دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > برنامج إعداد المفسر > دورات برنامج إعداد المفسّر > تاريخ علم التفسير

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 18 صفر 1437هـ/30-11-2015م, 09:24 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 10,884
افتراضي أعلام المفسّرين من التابعين

أعلام المفسّرين من التابعين

حمل علم التفسير بعد الصحابة رضي الله عنهم أئمة من التابعين؛ فكانوا خير قرن حمل هذا العلم بعد الصحابة؛ وأقربهم منهم فقهاً وعلماً وهدياً وسمتاً.
ودراسة طالب العلم لسير هؤلاء الأعلام، وطرق تعلّمهم التفسير وأثره عليهم؛ تفيده فوائد جليلة، وتجلّي له ما ينبغي أن يكون عليه حامل القرآن والعالم بمعانيه؛ وما يجب أن تثمر فيه تلك المعرفة.
ولينظر كيف أعلى الله درجاتهم، ورفع ذكرهم، فمضت مئات السنين، والناس ينتفعون بعلمهم، ويذكرون فضلهم، ويثنون عليهم، ويدعون لهم بخير، وما نالوا ذلك إلا بإحسانهم اتّباع الصحابة رضي الله عنهم؛ واجتنابهم ما يخالف هديهم.
وهكذا ينبغي أن نكون في هذا القرن؛ فالسعيد الموفّق من أحسن اتّباعهم، والشقي المفتون من اتّبع غير سبيلهم.

وكان المفسّرون من التابعين على صنفين:
صنف مفسّرون لهم أقوال تروى عنهم في التفسير؛ ولهم اجتهاد في مسائل التفسير.
وصنف: رواة للتفسير؛ يحفظون التفسير ويؤدونه، أو يكتبونه ثم يروونه لمن يأخذ عنهم.

وسأعرّف بطائفة منهم وببعض سيرهم وأخبارهم، ووصاياهم وآثارهم، وبعض ما روي عنهم في التفسير، وأسأل الله تعالى العون والتوفيق.

1: أبو يزيد الربيع بن خثيم الثوري (ت: 61هـ)
الإمام العابد الزاهد المخبت؛ من المخضرمين أدرك الجاهلية والإسلام، ولم ير النبيَّ صلى الله عليه وسلم.
وهو ثقة جليل القدر كبير الشأن في التابعين، نزل الكوفة وصحب ابن مسعود؛ وتعلّم من علمه وهديه وسمته، وحصّل خيراً كثيراً.
قال بكر بن ماعز: كان عبد الله بن مسعود إذا رأى الربيع بن خثيم مقبلا قال : {بشر المخبتين}، أما والله لو رآك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحبك). رواه ابن أبي شيبة.

وكان من العلماء الحكماء، عظيم الزهد في الدنيا، بصيراً بأمر دينه، ناصحاً للمسلمين، وله وصايا مأثورة، وحكم مشهورة، وأخبار وآثار اعتنى السلف بتدوينها وروايتها، وأفرد لها ابن أبي شيبة باباً في مصنفه في كتاب الزهد، ونقل منها طائفة ابن سعد
قال إبراهيم التيمي: (أخبرني من صحب ابن خثيم عشرين عاما ما سمع منه كلمة تُعاب). رواه ابن سعد وابن أبي شيبة.
وقال ابن الكواء للربيع بن خثيم: ما نراك تذم أحدا ولا تعيبه!!
قال: ويلك يا ابن الكواء! ما أنا عن نفسي براض فأتفرغ من ذمي إلى ذم الناس، إن الناس خافوا الله على ذنوب العباد وأمنوا على ذنوبهم). رواه ابن أبي شيبة
- محمد بن فضيل عن أبيه عن سعيد بن مسروق عن الربيع بن خثيم أنه سُرق له فرس وقد أعطى به عشرين ألفا فاجتمع عليه حيُّه وقالوا: ادع الله عليه؛ فقال: (اللهم إن كان غنيا فاغفر له، وإن كان فقيراً فأغنه).

وكان شديد الخشية؛ ذكر الأعمش عمّن حدّثه أن الربيع بن خثيم مرّ بالحدّادين فنظر إلى الكير وما فيه فخرّ مغشيّاً عليه.
وكان حريصاً على تحقيق الإخلاص معتنياً به، قالت سرّيته: كان الربيع يدخل عليه الداخل وفي حجره المصحف يقرأ فيه فيغطيه). رواه ابن سعد وابن أبي شيبة.
وكان يقول: (كل ما لا يراد به وجه الله يضمحلّ). رواه ابن سعد.
- سفيان بن سعيد الثوري، عن أبيه قال: كان إذا قيل للربيع بن خثيم: كيف أصبحتم؟ قال: ضعفاء مذنبين، نأكل أرزاقنا وننتظر آجالنا). رواه ابن سعد وابن أبي شيبة.
- قال نسير بن ذعلوق: كان الربيع بن خثيم يبكي حتى تبتل لحيته من دموعه ويقول: «أدركنا قوما كنا في جنوبهم لصوصا» رواه ابن سعد.

من وصاياه الجليلة:
- ما رواه ابن أبي شيبة من طريق سفيان بن سعيد الثوري عن أبيه عن بكر بن ماعز أن الربيع بن خثيم قال له:
«يا بكر، اخزن عليك لسانك إلا مما لك ولا عليك، فإني اتهمت الناس على ديني، أطع الله فيما علمت، وما استؤثر به عليك فكله إلى عالمه، لأنا عليكم في العمد أخوف مني عليكم في الخطأ، ما خيركم اليوم بخيرٍ، ولكنه خيرٌ من آخر شر منه، ما تتبعون الخير كل اتباعه، ولا تفرون من الشر حق فراره، ما كل ما أنزل الله على محمدٍ أدركتم، ولا كل ما تقرءون تدرون ما هو، السرائر اللاتي يخفين على الناس هن لله بَوَادٍ، ابتغوا دواءها»
ثم يقول لنفسه: «وما دواؤها؟ أن تتوب ثم لا تعود»
- ما رواه ابن سعد من طريق الربيع بن المنذر الثوري عن أبيه، عن الربيع بن خثيم قال: «إن من الحديث حديثا له ضوء كضوء النهار تعرفه، وإن من الحديث حديثا له ظلمة كظلمة الليل تنكره» رواه ابن سعد.

روى عن: ابن مسعود
روى عنه: الشعبي، وسعيد بن مسروق الثوري أبو سفيان، وبكر بن ماعز، وأبو رزين، ومنذر الثوري، ونسير بن ذعلوق، وغيرهم.

من مروياته في التفسير:
أ: قال الأعمش:حدثنا مسعود أبو رزين، عن الربيع بن خثيم في قوله: {وأحاطت به خطيئته} ، قال: هو الذي يموت على خطيئته قبل أن يتوب). رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.
ب: قال نسير بن ذعلوق: سألت الربيع بن خثيم عن الصلاة الوسطى، قال: أرأيت إن علمتها كنت محافظا عليها ومضيعا سائرهن؟ قلت: لا! فقال: فإنك إن حافظت عليهن فقد حافظت عليها). رواه ابن جرير
ج: منصور بن المعتمر، عن أبي رزين، عن الربيع بن خثيم: {فليضحكوا قليلا}، قال: في الدنيا، {وليبكوا كثيرًا} قال: في الآخرة). رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.

2: أبو عائشة مسروق بن الأجدع الهمْداني (ت:62هـ):
الإمام العالم العابد الفقيه؛ كان ن كبار التابعين وأجلائهم، من المخضرمين أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يلقه، وصلّى خلف أبي بكر رضي الله عنه.
كان والده من شعراء الجاهلية المعروفين، وأما هو فكان يكره الشعر، ويقول: أكره أن أجد في صحيفتي شعراً، وقد رُوي من طرق أن والده الأجدع وفد على عمرَ فسمّاه عبد الرحمن.
- كان طَلابة للعلم، حريصاً عليه، أخذ العلم عن كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجالس عدداً منهم حتى حصّل علماً غزيراً.
- قال الشعبي: (ما علمت أن أحداً كان أطلب للعلم في أفقٍ من الآفاق من مسروقٍ).
- وقال علي بن المديني: (ما أقدم على مسروقٍ أحداً من أصحاب عبد الله، صلى خلف أبي بكرٍ، ولقي عمراً وعلياً، ولم يرو عن عثمان شيئاً، وزيد بن ثابت وعبد الله والمغيرة وخباب بن الأرت). رواه الخطيب البغدادي.
-أبو إسحاق السبيعي عن مسروقٍ قال: (قدمت المدينة فسألت عن أصحاب النبي صلى الله الله عليه وسلم، فإذا زيد بن ثابتٍ من الراسخين في العلم). رواه ابن سعد.
- الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: لقد جالست أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؛ فوجدتهم كالإخاذ. فالإخاذ يروي الرجل والإخاذ يروي الرجلين والإخاذ يروي العشرة والإخاذ يروي المائة والإخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم. فوجدت عبد الله بن مسعود من ذلك الإخاذ). رواه ابن سعد والبيهقي وابن عساكر.
- شهد مسروق القادسية، وفيها جرح، وأصابت جراحة في رأسه، وشلت يده، وشهد مع عليّ وقعة الخوارج، واعتزل القتال في الفتنة؛ حضر وقعة صفين وقام بين الصفّين فذكّر ووعظ وحذّر ثم انصرف.
- قال العجلي: (مسروق بن الأجدع يكنى أبا عائشة، كوفيّ تابعيّ ثقة، كان أحد أصحاب عبد الله الذين يقرئون ويفتون، وكان يصلَي حتى ترم قدماه).
- قال علي بن الأقمر: كان مسروق يؤمنا في رمضان فيقرأ العنكبوت في ركعة.
- قال سعيد بن جبير: (لقيني مسروق فقال: يا سعيد ما بقي شيء يرغب فيه إلا أن نعفر وجوهنا في هذا التراب).
وله وصايا وحكم مأثورة عنه، منها:
- الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: (كفى بالمرء علما أن يخشى الله. وكفى بالمرء جهلا أن يعجب بعمله). رواه ابن سعد.
- وقال: (المرء حقيق أن يكون له مجالس يخلو فيها فيذكر ذنوبه فيستغفر الله).
تولّى القضاء في الكوفة، وكان لا يأخذ أجراً عليه، ومات ولم يترك ثمن كفنه.

روى عن: علي وابن مسعود وعائشة وخباب بن الأرت،
وروى عنه: أبو الضحى مسلم بن صبيح القرشي فأكثر، والشعبي، وعبد الله بن مرة، وسالم بن أبي الجعد، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، ويحيى بن الجزار، وعبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، وغيرهم.

مما روي عنه في التفسير:
أ: الأعمش، عن مسلم، عن مسروق قال: سئل عبد الله عن الكبائر، قال: ما بين فاتحة"سورة النساء" إلى رأس الثلاثين). رواه ابن جرير.
ب: الحسن بن عبد الله، عن أبي الضحى، عن مسروق في قوله (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) قال: حين أُسري به). رواه ابن جرير.
ج: منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله، في قوله: {أو يأتي بعض آيات ربك} قال: (طلوع الشمس والقمر كالبعيرين القرينين من مغربها).

3: عبيدة بن عمرو بن قيس السلماني المرادي (ت: 72هـ).
الإمام الفقيه المفسّر؛ من كبار التابعين وعلمائهم؛ أسلم عام الفتح في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يلقه، وأخذ العلم عن كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود.
لزم ابن مسعود في الكوفة حتى كان مقدّماً في أصحابه، ثمّ لمّا انتقل عليّ إلى الكوفة لزمه وأخذ عنه علماً غزيراً، وشهد معه وقعة الخوارج بالنهروان.
قال العجلي: (كان من أصحاب علي وعبد الله بن مسعود، وكان أعور، وكان أحد أصحاب عبد الله الذين يقرئون ويفتون).
قال ابن سيرين: (كان عبيدة عريف قومه). رواه ابن سعد.

وكان معدوداً من كبار فقهاء الكوفة، تولّى القضاء بها مدّة، وكان حسن الاستنباط والاجتهاد على ورع وتوقّي:
- قال محمد بن سيرين: (سألت عبيدة عن آية فقال: عليك باتقاء الله والسداد فقد ذهب الذين كانوا يعلمون فيما أنزل القرآن). رواه ابن سعد والخطيب البغدادي. .
- قال النعمان بن قيس: دعا عَبيدة بكتبه عند موته؛ فمحاها وقال: (أخشى أن يليها أحد بعدي فيضعوها في غير موضعها). رواه ابن سعد.
- قال يحيى بن معين: (عَبيدة ثقة لا يُسأل عنه).

روى عنه في التفسير: محمد بن سيرين فأكثر، وأخوه أنس بن سيرين، وإبراهيم النخعي، وأبو حسان الأعرج، وأبو الضحى، وغيرهم.

من مروياته في التفسير:
أ: إبراهيم النخعي عن عبيدة السلماني عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السموات على إصبع والأرضين على إصبع والشجر على إصبع والماء والثرى على إصبع وسائر الخلائق على إصبع فيقول أنا الملك فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: { وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون }). رواه البخاري.
ب: هشام بن عروة عن محمد بن سيرين عن عبيدة السلماني في قول الله تعالى : {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة..} قال: هو الرجل يذنب الذنبَ فيستسلم، ويلقي بيده إلى التهلكة، ويقول: لا توبة له!). رواه ابن جرير.
ج: ابن علية عن ابن عون، عن محمد بن سيرين، عن عَبيدة، في قوله: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن} فلبسها عندنا ابن عون، قال: ولبسها عندنا محمد، قال محمد: ولبسها عندي عبيدة؛ قال ابن عون بردائه، فتقنع به، فغطى أنفه وعينه اليسرى، وأخرج عينه اليمنى، وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب). رواه ابن جرير.

4: أبو إسماعيل مرة بن شراحيل البُكيلي الهمْداني (ت: 76هـ)
يقال له: مرة الطيب، ومرة الخير؛ قال ابن حبان: (إنما سمّي طيّبا لكثرة عبادته).
وقال الذهبي: (مخضرم، كبير الشأن).
وقال العجلي: (كوفيّ تابعيّ ثقة).
وكان من عبّاد أهل الكوفة، جمع من العلم فأكثر، لكن غلبت عليه العبادة.
قال عطاء بن السائب: رأيت مصلى مرة الهمداني مثل مبرك البعير.
وقال ابن حبان: (كان يصلى كل يوم ستمائة ركعة، وكان مسجده مثل مبرك البعير).
قال الذهبي: (ما كان هذا الولي يكاد يتفرغ لنشر العلم، ولهذا لم تكثر روايته، وهل يراد من العلم إلا ثمرته).
قلت: ومع هذا فمروياته في التفسير كثيرة.
ومن مروياته في التفسير:
أ: قال عبد الله بن وهب: أخبرنا سفيان الثوري، عن زبيد الإيامي، عن مرة بن شراحيل الهمداني قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: {اتقوا الله حق تقاته}، قال: فحق تقاته أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، وأن يذكر فلا ينسى). ورواه أيضاً ابن جرير.
ب: عمرو بن قيس الملائي عن مرة الطيب: ليتق امرؤ ألا يكون من رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء. ثم قرأ هذه الآية: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء}). رواه ابن أبي حاتم.
ج: قال موسى بن أبي عائشة: سألت مرة الهمداني عن قوله تعالى : {اللؤلؤ والمرجان} قال: « المرجان: جيد اللؤلؤ » رواه عبد الرزاق.

5: أبو مريم زِرُّ بنُ حُبَيشِ بنِ حُباشةَ الأسديّ (ت: 82هـ)
الإمام المقرئ المفسّر، ثقة جليل القدر، من كبار التابعين المخضرمين، أدرك الجاهلية، ولبث فيها عمراً، وكان قد جاوز الأربعين من عمره لمّا هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.
لم يلق النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما وفد على عمر في المدينة، ثم ارتحل إلى الكوفة، ولزم ابن مسعود، وقرأ عليه القرآن، وأخذ منهم علماً غزيراً، وكان زرّ من الفصحاء المذكورين؛ عالماً بالعربية.
قال عاصم بن أبي النجود: (كان زر بن حبيش أعرب الناس، وكان عبد الله [بن مسعود] يسأله عن العربية). رواه ابن سعد.
ووفد في خلافة عثمان إلى المدينة؛ ولزم عبد الرحمن بن عوف وأبيّ بن كعب، ملازمة حسنة، وقرأ على أبيّ وأكثر من سؤاله عن التفسير.
عن عاصم، عن زر قال: خرجت في وفد من أهل الكوفة، وايم الله إن حرضني على الوفادة إلا لقاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلما قدمت المدينة أتيت أبيّ بن كعب، وعبد الرحمن بن عوف، فكانا جليسيَّ وصاحبيَّ، فقال أبيٌّ: يا زرّ ما تريد أن تدع من القرآن آية إلا سألتني عنها). رواه ابن سعد.
ولعله كان في عشر الستين في تلك الوفادة.
وكان مع فصاحته ومعرفته بالتفسير من الأئمة القراء؛ قال عاصم: (ما رأيت أقرأ من زر).
قرأ القرآن فجوّده، وعلم من التفسير والأحكام علماً غزيراً، وعمّر حتى أدرك خلافة عبد الملك بن مروان، ومات سنة 82هـ قبل وقعة الجماجم، وله من العمر 127سنة على قول أبي نعيم، و122 سنة على قول ابن حبّان.
قال إسماعيل بن أبي خالد: (رأيت زر بن حبيش وقد أتى عليه عشرون ومائة سنة وإن لحييه ليضطربان من الكبر). رواه ابن سعد.
وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث.

روى عن: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأبيّ بن كعب، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس.
وروى عنه في التفسير: عاصم بن أبي النجود وهو أكثرهم رواية عنه، والمنهال بن عمرو، والأعمش، ومنصور بن المعتمر، وعطاء بن أبي ميمونة.
وعطاء مختلف فيه لكن يروي عنه علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف؛ فرواية علي بن زيد عن عطاء بن أبي ميمونة عن زر ضعيفة الإسناد.
وقرأ عليه القرآن: عاصم بن أبي النجود والأعمش ويحيى بن وثاب وغيرهم.

ومما روي عنه في التفسير:
أ: جرير بن حازم عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش قال: (سألت عبد الله بن مسعود عن {الأواه}، قال: هو الدَّعاء). رواه ابن وهب.
ب: عن محمد بن عبيد الله عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش قال: سألت عبد الله بن عباس: أفي ص سجدة، فقال: نعم، فقلت: إن ابن مسعود يقول: لا؛ قال: لو سمعها داود لسجد، وقد أمرنا الله أن نقتدي بهم). رواه ابن وهب.
ج: سفيان، عن عاصم، عن زِرّ {َما هوَ عَلَى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ} قال: الظَّنين: المتَّهم، وفي قراءتكم: {بِضَنِينٍ} والضنين: البخيل، والغيب: القرآن). رواه ابن جرير.

6: أبو وائل شقيق بن سلمة الأسدي (ت: 83هـ تقريباً)
من كبار التابعين، ثقة مخضرم، أدرك زمان النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يلقه، وتلقّى العلم عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأبو موسى الأشعري، وابن عمر، وابن عباس، وغيرهم.
- قال أبو العنبس:سمعت أبا وائل يقول: (بعث النبي صلى الله عليه وسلم وأنا غلام شاب). رواه الخطيب البغدادي.
- قال هشيم: أخبرنا مغيرة عن أبي وائل: أتانا مصدّق النبي صلى الله عليه وسلم؛ فكان يأخذ من كل خمسين ناقة ناقة؛ فأتيته بكبش لي؛ فقلت له: خذ صدقة هذا؛ فقال: ليس في هذا صدقة). رواه ابن سعد.
- أبو معاوية، عن الأعمش، قال: قال لي شقيق بن سلمة: (يا سليمان لو رأيتني ونحن هراب من خالد بن الوليد يوم بزاخة، فوقعت عن البعير فكادت تندق عنقي، فلو مت يومئذ كانت النار). رواه ابن سعد والخطيب البغدادي.
- استنتج الذهبي من ذلك أن أبا وائل كان مع من ارتدّ من قومه بني أسد في زمان أبي بكر الصديق، ولكنّ الله منّ عليه فتاب.
وقد روي أن عبد الله بن مسعود كان إذا رآه قال: مرحباً بالتائب.
وكان شقيق بن سلمة من خاصة أصحاب ابن مسعود وخيارهم، وأعلمهم بحديثه وأحفظهم له.
قال إبراهيم النخعي للأعمش: عليك بشقيق، فإني رأيت الناس وهم متوافرون، وهم يعدونه من خيارهم). رواه الخطيب البغدادي.
قال يوسف الصفار: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، قال: كان أبو وائل إذا خلا نشج، ولو جعل له الدنيا على أن يفعل ذلك وأحد يراه لم يفعل). رواه الخطيب البغدادي.
وكان حافظاً للسانه متقللاً من الدنيا؛ حتى روي أنّ بيته خصّ من قصب إذا غزا نقضه، وإذا قدم بناه.
- قال عاصم بن أبي النجود: (ما سمعت أبا وائل سب إنسان قط، ولا بهيمة). ذكره الذهبي.
قال عاصم بن بهدلة: سمعت شقيق بن سلمة أبا وائل يقول وهو ساجد: (اللهم اعف عني واغفر لي فإنك إن تعف عني تعف عني طويلا وإن تعذبني تعذبني غير ظالم ولا مسبوق). رواه ابن سعد.
قال قبيصة بن عقبة: حدثنا سفيان عن الأعمش قال: كان أبو وائل إذا سئل عن شيء من القرآن قال: قد أصاب الله به الذي أراد).
وقال الزبرقان بن عبد الله الأسدي: أمرني شقيق قال: (لا تقاعد أصحاب أرأيت أرأيت). رواه الدارمي وابن سعد وابن حبان.
نزل أبو وائل الكوفة مع أوّل من نزلها في خلافة عمر، وصحب ابن مسعود، وشهد قتال الخوارج بالنهروان مع عليّ ، وروى قصّة ذي الثدية، وشهد معه صفين.
قال ابن سعد: أخبرنا وكيع بن الجراح قال: حدثنا الأعمش عن أبي وائل؛ قيل له:
أشهدت صفين؟ قال: (نعم وبئست الصفون كانت).
قال يحيى بن معين: (أبو وائل ثقة، لا يسأل عن مثله).
وقال ابن سعد: (كان ثقة، كثير الحديث).
عمّر حتى بلغ مائة، وروي أنه سئل أيهما أكبر هو أو مسروق؟ فذكر أنه أسنّ منه.
ومات بعد وقعة الجماجم في زمن الحجاج بن يوسف.
سنة 82هـ أو 83هـ.
ووهم الواقدي فزعم أنه مات في خلافة عمر بن عبد العزيز لأجل ما ذكر أنه مات في عشر المائة، وإنما أرادوا عمره، كما نبّه لذلك الذهبي.

7: أبو الأحوص عوف بن مالك بن نضلة الجشمي (ت: 85 ه تقريباً)
وجشم بطن من هوازن.
روى أبو الأحوص عن أبيه مالك بن نضلة وكان صحابياً، وهو الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أنعم الله على عبد نعمة أحب أن يرى أثر نعمته عليه).
نزل الكوفة في خلافة عمر مع أوائل من نزلها، وتفقّه على عبد الله بن مسعود وأبي موسى الأشعري، وأبي مسعود البدري، وغيرهم.
وقاتل الخوارج مع عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وروى أحداث وقعة النهروان.
قال علي بن الأقمر: سمعت أبا الأحوص يقول: (كنا ثلاثة إخوة. أما أحدهم فقتلته الحرورية. وأما الثاني فقتل يوم كذا وكذا. والثالث. يعني نفسه. لا يدري ما يصنع الله به).

وكان ثقة حافظاً كثير الحديث، حمل عن عبد الله بن مسعود علماً غزيراً، وحدّث عنه فأكثر وأطاب.
- الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن أبي الأحوص، قال: كنا في دار أبي موسى مع نفر من أصحاب عبد الله [بن مسعود] وهم ينظرون في مصحف؛ فقام عبد الله.
فقال أبو مسعود: ما أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك بعده أعلم بما أنزل الله من هذا القائم.

فقال أبو موسى: (أما لئن قلت ذاك، لقد كان يشهد إذا غِبنا، ويُؤذن له إذا حُجِبنا). رواه مسلم.
سرده للحديث:
- قال شعبة لأبي إسحاق السبيعي: كيف كان أبو الأحوص يحدث؟
قال: كان يسكبها علينا في المسجد. يقول: قال عبد الله، قال عبد الله). رواه الفسوي وابن سعد.
وكان من القصّاص الثقات.
- قال عاصم بن أبي النجود: كنا نأتي أبا عبد الرحمن السلمي ونحن غلمة أيفاع. قال فكان يقول لنا: لا تجالسوا القصاص غير أبي الأحوص). رواه مسلم في مقدمة صحيحه، وابن سعد.
وفاته:
- قال ابن حبان: قتلته الخوارج في أيام الحجاج بن يوسف.

- وروى الفسوي في المعرفة عن أبي الزعراء قال: خرج أبو الأحوص إلى الأزارقة فقُتل.
وقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الخوارج: «طوبى لمن قتلهم وقتلوه» روي من حديث جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم عليّ بن أبي طالب وعبد الله بن عمر وعبد الله بن أبي أوفى وأنس بن مالك وأبو سعيد الخدري.

- ذكره البخاري في تاريخه فيمن مات ما بين الثمانين إلى التسعين.

مرويات أبي الأحوص في التفسير:
روى عنه في التفسير: أبو إسحاق السبيعي، وعلي بن الأقمر، ومالك بن الحارث، وعبد الله بن مرة، وعبد الملك بن عمير، وعطاء بن السائب، وعاصم بن أبي النجود، وإبراهيم الهجري، وحميد بن هلال العدوي، ويزيد بن أبي زياد، وسلمة بن كهيل، وغيرهم.

مما روي عنه في التفسير:
أ: إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود، في قوله: {ومن الأنعام حمولة وفرشا}، قال: " الحمولة: ما قد حمل من الإبل، والفرش: صغار الإبل التي لم تحمل ). رواه سفيان الثوري وابن وهب وابن جرير.
ب: عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص، أن عبد الله بن مسعود قرأ هذه الآية: {تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون} قال: «ألم تروا إلى الرأس المشيط بالنار قد قلصت شفتاه وبدت أسنانه؟» رواه عبد الرزاق وابن جرير.
ج: مالك بن مغول، عن علي بن الأقمر، عن أبي الأحوص، أنه تلا هذه الآية: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} ، ثم يقول: بريءٌ نبيكم صلى الله عليه وسلم منهم). رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.

8
: أبو العالية رُفيع بن مهران الرياحي (ت: 93هـ)
الإمام القارئ المفسّر الفقيه، تابعيّ مخضرم، أدرك الجاهلية، وأسلم في خلافة أبي بكرٍ الصديق، وقرأ القرآن على عمر وأبيّ بن كعب وزيد بن ثابت.
- قال أبو خلدة: سمعت أبا العالية يقول: كنا عبيدا مملوكين، منا من يؤدي الضرائب، ومنا من يخدم أهله، فكنا نختم كل ليلة، فشق علينا، حتى شكا بعضنا إلى بعض، فلقينا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فعلَّمونا أن نختم كل جمعة، فصلينا ونمنا ولم يشق علينا). رواه ابن سعد.
- وقال: كنت آتي ابن عباس وهو أمير البصرة، فيجلسني على السرير، وقريش أسفل، فتغامزت قريش بي، فقالت: يرفع هذا العبد على السرير! ففطن بهم، فقال: إن هذا العلم يزيد الشريف شرفا، ويجلس المملوك على الأسرة.) ذكره الذهبي في تاريخ الإسلام.
كان مملوكاً لامرأة من بني رياح؛ فوافت به المسجد والإمام على المنبر فأشهدت المسلمين على عتقه سائبة لله.
- قال أبو قطن: حدثنا أبو خلدة عن أبي العالية قال: كنا نسمع الرواية بالبصرة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلم نرض حتى ركبنا إلى المدينة فسمعناها من أفواههم). رواه ابن سعد.
- قال عاصم الأحول: كان أبو العالية إذا جلس إليه أكثر من أربعة قام وتركهم.
- قال سلام بن مسكين: حدثنا محمد ابن واسع عن أبي العالية الرياحي قال: ما أدري أي النعمتين علي أفضل. إذ أنقذني الله من الشر وهداني إلى الإسلام أو نعمة إذ أنقذني من الحرورية). رواه ابن سعد.

روى عن عائشة وابن مسعود وأبيّ بن كعب، وأبي موسى، وابن عباس وأنس بن مالك، وغيرهم.
وروى عنه: الربيع بن أنس البكري، وقتادة، وعاصم بن أبي النجود، ويونس بن عبيد، وأبو خلدة، وداود بن أبي هند، وغيرهم.

مروياته في التفسير:
له مرويات كثيرة في التفسير، من أقواله ومما يروي عن بعض الصحابة رضي الله عنهم.
أ: أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: "هدنا إليك"، قال: تبنا إليك). رواه ابن جرير.
ب: عن هشيم قال:أخبرنا يونس بن عبيد عن أبي العالية: {ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف} قال: المعروف: القرض، ألا ترى إلى قوله عز وجل: {فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم}).
ج: أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: {اطمس على أموالهم} قال: (اجعلها حجارة). رواه ابن جرير.

9: سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي القرشي (ت:94هـ)
الفقيه العالم الثبت الثقة؛ إمام المسلمين في زمانه.
ولد في خلافة عمر، وسمع منه شيئاً يسيراً لصغر سنّه، وأخذ عامّة علمه عن زيد بن ثابت وأبي هريرة؛ فحمل عنهما علماً كثيراً؛ فقد كان زيد من أفقه أهل المدينة وأعلمهم بالقرآن والأحكام والقضاء، وكان أبو هريرة من أعلمهم بالحديث وأحفظهم له؛ فاجتمع له منهما علم غزير على حين وفرة الصحابة في المدينة، وهو شابّ حسن الفهم قويّ الحفظ نجيباً حريصاً على العلم.
وأخذ عن جماعة آخرين من الصحابة رضي الله عنهم، واعتنى بحفظ ما يبلغه من فقه عمر بن الخطاب وأقضيته حتى قال يحيى بن سعيد الأنصاري: كان (يقال ابن المسيب راوية عمر).
قال الليث بن سعد: (لأنه كان أحفظ الناس لأحكامه وأقضيته).
قال علي ابن المديني: (لا أعلم في التابعين أوسع علما منه، هو عندي أجل التابعين).
أفتى في حضرة الصحابة، وكان من الصحابة من يسأله لعلمه وحفظه، وكان من أعبر الناس للرؤى، وله في ذلك أخبار كثيرة.
وكان على سعة علمه يتوقّى القول في القرآن برأيه إذا لم يكن لديه فيه علم حاضر.
قال ابن وهب: حدثني الليث بن سعد ومالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه كان إذا سئل عن القرآن قال: (إنا لا نقول في القرآن شيئا).
وقال ابن شوذب: حدثني يزيد بن أبي يزيد، قال: كنا نسأل سعيد بن المسيب عن الحلال والحرام، وكان أعلم الناس، فإذا سألناه عن تفسير آية من القرآن سكت، كأن لم يسمع). رواه ابن جرير.
قال ابن كثير: (فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به؛ فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعا، فلا حرج عليه؛ ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير، ولا منافاة؛ لأنهم تكلموا فيما علموه، وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل أحد؛ فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به، فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه، لقوله تعالى: {لتبيننه للناس ولا تكتمونه}، ولما جاء في الحديث المروي من طرق: "من سئل عن علم فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار).
ولسعيد بن المسيب مرويات كثيرة في كتب التفسير؛ من أقواله ، ومما يرويه عن بعض الصحابة والتابعين.
أرسل سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومراسيله من أجود المراسيل في الجملة، وقد صححها بعض أهل العلم واحتجّوا بها، والراجح أنها تعتبر في الشواهد والمتابعات ولا يحتجّ بها.
وروى عن عمر وعثمان وعلي وعائشة وسعد بن أبي وقاص وأبيّ بن كعب وأبي هريرة، وزيد بن ثابت وأبي الدرداء وابن عمر وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وابن عباس وأبي سعيد الخدري، وكعب الأحبار وغيرهم.
وروى عن كعب الأحبار، ولذلك يكون في تفسيره بعض الإسرائيليات؛ فمنه ما يسنده عن كعب، ومنه ما لا يسنده عنه.
وأكثر ما يُروى عنه في التفسير تفسير آيات الأحكام.
وروى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، والزهري، وسالم بن عبد الله، وقتادة، وعبد الرحمن بن حرملة، وداود بن أبي هند، وعمرو بن مرة، وغيرهم.
وروى عنه من الضعفاء: علي بن زيد بن جدعان.

من مروياته في التفسير:
أ: يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب في هذه الآية:"وما كان الله ليضيع إيمانكم" قال، صلاتكم نحو بيت المقدس. رواه ابن جرير.
ب: الزهري، عن سعيد بن المسيب، في قول الله تعالى: {والمحصنات من النساء} قال: ذوات الأزواج، ويرجع ذلك إلى أن الله عز وجل حرم الزنا). رواه ابن المنذر.
ج: سليمان بن بلال عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيب أنه سمعه يقول في هذه الآية: {عتل بعد ذلك زنيم}، قال سعيد: وهو الملصق في القوم، ليس منهم). رواه ابن وهب.

10: سعيد بن جبير الأسدي (ت:95هـ)
العالم الفقيه المفسّر؛ مفتي أهل الكوفة، وتلميذ ابن عباس النجيب، ولد سنة 46هـ، وكان من موالي بني أسد.
أخذ جلّ علمه عن ابن عباس وابن عمر وأخذ عن غيرهما من الصحابة وكبار التابعين، وكان حافظاً فَهِماً، وكان يسائل ابن عباس، ويحسن فهم مسائل العلم؛ فاعتنى به ابن عباس، وحدّثه فأكثر؛ حتى قال له: (لقد حفظت عني علماً كثيراً).
وكان سعيد يكتب في صحف له، وكان يسمع سؤالات أصحاب ابن عباس له فيتفهّمها ويحفظها؛ حتى حصّل علماً غزيراً، وأمره ابن عبّاس بالفتوى والتحديث،
وهو شابُّ.
- قال مجاهد :قال ابن عباس لسعيد بن جبير: حدّث.
فقال: أُحدِّث وأنت ها هنا !!
فقال: (أوليس من نعمة الله عليك أن تحدث وأنا شاهد؛ فإن أصبت فذاك، وإن أخطأت علَّمتك؟!!). رواه ابن سعد وابن أبي حاتم.
وكان عمره عند موت ابن عباس اثنان وعشرون عاماً.
- قال: جعفر بن أبي المغيرة: (كان ابن عباس بعدما عَمِي إذا أتاه أهل الكوفة يسألونه قال: تسألوني وفيكم بن أم دهماء) يعني سعيد بن جبير.
قال أشعث بن إسحاق: (كان يقال: سعيد بن جبير جهبذ العلماء). رواه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل.
الجهبذ هو الناقد البصير؛ الذي يميّز الصحيح من غيره.
وكان حريصاً على ضبط العلم: ضبط صدر، وضبط كتاب، وضبط تمييز بين صحيحه وضعيفه.
- قال عفّان: حدّثنا شعبة عن أيوب عن سعيد بن جبير قال: كنت أسأل ابن عمر في صحيفة، ولو علم بها كانت الفيصل بيني وبينه، قال: فسألته عن الإيلاء؛ فقال: أتريد أن تقول: قال ابن عمر، وقال ابن عمر؟!
قال: قلت: نعم، ونرضى بقولك ونقنع.
قال: (يقول في ذلك الأمراء). رواه ابن سعد.
- قال وُهَيب: حدثنا أيوب عن سعيد بن جبير قال: (كنا إذا اختلفنا بالكوفة في شيء كتبته عندي حتى ألقى ابن عمر فأسأله عنه). رواه ابن سعد.
وكان حريصاً على نشر العلم وبذله؛ فنشر علماً كثيراً؛ حتى عذله بعض أصحابه فقال: (إنّي أحدّثك وأصحابك أحبّ إليَّ من أن أذهب به معي إلى حفرتي).
قال أبو شهاب: (كان سعيد بن جبير يقصّ لنا كلَّ يوم مرتين بعد صلاة الفجر وبعد العصر).
- روي من طرق عنه أنه كان يختم كلّ ليلتين من بعد مقتل الحسين إلا أن يكون مريضاً أو مسافراً.
- خرج مع ابن الأشعث على الحجاج بن يوسف، ولما هزموا في وقعة الجماجم سنة 83هـ هرب إلى مكّة، وتخفّى ثنتي عشرة سنة، وكان مع ذلك يحجّ ويفتي ويحدّث؛ إلى أن وشى به رجل إلى أمير مكّة خالد بن عبد الله القسري؛ فقيّده، وبعث به إلى الحجاج؛ فقتله سنة 95هـ.
قال ابن حبان: (قتله الحجاج بن يوسف سنة خمس وتسعين صبراً وله تسع وأربعون سنة).
ولم يمهل الحجّاج بعده إلا قليلاً، وروي أنه ندم على قتله وقال: ما لي ولسعيد بن جبير!!
قال إبراهيم النخعي: (ما خلف سعيد بن جبير بعده مثله).

مروياته في التفسير:
كان سعيد بن جبير من أكثر من يُروى عنهم التفسير من التابعين؛ له أقوال في التفسير، ومرويات رواها عن بعض الصحابة كابن عباس وابن عمر وأبي موسى الأشعري وأبي هريرة، وعمران بن الحصين.
وأرسل عن عمر بن الخطّاب وأبيّ بن كعب.
وروى عن بعض التابعين كأبي عبد الرحمن السلمي، وأبي الهياج الأسدي، وأبي الصهباء البكري، وعمرو بن ميمون، وعكرمة، وغيرهم.
وروى أيضا عن نوف البكالي ابن امرأة كعب الأحبار، ولذلك قد تقع في مروياته بعض الإسرائيليات.
وروى عنه: أبو بشر جعفر بن أبي وحشية اليشكري، والمنهال بن عمرو، وحبيب بن أبي ثابت، وعزرة بن عبد الرحمن الخزاعي، وبكير بن شهاب، وعطاء بن السائب، ومسلم البطين، وخصيف، وعمار الدهني، وجعفر بن أبي المغيرة، وداوود بن أبي هند، وأبو إسحاق السبيعي، وعطاء بن دينار، وغيرهم.

من مروياته في التفسير:
أ: قيس، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في هذه الآية {كونوا ربانيين} قال: (هم الفقهاء المعلمون). رواه ابن المنذر وابن أبي حاتم.
ب: قال هشيم: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، قال: {الذي بيده عقدة النكاح}: هو الزوج.
قال: وقال مجاهد، وطاوس: «هو الولي»
قال: ( قلت لسعيد: فإن مجاهدا، وطاوسا يقولان: هو الولي.
قال سعيد: (أرأيت لو أنَّ الولي عفا وأبتِ المرأة أكان يجوز ذلك؟!!)
فرجعت إليهما فحدثتهما، فرجعا عن قولهما وتابعا سعيدا). رواه سعيد بن منصور، وابن جرير واللفظ له، والبيهقي.
ج: قال هشيم: أخبرنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: هم أهل الكتاب جزَّأوه أجزاء فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه يعني قول الله تعالى { الذين جعلوا القرآن عضين }). رواه البخاري.
د: قال ابن جريج : أخبرني عبد الله بن كثير، عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: {كذلك كنتم من قبل} تستخفون بإيمانكم كما استخفى هذا الراعي بإيمانه). رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم.

11
: أبو عمران إبراهيم بن يزيد النخعي (ت: 96هـ):
الإمام الفقيه المفسّر، مفتي أهل الكوفة، وإمام أهل السنة في زمانه.
تفقّه على أصحاب عبد الله بن مسعود منهم خالاه الأسود وعبد الرحمن ابنا يزيد النخعي، ومسروق بن الأجدع، وعلقمة بن قيس، وأبو معمر الأزدي، وغيرهم، وحمل عنهم علماً كثيراً، كان يحفظه في صدره، ويعيه قلبه.
روي عنه أنه قال: ما كتبت شيئاً قط.
وقال: قلَّ ما كتب إنسان كتابا إلا اتكل عليه، وقلَّ ما طلب إنسان علماً إلا آتاه الله منه ما يكفيه.
قال عبد الملك بن أبي سليمان: رأيت سعيد بن جبير يُستفتى فيقول: أتستفتوني وفيكم إبراهيم؟). رواه ابن سعد.
قال الأعمش: قلت لإبراهيم: إذا حدثتني عن عبد الله فأسند. قال: إذا قلت قال عبد الله فقد سمعته من غير واحد من أصحابه. وإذا قلت حدثني فلان فحدثني فلان). رواه ابن سعد.
وكان من أئمة أهل السنة؛ يحذّر من الأهواء والخصومات والبدع، وقد حدثت فتنة الإرجاء في عهده بعد فتنة ابن الأشعث؛ فكان يحذّر من المرجئة، ويقول: إياكم وأهل هذا الرأي المحدَث.
وقال: الإرجاء بدعة.
وقال فيهم: (تركوا هذا الدين أرقَّ من الثوب السابري).
أوذي في زمان الحجاج فتخفّى حتى كان لا يشهد الجمع والأعياد، ولمّا بلغه موت الحجاج سجد.
ومات إبراهيم بعد الحجاج بأربعة أشهر أو خمسة.
قال ابن سعد: (أجمعوا على أنه توفي في سنة ست وتسعين في خلافة الوليد بن عبد الملك بالكوفة، وهو ابن تسع وأربعين سنة لم يستكمل الخمسين).
وكان يكره التصدّر، وكان لا يحضر حلقته في حياته إلا نحو أربعة أو خمسة؛ فلمّا مات روي عنه علم كثير.
قال الشعبي: ما ترك بعده مثله، وهو ميتاً أفقه منه حياً.
قلت: لعلّه يريد ما حمل عنه من العلم ونشر بعد موته.

قال مغيرة بن مقسم: «كان إبراهيم يكره أن يتكلم في القرآن» رواه ابن أبي شيبة.
قلت: وهو محمول على ما سبق بيانه عن سعيد بن المسيب وغيره، وقد روى عنه مغيرة روايات كثيرة في التفسير.
روى عن: خاليه الأسود وعبد الرحمن ابني يزيد النخعي، وعن علقمة بن قيس، ومسروق، وهمام بن الحارث، وأبي معمر الأزدي، وغيرهم.
روى عنه: سليمان بن مهران الأعمش فأكثر، ومغيرة بن مقسم الضبي، وقتادة، وسماك بن حرب، وأبو معشر، وإبراهيم بن المهاجر، والحكم بن عتيبة، ومنصور بن المعتمر، وحماد بن أبي سليمان، وغيرهم.

من مروياته في التفسير:
أ: قال الأعمش: حدثني إبراهيم، عن الأسود، قال: كنا في حلقة عبد الله [بن مسعود] فجاء حذيفة حتى قام علينا فسلم، ثم قال: «لقد أنزل النفاق على قوم خير منكم»، قال الأسود: سبحان الله إن الله يقول: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار}، فتبسم عبد الله، وجلس حذيفة في ناحية المسجد، فقام عبد الله فتفرق أصحابه، فرماني بالحصا، فأتيته، فقال حذيفة: «عجبت من ضحكه، وقد عرف ما قلت، لقد أنزل النفاق على قوم كانوا خيرا منكم ثم تابوا، فتاب الله عليهم» رواه البخاري في صحيحه، وأبو داوود في الزهد، وابن أبي حاتم، والبيهقي.
يريد حذيفة أنّ من المنافقين الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم طائفة تابوا فتاب الله عليهم؛ فكانوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونالوا شرف صحبته؛ فأدركوا من الفضل ما كانوا به خيراً ممن يأتي بعدهم.
ب: معمر بن راشد, عن حماد بن أبي سليمان, عن إبراهيم في قوله تعالى: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين}, قال: " إن أهل النار يقولون: كنا أهل شرك وكفر فما شأن هؤلاء الموحدين ما أغنى عنهم عبادتهم إياه؟ " قال: «فيخرج من النار من كان فيها من المسلمين» , قال: «فعند ذلك يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين» رواه عبد الرزاق.
ج: أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، في قوله: ({الجوار الكنس} قال: هي بقر الوحش). رواه ابن جرير.

12
: أبو الضحى مسلم بن صبيح القرشي (ت:100هـ)
كان مولى لآل سعيد بن العاص القرشي؛ فكان يُنسب إليهم بالولاء، وعرف بكنيته "أبي الضحى".
قال البخاري في التاريخ الكبير: (سَمِعَ ابْنَ عُمَر وابْن عَبَّاس والنعمان بْن بشير).
وأخذ عن مسروق وعلقمة وأبي عبد الرحمن السلمي وغيرهم.
وأكثر ما يرويه في التفسير عن مسروق، وعامّة ما أخرج له البخاري ومسلم في صحيحيهما ما رواه عن مسروق، ولم يخرجا من غير هذا الطريق إلا نزراً يسيراً.
قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات.
وأمّا أقواله في التفسير ففيها بعض ما فيه نظر.

مروياته في التفسير:
له مرويات كثيرة في التفسير، وإذا صحّ الإسناد إليه، ولم يكن منقطعاً بينها وبين الصحابي فالغالب عليها الصحّة إلا روايته عن ابن عباس فعامّة ما يرويه عنه معلول.
وهو ثقة في الرواية، وأما أقواله في التفسير ففيها نظر.
وقد أرسل عن أبي بكر وعلي وابن مسعود وحذيفة.
وروى عن ابن عباس روايات ليست كثيرة.
وأكثر ما يروي التفسير عن مسروق بن الأجدع الهمداني، وروى عن غيره كأبي عبد الرحمن السلمي، وشريح القاضي، وشتير بن شكل، وجعدة بن هبيرة، وغيرهم.
وروى عنه: الأعمش، ومنصور بن المعتمر، والمغيرة بن مقسم، وعطاء بن السائب، وعمرو بن مرة، وسعيد بن مسروق الثوري أبو سفيان، والعلاء بن المسيب، والحسن بن عبيد الله النخعي، وغيرهم.

ومما روى عنه في التفسير:
أ: سليمان عن أبي الضحى، عن مسروق قال: قال عبد الله بن مسعود: التي في سورة النساء القصرى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن}، بعد التي في سورة البقرة). رواه ابن وهب.
ب: عن عمرو بن مرة، عن أبي الضحى قال: سمعت ابن عباس يقول: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} قال: لا رضاع إلا في هذين الحولين). رواه ابن جرير.
ج: قال هشيم: أخبرنا مغيرة، عن أبي الضحى في قوله:{واهجروهن في المضاجع}، قال: يهجر بالقول، ولا يهجر مضاجعتها حتى ترجع إلى ما يريد). رواه ابن جرير.
د: الحسن بن عبيد الله، عن أبي الضحى، عن ابن عباس في قوله: {واهجروهن في المضاجع} أنها لا تترك في الكلام، ولكن الهجران في أمر المضجع). رواه ابن جرير.
قال البخاري: (لم أخرّج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب).
وقول أبي الضحى في هذه الآية مخالف لجمهور المفسّرين، وموافق لرواية أبي صالح عن ابن عباس، وهي ضعيفة، وقد رُوي عن ابن عباس من طرق جياد خلاف ذلك.

13
: أبو الحجاج مجاهد بن جبر المكي: (ت:102هـ)
مولى قيس بن السائب المخزومي؛ ولد في خلافة عمر، وأخذ عن جماعة من الصحابة، ولزم ابن عباس مدة طويلة، وأخذ منه علماً غزيراً؛ حتى عُدّ من أعلم الناس بالتفسير.

- محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح عن مجاهد قال: (لقد عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات أقف عند كل آية أسأله فيم أنزلت، وفيم كانت؟). رواه الدارمي وابن جرير.
- وقال ابن أبي مليكة: (رأيت مجاهدًا يسأل ابن عباسٍ عن تفسير القرآن ومعه ألواحه فيقول له ابن عباسٍ: اكتب، قال: حتى سأله عن التفسير كله).رواه ابن جرير.
- بقية عن حبيب بن صالح قال: سمعت مجاهدا يقول: (استفرغ علمي القرآن). ذكره الذهبي.
- كان علم القرآن عندهم شاملاً لتفسيره وأحكامه وآدابه، ولذلك كان له تفسير كثير لآيات الأحكام، وكان من أهل الفتوى في زمانه.
- روى الأجلح عن مجاهد أنه قال: (طلبنا هذا العلم وما لنا فيه نية، ثم رزق الله النية بعد).
- قال إسماعيل بن عبد الملك: حدثني يونس بن خباب عن مجاهد قال: كنت أقود مولاي السائب وهو أعمى فيقول: يا مجاهد دلكت الشمس؟ فإذا قلت نعم قام فصلى الظهر). رواه ابن سعد.
كان مشمّراً في طلب العلم، والإقبال على شأنه حتى وصف كأنّه رجل أضلّ دابّته فهو يطلبها، ونشر علم التفسير نشراً لم يبلغه غيره من التابعين فيما أحسب.
- فضيل بن مرزوق عن عبيدٍ المكتب، قال: «رأيتهم يكتبون التفسير عند مجاهدٍ» رواه الدارمي.
قال أبو بكر الحنفي: سمعت سفيان الثوري يقول: (إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به). رواه ابن جرير.
كان يحذر الشهرة، ويجتهد في العبادة وفي نشر العلم؛ حتى بلغ علمه الآفاق.
- قال منصور: قال مجاهد: (لا تنوهوا بي في الخلق).
قال الفضل بن دكين: (توفي مجاهد سنة اثنتين ومائة وهو ساجد).
وفي رواية عند ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل أنه مات وهو ساجد خلف المقام.
وقيل : مات سنة 103هـ ، وقيل: سنة 104هـ.
والأكثرون على القول الأول.

روى في التفسير: عن ابن عباس فأكثر، وروى عن عائشة وعبد الله بن عمرو، وابن عمر، وعبيد بن عمير ، وعبد الرحمن بن أبي ليلي، وأبي معمر الأزدي، وطاووس، وغيرهم.
وفي تفسيره شيء يسير من الإسرائيليات، وقد روى عن تبيع بن عامر الحميري ابن امرأة كعب الأحبار؛ فربما وافق تفسيره التفسير المروي عن كعب الأحبار؛ فيعلّ بذلك.
وروى عنه خلق كثير منهم: ابن أبي نجيح، ومنصور بن المعتمر، والأعمش، وعمرو بن دينار، والحكم بن عتيبة، وأبو بشر اليشكري، وأيوب السختياني، وابن عون، وليث بن أبي سليم، وجماعة.
وقد اعتمد البخاري في صحيحه على تفسير مجاهد؛ فأكثر من ذكر أقواله في تفسير بعض الآيات، فربما ذكر الإسناد إليه، وربما علّق التفسير عن مجاهد، وربما ذكر قوله دون نسبة.

مما روي عنه في التفسير:
أ: ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال ابن عباس: «أمره أن يسبح، في أدبار الصلوات كلها»، يعني قوله: {وأدبار السجود} رواه البخاري.
ب: شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد، في قوله: {وما تغيض الأرحام وما تزداد} قال: ما ترى من الدم، وما تزداد على تسعة أشهر). رواه ابن جرير.
ج: ابن عيينة , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قال: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد , ألا تراه يقول: افعل وافعل , ويقول: {واسجد واقترب}). رواه ابن جرير.

التفسير المطبوع باسم "تفسير مجاهد"
رويت عن مجاهد صحيفة قديمة في التفسير، وعرفت باسم "تفسير مجاهد"، وقد طبعت هذه الصحيفة في كتاب نشره: عبد الرحمن الطاهر السورتي عن طريق مجمع البحوث الإسلامية في باكستان، ونشره أيضاً محمد عبد السلام أبو النيل عن طريق دار الفكر الإسلامي.
وهذا التفسير يرويه عبد الرحمن بن الحسن الهمذاني (ت:356هـ) وهو مضعف، عن الحافظ إبراهيم بن الحسين ابن ديزيل (ت: 281هـ) عن آدم بن أبي إياس العسقلاني (ت:221هـ)، وهذه الصحيفة كانت لدى ابن ديزيل، ولم يروها؛ فوجدها عبد الرحمن بن الحسن وحدّث بها، وفيها آثار يرويها آدم بن أبي إياس عن غير مجاهد كأبي هريرة وأنس والحسن البصري وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة، لكن أكثر ما روى فيها عن مجاهد، ولذلك كان بعض أهل العلم يسمّيها تفسير آدم بن أبي إياس، وهي رواية بالوجادة لا يحتجّ بها، لكن يُستفاد منها في المتابعات والشواهد؛ لأن منها ما هو موافق لما في كتب التفسير المشهورة من الطرق المروية بها.

قال الذهبي في السير في ترجمة عبد الرحمن بن الحسن الهمذاني: (قال صالح بن أحمد الحافظ: ضعيف، ادعى الرواية عن ابن ديزيل، فذهب علمه، وكتبت عنه أيام السلامة أحاديث، ولم يدع عن إبراهيم، ثم ادعى، وروى أحاديث معروفة، كان إبراهيم يسأل عنها ويستغرب، فجوزنا أن أباه سمعه تلك، فأنكر عليه ابن عمه أبو جعفر، والقاسم بن أبي صالح، فسكت حتى ماتوا، ثم ادعى المصنفات والتفاسير مما بلغنا أن إبراهيم قرأه قبل سنة سبعين، وهو فقال لي: إن مولده سنة سبعين.
وسمعت القاسم يكذبه، هذا مع دخوله في أعمال الظلمة).

14: أبو عمرو عامر بن شراحيل الشعبي (ت:104هـ)
الإمام الفقيه القاضي المحدّث؛ رأس أهل العلم في زمانه.
ولد في خلافة عمر بن الخطاب، قيل: لستّ خلون منها.
قال السري بن إسماعيل: (سمعت الشعبي يقول: ولدت سنة جلولاء). رواه ابن سعد.
وقال الليث بن سعد: (كان فتح جلولاء سنة تسع عشرة افتتحها سعد بن أبي وقاص). ذكره الذهبي.
نشأ رحمه الله نشأة حسنة؛ فكان ذكيّا حافظاً فهماً عاقلاً، سمع من جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطوّف في البلدان يصحبهم، ويتتبع أخبارهم وسيرهم، ومرويّاتهم حتى حفظ من ذلك شيئاً كثيراً.
قال ابن شبرمة: سمعت الشعبي يقول: (ما كتبت سوداء في بيضاء إلى يومي هذا، ولا حدثني رجل بحديث قط إلا حفظته ولا أحببت أن يعيده علي). رواه الخطيب البغدادي.
- يونس بن مسلم، عن وادع بن الأسود الراسبي، عن الشعبي، قال: (ما أروي شيئا أقل من الشعر، ولو شئت لأنشدتكم شهرا لا أعيد). رواه الخطيب البغدادي.
- مالك بن مغول، عن نافع، قال: سمع ابن عمر الشعبي وهو يحدث بالمغازي، فقال: " لكأن هذا الفتى شهد معنا " رواه الخطيب البغدادي.
قال ابن حبان: (روى عن خمسين ومائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم).
تولّى القضاء بالكوفة، وحدّث وأفتى، ونشر علماً كثيراً، وكان عالماً بمسائل الإجماع والخلاف، حافظاً لها ، وله في ذلك أعاجيب.
قال مكحول: (ما رأيت أفقه منه).
وقال سفيان بن عيينة، قال: (كان في الناس ثلاثة بعد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، والثوري في زمانه). رواه الخطيب البغدادي.
وقال أبو أسامة الحافظ: كان عمر بن الخطاب في زمانه رأس الناس وهو جامع، وكان بعده ابن عباس في زمانه، وكان بعد ابن عباس في زمانه الشعبي، وكان بعد الشعبي في زمانه سفيان الثوري). رواه الخطيب البغدادي
قال محمد بن سيرين لأبي بكر الهذلي: (يا أبا بكر إذا دخلت الكوفة فاستكثر من حديث الشعبي، فإن كان ليسأل، وإن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لأحياء).

وكان على كثرة علمه وجودة فهمه؛ لا يجد غضاضة من أن يقول لا أدري، إذا سُئل عما لا يعلم، وكان يكره مسائل أهل الرأي.
قال الصلت بن بهرام: (ما رأيت رجلا بلغ مبلغ الشعبي أكثر قول "لا أدري" منه).رواه ابن سعد.
وكان صاحب منطق حسن، وحجّة حاضرة، وبصيرة ومعرفة؛ حتى كان بعض الأمراء ينتدبونه للأمور المهمّة.
وروي أن عبد الملك بن مروان بعثه إلى ملك الروم؛ فتعجّب منه، وبعث إلى عبد الملك: عجبت لأهل ديانتك كيف لم يولّوا رسولك عليهم!!
فذكر ذلك عبد الملك للشعبي: فقال: هذا لأنه رآني ولم ير أمير المؤمنين!!
فقال عبد الملك: إنما حسدني عليك، وأراد أن يغريني بقتلك.
كانت فيه دعابة مشهورة، وله طرائف يتداولها أهل الأدب، وربّما زيد عليها ما لا يصح عنه.
خرج مع القراء في فتنة ابن الأشعث لما خرجوا على الحجاج، ثم اختفى مدّة، ثمّ عاد إلى الحجاج، وتلطّف له في الاعتذار فقبل عذره.
مات فجأة سنة 104هـ.

روى عن جماعة من الصحابة منهم: ابن عباس وأبو موسى الأشعري، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وابن عمر، وعدي بن حاتم، وأبو جحيفة السوائي، وجابر بن عبد الله، وجابر بن سمرة، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، والنعمان بن بشير، وفاطمة بنت قيس، وغيرهم.
وروى عن جماعة من التابعين منهم: الربيع بن خثيم، ومسروق، وشريح القاضي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعلقمة، وعكرمة، وغيرهم.
وروى عنه في التفسير: إسماعيل بن أبي خالد، وحصين بن عبد الرحمن، ومطرّف بن طريف، وأبو إسحاق الشيباني، ومنصور بن المعتمر، والأعمش، وزكريا بن أبي زائدة، وداوود بن أبي هند، ومغيرة بن مقسم، وعاصم الأحول، وزبيد اليامي، وعطاء بن السائب، وأشعث بن سوار، ومجالد بن سعيد، وجماعة.

ومما روي عنه في التفسير:
أ: قال هشيم :أخبرنا زكريا، عن الشعبي قال:({الجبت}: السحر، و{الطاغوت}: الشيطان). رواه ابن جرير.
ب: شعبة، عن المغيرة، عن الشعبي: {غير أولي الإربة} قال: الذي لا أرب له في النساء). رواه ابن جرير.

فصل: ومن أعلام التفسير من التابعين:
15: عكرمة البربري مولى ابن عباس (ت:105هـ)
16
: أبو عبد الرحمن طاووس بن كيسان الحميري اليماني (ت:106هـ)
17: الحسن بن أبي الحسن بسار البصري (ت:110هـ)
18: أبو بكر محمد بن سيرين الأنصاري(ت: 110هـ)
19: عطاء بن أبي رباح أسلم المكي (ت:114هـ)
20: قتادة بن دعامة السدوسي (ت: 116 تقريباً ).
21: أبو عبد الله مكحول الشامي (ت: 116 هـ تقريباً).
22: محمد بن كعب القرظي (ت: 118هـ)

وإنما تركت التفصيل في سيرهم وأخبارهم خشية التطويل، وإلا ففيها فوائد جليلة.
والمقصود من دراسة سير هؤلاء الأعلام التبصّر بما كان عليه حال أئمة أهل التفسير، وطرق تعلّمهم التفسير وتعليمه، وكيف كان أثر علمهم عليهم في حياته، وكيف رفعهم الله بهذا العلم، وأحسن ذكرهم في الدنيا، مع ما يرجى لهم من حسن العاقبة والرفعة في الآخرة.

تنبيه:
ذكر الرواة وأحوالهم وأمثلة التفسير إنما المقصود بها أن يطّلع الطالب على شيء من علم رواية التفسير، ويعرف بعض أمثلته، وما كان يعانيه أهل العلم لأجل تمييز صحيح المرويات من ضعيفها، والتعرّف على علل الأقوال الخاطئة، ولو كان بعضها مروياً بإسناد ظاهره الصحة؛ فإن من لا يعرف علل الأسانيد والمتون قد لا يتفطّن لخطأ القول، وقد يستنكره في نفسه ولا يعرف سبب الخطأ، ولدراسة أسانيد التفسير وعلله قواعد وضوابط تختصر على طالب العلم كثيراً من الجهد والوقت، وتعينه على حسن اكتشاف العلل ومعرفة درجاتها وأحكام تلك المرويات والأقوال.




  #2  
قديم 18 رمضان 1439هـ/1-06-2018م, 02:12 AM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 10,884
افتراضي

15: أبو عبد الله عكرمة البربري مولى ابن عباس (ت:105هـ)
روى: عن ابن عباس، والحسن بن علي، وأبي هريرة، وجابر بن عبد الله، وابن عمر وغيرهم، وأرسل عن أبي بكر وعليّ وسعد بن أبي وقاص، واختلف في سماعه من عائشة.
مولده في أول خلافة عثمان نحو عام 25 للهجرة.
قال يزيد بن زريع: (كان عكرمة بربرياً للحصين بن أبي الحرّ العنبري، فوهبه لابن عباس حين ولي البصرة). رواه ابن عدي في الكامل.
وكانت ولاية ابن عباس للبصرة في أوائل خلافة عليّ بن أبي طالب قبل عام التحكيم؛ وبقي عكرمة ملازماً لابن عباس يخدمه ويتعلم منه إلى أن توفي ابن عباس وهو في الرقّ، فتكون مدّة مكثه عند ابن عباس نحو ثلاثين عاماً، استفاد فيها علماً غزيراً مما سمعه من ابن عباس وغيره.
وكان حافظاً فَهِماً، ولما رأى منه ابن عباس النجابة والحفظ ألزمه تعلّم القرآن والأحكام؛ كما في طبقات ابن سعد وحلية أبي نعيم من طريق حماد بن زيد، عن الزبير بن الخريت، عن عكرمة أنه قال: (كان ابن عباس يجعل في رجلي الكبل يعلمني القرآن ويعلمني السنة).
وقال حرمي بن عمارة: حدثنا عبد الرحمن بن حسان قال: سمعت عكرمة، يقول: «طلبت العلم أربعين سنة فكنت أفتي بالباب وابن عباس بالدار» رواه العقيلي.
وقال عفان بن مسلم: حدثنا حماد بن سلمة، عن داود، عن عكرمة قال: (قرأ ابن عباس هذه الآية: {لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا}
قال: قال ابن عباس: "لم أدرِ أنجا القوم أم هلكوا"، فما زلت أبيّن له أبصّره حتى عرف أنهم قد نجوا.
قال: فكساني حلَّة). رواه ابن سعد.
- وروى هشام بن يوسف قاضي أهل صنعاء عن محمد بن راشد قال: مات ابن عباس وعكرمة عبد؛ فاشتراه خالد بن يزيد بن معاوية من علي بن عبد الله بن عباس بأربعة آلاف دينار؛ فبلغ ذلك عكرمة؛ فأتى عليّا؛ فقال: بعتني بأربعة آلاف دينار؟
قال: نعم.
قال: أما إنه ما خِيرَ لك؛ بعتَ علم أبيك بأربعة آلاف دينار؛ فراح عليٌّ إلى خالد فاستقاله فأقاله فأعتقه). رواه ابن سعد.

وقال أيوب السختياني: (اجتمع حفاظ ابن عباس فيهم سعيد بن جبير وعطاء وطاوس على عكرمة، فقعدوا فجلسوا يسألونه عن حديث ابن عباس، قال: وكلما حدثهم حديثا، قال سعيد بن جبير هكذا، فعقد ثلاثين، حتى سُئل عن الحوت، فقال عكرمة: كان يسايرهما في ضحضاح من الماء؛ فقال سعيد: أشهد على ابن عباس أنه قال كانا يحملانه في مكتل، فقال أيوب: أراه كان يقول القولين جميعا). رواه العقيلي.
وهذا يشبه ما ذكره أبو بكر الهذلي قال: قلت للزهري: إن عكرمة وسعيد بن جبير اختلفا في رجل من المستهزئين، فقال سعيد: الحارث بن غيطلة، وقال عكرمة: الحارث بن قيس، فقال: صدقا جميعا كانت أمّه تدعى غيطلة، وكان أبوه يدعى قيسا.
- وقال حبيب بن أبي ثابت: (اجتمع عندي خمسة لا يجتمع عندي مثلهم أبدا: عطاء، وطاوس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة؛ فأقبل مجاهد وسعيد بن جبير يلقيان على عكرمة التفسير؛ فلم يسألاه عن آية إلا فسرها لهما، فلما نفد ما عندهما جعل يقول: أنزلت آية كذا في كذا، وأنزلت آية كذا في كذا). رواه أبو نعيم في الحلية وابن عساكر في تاريخ دمشق.
- وقال يحيى بن سعيد القطان: (أصحاب ابن عباس ستة: مجاهد، وطاوس، وعطاء، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وجابر بن زيد). رواه ابن أبي خيثمة وابن عساكر.
- وقال عمرو بن دينار: دفع إلي جابر بن زيد مسائل أسأل عنها عكرمة، وجعل يقول: (هذا عكرمة، هذا مولى ابن عباس، هذا البحر فسلوه). رواه ابن سعد في الطبقات والبخاري في التاريخ الكبير وابن أبي خيثمة في تاريخه.
- وقال أيوب السختياني: قال عكرمة: (إني لأخرج إلى السوق فأسمع الرجل يتكلم بالكلمة فينفتح لي خمسون باباً من العلم). رواه ابن سعد.
- وقال مغيرة بن مقسم: قيل لسعيد بن جبير: تعلم أحدا أعلم منك؟ قال: (نعم؛ عكرمة). رواه ابن أبي خيثمة.
- وقال إسماعيل بن أبي خالد: سمعت الشعبي يقول: (ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة). رواه أبو نعيم في الحلية.
- قال ابن حبان: (كان عكرمة من علماء الناس في زمانه بالقرآن والفقه، وكان جابر بن زيد يقول: عكرمة من أعلم الناس).
- وقال سلام بن مسكين سمعت قتادة يقول: (أعلمهم بالتفسير عكرمة). رواه أبو نعيم في الحلية.
- وقال زيد بن الحباب: سمعت سفيان الثوري يقول بالكوفة: (خذوا التفسير عن أربعة، عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك). رواه أبو نعيم في الحلية.
- وقال سفيان بن عيينة: ( لما قدم عِكرمَة البصرة أمسك الْحَسَن، عَن التفسير). رواه ابن عدي، وروى العقيلي نحوه عن سفيان عن أيوب.
- وقال عمرو بن دينار: «كنت إذا سمعت من عكرمة يحدث عن المغازي، كأنه مشرف عليهم ينظر كيف كانوا يصنعون ويقتتلون» رواه أبو نعيم في الحلية.
قال ابن أبي خيثمة: سمعت مصعب بن عبد الله يقول: (تزوَّج عكرمةُ أمَّ سعيد بن جبير).
قلت: عكرمة أسنّ من سعيد بن جبير بأكثر من عشرين سنة.

ما انتقد به عكرمة:
كان عكرمة كثير الرواية، قد وعى علماً كثيراً اشتمل على غرائب لا يعرفها كثير من الناس، فأنكر بعضُ التابعين بعضَ حديثه، ورُوي عن بعضهم اتّهامه بالكذب، والأقرب أنهم يريدون الخطأ في الرواية لا أنّه يتعمّد الكذب، ونسبوه إلى أنه يفهم عن ابن عباس ما لم يرده فيحدّث عنه فيكون كاذباً في تحديثه، ولم تثتبت عليه تهمة الكذب، وما أُنكر عليه من الروايات تبيّن صدقه فيها، وأنّه لم ينفرد بروايتها، بل صحّت عن ابن عباس من طرق أخرى.
- قال سليمان بن حرب: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب قال: قال عكرمة: (أرأيت هؤلاء الذين يكذبوني من خلفي، أفلا يكذبوني في وجهي؛ فإذا كذبوني في وجهي؛ فقد والله كذبوني). رواه ابن سعد.
- وقال أبو إسحاق: سمعت سعيد بن جبير يقول: إنكم لتحدثون عن عكرمة بأحاديث لو كنت عنده ما حدث بها.
قال: فجاء عكرمة فحدثه بتلك الأحاديث كلها.
قال: والقوم سكوت؛ فما تكلم سعيد.
قال: ثم قام عكرمة؛ فقالوا: يا أبا عبد الله ما شأنك؟
قال: فعقد ثلاثين، وقال: أصاب الحديث). رواه ابن سعد.
وهذا يدلّ على أنّ بعض من نقل عنه ما يُستنكر يخطئ في النقل.
- وقال أيوب بن يزيد: قال ابن عمر لنافع: (لا تكذب عليَّ كما كذب عكرمة على ابن عباس).
وقال محمد بن موسى الحرشي: أنبأنا عبد الله بن عيسى أبو خلف: نا يحيى البكاء قال: سمعت ابن عمر يقول لنافع: (اتق الله ويحك يا نافع، ولا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس، كما أحل الصرف وأسلم ابنه صيرفيا). رواه ابن عساكر.
قال الذهبي: (هذا ضعيف السند، وقد رواه أبو خلف عبد الله بن عيسى، عن يحيى البكاء، وهو ضعيف، أنه سمع ابن عمر يقوله).
وقال ابن حبان: (أما عكرمة فحمل أهل العلم عنه الحديث والفقه في الأقاليم كلها وما أعلم أحدا ذمه بشيء إلا بدعابة كانت فيه).
وقال أيضا: (ومن زعم أنا كنا نتقي حديث عكرمة فلم ينصف إذ لم نتّق الرواية عن إبراهيم بن أبي يحيى وذويه).
- وقال النضر بن شميل: حدثنا سالم أبو عتاب بصري، قال: كنت أطوف أنا وبكر بن عبد الله المزني، فضحك بكر، فقيل له: ما يضحكك؟
قال: العجب من أهل البصرة أن عكرمة حدثهم -يعني: عن ابن عباس- في تحليل الصرف، فإن كان عكرمة حدثهم أنه أحله، فأنا أشهد أنه صدق، ولكني أقيم خمسين من أشياخ المهاجرين والأنصار يشهدون أنه انتفى منه). رواه ابن عدي وابن عساكر.
- وقال الحكم بن أبي إسحاق: كنت عند سعيد بن المسيب وثم مولى له فقال له: (انظر لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس).
- وقال أحمد بن حنبل: حدثنا إسحاق ابن الطباع قال: (سألت مالك بن أنس: أبلغك أن ابن عمر قال لنافع: لا تكذبن علي كما كذب عكرمة على ابن عباس؟ قال: لا، ولكن بلغني أن سعيد بن المسيب قال ذلك لِبُرْدٍ مولاه). رواه عبد الله بن الإمام أحمد في مسائل أبيه.
قال الذهبي: (هذا أشبه، ولم يكن لعكرمة ذكر في أيام ابن عمر، ولا كان تصدى للرواية).
- وقال عطاء الخراساني: قلت لسعيد بن المسيب: إن عكرمة يزعم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تزوج ميمونة وهو محرم.
فقال: كذب مخبثان، اذهب إليه، فسبّه، سأحدثكم: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم، فلما حلَّ تزوجها).
والصحيح أنّ عكرمة لم يكذب على ابن عباس في هذه الرواية، ولم يخطئ فهمها عنه، فقد ثبتت عن ابن عباس من طرق أخرى، والخطأ فيها من ابن عباس رضي الله عنهما إذ ظنّ أنّه تزوّجها وهو محرم، وقد صحّ عن ميمونة أنه ما تزوّجها إلا وهو حلال، وهذا الخطأ مع براءة عكرمة منه لو ثبت عليه مثله لا يقتضي جرحه ولا تكذيبه؛ فكم من عالم أخطأ في بعض فهمه فلم يعبه ذلك.
- ورى ابن لهيعة عن ابن هبيرة قال: قدم علينا عكرمة فكان يحّدثنا بالحديث عن الرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثمَّ يحدثنا به عن غيره؛ فأتينا شيخا عندنا يُقال له إسماعيل بن عبيد الله الأنصاري قد كان سمع من ابن عباس؛ فذكرنا ذلك له؛ فقال: أنا أخبره لكم.
قال: فأتاه فسأله عن أشياء ساءل عنها ابن عباس فأخبره بها على مثل ما سمع.
قال: فأتيناه فسألناه؛ فقال: (الرجل صدوق، ولكنَّه سمع من العلم فأكثر وكلما سنح له طريق سلكه). رواه ابن عدي وابن عساكر.
- وقال يزيد بن أبي زياد: (دخلت على علي بن عبد الله بن عباس، وعكرمة مقيد على باب الحسن. قال: قلت: ما لهذا هكذا؟ قال: إنه يكذب على أبي).
قال ابن حبان: (لا يجب على من شم رائحة العلم أن يعرّج على قول يزيد بن أبي زياد حيث يقول: "دخلت على علي بن عبد الله بن عباس وعكرمة مقيد على باب الحش قلت: من هذا؟ قال: إن هذا يكذب على أبى".
قال: (ومن أمحل المحال أن يُجرح العدل بكلام المجروح؛ لأن يزيد بن أبى زياد ليس ممن يحتج بنقل حديثه ولا بشيء يقوله).
- وقال حماد بن زيد: أنبأنا أيوب عن إبراهيم بن ميسرة عن طاووس قال: (لو أن مولى ابن عباس اتقى الله وكف من حديثه لشدت إليه المطايا). رواه ابن عساكر.
- وقال أيضاً: قيل لأيوب: أكنتم أو كانوا يتهمون عكرمة؟ قال: (أما أنا فلم أكن أتهمه). رواه العقيلي وابن عساكر.
- وقال أبو معمر القطيعي: حدثنا ابن فضيل، عن عثمان بن حكيم قال: (رأيت عكرمة جاء إلى أبي أمامة بن سهل بن حنيف فقال: أنشدك بالله، أما سمعت ابن عباس يقول: ما حدثكم عكرمة عني فهو حق؟ فقال أبو أمامة: بلى). رواه العقيلي وابن عساكر.
قال ابن حجر: (وهذا إسناد صحيح).
وهذا توثيق من ابن عباس لعكرمة في حفظه وفهمه، وأنّه يأمنه على ما سمعه منه.
- وقال أبو حمزة السكري: حدثنا يزيد النحوي عن عكرمة قال: قال ابن عباس: (انطلق فأفتِ الناس وأنا لك عون)
قال قلت: لو كان مع الناس مثلهم أفتيتهم.
قال: (انطلق فأفتِ الناسَ فمن سألك عما يعنيه فأفته، ومن سألك عما لا يعنيه فلا تفته فإنَّك تطرح عنك ثلثي مؤنة الناس). رواه ابن أبي حاتم في العلل وأبو نعيم في الحلية.

وكان ممن تكلّم في عكرمة: سعيد بن المسيب، ومحمد بن سيرين، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك بن أنس، ثمّ تركه مسلم فلم يرو عنه في صحيحه إلا حديثاً واحداً مقروناً بسعيد بن جبير.
واحتجّ به جماعة من الأئمة، منهم: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وإسحاق بن راهويه، والبخاري، وأبو حاتم الرازي، والنسائي، والعجلي، وابن حبان، وغيرهم.
- قال أبو بكر المروذي: قلت لأحمد بن حنبل: يحتج بحديث عكرمة؟ فقال: (نعم، يحتج به).
- وقال البخاري: (ليس أحد من أصحابنا إلا احتجّ بعكرمة).

واتّهمه بعضهم بأنه يرى رأي الخوارج، وقد برَّأه جماعة من الأئمة من تلك النسبة.
- قال العجلي في شأن عكرمة : (مكي، تابعي، ثقة، بريء مما يرميه به الناس من الحرورية).
- وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي عن عكرمة مولى ابن عباس: كيف هو؟ قال: ثقة. قلت: يحتج بحديثه؟ قال: نعم إذا روى عنه الثقات. والذي أنكر عليه يحيى بن سعيد الأنصاري ومالك فلسبب رأيه).
قال ابن رجب في شرح العلل: (يعني أنه نسب إلى رأي الخوارج).
- وقال ابن جرير فيما نقله المنذري: (وأمَّا ما نُسِبَ إليه عكرمة من مذهب الصُّفْريَّة، فإنَّه لو كان كل من ادُّعي عليه مذهبٌ من المذاهب الرديئة ونحلةٌ ثبت عليه ما ادُّعي عليه من ذلك ونُحِلَهُ -يجب علينا إسقاط عدالته وإبطال شهادته وترك الاحتجاج بروايته- لزمنا ترك الاحتجاج برواية كل من نُقل عنه أثَرٌ من مُحَدِّثي الأمصار كُلِّها؛ لأنه لا أحد منهم إلاَّ وقد نسبه ناسبون إلى ما يَرغب به عنه قوم ويرتضيه له آخرون).
وقال أيضاً: (أتعجَّب كلَّ العجب مِمَّن عَلِمَ حال عكرمة ومكانه من عبد الله بن عباس وطول مكثه معه وبين ظهرانَيْ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ثمَّ مَنْ بَعْدَ ذلك من خيار التابعين والخالفين وهم له مقرِّظون، وعليه مُثْنون، وله في العلم والدِّين مقدِّمون، وله بالصدق شاهدون؛ ثم يجيء بَعْدَ مُضيِّه لسبيله بدهرٍ وزمان نوابغُ يجادلون فيه من يَشْهَدُ له بما شهد له به مَنْ ذكرنا من خيار السلف وأئمة الخلف: من مُضيِّه على ستره وصلاحه وحاله من العدالة وجواز الشهادة في المسلمين؛ فإن كل ما ذكرنا من حاله عمن ذكرنا عنه لا حقيقة له، ولا صحة خبر أورِدَ عنهم: لا صحة له عن ابن عمر أنه قال لمملوكه: يا نافع لا تكذب عليَّ كما كذب عكرمة على ابن عباس).

- وقال محمد بن نصر المروزي: (قد أَجْمَعَ عامَّةُ أهل العلم على الاحتجاج بحديث عكرمة، واتفق على ذلك رؤساء أهل العلم بالحديث من أهل عصرنا، منهم: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، ويحيى بن معين؛ ولقد سألتُ إسحاق بن راهويه عن الاحتجاج بحديثه؟ فقال لي: عكرمةُ عندنا إمام الدنيا، وتَعَجَّبَ من سؤالي إيَّاه) ذكره المنذري في جزء سمّاه "ذكر حال عكرمة مولى عبد الله بن عباس وما قيل فيه".

- وقال ابن منده: (وأما حال عكرمة مولى ابن عباس رحمه الله في نَفْسِهِ، فَقَدْ عَدَّلَهُ أئمةٌ من نُبلاء التابعين ومَنْ بَعْدَهم، وحَدَّثوا عنه، واحتجّوا بمفاريده في الصفات والسنن والأحكام.
روى عنه زُهاء ستمائة رجل من أئمة البلدان فيهم زيادة على سبعين رجلاً من خيار التابعين ورفعائهم، وهذه منزلةٌ لا تكاد توجد لكبير أحد من التابعين إلاَّ لعكرمة مولى ابن عباس رحمة الله عليه).
- وقال ابن حجر: (احتج به البخاري وأصحاب السنن وتركه مسلم فلم يخرج له سوى حديث واحد في الحج مقرونا بسعيد بن جبير وإنما تركه مسلم لكلام مالك فيه، وقد تعقب جماعة من الأئمة ذلك وصنفوا في الذبّ عن عكرمة منهم أبو جعفر ابن جرير الطبري، ومحمد بن نصر المروزي، وأبو عبد الله بن منده، وأبو حاتم بن حبان، وأبو عمر بن عبد البر، وغيرهم).

وقد تتبع ابن حجر الطعون التي طعن بها عكرمة وأرجعها إلى ثلاثة أمور:
الأمر الأول: ما روي عن بعض السلف في تكذيبه، وقد تبيّنت براءته من تهمة الكذب.
والأمر الثاني: اتّهامه برأي الخوارج وأنّه كان يرى السيف، وفي ثبوت ذلك عنه نظر، والأظهر أنّ ما روي عنه في ذلك فلتات من لسانه؛ فسيرته ليست سيرة الخوارج فكان مصافياً للأئمة غير منابذ لهم، مجتهداً في نشر العلم، داعياً إلى السنة، معظّماً للصحابة، يسافر في الغزوات في الثغور، وليس هذا شأن الخوارج.
وقد حمل ابن حجر سبب التهمة على توافق قوله في بعض المسائل مع بعض أقوال الخوارج مع أنّه لم يحفظ عنه شيء بنصّه من تلك الأقوال، والاتّهام بناء على التوافق في بعض الأقوال عرضة للخطأ.
وقد أشيع عنه في حياته ما نفّر بعض الأئمة عنه من أغاليط المسائل فلذلك كان قبولهم ما ينتقد به أسرع، مع أنّه لا يصحّ عنه كثير مما انتقد به عند التحقيق، ومنه ما أخطأ فيه وصرّح بالرجوع عنه؛ كفتواه في بيع التمر.
والأمر الثالث: قبوله جوائز الأمراء وأعطياتهم، وكان من السلف من ينفر ممن يقبل عطايا الأمراء ويتعرّض لسؤالهم، وهذا لا يقدح في روايته، ولا في عدالته عند التحقيق.

مراتب الرواة عن عكرمة في التفسير:
رواة التفسير عن عكرمة في كتب التفسير المسندة نحو ستين رجلاً، منهم المقلّ والمكثر، ومنهم الثقة والضعيف المعتبرة روايته، ومنهم المتروك، ولذلك فهم على مراتب:
المرتبة الأولى: مرتبة الثقات المكثرين من الرواية عنه، ومنهم: عمرو بن دينار، وقتادة، وأيوب السختياني، وداود بن أبي هند، ويزيد بن أبي سعيد النحوي، والحكم بن أبان العدني، وخالد بن مهران الحذاء، والزبير بن الخريت، وسليمان بن أبي سليمان الشيباني.
وقد تُكلّم في رواية قتادة عن عكرمة، والصحيح أنّه سمع منه، فقد قدم عكرمة البصرة، واجتمع عليه الناس حتى أصعد على ظهر بيت يحدّثهم، وقد صرّح قتادة بالسماع منه في أحاديث.
قال المروذي للإمام أحمد: إنهم يقولون: إن قتادة لم يسمع من عكرمة!
قال: هذا لا يَدْري الذي قال، وغضب، وأخرج إليَّ كتابه فيه أحاديث مما سمع قتادة من عكرمة، فإذا ستة أحاديث: "سمعت عكرمة".
قال المرّوذي: وقال أبو عبدالله: قد ذهب من يحسن هذا، وعجب من قومٍ يتكلمون بغير علمٍ، وعجب من قول من قال: لم يسمع !.
وقال: سبحان الله ! فهو قدِم إلى البصرة فاجتمع عليه الخلقُ).
والمرتبة الثانية: الثقات المقلّون من الرواية عنه، ومنهم: ابن أبي نجيح، وعبد الكريم بن مالك الجزري، وأبو سهل عثمان بن حكيم الأنصاري، وعبد الملك ابن جريج، وسعيد بن مسروق الثوري، ومحمد بن سوقة الغنوي، وعمرو بن قيس الملائي، وجعفر بن برقان الكلابي، وفضيل بن غزوان الضبي، وعمارة بن أبي حفصة، وشرقيّ البصري، ومسعود بن علي الشيباني.
والمرتبة الثالثة: مرتبة أبي المنيب عيسى بن عبيد الكندي، والنضر بن عربي الباهلي، ممن يترجح قبول روايتهم، وقد تُكلّم فيهما بما لا يتحقق به الجرح، والجمهور على أنهما لا بأس بهما.
المرتبة الرابعة: مرتبة محمد بن أبي محمد الخرشي مولى زيد بن ثابت، وهو مجهول الحال، وقد ذكره ابن حبان في الثقات، روى عنه ابن إسحاق، وله صحيفة في التفسير يرويها عن عكرمة وسعيد بن جبير من غير تمييز، فكان من يروي عنه يرويها على الشك بينهما.
والمرتبة الخامسة: الذين في روايتهم عن عكرمة ضعف واضطراب وهم من أهل الصدق والصلاح في أنفسهم، ومنهم: سماك بن حرب، وداوود بن الحصين، وعطاء بن السائب، وأبو المنيب عبيد الله بن عبد الله العتكي، وخصيف بن عبد الرحمن الجزري، وعمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، وأبو جناب الكلبي، وعطاء الخراساني، وشبيب بن بشر.
وهؤلاء روايتهم عن عكرمة معتبرة في التفسير إذا سلمت من النكارة والمخالفة.
والمرتبة السادسة: الذين لم يسمعوا منه، فروايتهم عنه منقطعة، ومنهم: عنبسة بن سعيد الكلاعي، وسليمان التيمي، ومنصور بن المعتمر.
والمرتبة السابعة: المتروكون ومنهم: أبو المقدام إسماعيل بن شروس الصنعاني، وأبو بكر سلمى بن عبد الله الهذلي، وسعيد بن المرزبان المعروف بأبي سعد البقال، ومطر بن ميمون المحاربي.

وفاته:
قال الواقدي: (حدثتني ابنة عكرمة أن عكرمة توفي سنة خمس ومائة وهو ابن ثمانين سنة).
وقال مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت الزبيري: (كان عكرمة يرى رأي الخوارج فطلبه بعض ولاة المدينة؛ فتغيب عند داود بن الحصين حتى مات عنده قالوا: وكان عكرمة كثير الحديث والعلم , بحرا من البحور , وليس يحتج بحديثه , ويتكلم الناس فيه).
وقال خالد بن القاسم البياضي: (مات عكرمة وكثير عزة الشاعر في يوم واحد سنة خمس ومائة , فرأيتهما جميعا صلي عليهما في موضع واحد بعد الظهر في موضع الجنائز؛ فقال الناس: مات اليوم أفقه الناس وأشعر الناس). رواه ابن سعد.
قال يعقوب بن سفيان: حدثني إسماعيل بن أبي أويس عن مالك بن أنس عن أبيه قال: (أُتي بجنازة عكرمة مولى ابن عباس وكثيّر عزة بعد العصر فما علمت أنَّ أحداً من أهل المسجد حل حبوته إليهما).
وقال أبو داود سليمان بن معبد السنجي عن الأصمعي، عن ابن أبي الزناد: مات كثير وعكرمة مولى ابن عباس في يوم واحد.
قال: فأخبرني غير الأصمعي، قال: فشهد الناس جنازة كثير: وتركوا جنازة عكرمة.
قال الذهبي: (ما تركوا عكرمة - مع علمه - وشيعوا كثيرا إلا عن بلية كبيرة في نفوسهم له رضي الله عنه).
والخبر في تشييعه فيه اضطراب، وإن صحّ فلعلّ سببه أنّه مات وهو متخفٍّ عن السلطان مع ما كان أشيع عنه لدى أهل المدينة، فرحمه الله ورضي عنه.
وقد ذكر في سنة وفاته أقوال أخرى
- فقال علي بن المديني: مات سنة أربع ومائة.
- وقال أبو نعيم: مات سنة سبع ومائة.
- وقيل سنة خمسة عشرة ومائة، وهو خطأ بيّن.
قال الذهبي: (والأصح: سنة خمس).

مما روي عنه في التفسير:
1. قال يحيى بن واضح: حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة أنَّ نافع بن الأزرق قال لابن عباس رحمه الله: أعمى البصر أعمى القلب، يزْعُم أن قومًا يخرجون من النار، وقد قال الله جل وعز:{وما هم بخارجين منها}؛ فقال ابن عباس: (ويحك، اقرأ ما فوقها؛ هذه للكفّار). رواه ابن جرير، وروى عبد الرزاق وابن أبي حاتم نحوه من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة.
2.
قال أبو مسلمة: حَدَّثَنا هارون النحوي عَن الزبير بْن الخرِّيت، عَن عِكرمَة قَالَ: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرض} قَالَ: (التحريم أبداً، وأربعين سنة يتيهون فِي الأرض). رواه ابن عدي في الكامل، وابن جرير في تفسيره بلفظ مقارب، وروى نحوه أحمد بن منيع كما في المطالب العالية وإتحاف الخيرة من طريق حمّاد بن زيد عن الزبير بن الخريت عن عكرمة.

3. قال محمد بن العلاء: حدثنا يونس بن بكير، عن مطر بن ميمون، عن عكرمة، عن ابن عباس، [في قوله تعالى: {ويعلمه الكتاب}] (الكتاب: الخط بالقلم). رواه ابن أبي حاتم.
ومطر بن ميمون متروك الحديث.


  #3  
قديم 3 شوال 1439هـ/16-06-2018م, 06:56 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 10,884
افتراضي

16: أبو عبد الرحمن طاووس بن كيسان الحميري اليماني (ت:106هـ)
هو الإمام العالم العابد الزاهد الفقيه المفسّر أبو عبد الرحمن طاووس بن كيسان، أصله من فارس، وولد في اليمن بعد عام الفتح، ومات سنة 106هـ، وله سبع وتسعون سنة.
- قال الذهبي: (كان من أبناء الفرس الذين سيرهم كسرى إلى اليمن، من موالي بحير بن ريسان الحميري، وقيل: هو مولى لهمدان).
- وقال الواقدي: (كان طاووس مولى بحير بن ريسان الحميري وكان ينزل الجَنَد).
- وقال أبو نعيم وغيره: (هو مولى لهمدان).
- وقال عبد المنعم بن إدريس: (هو مولى لابن هوذة الهمداني وكان أبو طاوس من أهل فارس وليس من الأبناء، فوالى أهل هذا البيت وكان يسكن الجند).
ذكر هذه الأقوال ابن سعد في طبقاته.
- وقال هشام بن يوسف: أخبرني ابن عبد الله بن طاووس أنه قال: (نحن من فارس، ليس لأحد علينا عقد ولاء، إلا أن كيسان نكح امرأة لآل الحميري، فهي أم طاووس). رواه البخاري في التاريخ الكبير، وابن أبي خيثمة في تاريخه بلفظ "لآل هود الحميري) ولعله تصحيف من "هوذة"
- وقال البخاري: (قيل لعبد الرزاق: ولد طاووس يدعون أنهم من الأبناء، فعجب من ذلك، وقال: لا، هم موالي هَمْدان).
- وقال ابن حبّان: (طاووس بن كيسان الهمداني الخولاني أمه من أبناء فارس، أبوه من النمر بن قاسط، كنيته أبو عبد الرحمن، من فقهاء أهل اليمن وعبّادهم، وخيار التابعين وزهادهم).
والنمر بن قاسط من ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان.
فالأكثر على أنّ أصله من الفرس لا من العرب، وولاؤه ولاء حلف ليس ولاء رقّ.

روى عن: عائشة، وأبي هريرة، وأبي موسى الأشعري، وابن عبّاس، وابن عمر، وزيد بن أرقم، وجماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأرسل عن عمر وعلي ومعاذ.

- قال أبو أسامة الحافظ: حدثنا الأعمش، عن عبد الملك بن ميسرة، عن طاوس، قال: «أدركت خمسين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم» رواه أبو نعيم في الحلية.
- وقال محمد بن المثنى: حدثنا عبد الله بن داود، عن الأعمش، عن عبد الملك بن ميسرة، عن طاووس، قال: (جالست سبعين - أو ستين - شيخا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم - شك ابن داود - ما منهم رجل يخالف ابن عباس رحمه الله فيفترقان إلا قال: صدقت، أو: كما قلت). رواه أبو عروبة في المنتقى من الطبقات.
- وقال يحيى بن آدم: حدثنا ابن إدريس، عن ليث، قال: قلت لطاووس: «أدركتَ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انقطعت إلى هذا الفتى، لابن عباس»؟!!
قال: «أدركت سبعين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تدارءوا في شيء انتهوا فيه إلى قول ابن عباس» رواه ابن سعد وأبو عروبة.

علمه وفقهه:
كان من الأئمة الحفّاظ المتثبّتين الذين اتُّفق على إمامتهم وجلالة قدرهم في التفسير والحديث والفقه، وهو من خاصّة أصحاب عبد الله بن عباس.
- قال سفيان بن عيينة: قلت لعبيد الله بن أبي يزيد، مع من كنت تدخل على ابن عباس؟ قال: مع عطاء والعامة، وكان طاووس يدخل مع الخاصة). رواه الإمام أحمد في العلل وأبو نعيم في الحلية.
- وقال حبيب بن أبي ثابت: قال لي طاووس: (إذا حدثتك الحديث فأثبتّه لك فلا تسألنَّ عنه أحدا). رواه ابن سعد وأحمد في العلل 0، وأبو نعيم في الحلية.
- وروى سفيان بن عيينة عن معمر عن الزهري قال: (حدثني طاووس ولو رأيت طاووسا علمت أنه لا يكذب). رواه الإمام أحمد في العلل، وابن أبي خيثمة في تاريخه، وأبو نعيم في الحلية.
- وقال علي بن المديني: (ليس عندي من أصحاب عبد الله أجل من سعيد وجابر وعكرمة وعطاء وطاووس ومجاهد، وكان ابن عيينة يقدم طاووسا على هؤلاء، والثوري يقدم سعيدا). ذكره مغلطاي في إكمال التهذيب.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد: سمعت أبي يقول: (هؤلاء أصحاب ابن عباس طاوس ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وجابر بن زيد وعكرمة آخر هؤلاء).

زهده وشيء من أخباره:
كان طاووس من العلماء العبّاد الزهّاد، كثير الذكر والعبادة، زاهداً فيما في أيدي الناس، مقبلاً على شأنه، وقد أفرد له الإمام أحمد فصلاً في كتاب الزهد، لذكر أخبار زهده وعبادته.
- قال حماد بن زيد: حدثنا سعيد بن أبي صدقة، قال: حدثنا قيس بن سعد، قال: (كان طاوس فينا مثل ابن سيرين فيكم). رواه ابن سعد وابن أبي خيثمة.
- وقال حماد بن زيد: كنا عند عمرو بن دينار، ومعنا أيوب فذكر عمرو طاووسا فقال: (ما رأيت من الناس أحدا أعف عما في أيدي الناس من طاووس). رواه ابن أبي خيثمة.
- وقال عبد الرزاق: أنبأنا داوود بن إبراهيم أنَّ الأسد حبس الناسَ ليلةً في طريق الحج، فدقَّ الناس بعضهم بعضا، فلما كان السَّحَرُ ذهب عنهم، فنزلَ الناسُ يميناً وشمالاً فألقوا أنفسهم فناموا وقام طاووس يصلّي؛ فقال رجل لطاووس: ألا تنام فإنَّك قد نصبت منذ الليلة؛ فقال طاوس: ومن ينام في السَّحَر؟!!). رواه الإمام أحمد في الزهد والبيهقي في شعب الإيمان.
- وقال محمد بن يزيد الكوفي: حدثنا ابن يمان، عن مسعر، عن رجل قال: أتى طاووس رجلاً في السحر، فقالوا: هو نائم، فقال: «ما كنت أرى أن أحدا ينام في السحر» رواه الإمام أحمد في الزهد.
- وقال الحسن بن أبي الحصين العنبري: «مر طاوس برواس قد أخرج رأسا فغشي عليه» رواه أبو نعيم في الحلية.
والروَّاس هو الذي يشوي الرؤوس ويبيعها.
- وقال معمر بن سليمان الرقي: حدثنا عبد الله بن بشر أنَّ طاووس اليماني كان له طريقان إلى المسجد؛ طريق في السوق وطريق آخر؛ فكان يأخذ في هذا يوماً وفي هذا يوماً؛ فاذا مرَّ في السوق ورأى تلك الرؤوس المشويَّة لم يتعشَّ تلك الليلة). رواه الإمام أحمد في الزهد وأبو نعيم في الحلية.
- وقال سفيان بن عيينة: حلف لنا إبراهيم بن ميسرة وهو مستقبل الكعبة: قال: ( وربّ هذه البَنيَّة ما رأيت أحدا الشريف والوضيع عنده بمنزلة إلا طاووسا). رواه أبو نعيم في الحلية.
- وقال عمر بن شبة: حدثنا أبو عاصم، قال: زعم لي سفيان قال: جاء ابنٌ لسليمان بن عبد الملك فجلس إلى جنب طاووس فلم يلتفت إليه فقيل له: جلس إليك ابن أمير المؤمنين فلم تلتفت إليه، قال: «أردت أن يعلم أن لله عباداً يزهدون فيما في يديه» رواه أبو نعيم في الحلية.
- وقال سفيان بن عيينة: (كان عمر بن عبد العزيز يقول لطاووس: هات أرفع حاجتك إلى أمير المؤمنين؛ فيقول: مالي إليه حاجة). رواه الإمام أحمد في الزهد وابن أبي خيثمة في تاريخه.
- وقال عبد الرزاق: أخبرني أبي قال: (كان طاوس يصلي في غداة باردة مغيمة فمر به محمد بن يوسف أو أيوب بن يحيى - وهو ساجد - في موكبه فأمر بساج أو طيلسان فطرح عليه فلم يرفع رأسه حتى فرغ من حاجته فلما سلم نظر فإذا الساج عليه فانتفض ولم ينظر إليه ومضى إلى منزله). رواه الإمام أحمد في الزهد، ومحمد بن يوسف هو أخو الحجاج بن يوسف، وكان والياً على اليمن.
- وقال سفيان بن عينية: (مجتنبو السلطان ثلاثة: أبو ذر في زمانه، وطاووس في زمانه، والثوري في زمانه) ذكره مغلطاي في إكمال التهذيب.
- وقال رمان المرادي: قيل لطاووس: إنَّ منزلك قد استرمّ قال : (قد أمسينا) رواه ابن أبي الدنيا في "قصر الأمل" والبيهقي في شعب الإيمان.
- وقال حنظلة بن أبي سفيان: (ما رأيت عالما قط يقول لا أدري أكثر من طاووس). رواه ابن أبي خيثمة.
- وقال ليث بن أبي سليم: كنا نختلف إلى طاووس نسكت عنه فيحدثنا ونسأله فلا يحدثنا؛ قال: فقلنا له ذات يوم: يا أبا عبد الرحمن نسألك فلا تحدثنا، ونسكت عنك فتبدؤنا؟ قال: (تسألوني فلا تحضرني فيه نية؛ فتأمروني أن أملي على كاتبي شيئا بلا نية؟!). رواه ابن أبي خيثمة.
- وقال عبد الله بن أبي صالح المكي: دخل علي طاووس يعودني؛ فقلت: يا أبا عبد الرحمن، ادع الله لي، فقال: (ادع لنفسك فإنه يجيب المضطر إذا دعاه). رواه أبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإيمان.
وكان يكثر من التقنّع حتى لا يُعرف.
- قال عبد الله بن حبيب: (ما رأيت طاوسا إلا مقنعاً). رواه ابن أبي شيبة في كتاب "الأدب".
- قال خارجة بن مصعب: (كان طاووس يتقنَّع فإذا كان الليل حسر). رواه ابن سعد.
- وقال ابن أبي رواد: (كان طاووس وأصحاب له إذا صلوا العصر استقبلوا القبلة ولم يكلموا أحدا وابتهلوا في الدعاء). رواه الإمام أحمد في الزهد.
- وقال ابن أبي نجيح: قال مجاهد لطاووس: (رأيتك يا أبا عبد الرحمن تصلي في الكعبة والنبي صلى الله عليه وسلم على بابها يقول لك: "اكشف قناعك وبيّن قراءتك").
قال: (اسكت لا يسمع هذا منك أحد)
قال: (ثم خيّل إليَّ أنه انبسط في الكلام، يعني فرحا بالمنام). رواه أبو نعيم في الحلية.

وصايا طاووس
له وصايا جليلة محفوظة في كتب الزهد، منها:
1. وصيته لابنه عبد الله، قال: (يا بني صاحب العقلاء تنسب إليهم وإن لم تكن منهم، ولا تصاحب الجهال فتنسب إليهم وإن لم تكن منهم، واعلم أن لكل شيء غاية، وغاية المرء حسن خلقه). رواه أبو نعيم في الحلية.
2. قال عبد الله بن المبارك: أخبرنا سفيان، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاووس قال: «من تكن الدنيا هي نيته وأكبر همه يجعل الله فقره بين عينيه، وتفشَّى عليه ضيعته، ومن تكن الآخرة هي نيته وأكبر همه يجعل الله غناه في نفسه، ويجمع عليه ضيعته» رواه ابن المبارك في الزهد.
3. وقال ابن جريج: قال لي عطاء: قال لي طاووس بن كيسان: ( يا عطاء ! إياك أن تطلب حوائجك إلى من أغلق دونك بابه و جعل عليها حجابه، وعليك بمن بابه لك مفتوح إلى يوم القيامة أمرك أن تسأله، ووعدك أن يجيبك). رواه البيهقي في شعب الإيمان.
4. وقال قبيصة بن عقبة: أخبرنا سفيان، عن ليث، عن طاوس، قال: (ما تعلمت فتعلمه لنفسك فإن الناس قد ذهبت منهم الأمانة)
قال: (وكان يعد الحديث حرفا حرفا). رواه ابن سعد في الطبقات وابن أبي شيبة في المصنف.
5. وقال أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز: ما وعظني أحد أحسن مما وعظني طاووس، كتب إلي: (استعن بأهل الخير يكن عملك خيرا كله، ولا تستعن بأهل الشر فيكن عملك شرا كله). رواه ابن مروان في المجالسة.

مرضه ووفاته:
- قال ليث بن أبي سليم: (رأيت طاووساً في مرضه الذي مات فيه يصلي على فراشه قائماً ويسجد عليه). رواه ابن سعد.
- وقال عبد الرزاق: قال أبي: (مات طاووس بمكة فلم يصلوا عليه حتى بعث ابن هشام بالحرس)
قال: (فلقد رأيت عبد الله بن الحسن واضعاً السرير على كاهله).
قال: (فلقد سقطت قلنسوة كانت عليه، ومُزّق رداؤه من خلفه). رواه أبو نعيم في الحلية.
يريد من شدّة الزحام في تشييعه.
- وفي رواية أخرى قال: «توفي طاووس بالمزدلفة أو بمنى فلما حُمل أخذ عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب بقائمة السرير فما زايله حتى بلغ القبر»
- وقال زيد بن حباب: قال إبراهيم بن نافع: (هلك طاوس في سنة ست ومائة). رواه الإمام أحمد في العلل.
- وقال ابن شوذب: (شهدت جنازة طاووس بمكة سنة ست ومئة؛ فجعلنا نقول: رحمك الله أبا عبد الرحمن حج أربعين حجة). رواه الإمام أحمد في العلل وابن أبي خيثمة في تاريخه وأبو نعيم في الحلية.
- وقال سيف بن سليمان: (مات طاوس بمكة قبل يوم التروية بيوم وكان هشام بن عبد الملك قد حج تلك السنة وهو خليفة سنة ست ومائة فصلى على طاووس وكان له يوم مات بضع وتسعون سنة). ذكره ابن سعد في طبقاته من طريق الواقدي.
- وقال ابن حبان: (مرض بمنى ومات بمكة سنة إحدى ومائة وصلى عليه هشام بن عبد الملك بن مروان بين الركن والمقام).

الرواة عن طاووس:
روى عنه ابنه عبد الله فأكثر، ومجاهد، وعمرو بن دينار، وحبيب بن أبي ثابت، وسليمان التيمي، وعبد الملك بن ميسرة الهلالي، وإبراهيم بن ميسرة الطائفي، وعبد الله ابن أبي نجيح، وابن شهاب الزهري، وعبد الملك بن جريج، وحنظلة بن أبي سفيان، وسليمان بن أبي مسلم الأحول، وعبد الكريم بن مالك الجزري، والحسن بن مسلم بن يناق، ومنصور بن المعتمر، وهؤلاء عامّتهم من الثقات.
ثم بعدهم مرتبة: أبي الزبير المكي، وعطاء بن السائب، وسليمان بن موسى الدمشقي، وأسامة بن زيد الليثي، وقيس بن سعد، وعكرمة بن عمار، وهشام بن حجير.
ومن الضعفاء: ليث بن أبي سليم، وعبد الكريم بن أبي المخارق، وأبان بن أبي عياش.
من مرويّاته في التفسير:
1. قال عبد الملك بن ميسرة: سمعت طاوسا، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه سئل عن قوله: {إلا المودة في القربى}؛ فقال سعيد بن جبير: "قربى آل محمد صلى الله عليه وسلم"؛ فقال ابن عباس: عجلتَ إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: «إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة» رواه أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن جرير.
2. وقال معمر بن راشد: أخبرنا عبد الله بن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: لم أر شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك كله ويكذبه» رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داوود وابن جرير.
3. وروى معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه في قوله تعالى: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} قال: (هو الرجل يحلف على الأمر الذي لا يصلح، ثم يتعلل بيمينه، يقول الله: {أن تبروا وتتقوا} خير من أن تمضي على ما لا يصلح). رواه عبد الرزاق وابن جرير
4. وروى ابن جريج، عن طاووس، في قول الله جل وعز: {ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو} قال: (اليسير من كل شيء). رواه ابن جرير.


  #4  
قديم 13 شوال 1439هـ/26-06-2018م, 08:24 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 10,884
افتراضي

17: الحسن بن أبي الحسن يسار البصري (ت:110هـ)
هو الإمام الجليل العالم العارف العابد الزاهد الفقيه المفسّر الحسن بن أبي الحسن البصري، واسم أبي الحسن "يسار" ، قاله يحيى بن معين وابن سعد والبخاري وغيرهم.
وكان أبواه من سبي ميسان، وهي بلاد تقع جنوب أرض بابل بالعراق، فتحت في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ووقعا لرجل من الأنصار من بني النجار، ثمّ أُعتقا.
- قال موسى بن إسماعيل: سألت محمد بن عبد الله الأنصاري؛ قلت: الحسن من أين كان أصله؟ قال: (من ميسان). رواه ابن أبي خيثمة في تاريخه، ووكيع في أخبار القضاة.
- قال البخاري في التاريخ الكبير: (واسم أبى الحسن يسار، مولى زيد بن ثابت الأنصاري).
- وقال أبو الحسن المدائني: قال الحسن: (كان أبي وأمي لرجل من بني النجار، فتزوج امرأة من بني سلمة، فساق أبي وأمي في مهرها، فأعتقتنا السلمية).
- وقال عبد السلام بن مطهر: حدثنا غاضرة بن قرهد العوقي قال: (كان أبو الحسن بن أبي الحسن، مولى أبي اليسر الأنصاري). رواه ابن أبي خيثمة في تاريخه ووكيع في أخبار القضاة، وزاد ابن أبي خيثمة: (وكانت أمه مولاة لأم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم).
وقال ابن قتيبة في "المعارف": حدّثنى عبد الرحمن، عن الأصمعي، عن قرة، عن قتادة أن أم الحسن، كانت مولاة لأم سلمة.

ولد الحسن عام 21هـ قبل موت عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعامين، وقيل: كانت أوّل نشأته في بيت أمّ المؤمنين أمّ سلمة رضي الله عنها، وكانت أمّه مولاة لها.
- وقال حفص بْن غياث، عَن أشعث، عَن الْحَسَنِ، أنه ولد بالربذة، ونشأ بالمدينة، رواه وكيع في أخبار القضاة.
- قال هوذة بن خليفة، عن عوف بن أبي جميلة الأعرابي، قال: (كان الحسن ابنا لجاريةٍ لأمّ سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فبعثت أم سلمة جاريتها في حاجتها، فبكى الحسن بكاء شديدا، فرقَّت عليه أم سلمة، فأخذته فوضعته في حجرها، فألقمته ثديها، فدرَّ عليه، فشرب منه، وكان يقال: إن المبلغ الذي بلغه الحسن من الحكمة بذلك اللبن الذي شربه من أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم). رواه أبو نعيم في الحلية.
- وقال مُحَمَّد بْن سلام الجمحي: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرو الشعاب، قال: (كانت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه تبعث أم الْحَسَن في الحاجة فيبكي، وهو صبي، فتسكته بثديها)
وقال: (كانت تخرجه إِلَى أصحاب النبي صلى الله عليه وهو صغير وكانت منقطعة إليها، فكانوا يدعون له فأخرجته إِلَى عُمَر بْن الخطاب، فدعا له، وقال: اللهم فقهه في الدين وحببه إِلَى الناس). رواهما وكيع في أخبار القضاة.
أبو عمرو الشَّعَّاب هو محمّد بن مِهْزَم العبدي، ثقة، من طبقة صغار أصحاب الحسن.
ثمّ نشأ الحسن بوادي القرى - فيما ذُكر عنه - وتعلّم الفصاحة، وحفظ القرآن وهو ابن أربع عشرة سنة، ولقي جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وحفظ من علمهم وهَدْيهِم ما عُرفَ أثره عليه حتى اشتهر به.
- قال إسرائيل بن موسى البصري: سمعت الحسن يقول: (ولدت لسنتين بقيتا من خلافة عمر). رواه البخاري في التاريخ الكبير.
- وقال ابن علية عن يونس، عن الحسن قال: قال لي الحجاج: «ما أمدك يا حسن؟» قال: قلت: «سنتان من خلافة عمر» قال: فقال: «والله لعينك أكبر من أمدك» رواه ابن سعد.
- وقال مسلم بن إبراهيم: حدثنا حريث بن السائب، عن الحسن قال: «كنت أدخل بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في خلافة عثمان بن عفان، فأتناول سقف البيت بيدي» رواه ابن سعد.
- وقال عيسى بن يونس عن الفضيل أبى محمد قال: سمعت الحسن يقول: (أنا يوم الدار ابن أربع عشرة سنة، جمعت القرآن، أنظر إلى طلحة بن عبيد الله). رواه البخاري في التاريخ الكبير.
يقصد بيوم الدار، يوم مقتل عثمان رضي الله عنه.
- وقال خالد بن عبد الرحمن بن بكير: حدثنا الحسن قال: «رأيت عثمان يخطب - وأنا ابن خمس عشرة سنة - قائما وقاعدا» رواه ابن سعد.
- وقال شعيب بن الحبحاب، عن الحسن أنه «رأى عثمان بن عفان يُصَبُّ عليه من إبريق» رواه ابن سعد.
- وقال إسماعيل بن إبراهيم: أخبرنا أبو رجاء، عن الحسن، قلت له: «متى عهدك بالمدينة يا أبا سعيد؟» قال: «ليالي صفين» قال: قلت: «فمتى احتلمت؟» قال: «بعد صفين عاما» رواه ابن سعد.

علمه وفضله:
كان الحسن البصري من كبار أئمة الأمصار وفقهائهم، متَّفقٌ على جلالة قدره في العلم، وكان موضع ثناء من الصحابة والتابعين وتابعيهم في علمه وفضله.
- قال الحسن بن موسى: حدثنا أبو هلال، قال: حدثنا خالد بن رياح، أن أنس بن مالك سُئل عن مسألة، قال: «عليكم مولانا الحسن، فسلوه» ، فقالوا: يا أبا حمزة، نسألك وتقول: سلوا مولانا الحسن؟ فقال: «إنا سمعنا وسمع، فحفظ ونسينا» رواه ابن سعد.
- وقال مورّق العجلى: قال لى أبو قتادة العدوي: (يا مورّق الزم هذا الشيخ - يعني الحسن بن أبي الحسن - فخذ منه ! فإنى والله! ما رأيت رجلاً قطّ أشبه رأياً بعمر بن الخطاب منه). رواه البخاري في التاريخ الكبير وابن سعد في الطبقات والفسوي في المعرفة..
- وقال جرير بن حازم: سمعت حميد بن هلال قال: قال لنا أبو قتادة: (عليكم بهذا الشيخ- يعني الحسن بن أبي الحسن- فإني والله ما رأيت رجلا قط أشبه رأيا بعمر بن الخطاب منه). رواه الفسوي في المعرفة.
وأبو قتادة العدوي هو تميم بن نُذير، مختلف في صحبته.
- وقال حماد بن زيد: حدثنا عقبة بن أبي ثبيت الراسي قال: دخل على بلال بن أبي بردة، فجرى ذكر الحسن، فقال لي بلال: سمعت أبا بردة يقول: «ما رأيت رجلا قط لم يصحب النبي صلى الله عليه وسلم أشبه بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الشيخ يعني - الحسن- ». رواه البخاري في التاريخ الكبير وابن سعد في الطبقات واللفظ له.
وأبو بردة هو ابن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
- وقال زهير بن معاوية أبو خيثمة: حدثنا أبو إسحاق الهمداني قال: «كان الحسن البصري يشبه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم» رواه ابن سعد في الطبقات، والإمام أحمد في الزهد، ووكيع في "أخبار القضاة".
- وقال الحسن بن موسى الأشيب: حدثنا حماد بن سلمة، عن حُميد ويونس بن عبيد أنهما قالا: «قد رأينا الفقهاء، فما رأينا منهم أجمع من الحسن» رواه ابن سعد.
- وقال أبو عوانة عن قتادة قال: (ما جلست إلى أحد ثم جلست إلى الحسن إلا عرفت فضل الحسن عليه). رواه البخاري في التاريخ الكبير.
- وقال مطر الوراق: (كان رجل أهل البصرة جابر بن زيد؛ فلما ظهر الحسن جاء رجل كأنما كان في الآخرة فهو يخبر عما رأى وعاين). رواه البخاري في التاريخ الكبير، والفسوي في المعرفة.
قلت: مات جابر بن زيد قبل الحسن بنحو عشرين عاماً.
- وقال سلام بن مسكين: سمعت قتادة يقول: «كان الحسن من أعلم الناس بالحلال والحرام» رواه ابن سعد.
- وقال عارم بن الفضل: حدثنا حماد بن زيد، عن يونس قال: «كان الحسن والله من رؤوس العلماء في الفتن والدماء» رواه ابن سعد.
- وقال حماد بن سلمة: أخبرنا علي بن زيد قال: «أدركت عروة بن الزبير، ويحيى بن جعدة، والقاسم، فلم أر فيهم مثل الحسن، ولو أن الحسن أدرك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو رجلٌ لاحتاجوا إلى رأيه» رواه ابن سعد في الطبقات، والفسوي في المعرفة.
علي بن زيد هو ابن جدعان.
- وقال روح بن عبادة: حدثنا حماد بن سلمة، عن الجريري أن أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال للحسن بن أبي الحسن: أرأيت ما تفتي الناس، أشيئا سمعته أم برأيك؟ فقال الحسن: «لا والله، ما كل ما نفتي به سمعناه، ولكن رأينا خير لهم من رأيهم لأنفسهم» رواه ابن سعد.
وأبو سلمة من أقران الحسن البصري، وكان قد أتى البصرة فرأى تعظيم أهلها للحسن.
- قال ابن سعد: (قدم مكة، فأجلسوه على سرير، واجتمع الناس إليه، فحدثهم، وكان فيمن أتاه مجاهد، وعطاء، وطاووس، وعمرو بن شعيب، فقالوا، أو قال بعضهم: (لم نر مثل هذا قط)
- وقال بكر بن عبد الله المزني: (من سرَّه أن ينظر إلى أعلم عالم أدركناه في زمانه، فلينظر إلى الحسن، فما أدركنا الذي هو أعلم منه، لَيَتَمَنَّينَّ الذي رآه أنه ازداد من علمه، والذي لم يره أنه رآه). ذكره أبو الحجاج المزي في تهذيب الكمال.
- وقال سفيان بن عيينة، عن أيوب، قال: (لو رأيت الحسن لقلت: إنك لم تجالس فقيها قط). رواه أبو نعيم في الحلية.
- وقال موسى بن إسماعيل: حدثنا أبو هلال قال: كنا في بيت قتادة فجاءنا الخبر أن الحسن قد توفي فقلت: لقد كان غمس في العلم غمسة؛ فقال قتادة:
(لا والله، ولكنه نبَت فيه وتحقَّنه وتشرَّبه، والله لا يبغض الحسن إلا حروري). رواه ابن سعد.
- وقال ابن حبان: (كان من علماء التابعين بالقرآن والفقه والأدب وكان من عباد أهل البصرة وزهادهم).
- وقال الذهبي: (مناقبه كثيرة ومحاسنه غزيرة، كان رأسا في العلم والحديث، إماما مجتهدا كثير الاطلاع، رأسا في القرآن وتفسيره، رأسا في الوعظ والتذكير، رأسا في الحلم والعبادة، رأسا في الزهد والصدق، رأسا في الفصاحة والبلاغة، رأسا في الأيد والشجاعة).
وقال ابن الجزري: (الحسن بن أبي الحسن يسار السيد الإمام أبو سعيد البصري، إمام زمانه علما وعملا، قرأ على حطان بن عبد الله الرقاشي عن أبي موسى الأشعري وعلى أبي العالية عن أبيّ وزيد وعمر).

صفاته وسيرته:
كان الحسن البصريّ رحمه الله جسيماً وسيماً، شجاعاً مهيباً، وافر المروءة، طويل الحُزن، بصيراً بالفتن والمخارج منها، فصيحاً بليغاً، حسن الموعظة، حلو الكلام، ينطق بالحكمة، فيُعرف في كلامه شواهد صدقه، كأنما يترجم عن يقين عايَنه، وكان محبوباً لدى العامّة والخاصة، وكانت مواعظه وأخباره تُحفظ وتُروى.
- قال عاصم بن سيار الرقاشي: أخبرتني أمة الحكم، قالت: كان الحسن يجئ إلى حطان بن عبد الله الرقاشي، فما رأيت شابا قط كان أحسن وجها منه). ذكره المزي.
قلت: حطّان الرقاشي هو شيخ الحسن في القراءة، قرأ عليه عرضاً، كما ذكر ذلك ابن الجزري.
- وقال ابن قتيبة في "المعارف": عبد الرحمن عن، الأصمعي، عن أبيه، قال: (ما رأيت أعرض زندا من الحسن، كان عرضه شبرا).
- وقال محمد بن فضيل، عن عاصم الأحول: قلت للشعبي: لك حاجة؟ قال: نعم، إذا أتيت البصرة فأقرئ الحسن مني السلام.
قلت: ما أعرفه!
قال: إذا دخلت البصرة فانظر إلى أجمل رجل تراه في عينيك، وأهيبه في صدرك، فأقرئه مني السلام.
قال: فما عدا أن دخل المسجد فرأى الحسن، والناس حوله جلوس، فأتاه وسلم عليه). ذكره المزي.
- وقال الأشعث بن سوار: أردت أن أقدم البصرة لألقى الحسن، فأتيت الشعبي فسألته. فقلت: يا أبا عمرو إني أريد أن آتي البصرة، قال: وما تصنع بالبصرة؟ قلت: أريد أن ألقى الحسن فصِفْه لي، قال: نعم، أنا أصفه لك: إذا دخلت البصرة، فادخل مسجد البصرة، فارم ببصرك، فإذا رأيت في المسجد رجلا ليس في المسجد مثله، أولم تر مثله، فهو الحسن.
قال الأشعث: فأتيت مسجد البصرة، فما سألت عن الحسن أحدا حتى جلست إليه بنعت الشعبي). ذكره المزي.
- وقال شعبة: رأيت الحسن قام إلى الصلاة، فتكابّوا عليه، فقال: «لا بد لهؤلاء الناس من وزعة» قال: «وكان يقعد على المنارة العتيقة في آخر المسجد» رواه ابن سعد في الطبقات، ووكيع في أخبار القضاة، وقال: يعني - بجلوسه - للقضاء.
- وقال موسى بن إسماعيل: حدثنا أبو هلال قال: حدثنا غالب قال: حملت الحسنَ على حماري من المسجد إلى منزله، فرأى ناسا يتبعونه، فقال: «ما يبقي هؤلاء من قلب رجل لولا أن المؤمن يرجع إلى نفسه، فيعرفها» رواه ابن سعد.
- وقال حماد بن زيد: حدثنا يزيد بن حازم قال: سمعت الحسن يقول: «إن خفق النعال خلف الرجال قل ما تلبث الحمقى» رواه ابن سعد.
- وقال محمد بن سلام الجمحي، عن عبد الله بن عمر الصبيري: قال يونس بن عبيد: (إن كان الرجل ليرى الحسن لا يسمع كلامه، ولا يرى عمله، فينتفع به). ذكره المزي.
قلت: يريد أنّه ينتفع برؤيته وبما يرى من هديه وسمته وإن لم ير منه عملاً ظاهراً.
- وقال قبيصة بن عقبة: حدثنا سفيان، عن يونس قال: «كان الحسن رجلا محزونا، وكان ابن سيرين صاحب ضحك ومزاح» رواه ابن سعد.
- وقال حماد بن سلمة، عن قتادة: (ما أحد كان أكمل مروءة من الحسن).
- وقال حماد بن سلمة: قال يونس وحميد الطويل : (رأينا الفقهاء فما رأينا أحدا أكمل مروءة من الحسن).
- وقال رجاء بن أبي سلمة: سمعت يونس بن عبيد يقول: (أما أنا فإني لم أرَ أقرب قولا من فعل الحسن).
- وقال محمد بن ذكوان: حدثنا خالد بن صفوان، قال: (لقيت مسلمة بن عبد الملك بالحيرة بعد هلاك ابن المهلب؛ فقال: يا خالد أخبرني عن حَسَنِ أهل البصرة.
قال: قلت: أصلح الله الأمير أخبرك عنه بعلم، أنا جاره إلى جنبه، وجليسه في حلقته، وأعلم مَن قِبَلي به، كان أشبه الناس سريرة بعلانية وأشبه قولا بفعل، إن قعد على أمر قام به، وإن قام بأمر قعد عليه، وإن أمر بأمر كان أعملَ الناس به، وإن نهى عن شيء كان أتركَ الناس له، رأيته مستغنيا عن الناس، ورأيت الناس محتاجين إليه قال: (حسبك حسبك، كيف ضلَّ قوم كان هذا فيهم؟ يعني باتّباعهم ابن المهلب). رواه الفسوي في "المعرفة" ووكيع في "أخبار القضاة" وأبو نعيم في "الحلية".
- وقال موسى بن إسماعيل: سمعت شعيباَ صاحب الطيالسة قال: (رأيت الحسن يقرأ القرآن، فيبكي حتى يتحدر الدمع على لحيته) رواه ابن سعد.
- وقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو شهاب، عن الصلت بن بهرام، عن الحسن، قال: (إن هذا القرآن قرأه عبيد وصبيان لم يأخذوه من أوله ولا علم لهم بتأويله، إن أحق الناس بهذا القرآن من رُئي في عمله " قال الله عز وجل في كتابه: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب} " وإنما تدبر آياته اتباعه بعمله، يقول أحدهم لصاحبه: أقارئك، والله ما كانت القراء تفعل هذا، والله ما هم بالقراء ولا الورعة لا كثر الله في الناس أمثالهم). رواه البيهقي في شعب الإيمان.
- قال إبراهيم بن عيسى اليشكري: (ما رأيت أطول حزنا من الحسن وما رأيته قط إلا حسبته حديث عهد بمصيبة). رواه الإمام أحمد في الزهد وأبو نعيم في الحلية.
- وقال يونس بن عبيد: (ما رأيت أطول حزنا من الحسن، وكان يقول: نضحك ولعل الله قد اطلع على أعمالنا فقال لا أقبل منكم شيئا). رواه الإمام أحمد في الزهد.
- وقال روح بن عبادة: حدثنا هشام عن الحسن قال: (قد كان الرجل يطلب العلم فلا يلبث أن يُرى ذلك في تخشعه وهديه وفي لسانه وبصره ويده). رواه الإمام أحمد في الزهد والبيهقي في شعب الإيمان.
- وقال زافر بن سليمان: ذكر أبو مروان بشر الرحال، عن الحسن، قال: «يحق لمن يعلم أن الموت مورده، وأن الساعة موعده، وأن القيام بين يدي الله تعالى مشهده؛ أن يطول حزنه» رواه أبو نعيم في الحلية.
- وقال عباد بن كليب، عن أسد بن سليمان، عن الحسن، قال: «طول الحزن في الدنيا تلقيح العمل الصالح» رواه أبو نعيم.
- وقال عبد الصمد بن حسان: حدثنا السري بن يحيى، عن الحسن، أنه قال: «والله ما من الناس رجل أدرك القرن الأول أصبح بين ظهرانيكم إلا أصبح مغموما وأمسى مغموما» رواه أبو نعيم.
- وقال بكير بن محمد العابدي: حدثني أبو زهير، عن الحسن، قال: «أرى رجالا ولا أرى عقولا أسمع أصواتا ولا أرى أنيسا، أخصب ألسنة وأجدب قلوبا» رواه أبو نعيم.

زهده وورعه:
- وقال عبد الوهاب بن عطاء: حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن قال: «لولا الميثاق الذي أخذه الله على أهل العلم ما حدثتكم بكثير مما تسألون عنه» رواه ابن سعد.
- وقال سعيد بن محمد الثقفي، عن الربيع بن صبيح قال: (كان الحسن إذا أثنى عليه أحد في وجهه كره ذلك، وإذا دعا له سرَّه ذلك). رواه ابن سعد.
- وقال صلت بْن مسعود: حَدَّثَنَا إبراهيم بْن سعد؛ قال: سمعت خالد بْن صفوان، وسألوه عَن الْحَسَنِ؛ قال: أنا أهل خبرة به؛ كانت داره ملعبي صغيراً ومجلسي كبيراً؛ قالوا: فما عندك فِيْهِ؟
قال: (كان آخذَ الناس بما أمر به، وما رأيته يزاحم على شيء من الدنيا قط). رواه وكيع في أخبار القضاة.
- وقال يزيد بن عطاء، عن علقمة بن مرثد، قال: (انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين، فأما الحسن بن أبي الحسن فما رأينا أحدا من الناس كان أطول حزنا منه، وما كنا نراه إلا أنه حديث عهد بمصيبة، ثم قال: نضحك، ولا ندري لعل الله قد أطلع على بعض أعمالنا، فقال: لا أقبل منكم شيئا، ويحك يا ابن آدم. هل لك بمحاربة الله طاقة؟ إنه من عصى الله فقد حاربه). رواه أبو نعيم في الحلية.
- وقال حفص بن غياث، عن أشعث بن سوار قال: «كنا إذا دخلنا على الحسن خرجنا ولا نعدّ الدنيا شيئا» رواه أبو نعيم في الحلية.
- وقال عبد الله بن شوذب، عن مطر الوراق قال: (دخلنا على الحسن نعوده، فما كان في البيت شيء لا فراش ولا بساط ولا وسادة ولا حصير إلا سرير مرمول هو عليه). رواه الفسوي في المعرفة.

أعماله وجهاده:
- قال ابن قتيبة في المعارف": (كان الحسن كاتب الربيع بن زياد الحارثي بخراسان).
- وقال المزي: (كان كاتبا للربيع بن زياد الحارثي، والي خراسان من جهة عبد الله بن عامر، في عهد معاوية بن أبي سفيان).
- وقال عبد المؤمن أبو عبيدة: سمعت رجلا سأل الحسن، فقال: يا أبا سعيد، هل غزوت قط؟ قال: نعم، غزوة كابل مع عبد الرحمن بن سمرة). رواه ابن سعد.
- وقال ابن سعد: (وروى الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة أنه غزا معه كابل، والأندقان، والأندغان، وزابلستان ثلاث سنين).
- وقال حماد بن زيد عن ابن عون قال: سألت محمدا[ يعني ابن سيرين] عن شيء من أمر الطعام في الغزو. فقال: سل الحسن فإنه كان يغزو). رواه الفسوي في المعرفة.
- وقال عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان قال: (كان الحسن من أشد الناس إذا حضر الباس، وكان أجمل الناس، وأروى الناس، وأسخى الناس، وأفصح الناس).
قال: (وكان المهلب إذا قاتل المشركين كان الحسن من الفرسان الذين يقدمون). رواه الفسوي في المعرفة.
- وقال سلام بن مسكين: كنا ننتظر الْحَسَن، وهو عند عدي بْن أرطاة، وخرج علينا، وهو كئيب حزين، خبيث النفس، فقال: (إن هَذَا الرجل أجلسني للناس قاضياً فأعلمته كبر سني وضعفي، فإنه لا طاقة لي بالقضاء، فقال: أعني أياماً حتى أقعد مكانك رجلاً). رواه وكيع في أخبار القضاة.
- وقال غسان بْن مضر: حَدَّثَنَا بعض أشياخنا، وسعيد بْن يزيد فيهم، قالوا: استعمل عدي بْن أرطاة الْحَسَن على القضاء، فبعث إليه برزقه، فرده الْحَسَن، قال: فزاد عدي عليه فردها إِلَى الْحَسَن؛ فَقَالَ: الْحَسَن: إني لم أستقل ما بعثت إلي، ولكني أكره أن آخذ على القضاء أجراً). رواه وكيع في أخبار القضاة.
- وقال مُحَمَّد بْن حميد: حَدَّثَنَا جرير، عَن مغيرة؛ قال: (ولي الْحَسَن قضاء البصرة فشكا فعزل). رواه وكيع في أخبار القضاة.

موقفه من فتنة ابن الأشعث:
- قال حماد بن زيد، عن أيوب قال: قيل لابن الأشعث: إن سرَّك أن يقتلوا حولك كما قُتلوا حول جمل عائشة فأخرج الحسن؛ فأرسل إليه، فأكرهه). رواه ابن سعد في الطبقات، والفسوي في المعرفة.
- وقال سليم بن أخضر: حدثنا ابن عون قال: استبطأ الناس أيام ابن الأشعث، فقالوا له: أخرج هذا الشيخ، يعني الحسن؛ قال ابن عون: فنظرت إليه بين الجسرين وعليه عمامة سوداء.
قال: فغفلوا عنه، فألقى نفسه في بعض تلك الأنهار حتى نجا منهم، وكاد يهلك يومئذ). رواه ابن سعد.
- وقال سلام بن مسكين: حدثني سليمان بن علي الربعي قال: لما كانت الفتنة - فتنة ابن الأشعث إذ قاتلَ الحجاجَ بن يوسف - انطلق عقبة بن عبد الغافر، وأبو الجوزاء، وعبد الله بن غالب في نفر من نظرائهم، فدخلوا على الحسن، فقالوا: يا أبا سعيد، ما تقول في قتال هذا الطاغية الذي سفك الدم الحرام، وأخذ المال الحرام، وترك الصلاة، وفعل وفعل؟
قال: وذكروا من فعل الحجاج
قال: فقال الحسن: «أرى أن لا تقاتلوه؛ فإنها إن تكن عقوبة من الله فما أنتم برادّي عقوبة الله بأسيافكم، وإن يكن بلاء فاصبروا حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين» قال: فخرجوا من عنده وهم يقولون: نطيع هذا العلج؟
قال: وهم قوم عرب
قال: وخرجوا مع ابن الأشعث قال: «فقتلوا جميعا»
قال سليمان: فأخبرني مرة بن ذباب أبو المعذل قال: " أتيت على عقبة بن عبد الغافر وهو صريع في الخندق، فقال: «يا أبا المعذل، لا دنيا، ولا آخرة» رواه ابن سعد.
- وقال شبيب بن عجلان الحنفي: أخبرني سلم بن أبي الذيال قال: سأل رجل الحسن وهو يسمع وأناس من أهل الشام، فقال: يا أبا سعيد، ما تقول في الفتن مثل يزيد بن المهلب، وابن الأشعث؟
فقال: «لا تكن مع هؤلاء، ولا مع هؤلاء»
فقال رجل من أهل الشام: ولا مع أمير المؤمنين يا أبا سعيد؟ فغضب، ثم قال بيده، فخطر بها، ثم قال: «ولا مع أمير المؤمنين يا أبا سعيد!! نعم، ولا مع أمير المؤمنين» رواه ابن سعد.
- وحماد بن زيد: حدثنا عمرو بن يزيد العبدي قال: سمعت الحسن يقول: «لو أن الناس إذا ابتلوا من قبل سلطانهم صبروا ما لبثوا أن يفرج عنهم، ولكنهم يفزعون إلى السيف، فيوكلون إليه، فوالله ما جاؤوا بيوم خير قط» رواه ابن سعد.
- وقال عفان بن مسلم: حدثنا زريك بن أبي زريك قال: سمعت الحسن يقول: «إن هذه الفتنة إذا أقبلت عرفها كل عالم، وإذا أدبرت عرفها كل جاهل» رواه ابن سعد.
- وقال أحمد بن عبد الله بن يونس: حدثنا مندل، عن أبي مالك قال: كان الحسن إذا قيل له ألا تخرج، فتغير؟ قال: يقول: «إن الله إنما يغير بالتوبة، ولا يغير بالسيف» رواه ابن سعد.
- قال حجاج بن نصير: حدثنا عمارة بن مهران قال: قيل للحسن: ألا تدخل على الأمراء، فتأمرهم بالمعروف، وتنهاهم عن المنكر؟ قال: ليس للمؤمن أن يذل نفسه، إن سيوفهم لتسبق ألسنتنا، إذا تكلمنا قالوا بسيوفهم هكذا، ووصف لنا بيده ضربا). رواه ابن سعد.

تحذيره من أهل الأهواء:
عاصر الحسن البصري طوائف من أهل الأهواء؛ فكان بصيراً بهم ناصحاً في التحذير منهم، فحذّر من الخوارج والقدرية والصوفية، وكان موقفه من فتنة ابن الأشعث ظاهراً بيّناً كما تقدّم، وقد اغترّ بفتنته جماعة من الفقهاء كما تقدّم.
- قال خلف بن تميم: حدثنا زائدة، عن هشام، عن الحسن ومحمد قالا: «لا تجالسوا أصحاب الأهواء، ولا تجادلوهم، ولا تسمعوا منهم» رواه ابن سعد.
- وقال أبو إسحاق الفزاري عن زائده عن هشام عن الحسن قال: (لا تسمعوا من أهل الأهواء) رواه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل.
- وقال يزيد بن عوانة: حدثني أبو شداد - شيخ من بني مجاشع أحسن عليه الثناء - قال: سمعت الحسن، وذُكر عنده الذين يلبسون الصوف، فقال: «ما لهم تفاقدوا - ثلاثا - أكنّوا الكبرَ في قلوبهم، وأظهروا التواضع في لباسهم، والله لأحدهم أشدُّ عجباً بكسائه من صاحب المطرف بمطرفه» رواه ابن سعد.
والمِطْرَف كِسَاء فاخرٌ له أعلام تزيّنه.

فصاحته وحكمته:
- قال أبو موسى البصري: قال رجل للحسن: يا أبا سعيد ما أراك تلحن!! فقال: (يا بن أخي إني سبقت اللحن). رواه ابن أبي شيبة في مصنفه، وابن الأنباري في إيضاح الوقف والابتداء، وروى الفسوي في المعرفة مثله من طريق عبد الرزاق عن معمر.
- وقال الأعمش: (ما زال الحسن يبتغي الحكمة حتى نطق بها) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه والفسوي في المعرفة والتاريخ وأبو نعيم في الحلية، وزاد: (وكان إذا ذُكر عند أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين قال: ذاك الذي يشبه كلامه كلام الأنبياء).
- وقال أبو زيد الأنصاري عن أبي عمرو بن العلاء قال: (ما رأيت أحدا أفصح من الحسن ومن الحجاج)
فقلت: فأيهما كان أفصح؟
قال: (الحسن). رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق.
- وقال ابن أبي عمر: حدثنا سفيان عن أيوب قال: (ما سمع كلامَ الحسن أحد إلا ثقل عليه كلام الرجال بعده). رواه الفسوي في المعرفة.
- وقال الأصمعي، عَن سليم بْن أخضر، عَن ابن عون، قال: (كنت أشبه لهجة الْحَسَن بلهجة رؤبة بْن العجاج). رواه ابن سعد في الطبقات، و الفسوي في المعرفة ووكيع في أخبار القضاة.
- وقال ابن الجزري: (روينا عن الشافعي -رحمه الله- أنه قال: لو أشاء أقول إن القرآن نزل بلغة الحسن لقلت لفصاحته).

مواعظه ووصاياه:
- قال غالب القطان قال: قال الحسن: «إن فضل الفعال على المقال مكرمة، وإن فضل المقال على الفعال منقصة» رواه ابن سعد في الطبقات وأبو نعيم في الحلية واللفظ له، والبيهقي في شعب الإيمان.
- وقال عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد: حدثنا سفيان قال: قال رجل للحسن: أوصني، قال: «أعزَّ أمرَ الله يعزَّك الله».
- وقال حوشب بن مسلم: سمعت الحسن، يقول: «أما والله لئن تدقدقت بهم الهماليج ووطئت الرحال أعقابهم، إن ذل المعاصي لفي قلوبهم ولقد أبى الله أن يعصيه عبد إلا أذله» رواه أبو نعيم.
- وقال سلام بن مسكين: سمعت الحسن يقول: «أهينوا هذه الدنيا، فوالله لأهنأ ما تكون إذا أهنتموها» رواه بن سعد.
- قال عبد الله بن المبارك: حدثنا المبارك بن فضالة قال: قال الحسن: «إياكم وما شغل من الدنيا فإن الدنيا كثيرة الأشغال لا يفتح رجل على نفسه باب شغل إلا أوشك ذلك الباب أن يفتح عليه عشرة أبواب» رواه أبو نعيم.
- وقال هشام بن حسان: سمعت الحسن يحلف بالله: (ما أعز أحد الدرهم إلا أذله الله عز وجل). رواه أبو نعيم في الحلية.
- وقال ضمرة، عن ابن شوذب عن الحسن، قال: «الرجاء والخوف مطيتا المؤمن» رواه الإمام أحمد في الزهد وأبو نعيم في الحلية.
- وقال عبد الله بن المبارك: أخبرنا معمر عن يحيى بن المختار، عن الحسن، قال: (إن المؤمن قوام على نفسه يحاسب نفسه لله ، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا ، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر عن غير محاسبة ). رواه ابن أبي شيبة.
- وقال معاذ بن معاذ، عن الأشعث، عن الحسن، قال: (رحم الله عبدا لم يحاسب الناس دون ربهم، ولم يحمل على نفسه ما لم يحمله الله لهم) رواه البيهقي في شعب الإيمان.
- وقال عبيد الله بن محمد ابن عائشة: حدثنا صالح المري، عن الحسن قال: «ابن آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك» رواه أبو نعيم في الحلية ورواه الإمام أحمد في الزهد من طريق علي بن ثابت عن رجل من أهل خراسان عن الحسن.
- قال حجاج بن أرطأة عن عمارة، عن الحسن قال: «كان الفتى إذا نسك لم نعرفه بمنطقه، وإنما نعرفه بعمله، وذلك العلم النافع» رواه ابن سعد.
- وقال حماد بن سلمة، أنبأنا أبو حمزة التمار، عن الحسن، قال: «غائلة العلم، النسيان» رواه الدارمي في مسنده، وابن لال الهمذاني في جزئه، وزاد: (وحياته المذاكرة).
- قال سلام بن مسكين: دخلنا على الحسن وهو مريض، فلحظ إلينا لحظة، فقال: «لو أن ابن آدم أخذ من صحته ليوم سقمه» رواه ابن سعد.
- وقال موسى بن إسماعيل: حدثنا أبو هلال قال: كان الحسن إذا فرغ من حديثه، فأراد أن يقوم قال: «اللهم برّئ قلوبنا من الشرك والكبر والنفاق والرياء والسمعة والريبة والشك في دينك، يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك، واجعل ديننا الإسلام القيم» رواه ابن سعد.
- قال عفان بن مسلم: حدثنا يزيد بن إبراهيم قال: «رأيت الحسن يرفع يديه في قصصه في الدعاء بظهر كفيه» رواه ابن سعد.
- وقال ابراهيم بن الحسن الباهلي: حدثنا إبراهيم بن حماد عن الحسن قال : (كم من مستدرج بالإحسان إليه، وكم من مفتون بالثناء عليه، وكم من مغرور بالستر عليه). رواه عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب "الزهد" لأبيه.
- وقال عبد الله بن المبارك: حدثنا معمر، عن يحيى بن المختار، عن الحسن قال: (أحبوا هونا، وأبغضوا هونا؛ فقد أفرط أقوام في حب أقوام فهلكوا، وأفرط أقوام في بغض أقوام فهلكوا، لا تفرط في حبّ، ولا تفرط في بغض ). رواه عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب الزهد لأبيه.

ما انتقد به الحسن البصري:
الحسن البصري من كبار الأئمة، مجمع على إمامته وجلالة قدره، وقد تُكلّم فيه لأمرين:
أحدهما: ما رُوي عنه في مسألة القَدَر.
والأمر الثاني: إرساله وتدليسه في بعض الروايات وتحديثه بالمعاني.

فأما الأمر الأول: وهو ما ذُكر عنه في مسألة القدَر
فليلعم أولاً أنّ الحسن البصري من كبار أئمة أهل السنة الذين لهم حظوة القبول في الأمة، واشتهرت أقواله في حياته وبعد مماته، فكثر الرواة عنه جداً، وكان منهم ثقات وضعفاء، ومنهم من أهل السنة ومن غيرهم، وكان في بعض من يحضر مجالسه قوم من القدرية، وإنما سمّي المعتزلة معتزلة لأنهم اعتزلوا مجلس الحسن البصري رحمه الله، وكان ممن اعتزل مجلسه: واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، وأشباههم.
والحسن البصري بريء من مذهب القدرية، وإنما تُكلّم فيه في مسألة القدر لأمرين:
الأمر الأول: أنه بدرت منه كلمة بعد ما كبر في القدَر ثم تاب منها بعد أن ناظره بعض أهل العلم في زمانه.
والأمر الآخر: أنّ من القدرية من كان يأتيه فيسأله عن بعض المسائل بكلام مُجمل مشتبه ثم يحملون جوابه على مذهبهم.

- قال حماد بن زيد عن أيوب قال: أنا نازلت الحسن في القدر غير مرة حتى خوفته بالسلطان. فقال: (لا أعود فيه بعد اليوم).
قال أيوب: (ولا أعلم أحدا يستطيع أن يعيب الحسن إلا به، وأدركت الحسن والله ما يقوله). رواه الفسوي في المعرفة.
يريد أنه تاب منه.
- وقال حماد بن زيد عن أيوب قال: (كذب على الحسن ضربان من الناس: قومٌ القدَرُ رأيهم فينحلونه الحسن لينفّقوه في الناس، وقوم في صدورهم شنئان من بغض الحسن؛ فيقولون: أليس يقول كذا !! أليس يقول كذا !!).رواه الفسوي في المعرفة.
- قال ضمرة عن رجل عن ابن عون: قيل لمحمد بن سيرين في الحسن وما كان ينحل إليه أهل القدر، فقال: (كانوا يأتون الشيخ بكلام مجمل لو فسروه له لساءهم). رواه الفسوي في المعرفة.
- وقال موسى بن إسماعيل: حدثنا قرة قال: سمعت الحسن قال: «إنه ليجالسنا في حلقتنا هذه قوم ما يريدون به إلا الدنيا» وسمعته يقول: «رحم الله عبدا لم يتقوَّل علينا ما لم نقل» رواه ابن سعد.
- وقال عبد الرحمن بن أبي الرجال، عن عمر مولى غفرة قال: (كان أهل القدر ينتحلون الحسن بن أبي الحسن، وكان قوله مخالفا لهم، كان يقول: «يا ابن آدم، لا تُرْضِ أحداً بسخط الله، ولا تطيعن أحدا في معصية الله، ولا تحمدن أحدا على فضل الله، ولا تلومن أحدا فيما لم يؤتك الله، إن الله خلق الخلق والخلائق، فمضوا على ما خلقهم عليه، فمن كان يظن أنه مزداد بحرصه في رزقه فليزدد بحرصه في عمره، أو يغير لونه، أو يزيد في أركانه أو بنانه» ). رواه ابن سعد.
- وقال أبو سعيد بن الأعرابي: (كان يجلس إلى الحسن طائفة من هؤلاء، فيتكلم في الخصوص حتى نسبته القدرية إلى الجبر، وتكلم في الاكتساب حتى نسبته السنة إلى القدر، كل ذلك لافتنانه، وتفاوت الناس عنده، وتفاوتهم في الأخذ عنه، وهو بريء من القدر، ومن كل بدعة). ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء.

وما روي عنه من المرويات الكثيرة المستفيضة في التفسير والأحكام والوعظ يدلّ دلالة بيّنة على أنّه بريء من قول القدرية.
- قال حماد ابن سلمة: حَدَّثَنَا حميد؛ قال: (قرأت على الْحَسَن في بيت أبي خليفة القرآن أجمع من أوله إِلَى آخره؛ فكان يفسره على الإثبات). رواه وكيع في أخبار القضاة.
أي: على إثبات القدر.
- وقال حماد بن زيد عن حبيب بن الشهيد ومنصور ابن زاذان قالا: سألنا الحسن عما بين {الحمد لله رب العالمين} إلى {قل أعوذ برب الناس} ففسَّره على الإثبات). رواه الفسوي في المعرفة والتاريخ.
- وقال سليمان بن حرب: حدثنا حماد عن خالد الحذاء قال: غبت غيبة لي فقدمت؛ فأخبروني أن الحسن تكلم في القدر؛ فأتيته فقلت: يا أبا سعيد آدم خلق للجنة أم للأرض؟ قال: فقال يا أبا مُنازل ما كان هذا من مسائلك.
قال: قلت: إني أحببت أن أعلم.
قال: لا بل للأرض.
قلت: أرأيت لو اعتصم فلم يأكل من الشجرة؟
قال: لم يكن ليعتصم فلا يأكل من الشجرة إنما خلق للأرض؛ أرأيت قول الله عز وجل {ما أنتم عليه بفاتنين. إلا من هو صال الجحيم}
قال: الشياطين لم يكونوا يفتنون بضلالتهم إلا من أوجب الله له أن يصلى الجحيم). رواه الفسوي.
- وقال حماد بن زيد عن خالد الحذاء أن رجلا من أهل الكوفة كان يقدم البصرة، فكان لا يأتي الحسن من أجل القدر، فلقيه يوما في الطريق فسأله فقال: يا أبا سعيد {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك} . قال: نعم أهل رحمته لا يختلفون.
قال فقوله: {ولذلك خلقهم}؟
قال: خلق هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار.
قال: فقال الرجل: لا أسأل عن الحسن بعد اليوم). رواه الفسوي.
يريد أنّه بهذا الجواب ثبتت له براءته من القول بنفي القدر.
- وقال حماد بن زيد عن حميد قال: (قرأت القرآن كله على الحسن في بيت أبي خليفة، ففسره لي أجمع على الإثبات. فسألته عن قوله: {كذلك سلكناه في قلوب المجرمين}. قال: الشرك سلكه الله في قلوبهم. وسألته عن قوله: {ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون}
قال: {أعمال سيعملونها لم يعملوها}). رواه الفسوي.
- وقال رجاء عن ابن عون عن الحسن قال: (من كذب بالقدر فقد كفر). رواه الإمام أحمد في الزهد والفسوي في التاريخ.
- وقال سعيد بن عامر الضبعي: حدثنا الخزاز أبو عامر عن الحسن قال: (من كفر بالقدر فقد كفر بالإسلام، إن الله قدر قدرا، إن الله خلق الخلق بقدر، وقسم الآجال بقدر، وقسم الأرزاق بقدر، وقسم العافية بقدر، وأمر ونهى). رواه الفسوي في المعرفة والتاريخ.
- وقال ابن حبان: (وكان معرى عما قذف به من القدر على تدليس كان منه في الروايات).

وأما الأمر الثاني وهو إرساله وتدليسه في بعض الروايات وتحديثه بالمعاني
- قال الذهبي: (كان يدلّس ويرسل ويحدث بالمعاني).
فأمّا تحديثه بالمعاني فلأنه كان يرى جواز أداء الحديث بما يتأدّى به المعنى، وأن الاختلاف اليسير في الألفاظ إذا لم يكن عن تعمّد لا بأس به.
وأما تدليسه فإنّه كان ربما سمع الحديث من رجل لا يرغب ذكر اسمه لعلّة عارضة، والحديث عنده صحيح المعنى فيعنعن، وربما نسي من حدَّثه به، وأمّا ما صرّح فيه بالتحديث فهو حجة عند أهل الحديث.
وأما مراسيل الحسن البصري فقد اختلف فيها وفي سببها كما سيأتي.

- قال محمد بن عبد الله الأنصاري: حدثنا ابن عون قال: «كان الحسن يحدث بالحديث والمعاني» رواه ابن سعد
- وقال جرير بن حازم: «كان الحسن يحدثنا الحديث يختلف، فيزيد في الحديث وينقص منه، ولكن المعنى واحد» رواه ابن سعد
- وقال غيلان بن جرير: قلت للحسن: يا أبا سعيد، الرجل يسمع الحديث، فيحدث به لا يألو، فيكون فيه الزيادة والنقصان قال: «ومن يطيق ذلك؟» رواه ابن سعد.

وأما مراسيل الحسن فقيل إنّ سببها أنه كان يروي كثيراً منها عن عليّ بن أبي طالب وكان في زمن الحجاج لا يستطيع أن يصرّح بذكر اسمه، وقيل إنه كان إذا روى الحديث عن جماعة ترك التصريح بذكر أسمائهم، وأيّا كان فالمرسل ليس بحجة لاحتمال أن يكون الخبر فيه متلقى عن رواة ضعفاء دون طبقة الصحابة رضي الله عنهم

- قال علي ابن المديني: (مرسلات يحيى بن أبي كثير شبه الريح، ومرسلات الحسن البصري التي رواها عنه الثقات صِحاحٌ ما أقل ما يسقط منها). رواه المقدّمي في التاريخ.

وقال ابن عدي: سمعت الحسن بن عثمان يقول: سمعت أبا زرعة يقول: (كل شيء قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وجدت له أصلا ثابتا، ما خلا أربعة أحاديث).
وقال محمد بن موسى الحرشي: حدثنا ثمامة بن عبيدة قال: حدثنا عطية بن محارب، عن يونس بن عبيد، قال: سألت الحسن، قلت: يا أبا سعيد إنك تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنك لم تدركه؟
قال: يا ابن أخي لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك، ولولا منزلتك مني ما أخبرتك، إني في زمان كما ترى - وكان في عمل الحجاج - كل شيء سمعتني أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو عن علي بن أبي طالب، غير أني في زمان لا أستطيع أن أذكر عليا).
قال ابن رجب: (وهذا إسناد ضعيف، ولم يثبت للحسن سماع من علي).
وقال الخصيب بن ناصح: (كان الحسن إذا حدثه رجل واحد عن النبي صلى الله عليه وسلم بحديث ذكره. فإذا حدثه أربعة بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ألقاهم، وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم). ذكره ابن رجب في شرح العلل وقال: (الخصيب بن ناصح مصري متأخر، لم يدرك الحسن).


وضعّف الإمام أحمد مراسيل الحسن البصري لتساهله في الأخذ، وأما ما أسنده فهو حجّة.
قال ابن رجب: وقال أحمد في رواية الفضل بن زياد : (مرسلات سعيد بن المسيب أصح المرسلات ، ومرسلات إبراهيم لا بأس بها ، وليس في المرسلات أضعف من مراسيل الحسن وعطاء بن أبي رباح ، فإنهما يخذان عن كل).
- وقال شعبة عن عبد الله بن صبيح عن محمد بن سيرين قال: (ثلاثة كانوا يصدقون مَن حدَّثهم أنس وأبو العالية والحسن البصري). رواه الفسوي في المعرفة، والخطيب البغدادي في الكفاية، وقال: ( أراد بن سيرين أنهم كانوا يأخذون الحديث عن كل أحد ولا يبحثون عن حاله لحسن ظنهم به، وهذا الكلام قاله ابن سيرين على سبيل التعجب منهم في فعلهم وكراهته لهم ذلك، والله أعلم).
- وقال وهيب بن خالد عن خالد الخذاء قال: سمعت محمد بن سيرين يقول: ( كان أربعة يصدقون من حدثهم : أبو العالية ، والحسن ، وحميد بن هلال ، ورجل آخر سماه). رواه الإمام أحمد في العلل.

قال ابن سعد: (وكان الحسن جامعا عالما عاليا رفيعا فقيها ثقة مأمونا عابدا ناسكا كبير العلم فصيحا جميلا وسيما. وكان ما أسند من حديثه وروى عمن سمع منه فحسن حجة، وما أرسل من الحديث فليس بحجة).

كُتبه:
كان للحسن البصري رحمه الله كُتُب لكنَّه دعا بها عند موته فأحرقها إلا صحيفة واحدة.
- وقال يحيى بن أبي بكير: حدثنا حماد بن سلمة، عن حميد أنه أخذ كتب الحسن، فنسخها، ثم ردها عليه). رواه ابن سعد.
- قال حميد بن مهران: حدثنا أبو طارق السعدي قال: شهدت الحسن عند موته يوصي، فقال لكاتب: اكتب: هذا ما يشهد به الحسن بن أبي الحسن، يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، من شهد بها صادقا عند موته دخل الجنة، يروى ذلك عن معاذ بن جبل أنه أوصى بذلك عند موته، يروى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم). رواه ابن سعد.
- وقال سهل بن حصين بن مسلم الباهلي: بعثت إلى عبد الله بن الحسن بن أبي الحسن: ابعث لي بكتب أبيك؛ فبعث إلي أنه لما ثقل قال: اجمعها لي، فجمعتها له، وما ندري ما يصنع بها، فأتيته بها، فقال للخادم: استجري التنور، ثم أمر بها، فأحرقت، غير صحيفة واحدة، فبعث بها إلي، ثم لقيته بعد ذلك، فأخبرنيه مشافهة بمثل الذي أخبرني الرسول). رواه ابن سعد.

وفاته:
قال عبد الواحد بن ميمون مولى عروة بن الزبير قال: قال رجل لابن سيرين: رأيت كأن طائرا آخذا الحسن حصاه في المسجد؛ فقال ابن سيرين: إن صدقت رؤياك مات الحسن. قال: (فلم يلبث إلا قليلا حتى مات). رواه ابن سعد.
- قال حماد بن زيد، عن هشام بن حسان: كنا عند محمد - يعني ابن سيرين - عشية يوم الخميس، فدخل عليه رجل بعد العصر، فقال: مات الحسن، قال: فترحَّم عليه محمد، وتغيَّر لونه، وأمسك عن الكلام، فما حدَّث بحديث، ولا تكلم حتى غربت الشمس، وأمسك القوم عنه، مما رأوا من وجده عليه).
- وقال حماد بن زيد: (مات الحسن ليلة الجمعة، وغسَّله أيوب وحميد الطويل وخُرج به حين انصرف الناس، وذهب بي أبي معه). رواه ابن سعد.
- وقال حسان بْن عَبْد الملك المصري: حَدَّثَنَا السريّ بْن يحيى، قال: (مات الْحَسَن سنة مائة وعشرة، وهو ابن تسع وثمانين سنة). رواه وكيع في أخبار القضاة.
- وقال ضمرة بن ربيعة، عن السري بن يحيى، قال: (مات الحسن سنة عشر ومئة قبل ابن سيرين بمئة يوم). رواه البخاري في التاريخ الكبير.
- وقال زيد بْن يحيى، عَن أبي عامر الخزاز، قال: سمعت الْحَسَن، قبل وفاته عاماً، يقول: (أنا ابن ثمان، أو تسع وثمانين، ومات في يوم الجمعة سنة عشر ومائة). رواه وكيع في أخبار القضاة.
- وقال سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن الحسن بن أبي الحسن البصري: هلك الحسن البصري، وهو ابن نحو من ثمان وثمانين سنة.
- وقال أبو نصر الكلاباذي: بلغ تسعا وثمانين سنة.
- وقال محمد بن سلام الجمحي: (مات الحسن في خلافة هشام).
- وقال أحمد بن حنبل، عن إسماعيل بن علية: مات الحسن في رجب سنة عشر ومائة.
- وقال أبو نعيم: (مات سنة عشر ومائة).
- وقال ابن حبان: (مات في شهر رجب سنة عشر ومائة وهو ابن تسع وثمانين سنة).

سماع الحسن ورؤيته ورواياته:
رأى الحسنُ عثمان بن عفان وعليَّ بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وجماعة من كبار الصحابة رضي الله عنهم لكن قيل: لا يصحّ له سماع منهم. وروى عن ابن عمر وابن عباس وأبي سعيد الخدري وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله وعمران بن الحصين وأبي موسى الأشعري وعقبة بن عامر، وغيرهم.
واختلف في سماعه من أبي هريرة وسمرة بن جندب وعثمان بن أبي العاص، والراجح صحة سماعه منهم، وبعض حديثه عن سمرة من صحيفة كانت عنده.
وأرسل عن عمر ومعاذ وأبيّ بن كعب وعمار بن ياسر وسعد بن عبادة.
وروى عن جماعة من كبار التابعين منهم: أبو العالية الرياحي وحطان بن عبد الله الرقاشي، ومطرف بن عبد الله بن الشخير وغيرهم.
وأخذ عن نوف البكالي بعض الإسرائيليات

رواة التفسير عن الحسن البصري:
رواة التفسير عن الحسن البصري في كتب التفسير المسندة نحو مائة وخمسين راوياً، وهم على مراتب:

المرتبة الأولى: الثقات المكثرون، وهم أكثر من حَمَل علم الحسن البصري وأدّاه.
ومنهم: قتادة، وحميد الطويل، ويونس بن عبيد، وأيوب السختياني، وعبد الله بن عون المزني، وعوف بن أبي جميلة، وهشام بن حسان القردوسي، والربيع بن أنس البكري، ومنصور بن زاذان، وجرير بن حازم الأزدي، وأبو رجاء محمد بن سيف الحداني، ويزيد بن إبراهيم التستري، وخالد الحذاء، وأشعث بن عبد الملك الحمراني، وعاصم بن سليمان الأحول، وسلام بن مسكين، وأبو سهل كثير بن زياد البرساني، وقرة بن خالد السدوسي، وأبو الأشهب جعفر بن حيان العطاردي.


المرتبة الثانية: الثقات المقلّون، وإن كان بعضهم موصوفا بطول صحبته للحسن إلا أنّ مروياتهم عنه في كتب التفسير المسندة قليلة العدد.
ومنهم: سليمان التيمي، وثابت البناني، وعمران بن حدير، ومالك بن دينار، وحبيب بن الشهيد، وسليمان بن المغيرة القيسي، وشعيب بن الحبحاب الأزدي، وعبد الله بن شوذب الخراساني، وفرات بن أبي عبد الرحمن القزاز، وعبد الله بن شبرمة، ومحمد بن جحادة الأودي، وأبو دغفل إياس بن دغفل الحارثي، وأبو موسى إسرائيل بن موسى البصري، وحفص بن سليمان المنقري وهو غير حفص بن سليمان الأسدي القارئ، وكان ثقة من قدماء أصحاب الحسن البصري وأعلمهم بمسائله، ويحيى بن المختار الصنعاني، وأبو رجاء محرز بن عبد الله الجزري، وعلي بن علي ابن رفاعة، وشهاب بن شرنفة المجاشعي وقد تصحّف اسمه في بعض طبعات تفسير ابن جرير إلى شهاب بن سريعة، وجويرية بن بشير الهجيمي، وحوشب بن عقيل العبدي ويشتبه اسمه بحوشب بن مسلم الثقفي ذكره ابن حبان في الثقات وهو دون العبدي، ومهدي بن ميمون، وغيرهم كثير.

المرتبة الثالثة: المقبولون، وهم في مرتبة دون من تقدّم في الضبط وإتقان الرواية إلا أنّ روايتهم مقبولة إذا خلت من النكارة ومخالفة من هو أوثق منهم.
ومن هؤلاء: سفيان بن حسين الواسطي، وسهل بن أبي الصلت السراج، ومطر بن طهمان الوراق، والفضل بن دلهم الواسطي، وأبو مودود بحر بن موسى، وعبيد بن عبد الرحمن المزني المعروف بعُبيد الصيد وربما تصحّف اسمه إلى عبد الصمد.

المرتبة الرابعة: ثقات لم يسمعوا منه، وإنما يروون عنه بواسطة لا يذكرونها غالباً

ومن هؤلاء: معمر بن راشد، ومطرف بن طريف.
- فأمّا معمر بن راشد؛ فقال فيه أبو حاتم: (لم يسمع معمر من الحسن شيئاً ولم يرهْ، بينهما رجل، ويقال: إنه عمرو بن عبيد).
ووجدت له ورايات عن يحيى بن المختار الصنعاني عن الحسن.
ومرويات معمر بن راشد عن الحسن في التفسير كثيرة جداً.
- وأما مطرّف بن طريف فقال فيه أحمد بن حنبل: (مطرف لم يسمع من الحسن شيئا، إنما يروي عن إسماعيل بن مسلم عنه).

المرتبة الخامسة: المختلف فيهم، وهم رواة اختلف فيهم الأئمة النقّاد بين موثّق ومضعّف.
ومنهم: المبارك بن فضالة، والربيع بن صبيح السعدي، وأشعث بن سوار الكندي، وأبو هلال محمد بن سليم الراسبي، وعمران العمي القطان، وعباد بن راشد التميمي.
- فأما المبارك بن فضالة فأكثر الأئمة على توثيقه فيما صرّح فيه بالتحديث، وكان شديد التدليس، وعن يحيى بن معين رواية بتضعيفه، وأخرى بتوثيقه.
قال أحمد بن حنبل وسأله المروذي عن مبارك بن فضالة قال: (ما روى عن الحسن يحتج به).
وقال أبو زرعة: (يدلس كثيرا، فإذا قال: حدثنا فهو ثقة).
وقال عبد الرحمن بن مهدي: (لم نكتب للمبارك شيئا إلا شيئا يقول فيه: سمعت الحسن).
ومرويات المبارك بن فضالة عن الحسن كثيرة جداً.
- وأما الربيع بن صبيح السعدي فكان رجلاً صالحاً غزَّاءً، لكنه يخطئ في الحديث وقد اختلف فيه:
فقال شعبة: (الربيع بن صبيح من سادات المسلمين).
وقال أبو زرعة: (شيخ صالح صدوق).
وقال أبو الوليد الطيالسي: (كان الربيع بن صبيح لا يدلس وكان المبارك بن فضالة أكثر تدليسا منه).
وقال أحمد بن حنبل: (لا بأس به رجل صالح).
وضعّفه يحيى بن سعيد القطان، وعفان بن مسلم، ويحيى بن معين، والنسائي.
- وأما أشعث بن سوار فالأكثر على تضعيفه، وعن يحيى بن معين رواية بتوثيقه.
- وأما أبو عامر صالح بن رستم المزني الخزاز، فضعفه ابن معين والدارقطني ووثقه أبو داوود والعجلي، وقال أحمد: صالح الحديث، وقال أبو حاتم شيخ يكتب حديثه.
- وأما عمران القطان فضعّفه يحيى بن معين والنسائي، وقال أحمد: أرجو أن يكون صالح الحديث، وقال ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه.
- وأما عباد بن راشد التميمي فضعّفه يحيى بن معين في رواية والبخاري وأبو داوود والنسائي وابن حبان، ووثقه يحيى بن معين في رواية أخرى وأحمد، وقال أبو حاتم: صالح الحديث وأنكر على البخاري إدخاله في كتاب الضعفاء وقال: يُحوَّل من هناك.

المرتبة السادسة: مجهولو الحال
ومنهم: أبو روح عبد الرحمن بن سنان السكوني الحمصي، وهو غير عبد الرحمن بن سنان الرازي المقرئ، وأبو بشر عبد الله بن بشر الحلبي، وحمزة بن دينار.

المرتبة السابعة: الضعفاء ممن تُعتبر روايتهم ويُكتب حديثهم ولا يحتجّ بهم.
ومن هؤلاء: ليث بن أبي سليم، وعلي بن زيد بن جدعان، وأبو سلمة عباد بن منصور الناجي، وخليد بن دعلج السدوسي، وإسماعيل بن مسلم المكي، وجسر بن الحسن اليمامي، وعباد بن ميسرة المنقري يروي عن الحسن إسرائيليات ومروياته قليلة، وأبو حرة واصل بن عبد الرحمن البصري، قال عبد الله بن أحمد: سألت يحيى بن معين عن أبي حرة فقال: (صالح، وحديثه عن الحسن ضعيف).

وقال يحيى بن معين: ( حدثني غندر قال وقفت أبا حرة على حديث الحسن فقال: لم أسمعها من الحسن، أو قال غندر فلم يقف على شيء منها أنه سمعه من الحسن إلا حديثا أو حديثين).


المرتبة الثامنة: المتروكون، ومنهم من هو صالح في نفسه إلا أنّه كثير الخطأ في الروايات فترك، ومنهم المتّهم بالكذب.
ومن هؤلاء: وأبان بن أبي عياش، وأبو بكر الهذلي، وعمرو بن عبيد رأس المعتزلة، وأبو عبيدة بكر بن الأسود الناجي،
وأبو معاذ سليمان بن أرقم البصري، وعبد القدوس بن حبيب الوحاظي، والحسن بن واصل التميمي المعروف بالحسن بن دينار ودينار زوج أمّه.

من مروياته في التفسير:
- قال محمد بن آدم المصيصي: حدثنا مخلد بن الحسين، عن هشام، عن الحسن في قوله عز وجل: {هاؤم اقرءوا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه} قال: «إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل وإن المنافق أساء الظن فأساء العمل» رواه أبو نعيم.
- وقال عاصم بن علي: حدثنا جويرية بن بشير، قال: سمعت الحسن، قرأ هذه الآية: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} الآية، ثم وقف فقال: «إن الله جمع لكم الخير كله والشر كله في آية واحدة فوالله ما ترك العدل والإحسان شيئا من طاعة الله عز وجل إلا جمعه ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي من معصية الله شيئا إلا جمعه» رواه أبو نعيم.
- وقال عبيد الله بن موسى: أخبرنا أبو بشر الحلبي، عن الحسن قال: (ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب، وصدقته الأعمال، من قال حسنا وعمل غير صالح رده الله على قوله، ومن قال حسنا وعمل صالحا رفعه العمل، ذلك بأن الله تعالى قال: {إليه يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح يرفعه}). رواه البيهقي في شعب الإيمان.
- وقال مهدي بن ميمون، عن شعيب بن الحبحاب، عن الحسن بن أبي الحسن، {إن الإنسان لربه لكنود} قال:(يعدد المصائب، وينسى النعم). رواه البيهقي في شعب الإيمان.
- وقال سعيد، عن قتادة، عن الحسن، في قوله عز وجل: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} ، قال: (لا تعتلوا بالله، لا يقل أحدكم: إني آليت أن لا أصل رحما، ولا أسعى في صلاح، ولا أتصدق من مالي، كفر عن يمينك وائت الذي حلفت عليه). رواه البيهقي في شعب الإيمان.


موضوع مغلق

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
أعمال, المفسّرين

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:38 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir