
-سبب النزول
وقد ذكر في سبب نزولها أقوال أقربها والله أعلم ما رجحه ابن جرير رحمه الله وبه قال ابن عثيمين رحمه الله : وهو أن نصارى نجران، قالوا: إنما نقول هذا في عيسى حبا لله وتعظيما له، فنزلت هذه الآية، فيكون قوله (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني) جوابًا على قولهم ، واحتجاج من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ، ودليل على بطلان قولهم في المسيح .

وبعض السلف يسمي هذه الآية آية المحنة ، أي آية الابتلاء والاختبار ، فهي حاكمة على كل من ادعى محبة الله ولم يتبع الصراط المستقيم الذي دعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم فهو كاذ في دعواه ، فالكل يدعي محبة الله وهذه الدعوى سهلة لكن الكلام على البينة ، والبينة على المدعي.
وقد خاطب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله (قل إن كنتم) وفي هذا التعبير توكيد ومزيد عناية بهذا القول الذي أُمر أن يقوله ، لأنه أمر بالتبليغ خاص بهذا القول.
أي قل يا رسول الله لهؤلاء النصارى إن كنتم تحبون الله، والمحبة انفعال نفساني ينشأ عند الشعور بحسن شيء : من صفات ذاتية . أو إحسان ، أو اعتقاد أنّه يُحِب المستحسِنَ ويَجُر إليه الخير .
ومحبة العبد لله محبة لله نفسه لذاته ولما أنعم عليه من النعم ، وليست محبة الله كمحبة الزوجة أو الطعام أو اللباس وغير ذلك ، فإن محبة الله لا يشبهها شيء.
والله هو المألوه ، أي المعبود حبًا وتعظيمًا.
فاتبعوني : أي حققوا قولكم الذي تقولونه إن كنتم صادقين باتباعكم إياي ، فإنكم تعلمون إني رسول الله إليكم كما كان عيسى رسولا إلى من أرسل إلي ، واقتدوا بي واعملوا بما في الشريعة الإسلامية في جميع الأحوال عقيدة وقولا وفعلا وتركًا في أصول الدين وفروعه ، في الظاهر والباطن ، فمن اتبع الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه الأربع صدق في اتباعه ، ومن خالف فهو غير صادق.
وأنواع الاتباع على التفصيل:
1-اتباعه عقيدة: بحيث تكون عقيدته على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم لا تحريف ولا تعطيل ، ولا تكييف ولا تمثيل ، ولا شك ولا تردد ، بل إيمان كامل خال من جميع الشوائب.
2-3-اتباعه في القول وكذلك في العمل : بأن لا يزيد ولا ينقص عما جاءت به الشريعة من الأقوال والأعمال.
4-وتركًا بأن يترك كل ما نهت عنه الشريعة من الأقوال والأعمال والنيات ، وترك كل ما لم يتعبد به الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :" من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" فمن تعبد بشيء لم يتعبد به النبي صلى الله عليه وسلم فهو مخالف له ومردود منه.
(يحببكم الله) كيف يحبنا الله ؟ ما هي السبل الموصلة لمحبة الله؟ ذكرها ابن القيم وقال:
أحدُها: قراءةُ القرآن بالتدبر والتفهّم لمعانيه وما أُريدَ به، كتدبّر الكتابِ الذي يحفظه العبدُ ويشرحه؛ ليتفهَّم مُرادَ صاحبه منه.
الثاني: التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض فإنها توصله إلى درجة المحبوبيَّة بعد المحبة.
الثالث: دوام ذكره على كل حال باللسان والقلب والعمل والحال فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من هذا الذكر.
الرابع: إيثارُ محابّه على محابّك عند غلَبَات الهوى، والتسَنُّمُ إلى محابّه وإن صَعُبَ المرتقى.
الخامس: مطالعة القلب لأسمائه وصفاته، ومشاهدتها ومعرفتها، وتقلّبه في رياض هذه المعرفة ومباديها؛ فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أحبَّه لا محالة، ولهذا كانت المعطّلة والفرعونية والجهمية قطّاع الطريق على القلوب بينها وبين الوصول إلى المحبوب.
السادس: مشاهدة برِّه وإحسانه وآلائه ونعمه الباطنة والظاهرة فإنها داعية إلى محبته.
السابع: وهو من أعجبها، انكسار القلب بكليته بين يدي الله تعالى، وليس في التعبير عن هذا المعنى غير الأسماء والعبارات.
الثامن: الخلوة به وقت النزول الإلهي لمناجاته وتلاوة كلامه، والوقوف بالقلب والتأدب بأدب العبودية بين يديه، ثم ختم ذلك بالاستغفار والتوبة.
التاسع: مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم كما ينتقى أطايب الثمر، ولا تتكلَّم إلا إذا ترجَّحتْ مصلحة الكلام، وعلمتَ أنَّ فيه مزيدًا لحالك ومنفعةً لغيرك.
العاشر: مباعدةُ كلِّ سببٍ يحولُ بينَ القلب وبينَ اللهِ عزَّ وجلَّ.
فمِنْ هذه الأسباب العشرة وصلَ المحبُّونَ إلى منازل المحبَّة ودخلوا على الحبيبِ، وَمَلاكُ ذلك كلِّه أمران:
- استعدادُ الرُّوحِ لهذا الشأن.
- وانفتاحُ عينِ البصيرةِ.
فحبُّ الله يحمِلُ المرءَ على فعل الواجِبات وتركِ المُحرَّمات، ويحمِلُ العبدَ على فعل المُستحبَّات، وينهَاهُ عن المكرُوهات.
حبُّ الله يملاُ القلبَ بلذَّة الإيمان وحلاوتِه، «ذاقَ طعمَ الإيمان من رضِيَ بالله ربًّا، وبالسلام دينًا، وبمُحمَّدٍ رسولاً».

وبعد أن عرفنا أسباب محبة الله للعبد ذكر الله ثمرات هذه المحبة (يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم )
ومغفرة الذنوب هي ستر الذنب والصفح عن العقوبة عليها و العفو عما مضى منها
، وعبر الله سبحانه بالفعل المضارع في قوله (يغفر)*
لأنه سبحانه لم يزل ولا يزال غفورًا ، فهو كثير المغفرة
والذنب هو المعصية ، وقد عبر عنه بجمع مضاف إلى معرفة (ذنوبكم) ليفيد العموم ، أي أنه يعفو ويصفح عن كل ذنب ومعصية وهذا من شمول رحمته.
ومن ثمرات محبة العبد لربه واتباعه لنبيه صلى الله عليه وسلم بالتفصيل:
1-محبة الله للعبد ، وهذا ما يسعى إليه كل إنسان ، فليس هناك أعظم من هذا الأمر وهو محبة الله للعبد نسأل الله من فضله.
فمن أحبه الله غفر له ذنبه ورحمه وسدده في جميع حركاته وسكناته .
2-مغفرة الذنوب ، بتيسير أسباب المغفرة للعبد ولكمال فضل الله عليه.
مجموع ما ذكره السعدي وابن عثيمين.
3- حبُّ الناسِ له والقبول في الأرض ، كما في حديث البخاري (3209) : " إذا أحبَّ الله العبد نادى جبريل إن الله يحب فلاناً فأحببه فيحبه جبريل فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض " .
3- : ما ذكره الله سبحانه في الحديث القدسي من فضائل عظيمة تلحق أحبابه فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ قَالَ : مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ " رواه البخاري 6502
فقد اشتمل هذا الحديث القدسي على عدة فوائد لمحبة الله لعبده :
1- " كنت سمعه الذي يسمع به " أي أنه لا يسمع إلا ما يُحبه الله ..
2- " وبصره الذي يبصر به " فلا يرى إلا ما يُحبه الله ..
3- " ويده التي يبطش بها " فلا يعمل بيده إلا ما يرضاه الله ..
4- " ورجله التي يمشي بها " فلا يذهب إلا إلى ما يحبه الله ..
5- " وإن سألني لأعطينه " فدعاءه مسموع وسؤاله مجاب ..
6- " وإن استعاذني لأعيذنه " فهو محفوظٌ بحفظ الله له من كل سوء ..
نسأل الله من فضله.

وقد ختم الله هذه الآية بالجمع بين صفتي المغفرة والرحمة في قوله (والله غفور رحيم): للجمع بين الوقاية والعناية ، فالوقاية من شر الذنوب بالمغفرة ، والعناية بالتيسيير لليسرى وتجنيب العسرى تكون بالرحمة. ابن عثيمين

كما أنه يستفاد من الآية إثبات صفة المحبة بين العبد والرب من الجانبين
، لأن الله قال:(تحبون الله) فأثبت أن الإنسان يحب الله ، وقال (فاتبعوني يحببكم الله) فأثبت أن الله يحب الإنسان وهي محبة حقيقية خلافًا لمن أولها.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال :إني أحب فلانا فأحبه ،قال فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه ،فيحبه أهل السماء - قال - ثم يوضع له القبول في الأرض ، وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلانا فأبغضه، قال :فيبغضه جبريل ،ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه، - قال - فيبغضونه ثم توضع له البغضاء في الأرض.
-وكذلك إثبات نبوة نبينا محمد ﷺ*، لأن الله جعل اتباعه سببا لمحبة الله لعبده.
-كما يستفاد أيضا أنه كلما قوي اتباع العبد للرسول صلى الله عليه وسلم كان أكثر محبة لله وارتقى واعتلى في درجات الإيمان ونال محبة الله.
-وأنه ينبغي للإنسان حينما يعمل الصالحات أو يترك المحرمات أن يستشعر اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم.
-أن الجزاء من جنس العمل فقد قال تعالى (فاتبعوني) فجعل لاتباع برهانًا على صدق دعوى المحبة وجعل الجزاء من جنس الحال أن الله يحب العبد بسبب إيمانه ومحبته لله واتباعه أوامره.
-الحرص على التوبة والاستغفار لينال العبد بذلك رحمة الله ومغفرته لذنوبه.
-من شروط قبول العمل الصالح الاخلاص والاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم ، فمن فقد في عمله أحد هذين الشرطين أو كلاهما فعمله مردود.


إذن حقيقةُ المحبَّة هي: أن تهبَ كلَّك لمن أحبَبتَه حتى لا يبقَى لك منه شيءٌ، وتسبِقَ محبَّةُ الله جميعَ المحابِّ وتغلِبَها، وتكون سائرُ محابِّ العبد تبَعًا لهذه المحبَّة التي بها سعادةُ العبد وفلاحُه.
وبمِقدار ما يستكثِرُ المرءُ من حبِّ الله بمِقدار ما يشعُر بلذَّة الإيمان وحلاوتِه، ومن غمرَ قلبَه بمحبَّة الله أغناه ذلك عن محبَّة غيره وخشيتِه والتوكُّل عليه؛ فلا يُغنِي القلب ولا يسُدُّ خلَّتَه، ولا يُشبِعُ جوعتَه إلا محبَّتُه - سبحانه -.
ولو حصلَ له كلُّ ما يلتذُّ به لم يأنَس ولم يطمئِنّ إلا بمحبَّة الله - عز وجل -، وإذا فقدَها القلبُ كان ألمُه أعظمَ من ألَم العين إذا فقدَت نورَها، والأُذن إذا فقدَت سمعَها، والأنف إذا فقدَ شمَّه، واللسان إذا فقدَ نُطقَه؛ بل فسادُ القلب إذا خلا من محبَّة فاطِره وبارِئِه وإلهِه الحق أعظمُ من فساد البدَن إذا فقدَ الروح.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقني وإياكم حبه وحب من يحبه وحب كل عمل يقربنا إلى حبه ، وأن يوفقني وإياكم إلى مرضاته إنه ولي ذلك والقادر عليه و صلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا إلى يوم الدين.




#ملاحظة استفدت في صياغة الدرس النهائية من محاضرة الشيخ صالح الفوزان والشيخ محمد المنجد حفظهم الله.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 18 ذو القعدة 1437هـ/21-08-2016م, 01:37 AM
عابدة المحمدي عابدة المحمدي غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى السابع
 
تاريخ التسجيل: Aug 2014
المشاركات: 483
افتراضي

أنموذج البدء في المرحلة الثانية لإعداد درس التفسير


أولا: عنوان الدرس: البشرى بالنصر والفتح للإسلام.
ثانياً: فئة المتلقّين: عامة النساء
ثالثاً: مقاصد الدرس [1]:
1_البشرى بانتشار الإسلام واضمحلال الشرك قبل حدوثه بسنتين .
2إن الدين عند الله الإسلام فمن عبد الله بغيره فلن يقبل منه . 3الإكثار من التسبيح والتحميد والإستغفار فهو معين على النصر ويعجل به , وخاصة بعد الفراغ من العبادات وأوقات الفرح شكرا وثناء لله وكسرا للإعجاب بالنفس .
4قرب أجل الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك للإنتهاء من الرسالة التي كلف بها فلم يتبقى إلا استيفاء الأجل .

رابعاً: العناصر الرئيسة للدرس [2]:
1شرح مقدمات السورة.
2شرح الأيه الأولى ومعرفة معنى النصر والفتح وبشارة الرسول صلى الله عليه وسلم بالنصر وفتوح البلدان قبل حدوثه بفتره لاتقل عن سنتين .
3شرح الآية الثانية .
4الصبر حتى ينزل النصر من الله أو التمكين للعبد فهذه سنة الله في خلقه .
5 شرح الآية الثالثة .
6من أسباب النصر التسبيح والتحميد والإستغفار والإكثار منه في أوقات الفراغ وبعد العبادات .
7نعي النبي نفسه صلى الله عليه وسلم في هذه السورة .
خامساً: بداية الدرس [3]:
1 ما هي آخر سورة نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم على أحد الأقوال؟
2 عرض اسم السورة على الشاشة مع الآيات .
3 قراءة الآيات .
4 ربط الآيات بالواقع .

سادساً: خاتمة الدرس [4]:
1 تسجيل الفوائد السلوكية على شاشة العرض واستنباطها من الطالبات .
2فضل البشرى في الإسلام والحث عليه كما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بذلك "بشروا ولا تنفروا" .
3 استحضار معية الله عز وجل للعبد أثناء ذكره "أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه" .
4 أن أفضل الذكر في أوقات الغفلة فلنحرص عليه .
5 الصبر في أوقات الشدة حتى نزول الفرج من أسباب النصر .

سابعاً: طريقة إلقاء الدرس [5]
درس مباشر "طريقة حوارية"

ثامناً: الوسائل المساعدة [6]
1شرائح عرض للايات .
2تقسيم الفصل الى مجموعات لا تزيد عن خمس طالبات .
3 الأمثلة الواقعية والقصص المناسبة .

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 18 ذو القعدة 1437هـ/21-08-2016م, 08:48 PM
هبة الديب هبة الديب غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Aug 2014
المشاركات: 1,274
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم .

فتنة المال
بين البطر وكفران النعم وضوابط التعامل معها

مقدمة:
[الحمد لله حمدََا كثيرََا طيبََا مباركََا فيه ؛كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه ،وأصلي وأسلم على النبي المصطفى وآله وصحبه أجمعين ، وأثني على ما أسدل ربنا علينا من النعم ، وأعظم تلك النعم أن أنزل القرآن على نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ ليكون للعالمين هاديا وبشيرا ونذيرا ،
قال تعالى: "وأوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ " (المائدة 19) ، وقوله تعالى: "ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين" ( النحل 89)،وقصّ علينا من القصص ما فيها العبرة والعظة ، فمن تدبرها وعلم مقاصدها وعمل بها كانت له نعم المرشد ، ،قال تعالى :" فاقصص القصص لعلهم يتفكرون" (الأعراف 176) ، ومن تأمل واقع المسلمين اليوم وأحوالهم؛ ما خرجت عن أحوال من سبقهم ، وقد أتاهم ذكرهم ، قال تعالى :"لقد أنزلنا إليكم كتابََا فيه ذكركم أفلا تعقلون "(الأنبياء10) أي فيه حديثكم وقيل فيه شرفكم ورفعتكم، فهل قرؤا الكتاب وتدبروا القصص والأمثال ،أم ماجت بهم الشهوات وتخطفتهم الأهواء .؟!

أيها الأخوة والأخوات .
إنّ حديثنا اليوم عن نعمة عظيمة من نعم المعطي الوهاب؛ هذه النعمة ما من عبد إلا ويسأل الله تعالى بأن يعطيه منها، نعمة جُبلت النفوس على حبّها ،وافتتنت بها الفتن العظيمة ألا وهي فتنة المال ، قال تعالى :"المال والبنون زينة الحياة الدنيا " (الكهف)، وكان الغرض من طرح هذا الموضوع؛ هو الوقوف على تداعيات انتشار الفساد بسبب سوء التعامل مع هذه النعمة ، لنقف جميعا ناصحين ومذكّرين بمن سلف، وبيان واجبنا تجاه هذه النعمة ، فارتأيت أن يكون عنوان محاضرتنا اليوم :

( فتنة المال بين البطر وكفران النعم وضوابط التعامل معها).
فنعمة المال فتنة؛ لأنّ الله تعالى يهبها لمن يشاء من عباده ابتلاء واختبارا، وليست دليل اجتهاد من المرء وليست دليلا على محبة الله ورضاه ،قال تعالى :" وإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة من عندنا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون " (الزمر49) .
والبطر : دهش يعتري الإنسان من سوء احتمال النعمة وقلة القيام بحقها وصرفها إلى غير وجهها فيدخل في كفر النعم ،

قال تعالى :"وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلا قَلِيلا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ "(القصص58)
أما ضوابط التعامل معه : وهو بيت القصيد المرجو لعلاج الواقع .
وليس أعظم من الحديث عن علاج هذا الأمر؛ من قصة قارون مع موسى وقومه ، فقد أخبرنا الله تعالى عن كيفية التعامل مع هذه المسألة ؛بما يحقق صلاح النفس وصلاح المجتمع في الدنيا والآخرة .]

بسم الله الرحمن الرحيم .
قال الله تعالى في محكم التنزيل :
﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ. وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ. قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ. فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ. وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ. فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ . وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ﴾
الدرس:
[هذه الآيات الكريمة من سورة القصص وهي سورة مكية ركّزت على قضية الموازيين الحقيقية لمعنى القوى والقيم ، وذلك من خلال إظهار قدرة الله وسنته بنصرة المستضعفين ،وإهلاك المستكبرين .

وقد سميت بهذا الاسم لأنها نزلت تقُّص على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عدة قصص منها سيرة النبي موسى عليه السلام وقصته مع فرعون ؛ وقصته مع قارون ، وقصته مع شعيب عليه السلام،وذلك تسلية له صلى الله عليه وسلم وتثبيتا له بالصبر كما صبر موسى عليه السلام على قومه.


وقد ضرب الله الأمثال للمشركين في جميع أحوالهم بأمثال نظرائهم من الأمم السالفة؛ حيث ضرب في هذه السورة لحال تعاظمهم بأموالهم مثلاً بحال قارون مع موسى وأن مثل قارون؛ صالح لأن يكون مثلاً لأبي لهب ولأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قبل إسلامه في قرابتهما من النبي صلى الله عليه وسلم وأذاهما إياه، وللعاصي بن وائل السهمي في أذاه لخباب بن الأرتّ وغيره، وللوليد بن المغيرة من التعاظم بماله وذويه، قال تعالى
{ ذرني ومن خلقت وحيداً وجعلت له مالا ممدوداً } ، وذلك ليبيّن عاقبة البغي والجبروت في الدنيا والآخرة ، فخسف به الأرض جزاءََ ومقابلة لعلوّه واستكباره ، وغدا مثلا يُضرب به وتذكرة لعاقبة من ينحو على أثره .

أيها الأخوة والأخوات :

(إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى) أي من بني إسرائيل ممن كانوا مستضعفين في عهد فرعون ، فماذا فعل ؟( فَبَغَى عَلَيْهِمْ ) تكبّر وتجبر عليهم، فما السبب؟ (وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ ) وسبب ذلك ما فتح الله له من الكنوز والأموال الطائلة ، حيث مفاتيح خزائنه لتثقل على الجماعة القوية حملها ،لكن الله تعالى لم يُبين لنا نوع البغي الذي صدر منه، وذلك ليتسع ذهن السامع بشتى صور البغي، فربما بغى عليهم بالظلم واغتصاب أملاكهم، وربما كان البغي عليهم بحرمانهم حقهم في المال، أي حق الفقراء في أموال الأغنياء ، لكن ما كان دور مؤمني قومه في تصرفه ،هل سكتوا عن فعله ؟ الجواب لا، بل نصحوه بخمس جمل :

وسنقف على هذه النصائح بشيء من التفصيل ،لأنها محور حديثنا :
1-
النصيحة الأولى : (إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ ) النهي عن الفرح ،لكن أيّ فرح قصدوا ؟ قصدوا الفرح الناجم عن الاستكبار والعلو والفساد (البطر) .لكن لم نهوه عن هذا الفرح ؟ نهوه عن ذلك لعلمهم ب (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ.) بل يبغضهم وقد يعذبهم إن لم يتوبوا .
والنّفس جُبلت على حب المال لقوله تعالى :"المال والبنون زينة الحياة الدنيا "، والمساعد الأول للنفس وهو الشيطان جاهز ومترصد ، سيبذل طاقته في العمل على استنزاف هذا المال وبذله بما يعود على النفس بالهلاك ،لأنها وظيفته التي وعد الله بها بإضلال بني آدم ،ثم جاءت هذه النصائح لتذكر النفس بما يعود عليها من الصلاح في الدنيا والآخرة .
وسنقف على هذه النصائح بشيء من التفصيل ،لأنها محور حديثنا :

2- النصيحة الثانية :
(وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ) قارون كان ينفق المال في المعصية لذلك نصحوه بأن يكون عمله للآخرة ، ولو أنه كان صالحا في إنفاقه لما قالوا له ذلك ، ومعنى قولهم: أي اطلب واستعمل ما وهبك الله من المال
واجعلها وسيلة ترتقي بها منازل الجنة؛لاحظوا كيف أظهر الله تعالى نفسه الكريمة في الآية؛ ليذكر بأنّ ما يُؤتى الناس من المال إنما هي منه سبحانه ،فهو من بيده خزائن السماوات والأرض ، فهو المعطي لها ، قال تعالى :" هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون " (المنافقون7) .
ولو نظرنا لتنافس الناس اليوم في ابتغاء الدنيا وانغماسهم في المعاصي والفساد، لتيقنا خشية النبي الكريم صلى الله عليه وسلم على أمته، فقد روى
عمرو بن عوف رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: ((والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكنِّي أخشى أَنْ تُبْسَط عليكم الدُّنيا كما بُسِطَتْ على من كان قبلكم، فتَنَافَسُوها كما تَنَافَسُوها، وتهلككم كما أهلكتهم)) ، ولنطبق حال قارون مع اختلاف نسبة المال مع حال الكثيرين اليوم ، لكن قد لا يرى الإنسان نفسه ،فهنا يأتي دور الأخوة الناصحون له .

أيها الأكارم :
الإنفاق في سبيل الله له من الأثر الكبير، ألا ترى ثمرة الإنفاق في سبيل الله على النفس في الدنيا ؛ يقول فضيلة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
أنّ النّفس إذا تعودت على البذل وتروّضت على هذا الأمر، أصبح الإنفاق سجية لها ،فتنعكس بذلك النفس فتفرح وتنعم؛ وأيّد رحمه الله تعالى هذا القول بقول ابن القيم رحمه الله تعالى :" ومنها- أي ابتغاء الآخرة - الإحسان إلى الخلق ونفعهم بما يمكنه من المال والجاه والنفع بالبدن وأنواع الإحسان ،فإن الكريم المحسن أشرح الناس صدرا، وأطيبهم نفسا،وأنعمهم قلبا، وأما البخيل الذي ليس فيه إحسان؛ أضيق الناس صدرا وأنكدهم عيشا وأعظمهم همّا وغمّا " اهـ.

2- النصيحة الثالثة .
(وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ). ولأن الوسطية منهج للأمة الإسلامية في قيادة الناس والحياة ، فلا إفراط في أمور الدنيا ومباحاتها، ولا تفريط فيها،قال تعالى :"
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ "(الأعراف 32) فقد أُمر الإنسان بأن يأخذ نصيبه من الدنيا ،وهو يطلب الآخرة جنبا إلى جنب ، لكن ما هو النصيب ، كان القول الراجح بين أهل العلم أن النصيب هو كل يتمتع به الناس من المباحات كالأكل والشرب والملبس والمأكل من غير إسراف ولا مخيلة .
أيها الكرام :
تأملوا الوصية الثانية والثالثة في قوله تعالى:"
وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا " .
هل تبين معكم شيء؟
نعم؛ الأولى // تحضَ على العمل للآخرة .
والثانية // تدعو للأخذ من الدنيا بما وافق الشرع دون إسراف ولا مخيلة .
لكن هذا الجانب من الميزان طغى وللأسف
؛ ولم يقتصر على المباحات بل تجاوزه،ودخل في المحرمات، والتي أضحت نسأل الله السلامة مما اعتادوا عليه فألفوه ،ألا تلاحظوا انتشار الموسيقى والمهرجانات ،وظاهرة عري النساء، وانتشار الرذيلة في القنوات، فأصبحت الأمة بالتدريج تفقد هويتها .


3- الوصية الرابعة :
(وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ)

ثم عقّبوا بالوصية الثالثة ،لبناء الحجة عليهم فيما سبق ، وهذا من حسن دعوتهم ،وهذا الأسلوب ينبغي الحرص عليه في دعوة الناس وهو التذكير بنعم الله وإحسانه على عباده ،:لأن التذكير بإحسان الله ولطفه قد يُخجل الإنسان فيصرف عن المعصية ، بعكس الاقتصار على الأمر والنهي فقد تكون هذه الوسيلة قاصرة عن الاستجابة لها ، لذا يجب الحرص على الأنفع في مخاطبة الناس والألين لنفوسهم .

والأمر بالإحسان حرص عليه الشارع الحكيم ،فلم يخلو طلب الإحسان في كل قول وفعل ، فقد قال تعالى :" إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون "(النحل 90)، وفي بر الوالدين :" وبالوالدين إحسانا " (النساء 36) وفي الطلاق ،في قوله تعالى :"الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان "، حتى في القتل ؛ فقد روى الإمام مسلم
عن أبي يعلى شداد بن أوسٍ رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله كتب الإحسان على كل شيءٍ، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبْحة، ولْيُحِدَّ أحدُكم شفرته، ولْيُرِحْ ذبيحته)).

ونلحظ هنا أنه لم يبيَّن في أي شيء الإحسان، ليدل على العموم ، فيكون في بذل المال للمحتاجين وفي معاملة الغير وفي كل قول وفعل ، وفي قولهم "كما أحسن الله إليك" أي بإنعامه بالنعم عليك، ويدخل في ذلك شكر النعم التي يغفل عن مفهومها كثير من الناس.

أيها الإخوة والأخوات :

الشكر على النعم لا يقتصر على القول ؛بل هو أوسع وأشمل ،فالشكر يكون بفعل المأمور وترك المحظور ، وشكر النعمة استخدامها على الوجوه المشروعة لا المحرمة ، كأن تشتري بمالك طعاما مباحا ولباسا ساترا لا معصية فيه .

هناك جزئية مهمة جدا للوقوف عليها، وهي اغترار الناس بنعم الله عليهم وخاصة فيما أعطاهم من المال،ولا يزالون منغمسين في المعاصي، يقول تعالى :" يا أيها الإنسان ما غرّك بربك الكريم "(الانفطار6)
قيل غرّني حلمك وكرمك ، وقيل سترك ، وقد غفلوا أنه تعالى يستدرجهم بالنعم والأموال بين أيديهم ، فما لبث المال بين أيديهم ، تحوّلت نفوسهم وقد كانوا من قبل يتضرعون له ويلجؤون إليه ،فهو وليهم، فأصبحوا بعيدين كل البعد عن طرق بابه واللجوء إليه ،أصبح المال هو محطّ قلوبهم وأنظارهم ، شغلهم تنميّته، حتى غدوا عبّاد له دون أن يشعروا ، ومع ذلك ترى السعادة بعيدة عنهم ،ويتسألون عن سبب ذلك، وكأن الله تعالى ينبههم ليتيقظوا مما هم فيه، ويعودوا له مخلصين ..لكن لابد من أعمى وبصير في هذه الدنيا، أعمى لا يرى
هذه التنبيهات ،وأقصد بالأعمى أعمى البصيرة وليس البصر .

4- النصيحة الخامسة :
هذه النصيحة مثالا للقاعدة التي تقول الأمر بالشيء نهي عن ضده ، فلما كان فيما سبق الأمر بالإحسان ،أتى هنا بالأمر بضده وهو النهي عن الإفساد أي إلحاق الضرر .
وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم أمته من انتشار الفساد ،ألم تسمعوا ما روته
زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعاً يَقُولُ:
(( لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدْ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ، وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا، قَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ )).
ووجه الشاهد أنّ الفساد هو سبب إهلاك أمة بأكملها صالحها وطالحها ، فتأملوا رعاكم الله انتشار الربا والفضائيات والإنترنت وما ذكرناه من قبل عري النساء، وغيره نسأل الله السلامة .

( وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ): أي لا تسعى بالمعاصي وتجاهر بها ، فهذا محرم ،وآثاره اليوم من حولنا في غنى عن التمثيل بغيره ، وهل الحروب والويلات ما كانت إلا تبعات للفساد !، بدعوى التطور والتحضر، وهل التطور والتحضر بترك الدين واتباع الهوى .

ألستم في غنى عن شرع الله بدعواكم ، وأنّ العقول هي المقدمة في الحكم لديكم .
..إذن فما حصدتم؟!!
وهل هذا يحبه الله، فتأملوا القول
( إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ.).

إذن هنا رابط أيضا بين الوصية الرابعة والخامسة تبين من خلال قوله تعالى على لسان قوم قارون:"
وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ"، أمر بالإحسان ونهى عن الفساد.

نتابع لنتعلم ونحذر من مآل بطر قارون وكفره بالنعم .
فكل ماسبق انتفعنا به من قول الثلة المؤمنة من قوم موسى ناصين به قارون ، لكن ما كان رده ؟
(قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي) وهذا رد نسمعه اليوم كثيرا ،
فقد أنسى الغرور صاحبه مصدر هذه النعمة ،وأنّ المال يأتي بجدارة الإنسان وعلمه ، فما كان ردهم عليه ؟ قالوا: (أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ).فيتعظ بما حلّ بمن سبقه، وهذه رسالة لنا أيضََا لنتعظ بها وأمامنا كتاب الله ما ترك من شيء إلا وقد بيّنه وحذّر من العواقب.

ولا يخلو من ضعاف النفوس بين الناس ؛ تبيّنوا عند ظهور النعم ،عندما ( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ) أي قارون ، فما كان قول هؤلاء أصحاب النفوس الضعيفة :
(قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ).فكم بيننا اليوم من يرى أصحاب الأموال وقد سكنوا في أحسن البيوت وركبوا فاره المركبات ، وغفلوا عن مقصد المال وخطره، لكن من رحمة الله تعالى بعباده بأن يجعل منهم أهل علم وحكمة ، حمل على عاتقهم أمانة الرسالة والتبليغ فهؤلاء يمسكون بأيدي إخوانهم ويقولون: ( وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ). احذروا الفتنة ولا تنخدعوا ، فما عند الله خير وأبقى ، وما يناله إلا من صبر وحبس النفس عن الهوى ،قال تعالى :" فأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ".

وما مآل الطغاة والمتجبرون في أرض الله إلا كعاقبة قارون :
(فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ) .
وحينئذ سيعلم ضعاف النفوس حفظ الله لهم
(وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ).





[أيها الأخوة والأخوات .
أي موعظة بعد كلام الله تعالى وأيّ هديّ بعده، فاحرصوا على الأخذ به تدبرا وعملا يا رعاكم الله ، فهو دستوركم ورفعتكم في الدنيا والآخرة ، واحذروا النفس والشيطان والدنيا الغرور، واعلموا أنكم اليوم في دار العمل وغدا ستلقون ربكم ، فمن أحسن فلنفسه ، ومن أساء فعليها ، واعلموا أن نعمة الله تدوم بالشكر، والشكر حسن التعامل معها بما يرضي المعطي الوهاب .

أذكركم؛ خمسة ضوابط في التعامل مع فتنة المال. :
1) "
إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ"احذر البطر بنعمة الله باستكبارك وعملك به على غير ما شُرع ،ففيه هلاكك.
2)
." وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ" اجعل من مالك نصيب للآخرة بإخلاصك النية فيه ، ومن طلب الآخرة أتته الدنيا راغمة.
3)
"وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا" تمتع بالخير الذي وهبك الله إياه في الدنيا ، دون أن تكون همك الأكبر ،" قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، قل هي للذين ءامنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة. "
4)
"وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ" أحسن إلى الناس بمالك بالصدقة، وفي قولك بالتودد والتواضع لخلقه، والتحدث بنعمة الله عليك،" وأما بنعمة ربك فحدّثْ "، واحذر التفاخر والتباهي بما أوتيت ، ففيه إيذاء لمشاعر الناس وإساءة إليهم . ومن أحسن إلى الناس فقد استجلب رضا الله تعالى عليه وحبه له ، ومن أحبه الله فاز وأفلح " الخلق عيال الله ، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله " . وكما تدين تدان : فمن أحسن إلى عباد الله أحسن الله إليه .
5)
"وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ." احذر إنفاق المال على غير الوجه المشروع فهو من الفساد ، وعاقبة الفساد متعدي لغير صاحبه قال تعالى :نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلةوَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِنقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة.


اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه،واجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين ،وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

وأصلي وأسلم على خاتم النبين والمرسلين صلى الله عليه وآله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 20 ذو القعدة 1437هـ/23-08-2016م, 05:05 PM
منيرة محمد منيرة محمد غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - الامتياز
 
تاريخ التسجيل: Aug 2014
الدولة: السعودية
المشاركات: 668
افتراضي

عنوان الدرس:واجبنا نحو إكرام الله لنا
بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، نحمده سبحانه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسناومن سيئات اعمالنامن يهدي الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا تجد له ولياً مرشدا..

الحمدلله الذي خلق الإنسان وعلمه البيان،فضله على سائر المخلوقات وسخرله مافي الأرض والسموات لأجل غاية نبيله ومهمة جليله وهي عبادته وحده وعدم الشرك به، ومعرفة فضله ودوام شكره، ومن أجل نعمه عليناهذا الكتاب الذي بين أيدينا نجتمع لتلاوته وتدارس أياته ،فتزكوا نفوسنا وتخبت قلوبنا فيتجدد الإيمان ونتسابق لرضى الرّحمٰن
درسنا لهذا اليوم آيات من سورة الإسراء نستفيئ ظلالها ونستقي من عذب زلالها ،يقول الله تعالى :

(( وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً (70)
"يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (71) وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً (72)"
في هذه الآيات بيان كرامة الإنسان وعظمة المنان، وتذكيربالمآل ، وتنبيه للغافل وردع للضال .
يقول الله تعالى (( وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً))

بداية نتعرف على مناسبة الآية لما قبلها من الآيات :
لما ذكر الله عز وجل في الآيات السابقة من حسن رعايته لعباده في البر والبحر وحفظه لهم، بيّن سبحانه في هذه الآيات ما أكرمهم به، وماوهبهم إياه من النّعم ، والمقصد ماهو ....؟
لعلنا نلتمسه من خلال التأمل في الآيات ....

المقصد هو:الحثٌ على شكره ، وأن يصرفوا ما خلق لهم لما خُلقوا له فيوحدوه وَلا يشركوا به ،وهذ هو الذي يدعوا إليه القرآن في آيات كثيرة ،كما ذكر تعالى في سورة غافر:{ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64)}هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَفَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ))
لأن من عمي عن شكر هذه النّعم والإيمان لمسديها ،فهو في أمور الآخرة وشأنها أعمى وأضلّ سبيلا،
يقول الله تعالى {وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ }
جمعت هذه الآية خمس منن: التكريم ، وتسخير المراكب في البر ، وتسخير المراكب في البحر ، والرزق من الطيبات ، والتفضيل على كثير من المخلوقات كما ذكر ذلك " ابن عاشور" في التحرير والتنوير

وبداية لابد أن نرجع إلى كتب التفسير ونعرف ما أورد المفسرون من معاني وأقوال حول هذه الآيات ليكون فهمنا صحيحاً، وكلامنا مستمدٌ من أقوال سلفنا الصالح ، وهذا الذي ينبغي أن يحرص عليه طالب العلم بأن يكون علمه مستمدٌ من مصادره الصحيحة الموثوقة المبنية على قال الله ، قال رسوله، قال الصحابة أولوا العلم والعرفان ...
بهذا يأمن على نفسه بمشيئة الله من الزلل، وكذلك تكون عِندَه احاطة بأقوال آئمة التفسير في الآية فتتوسع مداركه ويفهم ابعاد الآية ومراميها فيكون درسه ثريّاً شاملاً ،فينفتح له باب التأمل والتدبر، ويعايش القرآن معايشة حية ملامسة لواقعه الذي يعيشه فينتج تأثراً وعملاً وزيادة يقين وتصديق وهذا هو المقصد من تلاوة كتاب الله ومعرفة معانيه .
ومنّة التكريم هذه مزية خصّ الله بها بني ءادم دون سائر مخلوقاته، أي جعلنا لهم شرفاً وفضلاً ، ويتضح هذا من سياق الآية حيث أتت بنون الجمع
(( وَلَقَدْ كَرَّمْنا)) والغرض من هذا التفخيم والتعظيم ،فالذي خلق هذا الإنسان وكرمه وفضله هو الجليل العظيم الغني عن عباده ، وعلى قدر معرفة العبد بربه وشكره له وحسن سيره إليه ،ينال من بركاته وتغشاه رحماته وتكون له المهابة والعزة ، واختلف العلماء في المراد (بالتكريم ) وأتوا بعبارات متنوعة على سبيل المثال لا الحصر
فمنهم من قال كرمه بأن خلقه على أحسن الهيئات وأكملها ،كما قال تعالى ((لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ )) ذكره "عطاء" ويمان "،
ومنهم من قال كرمه بالعقل ، "كابن عباس "وفي رواية له أخرى بتناول الطعام بيده لا بفاه كسائر الحيوانات وذكر "ابن جرير " بالتسلط على غيرهم من الخلق وتسخيره لهم، ومنهم من قال بخلق الله تعالى أباهم آدم بيديه، وقيل: بتدبير المعاش والمعاد، وغير هذا من الأقوال التي تتنوع لتشمل جليل النّعم التي منّ الله بها على عباده ، ويدخل في هَذَا نِعم كثيرة من أعظمها وأجلها نعمة تعلم كتاب الله وتعليمه ،الّتي منّ الله بها على بعض خلقه حيث اصطفاهم واختارهم لها،فعلى من وفق لهذه النّعمة، أن يعرف قدرها وأن يستشعر بركتها، وعليه أن يحسن القصد فيها ويُتبع العلم بالعمل،وأن يكون داعياً إلي كتابه مرغباً فيه بحاله ومقاله نسأل الله الكريم أن يجعلنا منهم

،ومن تكريم الله لهذا الإنسان أن سخر له مافي البّر والبحر كماقال تعالى (( وسخر لكم )) من مركوبات وغيرها ينتفع بها، وكذلك رزقه من الطيبات، وهي كما قال " الألوسي " أي من فنون النعم وضروب المستلذات من المأكولات والملبوسات والمفروشات والمقتنيات ، وغير ذلك مما يحصل له بصنعه أو بغير صنعه،ونلحظ أنه قال عز وجل (من الطيبات ) فكلّ ما أوجد الله طيباً نافعاً إلا أن يدخل عليه مايشوبه من أمور أخرى تجعله حراماً أو غير نافع
قال تعالى ((وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً )) أي بالتكريم المذكور عَلى سائر المخلوقات تَفْضِيلًا كبيرا، ونلحظ أنه أتت بصيغة التنكير لإفادة التعظيم والتفخيم لهذا التفضيل ،وهنا فرق العلماء بين التكريم والتفضيل فقالوا ; أن التكريم منظور فيه إلى تكريمه في ذاته ، والتفضيل منظور فيه إلى تشريفه فوق غيره ، أن وهبه الله العقل الذي به استصلاح شئونه ،واكتساب ما فيه نجاته،بواسطة ما كرمناه به من مبادئ فعليه أن يشكر نعمة ربه وأن يستعين بما رزقه على طاعته ،وهنا ذكر العلماء مسألة :
هل هذه الأفضلية عامة على جميع المخلوقات بمن فيهم الملائكة ؟
والحاصل أن الأمر مختلفٌ فيه ، فمنهم من ذهب إلى تفضيل الملائكة وهو الذي يراه ابن عباس رضي الله عنهما ، ومنهم من فصل فقال: إن الرسل من البشر أفضل مطلقا ثم الرسل من الملائكة على من سواهم من البشر والملائكة ثم عموم الملائكة على عموم البشر، ومنهم من عمم تفضيل الكمل من نوع الإنسان نبيا كان أو وليا،وهذه المسألة لها محلها من البحث والترجيح ، والذي يعنينا في هذا الدرس هو استشعار هذا التكريم والتفضيل الذي منّ الله به على بني ءادم ليكون دافعاً للعمل الصالح والترقي في مراتب العبودية لله تعالى .
وبعد بيان هذا التكريم والتفضيل في الدنيا يذكرهم الله بتفاوت حالهم في الأخرة حيث قال تعالى {يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ } ونلحظ أنها أتت بنون العظمة " ندعوا" تفخيماً وتعظيماً للداعي وهو الله عز وجل ولذلك اليوم المهيب الذي يدعى فيه الناس إما باسم إمامهم ، وإما مع إمامهم ،تجيء كل أمة معها إمامها، من هاد أو مضل ، واختلف المفسرون في " الإمام" فقال مجاهد وقتادة: نبيهم، وقال ابن زيد كتابهم الذي نزل عليهم، وقال ابن عباس والحسن:
كتابهم الذي فيه أعمالهم، وقالت فرقة: متبعهم من هاد أو مضل، ولابد إن نشير هنا إلى هذه المسألة ، وهي الإختلاف الوارد في معنى الإمام ، فيورد هذا له معنى، والأخر يمثل له بمثال، ما الذي نستفيده من هذا ؟
نستفيد من تعداد هذه المعاني ، أن تتوسع دائرة التدبر لدينا فتشمل جميع ماترمي إليه هذه المعاني،فنلزم سنة نبينا،ونتمسك بكتابنا الذي أنزل علينا،ونحسن العمل ونجاهد أنفسنا عليه ،ونحذر كذلك من آئمة الضلالة وأهل الفسادالذين يسعون لهدم ديننا وفساد أخلاقنا،فنكون بهذا التأمل قدجمعناالمعاني السابقة،
ولفظة «الإمام» تعم هذا كله، لأن الإمام هو ما يؤتم به ويهتدى به في المقصد،كما عرفه المفسرون

وهنا نتسأل ...؟
ما الغرض من ندائهم بمتبوعيهم ،وكل إنسان يأخذ كتابه بيده ؟

ذكر "ابن عاشور" لفتة هنا ... أنه يراد به تعجيل المسرة لاتباع الهداة ،والمساءة لاتباع الغواة المضلين فإذا رأوا متبوعيهم في هذه المقامات علموا مصيرهم ومألهم ،وقد أورد " ابن كثير" حديثٌ رواه أبو هريرة رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هذه الآية قَالَ: «يُدْعَى أَحَدُهُمْ فَيُعْطَى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ وَيُمَدُّ لَهُ فِي جِسْمِهِ وَيُبَيَّضُ وَجْهُهُ وَيُجْعَلُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ من لؤلؤة يتلألأ فَيَنْطَلِقُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَيَرَوْنَهُ مِنْ بَعِيدٍ فَيَقُولُونَ اللهم آتنا بِهَذَا وَبَارِكْ لَنَا فِي هَذَا فَيَأْتِيهِمْ فَيَقُولُ لَهُمْ أَبْشِرُوا فَإِنَّ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ مِثْلَ هَذَا، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُسَوَّدُ وَجْهُهُ وَيُمَدُّ لَهُ جسمه ويراه أصحابه فيقولون أعوذ بِاللَّهِ مِنْ هَذَا أَوْ مِنْ شَرِّ هَذَا اللَّهُمَّ لَا تَأْتِنَا بِهِ فَيَأْتِيهِمْ فَيَقُولُونَ اللَّهُمَّ آخره فَيَقُولُ أَبْعَدَكُمُ اللَّهُ فَإِنَّ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ مِثْلَ هَذَا» ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ لَا يُرْوَى إلا من هذا الوجه .

ولعلنا نقف مع هذ الحديث لحظات نستشعر ذلك الموقف المهيب الذي تجتمع فيه الخلائق وكلّ إنسان مشغولٌ بنفسه يتمنى النجاة،فإذا هو يرى من إأتمٰ به في هذه الدنيا واهتدى بهديه قد أعطى كتابه بيمينه وأبيض وجهه، فأيّ سرور سيغمره وأي فرح سيحل به ،
اللهمّ أفرح قلوبنا بالنظر إلى وجهك الكريم ،وأسقنا من حوض نبيك الأمين
وفي هذه الآية ذكر بعض السلف أن فيها
أكبر شرف لأهل الحديث لأن إمامهم النبي صلى الله عليه وسلم
يقول الله تعالى {فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً}
في هذه الآيات تفصل لما أجمل في ذلك النداء حيث تتطاير الصحف وتوضع في أيمان أهل الإيمان، وفي شمال أهل الكفر،
وهنا يرد سؤال ما الغرض من إيتاء الكتاب باليمين وقد دعوا مع أأئمتهم المهتدين ؟

فيقال في هذا .. أنه يؤتى كتاب اعماله بيمينه تشريفا وتبشيرا له من أول الأمر حتى يطمئن وترتاح نفسه ، وذكر "ابن عطية" أن المذنبين الذين ينفذ عليهم الوعيد يأخذونها باليمين لغاية ....ماهي ؟
لعلنا نستنبطها ؟ ذكرأنهم يستفيدون منها أنهم غير مخلدين في النار.
يقول الله تعالى {فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً}
أخواتي ، ماالدلالة بالإتيان باسم الإشارة ؟ (فَأُولئِكَ )
تدل على علو الدرجات ورفعة المنزلة وأنهم اختصوا بهذ دون غيرهم ،فهم يَقْرَؤُنَ ولو لم يكونوا قارئين في الدنيا، تبجحاً بما سطر فيه من الحسنات المستتبعة لأنواع الكرامات..

وكذلك نلحظ أنه في حال الإيتاء أتت الكلمة على وجه الإنفراد وفي حال القراءة اتت على وجه الإجتماع ما السر في ذلك .....
ذكر "الألوسي" رحمه الله تعالى أن في الآية اشارة إلى أنهم مجتمعون على شيىء عظيم وجليل وأنهم متلذذون بالنظرإلى الكتاب وقراءة مافيه كمن يطالع اخبار أحبائه متشوقاً إلى معرفة اخبارهم ، ونلحظ أن الكتاب أظهر مرة أخرى وذلك لمزيد العناية والكرامة لهم
هناك سؤال أخر : ماسبب تكرار ذكر الكتاب ؟ (فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ )
اظهر مرةً إخرى ... السبب في اظهاره مرة أخرى لمزيد العناية والكرامة لهم وهذا يرد في القرآن كثيرا قد يظهر ما كان مضمرا ، وقد يضمر ما قد يجري على اللسان اظهاره ،مثل قوله تعالى في الآية التي تليها {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا.}

نلحظ أنه اضمر كلمة الدنيا واكتفى باسم الإشاره "هَذِهِ" ذكر المفسرون لهذا سبباً .. من تستنبطه ؟.
السبب هو حقارة هذه الحياة الدنيا وهوانها عند الله، فلم يذكرها وإنما اشار إليها،وقد ورد في الحديث الشريف
ونعودإلى الآية مالمراد بالعمى المذكور في الآية ؟

أجمع المفسرون على أن العمى هو عمى البصيرة واستشهد "ابن كثير" بقوله تعالى {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ }لأن من غفل عن شكر النعم التي كرمه الله بها والتفكر في مخلوقاته، فقد عمي قلبه عن معرفة ربه وعن النظرفي مآله، فشأنه في الأخرة أعمى بل أشدّ وأضلّ سبيلا، والسبب لأن الضال في الدنيا قد يجد من يرشده ويعينه أما في الأخرة فلا معين ولا ناصر ولا خلاص ولا مفر نسأل الله السلامة والعافية


وخلاصة هذه الآيات أن نكرم أنفسنا بما أكرمها الله، ولا كرامة للإنسان إلا بطاعة الله وإخلاص العبادة له، وتذكر نعمه باستمرار ليلهج اللسان بالشكر والقلب بالعرفان والجوارح بالعمل ،جعلني الله وإياكنّ من العالمين العاملين وأكرمنا بجنَة النَعيم
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

رد مع اقتباس
  #11  
قديم 6 ذو الحجة 1437هـ/8-09-2016م, 12:51 AM
مضاوي الهطلاني مضاوي الهطلاني غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - الامتياز
 
تاريخ التسجيل: Aug 2014
المشاركات: 864
افتراضي

مقدمة الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله
................
كان الله ولم يكن شيء غيره .....
خلق الأرض وسماءها ...فأشرقت شموسها ودارت أفلاكها...
ودحى الأرض فجرت أنهارها وأينعت ثمارها..
ثم شاء الله أن يخلق الإنسان ليستخلفه في هذه الأرض} وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَة {
وجعل غاية خلقته التي هي سعادته ومنتهى كماله، عبوديته لله وحده كما قال: }وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ {
وقد هيأ الله له كل ما يسعده وينتفع به في سيره نحو الغاية التي خلق لها ،
وأنزل له كتاباً يحمل في طياته منهج حياته ، ففيه كل ما يحتاجه في سيره إلى ربه قال تعالى:{ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء } يُعرّف العبد بنفسه وربه ودنياه وآخرته ويعقل وظيفته في هذه الحياة وبه يزكي روحه و يرقيها ويكملها ، ويعرف به السبيل المؤدية إلى الحياة الطيبة في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة، وهذا الكتاب صالح لكل زمان ومكان ففيه الحقائق ثابته لا تتبدل ولا تتغير ، ولا تنسخ مع طول السنون والأعوام قال تعالى: { وَبِٱلْحَقّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقّ نَزَلَ }
فمن حاد عن هذا المنهج القويم ضل السبيل ، وحل عليه الشقاء بعد النعيم.
وما نراه اليوم من طغيان حب الدنيا وتعبيدها ،والتكاثر بزخارفها الزائلة و الاستغراق بمتاعها المحدود وعرضها الذاهب ،الذي به يتنافسون وبسببه يتحاسدون ويتقاطعون ويتصارعون ويتقاتلون ،وهم في غيهم سادرون ،ماهو إلا برهان ودليل على الانحراف والبعد عن المنهج ، عن آيات القرآن الكريم والذكر الحكيم والنور المبين {وأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا} آيات الهدى والرشاد {يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ}
أين هؤلاء من واعظ القرآن و صيحة النذير ،ودعوته المدوية ليستفيقوا من غفلتهم ويستيقظوا من رقدتهم ؟! أين هم من هذه السورة العظيمة لتكبح جماحهم وتعديل سيرهم ...
إنها سورة التكاثر ...
...................................................................
بسم الله الرحمن الرحيم
أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ﴿1﴾ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ﴿2﴾ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿3﴾ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿4﴾ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ﴿5﴾ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ﴿6﴾ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ﴿7﴾ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴿8﴾
إنها سورة تعبر بذاتها عن ذاتها إنها تصور الحياة الدنيا كالومضة الخاطفة في الشريط الطويل.. }ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر{. وتنتهي ومضة الحياة وتنطوي صفحتها الصغيرة.. ثم يمتد الزمن بعد ذلك وتمتد الأثقال؛......فتدع القلب مثقلاً مشغولاً بهم الآخرة عن سفساف الحياة الدنيا وصغائر اهتماماتها التي يهش لها الفارغون! (1)
-كفى بها موعظة لمن عقلها
قال ابن القيّم عن هذه السورة : أخلصت هذه السورة للوعيد والوعيد والتهديد وكفى بها موعظة لمن عقلها، أ هـ
آياتها ثمان ، غلب عليها اسلوب التقريع والتوبيخ والزجر والتهديد والوعيد ، فهي صرخة نذير ،ودعوة مدوية للذين في غمرتهم ساهون وفي سكرتهم يعمهون، وفي غيهم سادرون ، وبالمظاهر الزائفة مخدوعون ،و بأموالهم وأولادهم يتكاثرون وبصنوف طعامهم وشرابهم ومتاعهم يتباهون وبأحسابهم وأنسابهم يتفاخرون ، وعن آخرتهم لاهون لعلهم من رقدتهم يستيقظون ...قبل أن يتخطفهم ريب المنون ..فإذاهم تحت الثرى صائرون.....
تأمل قوله } ألهاكم { أي: أشغلكم
وأصل اللهو الغفلةُ ثم شاع في كل شاغلٍ يشغل الإنسان ويضيع وقته
، قال الراغب:" اللهو ما يشغلك عمّا يعني ويهمّ "
فالشغل هو الإقبال على الأمر الدنيوي بالبدن والقلب بحيث يشتغل عن طاعة الله وذكره على وجه لا يعذر فيه قال تعالى : }شغلتنا أموالنا واهلونا{
وجاء التعبير في الآية بـ} الهاكم { ولم يقل أشغلكم لأنها أبلغ في ذمهم على فعلهم من أشغلكم، لأن اللهو للقلب واللعب للجوارح والعامل قد يستعمل جوارحه بما يعمل وقلبه غير لاه به . (2).
كالذين مدحهم الله بأنهم لا تشغلهم الدنيا وزخرفها وزينتها وملاذ بيعها وربحها عن ذكر ربهم، لأن الذي عنده خير لهم وأنفع مما بأيديهم، قال تعالى: { رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَـاةِ } قال ابن كثير: أي يقدمون طاعته ومراده ومحبته على مرادهم ومحبتهم،
وقال الشوكاني :"وخص التجارة بالذكر؛ لأنها أعظم ما يشتغل به الإنسان عن الذكر."
ولفظة:} ألهاكم{ دلت على إفراطهم وتفريطهم.
أفرطوا في إضاعة أوقاتهم وجهدهم في ما هو باطل أو قليل الفائدة .
وتفريطهم بغفلتهم وشغلهم عما هو واجب عليهم أو بأمر أهم مما اشتغلوا ولهو فيه.
فيكون اللاهي مسؤولا عن أمرين:
الوقت المهدور والواجب المتروك.. (3)
والمُلهى عنه طاعة الله وذكره والدار الآخرة.
ولم يذكره الحق سبحانه لتعظيم هذا الأمر الملهو عنه ، لأنه لا شيء غيره يؤسف على اللهو عنه ، وللمبالغة في ذمهم ، كيف يلهون عن ذكر المنعم عليهم وعن طاعتة والدار الآخرة. (4)
-معنى التكاثر
التكاثر من تفاعل : من الكثرة أي: مكاثرة بعضكم لبعض . (5)
وهو التباري في الكثرة والتباهي بها. (6)
فلفظة التكاثر من صيغة (تفاعل) فانبثقت كل المعاني المتعلقة بالتنافس والتحاسد والتصارع والتقاتل والتسابق ...
ومن مادة الكلمة(ك-ث-ر) انبثقت كل المعاني المتعلقة بالمقتنيات والملكيات والطمع والاشتهاء..كما بين حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري:
- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْغَسِيلِ عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى الْمِنْبَرِ بِمَكَّةَ فِي خُطْبَتِهِ يَقُولُ:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ أُعْطِيَ وَادِيًا مَلْئًا مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ ثَانِيًا وَلَوْ أُعْطِيَ ثَانِيًا أَحَبَّ إِلَيْهِ ثَالِثًا وَلَا يَسُدُّ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ.)
وهكذا نرى كيف حددت هذه الكلمة لوحدها طبائع الناس الداخلية وعلاقاتهم الخارجية في آن واحد. (7)
والألف واللام في التكاثر للمعهود السابق وهو التكاثر في الدنيا ولذاتها وعلائقها فإنه هو الذي يصد عن طاعة الله وعبوديته.
-المتكاثر به
قال ابن القيَم : لم يذكر ماهو المتكاثر به بل أعرض عنه إما لأن المذموم هو التكاثر بالشيء وليس المتكاثر به.
وإما إرادة الإطلاق فيعم كل ماهو صالح للتكاثر به من مال وجاة ودنيا وغرس....
لذلك تعددت أقوال السلف في المتكاثر به ، وهي من باب ضرب المثال
فقال الحسن: المال والأولاد .
وقد روى مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه، أنه أنتهى إلى النبي عليه الصلاة والسلام وكان يقرأ: {ألهاكم} وقال ابن آدم: يقول مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت).رواه مسلم
وقد جاءت نصوص من كتاب الله تدل على أن التكاثر الذي ألهاهم، والذي ذمَّهم الله بسببه أو حذَّرهم منه، إنما هو في الجميع المال والاولاد ، كما في قوله تعالى: ((ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً)) [الحديد: 20]
ففيه التصريح: بأن التفاخر والتكاثر بينهم في الأموال والأولاد.
جاء ت آيات للتحذير والنهي أن تلهيهم أموالهم وأولادهم ، كما في قوله تعالى: ((يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ)) [المنافقون: 9].
وقال قتادة : التفاخر بالعشائر والقبائل .
وقد روى أنها نزلت في بني سهم وبني عبد مناف تفاخروا أيهم أكثر فكان بنو عبد مناف أكثر فقال: بنو سهم عدوا مجموع أحيائنا وأمواتنا مع مجموع أحيائكم وأمواتكم، ففعلوا فزاد بنو سهم، فنزلت الآية ، وقيل تفاخر حيين من الأنصار .
وقال الضحاك : التشاغل بالمعاش والتجارة . (8)
قال ابن القيّم :
التكاثر في كل شيء من مال أو جاه أو رياسة أو نسوة أو حديث أو علم ولا سيما إذا لم يحتج إليه ، وكذلك في الكتب والتصانيف وكثرة المسائل وتفريعه وتوليدها ، فكل ما يكاثر به العبد غير سوى طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وما يعود عليه بنفع معاده فهو داخل في هذا التكاثر .
-المراد بالتكاثر
ليس المراد بالتكاثر في الآية مطلق التكاثر بل التكاثر المذموم ، وهو كل ما يتكاثر به من أعراض الدنيا الزائلة ويتباهى به مما يلتذ به و يلهي عن طاعة الله والدار الآخرة. وعاقبة هذا التكاثر: قلّ وفقر وحرمان .
وإما التكاثر فيما يقرب إلى الله من الطاعات ، والتنافس في فعل الخيرات ، فهو محمود، فالنفوس الشريفة ذات الهمم العالية إنما تكاثر بما يدوم عليها نفعه وتزكوا به ، فلا تحب أن يكثرها غيرها في ذلك ، فصاحب هذا التكاثر لا يهون عليه أن يرى غيره أفضل منه قولا وأحسن عملا و أغزر علما ، فإذا رأى غيره أكثر منه في خصلة من خصال الخير يعجز عنها كاثره في خصلة أخرى هو قادر على المكاثرة بها ،فهذا التكاثر هو غاية سعادة العبد ، وليس مذموما ، بل هو حقيقة التنافس واستباق الخيرات ، وكانت هذه حال الأوس مع الخزرج رضي الله عنهم في تصاولهم بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ومكاثرة بعضهم لبعض في أسباب مرضاته ونصره.وكذلك كانت حال عمر مع أبي بكر رضي اللّه عنهما. فلما تبين لعمر مدى سبق أبي بكر له قال: «واللّه لا أسابقك إلى شيء أبدا».(9)
ومن ذلك ما روى من تفاخر العباس بأن السقآية بيده، وتفاخر شيبة بأن المفتاح بيده إلى أن قال علي رضي الله عنه: وأنا قطعت خرطوم الكفر بسيفي فصار الكفر مثلة فأسلمتم فشق ذلك عليهم فنزل قوله تعالى: {أجعلتم سقآية الحاج} الآية ، فثبت أن مطلق التكاثر ليس بمذموم، بل التكاثر في العلم والطاعة والأخلاق الحميدة، ،فهو محمود وأما الاشتغال بالدنيا، والمكاثرة بها، والمفاخرة فيها فهو من الخصال المذمومة لأنه مناف للتقوى ولأنه إما صارف لهمة العبد كلها للتكاثر بحطام الدنيا غافلا عن الآخرة أو صارفاً همته عن المنافسة و المسابقة في الأعمال الصالحة الموصلة لأعلى الدرجات . (10).
-غاية تكاثرهم
قال تعالى: {حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ}
امتد بهم التكاثر والتباهي طول حياتهم وهم على تلك الحال واستمروا حتى فجأهم الموت وصاروا في المقابر تحت الجنادل والتراب ،فحتى هنا إما غاية للفعل { ألهاكم } فأفادت حتى " توسعاً بزمن التكاثر .
أو أنهم تكاثروا بكل شيء ، حتى بالقبور .وهذا يجري على ما رَوَى مقاتل والكلبي أن بني عبد مناف وبني سهم تفاخروا بكثرة السادة منهم ، كما تقدم . فيكون المعنى أن المخاطبين وسعوا دائرة ما تكاثروا به حتى ذهبوا إلى المقابر لإحصاء الأموات منهم .فحتى الغاية للمتكاثر بهِ الدالِّ عليه التكاثُر .فأفادت " حتى " توسعا في المتكاثر به .
فتكون "حتى"أنشأت تنديدا بوصفين قبيحين عند هؤلاء:
- الغفلة بمقتضى المعنى الأول.
- والسفاهة بمقتضى المعنى الثاني. (11)
- المراد بالزيارة للمقابر
فيه قولان
الأول : أي متم وصرتم في المقابر .
عن ابن زيد بن أسلم ،عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ( ألهاكم التكاثر) عن الطاعة ( حتى زرتم المقابر) حتى يأتيكم الموت " رواه ابن أبي حاتم (12)
وعبر عن موتهم بزيارة المقابر لأن الميت قد صار إلى قبره كما يصير الزائر إلى الموضع الذي يزوره .
والزائر مهما طال مكثه عند المزور فلابد أن يرتحل عنه إلى داره .ففيه تعريض بأن حلولهم يعقبه خروج وبعث.
الثاني : أن تكون الزيارة مستعملة في معناها الحقيقي ، فقيل :
١- أي زرتم المقابر لتَعُدُّوا القبور ، والعرب يكنّون بالقبر عن صاحبه أي ذكرتم الموتى وعددتموهم للمفاخرة والمكاثرة، فيكون ذلك على طريق التهكم بهم . لأن زيارة القبور للاتعاظ وتذكر الموت كما قال صلى الله عليه وسلم : (نهيتكم عن زيادة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة) وهم عكسوا فجعلوها سبباً للغفلة. (13)
وضعفه البقاعي فقال :ولا يخفى أن الآية بمعزل عن ذلك نعم لا كلام في ذم زيارة القبور للتفاخر بالمزور أو للتباهي بالزيارة كما يفعل كثير من الجهلة ...
وأيضاً ضعف هذا القول ابن عثيمين رحمه الله. فقال : أنه قول ضعيف بعيد من سياق الآية .
٢-قال بعضهم: أراد الحرص على المال قد شغلكم عن الدين فلا تلتفتون إليه إلا إذا زرتم المقابر فحينئذ ترق قلوبكم يعني أن حظكم من دينكم ليس إلا هذا القدر ونظيره قوله (( قليلاً ما تشكرون)) : [الملك: 23] أي لا أقنع منكم بهذا القدر من الشكر. (14)
3- زرتم المقابر حقيقة لتعظيم أهلها والتفاخر بهم :هذا قبر فلان وهذا قبر فلان ليشهر ويعظم قدره ،والطواف بها ، والبناء عليها ، وتشييد القباب عليها كما يفعل المتصوفة وغيرهم . (15)
والصحيح أن المراد من قوله:( حتى زرتم المقابر)صرتم إليها ودفنتم فيها ، كما جاء في الصحيح : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على رجل من الأعراب يعوده ، فقال : " لا بأس ، طهور إن شاء الله " . فقال : قلت : طهور ؟! بل هي حمى تفور ، على شيخ كبير ، تزيره القبور ! قال : " فنعم إذا "(16) قاله ابن كثير ورجحه ابن عثيمين
وإن كان هذا هو المراد الصحيح إلا إنه لا يمنع من أن فيها تعريض في ذم زيارة القبور للتفاخر بالمزور يؤيده ما جاء في سبب نزولها أو لتعظيم المزور والبناء على القبور وتشييدها والطواف بها .
وعبر عن الزيارة بالفعل الماضي لتحقق وقوعه أو لتغليب من مات أولاً أو لجعل موت آبائهم بمنزلة موتهم . ومما يقضي منهم العجب وقال أبو مسلم أن الله عز وجل يتكلم بهذه السورة يوم القيامة تعييراً للكفار وهم في ذلك الوقت قد تقدمت منهم زيارة القبور. (17)
والمقابر جمع مقبرة ،والمقبرة الأرض التي فيها قبور كثيرة فهي مجتمع القبور..فتكون المقبرة جمعا لمجاميع..
وهذا التوسيع يراد له أن يكون مقابلا للتكاثر الذي امتد في الزمان والمكان.
قالت بنت الشاطيء:
"واستعمالها هنا –أي المقابر-يقتضيه معنويا،أنه اللفظ الملائم للتكاثر،الدال على مصير ما يتكالب عليه المتكاثرون من متاع دنيوي فان..هناك حيث مجتمع القبور ومحتشد الرمم ومساكن الموتى على اختلاف أعمارهم وطبقاتهم ودرجاتهم وأزمنتهم". (18)
وفي الآية دلالة على البعث والنشور، فقد عبر بالزيارة إشارة إلى أن البعث لا بد منه ولا مرية فيه، وأن اللبث في البرزخ وإن طال فإنما هو كلبث الزائر عند مزوره في جنب الإقامة بعد البعث في دار النعيم أو غار الجحيم.
عن ميمون بن مهران قال : كنت جالسا عند عمر بن عبد العزيز ، فقرأ : ( ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر ) فلبث هنيهة فقال : يا ميمون ، ما أرى المقابر إلا زيارة ، وما للزائر بد من أن يرجع إلى منزله .
وقال أبو حيان : سمع بعض الأعراب الآية فقال: بعث القوم للقيامة ورب الكعبة، فإن الزائر منصرف لا مقيم...(19)
قال ابن كثير : فالله تعالى يقول : شغلكم حب الدنيا ونعيمها وزهرتها عن طلب الآخرة وابتغائها ، وتمادى بكم ذلك حتى جاءكم الموت وزرتم المقابر ، وصرتم من أهلها !
-زيارة القبور علاج لقسوة القلب
زيارة القبور من أعظم الدواء للقلب القاسي ; لأنها تذكر الموت والآخرة . وذلك يحمل على قصر الأمل ، والزهد في الدنيا ، وترك الرغبة فيها . قال النبي - صلى الله عليه وسلم - :" كنت نهيتكم عن زيارة القبور ، فزوروا القبور ، فإنها تزهد في الدنيا ، وتذكر الآخرة " رواه ابن مسعود ; أخرجه ابن ماجه . وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة : "فإنها تذكر الموت" . وفي الترمذي عن بريدة : "فإنها تذكر الآخرة ". قال : هذا حديث حسن صحيح .. (20)
· حكم زيارة القبور
وبمناسبة هذا الحديث " كنت نهيتكم عن زيارة القبور ، ألا فزوروها فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة " . نعرج على مسألة حكم زيارة القبور
قال العلماء : إن المنع كان عاما من أجل ذكر مآثر الآباء والموتى ، ثم بعد ذلك رخص في الزيارة للرجال بالاتفاق بين أهل العلم واختلفوا في الرخصة للنساء.و لا خلاف بين أهل العلم على أن المرأة إذا علمت من نفسها أنها إذا زارت المقابر ، صدر عنها ما لا يجوز من قول ، أو فعل مثل تجديد بكاء ونياحة ، أو حزن ، أو تضييع لحق زوجها ، أو تبرج وسفور ، أو فتنة لها أو لغيرها أن هذه الزيارة على هذه الوجوه السابقة منهي عنها أما إذا خلت الزيارة مما سبق ، فإن للعلماء في حكم الزيارة ثلاثة أقوال : التحريم ، والاستحباب والكراهة.
والقول الصحيح - والله أعلم - هو القول بالتحريم؛ وذلك لإمكان الإجابة عن أدلة الأقوال الأخرى، وبقاء الأدلة الخاصة التي تنهى النساء عن زيارة القبور.
وهذا قول في مذهب الحنفية والمالكية والشافعية وهو رواية عن أحمد ، اختارها بعض الأصحاب وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى وبه أفتى الشيخ عبدالعزيز بن باز والشيخ محمد العثيمين رحمهما الله وغيرهم
وقد استدل أصحاب هذا القول بما يلي :
1- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن زوّارات القبور "
2- عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور ، والمتخذين عليها المساجد والسرج "
حيث دل الحديثان على لعن زوارات القبور ، وهذا دليل على حرمة هذا الفعل ، وخاصة أنه قرنه بالمتخذين عليها المساجد والسرج ، الذين لعنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرض موته . (21)
من آداب زيارة القبور
قال القرطبي :فينبغي لمن عزم على الزيارة ، أن يتأدب بآدابها :
1ـ يحضر قلبه في إتيانها ، يقصد بزيارته وجه الله تعالى ، وإصلاح فساد قلبه ، أو نفع الميت بالدعاء له،
2ـ يتجنب المشي على المقابر ، والجلوس عليها
3ـ يسلم إذا دخل المقابر ،
4ـ إذا وصل إلى قبر ميته الذي يعرفه سلم عليه أيضا ، وأتاه من تلقاء وجهه ; لأنه في زيارته كمخاطبته حيا ،
5ـ . ثم يعتبر بمن صار تحت التراب ، وانقطع عن الأهل والأحباب. اهـ
ردع وزجر
بعد أن ذمّ الله الملتهون بالتكاثر والتباهي الغافلون عن طاعة ربهم حتى تخطفهم الموت وصاروا إلى قبورهم قرع قلوبهم بهول ما ينتظرهم وما أعد لهم هناك عند زيارة القبور .فقال:
{كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ*}
كلا ليس الأمر على ما أنتم عليه من التفاخر والتكاثر وما تظنونه إن هي إلا حياة تتمتعون بها ثم تهكلون ( أرحام تدفع وأرض تبلع )كلا ليس الأمر كما تتوهمون، فتوعدهم ربهم بأنهم سوف يعلمون عاقبة هذا التكاثر والتفاخر وخطأ ما هم عليه ويعلمون صدق ما جاء بهذا القرآن وأنهم مبعوثون ومعذبون وذلك عند المعاينة اذا نزول بهم الموت وجاءتهم رسل ربهم تنزع أرواحهم .
ثم وعيد ووعيد
{ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ }
وعيدو ووعيد سوف تعلمون علماً يقينياً فوق العلم الأول وذلك إذا رقدتم في القبور وتوسدتم التراب وتركتم الأموال والأولاد والقصور ،وعاينتم العذاب ،فماذا أعددتم للسؤال من جواب؟؟
وجاء هنا بحرف العطف {ثم} الداله على التراخي والمهلة وهي دالة على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول، وأشد كما تقول للمنصوح: أقول لك ثم أقول لك: "لا تَفْعَلْ"
ـ وقد قيل إن الآية دليل على صحة القول بعذاب القبر، لأن الله تعالى ، أخبر عن هؤلاء القوم الذين ألهاهم التكاثر، أنهم سيعلمون ما يلقون إذا هم زاروا القبور وعيدا منه لهم وتهدّدا.
عن زِرّ، عن عليّ، قال: كنا نشكّ في عذاب القبر، حتى نـزلت هذه الآية: ( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ) ... إلى: ( كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ )في عذاب القبر. (22)
ثم كرر ردعهم وزجرهم بكلا وقيل إنها بمعنى حقاً.فقال:
{كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ }
أي:حقا لو تعلمون أيها الناس علما يقينا ، أن الله باعثكم يوم القيامة من بعد مماتكم من قبوركم ما ألهاكم التكاثر عن طاعة الله ربكم ، لسارعتم إلى عبادته ، والانتهاء إلى أمره ونهيه ، ورفض الدنيا إشفاقا على أنفسكم من عقوبته . وقال صلى الله عليه وسلم: " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا " (23)
}لَوْ{ شرطية وجوابها.
١- قيل : محذوف ، لقصد التهويل. ولأن حذفُ الجواب أفخر، يجعل النفوس تذهب في تقديره كل مذهب ممكن ، فيكون التهويل أعظم .(24)
فقدر المفسرون هذا الجواب فقال الأخفش : ما ألهاكم التكاثر. وقال أبو مسلم: لو علمتم ما يجب عليكم وما خلقتم لأجله لاشتغلتم به.وقيل : لرجعتم عن كفركم ،وقال ابن عطية : لازدجرتم وبادرتم إنقاذ أنفسكم من الهلكة.وقال الرازي : لو علمتم علم اليقين لفعلتم ما لا يوصف ولا يكتنه ، ولكنكم ضلال وجهلة .وهذا أولى الأقوال لعمومه ، فقد قال أهل البيان: الأولى تقدير ما هو عام في كل شيء . (25)
وقيل: جواب لو "لَتَروُنَّ الجَحِيم" ومعناه: "لَوْ تَعْلَمُونَ" اليوم في الدنيا علما تستيقنون به حقيقة يوم القيامة لأصبحتم بمثابة من يشاهد أهواله ويشهد بأحواله ، فإن علم اليقين يريك الجحيم بعين فؤادك، وهو أن يصور لك نار القيامة، كما في حديث الإحسان : " أن تعبد الله كأنك تراه " . وقد وقع مثله في قصة الصديق لما أخبر نبأ الإسراء ، فقال : " صدق محمد ، فقالوا : تصدقه وأنت لم تسمع منه ؟ قال : إني لأصدقه على أكثر من ذلك " . فلعلمه علم اليقين بصدقه صلى الله عليه وسلم فيما يخبر ، صدق بالإسراء كأنه يراه .(26)
ورد ابن عاشور على هذا القول فقال :ليس قول: لَتَروُنَّ الجَحِيم" جواب (لوْ) على معنى : لو تعلمون علم اليقين لكنتم كمن ترون الجحيم ، أي لترونها بقلوبكم ،لأن نظم الكلام صيغة قسم بدليل قرنه بنون التوكيد ، فليست هذه اللام لام جواب ( لو ) ; لأن جواب ( لو ) ممتنع الوقوع فلا تقترن به نون التوكيد .اهـ
قال ابن عادل :وعبر عن العلم لأن العلم من أشد البواعث على الفعل، فإذا كان بحيث يمكن العمل، كان تذكرة، وموعظة، وإن كان بعد فوات العمل كان حسرة، وندامة .
· معنى علم اليقين
علم اليقين هو العلم الجازم المطابق للواقع الذي لا شك فيه. والإضافة فيه من إضافة الموصوف إلى الصفة، أو من إضافة العام الى الخاص. وهو أعلى مراتب العلم. (27)
· المراد به هنا: الموت. قاله قتادة
وعنه أيضاً: البعث، لأنه إذا جاء زال الشكُّ،
أي: لو تعلمون علم البعث أو الموت، { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين }
قال قتادة :كنا نحدَّث أن علم اليقين: أن يعلم أنَّ الله باعثه بعد الموت.ذكره الطبري والقرطبي والبغوي
والمقصود من الآية: الزيادة في ردعهم،وتهويل وإزعاج لهم لأنه من عادة الغافلين المكابرين. أنك إذا ذكرتهم بالحق وبالرشاد ... زعموا أنهم ليسوا في حاجة إلى هذا الإرشاد، لأنهم أهل علم ومعرفة بالعواقب، فكانت هذه الآية الكريمة بمثابة تنبيههم بأنهم ليسوا على شيء من العلم الصحيح، لأنهم لو كانوا كذلك لما تفاخروا، ولما تكاثروا. (28)
وفي الآية تنديد لهم بتقصيرهم في اكتساب العلم الصحيح ، ومن هذا يتبين أنه يلزم العبد اكتساب العلم الصحيح الذي يهديه للحق .
وقال ابن عادل :فيها تهديد عظيم للعلماء الذين لا يعملون بعلمهم
وقال الرازي :فالويل للعالم الذي لا يكون عاملا ثم الويل له .
بعدالتوبيخ والتقريع والزجر والوعيد في الآيات السابقة يؤكد الله ذلك الوعيد بالقسم المقدر ، قصد به تأكيد الوعيد الشديد فى التهديد فقال : {لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ } أي والله لترون الجحيم في الآخرة بأبصاركم من بعيد
كما قال تعالى:{إذا رأتهم من مكان بعيد}[الفرقان: 12]
أو القول الثاني أن الرؤية رؤية قلبية: أي :لو تعلمون اليوم علم اليقين وأنتم في الدنيا لترون الجحيم بعين قلوبكم ، وهو أن تتصوروا أمر القيامة وأهوالها . .(29)
و المخاطب في الآية قيل المشركين
- وقيل : هو عام ;وهو الصحيح كما قال :{وإن منكم إلا واردها } فالمعنى أن الجميع يراها، ويجوز الناجي ويتكردس فيها الكافر.
فهي للكفار دار ، وللمؤمنين ممر . وفي الصحيح : " فيمر أولهم كالبرق ، ثم كالريح ، ثم كالطير . . (30).
ومعنى الجحيمُ :نارٌ شديدة التَّأجّج ، عكسه نعيم :- { إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ . وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ }
المراد بها نار الآخرة _ نسأل الله السلامة_
وعبر عن النار بالجحيم كأنهم لما تمتعوا وتنعموا بالدنيا وغفلوا عن الآخرة عذبوا بعكس حالهم في الدنيا بالجحيم الذي هو عكس النعيم .
ثم كرر رؤيتهم الجحيم قيل : للتأكيدِ فقال :{ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ*}وكرره معطوفا بـ " ثم " تغليظا للتهديد وزيادة في التهويل .ونون التأكيد تقتضي كون تلك الرؤية اضطرارية ، يعني لو خليتم ورأيكم ما رأيتموها لكنكم تحملون على رؤيتها شئتم أم أبيتم .. (31 )
-وقيل : ليس للتأكيد وإنما الرؤية الأولى رؤيتها من بعيد كما قال {إذا رأتهم من مكان بعيد}[الفرقان: 12] وقوله : { وبرزت الجحيم لمن يرى } [ النازعات : 36 ] والثانية رؤيتها من قريب إذا وصلوا إلى شفيرها.
وقيل ؛ المرادُ بِالأولَى المعرفةُ وبالثانيةِ المشاهدةُ والمعاينةُ .
ـ وقيل :المراد تتابع الرؤية و إتصالها فكأنه قيل لهم: إن كنتم اليوم شاكين فيها فسترونها رؤية دائمة متصلة. فتزول عنكم الشكوك .(32)
وليس مقصود الآية لمجرد الإخبار برؤيتها ، ولكن وعيد شديد وتخويف بها ; لأن مجرد الرؤية معلوم : { وإن منكم إلا واردها } ، ولكن هذه الرؤية أخص ، كما في قوله : {ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها} أي : أيقنوا بدليل قوله : {ولم يجدوا عنها مصرفا}.
وإخبار عن دوام مقامهم في النار ; أي هي رؤية دائمة متصلة . (33) والخطاب على هذا للكفار .
ووصف الحق تعالى هذه الرؤية بعين اليقين حقيقته وغايته، : أيِ الرؤيةُ التي هيَ نفسُ اليقينِ فإنَّ علمَ المشاهدةِ أَقْصى مراتبِ اليقينِ .(34)
وقال القرطبي :أي : مشاهدة ومعاينة بعين الرأس .
و العلم له مراتب ثلاث :
علم اليقين ، وعين اليقين ، وحق اليقين .
فالعلم : ما كان عن دلائل .
وعين اليقين : ما كان عن مشاهدة .
وحق اليقين : ما كان عن ملابسة ومخالطة ، كما يحصل العلم بالكعبة ، وجهتها فهو علم اليقين ، فإذا رآها فهو عين اليقين بوجودها . فإذا دخلها وكان في جوفها فهو حق اليقين بوجودها . والله تعالى أعلم . (35)
·ومعنى الآية : أي : لترون الجحيم بأبصاركم على البعد منكم ، ثم لترونها مشاهدة على القرب مشاهدة حقيقية بحيث لا يلتبس عليكم أمرها .فتبين أن الحق سبحانه قد حذر الناس من الاشتغال عن طاعته ومن التباهي والتكاثر بأبلغ أساليب التأكيد وأقواها . (36)
السؤال عن النعيم
لينتبه الغافل ويفيق النائم ويلتفت السادر يختم الحق سبحانه السورة بتهديد وتخويف من مؤاخذتهم على مافي التكاثر من نعيم تمتعوا به في الدنيا ولم يشكروا الله عليه بقوله تعالى : {ثمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ } (37)
فبين الحق سبحانه أنه بعد أمور طويلة عظيمة مهولة جدا وأهوال وكربات دل عليها حرف العطف {ثمّ }يأتي السؤال عن تلك النعم والملذات التي تمتعوا فيها بالدنيا ولم يشكروها فهي عبء استخفوه في غمرتهم ولهوهم ، ولكن وراءه ما وراءه من هم ثقيل!.فليسألنهم الله عز وجل عن النعيم الذي كانوا فيه في الدنيا : ماذا عملوا فيه ، من أين وصلوا إليه ، وفيم أصابوه ، وماذا عملوا به . (38)
وهذا السؤال قال الحسن: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار.
وقيل: السؤال عام في حق المؤمن، والكافر
قال قتادة : إن الله سبحانه سائل كل ذي نعمة عما أنعم عليه. (39)
لقوله صلى الله عليه وسلم: " أوَّلُ ما يُسْألُ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ عن النَّعِيمِ، فيقالُ لَهُ: ألَمْ نُصْحِحْ جِسْمكَ؟ ألَمْ نَروِكَ مِنْ المَاءِ البَاردِ" . تفرد به الترمذي رواه ابن حبان في صحيحه من طريق الوليد بن مسلم
عن محمد بن محمود بن لبيد، قال: " لما نـزلت (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) فقرأها حتى بلغ: ( لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) قالوا: يا رسول الله، عن أيّ النعيم نسأل ، وإنما هو الأسودان: الماء، والتمر، وسيوفنا على عواتقنا، والعدوّ حاضر! قال: " إن ذلكَ سَيَكُونُ" . ذكره الطبراني . (40)
قال ابن القيّم رحمه الله
ففي الآية خبر مؤكد بواو القسم ولام التأكيد، والنون الثقيلة عن سؤال النعيم. فكل أحد يسأل عن نعيمه الذي كان فيه في الدنيا: هل ناله من حلاله ووجهه أم لا؟
فإذا تخلص من هذا السؤال، سئل سؤالا آخر: هل شكر اللّه تعالى عليه، باستعانة به على طاعته أم لا؟ فالأول سؤال عن سبب استخراجه.
والثاني: عن محل صرفه ، كما في جامع الترمذي من حديث عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره: فيما أفناه؟ وعن شبابه:فيما أبلاه؟ وعن ماله: من أين اكتسبه، وفيما أنفقه؟ وفيما ذا عمل فيما علم؟».
وفيه أيضا: من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة- يعني من النعيم- أن يقال له: ألم نصحّ جسمك؟ ونرويك من الماء البارد؟».
وفيه أيضا: من حديث الزبير بن العوام رضي اللّه عنه قال: «لما نزلت: {لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} قال الزبير: يا رسول اللّه: فأي النعيم نسأل عنه، وإنما هو الأسودان: التمر والماء؟ قال: أما إنه سيكون».وقال: هذا حديث حسن.
وعن أبي هريرة نحوه. وقال: «إنما هو الأسودان: العدو حاضر، وسيوفنا على عواتقنا. فقال: إن ذلك سيكون».
وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن ذلك سيكون».
إما أن يكون المراد به: أن النعيم سيكون ويحدث لكم، وإما ان يرجع إلى السؤال، أي إن السؤال يقع عن ذلك، وإن كان تمرا وماء، فإنه من النعيم.
ويدل عليه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم في الحديث الصحيح- وقد أكلوا معه رطبا ولحما، وشربوا من الماء البارد- «هذا من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة».
فهذا سؤال عن شكره والقيام بحقه.
وفي الترمذي من حديث أنس عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «يجاء بالعبد يوم القيامة، كأنه بذج فيوقف بين يدي اللّه تعالى، فيقول اللّه: أعطيتك وخوّلتك، وأنعمت عليك، فماذا صنعت؟ فيقول: يا رب جمعته، وثمرته، فتركته أوفر ما كان، فأرجعني آتيك به. فإذا أعيد لم يقدم خيرا، فيمضي به إلى النار».
وفيه من حديث أبي سعيد وأبي هريرة رضي اللّه عنهما قالا: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «يؤتى بالعبد يوم القيامة، فيقول اللّه: ألم أجعل لك سمعا وبصرا ومالا، وولدا، وسخرت لك الأنعام والحرث، وتركتك ترأس وترتع، أفكنت تظن أنك ملاق يومك هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني».وقال: هذا حديث صحيح. اهـ
فكل أحد يسأل عن نعيمه الذي كان فيه في الدنيا ومجرد السؤال لا يدل على أنه يستلزم تعذيب المسئول على النعمة التي يسأل عنها ، فقد يسأل الله المؤمن عن النعم التي أنعم بها عليه فيم صرفها ، وبم عمل فيها ؟ ليعرف تقصيره وعدم قيامه بما يجب عليه من الشكر . (41)
وسؤال المؤمن سؤال تشريف لأنه شكر و لترتيب الثواب على الشكر وتبشير بأن جمع له بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة لأن المؤمن شكر نعمة الله وحفظ حق الله فيها. أو لأجل المؤاخذة بالنعيم الحرام .
أما الكافر يسأل سؤال توبيخ وتقريع ؛ لأنه قابل نعيم الدنيا بعدم الشكر و بالكفر والمعصية . (42)
وهذا السؤال إما أنه يكون بعد رؤية الجحيم ودخولها كما يسألون كذلك عن أشياء أخر على ما يؤذن به قوله تعالى: {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير} وقوله سبحانه {ما سلككم في سقر } وذلك لأنه إذ ذاك أشد إيلاما وأدعى للاعتراف بالتقصير، فثم على ظاهرها.
أوأن يكون في موقف الحساب قبل الدخول فتكون «ثم» للترتيب الذكري. (43) خلاصة كلام الألوسي وابن عادل
{ عَنِ النَّعِيمِ }يعني بالنعيم شبع البطون، وبارد الماء، وظلال المساكن، واعتدال الخلق، ولذة النوم، وقال سعيد بن جبير: حتى عن شربة عسل. وقال مجاهد: عن كل لذة من لذات الدنيا. وقال الحسن البصري: من النعيم الغذاء والعشاء. وقال أبو قلابة: من النعيم أكل السمن والعسل بالخبز النقي. وعن ابن عباس: النعيم صحة الأبدان والأسماع والأبصار (44)
وقال مالك رحمه الله :صحة البدن ، وطيب النفس .وقال محمد بن كعب ما أنعم عليكم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - و قال أبو العالية : الإسلام والسنن .و قال الحسين بن الفضل: تخفيف الشرائع وتيسير القرآن .
وقال مجاهد: عن كل لذة من لذات الدنيا، .(45)
هذا الذي فسروها به من باب التنوع في التفسير، فإن أصناف النعيم كثيرة لا تعد ولا تحصى {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا} [النحل:18]،
فالحق سبحانه أخبر أنه سائلهم عن النعيم ولم يخصص في خبره نوع دون الآخر بل الألف واللام تفيد الاستغراق فهو سائلهم عن جميع النعم أما ما جاء به الخبر من الأحاديث الصحيحة بذكر أنواع من النعم فهو من باب التمثيل ببعض أفراد خصت بالذكر لأمر اقتضاه الحال، ويؤيد ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في غير رواية عند ذكر شيء من ذلك: «هذا من النعيم الذي تسألون عنه" بمن التبعيضية . فالصواب أنهم مسؤولون عن جميع النعم . (46)
ولكن بعض أنواع النعيم من الضروريات وبعضها من الكماليات، والناس يتفاوتون في ذلك فيما بينهم، ويوجد في عصر ما لا يجده أهل عصور أخرى، وفي بلد ما لا يجده أهل بلاد أخرى، وكل ذلك يسأل عنه العباد.
فعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : " خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَ : ( مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ ) ؟ قَالَا : الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : ( وَأَنَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا قُومُوا ) ، فَقَامُوا مَعَهُ فَأَتَى رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ ، فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ قَالَتْ : مَرْحَبًا وَأَهْلًا ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَيْنَ فُلَانٌ ) ؟ قَالَتْ ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنْ الْمَاءِ إِذْ جَاءَ الْأَنْصَارِيُّ فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبَيْهِ ثُمَّ قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي ، قَالَ : فَانْطَلَقَ فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ فَقَالَ : كُلُوا مِنْ هَذِهِ ، وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ : فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ ) ، فَذَبَحَ لَهُمْ فَأَكَلُوا مِنْ الشَّاةِ وَمِنْ ذَلِكَ الْعِذْقِ وَشَرِبُوا فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوُوا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ : ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ الْجُوعُ ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ ) . أخرجه مسلم (2038) .
وفي لفظ الترمذي (2369) : ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مِنْ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : ظِلٌّ بَارِدٌ وَرُطَبٌ طَيِّبٌ وَمَاءٌ بَارِدٌ ) .
وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ أَوَّلَ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَعْنِي الْعَبْدَ مِنْ النَّعِيمِ أَنْ يُقَالَ لَهُ : أَلَمْ نُصِحَّ لَكَ جِسْمَكَ وَنُرْوِيَكَ مِنْ الْمَاءِ الْبَارِدِ ) .
أخرجه الترمذي (3358) وصححه الألباني في " صحيح الترمذي " .
وقال النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ : عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ ، وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ ) .
أخرجه الترمذي (2416) وحسنه الألباني في " صحيح الجامع " (7299) (47) .
- النعيم الذي لا يسأل عنه
ليس من النعيم المسئول عنه يوم القيامة ما يضطر إليه المرء من طعام يسد به جوعته أو ملبس يستر به عورته ، أو مسكن يتقي به الحر والبرد ، أما ما زاد عن حد الاضطرار والاحتياج الشديد فهو من النعيم المسئول عنه .
فقد ثبت في رواية في مسند أحمد عن أبي عسيب رضي الله عنه قال : ( خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلًا فَمَرَّ بِي فَدَعَانِي إِلَيْهِ ، فَخَرَجْتُ ثُمَّ مَرَّ بِأَبِي بَكْرٍ فَدَعَاهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ ثُمَّ مَرَّ بِعُمَرَ فَدَعَاهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ حَائِطًا لِبَعْضِ الْأَنْصَارِ ، فَقَالَ لِصَاحِبِ الْحَائِطِ : ( أَطْعِمْنَا بُسْرًا ) فَجَاءَ بِعِذْقٍ فَوَضَعَهُ فَأَكَلَ ، فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ بَارِدٍ فَشَرِبَ فَقَالَ : ( لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ )، قَالَ : فَأَخَذَ عُمَرُ الْعِذْقَ فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ حَتَّى تَنَاثَرَ الْبُسْرُ قِبَلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَئِنَّا لَمَسْئُولُونَ عَنْ هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ : ( نَعَمْ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ : خِرْقَةٍ كَفَّ بِهَا الرَّجُلُ عَوْرَتَهُ ، أَوْ كِسْرَةٍ سَدَّ بِهَا جَوْعَتَهُ ، أَوْ حَجَرٍ يَتَدَخَّلُ فِيهِ مِنْ الْحَرِّ وَالْقُرِّ ) .
حسنه الألباني في " صحيح الترهيب والترغيب" (3221) .
- غفلة الناس عن النعيم
بعض الناس لا يستشعر النعم العظيمة التي وهبه الله إياها، فلا يدرك النعمة التي في شربة الماء، ولقمة الطعام، وفيما وهبه الله من مسكن وزوجة وأولاد، ويظن أن النعم تتمثل في القصور والبساتين والمراكب فحسب، فقد سأل رجل عبدالله بن عمرو بن العاص فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبدالله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم. قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم. فأنت من الأغنياء. قال فإن لي خادماً. قال: فأنت من الملوك.
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ)) ،
ومعنى هذا أنهم مقصرون في شكر هاتين النعمتين، لا يقومون بواجبهما، ومن لا يقوم بحق ما وجب عليه فهو مغبون. وفي (مسند أحمد) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا بأس بالغنى لمن اتقى الله عز وجل، والصحة لمن اتقى الله خير من الغنى، وطيب النفس من النعم)) وفي بعض الأحاديث النبوية بيان من الرسول صلى الله عليه وسلم عن صورة من صور السؤال عن النعيم الذي يواجه الله به عباده في ذلك اليوم، ففي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يلقى (الرب) العبد فيقول: أي فُل، ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى. قال: فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ قال: فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثاني فيقول: أي فُل، ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى. أي رب، فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثالث، فيقول له مثل ذلك. فيقول: يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع. فيقول: ههنا اذن. قال: ثم يقال له: الآن نبعث عليك شاهداً عليك، ويتفكر في نفسه، من ذا يشهد علي؟ فيختم الله على فيه. ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله. وذلك ليعذر من نفسه. وذلك المنافق الذي يسخط الله عليه)). (48)
فالمراد من الآية الحث على شكر النعمة ، والإقرار للمنعم بها والقيام بحقه سبحانه فيها ، كما قال تعالى عن نبي الله : {رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين}.
اللهم أوزعنا شكر نعمتك ، واجعل ما أنعمت به علينا عونا لنا على طاعتك (49).
· مناسبة ختم السورة بأولها
لقد التحم آخرها بأولها ، لأن العاقل إذا علم أنه سيسأل عن كل ما يلتذ ويتنعم به ، علم أن هذا يحول بينه وبين دخول الجنان فيكون خوفة من مجرد السؤال مانعا له عن التنعم والتكاثر بالمباح فكيف بالمكروه فكيف ثم كيف بالمحرم؟ فكيف إذا كان السؤال من ملك تذوب لهيبته الجبال؟ فكيف إذا كان السؤال على وجه العتاب؟ فكيف إذا جر إلى العذاب؟ .(50)
-عظم هذه السورة
قال ابن القيّم :
فلله ما أعظمها من سورة، وأجلها وأعظمها فائدة، وأبلغها موعظة وتحذيرا، وأشدها ترغيبا في الآخرة، وتزهيدا في الدنيا على غاية اختصارها، وجزالة ألفاظها وحسن نظمها. فتبارك من تكلم بها حقا وبلغها رسوله عنه وحيا. اهـ
وما يقرأ الإنسان هذه السورة الجليلة الرهيبة العميقة، بإيقاعاتها الصاعدة الذاهبة في الفضاء إلى بعيد في مطلعها، الرصينة الذاهبة إلى القرار العميق في نهايتها.. حتى يشعر بثقل ما على عاتقه من أعقاب هذه الحياة الوامضة التي يحياها على الأرض، ثم يحمل ما يحمل منها ويمضي به مثقلاً في الطريق!
ثم ينشئ يحاسب نفسه على الصغير والزهيد!!! (51)
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أنه لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إاليك

رد مع اقتباس
  #12  
قديم 6 ذو الحجة 1437هـ/8-09-2016م, 12:54 AM
مضاوي الهطلاني مضاوي الهطلاني غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - الامتياز
 
تاريخ التسجيل: Aug 2014
المشاركات: 864
افتراضي

مبحث حكم زيارة القبور للنساء :
لا خلاف بين أهل العلم على أن المرأة إذا علمت من نفسها أنها إذا زارت المقابر ، صدر عنها ما لا يجوز من قول ، أو فعل مثل تجديد بكاء ونياحة ، أو حزن ، أو تضييع لحق زوجها ، أو تبرج وسفور ، أو فتنة لها أو لغيرها أن هذه الزيارة على هذه الوجوه السابقة منهي عنها أما إذا خلت الزيارة مما سبق ، فإن للعلماء في حكم الزيارة ثلاثة أقوال :
القول الأول : أن زيارة المقابر للنساء لا يجوز .
وهذا قول في مذهب الحنفية والمالكية والشافعية وهو رواية عن أحمد ، اختارها بعض الأصحاب وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى
وقد استدل أصحاب هذا القول بما يلي :
1- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن زوّارات القبور
2- عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور ، والمتخذين عليها المساجد والسرج
حيث دل الحديثان على لعن زوارات القبور ، وهذا دليل على حرمة هذا الفعل ، وخاصة أنه قرنه بالمتخذين عليها المساجد والسرج ، الذين لعنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرض موته
ونوقش هذان الدليلان بما يلي :
أولا : أنها ضعيفة الإسناد ؛ فلا يصح الاحتجاج بها على حرمة زيارة النساء للقبور .
وقد أجاب - شيخ الإسلام - ابن تيمية عن هذا الاعتراض من ثلاثة وجوه وهي :
أولا : أن كل من تكلم فيه من رجال الإسناد قد عدله طائفة من العلماء ، وإذا كان الجارح والمعدل من الأئمة ، لم يقبل الجرح إلا مفسرا ، فيكون التعديل مقدما على الجرح المطلق .
ثانيا : أن حديث مثل هؤلاء يدخل في الحسن الذي يحتج به جمهور العلماء ، فإذا صححه من صححه ، كالترمذي وغيره ، ولم يكن فيه من الجرح إلا ما ذكر ؛ كان أقل أحواله أن يكون من الحسن .
ثالثا : أن يقال : قد روي من وجهين مختلفين : أحدهما عن ابن عباس ، والآخر عن أبي هريرة ، ورجال هذا ليس رجال هذا ، فلم يأخذه أحدهما عن الآخر ، وليس في الإسنادين من يتهم بالكذب ، وإنما التضعيف من جهة سوء الحفظ ، ومثل هذا حجة بلا ريب
وكلام شيخ الإسلام عن حديث أبي هريرة ، وابن عباس . فكيف إذا انضم إلى ذلك ما روي عن حسان بن ثابت رضي الله عنه قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " زوارات القبور
فهذا يبين أن الحديث في الأصل معروف .
ثانيا : أن اللعن إنما يكون للمكثرات من الزيارة بدليل قوله : ( زوارات القبور . . ) ، وذلك لما تقتضيه الصفة من المبالغة ، وهذا لا يتناول الزائرة من غير إكثار
ويجاب عن ذلك بما يلي :
أنه ورد في حديث ابن عباس - رضي الله عنه - لفظ : ( زائرات ) ، وهذا يصدق على الزائرة مرة واحدة ، فيؤخذ به .
ثالثا : أن اللعن قد نسخ بالأمر بزيارة القبور للرجال والنساء
ويجاب عن هذا : بأن الصحيح أن حديث اللعن غير منسوخ ، بل هو بعد الإذن للرجال في زيارة القبور ، وذلك بدليل أن اللعن جاء مقرونا بالمتخذين عليها المساجد والسرج ، حيث جاء بصيغة التذكير ، التي تتناول الرجال فقط
رابعا : أن اللعن إنما ورد على ما إذا كانت زيارة النساء للقبور لتجديد الحزن ، والبكاء والنياحة ، أما إذا كانت الزيارة للقبور على الوجه الشرعي من الاعتبار ونحوه فلا يحرم عليهن ذلك .
ويجاب عن هذا :
بأن هذا التأويل لا دليل عليه ، بل إن ما ذكر قد يكون علة للنهي ؛ لأن ذلك هو عادة النساء غالبا .
فإذا كانت زيارة النساء للقبور مظنة ، وسببا للأمور المحرمة شرعا ، فيحرم هذا الباب سدا للذريعة
3- عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - قال : بينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ بصر بامرأة لا نظن أنه عرفها ، فلما توسط الطريق وقف حتى انتهت إليه ، فإذا فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها : " ما أخرجك من بيتك يا فاطمة ؟ " قالت : " أتيت أهل هذا البيت ، فترحمت إليهم ، وعزيتهم بميتهم " ، فقال : " لعلك بلغت معهم الكدى ؟ " قالت : " معاذ الله أن أكون بلغتها ، وقد سمعتك تذكر في ذلك ما تذكر " . فقال : " لو بلغتها معهم ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك والكدى هي القبور ، هكذا فسرها بعض الرواة
فقد دل هذا الحديث على أن النساء لا يجوز لهن زيارة القبور ؛
لقول فاطمة - رضي الله عنها - : معاذ الله أن أكون بلغتها ، وقد سمعتك تذكر في ذلك ما تذكر ، يعني من النهي عن ذلك .
ونوقش هذا الدليل :
بأن النهي ليس عن زيارة القبور ، وإنما النهي في الحديث عن اتباع الجنائز للنساء ؛ لأن مفسدة اتباع الجنائز للنساء أعظم من مفسدة زيارة القبور ، حيث إن المصيبة قريبة ، ويترتب على ذلك أذى للميت ، وفتنة للأحياء ، ولا يلزم من تحريم اتباع النساء للجنائز تحريم زيارة المقابر
وأجيب عن ذلك بما يلي :
إن مصلحة اتباع الجنازة أعظم من مصلحة الزيارة ، حيث يحصل بالاتباع : الصلاة ، ثم الحمل والدفن ، وهي فروض كفاية ، بخلاف زيارة القبور ، فليست فرضا على الكفاية ، فإذا كانت النساء قد منعن عما جنسه فرض كفاية ، ومصلحته للميت أعظم ، فما ليس بواجب على أحد أولى .
وأما قولهم : إن مفسدة الاتباع أعظم فغير مسلم ؛ لأنه إذا رخص للنساء في الزيارة كان ذلك مظنة قصد الرجال لهن ، وحصول الفتنة ،
كما هو الحاصل في كثير من البلدان الإسلامية ، حيث يقع بسبب الزيارة من الفتن والفساد ما لا يقع عند اتباع الجنائز ؛ لأن المرأة قليلة الصبر ، كثيرة الجزع ، وفي زيارتها للمقابر تجديد لحزنها ، فقد يؤدي بها ذلك إلى ما لا تحمد عقباه .
القول الثاني : إن زيارة النساء للقبور مكروهة .
وهو قول عند الحنفية والمالكية وقال به جمهور الشافعية وهو المذهب عند الحنابلة
واستدل أصحاب هذا القول بما يلي :
1- عن أم عطية - رضي الله عنها - قالت : نهينا عن اتباع الجنائز ، ولم يعزم علينا
حيث دل هذا على النهي عن اتباع النساء للجنائز ؛ والزيارة من
جنس الاتباع ؛ فيكون كلاهما مكروها غير محرم
وقد أجاب ابن القيم رحمه الله بما نصه : " وأما قول أم عطية : نهينا عن اتباع الجنائز . . . " فهو حجة للمنع ، وقولها : ولم يعزم علينا . . " إنما نفت فيه وصف النهي ، وهو النهي المؤكد بالعزيمة ، وليس ذلك شرطا في اقتضاء التحريم ، بل مجرد النهي كاف ، ولما نهاهن انتهين لطواعيتهن لله ورسوله صلى الله عليه وسلم فاستفتين عن العزيمة عليهن ، وأم عطية لم تشهد العزيمة في ذلك النهي ، وقد دلت أحاديث لعنه الزائرات على العزيمة فهي مثبتة للعزيمة ، فيجب تقديمها "
يضاف إلى ذلك أن قول أم عطية : ولم يعزم علينا . . " قد يكون مرادها لم يؤكد النهي ، وهذا لا ينفي التحريم ، وقد تكون هي ظنت أنه ليس نهي تحريم ، والحجة في قوله صلى الله عليه وسلم لا في ظن غيره .
2- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن زوارات القبور مع الإذن بزيارة القبور في قوله صلى الله عليه وسلم : " فزوروها "
قالوا : فالحديث الأول خاص بالنساء ، والنهي المنسوخ كان عاما
للرجال والنساء ، ويحتمل أنه كان خاصا للرجال ، ويحتمل - أيضا - كون الخبر في لعن زوارات القبور - بعد أمر الرجال بزيارتها ، فقد دار الأمر بين الحظر والإباحة ، فأقل أحواله الكراهة
ويجاب عن هذا بما يلي :
أن الصحيح أن حديث اللعن غير منسوخ ، بل هو بعد الإذن للرجال في زيارة القبور ، ويدل على هذا أن حديث اللعن جاء مقرونا بالمتخذين عليها المساجد والسرج ، وذكر هذا بصيغة التذكير التي تتناول الرجال ، ولعن الزائرات مختص بالنساء ، ومعلوم أن اتخاذ المساجد والسرج باق محكم ؛ كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة ، فكذلك الآخر
القول الثالث : أن زيارة النساء للقبور مباحة ، وهو الأصح في مذهب الحنفية وقال به بعض المالكية وبعض الشافعية – عند أمن الفتنة - ، وهو رواية عند أحمد
واستدل أصحاب هذا القول بما يلي :
1- عن عبد الله بن أبي مليكة أن عائشة - رضي الله عنها - أقبلت ذات يوم من المقابر ، فقلت لها : يا أم المؤمنين ، من أين أقبلت ؟ قالت : من قبر أخي عبد الرحمن بن أبي بكر ، فقلت لها : أليس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن زيارة القبور ؟ قالت : نعم ، كان نهى ، ثم أمر بزيارتها
حيث إن عائشة - رضي الله عنها - قد فهمت دخول النساء في عموم الإذن في زيارة القبور ؛ وهذا يدل على الإباحة .
ويجاب عن هذا بما يلي :
1- أن عائشة - رضي الله عنها - تأولت الحديث ، وفهمت منه دخول النساء في الأمر ، والحجة في قول النبي صلى الله عليه وسلم لا في
تأويل الراوي ؛ لأن تأويل الراوي يكون مقبولا حين لا يعارضه ما هو أقوى منه ، وهنا قد عارضه أحاديث المنع
2- أن عائشة رضي الله عنها قالت في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره : لو شهدتك ما زرتك وهذا يدل على أنه من المعلوم عندها أن النساء لا يباح لهن زيارة القبور ، وإلا لم يكن لقولها ذلك معنى
3- أن في إنكار من أنكر الصحابة على عائشة رضي الله عنها دليلا على أن الصحابة حملوا الإذن للرجال على وجه الخصوص ، وإذا تعارض الرأيان من الصحابة ، فلا حجة في واحد على الآخر
4- أن عائشة - رضي الله عنها - إنما قدمت مكة للحج ، فمرت على قبر أخيها عبد الرحمن في طريقها ، فوقفت عليه ، وهذا لا بأس به للنساء ، إنما الخلاف في قصدهن الخروج لزيارة القبور
2- قوله صلى الله عليه وسلم : كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها
حيث يدل ظاهر هذا الحديث بعمومه على جواز زيارة القبور للرجال والنساء ؛ لأنه لم يستثن فيه رجلا ولا امرأة ، ويجاب عن هذا بأن الخطاب في الحديث خاص بالرجال دون النساء ؛ لأن اللفظ ورد بصيغة التذكير ، وهو مختص بالرجال بأصل الوضع ، فلا يدخل فيه النساء .
ولو سلمنا بدخول النساء بطريق التبع والتغليب عن طريق العموم فلا يعارض الأدلة الخاصة الصريحة في نهي النساء من زيارة القبور .
3- عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : كيف أقول لهم يا رسول الله ؟ قال : قولي : " السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين ، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون
حيث إن تعليم النبي - عليه الصلاة والسلام - لعائشة -رضي الله عنها - هذا الدعاء يدل على إباحة زيارة القبور للنساء
ويجاب عن هذا : بأن الحديث لا يدل على إباحة الزيارة للنساء ، وإنما يدل على مشروعية السلام على أهل القبور عند المرور بها دون قصد الزيارة .
4- عن أنس -رضي الله عنه - قال : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر ، فقال : " اتقي الله واصبري " قالت : إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي ، ولم تعرفه . فقيل لها : إنه النبي صلى الله عليه وسلم ، فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين ، فقالت : لم أعرفك ، فقال : " إنما الصبر عند الصدمة الأولى
حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على هذه المرأة جلوسها عند القبر ، وهذا إقرار منه صلى الله عليه وسلم
ويجاب عن هذا الدليل : بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقر تلك المرأة ؛ وإنما أنكر عليها ، وأمرها بتقوى الله ، ومن ذلك النهي عن زيارة القبور للنساء .
الترجيح :
إذا أمعنا النظر فيما سبق من الأقوال ، وما ورد عليها من مناقشات يظهر - والله أعلم - أن القول الراجح هو القول الأول ، وهو أن زيارة القبور للنساء محرمة ، وذلك للأسباب الآتية :
أولا : قوة أدلة هذا القول ، وسلامتها من المناقشة في الجملة .
ثانيا : أن أدلة الأقوال الأخرى ، قد تمت الإجابة عليها .
ثالثا : أن القول بالتحريم يتمشى مع قواعد الشريعة العامة ، ومع مصلحة الناس في العاجل والآجل .
رابعا : أن القول بالجواز قد يقبل في زمن أمن الفتنة والفساد ، أما في زمن كثرة الفتن ، والفساد ، والابتداع ، فلا يمكن أن يقبل بحال ، وخاصة ما يحصل في هذه الأزمنة في بعض البلدان الإسلامية عند زيارة القبور ، من البلاء ، والفتن ، والتبرج ما لا يرضاه دين ، ولا يقره عقل ، فالله المستعان .

مجلة البحوث الإسلامية

رد مع اقتباس
  #13  
قديم 6 ذو الحجة 1437هـ/8-09-2016م, 12:55 AM
مضاوي الهطلاني مضاوي الهطلاني غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - الامتياز
 
تاريخ التسجيل: Aug 2014
المشاركات: 864
افتراضي

الهوامش
1-سيد قطب
2-ابن القيم
3-أبو عبد المعز . ملتقى اهل الحديث
4-البقاعي
5-ابن القيم
6-الزمخشري
7- أبو عبد المعز . ملتقى اهل الحديث
8-الماوردي والقرطبي وغيرهم
9- ابن القيم
10- أبن حيان والشوكاني والبقاعي
11-عاشور و أبو عبد المعز .
12-ابن كثير
13-الالوسي وابن عطية وابن عاشوروالبقاعي
14-الرازي
15-ابن عطية وابن حيان وابن جزئ وغيرهم
16-ابن كثير وابن عثيمين
17-ابن عاشور والبقاعي
18- أبو عبد المعز . ملتقى اهل الحديث
19-ابن كثير والبقاعي وابن عثيمين
20-القرطبي
21-مجلة البحوث الاسلامية ( في نهاية الكتاب مبحث حكم زيارة القبور للنساء )
22-الطبري والقرطبي وابن كثير
23-الطبري وابن كثير والبقاعي
24-الرازي وابن عادل وابن عاشور
25-ابن عطية والرازي وابن عادل وطنطاوي
26-ابن عادل وعطية سالم
27-ابن عطية وطنطاوي
28-ابن عاشور وطنطاوي
29-ابن عادل والشوكاني وعطية سالم
30- ابن عطية والقرطبي
31-القرطبي والرازي و أبو السعود والقمي
32-القرطبي والرازي و أبو السعود والقمي
33- القرطبي و عطية سالم
34- ابن عطية وابوالسعود
35-عطية سالم
36-الشوكاني وطنطاوي
37-ابن عاشور وسيد قطب
38-الطبري والبقاعي وسيد قطب
39-البغوي الشوكاني
40-القرطبي وابن عادل
41-الشوكاني
42-الماوردي والشوكاني وابن عاشور
43-الألوسي وابن عادل
44- ابن كثير
45-الطبري والقرطبي وابن كثير وابن الجوزي والبغوي
46-الطبري والألوسي
47-الأشقر
48- الأشقر
49-عطية سالم
50- البقاعي
51- -سيد قطب

رد مع اقتباس
  #14  
قديم 6 ذو الحجة 1437هـ/8-09-2016م, 11:07 PM
شيماء طه شيماء طه غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Aug 2014
المشاركات: 318
افتراضي

الحمد لله غفار الذنوب كاشف الكروب ساتر العيوب
الحمد لله الذي أنزل كتابه المجيد على أحسن أسلوب وبهر بحسن ألفاظه وبلاغة تركيبه القلوب
ورتبه بحكمته البالغة أحسن ترتيب
والصلاة والسلام على البشير الن ذير السراج المنير
كشف الله به الغمة وأتم به النعمة.
صلاة دائمة الى يوم الدين
أما بعد:
فان من نعم الله علينا أن أرسل الينا رسولا يدلنا على الخير ويحذرنا من الشر فمن الخير الذي دلنا عليه آداب نافعة للمسلمين أفراد ومجتمعات في العبادات والمعاملات
جاءت هذه الآداب ليكون المسلم على بصيرة من أمره وليتبين له المنهج الأمثل في التعامل واصلاح العلاقة مع بعضهم البعض.
وهذه الآداب تتجلى للمسلم بوضوح عندما يمعن النظر
في القرآن والسنة يجد تلك الآداب فالعبادات لها آداب والمعاملات لها آداب والجار والأهل لهم حقوق وآداب وكذلك في تعامل المسلم مع ربه وكتابه ونبيه ثمة آداب حري بنا تعلمها والعمل بها.
مدخل الدرس :
عرض قصة عن سوء الظن وأخرى عن الغيبة
بعد الستماع للمقاطع
ما تعليقاتكم على ما سمعتم؟
تحدثت المقاطع عن سلوكيات خاطئة كثيرا ما نمارسها في المجتمع ما هي
ما نصيحتكم لمن يمارس هذا السلوك؟

ومن السور التي جاءت لتهذب سلوك المسلم سورة الحجرات
إن سورة الحجرات من السور الكريمة التي تضمنت المعاني الجليلة، والأهداف السامية النبيلة، وهي جامعة للخيرات، مبنية على حسن الفضائل والعادات، صيغت بأوجز الألفاظ وأحسنها، وأبلغ الكلمات وأرفعها، وألطف الإشارات وأنبلها، كيف لا وهي من تنزيل حكيم حميد، الرحيم بخلقة الغفور المجيد، وهي فوق ذلك مدرسة تربى على الأخلاق والآداب، وتنشئ على الفضائل والاقتداء بأولي الألباب، لا يستغني عنها العالم الأديب، فضلا عن العاقل اللبيب، ونظرة تأمل في السورة وآياتها، وما احتوته من معاني ومقاصد، تبين لنا جمال الدين وأسرار الشريعة، وما انطوى عليه القرآن الكريم من المواعظ البليغة، وما احتوى الكتاب الجليل من آداب وإحكام ووصايا لو تمسك المسلمون بآدابها، وترجموا معانيها، وطبقوها في واقع حياتهم ومعاشهم، لسعدوا في دنياهم وأخراهم، ولدانت لهم الدنيا بأسرها، ولخرت لهم تيجان الملوك وعظمائها.
صلة الآيات بما قبلها.

قال تعالى في مفتاح السورة ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [الحجرات: 1].

بين سبحانه جلا في علاه وجوب طاعة الله ورسوله على جميع المكلفين، ونهى عن تقديم قولا أو فعلا على قول الله ورسوله، ثم نهى عن رفع الصوت في حضرة رسوله حيا وميتا، والواجب على المسلمين أن يعظموه ويوقروه كما هو في حياته، وما أجمل قول ابن القيم رحمه الله الذي قال (فإذا كان رفع أصواتهم فوق صوته صلى الله عليه وسلم سببا لحبوط أعمالهم، فكيف تقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياساتهم ومعارفهم على ما جاء به ورفعها عليه أليس هذا أولى أن يكون مُحبْطاً لأعمالهم).

ولذا جاءت النصوص تؤكد على اتباع الرسول المكرم، والنبي المعظم في سائر أحواله وشؤونه، وآدابه وسننه، وإجلال حديثه وقوله، ولزوم الأدب عند سماع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعدم ردها والاعتراض عليها، ومحاولة تحريفها عن مقصودها
دلت الآيات الكريمة من سورة الحجرات على وجوب التثبت في نقل الأخبار الواردة، والتريث في النطق من الأقوال
الصادرة، حتى لا يقع الناس في سوء الظن مما له الأثر السيئ في تعكير صفو العلاقات الاجتماعية، وتفريق الروابط الزوجية فيتفرق الشمل، ويتشتت الجمع، ويتباعد الأقرباء، ويفرح الأعداء، بسبب أخبار غير صحيحة، أو شائعات غير ثابتة بل كاذبة شنيعة ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ [الحجرات: 6]، فهذه قاعدة متينة، وأدب رفيع عظيم الصلة بأخلاقيات الناس لا سيما في عصرنا الحاضر، وزمننا المعاصر، والتي انتشرت فيه وسائل الاتصال الحديث، فعلينا أن نتمثل هذا الأدب القرآني، وهذا التوجيه الرباني، وأن نستقي الأخبار من مصادرها وننقل - إن كان ولابد - المعلومات عن أهلها.

من التوجيهات الكريمة التي تضمنتها السورة النهي عن جملة من الأفعال والسلوكيات الخاطئة التي تنافي أخلاق المؤمن، وتدل على ضعف الإيمان، وسوء النية والخذلان، مثل السخرية والتنابز والاستهزاء بالشكل أو الصورة أو الألوان ونحوها.

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ) أي لا يهزأ ناس من المؤمنين بآخرين:
ثم ذكر العلة فى ذلك فقال:
(عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ) أي فقد يكون المسخور منهم خيرا عند الله من الساخرين كما
جاء فى الأثر «فربّ أشعث أغبر ذى طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله تعالى لأبرّه» .
فينبغى ألا يجترىء أحد على الاستهزاء بمن تتقحمه عينه لرثاثة حاله، أو لكونه ذا عاهة فى بدنه، أو لكونه غير لبق فى محادثته، فلعله أخلص ضميرا وأنقى قلبا ممن هو على ضد صفته، فيظلم نفسه بتحقير من وقّره الله تعالى.

(وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ) أي ولا يسخر نساء من نساء عسى أن يكون المسخور منهن خيرا من الساخرات، وأتى بالجمع فى الموضعين، من قبل أن الأغلب فى السخرية أن تكون فى مجامع الناس، وكم من متلذذ بها، وكم من متألم منها.
روى الترمذي عن عائشة قالت: حكيت للنبى صلّى الله عليه وسلّم رجلا فقال:
«ما يسرنى أنى حكيت رجلا وأن لى كذا وكذا، قالت فقلت يا رسول الله إن صفية امرأة وقالت بيدها هكذا تعنى أنها قصيرة، فقال: لقد مزحت بكلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته» .
وروى مسلم عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»
وفى هذا إيماء إلى أن المرء لا يقطع بمدح أحد أو عيبه كما يرى عليه من صور أعمال الطاعة أو المخالفة، فلعل من يحافظ على الأعمال الظاهرة يعلم الله من قلبه وصفا مذموما لا تصح معه تلك الأعمال، ولعل من رأينا منه تفريطا أو معصية يعلم الله من قلبه وصفا محمودا يغفر له بسببه، فالأعمال أمارات ظنية، لا أدلة قطعية.
(وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) أي ولا يعب بعضكم بعضا بقول أو إشارة على وجه الخفية.
وفى قوله: «أنفسكم» تنبيه إلى أن العاقل لا يعيب نفسه، فلا ينبغى أن يعيب غيره لأنه كنفسه، ومن ثم
قال النبي صلّى الله عليه وسلم: «المؤمنون كجسد واحد إن اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى»

وقيل: من سعادة المرء أن يشتغل بعيوب نفسه عن عيوب غيره.
(وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ) أي لا يدع بعضكم بعضا باللقب الذي يسوءه ويكرهه كأن يقول لأخيه المسلم: يا فاسق، يا منافق، أو يقول لمن أسلم: يا يهودى، أو يا نصرانى.
قال قتادة وعكرمة عن أبى جبيرة بن الضحاك قال: فى بنى سلمة نزلت (وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ) قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المدينة وليس فينا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دعا واحدا باسم من تلك الأسماء قالوا: يا رسول الله إنه يكرهه فنزلت. أخرجه البخاري فى الأدب وأهل السنن وغيرهم.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: التنابز بالألقاب أن يكون الرجل قد عمل السيئات ثم تاب وراجع الحق، فنهى الله تعالى أن يعيّر بما سلف من عمله.
أما الألقاب التي تكسب حمدا أو مدحا وتكون حقّا وصدقا فلا تكره كما قيل لأبى بكر: عتيق، ولعمر: الفاروق، ولعثمان: ذو النورين، ولعلى: أبو تراب، ولخالد سيف الله.
(بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ) أي بئس الذكر المرتفع للمؤمنين أن يذكروا بالفسوق بعد دخولهم فى الإيمان واشتهارهم به.
وفى هذا إيماء إلى استقباح الجمع بين الأمرين كما تقول بئس الصبوة بعد الشيخوخة أي معها.
(وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) أي ومن لم يتب من نبزه أخاه بما نهى الله عن نبزه من الألقاب، أو لمزه إياه، أو سخريته منه، فأولئك هم الذين ظلموا أنفسهم فأكسبوها عقاب الله بعصيانهم إياه.


ومن أجل بناء مجتمع متماسك نظيف، تسوده المحبة والتآلف والتعاون، مجتمع مكفول المحرمات، مصون الأعراض، لا يؤخذ فيه أحد بالظن دلت الآيات الكريمات في سورة الحجرات على قبح التجسس، وسوء الظن
قال تعالى "يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ان بعض الظن أثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه.
أدب الله عباده بآداب أن تمسكوا بها دامت المودة والوئام بينهم منها
1 البعد عن سوء الظن بالناس وتخونهم فيما يقولون وما يفعلون لأن بعض ذلك قد يكون اثما محضا فليجتنب كثير منه.
وقد روي عن عمر رضي الله عنه:
ولا تظننّ بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيرا، وأنت تجد لها فى الخير محملا.
2 البحث عن عورات الناس ومعايبهم.
3 عدم ذكر بعضهم بعضا بما يكرهون في غيبتهم
حافظ الاسلام على عرض المسلم فحرم أكل لحوم الناس، فحرم الغيبة، وكان التشبيه فيه أبلغ تشبيه، وبيان صورته البشعة على طريقة الأسلوب البلاغي القرآني ليكون أبلغ رادع، وأقوى زاجر ومانع من ذلك الخلق الذميم، والصفة القبيحة، فإن أكل لحم الإنسان مما تنفر منه الطباع، ويصبح فيه المغتاب متشبها بأخلاق الضباع،
ولذا كانت عقوبة الذي يقع في أعرض الناس وخيمة، وعاقبته أليمة، والزاجر منه قوي، والرادع عنه جلي، وخطره في المجتمع عظيم، وخطبه على أفراده جسيم، لأنه يفكك الأسرة والعائلة والمجتمع، وقد تكاثرت الأحاديث الشريفة، والروايات الوفيرة على التحذير من خطره، وخطورة الاقتراب من شرره.

عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق).

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل مسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يغتب بعضكم بعضاً، وكونوا عباد الله إخواناً).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مررت ليلة أسري بي على قوم يخمشون وجوههم بأظافرهم فقلت: يا جبريل، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يغتابون الناس، ويقعون في أعراضهم).
سما نصيحتك للمغتابات من النساء.
ما العلاقة بين الغيبة وأكل لحم الميت؟
ما سبب النهي عن اجتناب كثير من الظن؟
يستفاد من الدرس:
1 وجوب مبادرة المسلمين الى اصلاح ذات البين كلما حصل فساد أو خلل.
2 حرمة السخرية بين المسلمين لأي سبب كان.
3 حرمة اللمز والتنابز.
4 اجتناب كل ظن لا قرينة تدعو اليه.
5 حرمة التجسس وتتبع عورات المسلمين وكشفها واطلاع الناس عليها.
6 حرمة الغيبة وبيان أثرها السيئ بين الأفراد.

وهكذا يأدب الله تعالى عباده ويأمرهم ويرشدهم الى ما فيه خير الدنيا والآخرة وصلاح الفرد والمجتمع
نبهني الله واياكم من رقدة الغافلين ورزقنا اتباع هدي سيد المرسلين والحمد لله رب العالمين.

رد مع اقتباس
  #15  
قديم 16 ذو الحجة 1437هـ/18-09-2016م, 10:45 PM
نبيلة الصفدي نبيلة الصفدي غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى السابع
 
تاريخ التسجيل: Aug 2014
المشاركات: 508
افتراضي

أنموذج البدء في المرحلة الثانية لإعداد درس التفسير
أولا: عنوان الدرس: صفات عباد الرحمن من خلال سورة الفرقان
ثانياً: فئة المتلقّين:طلاب المرحلة الإعدادية " 12-15سنة"
ثالثاً: مقاصد الدرس [1]:
1- توضيح صفات عباد الرحمن المتقين من خلال تفسير الآيات
2- جزاء من حقق هذه الصفات هو نيل الغرفة وهي أعلى منازل الجنة وأفضلها

رابعاً: العناصر الرئيسة للدرس [2]:
1- التواضع وحسن السمت والسكينة والوقار
2- الإعراض عن الجاهلين وعدم مقابلة السيئة بمثلها
3- أنهم يكثرون من صلاة الليل مخلصين فيها لربهم متذللين له
4- أنهم يخافون عذاب جهنم ويسألون الله أن يصرفه عنهم
5- أنهم أهل عدل في باب الإنفاق" فلا يبخلون عن النفقات الواجبة والمستحبة" ولايزيدون على الحد فيدخلون في قسم التبذير
6- أنهم لا يشركون بالله شيئا في عبادته، يعبدون الله وحده مخلصين له الدين حنفاء مقبلين عليه معرضين عما سواه
7- أنهم لا يسفكون الدم الحرام بغير موجب شرعي
8- أنهم يحفظون فروجهم مما حرم الله فلا يرتكبون فاحشة الزنا لطهارتهم وعفتهم
9- أنهم أبعد الناس عن الباطل في الأقوال والأعمال ويعرضون أيضا عن اللغو وهو الكلام الذي لا خير فيه ولا فائدة فيه دينية ولا دنيوية ككلام السفهاء ونحوهم
10- أنهم إذا ذكروا بآيات الله تعالى قابلوها بالقبول والافتقار إليها والانقياد والتسليم لها، وتجد عندهم آذانا سامعة وقلوبا واعية فيزداد بها إيمانهم ويتم بها يقينهم
11- أنهم لا يقتصرون على صلاح أنفسهم بل يسألون الله الصلاح لقرنائهم من الأصحاب والزوجات وصلاح الذرية ‘ كما يسألون الله أن يكونوا أئمة يقتدى بهم في الخير وهذا لعلو هممهم
خامساً: بداية الدرس [3]:
1- قراءة الآيات
2- سؤال تهيئة للطلاب من خلال سماعهم لهذه الآيات كم صفة استطاعوا أن يحصوها؟
3- هل هذه الصفات هي صفات يحبها الله كيف عرفت ذلك من خلال الآيات؟
4- ماهو سبيل لنكون من عباد الرحمن؟

سادساً: خاتمة الدرس [4]:
1- مراجعة الصفات مراجعة سريعة مع الاستدلال بالآية التي ذكرت هذه الصفة بالمشاركة مع الطلاب
2- سؤال مشاركة ماهي الصفات التي يتوقع الطالب تحقيقها سريعا وماهي الصفات التي تحتاج منه صبر ومجاهدة نفس
3- الدعاء بأن نكون نحن وجميع المسلمين من عباد الرحمن حتى نفوز برضى الرحمن وبأعلى درجات الجنة

طريقة إلقاء الدرس [5]
اما محاضرات متسلسلة في مدرسة أو دروس متتالية من خلال نشاط صيفي في كل درس يطرح 3-4 من صفات عباد الرحمن

ثامناً: الوسائل المساعدة [6]
1- عرض شرائح بوربوينت بطريقة جذابة
2- ورق وقلم لكتابة الصفات التي عرفوها من خلال سماعهم للآيات
3- أسئلة منوعة مكتوبة على ورق فيها تثبيت لهذه الصفات توزع على الطلاب

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أما بعد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إن الغاية التي خلق الله الخلق لأجلها هي عبادة الله تعالى قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ، فكان من المكلّفين صنف قام بهذه الغاية حق القيام، فاستحقّ أن يوصفوا بأنهم عباد الرحمن، فأضافهم الله لنفسه؛ تشريفًا لهم، ورفعًا لمكانتهم، ووعدهم دار كرامته يوم يلقونه، وبيَّن ربنا سبحانه صفاتهم لمن أراد أن يسلك سبيلهم في سورة الفرقان
وسنتناول الآن صفاتهم بالشرح والتفصيل لنسلك طريقهم الذي يوصلنا لأن نكون من عباد الرحمن

الصفة الأولى: التواضع: " وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا "
مامعنى الهون : الرفق واللين
أي: يمشون بسكينة ووقار وتواضع دون مرح واختيال وتكبر، فلا يضربون بأقدامهم، ولا يخفقون بنعالهم أشرًا وبطرًا، فهم ساكنون متواضعون لله ولخلقه

لكن لماذا جعلها الله أول صفة لعباده ؟

لأن المشية غالبا ما تعبر عن صاحبها ، عن شخصيته وما يستكن فيها من مشاعر وأخلاق
- ليس المقصود من هذه المشية مشية من يتماوت في مشيته كالمريض ظناً منه أن هذا من الزهد والنسك
- وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرع الناس مشية وأحسنها وأسكنها ، قال أبو هريرة : ( ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كأن الشمس تجري في وجهه ، وما رأيت أحدا أسرع في مشيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما الأرض تطوى له ، وإنا لنجهد أنفسنا وإنه لغير مكترث ) فلم يكن متماوتا ولا بطيئا إنما مشيه وسط بين السرعة والبطء .، وهي مشية أولي العزم والهمة والشجاعة ، وهي أعدل المشيات
- وهكذا كان عمر لما رأى شابا يتماوت في مشيته فقال : أأنت مريض ؟ قال ما أنا بمريض ، قال : إذا فلا تمش هكذا .
- ورأى رجلا يصلى وقد جعل رأسه في صدره فقال ياهذا لا تمت علينا ديننا ... ارفع رأسك فإن الخشوع في القلب وليس في الرقبة .
-
 هل تعرف آية في القرآن تنهانا عن مشية آخرى:
- وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا " الإسراء 37"
-
 ما تفيدنا هذه الصفة :
- سبب للرفعة عند الله وعند الناس، ففي حديث أَبِى هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"......وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ"
- فالمسلم ينبغي أن يكون نموذج للتواضع وخفض الجناح، فلا يغتر بعلم، ولا مال ، ولا جاه ،

الصفة الثانية: الحلم:
قال تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا، فإذا سفه عليهم الجهال بالقول السيئ لم يقابلوهم عليه بمثله، بل يعفون، ويصفحون ولا يقولون إلا خيرًا، فلعباد الرحمن أسوة حسنة برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يسبق حلمه جهلة، ولا تزيده شدة الجاهل عليه إلا حلمًا

وللنبي -صلى الله عليه وسلم- مشاهد كثيرة في حلمه على الناس وفي دفع السيئة منهم بالحلم منه فيقابل السيئة بالحسنة، ففي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- جاء رجل إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم يتقاضاه بعيراً فأغلظ له في القول، فهم به أصحابه فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ”دعوه فإن لصاحب الحق مقالاً“
عن أَنس رضي الله عنه قال: كُنتُ أَمْشِي مَعَ رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وعليه بُردٌ نَجْرَانيٌّ غلِيظُ الحَاشِيةِ، فأَدركَهُ أَعْرَابيٌّ، فَجبذهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَة شَديدَةً، فَنظرتُ إلى صفحة عاتِقِ النَّبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، وقَد أَثَّرَت بِها حَاشِيةُ الرِّداءِ مِنْ شِدَّةِ جَبذَتِهِ، ثُمَّ قال: يَا مُحَمَّدُ مُرْ لي مِن مالِ اللهِ الذي عِندَكَ. فالتَفَتَ إِلَيْه، فضحِكَ، ثُمَّ أَمر لَهُ بعَطَاءٍ

ومن أخبار السلف :
قال أحد السلف: "لما ولي عمر بن عبد العزيز خرج ذات ليلة، ومعه حرسه الذين يحرسونه، فدخل المسجد فمر في الظلمة برجل نائم فعثر به، فرفع النائم رأسه إليه، فقال: أمجنون أنت؟ فرد عليه عمر: لا. فهمّ به الحراس، فقال لهم عمر: اتركوه؛ إنما سألني: أمجنون أنت؟ فقلت: لا".
أغلظ رجل للأحنف بن قيس فى الكلام -وكان رحمه الله قد اشتهر بحلمه- فقال الرجل: "والله يا أحنف! لئن قلت لي واحدة لتسمعنّ بدلها عشراً". فقال له: "إنك إن قلت لي عشراً، لا تسمع مني واحدة".

ماذا تنفعنا هذه الصفة :
أن نبتعد عن المشاحنات والمعارك بحجة أن الإنسان ينتصر لنفسه وأنما هي من الشيطان يزرع بها العداوة والبغضاء بين المسلمين

الصفة الثالثة: التهجد قال تعالى "وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا"
فعباد الرحمن لا يبيتون لاهين غافلين عن ذكر ربهم، بل يحيون ليلهم في طاعته وعبادته، كما قال تعالى: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}
وللبيات حدّ أدنى يستطيعه كل من أراد الله به خيرًا بينه ترجمان القرآن عند تفسير هذه الآية فقال: "من صلى ركعتين أو أكثر بعد العشاء فقد بات لله ساجدًا وقائمًا"
حث النبي صلى الله عليه وسلم على قيام الليل ورغّب فيه، فقال عليه الصلاة والسلام: {عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى الله تعالى، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم،ومطردة للداء عن الجسد } رواه أحمد والترمذي
وقيل للحسن البصري: ما بال المتهجدين باللّيل من أحسن النّاس وجوهاً؟ قال: لأنّهم خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره .
وقال سعيد بن المسيب -رحمه الله-: إنّ الرجل ليُصلّي باللّيل، فيجعل الله في وجهه نوراً يحبه عليه كل مسلم، فيراه من لم يره قط، فيقول: إنّي لأحب هذا الرجل .

هل تعرف ماثمرات قيام الليل :منها
قيام الليل من أفضل الطاعات
إن قيام الليل من أفضل الطاعات بعد الصلوات المفروضات. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» رواه مسلم.
قرب الرب من عبده القائم
عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: « أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الأخير فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن» رواه الترمذي بسند صحيح. وقربه تبارك وتعالى من عبده الذاكر في جوف الليل هو غاية الأماني، ونهاية الآمال، وقرة العيون، وحياة القلوب، وسعادة العبد كلها.
طرد الغفلة عن القلب
عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ومن قام بمائة آية كتب من القانتين ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين» رواه أبو داود بسند صحيح.
شهود لنزول الرحمن
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟» متفق عليه.
يورث سكنى غرف في الجنان
عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن في الجنة لغرفاً يُرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها ، فقام إليه أعرابي فقال: لمن هي يارسول الله؟ قال: هي لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى لله بالليل والناس نيام» رواه الترمذي بسند حسن.
قيام الليل طريق الصالحين
عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم وهو قربة إلى ربكم ومكفرة للسيئات ومنهاة للإثم» رواه الترمذي بسند حسن.
تثبيت القرآن في الصدر
عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره وإذا لم يقم به نسيه» رواه مسلم.
الفوز بالجنان ورضى الرحمن
عن عبدالله بن سلام رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام» رواه ابن ماجه بسند صحيح.


الصفة الرابعة: الخوف من عذاب الله، :"وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا"
فعباد الرحمن مع طاعتهم مشفقون خائفون وجلون من عذاب الله، وهذا الخوف منهم عن علم ودراية، ولذلك علَّلوه بأنه عذاب لازم لصاحبه غير مفارق له- فالغرام معناه ملازماً –
عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" ناركم هذه التي توقدون جزء واحد من سبعين جزءا من حر جهنم" قالوا والله إن كانت لكافية يا رسول الله قال :"فإنها فضلت بتسعة وستين جزءا كلهن مثل حرها "

وكان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ) رواه البخاري عن أنس
وكان صلى الله عليه وسلم يدعو بهذه الدعوات الأربع بعد فراغه من التشهد وقبل أن ينتهي من صلاته (اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ، ومن عذاب القبر ، ومن فتنة المحيا والممات ، ومن شر فتنة المسيح الدجال ) رواه مسلم

كيف ننجو من عذاب الله :
1- التوبة : قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا‏}‏ قال ابن كثير: (التوبة النصوح أن تبغض الذنب كما أحببته وتستغفر منه كلما ذكرته )
2- المحاسبة: محاسبة النفس لازمة للنجاة يقول عمر: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا) فما وجدته من خير فأحمد الله عليه وما وجدته من شر فاستغفر الله عنه واعزم على أن يكون غدك خير من يومك ويومك خير من أمسك.
3- العمل الصالح : فما ذكر الله الإيمان إلا واتبعه بذكر العمل الصالح الذي يصدقه، والذي يوزن يوم القيامة هي الأعمال: (فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت موازينه فأمه هاوية )القارعة:7-9. فيكون لنا في كل باب من أبواب الخير نصيباً كما علمنا النبي صلى الله عليه وسلم (اتقوا النار ولو بشق تمرة)
4- حفظ الجوارح والحواس عن الحرام: (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا )الإسراء:36.
5- سؤال الله الجنة والتعوذ بالله من النار : لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:ما سأل رجلٌ مسلمٌ الله الجنة ثلاثاً, إلا قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة, ولااستجار رجلٌ مسلمٌ الله من النار ثلاثاً إلا قالت النار: اللهم أجره مني"صححه الألباني

الصفة الخامسة: التوسُّط في الإنفاق "وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا "

فعباد الرحمن ليسوا بمبذرين في إنفاقهم، فيصرفون فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهليهم فيقصرون في حقهم فلا يكفونهم، بل عدلًا خيارًا، وخير الأمور أوسطها، لا هذا ولا هذا، كما قال تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ "
الإسراف هو مجاوزة الحد في النفقة على الطعام والشراب واللباس وغيرها من متاع الدنيا
التقتير : التضييق في النفقة وهو ضد الإسراف

هل الإنفاق في سبيل الله يسمى إسرافاً ؟
الإنفاق في وجوه البر لوجه الله تعالى، لا يدخل في الإسراف المنهي عنه ، فقد تبرع كثير من الصحابة بغالب أموالهم، ومنهم من تبرع بماله كله، وأقرهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- على ذلك؛

من هو الصحابي الذي تبرع بماله كله ؟ أبو بكر الصديق رضي الله عنه
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص ( وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها ، حتى ما تجعل في فيّ ( فم ) امرأتك ) متفق عليه


الصفة السادسة: التوحيد: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ}،
وفضائل التوحيد كثيرة، ومزاياه جليلة، ولو لم يكن فيه إلا أن من كان موحدًا فمأواه الجنة لكفى، ففي حديث أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فَأَخْبَرَنِي -أَوْ قَالَ: بَشَّرَنِي- أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ». قُلْتُ: "وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ". قَالَ: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ»
من فوائد التوحيد : مختصرة عما ذكره السعدي
- أنه السبب الأعظم لتفريج كربات الدنيا والآخرة ودفع عقوبتهما. ومن أجل فوائده أنه يمنع الخلود في النار. إذا كان في القلب منه أذى مثقال حبة خردل. وأنه إذا كمل في القلب يمنع دخول النار بالكلية.
- ومنها: أنه السبب الوحيد لنيل رضا الله وثوابه، وأن أسعد الناس بشفاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - من قال إله إلا الله خالصا من قلبه.
- ومن أعظم فضائله: أن جميع الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة متوقفة في قبولها وفي كمالها وفي ترتب الثواب عليها على التوحيد، فكلما قوي التوحيد والإخلاص لله كملت هذه الأمور وتمت.
- من فضائله: أنه يسهل على العبد فعل الخير وترك المنكرات ويسليه عن المصبيات،
- أن التوحيد إذا كمل في القلب حب الله لصاحبه الإيمان وزينه في قلبه، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، وجعله من الراشدين.
- ومن أعظم فضائله: أنه يحرر العبد من رق المخلوقين والتعلق بهم وخوفهم ورجائهم والعمل لأجلهم، وهذا هو العز الحقيقي والشرف العالي.
- أن التوحيد إذا تم وكمل في القلب وتحقق تحققا كاملا بالإخلاص التام فإنه يصير القليل من عمله كثيرا، وتضاعف أعماله وأقواله بغير حصر ولا حساب،
- ومن فضائل التوحيد: أن الله تكفل لأهله بالفتح والنصر في الدنيا والعز والشرف
- ومنها: أن الله يدافع عن الموحدين أهل الإيمان شرور الدنيا والآخرة، ويمن عليهم بالحياة الطيبة والطمأنينة إليه والطمأنينة بذكره

الصفة السابعة: التنزُّه عن سفك الدماء، قال تعالى: {وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ}

فعباد الرحمن يعلمون حرمة النفس المعصومة، فتجدهم أبعد الناس عن سفك الدماء بغير حق.
ولقد بلغ من تحريم الإسلام هذه الجريمة النكراء: أن الله تعالى جعل قتل النفس الواحدة تعدل جريمة قتل الناس جميعا، كما قال عز وجل: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) المائدة/32
ومن اجترأ على قتل مسلم فقد عصى الله ورسوله، وارتكب كبيرة من كبائر الذنوب، مما يجر عليه الوبال والوعيد الشديد، قال عز وجل :(وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) النساء/93
ذكر الله في هذه الآية استثناء للقتل ؟ إلا بالحق .
حدد النبي صلى الله عليه وسلم حالات ثلاث فقال : ( لا يحلُ دمُ امرئ مسلمٍ إلا بإحدى ثلاث النفسُ بالنفسُ ، والثيب الزاني ، التارك لدينه المفارقُ للجماعة ) رواه البخاري ومسلم
فأما الحالة الأولى : فهي القصاص العادل من القاتل فوقوع القصاص عليه يضمن الحياة للمجتمع كله .حياةٌ بردع هؤلاء الذين يفكرون مجرد تفكير في الاعتداء على الناس .وحياة يأمن فيها كل فرد على نفسه لأنه يعلم يقيناً أن هناك قصاصاً عادلاً ينتظر كل من يتعدى حدود الله .
أما الحالة الثانية : التي يجوز فيها القتلُ وبالرجم فهي للثيب الزاني الذي رزقه اللهُ الحلال الطيب فراح يرتعُ في مستنقع الرذيلة العفن .
والحالة الثالثة : التي يجوز فيها القتلُ تكون لمن ترك دينه وخرج على الجماعة وانضم إلى جماعة أخرى مخالفة يعطيها ولاؤه، ويعادي جماعته الأصلية ،فهذا أشبه بما يسمى في عصرنا (خيانة الأمة والوطن ) ولا يعاقب بذلك من ارتد في نفسه ولم يجاهر بردته فهذا حسابه على الله .
هذه هي الحالات الثلاث التي تبيح قتل المسلم على يد ولي الأمر أو من ينوب عنه .أما فيما عدا هذه الحالات فإنه لا يجوز أبداً قتل النفس

الصفة الثامنة: حفظ الفرج عما لا يحل: قال تعالى: {وَلَا يَزْنُونَ}
فهم يعلمون قباحة هذه الخصلة، وفحشها فيتنزهون عنها، بل وعن كل ما يؤدي إليها من نظر محرم، أو خلوة.
نهى الإسلام عن الزنا ونهى عن كل ذريعة توصل إليه أو تقرب منه ، فحرم الخلوة بالمرأة الأجنبية ، وحرم النظر بشهوة ،وحرم التبرج بالزينة ،وحرم كل ما يغري الناس بالفاحشة ،بتطهير البيئة الإسلامية من أسباب الإغراء والفساد .
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من وقوع سخط الله عند انتشار الفواحش فقال : (لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الأوجاع التي لم تكن في إسلافهم ) رواه الحاكم وصححه الألباني

الصفة التاسعة: عدم شهود الزور: قال تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ}
فمن صفات عباد الرحمن أنهم لا يشهدون الزور، ولكن ما هو معنى يشهدون هنا: ذكر المفسّرون فيها قولين:
القول الأول: أنها بمعنى الحضور، أي: فلا يحضرون، ولأصحاب هذا القول في الزور أقوال: قيل: هو الشرك وعبادة الأصنام، وقيل: الكذب والفسق والكفر واللغو والباطل، وقيل: اللغو والغناء. وقيل: أعياد المشركين.
القول الثاني: أن المراد شهادة الزور، وهي الكذب متعمدًا على غيره.

اعطني أمثلة من شهادة الزور على القول الأول من زماننا هذا ؟

- يدخل في شهادة الزور علماء السلطان الذين يكتمون الحق وما أنزل الله من البينات مع علمهم به.. ويبررون للحكام ظلمهم .بل يظهرون ما هو باطل ويدعون الناس إليه ويزينونه لهم بزخرف القول كذبا على الله ورسوله.
- يدخل في ذلك من يبرر مواقف وأعمال حزبه أو جماعته مهما كانت خطئا.. فيقبلها ويستميت بالدفاع عنها لمجرد أنها صدرت عن جماعته.
- يدخل في هذا الشهادة على أحد بدون علم أو بالباطل بدافع حسد أو عداوة
- يشمل كذلك نقل كلام أحد الناس على آخرين دون التحقق منه
- منها تزكية الإنسان بما ليس أهله، فإن التزكية شهادة فإن كانت بخلاف الواقع فإن المُزكي شاهد زور حيث شهد بخلاف الواقع. ،والكثير يتهاونون في هذه القضية .. فيذكي شخصا لوظيفة لا يكون أهلا لها أو يبالغ في الثناء على عمل لم يتقنه، أو إعطاء نفسه لقبا أو شهادة لم يحصل عليها .

الصفة العاشرة: الإعراض عن اللغو؛ قال تعالى: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا}

"اللَّغْوِ" هو الكلام الذي لا خير فيه ولا فيه فائدة دينية ولا دنيوية ككلام السفهاء ونحوهم
"مَرُّوا كِرَامًا} أي: نزهوا أنفسهم وأكرموها عن الخوض فيه، ورأوا أن الخوض فيه وإن كان لا إثم فيه، فإنه سفه ونقص للإنسانية والمروءة، فربأوا بأنفسهم عنه،
وفي قوله: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ} إشارة إلى أنهم لا يقصدون حضوره ولا سماعه، ولكن عند المصادفة التي من غير قصد يكرمون أنفسهم عنه".

الصفة الحادية عشرة: قبول الموعظة: قال تعالى: " وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانً"

فمن صفات هؤلاء أنهم إذا ذكروا بآيات الله لم يقابلوها بالإعراض عنها والصمم عن سماعها، وصرف النظر والقلوب عنها كما يفعله من لم يؤمن بها، ولم يصدق، وإنما حالهم فيها وعند سماعها كما قال تعالى: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ} سورة السجدة،
، يقابلونها بالقبول والافتقار إليها والانقياد والتسليم لها، وتجد عندهم آذانًا سامعة وقلوبًا واعية، فيزداد بها إيمانهم، ويتم بها إيقانهم، وتحدث لهم نشاطًا، ويفرحون بها سرورًا واغتباطًا .

 قال الحسن بن علي رضي الله عنهما: " إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل ، ويتفقدونها في النهار
 وقال ابن قدامة : " وليعلم أن ما يقرأه ليس كلام بشر وأن يستحضر عظمة المتكلم سبحانه ويتدبر كلامه فإن التدبر هو المقصود من القراءة وإن لم يحصل التدبر إلا بترديد الآية فليرددها
 عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب "
 ومن المعلوم أن البيت الخرب هو مأوى الشياطين فكذلك القلب الخرب الذي ليس فيه شيء من القرآن ، أما القلب العامر بحفظ القرآن فلا يقربه شيطان ، وبإذن الله تعالى لا يتمكن من إيذائه .
 وقال ابن مسعود رضي الله عنه: " إن هذه القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بغيره"


الصفة الثانية عشرة: الابتهال إلى الله: قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا}


فهم يسألون الله أن يخرج من أصلابهم من ذرياتهم من يطيعه ويعبده وحده لا شريك له، فتقر به أعينهم في الدنيا والآخرة. ولم يريدوا بذلك الصباحة والجمال، ولا أقر لعين المسلم من أن يرى ولده وزوجه مطيعًا لله عز وجل.

ويسألونه سبحانه أن يجعلهم أئمة يقتدى بهم في الخير، هداة مهتدين دعاة إلى الخير، يحبون أن تكون عبادتهم متصلة بعبادة أولادهم وذرياتهم، وأن يكون هداهم متعديًا إلى غيرهم بالنفع، وذلك أكثر ثوابًا، وأحسن مآبًا

تلك هي صفات عباد الرحمن، فما هو جزاء من حقق تلك الصفات؟!
يبينه سبحانه بقوله: {أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا}

فهؤلاء المتصفون بهذه يجزون يوم القيامة الجنة، بصبرهم على القيام بتلك الخصال، ويلقون فيها التحية والإكرام، التوقير والاحترام، ويخلدون فيها بلا موت ولا سفر، ولا تحول .

والجنة التي يرجوها عباد الرحمن وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم :
 عن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم قال: « قال الله عزَّ وجلَّ: أعْدَدْتُ لعبادي الصالحينَ مَا لاَ عَيْنٌ رأتْ ولا أذنٌ سمعتْ ولا خطرَ على قلب بَشَر.
 وذكر النبي صلى الله عليه وسلم الجنة يوماً لأصحابه فقال: (هي ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تهتز، ونهر مضطرب، وقصر مشيد، وزوجة حسناء جميلة، وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة، وحلل كثيرة،.....
 وقال أبو هريرة : قلنا: يا رسول الله! حدثنا عن الجنة ما بناؤها؟
 فقال صلى الله عليه وسلم: لبنة من ذهب، ولبنة من فضة ملاطها المسك – أي مونتها- ، وحصباؤها -الحصى - اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من دخلها ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه
 إن نعيم الجنة الحقيقي ليس في طعامها ، ولا في ثمرها، ولا في حريرها، ولا في عسلها، ولا في بنائها، ولا في قصورها، ولا في حورها، ولكن نعيم الجنة الحقيقي في رؤية وجه الله الكريم عن صهيب الرومي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل أهل الجنة الجنة ينادي عليهم رب العزة جل وعلا ويقول: يا أهل الجنة! هل أزيدكم شيئاً؟ فيقول أهل الجنة: يا رب! وأي شيء تزيدنا؟ ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة؟ ألم تنجنا من النار؟ فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئاً أعظم من النظر إلى وجه الله الكريم )

هذه هي الجنة، والحديث عن الجنة يطول . اللَّهُمَّ ارزقنا الخُلْدَ في جنانِك، وأحِلَّ علينا فيها رضوانَك، وارزقْنا لَذَّة النظرِ إلى وجهك والشوقَ إلى لقائك من غيرِ ضرَّاءَ مُضِرَّة ولا فتنةٍ مُضلةٍ ، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل.

رد مع اقتباس
  #16  
قديم 29 صفر 1439هـ/18-11-2017م, 10:44 AM
ميسر ياسين محمد محمود ميسر ياسين محمد محمود غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى الثامن
 
تاريخ التسجيل: Aug 2014
المشاركات: 716
افتراضي

المرحلة الثانية من إعداد درس تفسير
قال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67)}

اللهم ربنا لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ملئ السموات وملئ الارض وملئ ما بينهما وملئ ما شئت ياربنا من شئ بعد ،حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ،اللهم علمنا ما ينفعنا ونفعنا بما علمتنا وزدنا علماً وصل اللهم وبارك على نبينا وحبيبنا وسلم تسليماً كثيراً .
ذكر الله لنا الصفات التي يحبها في عباده في العديد من سور القرآن الكريم ؛حتى نتدبرها ونعرف ما يحبه الله ،وكيف نتقرب بها إلى الله ،وأن نبلغ أقصى طاقتنا بأن نتمثل هذه الصفات لتكون نهج حياتنا.وذلك لا يعني أن نكون كالملائكة ،أو أن لا نخطء ،بل الخطأ وارد لكن لابد من الإسراع بالتوبة والرجوع والإنابة إلى الله .ومن هذه الآيات ما ذكر في سورة الفرقان من صفات عباد الرحمان فكل الخلق عباداً لله ؛لكن الشرف العظيم ان تكون أهلاً لأن ينسبك الله إلى نفسه ،ويصطفيك ،وأن تكون عبداً لله ،وليس عبداً للدنيا والشيطان والنفس والهوى ،وأن ينسبك إلى إسمه الرحمان ؛فتتلبسك رحمته في الدنيا والآخرة .
وحتى نحظى بهذا الشرف لا بد من توفر هذه الصفات التي تُعلمنا كيف تكون أخلاق المؤمنين الكُمّل في علاقتهم مع خالقهم ومع أنفسهم ومع غيرهم .
سنبدأ بنقل تفسير هذه الآيات لنتعرف على صفات عباد الرحمان :
قوله تعالى :{وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا (63)}
جاء ذكر عباد الرحمان بعد أن ذكر الله تعالى أحوال المنافقين والكفار وما آل إليه أمرهم، ليبين لنا أوصاف المؤمنين الكاملين.
معنى عباد : جمع عبد، من العبودية . وعرّف أهل اللغة العبادة :بأنها الخضوع والتذلل لقصد التعظيم ولا يجوز هذا إلا لله عز وجل .إذا خرجنا عن القاعدة وخضعنا لغير الله نهلك ونضيع .
وعرّ ف ابن تيمية العبادة بأنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة .
طيب نسمع بلفظ عبادة وعبودية فما الفرق بينهما ؟
أن العبادة أبلغ من العبودية لأنها غاية التذلل.
أيضاً العبادة فعل المأمورات وترك المنهيات رجاء الثواب والنجاة من العقاب بذلك ، والعبودية فعل المأمورات وترك المنهيات رجاء الإحسان و لمجرد أمره سبحانه ونهيه عز وجل واستحقاقه سبحانه الذاتي لأن يعظم ويطاع، وما يشير الى ذلك قوله تعالى: { فَصَلّ لِرَبّكَ } .
وسبب تسميتهم عباد الرحمان من الرحمة لكونهم مظهر الرحمة ،ولأن الرحمة ستختص بهم في الآخرة .
وهناك سبب آخر يتعلق بالآيات التي قبلها وهو : لوقوع ذكرهم بعد ذكر الفريق الذين قيل لهم: {اسجُدوا للرحمان. قالوا: وما الرحمٰن} .أنكرالمشركون اسم الرحمن : {قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ} ورفضوا السجود للرحمان ، فناسب هذا الاسم الرحمن أن يذكر لهم صفات عباد الرحمن ليعرفوه بعباده .
أما المراد بعباد الرحمان هم :أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وكل من اتصف بتلك الصفات من المؤمنين موعود بمثل ذلك الجزاءِ .
ولنأتي ببيان الصفات في السورة :وصفهم الله بثمانية أوصاف ، بعض هذه الأوصاف متعلق بالخلق، وبعضها متعلق بالخالق.
و قد جاءت على سبيل التخلية والتحلية والعمل والثبات :
فالتخلية من ضلالات أهل الشرك وهو الذي من قوله: {والذين لا يَدْعُون مع الله إلهاً آخر}.
ثم التحلّي بالكمالات الدينية وهي التي ابتدىء بها من قوله تعالى {الذين يمشون على الأرض هوناً} إلى قوله {سلاماً} .
ثم الاستقامة على شرائع الإسلام وهو من قوله: {والذين يَبِيتُون لربهم سُجَّداً وقياماً} إلى قوله {أية :
لا يشهدون الزور}
وأخيراً طلب الثبات والزيادة من صلاح الحال في هذه الحياة وهو قوله: {والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا} إلى قوله: {للمتقين إماماً}.
قوله تعالى :{الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا} والمشى الانتقال من مكان الى مكان بارادة {على الارض}
أما الحكمة من تقييد المشي بأنه على الأرض ليكون في وصفه بالهَوْن ما يقتضي أنهم يمشون هذه المشية اختياراً وليس كالمشي في الصعدات أو على الحجارة والصخور فإنه يكون جبرياً .
والهون هو:اللين والرفق.و {هَوْناً}: مشياً رويداً. ومنه يقال: أَحْبِبْ حبيبك هَوْناً ما.فكمال ايمانهم يظهر خلال مشيتهم ،أي يمشون بسكينة ووقار، من غير جبرية ولا استكبار ولا أشر ولا بطر. كقوله تعالى: {وَلاَ تَمْشِ فِى ٱلأَرْضِ مَرَحًا} . وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى تصنعاً ورياء .لا،وإنما يقتدون بمشي النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان صلى الله عليه وسلم إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وكأنما الأرض تطوى له.
ذكر ابن كثير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه رأى غلاماً يتبختر في مِشيته فقال له «إن البخترة مِشية تُكْره إلا في سبيل الله». وحكى الله تعالى عن لقمان قولَه لابنه {ولا تَمْش في الأرض مرَحاً}.
وقيل أيضاً في المعنى أنه استعارة عن تصرفاتهم في معاشرة الناس وتعاملهم بعدم الخشونة والفظاظة في سائر أمورهم وتصرفاتهم. فيلزم من كونهم يمشون كذلك أنهم هينون لينون في سائر أمورهم بحكم العادة .وبأنهم علماء وكلماء ، أعفاء أتقياء،و متواضعين لا يتكبرون،ولا يفسدون في الأرض.
وسبب مشيهم هوناً ناتج عن تواضعهم لله تعالى والتخلُّق بآداب النفس العالية وعدم البطر وذلك لما طالعوا من عظمة الحق وهيبته وشاهدوا من كبريائه وجلاله فخشعت لذلك ارواحهم وخضعت نفوسهم وابدانهم ،بعكس مشي أهل الجاهلية.
لو سألنا سؤال:ما المناسبة بين ذكر اسم الله الرحمان وبين صفة المشي هوناً ؟
الجواب هو :التخلّق بهذا الخلق مظهر من مظاهر التخلق بالرحمة المناسب لعباد الرحمان لأن الرحمة ضد الشدة، فالهوْن يناسب ماهيتَها وفيه سلامة من صدم المارين؛
وقوله تعالى:( وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا ): يبين الله لنا حالهم فى المعاملة مع غيرهم بعد أن بين سبحانه لنا حالهم في أنفسهم وهيئتهم ؛ فقُرن وصفهم بالتواضع في سمتهم وهو المشي على الأرض هوْناً بوصف آخر يناسب التواضع وكراهيةَ التطاول ،وهو :متاركة الذين يجهلون عليهم في الخطاب بالأذى والشتم .قدوتهم النبي صلى الله عليه وسلم .
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزيده شدة الجاهل عليه إلا حلماً-والجهل :ضد الحلم،و هو خلو النفس من العلم واعتقاد الشىء بخلاف ما هو عليه وفعل الشىء بخلاف ما حقه ان يفعل .فهذا جهل بسيط .والأخطر من ذلك الجهل المركب وهو أن يجهل بالشيء ويجهل أنه جاهلٌ به يظن نفسه العالم الوحيد ،والآخرون أغبياء -؛فعباد الرحمان لا بأبهون لمثل هؤلاء الجهّال .لا يضيعون طاقتهم في الردعلى السفهاء ،أهدافهم أسمى من ذلك ،جميع تركيزهم منصب على مراقبة أنفسهم وإرضاء ربهم ،فإجابتهم على السفيه تكون سريعة كالقذيفة تصيبه وتسكته ،لا يسمحون للسفهاء بالتحكم برددود أفعالهم ،أو استفزازهم .يعرضون عن سفاهاتهم والخوض معهم ،قال تعالى: { وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ}فالدنيا كلها بأعينهم لا تساوي شيئاً فكيف بهذا السفيه !يقولون له (سلاماً)أي قولاً سديداً يسلمون به من الأذى ويأمنون به من سخط الله . ولفظ السلام في التحيةِ يؤذن بالتأمين وعدم الإهاجة وهو أول ما يلقى به المرء من يريد إكرامَه.
ذكر ابن كثير حديث الإمام أحمد: عن النعمان بن مقرن المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وسب رجل رجلاً عنده، فجعل، قال: المسبوب يقول: عليك السلام، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أما إن ملكاً بينكما يذب عنك، كلما شتمك هذا، قال له: بل أنت، وأنت أحق به، وإذا قلت له: وعليك السلام، قال: لا، بل عليك، وأنت أحق به».
أما قوله تعالى { وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) } ،فهو مناسب لما قبله ؛فبعد وصف تعامل عباد الرحمان مع الناس شرع بوصف تعاملهم مع الله.
أي أنهم يكونون ساجدين لربهم وقائمين اى يحيون الليل كله او بعضه بالصلاة ،مدحهم الله بقيامهم الليل لأهمية هذه العبادة كما في قوله تعالى: {كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِٱلأَسْحَـٰرِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ }: [الذاريات: 18]
وقوله تعالى : {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ} : [السجدة: 16]
وقوله تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَـٰجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ ٱلأَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ} . [الزمر: 9] ابن كثير .ابن عاشور
جميعها آيات تبين لنا عظم هذه الشعيرة
ذكر ابن عاشور ما روي عن الحسن البصري أنه كان إذا قرأ {الذين يمشون على الأرض هَوْناً} قال: هذا وصف نهارهم، ثم إذا قرأ {والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً} قال: هذا وصف ليلهم.
الاسم الموصول (الذين)للتأكيد أن عباد الرحمان يُعرفون بهذه الصلة، .
المبيت إِدراك الليل. والبيتوتة عكس الظلول ؛فكل من أدركه الليل فقد بات، نام أو لم ينم؛ يقال: بات فلان قلِقاً، أي مضطرباً .والظلول هوكل عمل في النهار
جاء الفعل بالمضارع كناية عن كثرة التهجد والصلاة .
ولفظ الجلالة {لربهم}دلالةالإخلاص فهم يبيتون لربهم لا لحظ انفسهم . لأن العبادة بالليل أبعد عن الرياء
-هل صلاة العشاء والشفع والوتر تعتبر قيام ؟
قال بعض العلماء :من صلى العشاء الآخرة وشفع وأوتر فهو داخل في هذه الآية ،وذكر ابن عطية قول الفقيه الإمام القاضي: أنه دخول غير مستوفى،
وعلّق الصاوي على الحديث : قال عليه الصلاة والسلام : "من صلى العشاء فى جماعة كان كقيام نصف ليلة ومن صلى الفجر فى جماعة كان كقيام ليلة" .أن هذا الحديث ترغيب فى الجماعة ؛فهذا صادق بصلاة العشاء والصبح في جماعة، وبيان للرخصة وتأثير النية ؛فهو لا يرفع مؤنة قيام الليل، فكلما كثرت الصلاة بالليل كان خيراً. فان من نوى وقت العشاء ان يقيم الفجر بجماعة كان كمن انتظرها فى المسجد فرب همة عالية تسبق الاقدام ولكن العمل مع النية افضل من النية المجردة والعزيمة فوق الرخصة.
وفضل قيام الليل عظيم تدل عليه الكثير من الآيات والأحاديث
حديث ذكره اسماعيل حقي : قوله صلى الله عليه وسلم :"من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار" ، اى عظم ماء وجهه عند الله واحسن الاشياء ظاهر بالسجود محسن وباطن بالوجود مزين .
وذكر أيضاً عن حفصة بنت سيرين اخت محمد بن سيرين كانت تقرأ كل ليلة نصف القرآن تقوم به فى الصلاة وكانت تقوم فى مصلاها بالليل فربما طفى المصباح فيضيىء لها البيت حتى تصبح وكانت من عابدات اهل البصرة وكان اخوها ابن سيرين اذا اشكل عليه شىء من القرآن قال اذهبوا فسلوا حفصة كيف تقرأ وكانت تقول يا معشر الشباب خذو من انفسكم وانتم شباب فانى مارأيت العمل الا فى الشباب،وكانت رابعة العدوية تصلى الليل كله فاذا قرب الفجر نامت نومة خفيفة ثم تقوم وتقول يا نفس كم تنامين وكم تقومين يوشك ان تنامى نومة لا تقومين منها الا صبيحة يوم النشور فكان هذا دأبها حتى ماتت .
وذكر ما جاء في الحديث : "قم من الليل ولو قدر حلب شاة" .
لاشك أن هناك عوائق تعيق القيام لابد من الاستعانة بالله لتجنبها وهي :
كثرة الاهتمام بامور الدنيا ،وكثرة اشغال الدنيا واتعاب الجوارح والامتلاء من الطعام
،وكثرة الحديث واللهو واللغط ،وإهمال القيلولة .
قوله تعالى { وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) }هذه الآية تنبهنا على أهمية الدعاء ؛لأن الله مدحهم به ؛ فهم يدعون ربهم مع حسن تعاملهم مع الخلق واجتهادهم في العبادة إلا أنهم خائفون من عذاب الله وجلون ،لا يغترون بأعمالهم ،ولا يأمنون من مكر الله ،ولا يثقون باستمرار احوالهم ،وهذا دليل على صحة عقيدتهم وإيمانهم . ذكر الصاوي قول ابن نجيد ::(لايصف لاحد قدم فى العبودية حتى يكون افعاله عنده كلها رياء واحواله كلها دعاوى).وقال النهر جورى :(من علامة من تولاه الله فى اعماله ان يشهد التقصير فى اخلاصه والغفلة فى اذكاره والنقصان فى صدقة والفتور فى مجاهدته وقلة المراعاة فى فقره فيكون جميع احواله عنده غير مرضية ويزداد فقرا الى الله تعالى فى فقره وسيره حتى يفنى عن كل مادونه).
يدعون ربهم أن يدفع ويرد عنهم عذاب جهنم لأنه عذاب دائم ملازم لا يفارق -وهذا اللزوم كليّاً في حق الكافر ،ولزوماً بعده خروج في حق عصاة المؤمنين-موجِعاً، شديداً، ثقيلاً.نسأل الله السلامة منه.
وجاء قوله تعالى :{ إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66)} تعليل لطلبهم صرفها عنهم بعد أن عللوا بسوء حال عذابها ،عللوا بسوء حالها فى نفسها .ساءت أي أحزنت أهلها ،وقيل :المستقر للعصاة والمقام للكفرة.
ذكر ابن كثير أثر عن ابن أبي حاتم عند قوله {إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً}: عن مالك بن الحارث قال: إذا طرح الرجل في النار، هوى فيها، فإذا انتهى إلى بعض أبوابها، قيل له: مكانك حتى تتحف، قال: فيسقى كأساً من سم الأساود والعقارب، قال: فيميز الجلد على حدة، والشعر على حدة، والعصب على حدة، والعروق على حدة. وقال أيضاً: عن عبيد بن عمير قال: إن في النار لجباباً فيها حيات أمثال البخت، وعقارب أمثال البغال الدهم، فإذا قذف بهم في النار، خرجت إليهم من أوطانها، فأخذت بشفاههم وأبشارهم وأشعارهم، فكشطت لحومهم إلى أقدامهم، فإذا وجدت حر النار، رجعت.
وذكر أثراً عن الإمام أحمد: عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث :
إن عبداً في جهنم لينادي ألف سنة: يا حنان يا منان، فيقول الله عز وجل لجبريل: اذهب فأتني بعبدي هذا، فينطلق جبريل، فيجد أهل النار مكبين يبكون، فيرجع إلى ربه عز وجل فيخبره، فيقول الله عز وجل: ائتني به، فإنه في مكان كذا وكذا، فيجيء به، فيوقفه على ربه عز وجل، فيقول له: يا عبدي كيف وجدت مكانك ومقيلك؟ فيقول: يا رب شر مكان، وشر مقيل، فيقول الله عز وجل: ردوا عبدي، فيقول: يا رب ما كنت أرجو إذ أخرجتني منها أن تردني فيها، فيقول الله عز وجل، دعوا عبدي». .
قوله تعالى:{ وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67)}
ذكر الماوردي ما رواه معاذ بن جبل قال: لما نزلت هذه الآية سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النفقة في الإسراف والإقتار ما هو، فقال: من منع من حق فقد قتر، ومن أعطى في غير حق فقد أسرف.
ذكر المفسرون أن الإسراف :هو الإنفاق في المعصية وإن قل إنفاقه،وأن الذي لا يسرف هو المنفق في الطاعة وإن أسرف.وأنه ما جاوزت به أمر الله تعالى،أيضاً إنفاق مال الغير يعتبر إسراف.
ذكر ابن الجوزي قولُ عمر بن الخطاب: كفى بالمرء سَرَفاً أن يأكل كلَّ ما اشتهى.
{وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً)
والمراد بقوله {وَلَمْ يَقْتُرُواْ} أي :
لم يمنعوا حقوق الله فإن منع حقوق الله إقتار، غير بخلاء على أهليهم، لا يقصرون في حقهم، ولايضيقوا مع يسارهم ،كما قال النخعي هو الذي لا يجيع ولا يعري ولا ينفق نفقة يقول الناس قد أسرف .
وقوله: {وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} كقوله تعالى: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ} .
أي أن إنفاقه وسطاً عدلاً بين الإسراف والقتر
، وخير الأمور أوسطها،ذكر ابن كثير ما رواه الحافظ أبو بكر البزار: عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما أحسن القصد في الغنى وأحسن القصد في الفقر وأحسن القصد في العبادة»
يدخل في ذلك نفقة الطاعات والمباحا.
ذكر ابن عطية أن شرط القوام في كل واحد بحسب عياله ، وحاله وخفة ظهره وصبره وجلده على الكسب أو ضد هذه الخصال، وخير الأمور أوسطها، ولهذا ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر يتصدق بجميع ماله لأن ذلك وسط بنسبة جلده وصبره في الدين ومنع غيره .
تمرين ذهني :اغمضي عينيك وتذكري موقف حصل لك تعاملتي فيه مع أشخاص يحملون صفات عباد الرحمان ،وأثر ذلك الموقف في نفسك .
الآن بعد أن عرفنا بعض صفاتهم لابد من الاستعانة بالله ،والعزم على الاقتداء بتلك الصفات .ومما يساعد على ذلك وضع خطة لسير حياتك ؛تحدد فيها ماتريد إنجازه من صفات التحلية والتخلية ثم العمل و المداومة والإستزادة من الصالحات .وأخذ بعين الاعتبار معيقات العبادة .
وضرورة اشتمالها على أوقات أذكار الصباح والمساء ووردك من القرآن الكريم ،وقيام الليل ؛لأنها أسباب تعينك على الإحسان في عملك .
على أن تكون هذه الخطة سهلة واقعية تحدد فيها مستواك الحالي ،وما المستوى الذي تريد الوصول إليه على المدى القريب (يوم ،اسبوع شهر )وعلى المدى البعيد (سنة أو سنتين أو أكثر) ،وتحديد الأولويات ، وأن تكون أوقات الصلاة كمنظم للوقت تنطلق منه خلال يومك.

رد مع اقتباس
  #17  
قديم 24 محرم 1440هـ/4-10-2018م, 07:14 AM
الصورة الرمزية هيا أبوداهوم
هيا أبوداهوم هيا أبوداهوم غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - الامتياز
 
تاريخ التسجيل: Aug 2014
المشاركات: 607
افتراضي

]اعداد درس:
عناصر الدرس:
المقدمة .
سبب نزول الآية .
مناسبة الآية .
معنى البسط .
معنى الرب في اللغة والإصطلاح .
أنواع الربوبية .
أنواع الرزق .
دلالة العموم في قوله ( الرزق) .
معنى العبودية في اللغة .
معنى العبودية في الشرع .
أنواع العبودية
ركائز العبودية
معنى البغي في اللغة .
الحكمة من البسط والقبض .
معنى بقدر .
المراد بالمشيئة .
أنواع الإرادة.
معنى الخبير .
معنى البصير .
فائدة اقتران الإسمين وختم الآية بهما .
أثر الذنب على الرزق .
الفوائد السلوكية من الآيات .
الخاتمة .

====================================
الدرس :

قال تعالى :((ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير))سورة الشورى آية 27

إن الحمد لله نحمده ونستغفره ونستعين به ،ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ،ومن يضلل فلا هادي له ،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أما بعد ..
منذ أن يولد الإنسان في هذه الدنيا يجد نفسه معه أشياء ، ولكن في نفس الوقت لاتجد الشخص الآخر يكون معه الشيء نفسه !
فتجد هذا أبيض وهذا أسود ، وذاك طويل وآخر قصير ، أو ذاك غني وآخر فقير ، وتجد هناك إنسان هادي حنون وآخر عصبي المزاج قاسي الطباع ، أو تجد إنسان ولد مريضا وآخر ولد صحيحا معافى ، فتفاوت الناس فيما أعطاهم الله ، فلا تجد شخص يتساوى مع الآخر، فلماذا هذا التفاوت بين الناس ؟؟!!وهل هذا ظلم للعباد أم رحمة بهم ؟؟
فقال تعالى :((ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير)).
فهذه الآية نزلت في أصحاب الفاقة من المسلمين حين تمنوا سعة الدنيا والغنى ، فأنزل الله هذه الآيات .
وقوله ( ولو) جاءت هذه الآية معطوفة على الآية التي قبلها ، حيث ذكر استجابته للمؤمنين وأنه يزيدهم من فضله ؛ فقد يظن السامع لذلك أن هذه الاستجابة تقتضي أن يعطيهم الله كل طلباتهم في الدنيا وكل ما سألوه ، فذكر الله هذه الاية ليبين أنه لايكون ذلك على اطلاقه وبين سبب ذلك .
فهذا الذي يجده الإنسان من شكل وطبع وأبوين وأهل وأصدقاء، وعطايا ،..وغيره ، فهي من الله ،لأنه هو الرزاق ، كما قال تعالى : (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) ) .
فالبسط هو التوسيع والتكثير في الرزق .
فالذي يبسط الرزق لهذا ويضيق على الآخر هو الله ، فقال تعالى : (إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا)
فمن هو الرب ؟
قال الراغب الأصفهاني : الرَّبُّ في الأصل: التربية، وهو إنشاء الشيء حالا فحالا إلى حدّ التمام، يقال رَبَّهُ، وربّاه ورَبَّبَهُ.
ففي لسان العرب الرَّبُّ يُطْلَق فِي اللُّغَةِ عَلَى المالكِ، والسَّيِّدِ، والمُدَبِّر، والمُرَبِّي، والقَيِّمِ، والمُنْعِمِ.
ويذكر السعدي في تفسيره لسورة الفاتحة لقوله تعالى : ( رب العالمين ) :
الرب, هو المربي جميع العالمين -وهم من سوى الله- بخلقه إياهم, وإعداده لهم الآلات, وإنعامه عليهم بالنعم العظيمة.انتهى من كلامه .
فإذا من تربية الله لعباده الخلق والإعداد والإمداد بالرزق ، فإن الله سبحانه وتعالى لم يخلق الإنسان ويتركه ،بل خلقه وأعد له ما يصلح في معاشه وآخرته ، فكان إمداد الرزق له أيضا لما يصلح له في معاشه وآخرته ؛ لأنه سبحانه وتعالى المصلح المربي للعباد .
وتربية الله للعباد على نوعين ذكرها الشيخ السعدي رحمه الله في تفسيره لسورة الفاتحة :
أولا : تربية عامة : وفيه خلقه للمخلوقين, ورزقهم, وهدايتهم لما فيه مصالحهم, التي فيها بقاؤهم في الدنيا.
ثانيا : تربية خاصة : تربيته لأوليائه, فيربيهم بالإيمان, ويوفقهم له, ويكمله لهم, ويدفع عنهم الصوارف, والعوائق الحائلة بينهم وبينه.

ومن معرفة تربية الله يتبين لنا أن الرزق على أنواع .
فقال ابن القيم في نونيته :
وكذلك الرزاق من أسمائه ... والرزق من أفعاله نوعان
رزق على يد عبده ورسوله ... نوعان أيضا ذان معروفان
رزق القلوب العلم والإيمان ... والرزق المعد لهذه الأبدان
هذا هو الرزق الحلال وربنا ... رزاقه والفضل للمنان
فأنواع الرزق :
النوع الأول : رزق عام :هو رزق لجميع المخلوقات ، فسهل لها الأرزاق، ودبرها في أجسامها، وساق إلى كل عضو صغير وكبير ما يحتاجه من القوت، وهذا عام للبر والفاجر والمسلم والكافر.
النوع الثاني : رزق خاص :وهذا هو الرزق النافع ، فهو رزق القلوب بالعلم والإيمان .
فهذه الآية تشمل جميع أنواع الرزق ؛ لأن أل التعريف في قوله : ( الرزق ) تدل على العموم ، فتشمل الرزق العام والخاص والحسي والمعنوي .

فما معنى العبد ؟ ومن هم العباد ؟ وماهي العبودية ؟ وماهي ركائز العبودية ؟
فالعبد في اللغة: يطلق على الإنسان حرا كان أو رقيقا .
أما العبودية فأصله في اللغة من الخضوع والتذلل.
وفي الشرع : العبادة في الشرع أخص فتعرف بأنها فعل ما يرضي الرب من خضوع وامتثال واجتناب ، أو هي فعل المكلف على خلاف هوى نفسه تعظيما لربه، ذكره ابن عاشور

وذكر السعدي أن العبادة هو اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة ، وهذا التعريف أشمل .
فلما قال الله في الآية : ( لعباده )، فهنا اللفظة عامة لجميع العباد .
فكل الناس خاضعين لله طوعا أو كرها وهذا هو العبودية العامة ، فلذلك يقول الله تعالى : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) .سورة الحج آية 18 .
قال الشاعر :
ومـما زادني شـرفا وتيها *** وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي *** وأن صيرت أحمد لي نبيا.

وأما العبودية الخاصة فهي تكون عبودية خاصة للمؤمنين المطيعين له فقط ، ولا يشاركهم فيه الكفار ، لذلك يقول الله تعالى : (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً).سورة الفرقان63 .
وركائز هذه العبودية ثلاثة :
الحبُّ والخوفُ والرجاء.
فلابد أن تجتمع هذه الثلاثة في العبد .
ولقد قال بعض السلف :
من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق،
ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ،
ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري.

فكما ذكرنا عن معنى العبادة التي تستلزم الذل والخضوع ، فإن الذل والخضوع تسلتزم غاية المحبة ،ويكون مع العبد خوف و رجاء لله تعالى ، كما قال تعالى ( أولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ) سورة الإسراء 57.

ولما قال الله تعالى في الآية : ( لبغوا في الأرض ) ، بين السبب في عدم البسط لكل العباد ،وهو حتى لا يحصل البغي .
فما معنى البغي هنا ؟
البغي لغة : هو مجاوزة الحد والتعدي والظلم والتكبر والعلو والفساد في الأرض، وكل هذا من معانيها في اللغة .
فقال تعالى : (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق)سورة الأعراف 33.
قال ابن عباس : بغيهم طلبهم منزلة بعد منزلة ودابة بعد دابة ومركبا بعد مركب وملبسا بعد ملبس . وقيل : أراد لو أعطاهم الكثير لطلبوا ما هو أكثر منه ، لقوله : ( لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى إليهما ثالثا ) وهذا هو البغي ، وهو معنى قول ابن عباس.
وقال القرطبي أيضا : لتكبروا في الأرض وفعلوا ما يتبع الكبر من العلو فيها والفساد.انتهى من كلامه.
ومثال على الذين أعطاه الله من الرزق الكثير، فكان ذلك سببا في بغيه وعلوه في الأرض هو قارون ، فقال تعالى :
(إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ .). سورة القصص .
فعطاء الله للعبد من ذلك الرزق اختبارا له فهل يشكر أو يكفر ، كما قال تعالى : (قال تعالى: ﴿ فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾ [الفجر: 15، 16]
وقد ذكر الله أيضا في القرآن قصص آخرين ابتلاءهم الله بالرزق ، مثل قصة أصحاب البستان .
فقال تعالى :
﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ﴾ [القلم: 17 - 20].

فبسط االله للرزق هو توسعته للعبد في الرزق ، ولكن هل يبسط الله الرزق لجميع العباد ؟ لا ، فمن تربيته ورحمته أنه يبسط الرزق في بعض الامور لعباده ولا يبسط عليهم في الأمور الأخرى .
فما الحكمة من ذلك ؟:
الحكمة الأولى : حتى يلجأ العبد لربه ولا يستغني عن الدعاء واللجوء إليه سبحانه .
فعندما يكون العبد محتاجا ، يظل يقول يارب !يارب! ارزقني، فيحصل له الذل والإنكسار لخالقه ويتحقق بذلك التوحيد لله ، لأن لا إله إلا الله يقتضي أن لا ينكسر ولا يتذلل ولا يعظم إلا الله ، فكلما لجأ لله وحده حقق التوحيد ، وبعد أن يعطيه يرى رحمة الله به ولطفه ، كما قال تعالى : (وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته ) فيزيد إيمانه .
وفي تفسير القرطبي ذكر قولا لطيفا في هذا فقال : لو أدام المطر لتشاغلوا به عن الدعاء ، فيقبض تارة ليتضرعوا ويبسط أخرى ليشكروا .
الحكمة الثانية : حتى لا يحصل الظلم والإعتداء على الآخرين ، وقبل ذلك يحصل ظلمه على نفسه وظلمه بينه وبين خالقه ،
الحكمة الثالثة : حتى يكون بذلك فائدة للمؤمن فلا يشغله هذا عن العبادة والعمل للآخرة .
قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تهلكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ) سورة المنافقون 8.
قال صلى الله عليه وسلم :( ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم )رواه الترمذي .
عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا قالوا وما زهرة الدنيا يا رسول الله قال بركات الأرض)رواه مسلم .
الحكمة الرابعة : حتى يحتاج الناس بعضهم بعضا ولا تتعطل الصنائع .
فقال تعالى : (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) الزخرف 32.
لذلك قال الله في الآية : ( لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء ) :
فهذه الأرزاق يقسمها الله ويوزعها بين الناس بمقدار ،حسبها الله تعالى وقدره تقديرا ، فمعنى ( بقدر) : أي بمقدار معلوم عنده.
فقال الشنقيطي في أضواء البيان عن هذا : وهو - جل وعلا - أعلم بالحكمة والمصلحة في مقدار كل ما ينزله، وقد أوضح هذا في غير هذا الموضع ، كقوله - تعالى - : (وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم )، وقوله - تعالى - : (وكل شيء عنده بمقدار).
فينزل الله هذه هذه الأرزق بمقدار معين ولكن كما يشاء الله ، لأن الأرزاق داخلة في مشيئة الله .
فمشيئة الله داخلة في الإرادة الكونية ، لأن الإرادة على نوعين :
1) إرادة كونية قدرية : وتشمل ما يحبه الله ومالا يحبه ، وتشمل الأرزاق ، وشؤون المخلوقات الشاملة ، فقال تعالى : (( وَلَوْ شَآءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ) سورة البقرة 253.
2) إرادة شرعية : وتشمل ما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح ، فقال تعالى : (يريد الله بكم اليسر ولايريد بكم العسر ) سورة البقرة 158.
فمشيئة الله لعباده لأنه خبير بهم وبصير به، فالخبير والبصير من أسماء الله .
فالله تعالى له صفة البصر وهي من صفات الكمال له.
فالبصير في اللغة: يطلق على العلم وعلى الفطنة ، وأصله مبصر ، من قول القائل: أبصرت فأنا مبصر ، ويقال البصير العالم بخفيات الأمور ، وقد ورد ذكره في القرآن اثنتين وأربعين مرة .
قال السعدي : ( البصير ) الذي يبصر كل شيء وإن رق وصغر ، فيبصر دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء ، ، ويبصرما تحت الأرضين السبع كما يبصر ما فوق السموات السبع .
أما الخبير : ففي اللغة من الخبر ، وهو العالم بما كان وما يكون ، والخابر : المختبر الجرب .
قال الكسائي : الخبير الذي يخبر الشيء بعلمه .
وورد ذكر الخبير في القرآن خمسا وأربعين مرة .
،فاقتران الاسمين في هذه الآية للدلالة على أن خبرته سبحانه ناتج عن بصره لأنه يرانا ويعلم بنا ،وبخفايا أمورنا ومستقبلنا ، فهو خبير بما يصلح لعباده وما يفسدهم من الغنى والفقر وبقية المصالح .

و هناك سبب أيضا للحرمان من الرزق وهو الذنوب .
فقد روى الإمام أحمد بسنده ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه).
لذلك يقول الله تعالى في سورة نوح : (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا) ، فالاستغفار من الذنوب سبب في الرزق والتي منعت بسببها .
فيجب علينا محاسبة النفس والاستغفار من الذنوب مع حسن الظن بالله والرضا بقضاء الله وقدره .
وختاما :
من يريد الرزق فليدعو الله ويلتجأ إليه بالدعاء ويسعى في طلبه ؛ لأنه الرزاق ،فقال تعالى : (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)،فيدعو ويسعى لطلب الرزق وقلبه متعلق بالله مع إحسان الظن بالله سبحانه ، ولكن لو لم يحصل على ذلك الرزق فعلينا احسان الظن به سبحانه . فما أعطانا فهو الذي يصلح لنا وما منعه عنها فهو أيضا لمصلحتنا ، فهو الرب المصلح المربي فعطاءه تربية لنا ومنعه أيضا تربية لنا .


فأسأل الله أن ينفعنا بالقول ، ويجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه ،ونسأله أن يغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا .


=========================
المراجع :
مفردات القرآن للراغب الأصفهاني.
لسان العرب لابن منظور
سنن الترمذي ،ص137.
تفسير السعدي .
تفسير الطبري .
تفسير القرطبي .
تفسير ابن عطية .
فتح القدير للشوكاني .
التحرير والتنوير لابن عاشور .
أسباب النزول للواحدي
. الصحيح المسند في أسباب النزول: 199، للوادعي .
أضواء البيان للشنقيطي .
النهج الأسمى في شرح الأسماء الحسنى ، تأليف محمد محمود النجدي ، مج1، ص235، 236، 267، 268، مكتبة الإمام الذهبي ، الكويت .
عقيدة التوحيد للشيخ صالح بن فوزان الفوزان ، دار العاصمة للنشر والتوزيع .
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي .
الحق الواضح المبين للسعدي .
نونية ابن القيم .

رد مع اقتباس
  #18  
قديم 24 محرم 1440هـ/4-10-2018م, 07:58 AM
الصورة الرمزية هيا أبوداهوم
هيا أبوداهوم هيا أبوداهوم غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - الامتياز
 
تاريخ التسجيل: Aug 2014
المشاركات: 607
افتراضي

تعديل :
======

]اعداد درس:
عناصر الدرس:
المقدمة .
سبب نزول الآية .
مناسبة الآية .
معنى البسط .
معنى الرب في اللغة والإصطلاح .
أنواع الربوبية .
أنواع الرزق .
دلالة العموم في قوله ( الرزق) .
معنى العبودية في اللغة .
معنى العبودية في الشرع .
أنواع العبودية
ركائز العبودية
معنى البغي في اللغة .
الحكمة من البسط والقبض .
معنى بقدر .
المراد بالمشيئة .
أنواع الإرادة.
معنى الخبير .
معنى البصير .
فائدة اقتران الإسمين وختم الآية بهما .
أثر الذنب على الرزق .
الفوائد من الآية .
الخاتمة .

====================================
الدرس :

قال تعالى :((ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير))سورة الشورى آية 27

إن الحمد لله نحمده ونستغفره ونستعين به ،ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ،ومن يضلل فلا هادي له ،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أما بعد ..
منذ أن يولد الإنسان في هذه الدنيا يجد نفسه معه أشياء ، ولكن في نفس الوقت لاتجد الشخص الآخر يكون معه الشيء نفسه !
فتجد هذا أبيض وهذا أسود ، وذاك طويل وآخر قصير ، أو ذاك غني وآخر فقير ، وتجد هناك إنسان هادي حنون وآخر عصبي المزاج قاسي الطباع ، أو تجد إنسان ولد مريضا وآخر ولد صحيحا معافى ، فتفاوت الناس فيما أعطاهم الله ، فلا تجد شخص يتساوى مع الآخر، فلماذا هذا التفاوت بين الناس ؟؟!!وهل هذا ظلم للعباد أم رحمة بهم ؟؟
فقال تعالى :((ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير)).
فهذه الآية نزلت في أصحاب الفاقة من المسلمين حين تمنوا سعة الدنيا والغنى ، فأنزل الله هذه الآيات .
وقوله ( ولو) جاءت هذه الآية معطوفة على الآية التي قبلها ، حيث ذكر استجابته للمؤمنين وأنه يزيدهم من فضله ؛ فقد يظن السامع لذلك أن هذه الاستجابة تقتضي أن يعطيهم الله كل طلباتهم في الدنيا وكل ما سألوه ، فذكر الله هذه الاية ليبين أنه لايكون ذلك على اطلاقه وبين سبب ذلك .
فهذا الذي يجده الإنسان من شكل وطبع وأبوين وأهل وأصدقاء، وعطايا ،..وغيره ، فهي من الله ،لأنه هو الرزاق ، كما قال تعالى : (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) ) .
فالبسط هو التوسيع والتكثير في الرزق .
فالذي يبسط الرزق لهذا ويضيق على الآخر هو الله ، فقال تعالى : (إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا)
فمن هو الرب ؟
قال الراغب الأصفهاني : الرَّبُّ في الأصل: التربية، وهو إنشاء الشيء حالا فحالا إلى حدّ التمام، يقال رَبَّهُ، وربّاه ورَبَّبَهُ.
ففي لسان العرب الرَّبُّ يُطْلَق فِي اللُّغَةِ عَلَى المالكِ، والسَّيِّدِ، والمُدَبِّر، والمُرَبِّي، والقَيِّمِ، والمُنْعِمِ.
ويذكر السعدي في تفسيره لسورة الفاتحة لقوله تعالى : ( رب العالمين ) :
الرب, هو المربي جميع العالمين -وهم من سوى الله- بخلقه إياهم, وإعداده لهم الآلات, وإنعامه عليهم بالنعم العظيمة.انتهى من كلامه .
فإذا من تربية الله لعباده الخلق والإعداد والإمداد بالرزق ، فإن الله سبحانه وتعالى لم يخلق الإنسان ويتركه ،بل خلقه وأعد له ما يصلح في معاشه وآخرته ، فكان إمداد الرزق له أيضا لما يصلح له في معاشه وآخرته ؛ لأنه سبحانه وتعالى المصلح المربي للعباد .
وتربية الله للعباد على نوعين ذكرها الشيخ السعدي رحمه الله في تفسيره لسورة الفاتحة :
أولا : تربية عامة : وفيه خلقه للمخلوقين, ورزقهم, وهدايتهم لما فيه مصالحهم, التي فيها بقاؤهم في الدنيا.
ثانيا : تربية خاصة : تربيته لأوليائه, فيربيهم بالإيمان, ويوفقهم له, ويكمله لهم, ويدفع عنهم الصوارف, والعوائق الحائلة بينهم وبينه.

ومن معرفة تربية الله يتبين لنا أن الرزق على أنواع .
فقال ابن القيم في نونيته :
وكذلك الرزاق من أسمائه ... والرزق من أفعاله نوعان
رزق على يد عبده ورسوله ... نوعان أيضا ذان معروفان
رزق القلوب العلم والإيمان ... والرزق المعد لهذه الأبدان
هذا هو الرزق الحلال وربنا ... رزاقه والفضل للمنان
فأنواع الرزق :
النوع الأول : رزق عام :هو رزق لجميع المخلوقات ، فسهل لها الأرزاق، ودبرها في أجسامها، وساق إلى كل عضو صغير وكبير ما يحتاجه من القوت، وهذا عام للبر والفاجر والمسلم والكافر.
النوع الثاني : رزق خاص :وهذا هو الرزق النافع ، فهو رزق القلوب بالعلم والإيمان .
فهذه الآية تشمل جميع أنواع الرزق ؛ لأن أل التعريف في قوله : ( الرزق ) تدل على العموم ، فتشمل الرزق العام والخاص والحسي والمعنوي .

فما معنى العبد ؟ ومن هم العباد ؟ وماهي العبودية ؟ وماهي ركائز العبودية ؟
فالعبد في اللغة: يطلق على الإنسان حرا كان أو رقيقا .
أما العبودية فأصله في اللغة من الخضوع والتذلل.
وفي الشرع : العبادة في الشرع أخص فتعرف بأنها فعل ما يرضي الرب من خضوع وامتثال واجتناب ، أو هي فعل المكلف على خلاف هوى نفسه تعظيما لربه، ذكره ابن عاشور

وذكر السعدي أن العبادة هو اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة ، وهذا التعريف أشمل .
فلما قال الله في الآية : ( لعباده )، فهنا اللفظة عامة لجميع العباد .
فكل الناس خاضعين لله طوعا أو كرها وهذا هو العبودية العامة ، فلذلك يقول الله تعالى : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) .سورة الحج آية 18 .
قال الشاعر :
ومـما زادني شـرفا وتيها *** وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي *** وأن صيرت أحمد لي نبيا.

وأما العبودية الخاصة فهي تكون عبودية خاصة للمؤمنين المطيعين له فقط ، ولا يشاركهم فيه الكفار ، لذلك يقول الله تعالى : (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً).سورة الفرقان63 .
وركائز هذه العبودية ثلاثة :
الحبُّ والخوفُ والرجاء.
فلابد أن تجتمع هذه الثلاثة في العبد .
ولقد قال بعض السلف :
من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق،
ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ،
ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري.

فكما ذكرنا عن معنى العبادة التي تستلزم الذل والخضوع ، فإن الذل والخضوع تسلتزم غاية المحبة ،ويكون مع العبد خوف و رجاء لله تعالى ، كما قال تعالى ( أولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ) سورة الإسراء 57.

ولما قال الله تعالى في الآية : ( لبغوا في الأرض ) ، بين السبب في عدم البسط لكل العباد ،وهو حتى لا يحصل البغي .
فما معنى البغي هنا ؟
البغي لغة : هو مجاوزة الحد والتعدي والظلم والتكبر والعلو والفساد في الأرض، وكل هذا من معانيها في اللغة .
فقال تعالى : (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق)سورة الأعراف 33.
قال ابن عباس : بغيهم طلبهم منزلة بعد منزلة ودابة بعد دابة ومركبا بعد مركب وملبسا بعد ملبس . وقيل : أراد لو أعطاهم الكثير لطلبوا ما هو أكثر منه ، لقوله : ( لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى إليهما ثالثا ) وهذا هو البغي ، وهو معنى قول ابن عباس.
وقال القرطبي أيضا : لتكبروا في الأرض وفعلوا ما يتبع الكبر من العلو فيها والفساد.انتهى من كلامه.
ومثال على الذين أعطاه الله من الرزق الكثير، فكان ذلك سببا في بغيه وعلوه في الأرض هو قارون ، فقال تعالى :
(إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ .). سورة القصص .
فعطاء الله للعبد من ذلك الرزق اختبارا له فهل يشكر أو يكفر ، كما قال تعالى : (قال تعالى: ﴿ فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾ [الفجر: 15، 16]
وقد ذكر الله أيضا في القرآن قصص آخرين ابتلاءهم الله بالرزق ، مثل قصة أصحاب البستان .
فقال تعالى :
﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ﴾ [القلم: 17 - 20].

فبسط االله للرزق هو توسعته للعبد في الرزق ، ولكن هل يبسط الله الرزق لجميع العباد ؟ لا ، فمن تربيته ورحمته أنه يبسط الرزق في بعض الامور لعباده ولا يبسط عليهم في الأمور الأخرى .
فما الحكمة من ذلك ؟:
الحكمة الأولى : حتى يلجأ العبد لربه ولا يستغني عن الدعاء واللجوء إليه سبحانه .
فعندما يكون العبد محتاجا ، يظل يقول يارب !يارب! ارزقني، فيحصل له الذل والإنكسار لخالقه ويتحقق بذلك التوحيد لله ، لأن لا إله إلا الله يقتضي أن لا ينكسر ولا يتذلل ولا يعظم إلا الله ، فكلما لجأ لله وحده حقق التوحيد ، وبعد أن يعطيه يرى رحمة الله به ولطفه ، كما قال تعالى : (وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته ) فيزيد إيمانه .
وفي تفسير القرطبي ذكر قولا لطيفا في هذا فقال : لو أدام المطر لتشاغلوا به عن الدعاء ، فيقبض تارة ليتضرعوا ويبسط أخرى ليشكروا .
الحكمة الثانية : حتى لا يحصل الظلم والإعتداء على الآخرين ، وقبل ذلك يحصل ظلمه على نفسه وظلمه بينه وبين خالقه ،
الحكمة الثالثة : حتى يكون بذلك فائدة للمؤمن فلا يشغله هذا عن العبادة والعمل للآخرة .
قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تهلكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ) سورة المنافقون 8.
قال صلى الله عليه وسلم :( ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم )رواه الترمذي .
عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا قالوا وما زهرة الدنيا يا رسول الله قال بركات الأرض)رواه مسلم .
الحكمة الرابعة : حتى يحتاج الناس بعضهم بعضا ولا تتعطل الصنائع .
فقال تعالى : (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) الزخرف 32.
لذلك قال الله في الآية : ( لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء ) :
فهذه الأرزاق يقسمها الله ويوزعها بين الناس بمقدار ،حسبها الله تعالى وقدره تقديرا ، فمعنى ( بقدر) : أي بمقدار معلوم عنده.
فقال الشنقيطي في أضواء البيان عن هذا : وهو - جل وعلا - أعلم بالحكمة والمصلحة في مقدار كل ما ينزله، وقد أوضح هذا في غير هذا الموضع ، كقوله - تعالى - : (وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم )، وقوله - تعالى - : (وكل شيء عنده بمقدار).
فينزل الله هذه هذه الأرزق بمقدار معين ولكن كما يشاء الله ، لأن الأرزاق داخلة في مشيئة الله .
فمشيئة الله داخلة في الإرادة الكونية ، لأن الإرادة على نوعين :
1) إرادة كونية قدرية : وتشمل ما يحبه الله ومالا يحبه ، وتشمل الأرزاق ، وشؤون المخلوقات الشاملة ، فقال تعالى : (( وَلَوْ شَآءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ) سورة البقرة 253.
2) إرادة شرعية : وتشمل ما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح ، فقال تعالى : (يريد الله بكم اليسر ولايريد بكم العسر ) سورة البقرة 158.
فمشيئة الله لعباده لأنه خبير بهم وبصير به، فالخبير والبصير من أسماء الله .
فالله تعالى له صفة البصر وهي من صفات الكمال له.
فالبصير في اللغة: يطلق على العلم وعلى الفطنة ، وأصله مبصر ، من قول القائل: أبصرت فأنا مبصر ، ويقال البصير العالم بخفيات الأمور ، وقد ورد ذكره في القرآن اثنتين وأربعين مرة .
قال السعدي : ( البصير ) الذي يبصر كل شيء وإن رق وصغر ، فيبصر دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء ، ، ويبصرما تحت الأرضين السبع كما يبصر ما فوق السموات السبع .
أما الخبير : ففي اللغة من الخبر ، وهو العالم بما كان وما يكون ، والخابر : المختبر الجرب .
قال الكسائي : الخبير الذي يخبر الشيء بعلمه .
وورد ذكر الخبير في القرآن خمسا وأربعين مرة .
،فاقتران الاسمين في هذه الآية للدلالة على أن خبرته سبحانه ناتج عن بصره لأنه يرانا ويعلم بنا ،وبخفايا أمورنا ومستقبلنا ، فهو خبير بما يصلح لعباده وما يفسدهم من الغنى والفقر وبقية المصالح .
فمنعه وعطاؤه من لطفه سبحانه ، كما قال تعالى : ( اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) سورة الشورى 19.
و هناك سبب أيضا للحرمان من الرزق وهو الذنوب .
فقد روى الإمام أحمد بسنده ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه).
لذلك يقول الله تعالى في سورة نوح : (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا) ، فالاستغفار من الذنوب سبب في الرزق ، لأن بسبب الذنوب تمنع الأرزاق .
وقال تعالى : (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)سورة الأعراف 96.
فيجب علينا محاسبة النفس والاستغفار من الذنوب مع حسن الظن بالله والرضا بقضاء الله وقدره .

الفوائد من الآية :
- الإيمان باسم الله الرزاق ، فالرزق بيد الله ، فهو المعطي وهو المانع ، فلذلك علينا الطلب منه سبحانه ، وتوحيد الطلب له .
- يجب علينا إحسان الظن بالله عندما يمنعنا الله من رزق ، لأن في منعة حكمة ومصلحة لنا ورحمة بنا ومن ألطافه .
- يجب علينا الاستغفار من الذنوب لأن لها تأثير في الرزق .
- أن من ضعف الإيمان اتهام الآخرين حين يمنع الرزق ويحرم منه .
- الرزق من تربية الله لعباده .
- تربية النفس على القناعة والرضا وعدم التسخط .

وختاما :
من يريد الرزق فليدعو الله ويلتجأ إليه بالدعاء ويسعى في طلبه ؛ لأنه الرزاق ،فقال تعالى : (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)،فيدعو ويسعى لطلب الرزق وقلبه متعلق بالله مع إحسان الظن بالله سبحانه ، ولكن لو لم يحصل على ذلك الرزق فعليه احسان الظن به سبحانه . فما أعطاه فهو الذي يصلح له وما منعه عنه فهو أيضا لمصلحته ، فهو الرب المصلح المربي فعطاءه تربية له ومنعه أيضا تربية له وتتجلى فيها ألطافه سبحانه وتعالى لمن يحسن الظن به .
فعلينا عدم النظر فيما عند الآخرين من رزق ، لأن النظر فيما عند الآخرين يتولد منه الحسد وعدم الرضا والقناعة ، فرزق الآخرين هو لما يصلح لهم وبه يختبرهم به سبحانه ، ولو كان ذلك الرزق يناسبك للجلب لذلك ولكن ما صرفه عنك إلا رحمة بك ، فارضى عن الله وعن قضاءه وقدره يأتيك الخير من الله بما يصلح لك .

فأسأل الله أن ينفعنا بالقول ، ويجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه ،ونسأله أن يغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا .


=========================
المراجع :
مفردات القرآن للراغب الأصفهاني.
لسان العرب لابن منظور
سنن الترمذي ،ص137.
تفسير السعدي .
تفسير الطبري .
تفسير القرطبي .
تفسير ابن عطية .
فتح القدير للشوكاني .
التحرير والتنوير لابن عاشور .
أسباب النزول للواحدي
. الصحيح المسند في أسباب النزول: 199، للوادعي .
أضواء البيان للشنقيطي .
النهج الأسمى في شرح الأسماء الحسنى ، تأليف محمد محمود النجدي ، مج1، ص235، 236، 267، 268، مكتبة الإمام الذهبي ، الكويت .
عقيدة التوحيد للشيخ صالح بن فوزان الفوزان ، دار العاصمة للنشر والتوزيع .
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي .
الحق الواضح المبين للسعدي .
نونية ابن القيم .

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
تطبيق, وضع

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:05 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir