دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > العقيدة > متون العقيدة > ثلاثة الأصول وأدلتها

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 28 شوال 1429هـ/28-10-2008م, 07:21 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 13,147
افتراضي المسائل الأربع

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا تَعَلُّمُ أرْبَعِ مَسَائِلَ:
الأُولى: العِلْمُ: وَهُوَ مَعْرِفَةُ اللهِ وَمَعْرِفَةُ نَبِيِّهِ وَمَعْرِفَةُ دِينِ الإِسْلاَمِ بالأَدِلَّةِ.
الثَّانِيَةُ: العَمَلُ بِهِ.
الثَّالِثَةُ: الدَّعْوَةُ إلَيْهِ.
الرَّابِعَةُ: الصَّبْرُ عَلَى الأَذَى فِيهِ.
والدَّلِيلُ قَولُه تَعَالَى: بسم اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ {وَالعَصْرِ (1) إنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2) إلاَّ الَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَواصَوا بِالحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)} [العصر:1-3]
قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ الله تَعَالى-: (هَذِهِ السُّورَةُ لَو مَا أَنْزَلَ اللهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ إلاَّ هِيَ لَكَفَتْهُمْ).
وَقَالَ البُخَارِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى-: (بَابٌ: العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ والعَمَلِ، والدَّليلُ قَوْلُهُ تَعَالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِك} [محمد:19] فَبَدَأَ بِالعِلْمِ قَبْلَ القَولِ وَالعَمَلِ).


  #2  
قديم 4 ذو القعدة 1429هـ/2-11-2008م, 09:55 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 13,147
افتراضي شرح ثلاثة الأصول لسماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله ابن باز

(1) هذهِ رسالةٌ مهمةٌ في العقيدةِ أَلَّفَها الشيخُ أبو عبدِ اللَّهِ الإمامُ محمدُ بنُ عبدِ الوهَّابِ بنِ سليمانَ بنِ عليٍّ التَّمِيميُّ الحنبليُّ الإمامُ المشهورُ المُجَدِّدُ لِمَا انْدَرَسَ مِنْ مَعَالِمِ الإسلامِ في النصفِ الثاني منَ القرنِ الثاني عشرَ رحمهُ اللَّهُ وأكرمَ مثواهُ.
وقدْ كانَ رحمهُ اللَّهُ يلقِّنُ الطلبةَ والعامةَ هذهِ الأصولَ ليدرُسوها ويحفَظُوها ولِتستقرَّ في قلوبِهم؛ لكونِها قاعدةً في العقيدةِ.
وكانتْ وفاتُه سنةَ ستٍّ ومائتينِ وألفٍ منَ الهجرةِ، وكانَ مولدُهُ سنةَ خمسَ عشرةَ ومائةٍ وألفٍ منَ الهجرةِ، فقدْ عُمِّرَ إحدَى وتسعينَ سنةً.

وقدْ كانَ عُمُرًا مليئًا بالخيرِ والدعوةِ إلى اللَّهِ والتعليمِ والإرشادِ والصبرِ على ذلكَ.
وقدْ أنقذَ اللَّهُ بهِ العبادَ والبلادَ في زمانِهِ في هذهِ الجزيرةِ، وانتشرتْ دعوتُهُ في غيرِ الجزيرةِ منَ الشامِ ومصرَ والعراقِ والهندِ وغيرِها، بسببِ الدُّعاةِ الذينَ حَمَلُوا عنهُ العلمَ، وانْتَقلُوا إلى تلكَ البُلْدانِ والدولِ، وبسببِ المكاتيبِ والكتبِ التي انتشرتْ منهُ رحمهُ اللَّهُ ومنْ أتباعِهِ وأنصارِهِ والدعاةِ التابعينَ لهُ في الدعوةِ إلى اللَّهِ.

(2) هذهِ المسائلُ يجبُ أن يتعلَّمَها المؤمنُ والمؤمنَةُ صغارًا وكبارًا.
(3) فعلى الإنسانِ أن يتعلَّمَ ويتبصَّرَ حتَّى يكونَ على بيِّنةٍ، ويَعْرِفَ دينَ اللَّهِ الذي خُلِقَ مِنْ أجلِهِ، وهذا العلمُ هوَ معرفةُ اللَّهِ ومعرفةُ نَبِيِّه ومعرفةُ دينِ الإسلامِ بالأدلةِ، فهذا أولُ شيءٍ، أن يَتَبَصَّرَ العبدُ منْ هوَ ربُّه؟..
فيعرفَ أنَّ ربَّه الخالقَ الذِي خلقَهُ، ورَزَقَهُ، وأَسْدَى إليهِ النعمَ، وخلقَ مَنْ قبلَهُ، ويخلقُ مَنْ بعدَهُ، هوَ ربُّ العالمينَ وأنَّهُ الإلهُ الحقُّ المعبودُ الذِي لا يستحقُّ العبادةَ سواهُ أبدًا، لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، ولاَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، ولا جنٌّ، ولا إنسٌ، ولا صنمٌ، ولا غيرُ ذلكَ.
بلِ العبادةُ حقٌّ للَّهِ وَحدَهُ، فهوَ المعبودُ بحقٍّ، وهوَ المستحقُّ بأن يُعبَدَ، وهوَ ربُّ العالمينَ وهوَ ربُّكَ وخالقُكَ وإلـهُكَ الحقُّ سبحانَه وتعالَى.
فَتَعْرِفَ هذهِ المسألةَ الأولى، وهيَ: أنْ تعرفَ ربَّك ونبيَّكَ ودينَكَ بالأدلةِ؛ قالَ اللَّهُ وقالَ الرسولُ لا بالرأي ولا بقولِ فلانٍ، بلْ بالأدلةِ من الآياتِ والأحاديثِ، وذلكَ هوَ دينُ الإسلامِ الذي أنتَ مأمورٌ بالدخولِ فيهِ، والالتزامِ بهِ، وهوَ عبادةُ اللَّهِ التي قالَ فيها سبحانَهُ وتعالَى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدونِ}.
هذهِ العِبَادَةُ هيَ الإسلامُ، وهي طاعةُ اللَّهِ ورسولِهِ، والقيامُ بأمرِ اللَّهِ وتركُ محارمِهِ.
هذهِ هي العبادةُ التي خُلِقَ الناسُ لأجلِها وأمرَ اللَّهُ بها الناسَ في قولِهِ: {يَأَيُّها النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ} يعنِي: اعبدوهُ بطاعةِ أوامرِهِ واجتنابِ نواهيهِ، وإسلامِ الوجهِ لهُ، وتخصيصِه بالعبادةِ سبحانَهُ وتعالى.

(4) ومِنْ ذلكَ أن تعرفَ نبيَّك وهوَ محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ المطلبِ الهاشميُّ القرشيُّ المكيُّ ثم المَدَنِيُّ عَلَيْهِ الصلاةُ والسلامُ فتعرفَ أنَّهُ نبيُّكَ وأنَّ اللَّهَ أرسلَهُ إليكَ بدينِ الحقِّ يُعَلِّمُكَ ويُرْشِدُكَ فتؤمنَ بأنَّهُ رسولُ اللَّهِ حقًّا وأنَّ اللَّهَ أرسلَهُ للعالمينَ جميعًا منَ الجنِّ والإنسِ، وأنَّ الواجبَ اتباعُهُ، والسيرُ على منهاجِهِ.
وسيأتِي تفصيلُ هذا في الأصلِ الثالثِ منَ الأصولِ الثلاثةِ.

(5) أيْ: أنْ تَعْمَلَ بهذا الدِّينِ من صلاةٍ وصومٍ وجهادٍ وحجٍّ وإيمانٍ وتَقْوَى فتعملَ بالإسلامِ؛ لأَِنَّك مَخْلُوقٌ لهُ، مخلوقٌ لعبادةِ اللَّهِ.
- فعليكَ أنْ تعلمَ وتعملَ بهِ فتعبدَ اللَّهَ وحدَه.
- وتقيمَ الصلاةَ.
- وتؤديَ الزكاةَ.
- وتصومَ رمضانَ.
- وتحجَّ البيتَ.
- وتؤمنَ باللَّهِ وملائكتِهِ ورسلِهِ وكتبِهِ، وباليومِ الآخرِ، وبالقدرِ خيرِهِ وشرِّهِ.
- وتأمرَ بالمعروفِ وتَنْهَى عنِ المنكرِ.
- وتَبَرَّ والديكَ.
- وتصلَ الأرحامَ.
إلى غيرِ ذلكَ فتعملَ بما أمرَكَ اللَّهُ بِهِ.
وتنتهيَ عمَّا نهاكَ اللَّهُ عنْهُ، وتتركَ المعاصيَ التي أنتَ منهيٌّ عنها، وتفعلَ الواجباتِ التي أنتَ مأمورٌ بها.

(6) أيْ: أنْ تدعوَ إلى هذا الدينِ فتَنْصَحَ الناسَ بأن يَسْتَقِيمُوا عَلَيْهِ، وتُرْشِدَهُم وتأمرَهُم بالمعروفِ وتنهاهُم عن المنكرِ، هذهِ هي الدعوةُ إلى دينِ الإسلامِ.
فعلى كلِّ مسلمٍ أن يَدْعُوَ إلى اللَّهِ حسبَ طاقتِهِ وعلمِهِ، فكلُّ واحدٍ - رجلٍ أوِ امرأةٍ - عليهِ قسطٌ منْ هذا الواجب، منَ التبليغِ والدعوةِ والإرشادِ والنصيحةِ، وأنْ يدعوَ إلى توحيدِ اللَّهِ.
- وإلى الصلاةِ والمحافظةِ عليها.
- وإلى الزكاةِ وأدائِها.
- وإلى صومِ رمضانَ.
- وحجِّ البيتِ معَ الاستطاعةِ.
- وإلى برِّ الوالدينِ.
- وصلةِ الأرحامِ.

- وتركِ المعاصي كلِّها.


(7) أيْ: يصبرُ على الأذى في هذهِ الأشياءِ، فقد يحصلُ للإنسانِ أذًى، قدْ يَتْعَبُ مِنَ المَدْعُوِّ أو غيرِه، منْ أهلِهِ، أو غيرِهِم، فالواجبُ الصبرُ واحتسابُ الأجرِ عندَ اللَّهِ.فالمؤمنُ يصبرُ على إيمانِهِ باللَّهِ، ويصبرُ على العملِ بما أوجبَ اللَّهُ عليهِ، وتركِ ما حَرَّمَ اللَّهُ عليهِ، ويصبرُ في الدعوةِ إلى اللَّهِ، والتعليمِ، والأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عنِ المنكرِ.
فلا بدَّ منَ الصبرِ في هذهِ الأمورِ كلِّها.
فالدينُ كلُّه يحتاجُ إلى صبرٍ، صبرٍ على دعوةِ اللَّهِ وحدَه، وصبرٍ على أنْ تصلِّيَ، وتُزَكِّيَ، وتصومَ، وتحجَّ، وتأمرَ بالمعروفِ وتنهى عنِ المنكرِ، وصبرٍ عنِ المحارمِ والسيئاتِ فَتَحْذَرَ مِنْ قربِها فالإنسانُ إذا لمْ يصبرْ، وقعَ فيما حرَّمَ اللَّهُ عليهِ أو ترك ما أوجبَ اللَّهُ عليه:
- ولهذا قالَ تعالى لرسولِهِ: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزمِ مِنَ الرُّسُلِ}.
- وقالَ سبحانَهُ: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}.
- وقال تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ}.
- وقال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}.
- وقالَ تعالى: {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}.
يعني: اصبرُوا على طاعةِ اللَّهِ وتركِ معصيتِهِ، واحذروا مخالفةَ أمرِهِ وارتكابَ نهيِهِ.

(8) وهذا هوَ الدليلُ على هذهِ المسائلِ الأربعِ، ففي هذهِ السورةِ العظيمةِ الحُجَّةُ لهذهِ الأمورِ وهذا هوَ الدينُ كلُّه، فالدينُ كلُّه إيمانٌ وعملٌ ودعوةٌ وصبرٌ، إيمانٌ بالحقِّ وعملٌ بِهِ ودعوةٌ إليهِ وصبرٌ على الأذى فيهِ.
والناسُ كلُّهُم في خَسارةٍ {إلاَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ} أيِ: الذينَ استثناهُمُ اللَّهُ فجميعُ بني آدمَ في خُسْرانٍ وعلى طريقِ الهلاكِ إلاَّ الذينَ آمنُوا وعمِلُوا الصالحاتِ، وتواصَوْا بالحقِّ، وتواصَوْا بالصبرِ، فهؤلاءِ هُمُ الرابحونَ، وهُمُ السعداءُ.
وقدْ أقسمَ اللَّهُ على هذا بقولِهِ: {وَالْعَصْرِ} وهوَ الصادقُ سبحانَهُ وتعالى وإنْ لَمْ يُقْسِمْ، ولكنْ أقسمَ لتأكيدِ المقامِ.
واللَّهُ سبحانَهُ وتعالى يقسمُ بما شاءَ منْ خلقِهِ،فلا أحدَ يَتَحَجَّرُ عَلَيْهِ، فَأَقْسَمَ بالسماءِ ذاتِ البروجِ، وأقسمَ بالسماءِ والطارقِ، وبالضحَى، وبالشمسِ وضحاها، وبالليلِ إذا يَغْشَى، وبالنَّازِعَاتِ، وغيرِ ذلكَ:
- لأَِنَّ المخلوقاتِ تدلُّ على عظمتِهِ،وعلى أنَّهُ سبحانَهُ هوَ المستحقُّ للعبادةِ.
- ولبيانِ عظمِ شأنِ هذهِ المخلوقاتِ التي تدلُّ على وحدانيَّتِهِ وأنَّهُ المستحقُّ للعبادةِ وحدَه.
وأمَّا المخلوقُ فليسَ لَهُ أنْ يُقْسِمَ إلاَّ بربِّهِ،فلا يُقْسِمُ ولاَ يَحْلِفُ إلا باللَّهِ ولا يجوزُ لهُ أن يحلفَ بالأنبياءِ، ولا بالأصنامِ، ولا بالصالحينَ، ولا بالأمانةِ، ولا بالكعبةِ، ولا بغيرِها.
هذا هوَ الواجبُ على المسلمِ؛ لقولِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ حَلَفَ بِشَيْءٍ دُونَ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ)) أخرجَهُ الإمامُ أحمدُ بإسنادٍ صحيحٍ.
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((مَنْ كَانَ حالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ)).
فالواجِبُ عَلَى كلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ الحذرُ من الحلفِ بغيرِ اللَّهِ، وأنْ تكونَ أَيْمانُهم كلُّها باللَّهِ وحدَه سبحانَهُ وتعالى.

(9) الشافعيُّ: هوَ الإمامُ المشهورُ، أحدُ العلماءِ الكبارِ، وأحدُ الأئمةِ الأربعةِ، وهوَ محمدُ بنُ إدريسَ الشافعيُّ المطلبيُّ، المولودُ سنةَ خمسينَ ومائةٍ وتُوفِّيَ سنةَ أربعٍ ومائتَيْنِ.

(10) يقولُ رحمَهُ اللَّهُ: (لوْ ما أنزلَ اللَّهُ حجةً على خلقِهِ إلاَّ هذهِ السورةَ لكَفَتْهُم) وفي رِوَايةٍ: (لو فكَّر النَّاسُ في هذهِ السورةِ لكَفَتْهُم ) أيْ لوْ نَظَروا فيها وتأمَّلوا فيها لكانتْ كافيةً في إلزامِهِم بالحقِّ، وقيامِهِم بما أوجبَ اللَّهُ عليهِم، وتركِ ما حرَّمَهُ عليهِم؛ لأَِنَّ اللَّهَ بَيَّنَ أنَّ الذينَ آمنُوا وعملُوا الصالحاتِ وتواصَوْا بالحقِّ وتواصَوْا بالصبرِ همُ الرابحونَ، وَمَنْ سواهُم خاسرٌ.
وهذهِ حجةٌ قائمةٌ على وجوبِ التواصي، والتناصُحِ،والإيمانِ والصبرِ، والصدقِ، وأنَّهُ لا طريقَ للسعادةِ والربحِ إلاَّ بهذهِ الصفاتِ الأربعِ؛ إيمانٌ صادقٌ باللَّهِ ورسولِهِ، وعملٌ صالحٌ، وتواصٍ بالحقِّ، وتواصٍ بالصبرِ.

(11) البخاريُّ هوَ أبو عبدِ اللَّهِ محمدُ بنُ إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ البُخاريُّ من بُخارَى في الشرقِ الأوسطِ، وُلدَ سنةَ أربعٍ وتسعينَ ومائةٍ في آخرِ القرنِ الثاني، وماتَ سنةَ ستٍّ وخمسينَ ومائتَيْنِ في وَسَطِ القرنِ الثالثِ، كانَ عمرُهُ اثنتَيْنِ وستينَ سنةً، وهوَ صاحبُ الصحيحِ، ولهُ مُؤَلَّفاتٌ أخرى عظيمةٌ نافعةٌ رحمَهُ اللَّهُ. يقولُ: (بابٌ: العلمُ قبلَ القولِ والعملِ؛ لقولِ اللَّهِ سبحانَهُ: {فَاعْلَمْ أنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ}فبدأَ بالعلمِ قبلَ القولِ والعملِ) فالإنسانُ عليهِ أن يتعلَّمَ أوَّلاً، ثمَّ يعملَ، فيتعلَّمَ دينَهُ، ويعملَ على بصيرةٍ.
واللهُ أعلمُ.


  #3  
قديم 4 ذو القعدة 1429هـ/2-11-2008م, 09:56 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 13,147
افتراضي شرح ثلاثة الأصول للشيخ: محمد بن صالح العثيمين

(1) ابْتَدَأَ المُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ كتابَهُ بالبَسْمَلَةِ؛ اقْتِدَاءً بكتابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَإِنَّهُ مَبْدُوءٌ بِالْبَسْمَلَةِ، وَاتِّبَاعًا لحديثِ: ((كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لاَ يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ)) وَاقْتِدَاءً بالرسولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فإنَّهُ يَبْدَأُ كُتُبَهُ بالبسملةِ.
الجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفِ فِعْلٍ مُؤَخَّرٍ مُنَاسِبٍ للمقامِ، تَقْدِيرُهُ: بِسْمِ اللَّهِ أَكْتُبُ، أوْ أُصَنِّفُ.
وَقَدَّرْنَاهُ فِعْلاً؛ لأَنَّ الأصلَ في العملِ الأفعالُ، وَقَدَّرْنَاهُ مُؤَخَّرًا لِفَائِدَتَيْنِ:
الأولى: التَّبَرُّكُ بِالْبَدَاءَةِ بِاسْمِ اللَّهِ سبحانَهُ وتَعالى.
الثانيَةُ: إِفَادَةُ الحَصْرِ؛ لأنَّ تقديمَ المُتَعَلِّقِ يُفِيدُ الحَصْرَ.
وَقَدَّرْنَاهُ مُنَاسِبًا؛ لأِنَّهُ أَدَلُّ على المُرَادِ، فلوْ قُلْنَا مَثَلاً عِنْدَمَا نُرِيدُ أنْ نَقْرَأَ كتابًا: بسمِ اللَّهِ نَبْتَدِئُ، ما يُدْرَى بماذا نَبْتَدِئُ، لكنْ: بسمِ اللَّهِ أَقْرَأُ، يَكُونُ أَدَلَّ على المرادِ الَّذِي ابْتُدِئَ بهِ.
(2) (اللَّهُ) عَلَمٌ على البَارِي جَلَّ وَعَلاَ، وهُوَ: الاسمُ الَّذِي تَتْبَعُهُ جميعُ الأسماءِ، حتَّى إنَّهُ في قولِهِ تَعَالَى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ}، لا نَقُولُ: إنَّ لَفْظَ الجلالةِ (اللَّهِ) صِفَةٌ، بلْ نَقُولُ: هِيَ عَطْفُ بَيَانٍ؛ لِئَلاَّ يَكُونَ لَفْظُ الجلالةِ تابعًا تَبَعِيَّةَ النَّعْتِ للمنعوتِ.
(3) (الرَّحْمَنُ) اسمٌ من الأسماءِ المُخْتَصَّةِ باللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لا يُطْلَقُ على غَيْرِهِ. والرحمنُ مَعْنَاهُ: المُتَّصِفُ بالرحمةِ الواسعةِ.
(4) (الرَّحِيمُ) يُطْلَقُ على اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وعلى غيرِهِ، ومعناهُ: ذُو الرَّحْمَةِ الواصلةِ.
فالرحمنُ ذُو الرحمةِ الواسعةِ، والرحيمُ ذُو الرحمةِ الواصلةِ، فإذا جُمِعَا صَارَ المرادُ بالرحيمِ المُوصِلَ رَحْمَتَهُ إلى مَنْ يشاءُ منْ عبادِهِ، كما قالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ}.
(5) (العِلْمُ) : هوَ إدراكُ الشيءِ على ما هوَ عليهِ إِدْرَاكًا جَازِمًا.
وَمَرَاتِبُ الإدراكِ سِتٌّ:
الأولى: العلمُ، وهُوَ إدراكُ الشيءِ على ما هوَ عليهِ إِدْرَاكًا جَازِمًا.
الثانيَةُ: الجَهْلُ البَسِيطُ، وهُوَ عدمُ الإدراكِ بالكُلِّيَّةِ.
الثالثةُ: الجَهْلُ المُرَكَّبُ، وهُوَ إدراكُ الشيءِ على وجهٍ يُخَالِفُ ما هوَ عليهِ.
الرابعةُ: الوَهْمُ، وهُوَ إدراكُ الشيءِ معَ احتمالِ ضِدٍّ رَاجِحٍ.
الخامسةُ: الشَّكُّ، وهُوَ إدراكُ الشيءِ معَ احتمالٍ مُسَاوٍ.
السادسةُ: الظَّنُّ، وهُوَ إدراكُ الشيءِ معَ احتمالِ ضِدٍّ مَرْجُوحٍ.
والعِلْمُ يَنْقَسِمُ إلى قِسْمَيْنِ: ضَرُورِيٍّ وَنَظَرِيٍّ.
فالضَّرُورِيُّ: ما يكونُ إدراكُ المعلومِ فيهِ ضَرُورِيًّا، بحيثُ يُضْطَرُّ إليهِ مِنْ غيرِ نَظَرٍ ولا استدلالٍ، كالعلمِ بأنَّ النَّارَ حارَّةٌ مثلاً.
والنَّظَرِيُّ: ما يَحْتَاجُ إلى نَظَرٍ واستدلالٍ، كالعِلْمِ بوجوبِ النِّيَّةِ في الوضوءِ.
(6) (رَحِمَكَ اللَّهُ) أَفَاضَ عليكَ منْ رَحْمَتِهِ التي تَحْصُلُ بها على مطلوبِكَ، وَتَنْجُو منْ مَحْذُورِكَ، فالمَعْنَى: غَفَرَ اللَّهُ لكَ ما مَضَى منْ ذُنُوبِكَ، وَوَفَّقَكَ وَعَصَمَكَ فيما يُسْتَقْبَلُ منها، هذا إذا أُفْرِدَتِ الرَّحْمَةُ.
أمَّا إذا قُرِنَتْ بالمغفرةِ؛ فالمغفرةُ لِمَا مَضَى من الذنوبِ، والرحمةُ التوفيقُ للخيرِ والسلامةِ من الذنوبِ في المستقبلِ.
وصَنِيعُ المُؤَلِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَدُلُّ على عِنَايَتِهِ وَشَفَقَتِهِ بالمُخَاطَبِ، وَقَصْدِ الخيرِ لهُ.
(7) هذهِ المسائلُ التي ذَكَرَهَا المُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى تَشْمَلُ الدينَ كُلَّهُ، فهيَ جديرةٌ بالعنايَةِ؛ لِعِظَمِ نَفْعِها.
(8) أيْ: مَعْرِفَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بالقلبِ مَعْرِفَةً تَسْتَلْزِمُ قَبُولَ ما شَرَعَهُ، والإذعانَ والانقيادَ لهُ، وَتَحْكِيمَ شَرِيعَتِهِ التي جَاءَ بها رسولُهُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَيَتَعَرَّفُ العبدُ على رَبِّهِ:
- بالنظرِ في الآياتِ الشرعيَّةِ في كتابِ اللَّهِ عَزَّ وجلَّ وسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
- والنَّظَرِ في الآياتِ الكونيَّةِ التي هيَ المخلوقاتُ؛ فإنَّ الإنسانَ كُلَّمَا نَظَرَ في تلكَ الآياتِ ازْدَادَ عِلْمًا بخالقِهِ ومعبودِهِ، قالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ}.
(9) أيْ: مَعْرِفَةُ رسولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المعرفةَ التي تَسْتَلْزِمُ قَبُولَ ما جاءَ بِهِ منَ الهُدَى وَدِينِ الحَقِّ، وَتَصْدِيقَهُ فيما أَخْبَرَ، وَامْتِثَالَ أَمْرِهِ فيما أَمَرَ، واجْتِنَابَ ما نَهَى عنهُ وَزَجَرَ، وتَحْكِيمَ شَرِيعَتِهِ، والرِّضَا بِحُكْمِهِ.
- قالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.
- وَقالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ}.
- وقالَ تَعَالَى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}.
- وقالَ عَزَّ وَجَلَّ: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
قالَ الإمامُ أحمدُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (أَتَدْرِي ما الفِتْنَةُ؟ الفِتْنَةُ: الشِّرْكُ، لَعَلَّهُ إذا رَدَّ بعضَ قولِهِ أنْ يَقَعَ في قلبِهِ شيءٌ من الزَّيْغِ؛ فَيَهْلَكَ ).
(10) قولُهُ (معرفةُ دينِ الإسلامِ)الإسلامُ بالمَعْنَى العامِّ هوَ: التَّعَبُّدُ لِلَّهِ بما شَرَعَ منذُ أنْ أَرْسَلَ اللَّهُ الرُّسُلَ إلى أنْ تَقُومَ الساعةُ، كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ذلكَ فِي آياتٍ كثيرةٍ تَدُلُّ على أنَّ الشرائعَ السابقةَ كُلَّهَا إسلامٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
قالَ اللَّهُ تَعَالَى عنْ إبراهيمَ: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ}.
والإسلامُ بالمعنى الخاصِّ بعدَ بَعْثَةِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْتَصُّ بما بُعِثَ بهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنَّ ما بُعِثَ بِهِ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسَخَ جميعَ الأديانِ السابقةِ، فَصَارَ مَنِ اتَّبَعَهُ مُسْلِمًا؛ ومَنْ خَالفَهُ ليسَ بمُسْلِم.
فَأَتْبَاعُ الرُّسُلِ مُسْلِمُونَ في زمنِ رُسُلِهِم، فاليهودُ مُسْلِمُونَ في زمنِ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والنَّصَارى مُسْلِمُونَ في زمنِ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأمَّا حينَ بُعِثَ النبيُّ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَفَروا بِهِ؛ فَلَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ.
وهذا الدينُ الإسلاميُّ هوَ الدينُ المقبولُ عندَ اللَّهِ النافعُ لصاحبِهِ، قالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ}، وقالَ: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}.
وهذا الإسلامُ هوَ الإسلامُ الَّذِي امْتَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا}.
(11) قَوْلُهُ: (بِالأَدِلَّةِ) جَمْعُ دليلٍ، وهُوَ ما يُرْشِدُ إلى المطلوبِ.
والأدلَّةُ على معرفةِ ذلكَ: سَمْعِيَّةٌ، وَعَقْلِيَّةٌ.
فالسَّمْعِيَّةُ: ما ثَبَتَ بالوحيِ، وهُوَ الكتابُ والسُّنَّةُ.
والعقليَّةُ: ما ثَبَتَ بالنظرِ والتأمُّلِ، وقدْ أَكْثَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ ذِكْرِ هذا النوعِ في كتابِهِ، فكَمْ منْ آيَةٍ قالَ اللَّهُ فيها: ومِنْ آياتِهِ كذا وكذا! وهَكَذَا يَكُونُ سياقُ الأدلَّةِ العقليَّةِ الدالَّةِ على اللَّهِ تَعَالَى.
وأمَّا معرفةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالأدلَّةِ السمعيَّةِ، فمثلُ قولِهِ تَعَالَى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ}، وقولِهِ: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ}.
وبالأدلَّةِ العقليَّةِ، بالنظرِ والتَّأَمُّلِ فيما أَتَى بِهِ من الآياتِ البَيِّنَاتِ؛ التي أَعْظَمُها كتابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ المُشْتَمِلُ على الأخبارِ الصادقةِ النافعةِ، والأحكامِ المُصْلِحَةِ العادلةِ، وَمَا جَرَى على يَدَيْهِ منْ خوارِقِ العاداتِ، وما أَخْبَرَ بِهِ منْ أُمُورِ الغيبِ التي لا تَصْدُرُ إِلاَّ عنْ وَحْيٍ، والتي صَدَّقَها ما وَقَعَ منْها.
(12) قولُهُ: (العملُ بِهِ) أي: العملُ بما تَقْتَضِيهِ هذهِ المعرفةُ من الإيمانِ باللَّهِ، والقيامِ بطاعتِهِ، بامتثالِ أَوَامِرِهِ، واجتنابِ نَوَاهِيهِ منَ العباداتِ الخاصَّةِ، والعباداتِ المُتَعَدِّيَةِ.
فالعباداتُ الخاصَّةُ مثلُ الصلاةِ والصومِ والحجِّ، والعباداتُ المُتَعَدِّيَةُ كالأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عنِ المنكرِ، والجهادِ فِي سبيلِ اللَّهِ، وما أَشْبَهَ ذلكَ.
والعملُ في الحقيقةِ هوَ ثَمَرَةُ العلمِ، فمَنْ عَمِلَ بلا عِلْمٍ فقدْ شَابَهَ النَّصارَى، ومَنْ عَلِمَ ولمْ يَعْمَلْ فقدْ شَابَهَ اليهودَ.
(13) أي: الدعوةُ إلى ما جاءَ بِهِ الرسولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منْ شريعةِ اللَّهِ تَعَالَى على مَرَاتِبِها الثلاثِ أو الأربعِ التي ذَكَرَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ في قَوْلِهِ:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}.
والرابعةُ: قولُهُ: {وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ}.
ولا بُدَّ لهذهِ الدعوةِ منْ عِلْمٍ بشريعةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ حتَّى تَكُونَ الدعوةُ عنْ عِلْمٍ وبَصِيرةٍ؛ لقولِهِ تَعَالَى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.
والبصيرةُ تكونُ فيما يَدْعُو إليهِ، بأنْ يكونَ الداعيَةُ عالِمًا بالحُكْمِ الشرعيِّ، وفي كيفيَّةِ الدعوةِ، وفي حالِ المَدْعُوِّ.
ومجالاتُ الدعوةِ كثيرةٌ:
منها: الدعوةُ إلى اللَّهِ تَعَالَى بِالْخَطَابَةِ وإلقاءِ المحاضراتِ.

ومنها: الدعوةُ إلى اللَّهِ بالمقالاتِ.
ومنها:الدعوةُ إلى اللَّهِ بِحَلَقَاتِ العلم.
ومنها: الدعوةُ إلى اللَّهِ بالتأليفِ ونَشْرِ الدينِ عنْ طريقِ التأليفِ.
ومنها: الدعوةُ إلى اللَّهِ في المجالسِ الخاصَّةِ.
فإذا جَلَسَ الإنسانُ في مجلسٍ في دعوةٍ مثلاً فهذا مجالٌ للدعوةِ إلى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، ولكنْ يَنْبَغِي أنْ تكونَ على وَجْهٍ لا مَلَلَ فيهِ ولا إِثْقَالَ، وَيَحْصُلُ هذا بأنْ يَعْرِضَ الداعيَةُ مسألةً عِلْمِيَّةً على الجالسِينَ، ثُمَّ تَبْتَدِئُ المُنَاقَشَةُ.
ومعلومٌ أنَّ المناقشةَ والسؤالَ والجوابَ لهُ دَوْرٌ كبيرٌ في فَهْمِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ على رسولِهِ وتَفْهِيمِهِ، وقدْ يَكُونُ أَكْثَرَ فَاعِلِيَّةً منْ إلقاءِ خُطْبَةٍ أوْ محاضرةٍ إلقاءً مُرْسَلاً كما هُوَ معلومٌ.
والدعوةُ إلى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ هيَ وظيفةُ الرُّسُلِ عليهِم الصلاةُ والسلامُ، وطريقةُ مَنْ تَبِعَهُمْ بإحسان.
فإذا عَرَفَ الإنسانُ مَعْبُودَهُ وَنَبِيَّهُ ودينَهُ، ومَنَّ اللَّهُ عليهِ بالتوفيقِ لذلكَ؛ فإنَّ عليهِ السَّعْيَ في إنقاذِ إخوانِهِ بدعوتِهِم إلى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلْيُبْشِرْ بالخيرِ؛ قالَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيِّ بنِ أبي طالبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يومَ خَيْبَرَ: ((انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ، فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ)) مُتَّفَقٌ على صِحَّتِهِ.
وَيَقُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ: ((مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلاَلَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا)).
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما رَوَاهُ مُسْلِمٌ أيضًا: ((مَنْ دَلَّ عَلى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ)).
(14) الصبرُ: حَبْسُ النفسِ على طاعةِ اللَّهِ، وَحَبْسُها عنْ معصيَةِ اللَّهِ، وَحَبْسُهَا عنِ التَّسَخُّطِ منْ أقدارِ اللَّهِ، فَيَحْبِسُ النفسَ عنِ التَّسَخُّطِ والتَّضَجُّرِ والمَلَلِ، وَيَكُونُ دَائمًا نَشِيطًا في الدعوةِ إلى دينِ اللَّهِ وإنْ أُوذِيَ؛ لأنَّ أَذِيَّةَ الداعِينَ إلى الخيرِ منْ طبيعةِ البشرِ، إِلاَّ مَنْ هَدَى اللَّهُ، قالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا}.
وَكُلَّمَا قَوِيَت الأَذِيَّةُ قَرُبَ النَّصْرُ، وليسَ النصرُ مُخْتَصًّا بأنْ يُنْصَرَ الإنسانُ في حياتِهِ، وَيَرَى أَثَرَ دَعْوَتِهِ قدْ تَحَقَّقَ، بل النصرُ يَكُونُ - ولوْ بَعْدَ مَوْتِهِ - بأنْ يَجْعَلَ اللَّهُ في قلوبِ الخلقِ قَبُولاً لِمَا دَعَا إليهِ، وَأَخْذًا بِهِ، وَتَمَسُّكًا بِهِ؛ فإنَّ هذا يُعْتَبَرُ نَصْرًا لِهَذَا الداعِيَةِ وإنْ كانَ مَيِّتًا.
فَعَلَى الداعِيَةِ أنْ يَكُونَ صَابِرًا على دَعْوَتِهِ مُسْتَمِرًّا فيها، صابرًا على ما يَدْعُو إليهِ منْ دينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، صَابِرًا على ما يَعْتَرِضُ دَعْوَتَهُ، صَابِرًا على ما يَعْتَرِضُهُ هوَ منَ الأَذَى، وَهَا هُم الرُّسُلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وسلامُهُ عليهِم أُوذُوا بالقولِ وبالفعلِ، قالَ اللَّهُ تَعَالَى: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ}، وقالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ}.
ولكنْ على الداعِيَةِ أنْ يُقَابِلَ ذلكَ بالصبرِ، وانْظُرْ إلى قولِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لرسولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلاً}.
كانَ منَ المُنْتَظَرِ أنْ يُقَالَ: فَاشْكُرْ نِعْمَةَ رَبِّكَ، وَلَكِنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قالَ: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ كُلَّ مَنْ قامَ بهذا القرآنِ؛ فلا بُدَّ أنْ يَنَالَهُ ما يَنَالُهُ مِمَّا يَحْتَاجُ إلى صَبْرٍ، وَانْظُرْ إلى حالِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ، وهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي؛ فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ)).
فعلى الداعِيَةِ أنْ يكونَ صابرًا مُحْتَسِبًا.
والصبرُ ثلاثةُ أقسامٍ:
1 - صبرٌ على طاعةِ اللَّهِ.
2 - صبرٌ عنْ مَحَارِمِ اللَّهِ.
3 - وصبرٌ على أقدارِ اللَّه التي يُجْرِيهَا؛ إمَّا مِمَّا لا كَسْبَ للْعِبَادِ فيهِ، وَإِمَّا مِمَّا يُجْرِيهِ اللَّهُ على أَيْدِي بعضِ العِبَادِ منَ الإيذاءِ والاعتداءِ.
(15) قولُهُ: (والدليلُ) أيْ: على هذهِ المراتبِ الأربعِ، قولُهُ تَعَالَى:{وَالْعَصْرِ}.
أَقْسَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ في هذهِ السورةِ بالعصرِ الَّذِي هوَ الدَّهْرُ، وهُوَ مَحَلُّ الحوادثِ منْ خيرٍ وشرٍّ، فَأَقْسَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ على أنَّ الإنسانَ؛ كُلَّ الإنسانِ، في خُسْرٍ، إلاَّ مَن اتَّصَفَ بهذهِ الصفاتِ الأربعِ: الإيمانِ، والعملِ الصالحِ، والتَّوَاصِي بالحقِّ، والتَّوَاصِي بالصبرِ.
قالَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (جِهَادُ النَّفْسِ أربعُ مَرَاتِبَ:
إِحْدُاهَا: أنْ يُجَاهِدَهَا على تَعَلُّمِ الهُدَى وَدِينِ الحَقِّ؛ الَّذِي لاَ فَلاَحَ لها، ولا سَعَادَةَ في مَعَاشِهَا ومَعَادِهَا إلاَّ بِهِ.
الثانيَةُ: أنْ يُجَاهِدَهَا على العملِ بِهِ بعدَ عِلْمِهِ.
الثالثةُ: أنْ يُجَاهِدَهَا على الدعوةِ إليهِ، وَتَعْلِيمِهِ مَنْ لا يَعْلَمُهُ.
الرابعةُ: أنْ يُجَاهِدَهَا على الصبرِ على مَشَاقِّ الدعوةِ إلى اللَّهِ،وأَذَى الخلقِ،وَيَتَحَمَّلَ ذلكَ كُلَّهُ لِلَّهِ، فإذا اسْتَكْمَلَ هذهِ المراتبَ الأربعَ صَارَ منَ الرَّبَّانِيِّينَ).
فاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَقْسَمَ في هذهِ السورةِ بالعصرِ على أنَّ كلَّ إنسانٍ فهوَ في خَيْبَةٍ وَخُسْرٍ مَهْمَا كَثُرَ مالُهُ وَوَلدُهُ، وعَظُمَ قَدْرُهُ وشَرَفُهُ، إلاَّ مَنْ جَمَعَ هذهِ الأوصافَ الأربعةَ:
أحدُهَا: الإيمانُ، وَيَشْمَلُ كلَّ ما يُقَرِّبُ إلى اللَّهِ تَعَالَى؛ منِ اعتقادٍ صحيحٍ وعلمٍ نافعٍ.
الثاني: العملُ الصالحُ، وهُوَ كلُّ قولٍ أوْ فعلٍ يُقَرِّبُ إلى اللَّهِ، بأنْ يكونَ فاعِلُهُ لِلَّهِ مُخْلِصًا، وَلِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَّبِعًا.
الثالثُ: التَّوَاصِي بالحقِّ، هُوَ التواصِي على فِعْلِ الخيرِ، والحَثُّ عليهِ، والترغيبُ فيهِ.
الرابعُ: التَّوَاصِي بالصبرِ، وبأنْ يُوصِيَ بَعْضُهُم بعضًا بالصبرِ على فعلِ أوامرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَرْكِ مَحَارِمِ اللَّهِ، وَتَحَمُّلِ أقدارِ اللَّهِ.
والتواصي بالحقِّ والتواصي بالصبرِ يَتَضَمَّنَانِ الأمرَ بالمعروفِ والنَّهْيَ عن المُنْكَرِ؛
اللذَيْنِ بِهِمَا قِوَامُ الأُمَّةِ وَصَلاَحُها وَنَصْرُها، وحصولُ الشرفِ والفضيلةِ لها، {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}.
(16) الشافِعِيُّ: هوَ أبو عبدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بنُ إدريسَ بنِ العَبَّاسِ بنِ عُثْمَانَ بنِ شافعٍ الهَاشِمِيُّ القُرَشِيُّ، وُلِدَ فِي غَزَّةَ سَنَةَ 150هـ، وتُوُفِّيَ بِمِصْرَ سنةَ 204هـ، هُوَ أَحَدُ الأَئِمَّةِ الأربعةِ، على الجميعِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى.
(17) مُرَادُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ هذهِ السورةَ كَافِيَةٌ للخلقِ في الحَثِّ على التَّمَسُّكِ بدينِ اللَّهِ؛ بالإيمانِ، والعملِ الصالحِ، والدعوةِ إلى اللَّهِ، والصبرِ على ذلكَ.
وليسَ مُرَادُهُ أنَّ هذهِ السورةَ كَافِيَةٌ للخَلْقِ في جميعِ الشريعةِ.
وقولُهُ: (لَوْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ إلاَّ هَذِهِ السُّورَةَ لَكَفَتْهُمْ)؛ لأنَّ العاقلَ البصيرَ إذا سَمِعَ هذهِ السورةَ أوْ قَرَأَها فلا بُدَّ أنْ يَسْعَى إلى تَخْلِيصِ نَفْسِهِ منَ الخُسْرَانِ، وذلكَ باتِّصَافِهِ بهذهِ الصفاتِ الأربعِ: الإيمانُ، والعملُ الصالحُ، والتواصِي بالحقِّ، والتواصِي بالصبرِ.
(18) البُخَارِيُّ: هوَ أبو عبدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بنُ إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ بنِ المُغِيرَةِ البخاريُّ.
وُلِدَ بِبُخَارَى في شَوَّالٍ سنةَ أربعٍ وتسعينَ ومائةٍ، وَنَشَأَ يَتِيمًا في حِجْرِ وَالِدَتِهِ، وَتُوُفِّيَ رَحِمَهُ اللَّهُ في خَرْتَنْكَ؛ بَلْدَةٌ على فَرْسَخَيْنِ منْ سَمَرْقَنْدَ، ليلةَ عيدِ الفطرِ سَنَةَ سِتٍّ وخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ.
(19) اسْتَدَلَّ البخاريُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بهذِهِ الآيَةِ على وجوبِ البَدَاءَةِ بالعلمِ قبلَ القولِ والعملِ، وهذا دليلٌ أَثَرِيٌّ يَدُلُّ على أنَّ الإنسانَ يَعْلَمُ أَوَّلاً، ثُمَّ يَعْمَلُ ثانيًا.
وهناكَ دليلٌ عَقْلِيٌّ نَظَرِيٌّ يَدُلُّ على أنَّ العلمَ قبلَ القولِ والعملِ؛ وذلكَ لأنَّ القولَ أو العملَ لا يكونُ صَحِيحًا مَقْبُولاً حتَّى يكونَ على وَفْقِ الشريعةِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَعْلَمَ الإنسانُ أنَّ عَمَلَهُ على وَفْقِ الشريعةِ إلاَّ بالعلمِ، ولكنْ هناكَ أشياءُ يَعْلَمُهَا الإنسانُ بِفِطْرَتِهِ، كالعلمِ بأنَّ اللَّهَ إلهٌ واحدٌ؛ فإنَّ هذا قدْ فُطِرَ عليهِ العَبْدُ؛ ولهذا لا يَحْتَاجُ إلى عَنَاءٍ كبيرٍ في التَّعَلُّمِ.
أمَّا المسائلُ الجُزْئِيَّةُ المُنْتَشِرَةُ فَهِيَ التي تَحْتَاجُ إلى تَعَلُّمٍ وَتَكْرِيسِ جهودٍ.


  #4  
قديم 4 ذو القعدة 1429هـ/2-11-2008م, 09:59 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 13,147
افتراضي حاشية ثلاثة الأصول للشيخ: عبد الرحمن بن محمد ابن قاسم

المتن :
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم(1)
اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ(2) أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا تَعَلُّمُ أرْبَعِ مَسَائِلَ(3):
الأُولى: العِلْمُ(4): وَهُوَ مَعْرِفَةُ اللهِ(5) وَمَعْرِفَةُ نَبِيِّهِ(6) وَمَعْرِفَةُ دِينِ الإِسْلاَمِ بالأَدِلَّةِ
(7).
الثَّانِيَةُ: العَمَلُ بِهِ(8).
الثَّالِثَةُ: الدَّعْوَةُ إلَيْهِ(9).
الرَّابِعَةُ: الصَّبْرُ عَلَى الأَذَى فِيهِ(10).
والدَّلِيلُ قَولُه تَعَالَى: بسم اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ {وَالعَصْرِ (11)(1) إنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ(12)(2) إلاَّ الَّذينَ آمَنُوا(13) وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ(14) وَتَواصَوا بِالحَقِّ(15) وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(16)}[العصر:1-3]
قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ الله تَعَالى-(17): (هَذِهِ السُّورَةُ لَو مَا أَنْزَلَ اللهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ إلاَّ هِيَ لَكَفَتْهُمْ)(18).
وَقَالَ البُخَارِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى-(19): (بَابٌ: العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ والعَمَلِ
(20)، والدَّليلُ قَوْلُهُ تَعَالى:{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِك}(21)[محمد:19]، فَبَدَأَ بِالعِلْمِ قَبْلَ القَولِ وَالعَمَلِ)(22).



الحاشية:
(1) ابْتَدَأَ المُصَنِّفُ رحِمَه اللَّهُ كِتابَه بالبَسْمَلَةِ، اقْتِدَاءً بالكتابِ العزيزِ، وتَأَسِّيًا بالنَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مُكَاتَبَاتِهِ ومُراسَلاتِه، وَعَمَلاً بحديثِ: ((كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ)) أيْ: حالٍ وشأنٍ يُهْتَمُّ بِهِ شَرْعًا: ((لا يُبْدأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فَهُوَ أَقْطَعُ)) وفي روايةٍ: ((أَجْذَمُ))، وفي روايةٍ: ((أَبْتَرُ)) والمعْنَى مِن جميعِ الرواياتِ: أنَّه ناقِصُ البَرَكَةِ.
والبَدَاءَةُ بها للتَّبَرُّكِ والاسْتِعَانَةِ على ما يُهْتَمُّ بِهِ.
واقْتَصَرَ على البَسْمَلَةِ؛ لأنَّها مِن أبْلَغِ الثناءِ والذِّكْرِ، وللْخَبَرِ.

(2) (اعْلَمْ) فِعْلُ أَمْرٍ، مِن العِلْمِ، وهو: حُكْمُ الذِّهْنِ الجازِمُ، المُطَابِقُ للواقِعِ؛ أيْ: كُنْ مُتَهَيِّئًا، ومُتَفَهِّمًا لما يُلْقَى إِليك مِن العلومِ، وكَلِمَةٌ يُؤْتَى بِهَا عندَ ذِكْرِ الأشياءِ المُهِمَّةِ، الَّتي يَنْبَغِي للْمُتَعَلِّمِ أنْ يُصْغِيَ إلى مَا يُلْقَى إليه مِنها.
وما قَرَّرَه المصنِّفُ هنا مِن أُصولِ الدينِ، حَقِيقٌ بأنْ يُهْتَمَّ بِهِ غايةَ الاهْتِمَامِ، ويُعْتَنَى بِهِ أَشَدَّ الاعْتِنَاءِ، ويُصْغَى إليه حَقِيقَةَ الإِصغاءِ.
وَ(رَحِمَكَ اللَّهُ) دعاءٌ لَكَ بالرَّحْمَةِ، أيْ: غَفَرَ اللَّهُ لك ما مَضَى، ووَفَّقَكَ وعَصَمَك فيما يُسْتَقْبَلُ.
وإذا قُرِنَت الرحْمَةُ بالمَغْفِرَةِ، فالمغفِرَةُ لمَا مَضَى، والرحمةُ سُؤالُ السلامَةِ مِن ضَرَرِ الذُّنوبِ وشرِّها في المسْتَقبلِ وكثيرًا مَا يَجْمَعُ رحِمَه اللَّهُ عندَما يُرْشِدُ الطالبَ بتقريرِ الأصولِ المهمَّةِ بينَها وبينَ الدعاءِ لَه، وهذا مِن حُسْنِ عِنايتِه ونُصْحِهِ وقَصْدِه الخيرَ للمُسْلِمِين.
(3) أيْ: يَلْزَمُ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفرادِ المُكَلَّفِين، ذَكَرًا كانَ أو أُنْثَى، حُرًّا أو عبْدًا، (تَعَلُّمُ أرْبَعِ مسائِلَ) جَمْعُ مسأَلَةٍ، مِن السُّؤالِ، وهو: ما يُبَرْهَنُ عنه في العِلْمِ.
والواجِبُ لا يُعْذَرُ أَحَدٌ بتَرْكِه؛ وعندَ الأُصُولِيِّين: ما يُثَابُ فاعِلُه، ويُعَاقَبُ تارِكُه.
فيجِبُ على كُلِّ فَرْدٍ مِنَّا: العِلْمُ بهذه الأربَعِ المسائِلِ.
(4) وهو: مَعْرِفَةُ الهُدَى بدليلِه، والعِلمُ إذا أُطْلِقَ، فالمرادُ بِهِ: العِلْمُ الشَّرْعِيُّ، الذي تُفِيدُ مَعْرِفَتُه ما يَجِبُ على المُكَلَّفِ مِن أَمْرِ دِينِه.
والعِلْمُ الشَّرْعِيُّ: على قِسْمَيْن، فرضُ عَيْنٍ، وفرضُ كِفَايةٍ.
وما ذَكَرَ رحِمَه اللَّهُ، فهو فَرْضُ عَيْنٍ على الذَّكَرِ والأُنْثَى، والحُرِّ والعبدِ، لا يُعْذَرُ أحَدٌ بالجهْلِ بِهِ.
وفي الحديثِ عَن أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:((طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ)) وقالَ أَحْمَدُ: (يَجِبُ أنْ يَطْلُبَ مِن العِلْمِ ما يَقُومُ بِه دينُه) قيلَ لَه: مِثْلَ أيِّ شَيءٍِ؟ قالَ: (الذي لا يَسَعُه جَهْلُه؛ صَلاَتُه وصِيامُه، ونحوُ ذلك).
وقالَ المُصنِّفُ رحِمَه اللَّهُ: (اعْلَمْ رَحِمَك اللَّهُ أنَّ طَلَبَ العِلْمِ فَريضَةٌ، وأنَّه شِفَاءٌ للقلوبِ المريضَةِ، وأنَّ أَهمَّ ما على العبْدِ مَعْرِفَةُ دينِه، الذي معْرِفَتُه والعَمَلُ بِه سببٌ لدخولِ الجنَّةِ، والجهْلُ بِه وإضاعتُه سببٌ لدخولِ النارِ، أعَاذَنَا اللَّهُ مِنها). اهـ.
فمَا كانَ واجِبًا على الإنسانِ العملُ بِه:

- كأصولِ الإيمانِ.
- وشرائِعِ الإِسلامِ.
- وما يَجِبُ اجْتِنَابُه مِن المحرَّمَات.
- وما يُحْتَاجُ إليه في المُعَامَلاتِ.
ونحوِ ذلك ممَّا لا يَتِمُّ الواجِبُ إلاَّ بِه فهو واجِبٌ عليه العِلْمُ بِهِ، بِخِلافِ القَدْرِ الزائِدِ على ما يَحْتَاجُ إليه المُعيَّنُ، فإنَّه مِن فروضِ الكِفَاياتِ التي إذا قَامَ بها مَن يَكْفِي سَقَطَ الإِثْمُ عن الباقِين.
ثُمَّ إنَّ طلَبَ العلمِ فيمَا هو فَرْضُ كِفايةٍ أفْضَلُ مِن قيامِ اللَّيلِ وصِيامِ النَّهارِ والصَّدَقَةِ بالذَّهَبِ والفِضَّةِ.
قالَ أحمَدُ: (تَعَلُّمُ العِلْمِ وتَعْلِيمُه أَفْضَلُ مِن الجِهَادِ وغيرِه ممَّا يُتَطَوَّعُ بِهِ). اهـ.
فإنَّ العِلْمَ: هو الأصْلُ والأساسُ، وأعْظَمُ العباداتِ، وآكدُ فروضِ الكِفاياتِ، بلْ بِهِ حياةُ الإِسلامِ والمسْلِمين.
والتطَوُّعاتُ: إنَّمَا هي شيءٌ مُخْتَصٌّ بصاحِبِه، لا يَتَعَدَّى إلى غيرِه.
وهو الميراثُ النَّبَوِيُّ ونورُ القلوبِ، وأهلُه هُم: أهلُ اللَّهِ وحِزْبُه، وأَوْلَى النَّاسِ بِهِ، وأقْرَبُهُم إليه، وأخشاهُم لَه، وأرْفَعُهُم دَرَجَاتٍ.
(5) أيْ: بما تَعَرَّفَ بِهِ إلينَا في كتابِه وسنَّةِ رسولِه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِن أسمائِه وصفاتِه وأفعالِه، ولا يكونُ الإنسانُ على حقيقةٍ من دينِهِ إلاَّ بعدَ العلمِ باللَّهِ سُبْحانَه وتعالَى.
(6) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنَّه الواسِطَةُ بيْنَنَا وبينَ اللَّهِ في تبليغِ رسالةِ اللَّهِ، ومَعْرِفتُه فرضٌ على كُلِّ مُكَلَّفٍ، وأحدُ مَهَمَّاتِ الدينِ.
والنبيُّ: رجلٌ أُوحِي إليه بشَرْعٍ، ولم يُؤْمَرْ بتَبْلِيغِه، فإنْ أُمِرَ بِهِ فرسولٌ.
(7) أيْ: مَعْرِفَةُ دينِ الإسلامِ الذي تَعَبَّدَ اللَّهُ الخلْقَ بِهِ بالأدلَّةِ من الكتابِ والسُّنَّةِ.
(والأدلَّةُ) جمْعُ دليلٍ، والدليلُ هو: ما يُوصِلُ إلى المطلوبِ.
وفيه إشارةٌ إلى أنَّه لا يَصْلُحُ فيه التقليدُ، بل إذا لَقِيَ اللَّهَ، فإذا مَعَه حُجَجُ اللَّهِ وبراهينُه، وهذا المِقْدَارُ من العِلْمِ يَجِبُ تعلُّمُه، بلْ كيف يَعْمَلُ المرءُ بشيءٍ وهو لا يَعْرِفُه، وجَهْلُ الإنسانِ حقيقَةَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِن أَعْظَمِ الإِثْمِ.
والعملُ بِغَيرِ علمٍ طريقُ النَّصارَى، والعِلْمُ بلا عَمَلٍ طريقُ اليهودِ.
وقَدْ أَمَرَنا اللَّهُ أنْ نَسْأَلَه في كُلِّ رَكْعَةٍ أنْ يَهْدِيَنا الصِّراطَ المستقيمَ، وهو طريقُ الَّذِين أنْعَمَ اللَّهُ عليهِم، من النبيِّين والصِّدِّيقِين والشهداءِ والصالِحِين، غَيْرِ الْمَغْضوبِ عليهِم ولا الضالِّين.
(8) فالعملُ هو: ثَمَرَةُ العِلْمِ، والعلمُ مقصودٌ لغيرِه بمنْزِلَةِ الشَّجَرَةِ، والعملُ بمنزلةِ الثمَرَةِ، فلا بُدَّ معَ العلمِ بدينِ الإسلامِ مِن العَمَلِ بِهِ، فإنَّ الذي مَعَه علمٌ ولا يَعْمَلُ بِه، شرٌّ مِن الجاهِلِ، وفي الحديثِ: ((أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا، عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ))؛ وهو أحدُ الثلاثةِ الَّذِين أخبَرَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّهم: أوَّلُ مَن تُسَعَّرُ بِهِم النارُ يومَ القيامةِ.

وقدْ قيلَ: وعَـالِمٌ بِعِلْمِـهِ لَمْ يَعْمَـلَنْ = مُعَذَّبٌ مِن قَبْلِ عُبَّـادِ الْوَثَنْ

(9) فَإِذا حَصَلَ لَه بتوفيقِ اللَّهِ العِلْمُ بدينِ الإسلامِ، والعملُ بِهِ، فيَجِبُ عليه السعيُ في الدعوةِ إليه، كمَا هي طريقَةُ الرُّسلِ وأتباعِهِم.
وأعلَى مَراتِبِ العِلْمِ: الدعوةُ إلى الحقِّ، وسبيلِ الرشادِ، ونفيُ الشِّرْكِ والفسادِ، فإنَّه مَا مِن نبيٍّ يُبْعَثُ إلى قومِه، إلاَّ ويَدْعُوهم إلى طاعَةِ اللَّهِ، وإفْرَادِه بالعِبَادةِ، وَيَنْهَاهُم عن الشِّرْكِ ووسائِلِه وذرَائِعِه، ويبدأُ بالأهَمِّ فالأهمِّ بَعْدَ ذَلِكَ مِن شرائِعِ الإسْلامِ.
(10) لأنَّ مَن قامَ بدينِ الإسلامِ، ودَعَا النَّاسَ إليه، فقَدْ تَحَمَّلَ أَمرًا عظيمًا، وقامَ مقامَ الرُّسلِ في الدَّعْوَةِ، وقَصَدَ أن يَحُولَ بينَ النَّاسِ وبينَ شَهَواتِهِم وأهوائِهِم، واعْتِقاداتِهِم الباطِلَةِ، فحينَئِذٍ لا بدَّ أنْ يُؤْذُوه، فَعَلَيه أن يَصْبِرَ ويَحْتَسِبَ، وهذه الأربعُ أَوْجَبُ الواجِبَاتِ.
(11) أقسَمَ تَعَالَى بالعَصْرِ، وهو الدَّهْرُ الذي هو زَمَنُ تَحصيلِ الأرباحِ والأعمالِ الصالِحَةِ للمُؤْمنين، وزمنُ الشَّقَاءِ للمُعْرِضِين، ولمَا فيه مِن العِبَرِ والعجَائِبِ للناظِرِين.
(12) أيْ: جِنْسُ الإنسانِ مِن حيثُ هو إنسانٌ في خَسَارٍ في مَسْعَاه ولا بدَّ، إلاَّ مَن اسْتَثْنَى اللَّهُ في هذه السُّورَةِ، وهو مَن قَامَ بهذه الخِصَالِ: الإيمانُ باللَّهِ والعمَلُ الصالحُ في نفْسِه، وأمَرَ غَيْرَه بِهِ، والصَّبْرُ على ما نالَه مِنه.
(13) اسْتَثْنَى سُبحانَه الَّذِين آمَنُوا، فإنَّهم ليسوا في خُسْرٍ، ففيه ما يُوجِبُ الجِدَّ والاجْتِهَادَ في معرِفَةِ الإيمانِ والتِزامِه، وفيه العِلْمُ، فإنَّه لا يُمْكِنُ العَمَلُ بدونِ عِلْمٍ، وفيه حياةُ الإنسانِ.
(14) أيْ: ليسُوا في خُسْرٍ، بلْ فازوا ورَبِحُوا؛ لأنَّهم اشْتَرَوا الآخِرَةَ الباقِيةَ بالدُّنيا الفانِيةِ. وفيه: الحَضُّ على العِلْمِ، فإنَّ العامِلَ بغيرِ عِلْمٍ، ليس مِن عَمَلِه على طائِلٍ. وفيه العملُ، وهو ثمرةُ العِلْمِ.
(15) أوْصَى بعضُهم بَعْضًا بالإيمانِ باللَّهِ وتوحيدِه، وبالكتابِ والسنَّةِ، والعَمَلِ بما فيها، وفيه الدعوةُ إليه.
(16) أيْ: على أداءِ الفرائِضِ، وإقامَةِ أمْرِ اللَّهِ وحُدودِه، ويَدْخُلُ فيه الحقُّ الواجِبُ والمُسْتَحَبُّ، وفيه الصَّبْرُ على الأَذَى فيه، فإنَّ مَن قَامَ بالدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ فلا بدَّ أنْ يَحْصُلَ لَه مِن الأذَى بِحَسَبِ ما قَامَ بِه.
وفي هذه السُّورةِ الكريمةِ: التنبيهُ على أنَّ جِنْسَ الإنسانِ كلَّه في خَسَارٍ إلاَّ مَن اسْتَثْنَى اللَّهُ، وهو مَن كمَّلَ قُوَّتَه العِلْمِيَّةَ بالإيمانِ باللَّهِ، وقوَّتَه العَمَلِيَّةَ بالطاعاتِ، فهذا كَمَالُه في نَفْسِهِ، ثمَّ كمَّل غيرَه بِوَصِيَّتِه له بذلك، وأمْرِهِ بِهِ وبِمِلاكِ ذلك وهو الصبْرُ، وهذا غايَةُ الكَمَالِ، ومَعْنَى ذلك في القرآنِ كثيرٌ.
وقالَ ابنُ القَيِّمِ: (جِهادُ النَّفْسِ أَرْبَعُ مَراتِبَ:
أحدُها: أنْ يُجَاهِدَها على تَعَلُّمِ الْهُدَى ودينِ الحقِّ، الذي لا فَلاَحَ لها ولا سَعَادَةَ في مَعَاشِها ومَعادِها إلاَّ به، ومَتَى فَاتَها عِلْمُه شَقِيت في الدَّاريْن.
الثانيةُ: أنْ يُجَاهِدَها على العمَلِ بِهِ بعدَ عِلْمِهِ، وإلاَّ فَمُجَرَّدُ العِلْمِ بلا عَمَلٍ، إنْ لَم يَضُرَّها لم يَنْفَعْهَا.
الثالثةُ: أنْ يُجَاهِدَها على الدعوةِ إليه، وتعليمِه مَن لا يَعْلَمُه، وإلاَّ كانَ مِن الَّذِين يَكْتُمون ما أنْزَلَ اللَّهُ مِن الهدَى والبيناتِ، ولا يَنْفَعُه عِلْمُه، ولا يُنَجِّيه مِن عذابِ اللَّهِ.
الرابِعَةُ: أنْ يُجَاهِدَها على الصبرِ على مَشَاقِّ الدعوةِ إلى اللَّهِ وأذَى الخَلْقِ، ويَتَحَمَّلُ ذلك كلَّه للَّهِ، فإذا اسْتَكْمَلَ هذه المراتِبَ الأربَعَ، صار مِن الرَّبَّانِيِّين، فإنَّ السَّلَفَ مُجْمِعُون على أنَّ العالِمَ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُسَمَّى رَبَّانيًّا، حتَّى يَعْرِفَ الحقَّ ويَعْمَلَ به ويُعَلِّمَه، فَمَن عَلِمَ وعَمِلَ وعلَّمَ، فذلك يُدْعَى عَظِيمًا في مَلَكُوتِ السماءِ).
(17) هو: مُحَمَّدُ بنُ إِدْريسَ القُرَشِيُّ، الإمامُ الشَّهيرُ، المُتَوَفَّى سَنَةَ أَرْبَعٍ ومِائَتَيْن رَحِمَه اللَّهُ تَعالى.
(18) لِعِظَمِ شَأْنِها، مع غايةِ اخْتِصارِها، لو فكَّرَ النَّاسُ فيها لَكَفَتْهُم، لجَمْعِها للخيرِ بِحَذَافِيرِه، فإنَّها دلَّت على العِلْمِ والعَمَلِ، والدعوةِ إلى الحقِّ والصبْرِ على الأَذَى فيه، فتَضَمَّنَت جميعَ مَراتِبِ الكمالِ الإنسانيِّ، فهي حقيقةٌ بأنْ يقالَ فيها ما قالَه هذا الإمَامُ الجليلُ.
وقالَ شيخُ الإسلامِ: (هو كما قالَ، فإنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أنَّ جَميعَ النَّاسِ خاسِرونَ إلاَّ مَن كانَ في نَفْسِهِ مُؤْمِنًا صالِحًا، ومعَ غيرِه مُوصِيًا بالحقِّ مُوصِيًا بالصبْرِ).
(19) هو: مُحَمَّدُ بنُ إسماعيلَ، جَبَلُ الحِفْظِ، صاحِبُ الصحيحِ الذي هو أصَحُّ الكُتُبِ بعدَ كِتابِ اللَّهِ، الْمُتَوَفَّى: سَنَةَ مِائتَيْن وسِتٍّ وخمسين، رَحِمَه اللَّهُ.
(20) تَرْجَمَ رحِمَه اللَّهُ بالبَدَاءَةِ بالعِلْمِ؛ لأنَّ تَعَلُّمَ العِلْمِ الفرضِ مُقَدَّمٌ على القولِ والعَمَلِ، وذلك أنَّ قولَ المرءِ وعَمَلَه، لا يَصِحُّ إلاَّ إذا صدَرَ عن علمٍ، وفي الحديثِ: ((مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ)).
وقد قيلَ:

وَكُلُّ مَن بِغَيْرِ عِلْمٍ يَعْمَلُ = أَعْمَـالُه مَرْدُودَةٌ لا تُقْبَلُ

وهل تُمْكِنُ عبادةُ اللَّهِ التي هي حقُّه على خلْقِهِ وخَلَقَهم لها إلاَّ بالعِلْمِ؟.
(21) استدَلَّ المصنِّفُ رَحِمَه اللَّهُ بهذه الآيةِ الكريمةِ، على وجوبِ البداءَةِ بالعِلْمِ قبْلَ القولِ والعمَلِ، كما اسْتَدَلَّ بها البُخَاريُّ رَحِمَه اللَّهُ على صِحَّةِ ما تَرْجَمَ بِه، وذلك: أنَّ اللَّهَ تعالى أمَرَ نَبِيَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأمريْنِ، بالعِلْمِ ثمَّ العَمَلِ، والمبدوءُ به العلمُ في قولِه: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ} ثمَّ أعْقَبَه بالعملِ في قولِه: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} فدلَّ على أنَّ مَرْتَبَةَ العلمِ مُقَدَّمَةٌ على مرتَبَةِ العَمَلِ، وأنَّ العِلْمَ: شَرْطٌ في صحَّةِ القولِ والعملِ، فلا يُعْتَبَران إلاَّ به، فهو مقدَّمٌ عليهما؛ لأنَّه مصحِّحُ النيَّةِ المصحِّحَةِ للعملِ.
(22) حيثُ قالَ: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إلاَّ اللَّهُ} ثمَّ قالَ: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} ولا يُبْدَأُ إلاَّ بالأهمِّ فالأهمِّ، وقالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ)).


  #5  
قديم 4 ذو القعدة 1429هـ/2-11-2008م, 10:02 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 13,147
افتراضي حصول المأمول لفضيلة الشيخ: عبد الله بن صالح الفوزان

مُقَدِّمَةٌ
إنَّ الحمدَ للهِ، نَحمَدُهُ ونَستعينُهُ ونَستغفِرُهُ، ونَعوذُ باللهِ مِنْ شُرورِ أَنْفُسِنا، ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هادِيَ لهُ، وأَشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لهُ، وأَشْهَدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، صَلَّى اللهُ عليهِ وعلَى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ.
أمَّا بعدُ: فإنَّ رسالةَ (ثلاثةِ الأصولِ وأَدِلَّتِها) للشيخِ الْمُجَدِّدِ مُحمَّدِ بنِ عبدِ الوهَّابِ رَحِمَهُ اللهُ، رِسالةٌ مُوجَزَةٌ جَامِعةٌ في مَوضوعِ تَوحيدِ الرُّبوبيَّةِ والأُلوهيَّةِ، والوَلاءِ والْبَرَاءِ، وغيرِ ذلكَ مِن المسائلِ المتعلِّقةِ بعِلْمِ التوحيدِ، الذي هوَ مِنْ أَشْرَفِ العلومِ وأَجَلِّها قَدْرًا.
كَتَبَها الشيخُ رَحِمَهُ اللهُ مَقرونةً بالدليلِ بأسلوبٍ سهْلٍ مُيَسَّرٍ لكلِّ قارئٍ؛ فأَقْبَلَ الناسُ عليها حِفْظًا وتَدريسًا؛ لأنَّها كُتِبَتْ بقَلَمِ عالِمٍ جَليلٍ مِنْ عُلماءِ الإسلامِ، نَهَجَ مَنْهَجَ السلَفِ الصالِحِ داعيًا إلَى التوحيدِ، ونَبْذِ البِدَعِ والْخُرافاتِ، وتَنْقِيَةِ الإسلامِ ممَّا عَلَقَ بهِ مِنْ أَوهامٍ.
ويَظهَرُ ذلكَ جَلِيًّا في مُعْظَمِ مؤَلَّفاتِ الشيخِ ورَسائلِهِ، فجاءَتْ هذه الرسالةُ خُلاَصَةً وافِيَةً لِمَباحِثَ مُهِمَّةٍ لا يَسْتَغْنِي عنها المسلِمُ ليَبْنِيَ دينَهُ علَى أُسُسٍ سَليمةٍ، وقَواعدَ صحيحةٍ؛ ليَجْنِيَ ثَمَراتِ ذلكَ سَعادةً في الدنيا، وفَلاحًا في الدارِ الآخِرةِ.
لذا رأيتُ أن أَكْتُبَ عليها شَرْحًا مُتَوَسِّطًا في تفسيرِ آياتِها، وشَرْحِ أحاديثِها، وتَوضيحِ مَسائلِها، إسهامًا في تَسهيلِ الاستفادةِ منها، والتشجيعِ علَى حِفْظِها وفَهْمِها، بعدَ أن قُمْتُ بشَرْحِها للطلَبَةِ في الْمَسجدِ بحمْدِ اللهِ تعالَى، وسَمَّيْتُهُ: (حُصولَ المأمولِ بشَرْحِ ثلاثةِ الأصولِ)
وقد اعْتَمَدْتُ علَى نُسخةِ الأصولِ التي عليها حاشيَةُ الشيخِ عبدِ الرحمنِ بنِ قاسمٍ رَحِمَهُ اللهُ؛ لأنَّها مُطابِقَةٌ لِمَا في مجموعةِ مُؤَلَّفاتِ الشيخِ مُحَمَّدِ بنِ عبدِ الوَهَّابِ التي قُوبِلَتْ علَى عِدَّةِ نُسَخٍ، أهمُّها مَخطوطةُ الْمَكتبةِ السُّعودِيَّةِ بالرياضِ، كما قالَ مُصَحِّحُوها، وهيَ في قِسمِ العقيدةِ والآدابِ الإسلاميَّةِ (ص 183) مِنْ مُؤَلَّفاتِ الشيخِ رَحِمَهُ اللهُ.
وخِتامًا، أسألُ اللهَ تعالَى أن يُجْزِلَ الأَجْرَ والثوابَ لِمُؤَلِّفِها، وكلِّ مَنْ ساهَمَ بتوضيحِ العَقيدةِ وبيانِ البِدَعِ والتحذيرِ منها، كما أَسألُهُ - وهوَ أَكْرَمُ مَسئولٍ - أنْ يَجْعَلَ عَمَلِي صالحًا، ولِوَجْهِهِ خالصًا، ولِعبادِهِ نافعًا، وصَلَّى اللهُ وسَلَّمَ علَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وعلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجمعينَ.
وكَتَبَهُ
عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ الفَوْزَانُ
مساءَ الْجُمُعَةِ 19/12/1417هـ في بُريدةَ
تَرجَمَةٌ مُوجَزَةٌ لِمُؤَلِّفِ الرِّسالةِ
هو الإمامُ الشيخُ مُحَمَّدُ بنُ عبدِ الوَهَّابِ بنِ سُليمانَ بنِ عليٍّ (مِن الْمَشارِفَةِ أحدِ فُروعِ الوُهَبَةِ) مِنْ قَبيلةِ تَميمٍ.
وُلِدَ الشيخُ - عليهِ رَحْمَةُ اللهِ - عامَ 1115 هـ في بَلدةِ العُيَيْنَةِ، وتَلَقَّى فيها عُلومَهُ الأَوَّلِيَّةَ؛ فتَعَلَّمَ القُرآنَ وحَفِظَهُ عنْ ظَهْرِ قَلْبٍ قبلَ بُلوغِهِ عَشْرَ سِنينَ.
وكان حادَّ الفَهْمِ، وَقَّادَ الذِّهْنِ، ذَكِيَّ القلْبِ، سريعَ الْحِفْظِ، واجْتَمَعَ لهُ معَ هذه الْمَلَكَاتِ وِراثةٌ عِلْمِيَّةٌ، ووَسَطٌ دِينِيٌّ صالحٌ تَرَبَّى فيهِ، فجَدُّهُ كانَ عالِمًا جَليلاً، ووالدُهُ قاضي الْعُيَيْنَةِ.
فأَخَذَ عنْ مَشايِخِ بَلَدِهِ، ثمَّ رَحَلَ في طَلَبِ العِلْمِ إلَى:الْحِجَازِ، واليَمَنِ، والبَصرةِ، فحَازَ عُلومًا، وحَفِظَ مُتونًا، قَرَأَ كثيرًا مِنْ كُتُبِ الحديثِ، والتفسيرِ، والأصولِ، وعُنِيَ عِنايَةً خاصَّةً بِمُؤلَّفاتِ شيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميَّةَ وتِلميذِهِ العَلاَّمَةِ ابنِ القَيِّمِ، وتَأَثَّرَ بأفكارِهما، واسْتَنَارَ بآرَائِهما، ممَّا كانَ لهُ أَثَرٌ واضحٌ علَى دَعوةِ الشيخِ ومَنْهَجِهِ.
عادَ الشيخُ مِنْ هذه الرِّحْلاتِ العِلْميَّةِ الْمُبارَكَةِ إلَى حريملاءَ حيث كانَ والدُهُ قد انْتَقَلَ إليها مِن الْعُيَيْنَةِ لِخِلافٍ بينَهُ وبينَ أميرِها، فَدَرَسَ علَى والدِهِ في حريملاءَ، وَدَعَا إلَى توحيدِ اللهِ تعالَى، وبَيَّنَ بُطلانَ ما عليهِ عُبَّادُ القُبُورِ.

ولَمَّا تُوُفِّيَ والدُهُ عامَ 1153 هـ أَعْلَنَ دَعوتَهُ إلاَّ أنَّهُ ما لَبِثَ أنْ قَرَّرَ أنَّ (حريملاءَ) لا تَصْلُحُ أنْ تكونَ مُنْطَلَقًا للدَّعوةِ، فانْتَقَلَ منها فيما يُقارِبُ عامَ 1155 هـ إلَى (العُيَيْنَةِ) فناصَرَهُ أميرُها عُثمانُ بنُ مَعْمَرٍ أوَّلَ الأمْرِ ثمَّ خَذَلَهُ؛ فانْتَقَلَ الشيخُ إلَى (الدرعيَّةِ) وهَيَّأَ اللهُ لهُ الأميرَ مُحَمَّدَ بنَ سُعودٍ فقَوِيَتْ وانْتَشَرَتْ دَعوتُهُ، فأَخَذَ يَنشُرُ التوحيدَ ويُجاهِدُ في إحياءِ السنَّةِ وإماتَةِ الْبِدْعَةِ، ويُدَرِّسُ العلومَ النافعةَ، ويُؤَلِّفُ الكُتُبَ علَى طريقةِ السلَفِ الصالحِ.

وأَخَذَ عنه كثيرونَ وخَلَّفَ مِن التلاميذِ الكِبارِ مَنْ نَفَعَ اللهُ بهم الإسلامَ وأهلَهُ كما نَفَعَ بهِ.
وقدْ مَدَّ اللهُ تعالَى في عُمُرِ الشيخِ فعاشَ في (الدرعيَّةِ) بعدَ انتقالِهِ إليها قُرابةَ خَمسينَ عامًا قَضاها في الدعوةِ إلَى اللهِ، وتَطبيقِ مَبادئِها بِهَدْمِ القِبابِ الْمُقامَةِ علَى القُبورِ، وقَطْعِ الأشجارِ التي يَتَبَرَّكُ بها الناسُ، وإقامةِ الحدودِ، والجهادِ، والعملِ علَى نَشْرِ الدعوةِ، فقَرَّتْ عَيْنُهُ بانتصارِ كلمةِ الحقِّ وشُمُولِها أجزاءَ الجزيرةِ، وقدْ وَافَتْهُ مَنِيَّتُهُ يومَ الاثنينِ آخِرَ شهرِ شَوَّالٍ سنةَ 1206 هـ، وكان عُمُرُه نحوَ اثنتينِ وتِسعينَ سنةً، وماتَ ولم يُخَلِّفْ دِينارًا ولا دِرْهمًا، فلم يُوَزَّعْ بينَ وَرَثَتِهِ مالٌ ولم يُقَسَّمْ.
رَحِمَ اللهُ الشيخَ مُحَمَّدَ بنَ عبدِ الوَهَّابِ، وجَزاهُ عن الإسلامِ والمسلمينَ الجزاءَ الأَوْفَى.

[ الشرح ]
(1)بدأَ الْمُصَنِّفُ هذه الرسالةَ بالبَسْمَلَةِ اقتداءً بكتابِ اللهِ تعالَى، وتَأَسِّيًا بالنبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، فإنَّهُ كانَ يَبدأُ كُتُبَهُ بالبَسْمَلَةِ، فقدْ وَرَدَ في
(صحيحِ البخاريِّ) في كتابِ: بدءِ الوَحْيِ: ((بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ...)).
أمَّا الأحاديثُ القَوْلِيَّةُ في مَسألةِ البَسملةِ، كحديثِ: ((كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لاَ يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللهِ فَهُوَ أَبْتَرُ)) فهيَ أحاديثُ ضَعَّفَها العُلماءُ.
والبَدْءُ بالبَسْمَلَةِ يَدُلُّ عليهِ أمرانِ:

الأوَّلُ:كتابُ اللهِ تعالَى حيث بُدِئَ بالبَسْمَلَةِ.
والثاني: ماكانَ يَصْنَعُهُ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ في كِتاباتِهِ إلَى الْمُلوكِ.
وقولُهُ: (بِسْمِ اللهِ) هذا جارٌّ ومَجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ يُقَدَّرُ مُتَأَخِّرًا، والقاعدةُ في مُتَعَلِّقِ الجارِّ والمجرورِ أنَّهُ يُقَدَّرُ مُتَقَدِّمًا، هذا هوَ الأصلُ، لكن في البَسْمَلَةِ يُقَدَّرُ مُتَأَخِّرًا ليَحْصُلَ التَّبَرُّكُ بالبَدءِ بالبَسْمَلَةِ.
وأمَّا نَوْعِيَّةُ الْمُقَدَّرِ فإنَّهُ يُقَدَّرُ بما يُناسِبُ الْمَقامَ، فالذي يَقرأُ يكونُ التقديرُ: (بِسْمِ اللهِ أَقْرَأُ)، والذي يَكتبُ إذا قالَ: (بِسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ) يعني: بسمِ اللهِ أَكْتُبُ، وعلَى هذا يُقاسُ باقي الأفعالِ، فإذا قالَ: (بِسْمِ اللهِ أَكْتُبُ) حَصَلَت البَدَاءَةُ بِبِسْمِ اللهِ، ولكن لوْ قالَ: (أَكْتُبُ بسمِ اللهِ) لصارَتِ البَداءةُ بغيرِ البَسْمَلَةِ لهذا يُقَدَّرُ الْمُتَعَلِّقُ مُتَأَخِّرًا.

والمرادُ باسمِ اللهِ هنا: كلُّ اسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ تعالَى
ولفظُ الْجَلالةِ (اللهُ)اسمٌ مِنْ أسماءِ اللهِ تعالَى الخاصَّةِ بهِ، ومعناهُ: الْمَأْلُوهُ حُبًّا وتَعظيمًا.
وقولُهُ: (الرحمنِ) هذا اسمٌ مِنْ أسماءِ اللهِ الخاصَّةِ بهِ، ومعناهُ ذو الرحمةِ الواسعةِ.
وقولُهُ: (الرحيمِ) هذا اسمٌ مِنْ أسماءِ اللهِ، ومعناهُ: مُوصِلُ رحمتِهِ إلَى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ.

قالَ ابنُ القَيِّمِ رحمَهُ اللهُ: (الرحمنُ دالٌّ علَى الصفةِ القائمةِ بهِ سُبحانَهُ، والرحيمُ دالٌّ علَى تَعَلُّقِها بالمرحومِ، فكان الأَوَّلُ للوَصْفِ، والثاني للفِعْلِ، فالأوَّلُ دالٌّ علَى أنَّ الرحمةَ صِفَتُهُ، والثاني دالٌّ علَى أنَّهُ يَرْحَمُ خَلْقَهُ برحمتِهِ، وإذا أَرَدْتَ فَهْمَ هذا فتَأَمَّلْ قولَهُ: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا}، {إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} ولم يَجِئْ قطُّ: رحمنٌ بِهِم.
فعُلِمَ أنَّ (رحمن) هوَ الموصوفُ بالرحمةِ، و (رحيم) هوَ الراحمُ برَحمتِهِ).


  #6  
قديم 4 ذو القعدة 1429هـ/2-11-2008م, 10:03 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 13,147
افتراضي تابع حصول المأمول للشيخ: عبد الله بن صالح الفوزان

(2)قولُهُ: (اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ).

هذا دعاءٌ مِن الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللهُ لكَ أيُّها القارئُ يَدُلُّ علَى مَحَبَّتِهِ لكَ، وشَفَقَتِهِ عليكَ، وأنَّهُ راغبٌ في حُصولِ الخيرِ لكَ، والشيخُ رَحِمَهُ اللهُ يَستعملُ مِثلَ هذه العِبارةِ كثيرًا، يقولُ:
(اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ)، (اعْلَمْ أَرْشَدَكَ اللهُ لطاعتِهِ)، (أَسْأَلُ اللهَ الكريمَ ربَّ العرشِ العظيمِ أنْ يَتَوَلاَّكَ في الدنيا والآخِرَةِ).
وكلمةُ (اعْلَمْ)يُؤْتَى بها مِنْ بابِ التنبيهِ وحَثِّ السامعِ علَى أن يُصْغِيَ لِمَا سَيقالُ، فهيَ أمْرٌ بتحصيلِ العِلْمِ، والتَّهَيُّؤِ لِمَا سيُلْقَى إليكَ مِن العُلومِ.
ولهذا يَنبغِي للمُتَكَلِّمِ إذا تَحَدَّثَ أمامَ الناسِ أن يَستعْمِلَ معَهم بينَ حينٍ وآخَرَ العباراتِ التي تَشُدُّ أذهانَهم معه؛ لأنَّ السامعَ بطَبيعتِهِ يَحتاجُ إلَى ما يُحَرِّكُ ذِهْنَهُ ويُثيرُ انتباهَهُ.

ولهذا كانَ الرسولُ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يَطْرَحُ السؤالَ بينَ حينٍ وآخَرَ علَى الصحابةِ:
- ((أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟)).
-((أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟)).

-((أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟)).
والقصْدُ مِنْ هذا أنَّ السامعينَ يَستَعِدُّونَ لسَماعِ ما سيُقالُ لهم، وهذا يُعْتَبَرُ مِنْ بابِ اختيارِ الْمُقَدِّماتِ المناسِبَةِ للكلامِ.
وقولُهُ: (رَحِمَكَ اللهُ) جُملةٌ خَبَرِيَّةٌ لفظًا، إِنشائِيَّةٌ معنًى؛ لأنَّ الْمُرادَ بها الدعاءُ للمتعَلِّمِ بالرحمةِ؛ أيْ: غَفَرَ اللهُ لكَ ما مَضَى مِنْ ذُنوبِكَ، ووَفَّقَكَ وعَصَمَكَ فيما يُسْتَقْبَلُ.

هذا إذا أُفْرِدَت الرحمةُ، وإذا قُرِنَتْ بالْمَغفرةِ: فالْمَغفِرَةُ لِمَا مَضَى، والرحمةُ لِمَا يُسْتَقْبَلُ بالتوفيقِ للخيرِ والسلامةِ مِن الذنوبِ.
(3)قولُهُ: (يَجِبُ علينا تَعَلُّمُ أَرْبَعِ مَسائلَ، الأُولَى: العِلْمُ)

الْمُرادُ هنا:الوجوبُ العَيْنِيُّ، وهوَ ما يَجِبُ أداؤُهُ علَى كلِّ مُكَلَّفٍ بعينِهِ.
والتعَلُّمُ:تَحصيلُ العِلْمِ، والعِلْمُ: مَعرِفَةُ الْهُدَى بدليلِهِ.
والْمُرَادُ بالْعِلْمِ هنا:الْعِلْمُ الشرعيُّ، والمقصودُ بهِ ما كانَ تَعَلُّمُهُ فرضَ عَيْنٍ؛ وهوَ كلُّ عِلْمٍ يَحتاجُ إليهِ الْمُكَلَّفُ في أَمْرِ دِينِهِ، كأصولِ الإيمانِ، وشرائعِ الإسلامِ، وما يَجِبُ اجتنابُهُ مِن الْمُحَرَّمَاتِ، وما يَحتاجُ إليهِ في الْمُعاملاتِ، ونحوِ ذلكَ ممَّا لا يَتِمُّ الواجِبُ إلاَّ بهِ فهوَ واجبٌ عليهِ الْعِلْمُ بهِ.
قالَ الإمامُ أحمدُ رَحِمَهُ اللهُ: (يَجِبُ أن يَطْلُبَ مِن الْعِلْمِ ما يَقومُ بهِ دِينُهُ، قيلَ لهُ: مِثلُ أيِّ شيءٍ؟ قالَ: الذي لا يَسَعُهُ جَهْلُهُ: صلاتُهُ، وصِيامُهُ، ونحوُ ذلكَ).
فالواجِبُ علَى المسلِمِ أن يَتَعَلَّمَ ما يَجِبُ عليهِ مِنْ أمْرِ دِينِهِ ممَّا يَتَعَلَّقُ بعقيدتِهِ وعِبادتِهِ ومُعامَلَتِهِ، وعليهِ أن يَسْأَلَ أهلَ الْعِلْمِ، ويَحْذَرَ مِن الإعراضِ عمَّا جاءَ عن اللهِ تعالَى، وعنْ رسولِهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، وعليهِ أنْ يَقْبَلَ النُّصْحَ والتَّوجيهَ، ويَنقادَ للحقِّ، فهذه صِفةُ المؤمنِ الحقِّ.

أمَّا الْعِلْمُ الذي تَعَلُّمُهُ فَرْضُ كفايَةٍ: كتَفاريعِ الْمَسائلِ الفِقْهِيَّةِ، والاطِّلاعِ علَى أقوالِ الْعُلَمَاءِ، ومَعرِفَةِ الْخِلافِ، ومُناقشةِ الأَدِلَّةِ، فهذا ليسَ بوَاجِبٍ علَى كلِّ مُسلِمٍ، فإذا وُجِدَ مَنْ يَقومُ بهِ مِنْ أهلِ الْعِلْمِ صارَ في حقِّ الباقينَ سُنَّةً.
وممَّا يَدُلُّ علَى أنَّ الْعِلْمَ واجبٌ حَديثُ أَنَسٍ: أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ قالَ: ((طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ)).
وقدْ فَسَّرَ الشيخُ رَحِمَهُ اللهُ الْعِلْمَ الذي لا بُدَّ مِنْ تَعَلُّمِهِ بأنَّهُ يَتناوَلُ ثلاثةَ أُمورٍ، فقالَ: (وَهُوَ مَعْرِفَةُ اللهِ، ومَعْرِفَةُ نَبِيِّهِ، ومَعْرِفَةُ دِينِ الإسلامِ بالأَدِلَّةِ).

وخَصَّ الشيخُ رَحِمَهُ اللهُ هذه الأُمورَ؛ لأنَّها هيَ أُصولُ الإسلامِ التي لا يَقومُ إلاَّ عليها، وهيَ التي يُسْأَلُ عنها العَبْدُ في قَبْرِهِ.
فالإنسانُ إذا عَرَفَ ربَّهُ، وعَرَفَ نَبِيَّهُ، وعَرَفَ دِينَ الإسلامِ بالأَدِلَّةِ؛ كَمُلَ لهُ دِينُهُ، فهذا هوَ الْعِلْمُ الشرعيُّ الذي لا بُدَّ منهُ.
(4)وقولُهُ: (مَعْرِفَةُ اللهِ)أيْ: أنَّ مَعْرِفَةَ اللهِ تعالَى هيَ أساسُ الدِّينِ، ولا يكونُ الإنسانُ علَى حقيقةٍ مِنْ دِينِهِ إلاَّ بعدَ الْعِلْمِ باللهِ تعالَى، وذلكَ بالنظَرِ في الآياتِ الشرعيَّةِ مِن الكتابِ والسُّنَّةِ، والنظَرِ في الآياتِ الكَوْنِيَّةِ التي هيَ المخلوقاتُ، وهذه المَعْرِفَةُ تَستلزِمُ قَبولَ ما شَرَعَهُ اللهُ تعالَى والانقيادَ لهُ.

(5)وقولُهُ: (ومَعْرِفَةُ نَبِيِّهِ) أيْ: أنَّ مَعْرِفَةَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ فرْضٌ علَى كلِّ مُكَلَّفٍ، وأَحَدُ مُهِمَّاتِ الدِّينِ؛ لأنَّهُ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ هوَ المبلِّغُ عن اللهِ تعالَى، وهذه المَعْرِفَةُ تَستلزِمُ قَبولَ ما جاءَ بهِ مِنْ عندِ اللهِ تعالَى مِن الْهُدَى ودِينِ الحقِّ. وسيأتي - إنْ شاءَ اللهُ تعالَى - تفصيلُ ذلكَ في مَحَلِّهِ.
(6) وقولُهُ: (وَمَعْرِفَةُ دِينِ الإسلامِ بالأَدِلَّةِ).
الإسلامُ لهُ معنيانِ:
معنًى عامٌّ، ومعنًى خاصٌّ؛لأنَّهُ قدْ وَرَدَتْ أَدِلَّةٌ تَدُلُّ علَى أنَّ الإسلامَ خاصٌّ بهذه الأُمَّةِ، ووَرَدَتْ أدِلَّةٌ تَدُلُّ علَى أنَّ الإسلامَ مَوجودٌ في الشرائعِ السابقةِ، فتَحريرًا للمسألةِ نَذْكُرُ كلامَ شيخِ الإسلامِ رَحِمَهُ اللهُ في هذا الموضوعِ، وهوَ أنَّ الإسلامَ بالمعنَى العامِّ يُرادُ بهِ: عِبادةُ اللهِ وَحْدَهُ لا شَريكَ لهُ، وهذا دِينُ الأنبياءِ عُمومًا.
-قالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عن التوراةِ وأنبياءِ بني إسرائيلَ: {يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا}، فوَصْفُ اللهِ سُبحانَهُ وتعالَى أنبياءَ بني إسرائيلَ بالإسلامِ؛ ممَّا يَدُلُّ علَى أنَّ الإسلامَ ليسَ خاصًّا بهذه الأُمَّةِ بلْ هوَ عامٌّ.
-وذَكَرَ اللهُ تعالَى عنْ موسَى عليهِ السلامُ أنَّهُ قالَ لقومِهِ: {إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ}.
-وعنْ أبناءِ يَعقوبَ عليهِ السلامُ: {قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبـَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}.
فهذا هوَ الإسلامُ بالمعنَى العامِّ.أمَّا الإسلامُ بالمعنَى الخاصِّ فيُرادُ بهِ: الدِّينُ الذي بَعَثَ اللهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا بهِ، وجَعَلَهُ خاتِمَةَ الأديانِ، لا يُقبَلُ مِنْ أَحدٍ دِينٌ سواهُ:
- قالَ تعالَى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}.

-وقالَ تعالَى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا}.فهذه الآيَةُ تُفيدُ أنَّ اللهَ تعالَى ارْتَضَى لهذه الأُمَّةِ الإسلامَ دِينًا، فيُفَسَّرُ بالمعنَى الخاصِّ.
(7)وقولُهُ: (بِالأَدِلَّةِ) جَمْعُ: دليلٍ، والدليلُ: (فَعيلٌ) بمعنَى: فاعلٍ، مِن الدَّلالةِ، وهيَ الإرشادُ.
فالدليلُ هوَ الْمُرْشِدُ إلَى المطلوبِ، وهوَ إمَّا سَمْعِيٌّ: وهوَ ما ثَبَتَ بالوحيِ مِنْ كتابٍ أوْ سُنَّةٍ، وإما عَقْلِيٌّ: وهوَ ما ثَبَتَ بالنظَرِ والتأَمُّلِ، وسيأتي شيءٌ مِنْ ذلكَ في أثناءِ الرسالةِ.
وفي كلامِ الشيخِ رَحِمَهُ اللهُ إشارةٌ إلَى أنَّ التقليدَ لا يَنفَعُ في بابِ العقائدِ، وأنَّهُ لا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ دِينِ الإسلامِ بالأدِلَّةِ مِنْ كتابٍ أوْ سُنَّةٍ أوْ إجماعٍ.

(8)قولُ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللهُ: (الثانيَةُ: العملُ بهِ) أي: العملُ بالْعِلْمِ؛ لأنَّ الْعِلْمَ لا يُطْلَبُ إلاَّ للعَمَلِ، وذلكَ بأنْ يَتَحَوَّلَ الْعِلْمُ إلَى سُلوكٍ واقعيٍّ يَظهرُ علَى فِكْرِ الإنسانِ وتَصَرُّفِهِ.
وقدْ وَرَدَت النصوصُ الشرعيَّةُ في وُجوبِ إتْبَاعِ الْعِلْمِ بالعملِ، وظُهورِ آثارِ الْعِلْمِ علَى طالِبِهِ، ووَرَدَ الوَعيدُ الشديدُ لِمَنْ لا يَعْمَلُ بعِلْمِهِ، ولم يَبْدَأْ بإصلاحِ نفسِهِ قبلَ إصلاحِ غيرِهِ، وهيَ أَدِلَّةٌ معروفةٌ معلومةٌ.
وما أَحسنَ قولَ الفُضَيْلِ بنِ عِياضٍ رَحِمَهُ اللهُ: (لا يَزالُ العالِمُ جاهلاً حتَّى يَعْمَلَ بعِلْمِهِ فإذا عَمِلَ بهِ صارَ عالمًا)، وهذا كلامٌ دقيقٌ؛ لأنَّهُ إذا كانَ عندَهُ عِلْمٌ ولكنه لا يَعملُ بهذا الْعِلْمِ فهوَ جاهلٌ؛ لأنَّهُ ليسَ بينَهُ وبينَ الجاهلِ فَرْقٌ إذا كانَ عندَهُ علْمٌ ولكنه لا يَعْمَلُ بهِ، فلا يكونُ العالِمُ عالِمًا حقًّا إلاَّ إذا عَمِلَ بما عَلِمَ.

ثمَّ إنَّ العملَ- إضافةً إلَى أنَّهُ حُجَّةٌ للإنسانِ - فهوَ أيضًا مِنْ أسبابِ ثَباتِ الْعِلْمِ وبَقائِهِ، ولهذا تَجِدُ الذي يَعْمَلُ بعِلْمِهِ يَستحضِرُ عِلْمَهُ، أمَّا الذي لا يَعْمَلُ بعِلْمِهِ، فسُرْعانَ ما يَضيعُ عِلْمُهُ، قالَ بعضُ السلَفِ: (كُنَّا نَستعينُ علَى حِفْظِ الحديثِ بالعَمَلِ بهِ).
أَضِفْ إلَى هذا ما قالَهُ بعضُ أهلِ الْعِلْمِ: (مَنْ عَمِلَ بما عَلِمَ أَوْرَثَهُ اللهُ عِلْمَ ما لم يَعْلَمْ، ومَنْ لم يَعْمَلْ بما عَلِمَ أَوْشَكَ اللهُ أن يَسْلُبَهُ ما عَلِمَ).
وهذا يَذْكُرُهُ بعضُهم علَى أنَّهُ حديثٌ، وهذا ليسَ بصحيحٍ، إنَّمَا هيَ عبارةٌ مأثورةٌ ذَكَرَها شيخُ الإسلامِ رَحِمَهُ اللهُ.
ومعنَى: (أَوْرَثَهُ اللهُ عِلْمَ ما لم يَعْلَمْ) أيْ: زادَهُ إيمانًا، ونَوَّرَ بَصيرتَهُ، وفَتَحَ عليهِ مِن العلومِ أنواعًا وفُروعًا؛ ولهذا تَجِدُ العالِمَ العاملَ بازديادٍ، ويُبَارِكُ اللهُ في وَقْتِهِ وعِلْمِهِ.

ودليلُ هذا في كتابِ اللهِ، قالَ تعالَى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ}، قالَ الشَّوْكانيُّ: (زادَهم إيمانًا وعِلْمًا وبَصيرةً في الدِّينِ؛ أيْ: والذينَ اهْتَدَوْا إلَى طريقِ الخيرِ: فآمَنُوا باللهِ، وعَمِلُوا بما أَمَرَهم بهِ، زادَهم إيمانًا وعِلْمًا وبَصيرةً في الدِّينِ).
فعلَى المسلِمِ أن يُدْرِكَ أَهَمِّيَّةَ العمَلِ بالْعِلْمِ، وأنَّ الإنسانَ الذي لا يَعْمَلُ بعِلْمِهِ سيكونُ عِلْمُهُ حُجَّةً عليهِ، كما وَرَدَ في حديثِ أبي بَرْزَةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: ((لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ، ومنها: وعنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ)).
وهذا لا يَختصُّ به الْعُلَمَاءَ كما قدْ يَفْهَمُ بعضُ الناسِ،بلْ كلُّ مَنْ عَلِمَ مَسألةً مِن المسائلِ قامَتْ عليهِ الْحُجَّةُ فيها، فإذا سَمِعَ إنسانٌ فائدةً في مُحاضَرَةٍ أوْ خُطْبَةِ جُمُعَةٍ تَضَمَّنَتْ تَحذيرًا مِنْ مَعصيَةٍ هوَ واقِعٌ فيها، فعَلِمَ أنَّ هذه المعصيَةَ التي وَقَعَ فيها أنَّها أمْرٌ مُحَرَّمٌ، فهذا عِلْمٌ؛ فتقومُ عليهِ الْحُجَّةُ بما سَمِعَ، وقدْ ثَبَتَ في حديثِ أبي مالك الأشعريِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ قالَ:((وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ)).

(9)قولُ المُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللهُ: (الثالثةُ: الدعوةُ إليهِ) أي: الدعوةُ إلَى توحيدِ اللهِ وطَاعتِهِ، وهذه وَظيفةُ الرُّسُلِ وأَتْبَاعِهم، قالَ تعالَى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} .
لأنَّ الإنسانَ إذا كَمُلَتْ قُوَّتُهُ الْعِلْميَّةُ بالْعِلْمِ، وقُوَّتُهُ العَمَلِيَّةُ بالعملِ؛ فإنَّ عليهِ أن يَسْعَى إلَى بَذْلِ الخيرِ للآخرينَ، تَأَسِّيًا برُسُلِ اللهِ تعالَى عليهم الصلاةُ والسلامُ.
والدعوةُ إلَى اللهِ تعالَى أَمْرُها عظيمٌ، وثوابُها جَزيلٌ، كما قالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: ((فَوَاللهِ لأََنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ)).والدعوةُ لا تُؤْتِي ثِمارَها وتكونُ وَسيلةَ إصلاحٍ وبِناءٍ، إلاَّ إذا كانَ الداعي مُتَّصِفًا بما يكونُ سَببًا لقَبولِ دَعوتِهِ وظُهورِ أَثَرِها، ومِنْ ذلكَ:

-التقوَى: ويُقْصَدُ بها كلُّ مَعانيها مِن: امتثالِ المأمورِ، واجتنابِ المحظورِ،والتَّحَلِّي بصِفاتِ أهلِ الإيمانِ.

-الإخلاصُ: بأنْ يَقْصِدَ بدعوتِهِ وجهَ اللهِ تعالَى ورِضاهُ، والإحسانَ إلَى خَلْقِهِ، ويَحْذَرَ مِنْ أنْ يَقْصِدَ إظهارَ التمَيُّزِ علَى غيرِهِ، وإذلالَ الْمَدْعُوِّ بإشعارِهِ بالجهْلِ والتقصيرِ.
-الْعِلْمُ: فلا بدَّ أنْ يكونَ الداعي عالِمًا بما يَدْعو بهِ، ذا فَهْمٍ لِمَا جاءَ في كِتابِ اللهِ تعالَى وسُنَّةِ رسولِهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، وسِيَرِ السلَفِ الصالحِ.
-الحِلْمُ وضَبْطُ النفْسِ عندَ الغَضَبِ؛ لأنَّ مَيدانَ الداعيَةِ صُدُورُ الرجالِ ونُفوسُ البَشَرِ، وهيَ مُتَبَايِنَةٌ ومُخْتَلِفَةٌ كاختلافِ صُوَرِهِم وأَشكالِهم.
-أنْ يَبْدَأَ بالأَهَمِّ فالأَهَمِّ علَى حَسَبِ البيئةِ التي يَدْعُو فيها،فمَسائِلُ العَقيدةِ وأصولِ الدِّينِ تأتي في الْمَقامِ الأَوَّلِ، وقدْ دلَّ علَى ذلكَ قولُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ لِمُعاذٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ((فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ...)) الحديثَ.
-أنْ يَسْلُكَ في دعوتِهِ الْمَنْهَجَ الذي نَصَّ اللهُ عليهِ في كِتابِهِ الكريمِ،
يقولُ سُبحانَهُ: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، والْحِكمةُ مَعْرِفَةُ الحقِّ والعملُ بهِ، والإصابةُ في القولِ والعملِ، وهذا لا يكونُ إلاَّ بفَهْمِ القرآنِ، والفقهِ في شرائعِ الإسلامِ وحقائقِ الإيمانِ، {وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}: الأمْرُ والنهيُ المقرونُ بالترغيبِ والترهيبِ، وإِلاَنَةِ القولِ وتَنشيطِ الْمَوعوظِ.
{وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} فيَسْلُكُ كلَّ طريقٍ يَكونُ أَدْعَى للاستجابةِ: مِن الالتزامِ بالموضوعِ، والبُعْدِ عن الانفعالِ، والترَفُّعِ عن المسائلِ الصغيرةِ في مُقابِلِ القضايا الكُبرَى؛ حِفْظًا للوَقْتِ، وعِزَّةً للنفْسِ، وكمالاً للمُروءةِ.
(10) قولُهُ: (الرابعةُ: الصبْرُ علَى الأَذَى فيهِ) أي: الرابعةُ مِن الْمَسائلِ الأربعِ: الصبرُ علَى الأَذَى في الدعوةِ إلَى اللهِ تعالَى، بأنْ يكونَ الداعيَةُ صابرًا علَى ما يَنالُهُ مِنْ أَذِيَّةِ الناسِ؛ لأنَّ أَذِيَّةَ الدُّعاةِ مِنْ طبيعةِ البَشَرِ إلاَّ مَنْ هَدَى اللهُ، كما قالَ تعالَى: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا}.
فيَجِبُ علَى الداعيَةِ أنْ يكونَ صابرًا علَى دَعوتِهِ مُسْتَمِرًّا فيها، صابرًا علَى ما يَعْتَرِضُ دَعوتَهُ أوْ ما يَعْتَرِضُهُ هوَ مِن الأَذَى؛ لأنَّ الداعيَةَ يَطْلُبُ مِن الناسِ أن يَتَحَرَّرُوا مِنْ شَهَوَاتِهم ورَغَبَاتِهم، وعاداتِ أقوامِهم، ويَقِفُوا عندَ حُدودِ اللهِ تعالَى في أَوامِرِهِ ونَواهِيهِ، وأكثرُالناسِ لا يُؤْمِنُ بهذا الْمَنْهَجِ.
فلهذا يُقاوِمُونَ الدعوةَ بكلِّ قُوَّةٍ، ويُحارِبون دُعاتَها بكلِّ سِلاحٍ، قالَ تعالَى عنْ لُقْمَانَ الحكيمِ في وَصِيَّتِهِ لابنِهِ: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ}.

وعلَى الداعيَةِ أن يَتَأَسَّى بالرسُلِ الكِرامِ الذينَ قَصَّ اللهُ علينا أَخبارَهم، وما حَصَلَ لهم مِنْ مَشاقِّ الدعوةِ ومَتاعبِها مِنْ إعراضِ الناسِ عنْ دعوتِهم وأَذِيَّتِهم بالقولِ والفِعلِ، معَ طولِ الطريقِ
واستبطاءِ النصْرِ، قالَ تعالَى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ}.
وقدْ جعَلَ اللهُ تعالَى العاقِبةَ للمُتَّقِينَ، وكَتَبَ النصْرَ لدُعاةِ الحقِّ، قالَ تعالَى:{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ}.
(11)قولُهُ: (والدليلُ قولُهُ تعالَى: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ

{وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(3)}) استدَلَّ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ علَى هذه المسائلِ الأربعِ بسورةٍ عظيمةٍ لا تَزيدُ علَى ثلاثِ آياتٍ، وهيَ سورةُ العصْرِ.
فالمسألةُ الأولَى والثانيَةُ في قولِهِ سُبحانَهُ: {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}.، فإنَّ الإيمانَ لا يكونُ صَحيحًا، والعملَ لا يكونُ صالحًا إلاَّ بالْعِلْمِ بأنْ يُعْبَدَ اللهُ علَى بَصيرةٍ.
والمسألةُ الثالثةُ في قولِهِ: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ}.
والرابعةُ في قولِهِ:{وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}.
وقولُهُ تعالَى:{وَالْعَصْرِِ} هذا قَسَمٌ، والعصْرُ الْمُرَادُ بهِ: الزمَنُ الذي تَقَعُ فيهِ الأحداثُ مِنْ خيرٍ أوْ شَرٍّ، أَقْسَمَ اللهُ بهِ؛ لأنَّ أفعالَ الناسِ وتَصَرُّفَاتِهم كُلَّها تَقَعُ في هذا الزمَنِ، فهوَ ظَرْفٌ يُودِعُهُ العِبادُ أعمالَهم؛ إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرًّا فشَرٌّ، فهوَ جَديرٌ أن يُقْسِمَ بهِ.
وقيلَ: {وَالْعَصْرِِ}ما بعدَ العَشِيِّ، وهوَ آخِرُ النهارِ، ومِنه صلاةُ العَصْرِ.
والأوَّلُ هوَ الأَظْهَرُ في معنَى الآيَةِ، واللهُ أَعْلَمُ.
وجوابُ القَسَمِ قولُهُ تعالَى: {إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ}، فاللهُ تعالَى يُقْسِمُ بالعصْرِ علَى أنَّ الإنسانَ في خُسْرٍ، والألِفُ واللامُ للاستغراقِ والشمولِ بدليلِ الاستثناءِ بعدَهُ؛ أيْ: كلُّ إنسانٍ في خُسْرٍ، كقولِهِ تعالَى: {وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا}.

والْخُسْرُ: هوَ النُّقصانُ والْهَلَكَةُ؛لأنَّ حياةَ الإنسانِ هيَ رأسُ مالِهِ، فإذا ماتَ ولم يُؤْمِنْ ولم يَعملْ صالحًا خَسِرَ كلَّ الْخُسرانِ.
ولم يُبَيَّنْ هنا نوعُ الْخُسرانِ في أيِّ شيءٍ بلْ أُطْلِقَ لِيَعُمَّ، فقدْ يكونُ مُطْلَقًا كحالِ مَنْ خَسِرَ الدنيا والآخِرةَ وفَاتَهُ النعيمُ، واسْتَحَقَّ الجحيمَ، وقدْ يكونُ خاسرًا مِنْ بعضِ الوُجوهِ دونَ بعضٍ.
والذي يُستفادُ مِنْ مَفهومِ الآيَةِ: أنَّ الْخُسرانَ قدْ يكونُ بالكُفْرِ - والعِياذُ باللهِ:

- قالَ تعالَى:{لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}.
-وقالَ تعالَى:{قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ}.

وقدْ يكونُ بتَرْكِ العمَلِ:
-قالَ تعالَى: {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ}
-وقالَ تعالَى: {وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا}.
-وقالَ تعالَى: {أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ}.
وقدْ يكونُ الْخُسرانُ بتَرْكِ التَّوَاصِي بالْحَقِّ كُلِّيَّةً، أو التواصِي بالباطلِ، وليسَ بعدَ الحقِّ إلاَّ الضَّلالُ. وقدْ يكونُ بتَركِ التواصِي بالصبْرِ كُلِّيَّةً، أوْ بالوُقوعِ في الْهَلَعِ والْجَزَعِ، قالَ تعالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}.
والمقصودُ: أنَّ الإنسانَ في خُسْرٍ مهما كَثُرَ مالُهُ ووَلَدُهُ، وعَظُمَ قَدْرُهُ وشَرَفُهُ إلاَّ مَن اتَّصَفَ بالصفاتِ الأربَعِ.
فعلَى الإنسانِ أنْ يَتَأَمَّلَ حالَهُ، ويَعْلَمَ يَقينًا أنَّهُ لا نَجاةَ للعَبْدِ مِن الْخُسرانِ إلاَّ بهذا الطريقِ الذي رَسَمَهُ اللهُ تعالَى.
وقولُهُ تعالَى: {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا} هذا هوَ الوَصْفُ الأَوَّلُ لِمَنْ يَسْلَمُ مِن الْخَسارِ وهوَ وَصْفُ الإيمانِ، والمعنَى: إلاَّ الذينَ آمَنُوا بما أَمَرَ اللهُ تعالَى مِن الإيمانِ بهِ، وهوَ الإيمانُ باللهِ والملائكةِ والكتابِ والنَّبِيِّينَ، وكلِّ ما يُقَرِّبُ إلَى اللهِ تعالَى مِن اعتقادٍ صحيحٍ، وعِلْمٍ نافعٍ.

وقولُهُ تعالَى: {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} الْمُرَادُ بالعمَلِ الصالحِ: أفعالُ الخيرِ كلُّها، سواءٌ كانتْ ظاهِرةً أوْ باطِنةً، وسواءٌ كانت مُتَعَلِّقَةً بحقوقِ اللهِ تعالَى أوْ مُتَعَلِّقَةً بحقوقِ العِبادِ، وسواءٌ كانتْ مِنْ قَبيلِ الواجِبِ أوْ كانتْ مِنْ قَبيلِ الْمُسْتَحَبِّ، إذا كانت خالِصَةً صَوابًا.
وقولُهُ تعالَى: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ} الْمُرَادُ بالحقِّ في هذه الآيَةِ - واللهُ أَعْلَمُ - هوَ ما تَقَدَّم مِن الإيمانِ باللهِ والعملِ الصالحِ .
{وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}،جميعُ أنواعِ الصبْرِ: الصبرُ علَى طاعةِ اللهِ وأداءِ فَرائضِهِ، والقيامِ بحقوقِهِ وحقوقِ عِبادِهِ، فهذا يَحتاجُ إلَى صَبْرٍ، والصبرُ عنْ مَعصيَةِ اللهِ؛ لأنَّ النفْسَ أَمَّارَةٌ بالسُّوءِ فلا بُدَّ للإنسانِ أن يَصْبِرَ؛ لئلاَّ يَقَعَ في الْمَعْصِيَةِ.

ومِن الصبْرِ أيضًا: الصبْرُ عن البَطَرِ عندَ كثرةِ النِّعَمِ،فيَصْبِرُ الإنسانُ عن البَطَرِ والإسرافِ والتبذيرِ عندَ وُجودِ النِّعَمِ أوْ كَثْرَتِها.
ومِن الصبْرِ أيضًا: الصبْرُ علَى الْمَصائِبِ
وهيَ ما يُصِيبُ الإنسانَ في هذه الدنيا مِنْ مَصائبَ وحَوَادِثَ فإنَّهُ عُرْضَةٌ لذلكَ.
(12)قولُهُ: (قالَ الشافعيُّ رَحِمَهُ اللهُ تعالَى: (لَوْ مَا أَنْزَلَ اللهُ علَى خَلْقِهِ إلاَّ هذه السورةَ لَكَفَتْهُمْ) ).

معنَى قولِ الشافعيِّ:لوْ أنَّ اللهَ جَلَّ وعَلاَ ما أَرْسَلَ للبَشريَّةِ طريقًا ومِنهاجًا إلاَّ هذه السورةَ القصيرةَ ذاتَ الثلاثِ الآياتِ لكانتْ كافيَةً؛ لأنَّ هذه السورةَ رَسَمَت الْمَنهجَ الذي شَرَعَهُ اللهُ تعالَى طريقًا للنَّجاةِ، وهوَ:الإيمانُ، والعمَلُ الصالحُ، والتواصي بالحقِّ، والتواصي بالصبْرِ.
فهذه الأمورُ الأربعةُ هيَ التي تَحْصُلُ بها النَّجاةُ، فلوْ أنَّ اللهَ تعالَى ما أَنْزَلَ إلاَّ هذه السورةَ لكان مَنْ أَرادَ اللهُ هِدايَتَهُ يَعْرِفُ أنَّهُ لا نَجاةَ لهُ إلاَّ بالإيمانِ، والعَمَلِ الصالحِ، والتواصِي بالحقِّ، والتواصي بالصبْرِ.


وهذا مِن الإعجازِ الذي لا يَقْدِرُ عليهِ إلاَّ اللهُ تعالَى، آيَةٌ واحدةٌ تُبَيِّنُ وَظيفةَ الأُمَّةِ الإسلاميَّةِ، ووَظيفةَ كلِّ فَرْدٍ مِنْ أفرادِ الأمَّةِ الإسلاميَّةِ، وهيَ: التواصي بالحقِّ، والتواصي بالصبْرِ، بعدَ الإيمانِ، والعملِ الصالحِ، فما أَعْظَمَها مِنْ سورةٍ.


ولهذا فإنَّ شيخَ الإسلامِ ابنَ تَيميَّةَ رَحِمَهُ اللهُ لَمَّا نَقَلَ كلامَ الشافعيِّ قالَ:(هوَ كما قالَ - يعنِي: ما قالَ الإمامُ الشافعيُّ هوَ في مَحَلِّهِ-، فإنَّ اللهَ جَلَّ وعلا أَخْبَرَ أنَّ جميعَ الناسِ خَاسِرون إلاَّ مَنْ كانَ في نفسِهِ مؤمِنًا صالحًا، ومعَ غيرِهِ مُوصيًا بالحقِّ، ومُوصيًا بالصبْرِ) انتهَى كلامُهُ.

وقدْ جاءَ في تفسيرِ ابنِ كثيرٍ ما يَخْتَلِفُ عن العبارةِ التي ذَكَرَها الْمُصَنِّفُ هنا، فقدْ جاءَ فيهِ: قالَ الشافعيُّ رَحِمَهُ اللهُ: (لوْ تَدَبَّرَ الناسُ هذه السورةَ لوَسِعَتْهُم)، والمعنَى واحدٌ، واللهُ أَعْلَمُ.
(13)قولُهُ: (وقالَ البخاريُّ رَحِمَهُ اللهُ تعالَى) يعني: في (كتابِ الْعِلْمِ) مِنْ (صحيحِهِ).

(بابٌ: الْعِلْمُ قبلَ القولِ والعملِ).
وقولُهُ: (بابٌ) يُقرأُ بالتنوينِ؛ لأنَّهُ مَقطوعٌ عن الإضافةِ، و (الْعِلْمُ) مُبتدأٌ، (قبلَ القولِ) خبرُ الْمُبتدأِ، أَفادَتْ هذه التَّرجمةُ أنَّ قولَ الإنسانِ وعملَهُ لا اعتبارَ لهُ في مِيزانِ الشرْعِ إلاَّ إذا كانَ قائمًا علَى الْعِلْمِ، فالْعِلْمُ شَرْطٌ لصِحَّةِ القولِ والعملِ.

(14)وقولُهُ: (والدليلُ) هذا مِنْ كلامِ البخاريِّ، والذي في (الصحيحِ) أنَّ البخاريَّ قالَ: (بابٌ: الْعِلْمُ قبلَ القولِ والعملِ؛ لقولِ اللهِ تعالَى) ولكنَّ الشيخَ رَحِمَهُ اللهُ عَبَّرَ بقولِهِ: (والدليلُ) ليكونَ أَوْضَحَ.
(15)(قولُهُ تعالَى:{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} فبَدَأَ بالْعِلْمِ قبلَ القولِ والعمَلِ)، وهذا مِنْ كلامِ البخاريِّ أيضًا، لكن ليسَ في (صحيحِهِ) كلمةُ: (قبلَ القولِ والعمَلِ) إنَّمَا الذي فيهِ: (فبَدَأَ بالْعِلْمِ) فإمَّا أنْ يكونَ قولُهُ: (قبلَ القولِ والعملِ) مِنْ كلامِ الشيخِ مُحَمَّدِ بنِ عبدِ الوَهَّابِ رَحِمَهُ اللهُ للتوضيحِ، أوْ أنَّهُ في نُسخةٍ أخرَى.
وقولُهُ تعالَى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ} الْخِطابُ للرسولِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، وهوَ يَشمَلُ الأُمَّةَ، وهذا هوَ الْعِلْمُ.
{وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ}هذا هوَ العَمَلُ.
وقد اسْتَدَلَّ بعضُ السلَفِ بهذه الآيَةِ علَى فَضْلِ الْعِلْمِ، فقدْ ذَكَرَ أبو نُعيمٍ رَحِمَهُ اللهُ في (الْحِلْيَةِ) عنْ سُفيانَ بنِ عُيَيْنَةَ رَحِمَهُ اللهُ، أنَّهُ سُئِلَ عنْ فَضْلِ الْعِلْمِ فقالَ: (ألمْ تَسْمَعْ قولَهُ تعالَى حينَ بدأَ بهِ فقالَ: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ}، ثمَّ أَمَرَهُ بالعمَلِ بعدَ ذلكَ فقالَ: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ}).
ووَجْهُ الاستدلالِ علَى فَضْلِ الْعِلْمِ أنَّ اللهَ تعالَى بَدَأَ بهِ فأَمَرَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ بالْعِلْمِ قبلَ أنْ يَأْمُرَهُ بالعملِ.

وهذا يَدُلُّنَا علَى أَمرينِ:
أولاً:علَى فَضْلِ الْعِلْمِ.

ثانيًا:علَى أنَّ الْعِلْمَ مُقَدَّمٌ علَى العَمَلِ.


  #7  
قديم 4 ذو القعدة 1429هـ/2-11-2008م, 10:04 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 13,147
افتراضي العناصر

أهمية رسالة ثلاثة الأصول وأدلتها
ترجمة المؤلف رحمه الله
فوائد بدء المؤلف رسالته بالبسملة
تنبيه على ضعف الأحاديث القولية في مسألة البدء بالبسملة
أدلة البدء بالبسملة
بيان معنى البسملة
- معنى الباء في البسملة
- المراد باسم الله في البسملة
- تقدير متعلق الجار والمجرور المحذوف
- بيان معنى الاسم الشريف (الله)
- بيان معنى اسم (الرحمن )
- بيان معنى اسم (الرحيم)
- الفرق بين اسم (الرحمن) واسم (الرحيم)
لِمَ اقتصر المؤلف رحمه الله على البسملة
شرح قول المؤلف: (اعلم رحمك الله )
- بيان معنى العلم لغة
- أقسام العلم
- مراتب الإدراك
المسائل الأربع الواجب تعلمها
- أهمية المسائل الأربع
شرح قول المؤلف:( يجب علينا تعلم أربع مسائل)
- بيان الدليل على وجوب تعلم المسائل الأربع
- معنى الوجوب في قول المؤلف: (يجب علينا ...)
شرح المسألة الأولى
- المراد بالعلم هنا
- تعريف العلم الشرعي
- بيان معنى معرفة العبد ربه جل وعلا
- بيان معنى معرفة العبد رسوله صلى الله عليه وسلم
- بيان معنى معرفة العبد دين الإسلام بالأدلة
- الفرق بين الإسلام العام والإسلام الخاص
- بيان معنى الدليل
- أنواع الأدلة
- القدر الواجب من العلم
- حكم التقليد في الدين
- بيان أول واجب على المكلف
- وجوب العلم قبل القول والعمل
- أهمية العلم الشرعي
شرح المسألة الثانية
- أهمية العمل بالعلم
- بيان أن العمل بالعلم لا يختص به العلماء
- أحكام ترك العمل بالعلم
- أنواع العبادات
شرح المسألة الثالثة
- على من تجب الدعوة
- شروط الدعوة
- مجالات الدعوة
- الدعوة إلى الله وظيفة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم
- فضل الدعوة إلى الله تعالى
- تفسير قول الله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ...) الآية
شرح المسألة الرابعة
- معنى الصبر
- أهمية الصبر
- أنواع الصبر
- حاجة الداعية إلى الصبر
تفسير سورة العصر
- بيان دلالة سورة العصر على المسائل الأربع
- تضمن هذه السورة الكريمة للدين كله
- بيان معنى العصر
- الله تعالى يقسم بما شاء من خلقه
- لا يحل للمخلوق أن يحلف بغير الله تعالى
- بيان جواب القسم في هذه السورة الكريمة
- المراد بالإنسان في هذه السورة الكريمة
- معنى (الخسر) في قوله تعالى: (إن الإنسان لفي خسر)
- الإيمان لا يكون إلا بعلم
- معنى التواصي بالحق
- معنى التواصي بالصبر
- أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
شرح قول الإمام ابن القيم: ( جهاد النفس أربع مراتب)
ترجمة الإمام الشافعي رحمه الله تعالى
شرح قول الإمام الشافعي رحمه الله
ترجمة الإمام البخاري رحمه الله تعالى
شرح قول الإمام البخاري رحمه الله
بيان الدليل العقلي على وجوب العلم قبل القول والعمل
تفسير قول الله تعالى: (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك)


  #8  
قديم 4 ذو القعدة 1429هـ/2-11-2008م, 10:04 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 13,147
افتراضي الأسئلة

الأسئلة
س1: تحدث باختصار عن أهمية رسالة ثلاثة الأصول.
س2: اذكر بعض فوائد بدء المؤلف رسالته بالبسملة.
س3: اشرح معنى البسملة بإيجاز.
س4: قال المؤلف رحمه الله تعالى مستهلاً رسالته (اعلم رحمك الله) اشرح هذه الجملة مبيناً ما فيها من اللطائف.
س5: ما معنى الوجوب في قول المؤلف: (يجب علينا تعلم أربع مسائل)؟
س6: تكلم بإيجاز عن أهمية هذه المسائل الأربع، مستشهداً بما قاله الإمام ابن القيم رحمه الله في ذلك.
س7: ما هي أقسام العلم من حيث الحاجة إلى الاستدلال؟
س8: عرف العلم لغة واصطلاحاً.
س9: ما حكم التقليد في الاعتقاد؟
س10: ما هو القدر الواجب من العلم على المكلف؟
س11: عرف الإسلام بالمعنى العام، والمعنى الخاص.
س12: ما حكم العمل بغير علم؟
س13: ما معنى الدليل؟
س14: تحدث باختصار عن أهمية العمل بالعلم.
س15: تكلم عن المسألة الثالثة باختصار في ضوء النقاط التالية:
أ. معنى الدعوة. ب. حكمها.
ج. فضلها. د. وسائلها ومجالاتها.
هـ. شروطها. و. آدابها.
س16: اشرح المسألة الرابعة في ضوء النقاط التالية:
معنى الصبر، أنواعه، فضائله.
س17: إذا لم يرَ الداعية استجابة ممن يدعوهم فما الواجب عليه؟
س18: فسر باختصار سورة العصر مبيناً ما يلي:-
أ. معنى العصر.
ب. الحكمة من إقسام الله تعالى بالعصر.
ج. ما هو جواب القسم؟ د. ما المقصود بالإنسان؟
هـ. ما معنى الإيمان؟
و. ما معنى قوله تعالى: {وعملوا الصالحات}؟
ز. ما معنى التواصي بالحق؟
ح. ما معنى التواصي بالصبر؟
س19: لله تعالى أن يقسم بما يشاء من خلقه اذكر بعض فوائد ذلك.
س20: ما حكم حلف العبد بغير الله؟
س21: اشرح قول الشافعي بإيجاز.
س22: اذكر وجه استدلال البخاري بقوله تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك} على وجوب العلم قبل القول والعمل.
س23: ما حكم العمل بغير علم؟
س24: اكتب ترجمة موجزة للأعلام:
أ. الشافعي. ب. البخاري.
ج. محمد بن عبد الوهاب.


  #9  
قديم 28 رجب 1430هـ/20-07-2009م, 06:33 AM
الصورة الرمزية ساجدة فاروق
ساجدة فاروق ساجدة فاروق غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 6,511
افتراضي إجابات على أسئلة طلاب الدورات العلمية بالمعهد

سيتم تعديلها بإذن الله تبعا لما يتوارد من الاسئلة

السؤال الأول : في شرح بن عثيمين رحمه الله قال :


اقتباس:
(13) أي: الدعوةُ إلى ما جاءَ بِهِ الرسولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منْ شريعةِ اللَّهِ تَعَالَى على مَرَاتِبِها الثلاثِ أو الأربعِ التي ذَكَرَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ في قَوْلِهِ:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}.
اقتباس:

والرابعةُ: قولُهُ: {وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ}.
ما المقصود بمراتب الدعوة ؟
وهل هي على حسب الحال أم بالتدرج ؟
وهل الرابعة الجهاد أم ماذا ؟

الجواب : لفظ المراتب يوحي بالترتيب ، والدعوة لها مراتب بعضها مقدم على بعض
فمن كانت تجدي معه الموعظة الحسنة لا يحسن أن يجادَل ، لأنه مستجيب منقاد للحق ليس لديه شبهة تمنعه من الانقياد له
وأما من كانت لديه شبهة صدته عن الحق وهو مقتنع بها فهذا ينتقل معه إلى مرتبة المجادلة بالتي هي أحسن
وأما الظالمون المعتدون الذين لا يليق بهم إلا الغلظة والشدة فيغلظ عليهم
وكذلك بعض من يرتكب المنكرات ويجاهر بها ولا يستجيب للنصح الرفيق فمثل هذا يغلظ عليه إذا كان أهل الحق في موقف قوة
والمقصود أن الدعوة لها مراتب لكل حال مرتبة تناسبها كما تدل على ذلك أدلة الشريعة
ولا يقتضي أن تكون على التدرج مطلقاً ، بل قد يقدم تلك المراتب على بعض لمصلحة شرعية تقتضيه
ففي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)
فبدأ بالإنكار باليد وذلك حين يكون للإنسان ولاية أو وجاهة تخوله الإنكار باليد ولم يخش فتنة أكبر .
وهذا الإنكار يختلف حاله ، فأحياناً يناسب أن يكون باللين والرفق ، وأحياناً يناسب أن يكون بالغلظة والشدة بحسب ما تقتضيه المصلحة الشرعية
وإن كان الغالب أن الرفق مقدم على الشدة
والمرجع في هذا هو اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم
فإنه أحياناً يحسن بالداعية أن يغلظ في الخطاب ليبين للمدعو شناعة ما أقدم عليه ، كما أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على عمر في قصة صحيفة أهل الكتاب ، وكما أنكر على أسامة بن زيد في شفاعته في حد من حدود الله ، وكما انكر عليه أيضاً قتله من قال لا إله إلا الله في المعركة
حتى تمنى أسامة أنه لم يسلم إلا ذلك اليوم
وعامة ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم الغلظة في الإنكار تجده لبيان مراعاة حد من حدود الله ، وحرمة من حرماته
ليزجر المدعو عن ذلك ويبين له عظم شان تلك القضية.
وغالب ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم هو استعمال الرفق واللين ولذلك فهو الأصل إلا حين تقتضي المصلحة الشرعية الغلظة والشدة
وهذا كما يجده الإنسان في تعامله مع أولاده ومن تحت يده من الصبيان ونحوهم فيجد أن بعض الأمور يناسب فيها الرفق واللين ، وبعض الأمور تقتضي الشدة والغلظة وعدم التهاون والتلطف معهم فيها ليميز أؤلئك الصبية أن بعض الأمور من الخطر عليهم اقترابها ، وليتربوا على مراعاة الحدود والحرمات.
وهل الرابعة الجهاد أم ماذا ؟

تشمل الجهاد وغيره مما يحسن فيه الإغلاظ والشدة ، كما في بعض أحوال إنكار المنكر ، وكما في ردع الوالي لبعض السفهاء وزجرهم عن تعدي حدود الله .



السؤال الثاني : من المتن
هل معنى معرفة الله [ أي تعرف أنه الإله الذي يستحق العبادة وهكذا ثم بعد هذه المعرفة تخلص العبادة له سبحانه ] أم هناك معنى آخر؟
الجواب : المعرفة تطلق على معنيين:
المعنى الأول: المعرفة العامة ، وهي التي تعني مجرد العلم
والمعنى الثاني: المعرفة الخاصة ، وهي التي تستلزم العمل بموجبها ، وهذه هي المعرفة المحمودة
وأما الأولى إذا لم يقم العبد بما تقتضيه من العمل فهي حجة على العبد والعياذ بالله.
كما قال الله تعالى عن الكفار: (يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها) وقال عن اليهود: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون)
ومعرفة الله تشمل معرفة ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، والقيام بما تقتضيه هذه المعرفة من توحيد الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته



السؤال الثالث : من شرح الشيخ الفوزان :
اقتباس:
وقولُهُ: (رَحِمَكَ اللهُ) جُملةٌ خَبَرِيَّةٌ لفظًا، إِنشائِيَّةٌ معنًى؛ لأنَّ الْمُرادَ بها الدعاءُ للمتعَلِّمِ بالرحمةِ؛ أيْ: غَفَرَ اللهُ لكَ ما مَضَى مِنْ ذُنوبِكَ، ووَفَّقَكَ وعَصَمَكَ فيما يُسْتَقْبَل هذا إذا أُفْرِدَت الرحمةُ ،وإذا قُرِنَتْ بالْمَغفرةِ: فالْمَغفِرَةُ لِمَا مَضَى، والرحمةُ لِمَا يُسْتَقْبَلُ بالتوفيقِ للخيرِ والسلامةِ مِن الذنوبِ.

ما الفرق في الجملتين؟ كلاهما في نفس المعنى حسب فهمي
الجواب : أراد أنه إذا أفردت الرحمة بالذكر كأن يقول لك قائل: (رحمك الله) فإن هذا الدعاء يشمل أمرين:
الأول: مغفرة ما مضى من الذنوب.
والأمر الثاني: التوفيق والعصمة فيما يستقبل.
وأما إذا قرن الرحمة بالمغفرة كأن يقول لك: (غفر الله لك ورحمك)
فإن المغفرة تكون لما مضى من الذنوب ، وهو الأمر الأول.
ويكون معنى الرحمة : التوفيق والعصمة فيما يستقبل.
هذا تقرير مراد الشيخ وفقه الله ، وهو أحد أقوال العلماء في هذه المسألة ،
وعندي فيه نظر لأن هذه الأمور المذكورة إنما هي أمثلة للرحمة وذكر لبعض آثارها ، والتفسير بذكر المثال لتوضيح المعنى وتقريبه لا بأس به ، وأما أن يقرر الفرق في المعنى بهذه الطريقة ففيه قصور ظاهر من جهة اللغة.
وذلك أن الدعاء بالرحمة لشخص يعم جميع آثارها من رحمته في نفسه وأهله وماله ورحمته بتيسير أموره وتفريج كرباته، ورحمته بمغفرة ذنوبه والعفو عنه ، ورحمته بقضاء حاجاته وحصول مطلوبه، ورحمته بالنجاة من النار ودخول الجنة، إلى غير ذلك من المعاني التي لا تحيط بها العبارة فهو دعاء عظيم عام
ونظيره الدعاء بالسلام كما في تحية المؤمنين : (السلام عليكم) فإنها تتضمن الدعاء للمسلَّم عليه بالسلام في جميع شؤونه ، ومن ذلك السلامة من جميع الآفات في دينه ونفسه وأهله وماله،
ومن ذلك: حصول السلام والأمن له في الدنيا والآخرة ، إلى غير ذلك من المعاني العظيمة.
وعليه إذا جمع الداعي للمدعو له بين المغفرة والرحمة ، كان دعاؤه له بالرحمة شاملاً لجميع المعاني السابقة لا ينتقض منها شيء بالجمع ، وزاد دعاؤه له بالمغفرة تأكيد بعض المعاني المشتركة بين الدعاءين فالرحمة سبب لمغفرة الذنوب، ومغفرة الذنوب من آثار رحمة الله
ونظير ذلك قول المحيي: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
فإن بين السلام والرحمة معان مشتركة بل بينهما تلازم فإن السلام من آثار الرحمة ، والرحمة من أسباب السلام ، وحصول البركات من آثار السلام والرحمة فإن البركات قدر زائد على مجرد السلام ، ولا تحصل البركات إلا برحمة الله، والبركات تكون في كل ما يعطيه الله للعبد من صحة ومال وأهل وغير ذلك كما دل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (وبارك لنا فيما أعطيت) و (ما) موصولة تقتضي العموم.
فهذه الأدعية يؤكد بعضها بعضاً ، وجمعها له أثر كبير في نفس المدعو له ، ولذلك كان من حيا بالتحية الكاملة له ثلاثون حسنة.




السؤال الرابع : قال الشيخ محمد بن عبدالوهاب – رحمه الله- :
اقتباس:
(اعلم رحمك الله أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل:
الأولى: العلم، وهو معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة.
الثانية: العمل به.
الثالثة: الدعوة إليه.
الرابعة:الصبر على الأذى فيه).
السؤال : معلوم ان الوجوب يستلزم الذنب عند الترك فيكف نجمع ذلك مع الحديث قال طلحة بن عبيد الله:
جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد، ثائر الرأس، يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقول، حتى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خمس صلوات في اليوم والليلة) فقال: هل علي غيرها؟ قال: (لا إلا أن تطوع). قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وصيام رمضان). قال هل علي غيره؟ قال: (لا إلا أن تطوع). قال: وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة، قال: هل علي غيرها؟ قال: (لا إلا أن تطوع). قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفلح إن صدق). البخاري 46

الجواب : العلم منه واجب ومنه غير واجب فأما ما لا يتم الإيمان إلا به وما لا يؤدى الواجب إلا به فهو واجب
وما زاد عن القدر الواجب من العلم الشرعي فهو مستحب ، ومن هذا المستحب ما يكون فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط الوجوب عن الباقين.
وفي الحديث المذكور ذكر النبي صلى الله عليه وسلم له أصول العبادات التي هي أركان الإسلام بعد الشهادتين
ولا يتمكن منها أدائها إلا بالعلم ، فلا يمكنه أن يصلي إلا بعد العلم بكيفية الصلاة، ولا يمكنه أن يزكي إلا بعد العلم بكيفية إخراج الزكاة ، وهكذا
وهذا الحديث لا ينفي وجوب أمور أخرى غير هذه الأركان من الواجبات التي دلت عليها النصوص
كبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهد ونحوها ..

فقوله لما قال في الصلوات: هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع
بين في أن المراد إنما هو جنس الصلوات
ولذلك لم يفهم منه عدم وجوب أمور أخرى بدليل ذكر واجب الزكاة والصيام بعدها
ولو كان لا يجب عليه غيرها من سواها لكان قوله: (لا إلا أن تطوع) كافياً في عدم وجوب الصيام والحج ، وهو باطل ، بدليل إيجاب النبي صلى الله عليه وسلم عليه الزكاة والصيام مع قوله: (لا إلا أن تطوع) فعلم بذلك أن مراده بقوله: (لا إلا أن تطوع) جنس الصلوات المفروضة ، ولا ينفي ذلك وجوب ما دلت النصوص على وجوبه من غيرها ، وهو الذي عليه إجماع أهل العلم رحمهم الله.


  #10  
قديم 1 شوال 1431هـ/9-09-2010م, 03:18 PM
الصورة الرمزية ساجدة فاروق
ساجدة فاروق ساجدة فاروق غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 6,511
افتراضي إجابات على أسئلة طلاب الدورات العلمية بالمعهد / الشيخ عبد العزيز الداخل

السؤال الخامس : ذكر الشيخ محمد بن صالح العثيمين فى شرحه لثلاثة الأصول ( مراتب الإدراك وهى ست : ... )
ارجوا من فضيلتكم شرح هذه المراتب الست , وإن أمكن وضع مثال على كل مرتبة منها لأنى لم أفهمها ، وبارك الله فيكم
الجواب : هذا المبحث من المباحث المنطقية التي يذكرها بعض العلماء في مقدمات دراسة أصول الفقه، ولا عليكم أن تتجاوزوه في هذا المتن، وستدرسونه إن شاء الله في موضعه .
ولكن تلبية لطلبك أشرحه شرحاً مختصراً بالتمثيل.
فالإدراك يراد به التمكن من معرفة الشيء، ويعبر عنه بعض العلماء بعبارات أخرى .
والإدراك قد يُجزم بصوابه، وقد يجزم بخطئه، وقد يكون الأمر فيه بين ذلك، فهو على مراتب، وبالمثال يتضح المقال:
فلو قلنا: زيد قائم ، وكان في حقيقة أمره كذلك.
وسألنا سعداً، وعمرواً، وسالماً، وخالداً ، وناصراً، وسليمان عن حال زيد:
فقال سعد: زيد قائم
وقال سالم: لا أدري.
وقال عمرو: زيد قاعد.
وقال خالد: يغلب على ظني أنه قائم.
وقال سليمان: أشك في أمره.
وقال ناصر: يغلب على ظني أنه قاعد.
فهؤلاء ليسوا على مرتبة واحدة في إدراك حال زيد، أي التمكن من معرفة حاله في القيام والقعود.
فسعد قد أدرك الأمر على ما هو عليه، فيسمى إدراكه علما.
وسالم أخبر بأنه لا يدري فليس لديه إدراك عن حاله ، فيسمى جاهلاً جهلاً بسيطاً، والمقصود بالجهل البسيط ليس الهين واليسير ، وإنما المراد بالبسيط غير المركب من جهلين، فهو جهل واحد.
وأما عمرو فكان إدراكه خاطئاً على خلاف حال زيد ومع ذلك جزم به، فهو جاهل جهلاً مركباً من جهلين:
الجهل الأول: عدم معرفته بحال زيد.
والجهل الثاني: حكمه بأن زيد قاعد.
ولو أنه قال لا أدري لكان جهله بسيطاً.
وأما خالد فإدراكه يسمى ظناً لأنه لم يصل إلى درجة الجزم بحال زيد أنه قائم فلا زال لديه احتمال بأنه غير قائم، وهذا الاحتمال يسمى مرجوحاً لأنه لم يغلب على ظنه.
بخلاف حال ناصر الذي غلب على ظنه خلاف الصحيح ، فيسمى واهماً، ولو أنه جزم بأنه قاعد لكان جاهلاً جهلاً مركباً.
وأما سليمان فقد تساوى الاحتمالان عنده ولم يترجح عنده شيء ، فلذلك يسمى إدراكه شكاً، بخلاف حال سالم فإنه لا توجد لديه احتمالات.



السؤال السادس : في حاشية ابن قاسم رحمه الله " واقتصر على البسملة لأنها أبلغ في الثناء والذكر وللخبر " يعنى ماذا " وللخبر " ؟
الجواب :
يقصد الخبر الذي رواه رواه الخطيب البغدادي في كتاب الجامع في أخلاق الراوي من حديث أبي هريرة مرفوعاً: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع) وهو ضعيف جداً.
ويقاربه حديث رواه الإمام أحمد وأبو داوود وابن ماجه بلفظ: (كل كلام أو أمر ذي بال لا يفتح بذكر الله عز وجل فهو أبتر) أو قال: (أقطع).
ومن أهل العلم من حسَّنه كالسيوطي والعجلوني، وذكر السخاوي في المقاصد الحسنة أنه ألف فيه جزءاً، وضعفه الألباني وجماعة من أهل العلم، وقال الدارقطني: الصحيح عن الزهري مرسلاً.


موضوع مغلق

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الأربع, المسائل

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:40 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir