أولاً ... أقسام العلوم الشرعية
العلم الشرعي هو العلم بدين الله عز وجل، وهو ثلاثة أقسام كما قال ابن القيم -رحمه الله-:
والعلم أقســـامٌ ثلاث ما لهـــــــــا ... من رابعٍ والحـــقُّ ذو تبيــــــان
علمٌ بأوصافِ الإلــــــــهِ وفــعلــــهُ ... وكــــــــذلكَ الأسماءُ للرحــمـنِ
والأمر والنهي الذي هو دينه ...وجــــــزاؤه يـــــوم المعــــاد الثاني
فقسم أنواع العلوم الشرعية النافعة إلى ثلاثة أقسام:
• القسم الأول: علم العقيدة، ومداره على معرفة الأسماء والصفات، وما يُعتقد في أبواب الإيمان .
• والقسم الثاني: علم أحكام الأمر والنهي، والحلال والحرام .
• والقسم الثالث: علم الجزاء؛ وهو جزاء المرء على أفعاله في الدنيا والآخرة، ولو أنه قال: "وجزاؤه بالعدل والإحسان" لكان أعمّ وأجود؛ ليشمل الجزاء الدنيوي والجزاء الأخروي، وليبيّن أنّ ما يجازي الله به عباده دائر بين العدل والإحسان، ولا يكون فيه مثقال ذرة من ظلم.
فهذا تقسيم العلوم الشرعية باعتبار أصول موضوعاتها؛ لأن مسائل العلوم الشرعية إما أن تكون علمية متوقفة على الإيمان والتصديق؛ فهذا من الاعتقاد، وإما عملية مبناها على اتّباع الهدى بامتثال الأمر واجتناب النهي، وإما أن يكون فيها بيان حكم متّبع الهدى وحكم مخالفه وجزائِهما.
علوم المقاصد وعلوم الآلة:
مدار العلم الشرعي على التفقّه في الكتاب والسنة، ودراسة ما يعين على ذلك، ولذلك فإن العلوم التي يعتني بها علماء الشريعة يمكن تقسيمها إلى قسمين:
1. علوم المقاصد: وهي العلوم المتّصلة بالاعتقاد والعمل والامتثال والتفكّر والاعتبار؛ كعلم العقيدة والتفسير والحديث والفقه والسلوك والجزاء والفرائض والسيرة النبوية والآداب الشرعية.
2. وعلوم الآلة: وهي العلوم التي تُعين على دراسة علوم المقاصد وحسن فهمها، ومنها: العلوم اللغوية، وعلم أصول الفقه، وأصول التفسير، ومصطلح الحديث.
ثانياً ... بيان حكم طلب العلم
العلم الشرعي منه ما هو فرض عين يجب تعلّمه، ومنه ما هو فرض كفاية:
· ففرض العين؛ ما يجب تعلّمه، وهو ما يتأدّى به الواجب المتعلّق بعبادات العبد ومعاملاته.
قال الإمام أحمد: (يجب أن يَطلُبَ من العلم ما يقُوم به دينُه)
قيل له: مثل أي شيء؟
قال: (الذي لا يسعه جهله، صلاته وصيامه ونحو ذلك).
وقد مرَّ الإمام أحمد بقومٍ فصلّى معهم فوجدهم لا يحسنون الصلاة؛ فكتب لهم كتابًا فيه تعليم الصلاة، وبعث به إليهم، بيّن لهم فيه ما يجب عليهم تعلّمه ليقيموا صلاتهم، وقد رُويَ هذا الكتاب في بعض المصنفات المتقدّمة ومنها طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى الحنبلي، وقد طُبِعَ مؤخراً في كتاب مستقل.
ثالثاً ..... وجوب الإخلاص في طلب العلم
ومما ينبغي التذكير به والتأكيد عليه: وجوب الإخلاص لله تعالى في طلب العلم، وبيان الوعيد الشديد لمن طلب العلم رياء وسمعة، أو لا يتعلّمه إلا ليصيبَ به عرضًا من الدنيا، وقد ورد في ذلك أحاديث صحيحة منها:
- ما في صحيح الإمام مسلم وغيره من حديث أبي هُريرة -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر أول من تسعَّر بهم النار يوم القيامة، ومنهم: ((رَجُلٌ تَعلَّمَ العلمَ وعَلَّمَهُ، وقَرأَ القرآنَ فأُتي به فعرَّفهُ نِعَمهُ فعرَفها؛ قال: فمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟
قالَ: تعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ.
قالَ: كَذَبْتَ، ولكنَّكَ تَعَلَّمْتَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ؛ فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ))
نعوذ بالله من غضبه وعقابه.
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ تَعَلَّمَ عِلْماً مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ لا يَتَعَلَّمُهُ إِلاَّ لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضاً مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ)) يَعْنِي: رِيحَهَا، رواه أَبُو داود بإسنادٍ صحيح.
- قال حماد بن سلمة: « من طلب الحديث لغير الله تعالى مكر به ».
وإخلاص النية لله تعالى في طلب العلم وفي سائر العبادات واجب عظيم، بل هو شرط لقبول العمل ، ولذلك فإن أهم ما يجب على طالب العلم أن يعتني به تحقيق الإخلاص لله تعالى، والتحرّز مما يقدح فيه، وهو أمر عظيم، لكنّه يسير على من يسَّره الله له، ومفتاح تيسير هذا الأمر هو الالتجاء إلى الله تعالى وتعظيمه وإجلاله، وصدق الرغبة في فضله وإحسانه، والخوف من غضبه وعقابه، وأن تكون الآخرة هي أكبر همِّ المرء؛ فإن فساد النية لا يكون إلا بسبب تعظيم الدنيا وإيثارها على الآخرة، ومن ذلك تفضيل مدح الناس وثنائهم العاجل على ثناء الله على العبد في الملأ الأعلى، ومحبَّته له ومحبة الملائكة له تبعاً لمحبة الله تعالى.
وهذا كله راجع إلى ضعف اليقين وإلا فمن أيقن أن الله تعالى يراه ويحصي عمله، ورغب في فضل الله وحسن جزائه في الدنيا والآخرة: لم يلتفت إلى ثناء الناس ومدحهم وطلب إعجابهم، بل يكون همُّه إحسانُ العملِ وإتقانه إرضاء لله تعالى، وتقرباً إليه، وطلباً لمحبته وحسن ثوابه.
وقد بين الله تعالى هذا الأمر بياناً جلياً في آيات كثيرة وبينه النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة وألف العلماء في ذلك كتباً وأبواباً في كتبهم
قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وتوكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين إنه هو السميع العليم}
فيستغني العبد المؤمن برؤية الله تعالى له عن مراءاة غيره, وبثنائه جل وعلا عن طلب ثناء غيره.
وبالله التوفيق ، ومنه العون والسداد ، والحمد لله رب العالمين .