دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > علوم الحديث الشريف > مكتبة علوم الحديث الشريف > علوم الحديث الشريف > مقدمة ابن الصلاح

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 21 جمادى الأولى 1431هـ/4-05-2010م, 05:23 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 14,349
افتراضي أنواع علوم الحديث: النوع الأول: الصحيح



النّوع الأوّل: من أنواع علوم الحديث
معرفة الصّحيح من الحديث
اعلم - علّمك اللّه وإيّاي - أنّ الحديث عند أهله ينقسم إلى: صحيحٍ، وحسنٍ، وضعيفٍ.
أمّا الحديث الصّحيح: فهو الحديث المسند الّذي يتّصل إسناده بنقل العدل الضّابط عن العدل الضّابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذًّا، ولا معلّلًا.
وفي هذه الأوصاف احترازٌ عن المرسل، والمنقطع، والمعضل، والشّاذّ، وما فيه علّةٌ قادحةٌ، وما في راويه نوع جرحٍ. وهذه أنواعٌ يأتي ذكرها إن شاء اللّه تبارك وتعالى.
فهذا هو الحديث الّذي يحكم له بالصّحّة بلا خلافٍ بين أهل الحديث. وقد يختلفون في صحّة بعض الأحاديث لاختلافهم في وجود هذه الأوصاف فيه، أو لاختلافهم في اشتراط بعض هذه الأوصاف، كما في المرسل.
ومتى قالوا: " هذا حديثٌ صحيحٌ " فمعناه: أنّه اتّصل سنده مع سائر الأوصاف المذكورة، وليس من شرطه أن يكون مقطوعًا به في نفس الأمر، إذ منه ما ينفرد بروايته عدلٌ واحدٌ، وليس من الأخبار الّتي أجمعت الأمّة على تلقّيها بالقبول.
وكذلك إذا قالوا في حديثٍ: " إنّه غير صحيحٍ " فليس ذلك قطعًا بأنّه كذبٌ في نفس الأمر، إذ قد يكون صدقًا في نفس الأمر، وإنّما المراد به أنّه لم يصحّ إسناده على الشّرط المذكور، واللّه أعلم.
فوائد مهمّةٌ
إحداها: الصّحيح يتنوّع إلى متّفقٍ عليه، ومختلفٍ فيه، كما سبق ذكره. ويتنوّع إلى مشهورٍ، وغريبٍ، وبين ذلك.
ثمّ إنّ درجات الصّحيح تتفاوت في القوّة بحسب تمكّن الحديث من الصّفات المذكورة الّتي تنبني الصّحّة عليها، وتنقسم باعتبار ذلك إلى أقسامٍ يستعصي إحصاؤها على العادّ الحاصر.
ولهذا نرى الإمساك عن الحكم لإسنادٍ أو حديثٍ بأنّه الأصحّ على الإطلاق. على أنّ جماعةً من أئمّة الحديث خاضوا غمرة ذلك، فاضطربت أقوالهم.
فروّينا عن إسحاق بن راهويه أنّه قال: " أصحّ الأسانيد كلّها: الزّهريّ عن سالمٍ عن أبيه". وروّينا نحوه عن (أحمد بن حنبلٍ).
وروّينا عن عمرو بن عليٍّ الفلّاس أنّه قال: " أصحّ الأسانيد: محمّد بن سيرين عن عبيدة عن عليٍّ".
وروّينا نحوه عن عليّ بن المدينيّ، وروي ذلك عن غيرهما.
ثمّ منهم من عيّن الرّاوي عن محمّدٍ، وجعله أيّوب السّختيانيّ. ومنهم من جعله ابن عونٍ.
وفيما نرويه عن يحيى بن معينٍ أنّه قال: " أجودها الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد اللّه".
وروّينا عن أبي بكر بن أبي شيبة قال: " أصحّ الأسانيد كلّها الزّهريّ عن عليّ بن الحسين عن أبيه عن عليٍّ".
وروّينا عن أبي عبد اللّه البخاريّ - صاحب الصّحيح - أنّه قال: " أصحّ الأسانيد كلّها: مالكٌ عن نافعٍ عن ابن عمر". وبنى الإمام أبو منصورٍ عبد القاهر بن طاهرٍ التّميميّ على ذلك: أنّ أجلّ الأسانيد: " الشّافعيّ عن مالكٍ عن نافعٍ عن ابن عمر " واحتجّ بإجماع أصحاب الحديث على أنّه لم يكن في الرّواة عن مالكٍ أجلّ من الشّافعيّ رضي اللّه عنهم أجمعين، واللّه أعلم.
الثّانية: إذا وجدنا فيما يروى من أجزاء الحديث وغيرها حديثًا صحيح الإسناد، ولم نجده في أحد الصّحيحين، ولا منصوصًا على صحّته في شيءٍ من مصنّفات أئمّة الحديث المعتمدة المشهورة، فإنّا لا نتجاسر على جزم الحكم بصحّته، فقد تعذّر في هذه الأعصار الاستقلال بإدراك الصّحيح بمجرّد اعتبار الأسانيد ؛ لأنّه ما من إسنادٍ من ذلك إلّا ونجد في رجاله من اعتمد في روايته على ما في كتابه، عريًّا عمّا يشترط في الصّحيح من الحفظ والضّبط والإتقان. فآل الأمر إذًا - في معرفة الصّحيح والحسن - إلى الاعتماد على ما نصّ عليه أئمّة الحديث في تصانيفهم المعتمدة المشهورة، الّتي يؤمن فيها - لشهرتها - من التّغيير والتّحريف، وصار معظم المقصود بما يتداول من الأسانيد خارجًا عن ذلك إبقاء سلسلة الإسناد الّتي خصّت بها هذه الأمّة، زادها اللّه تعالى شرفًا، آمين.
الثّالثة: أوّل من صنّف الصّحيح البخاريّ أبو عبد اللّه محمّد بن إسماعيل الجعفيّ مولاهم. وتلاه أبو الحسين مسلم بن الحجّاج
النّيسابوريّ القشيريّ من أنفسهم. ومسلمٌ - مع أنّه أخذ عن البخاريّ واستفاد منه - يشاركه في أكثر شيوخه.
وكتاباهما أصحّ الكتب بعد كتاب اللّه العزيز. وأمّا ما روّينا عن الشّافعيّ رضي اللّه عنه من أنّه قال: " ما أعلم في الأرض كتابًا في العلم أكثر صوابًا من كتاب مالكٍ "، ومنهم من رواه بغير هذا اللّفظ، فإنّما قال ذلك قبل وجود كتابي البخاريّ ومسلمٍ.
ثمّ إنّ كتاب البخاريّ أصحّ الكتابين صحيحًا، وأكثرهما فوائد.
وأمّا ما روّيناه عن أبي عليٍّ الحافظ النّيسابوريّ أستاذ الحاكم أبي عبد اللّه الحافظ من أنّه قال: " ما تحت أديم السّماء كتابٌ أصحّ من كتاب مسلم بن الحجّاج "، فهذا وقول من فضّل من شيوخ المغرب كتاب مسلمٍ على كتاب البخاريّ، إن كان المراد به أنّ كتاب مسلمٍ يترجّح بأنّه لم يمازجه غير الصّحيح، فإنّه ليس فيه بعد خطبته إلّا الحديث الصّحيح مسرودًا، غير ممزوجٍ بمثل ما في كتاب البخاريّ في تراجم أبوابه من الأشياء الّتي لم يسندها على الوصف المشروط في الصّحيح، فهذا لا بأس به. وليس يلزم منه أنّ كتاب مسلمٍ أرجح فيما يرجع إلى نفس الصّحيح على كتاب البخاريّ. وإن كان المراد به أنّ كتاب مسلمٍ أصحّ صحيحًا، فهذا مردودٌ على من يقوله. واللّه أعلم.
الرّابعة: لم يستوعبا الصّحيح في صحيحيهما، ولا التزما ذلك.
فقد روّينا عن البخاريّ أنّه قال: " ما أدخلت في كتابي (الجامع) إلّا ما صحّ، وتركت من الصّحاح لحال الطّول".
وروّينا عن مسلمٍ أنّه قال: " ليس كلّ شيءٍ عندي صحيحٌ وضعته هاهنا - يعني في كتابه الصّحيح - إنّما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه".
قلت: أراد - واللّه أعلم - أنّه لم يضع في كتابه إلّا الأحاديث الّتي وجد عنده فيها شرائط الصّحيح المجمع عليه، وإن لم يظهر اجتماعها في بعضها عند بعضهم.
ثمّ إنّ أبا عبد اللّه بن الأخرم الحافظ قال: " قلّ ما يفوت البخاريّ ومسلمًا ممّا يثبت من الحديث". يعني في كتابيهما. ولقائلٍ أن يقول: ليس ذلك بالقليل، فإنّ المستدرك على الصّحيحين للحاكم أبي عبد اللّه كتابٌ كبيرٌ، يشتمل ممّا فاتهما على شيءٍ كثيرٍ، وإن يكن عليه في بعضه مقالٌ فإنّه يصفو له منه صحيحٌ كثيرٌ.
وقد قال البخاريّ: " أحفظ مائة ألف حديثٍ صحيحٍ، ومائتي ألف حديثٍ غير صحيحٍ "، وجملة ما في كتابه الصّحيح سبعة آلافٍ ومائتان وخمسةٌ وسبعون حديثًا بالأحاديث المتكرّرة. وقد قيل: إنّها بإسقاط المكرّرة أربعة آلاف حديثٍ، إلّا أنّ هذه العبارة قد يندرج تحتها عندهم آثار الصّحابة والتّابعين، وربّما عدّ الحديث الواحد المرويّ بإسنادين حديثين.
ثمّ إنّ الزّيادة في الصّحيح على ما في الكتابين يتلقّاها طالبها ممّا اشتمل عليه أحد المصنّفات المعتمدة المشهورة لأئمّة الحديث، كأبي داود السّجستانيّ، وأبي عيسى التّرمذيّ، وأبي عبد الرّحمن النّسائيّ، وأبي بكر بن خزيمة، وأبي الحسن الدّارقطنيّ، وغيرهم. منصوصًا على صحّته فيها.
ولا يكفي في ذلك مجرّد كونه موجودًا في كتاب أبي داود، وكتاب التّرمذيّ، وكتاب النّسائيّ، وسائر من جمع في كتابه بين الصّحيح وغيره.
ويكفي مجرّد كونه موجودًا في كتب من اشترط منهم الصّحيح فيما جمعه، ككتاب ابن خزيمة، وكذلك ما يوجد في الكتب المخرّجة على كتاب البخاريّ وكتاب مسلمٍ، ككتاب أبي عوانة الإسفرائينيّ، وكتاب أبي بكرٍ الإسماعيليّ، وكتاب أبي بكرٍ البرقانيّ، وغيرها، من تتمّةٍ لمحذوفٍ، أو زيادة شرحٍ في كثيرٍ من أحاديث الصّحيحين. وكثيرٌ من هذا موجودٌ في (الجمع بين الصّحيحين) لأبي عبد اللّه الحميديّ.
واعتنى الحاكم أبو عبد اللّه الحافظ بالزّيادة في عدد الحديث الصّحيح على ما في الصّحيحين، وجمع ذلك في كتابٍ سمّاه (المستدرك) أودعه ما ليس في واحدٍ من الصّحيحين ممّا رآه على شرط الشّيخين، قد أخرجا عن رواته في كتابيهما، أو على شرط البخاريّ وحده، أو على شرط مسلمٍ وحده، وما أدّى اجتهاده إلى تصحيحه وإن لم يكن على شرطٍ واحدٍ منهما.
وهو واسع الخطو في شرط الصّحيح، متساهلٌ في القضاء به. فالأولى أن نتوسّط في أمره فنقول: ما حكم بصحّته، ولم نجد ذلك فيه لغيره من الأئمّة، إن لم يكن من قبيل الصّحيح فهو من قبيل الحسن، يحتجّ به ويعمل به، إلّا أن تظهر فيه علّةٌ توجب ضعفه.
ويقاربه في حكمه صحيح أبي حاتم بن حبّان البستيّ رحمهم اللّه أجمعين. واللّه أعلم.
الخامسة: الكتب المخرّجة على كتاب البخاريّ أو كتاب مسلمٍ رضي اللّه عنهما لم يلتزم مصنّفوها فيها موافقتهما في ألفاظ الأحاديث بعينها من غير زيادةٍ ونقصانٍ، لكونهم رووا تلك الأحاديث من غير جهة البخاريّ ومسلمٍ، طلبًا لعلوّ الإسناد، فحصل فيها بعض التّفاوت في الألفاظ.
وهكذا ما أخرجه المؤلّفون في تصانيفهم المستقلّة كالسّنن الكبير للبيهقيّ، وشرح السّنّة لأبي محمّدٍ البغويّ، وغيرهما ممّا قالوا فيه: " أخرجه البخاريّ أو مسلمٌ "، فلا يستفاد بذلك أكثر من أنّ البخاريّ أو مسلمًا أخرج أصل ذلك الحديث مع احتمال أن يكون بينهما تفاوتٌ في اللّفظ، وربّما كان تفاوتًا في بعض المعنى، فقد وجدت في ذلك ما فيه بعض التّفاوت من حيث المعنى.
وإذا كان الأمر في ذلك على هذا فليس لك أن تنقل حديثًا منها وتقول: هو على هذا الوجه في كتاب البخاريّ أو كتاب مسلمٍ، إلّا أن تقابل لفظه، أو يكون الّذي خرّجه قد قال أخرجه البخاريّ بهذا اللّفظ.
بخلاف الكتب المختصرة من الصّحيحين، فإنّ مصنّفيها نقلوا فيها ألفاظ الصّحيحين أو أحدهما.
غير أنّ " الجمع بين الصّحيحين " للحميديّ الأندلسيّ منها يشتمل على زيادة تتمّاتٍ لبعض الأحاديث كما قدّمنا ذكره، فربّما نقل من لا يميّز بعض ما يجده فيه عن الصّحيحين أو أحدهما وهو مخطئٌ، لكونه من تلك الزّيادات الّتي لا وجود لها في واحدٍ من الصّحيحين.
ثمّ إنّ التّخاريج المذكورة على الكتابين يستفاد منها فائدتان: إحداهما: علوّ الإسناد. والثّانية: الزّيادة في قدر الصّحيح، لما يقع فيها من ألفاظٍ زائدةٍ وتتمّاتٍ في بعض الأحاديث، تثبت صحّتها بهذه التّخاريج ؛ لأنّها واردةٌ بالأسانيد الثّابتة في الصّحيحين أو أحدهما، وخارجةٌ من ذلك المخرج الثّابت، واللّه أعلم.
السّادسة: ما أسنده البخاريّ ومسلمٌ - رحمهما اللّه - في كتابيهما بالإسناد المتّصل فذلك الّذي حكما بصحّته بلا إشكالٍ. وأمّا [المعلّق وهو] الّذي حذف من مبتدأ إسناده واحدٌ أو أكثر، وأغلب ما وقع ذلك في كتاب البخاريّ، وهو في كتاب مسلمٍ قليلٌ جدًّا، ففي بعضه نظرٌ.
وينبغي أن نقول: ما كان من ذلك ونحوه بلفظٍ فيه جزمٌ، وحكمٌ به على من علّقه عنه، فقد حكم بصحّته عنه، مثاله: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم -: كذا وكذا، قال ابن عبّاسٍ: كذا، قال مجاهدٌ: كذا، قال عفّان: كذا. قال القعنبيّ: كذا، روى أبو هريرة كذا وكذا، وما أشبه ذلك من العبارات.
فكلّ ذلك حكمٌ منه على من ذكره عنه بأنّه قد قال ذلك ورواه، فلن يستجيز إطلاق ذلك إلّا إذا صحّ عنده ذلك عنه، ثمّ إذا كان الّذي علّق الحديث عنه دون الصّحابة، فالحكم بصحّته يتوقّف على اتّصال الإسناد بينه وبين الصّحابيّ.
وأمّا ما لم يكن في لفظه جزمٌ وحكمٌ، مثل: روي عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - كذا وكذا، أو روي عن فلانٍ كذا، أو في الباب عن النّبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - كذا وكذا، فهذا وما أشبهه من الألفاظ ليس في شيءٍ منه حكمٌ منه بصحّة ذلك عمّن ذكره عنه ؛ لأنّ مثل هذه العبارات تستعمل في الحديث الضّعيف أيضًا. ومع ذلك فإيراده له في أثناء الصّحيح مشعرٌ بصحّة أصله إشعارًا يؤنس به ويركن إليه، واللّه أعلم.
ثمّ إنّ ما يتقاعد من ذلك عن شرط الصّحيح قليلٌ، يوجد في كتاب البخاريّ في مواضع من تراجم الأبواب دون مقاصد الكتاب وموضوعه الّذي يشعر به اسمه الّذي سمّاه به، وهو (الجامع المسند الصّحيح المختصر من أمور رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وسننه وأيّامه).
وإلى الخصوص الّذي بيّنّاه يرجع مطلق قوله: " ما أدخلت في كتاب الجامع إلّا ما صحّ".
وكذلك مطلق قول الحافظ أبي نصرٍ الوايليّ السّجزيّ: " أجمع أهل العلم - الفقهاء وغيرهم - [على] أنّ رجلًا لو حلف بالطّلاق أنّ جميع ما في كتاب البخاريّ ممّا روي عن النّبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - قد صحّ عنه، ورسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - قاله لا شكّ فيه، أنّه لا يحنث والمرأة بحالها في حبالته".
وكذلك ما ذكره أبو عبد اللّه الحميديّ في كتابه " الجمع بين الصّحيحين " من قوله: " لم نجد من الأئمّة الماضين - رضي اللّه عنهم - أجمعين من أفصح لنا في جميع ما جمعه بالصّحّة إلّا هذين الإمامين".
فإنّما المراد بكلّ ذلك: مقاصد الكتاب وموضوعه، ومتون الأبواب دون التّراجم ونحوها ؛ لأنّ في بعضها ما ليس من ذلك قطعًا.
مثل قول البخاريّ: " باب ما يذكر في الفخذ، ويروى عن ابن عبّاسٍ
وجرهدٍ ومحمّد بن جحشٍ عن النّبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم -: " الفخذ عورةٌ".
وقوله في أوّل بابٍ من أبواب الغسل: " وقال بهز [بن حكيمٍ]، عن أبيه، عن جدّه، عن النّبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم: " اللّه أحقّ أن يستحيى منه "، فهذا قطعًا ليس من شرطه، ولذلك لم يورده الحميديّ في جمعه بين الصّحيحين، فاعلم ذلك فإنّه مهمٌّ خافٍ، واللّه أعلم.
السّابعة: وإذا انتهى الأمر في معرفة الصّحيح إلى ما خرّجه الأئمّة في تصانيفهم الكافلة ببيان ذلك - كما سبق ذكره - فالحاجة ماسّةٌ إلى التّنبيه على أقسامه باعتبار ذلك.
فأوّلهما: صحيحٌ أخرجه البخاريّ ومسلمٌ جميعًا.
الثّاني: صحيحٌ انفرد به البخاريّ، أي عن مسلمٍ.
الثّالث: صحيحٌ انفرد به مسلمٌ، أي عن البخاريّ.
الرّابع: صحيحٌ على شرطهما لم يخرجاه.
الخامس: صحيحٌ على شرط البخاريّ لم يخرجه.
السّادس: صحيحٌ على شرط مسلمٍ لم يخرجه.
السّابع: صحيحٌ عند غيرهما، وليس على شرط واحدٍ منهما.
هذه أمّهات أقسامه، وأعلاها الأوّل، وهو الّذي يقول فيه أهل الحديث كثيرًا: " صحيحٌ متّفقٌ عليه". يطلقون ذلك ويعنون به اتّفاق البخاريّ ومسلمٍ، لا اتّفاق الأمّة عليه. لكنّ اتّفاق الأمّة عليه لازمٌ من ذلك وحاصلٌ معه، لاتّفاق الأمّة على تلقّي ما اتّفقا عليه بالقبول.
وهذا القسم جميعه مقطوعٌ بصحّته والعلم اليقينيّ النّظريّ واقعٌ به. خلافًا لقول من نفى ذلك، محتجًّا بأنّه لا يفيد في أصله إلّا الظّنّ، وإنّما تلقّته الأمّة بالقبول ؛ لأنّه يجب عليهم العمل بالظّنّ، والظّنّ قد يخطئ.
وقد كنت أميل إلى هذا وأحسبه قويًّا، ثمّ بان لي أنّ المذهب الّذي اخترناه أوّلًا هو الصّحيح، لأنّ ظنّ من هو معصومٌ من الخطأ لا يخطئ. والأمّة في إجماعها معصومةٌ من الخطأ، ولهذا كان الإجماع المنبني على الاجتهاد حجّةً مقطوعًا بها، وأكثر إجماعات العلماء كذلك.
وهذه نكتةٌ نفيسةٌ نافعةٌ، ومن فوائدها: القول بأنّ ما انفرد به البخاريّ أو مسلمٌ مندرجٌ في قبيل ما يقطع بصحّته لتلقّي الأمّة كلّ واحدٍ من كتابيهما بالقبول على الوجه الّذي فصّلناه من حالهما فيما سبق، سوى أحرفٍ يسيرةٍ تكلّم عليها بعض أهل النّقد من الحفّاظ، كالدّارقطنيّ وغيره، وهي معروفةٌ عند أهل هذا الشّأن، واللّه أعلم.
الثّامنة: إذا ظهر بما قدّمناه انحصار طريق معرفة الصّحيح والحسن الآن في مراجعة الصّحيحين وغيرهما من الكتب المعتمدة، فسبيل من أراد العمل أو الاحتجاج بذلك - إذا كان ممّن يسوغ له العمل بالحديث، أو الاحتجاج به لذي مذهبٍ - أن يرجع إلى أصلٍ قد قابله هو أو ثقةٍ غيره بأصولٍ صحيحةٍ متعدّدةٍ، مرويّةٍ برواياتٍ متنوّعةٍ، ليحصل له بذلك - مع اشتهار هذه الكتب وبعدها عن أن تقصد بالتّبديل والتّحريف - الثّقة بصحّة ما اتّفقت عليه تلك الأصول، واللّه أعلم.


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
أنواع, عموم

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:56 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir