دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > علوم الحديث الشريف > متون علوم الحديث الشريف > بلوغ المرام > كتاب الصلاة

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 9 محرم 1430هـ/5-01-2009م, 03:10 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 14,351
افتراضي باب صلاة الجماعة والإمامة (2/21) [وجوب صلاة الجماعة على الرجال في المسجد]


وعن أبي هُرَيْرةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْتَطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِم بُيُوتَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، واللفظُ للبخاريِّ.
وعنه قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ((أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وعنه قالَ: أتَى النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَجُلٌ أَعْمَى فقالَ: يَا رسولَ اللَّهِ، لَيْسَ لي قائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ، فَرَخَّصَ له، فلَمَّا وَلَّى دَعاهُ فقالَ: ((هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟)). قالَ: نعمْ. قالَ: ((فَأَجِبْ)). رواهُ مسلِمٌ.
وعن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ((مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ)). رواهُ ابنُ مَاجَهْ، والدارَقُطْنِيُّ وابنُ حِبَّانَ والحاكمُ وإسنادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسلِمٍ، لكن رَجَّحَ بعضُهم وَقْفَهُ.


  #2  
قديم 9 محرم 1430هـ/5-01-2009م, 05:57 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 14,351
افتراضي سبل السلام للشيخ: محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني


2/371- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْتطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إلَى رِجَالٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلاةَ فَأُحَرِّقُ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ. وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقاً سَمِيناً أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ)؛ أَيْ: فِي مِلْكِهِ وَتَحْتَ تَصَرُّفِهِ، (لَقَدْ هَمَمْتُ) هو جَوَابُ الْقَسَمِ، وَالإِقْسَامُ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبَيَانِ عِظَمِ شَأْنِ مَا يَذْكُرُهُ زَجْراً عَنْ تَرْكِ الْجَمَاعَةِ، (أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْتطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ) فِي الصِّحَاحِ: خَالَفَ إلَى فُلانٍ؛ أَي: أَتَاهُ إذَا غَابَ عَنْهُ، (إِلَىرِجَالٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلاةَ)؛ أَي: لا يَحْضُرُونَ الْجَمَاعَةَ، (فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ. وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقاً) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ثُمَّ قَافٍ، هُوَ الْعَظْمُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ لَحْمٌ، (سَمِيناً أَوْ مِرْمَاتَيْنِ): تَثْنِيَةُ مِرْمَاةٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ فَرَاءٍ سَاكِنَةٍ، وَقَدْ تُفْتَحُ الْمِيمُ، وَهِيَ مَا بَيْنَ ضِلْعِ الشَّاةِ مِن اللَّحْمِ.
(حَسَنَتَيْنِ): بِمُهْمَلَتَيْنِ مِن الْحُسْنِ، (لَشَهِدَ الْعِشَاءَ)؛ أَيْ: صَلاتَهُ فِي جَمَاعَةٍ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)؛ أَيْ: بَيْنَ الشَّيْخَيْنِ، (وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ).
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْجَمَاعَةِ عَيْناً لا كِفَايَةً؛ إذْ قَدْ قَامَ بِهَا غَيْرُهُمْ فَلا يَسْتَحِقُّونَ الْعُقُوبَةَ، وَلا عُقُوبَةَ إلاَّ عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ مُحَرَّمٍ، وَإِلَى أَنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ. ذَهَبَ عَطَاءٌ وَالأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ حِبَّانَ، وَمِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَبُو الْعَبَّاسِ، وَقَالَتْ بِهِ الظَّاهِرِيَّةُ.
وَقَالَ دَاوُدُ: إنَّهَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلاةِ؛ بِنَاءً عَلَى مَا يَخْتَارُهُ مِنْ أَنَّ كُلَّ وَاجِبٍ فِي الصَّلاةِ فَهُوَ شَرْطٌ فِيهَا. وَلَمْ يَسْلَمْ لَهُ هَذَا؛ لأَنَّ الشَّرْطِيَّةَ لا بُدَّ لَهَا مِنْ دَلِيلٍ؛ وَلِذَا قَالَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ: إنَّهَا وَاجِبَةٌ غَيْرُ شَرْطٍ.
وَذَهَبَ أَبُو الْعَبَّاسِ تَحْصِيلاً لِمَذْهَبِ الْهَادِي أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْ مُتَقَدِّمِي الشَّافِعِيَّةِ، وَكَثِيرٌ مِن الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَذَهَبَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَالْمُؤَيَّدُ بِاَللَّهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ وَالنَّاصِرُ إلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ.
اسْتَدَلَّ الْقَائِلُ بِالْوُجُوبِ بِحَدِيثِ الْبَابِ؛ لأَنَّ الْعُقُوبَةَ الْبَالِغَةَ لا تَكُونُ إلاَّ عَلَى تَرْكِ الْفَرَائِضِ، وَبِغَيْرِهِ مِن الأَحَادِيثِ؛ كَحَدِيثِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَلِمْتَ مَا بِي وَلَيْسَ لِي قَائِدٌ، وَإِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ شَجَراً وَنَخْلاً، وَلا أَقْدِرُ عَلَى قَائِدٍ كُلَّ سَاعَةٍ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَتَسْمَعُ الإِقَامَةَ؟)) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَاحْضُرْهَا)).
أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ حِبَّانَ بِلَفْظِ: ((أَتَسْمَعُ الأَذَانَ؟)) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَأْتِهَا وَلَوْ حَبْواً)). وَالأَحَادِيثُ فِي مَعْنَاهُ كَثِيرَةٌ، وَيَأْتِي حَدِيثُ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَدْ أَطْلَقَ الْبُخَارِيُّ الْوُجُوبَ عَلَيْهَا، وَبَوَّبَ له بِقَوْلِهِ: بَابُ (وُجُوبِ صَلاةِ الْجَمَاعَةِ)، وَقَالُوا: هِيَ فَرْضُ عَيْنٍ؛ إذْ لَوْ كَانَتْ فَرْضَ كِفَايَةٍ لَكَانَ قَدْ أَسْقَطَ وُجُوبَهَا فِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ مَعَهُ لَهَا.
وَأَمَّا التَّحْرِيقُ فِي الْعُقُوبَاتِ بِالنَّارِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْهُ عَامًّا فَهَذَا خَاصٌّ، وَأَدِلَّةُ الْقَائِلِ بِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ أَدِلَّةُ مَنْ قَالَ: إنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ؛ بِنَاءً عَلَى قِيَامِ الصَّارِفِ لِلأَدِلَّةِ عَلَى فَرْضِ الْعَيْنِ إلَى فَرْضِ الْكِفَايَةِ.
وَقَدْ أَطَالَ الْقَائِلُونَ بِالسُّنِّيَّةِ الْكَلامَ فِي الْجَوَابَاتِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِمَا لا يَشْفِي، وَأَقْرَبُهَا أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الزَّجْرِ لا الْحَقِيقَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُ بِالسُّنِّيَّةِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: ((صَلاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاةِ الْفَذِّ))؛ فَقَد اشْتَرَكَا فِي الْفَضِيلَةِ، وَلَوْ كَانَت الْفُرَادَى غَيْرَ مُجْزِئَةٍ لَمَا كَانَتْ لَهَا فَضِيلَةٌ أَصْلاً.
وَحَدِيثُ ((إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا)) فَأَثْبَتَ لَهُمَا الصَّلاةَ فِي رِحَالِهِمَا، وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ جَمَاعَةً، وَسَيَأْتِي.
3/372- وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَثْقَلُ الصَّلاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلاةُ الْعِشَاءِ، وَصَلاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْواً)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَعَنْهُ)؛ أَيْ: أَبِي هُرَيْرَةَ، (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَثْقَلُ الصَّلاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ)، فِيهِ أَنَّ الصَّلاةَ كُلَّهَا عَلَيْهِمْ ثَقِيلَةٌ؛ فَإِنَّهُم الَّذِينَ إذَا قَامُوا إلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى، وَلَكِنَّ الأَثْقَلَ عَلَيْهِمْ (صَلاةُ الْعِشَاءِ)؛ لأَنَّهَا فِي وَقْتِ الرَّاحَةِ وَالسُّكُونِ، (وَصَلاةُ الْفَجْرِ)؛ لأَنَّهَا فِي وَقْتِ النَّوْمِ، وَلَيْسَ لَهُمْ دَاعٍ دِينِيٌّ وَلا تَصْدِيقٌ بِأَجْرِهِمَا حَتَّى يَبْعَثَهُمْ عَلَى إتْيَانِهِمَا وَيُخِفُّ عَلَيْهِم الإِتْيَانَ بِهِمَا، وَلأَنَّهُمَا فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وَدَاعِي الرِّيَاءِ الَّذِي لأَجْلِهِ يُصَلُّونَ مُنْتَفٍ؛ لِعَدَمِ مُشَاهَدَةِ مَنْ يُرَاؤُونَهُ مِن النَّاسِ إلاَّ الْقَلِيلَ، فَانْتَفَى الْبَاعِثُ الدِّينِيُّ مِنْهُمَا كَمَا انْتَفَى فِي غَيْرِهِمَا، ثُمَّ انْتَفَى الْبَاعِثُ الدُّنْيَوِيُّ الَّذِي فِي غَيْرِهِمَا.
وَلِذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاظِراً إلَى انْتِفَاءِ الْبَاعِثِ الدِّينِيِّ عِنْدَهُمْ: ((وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا)) فِي فِعْلِهِمَا مِن الأَجْرِ (لأَتَوْهُمَا) إلَى الْمَسْجِدِ (وَلَوْ حَبْواً)؛ أَيْ: وَلَوْ مَشُوًّا حَبْواً؛ أَيْ: كَحَبْوِ الصَّبِيِّ عَلَى يَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ.
وَقِيلَ: هُوَ الزَّحْفُ عَلَى الرُّكَبِ.
وَقِيلَ: عَلَى الاسْتِ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ: ((وَلَوْ حَبْواً عَلَى يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ)).
وَفِي رِوَايَةِ جَابِرٍ عِنْدَهُ أَيْضاً بِلَفْظِ: ((وَلَوْ حَبْواً أَوْ زَحْفاً))، فِيهِ حَثٌّ بَلِيغٌ عَلَى الإِتْيَانِ إلَيْهِمَا، وَأَنَّ الْمُؤْمِنَ إذَا عَلِمَ مَا فِيهِمَا أَتَى إلَيْهِمَا عَلَى أَيِّ حَالٍ؛ فَإِنَّهُ مَا حَالَ بَيْنَ الْمُنَافِقِ وَبَيْنَ هَذَا الإِتْيَانِ إلاَّ عَدَمُ تَصْدِيقِهِ بِمَا فِيهِمَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).
4/373- وَعَنْهُ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ أَعْمَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إلَى الْمَسْجِدِ، فَرَخَّصَ لَهُ. فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ: ((هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلاةِ؟)) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَأَجِبْ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَعَنْهُ)؛ أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، (قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ أَعْمَى) قَدْ وَرَدَتْ بِتَفْسِيرِهِ الرِّوَايَةُ الأُخْرَى وَأَنَّهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إلَى الْمَسْجِدِ، فَرَخَّصَ لَهُ)؛ أَيْ: فِي عَدَمِ إتْيَانِ الْمَسْجِدِ، (فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ: هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ ) وَفِي رِوَايَةٍ: ((الإِقَامَةَ)) (بِالصَّلاةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَجِبْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
كَانَ التَّرْخِيصُ أَوَّلاً مُطْلَقاً عَن التَّقْيِيدِ بِسَمَاعِهِ النِّدَاءَ فَرَخَّصَ لَهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ: هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَهُ بِالإِجَابَةِ. وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْمَعِ النِّدَاءَ كَانَ ذَلِكَ عُذْراً لَهُ، وَإِذَا سَمِعَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ عَن الْحُضُورِ.
وَالْحَدِيثُ مِنْ أَدِلَّةِ الإِيجَابِ لِلْجَمَاعَةِ عَيْناً، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ الْوُجُوبُ عَيْناً عَلَى سَامِعِ النِّدَاءِ؛ لِتَقْيِيدِ حَدِيثِ الأَعْمَى وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَهُ، وَمَا أُطْلِقَ مِن الأَحَادِيثِ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ.
وَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الدَّعْوَى وُجُوبُ الْجَمَاعَةِ عَيْناً أَوْ كِفَايَةً، وَالدَّلِيلُ هُوَ حَدِيثُ الْهَمِّ بِالتَّحْرِيقِ وَحَدِيثُ الأَعْمَى، وَهُمَا إنَّمَا دَلاَّ عَلَى وُجُوبِ حُضُورِ جَمَاعَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسْجِدِهِ لِسَمَاعِ النِّدَاءِ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ وُجُوبِ الْجَمَاعَةِ. وَلَوْ كَانَت الْجَمَاعَةُ وَاجِبَةً مُطْلَقاً لَبَيَّنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ لِلأَعْمَى، وَلَقَالَ لَهُ: انْظُرْ مَنْ يُصَلِّي مَعَكَ، وَلَقَالَ فِي الْمُتَخَلِّفِينَ: إنَّهُمْ لا يَحْضُرُونَ جَمَاعَتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلا يُجْمِعُونَ فِي مَنَازِلِهِمْ. وَالْبَيَانُ لا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، فَالأَحَادِيثُ إنَّمَا دَلَّتْ عَلَى وُجُوبِ حُضُورِ جَمَاعَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَيْناً عَلَى سَمَاعِ النِّدَاءِ لا عَلَى وُجُوبِ مُطَلَّقِ الْجَمَاعَةِ كِفَايَةً وَلا عَيْناً.
وَفِيهِ أَنَّهُ لا يُرَخَّصُ لِسَامِعِ النِّدَاءِ عَن الْحُضُورِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ؛ فَإِنَّ هَذَا ذَكَرَ الْعُذْرَ وَأَنَّهُ لا يَجِدُ قَائِداً فَلَمْ يَعْذُرْهُ. إذَنْ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ التَّرْخِيصَ لَهُ ثَابِتٌ لِلْعُذْرِ، وَلَكِنَّهُ أَمَرَهُ بِالإِجَابَةِ نَدْباً لا وُجُوباً؛ لِيُحْرِزَ الأَجْرَ فِي ذَلِكَ، وَالْمَشَقَّةُ تُغْتَفَرُ بِمَا يَجِدُهُ فِي قَلْبِهِ مِن الرَّوْحِ فِي الْحُضُورِ، وَيَدُلُّ لِكَوْنِ الأَمْرِ لِلنَّدَبِ؛ أَي: مَعَ الْعُذْرِ، قَوْلُهُ:
5/374- وَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِ فَلا صَلاةَ لَهُ إِلاَّ مِنْ عُذْرٍ)) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، لَكِنْ رَجَّحَ بَعْضُهُمْ وَقْفَهُ.
(وَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِ فَلا صَلاةَ لَهُ إلاَّ مِنْ عُذْرٍ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، لَكِنْ رَجَّحَ بَعْضُهُمْ وَقْفَهُ).
الْحَدِيثُ أُخْرِجَ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ مَوْقُوفاً وَمَرْفُوعاً، وَالْمَوْقُوفُ فِيهِ زِيَادَةُ: ((إِلاَّ مِنْ عُذْرٍ))؛ فَإِنَّ الْحَاكِمَ وَقَفَهُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِ شُعْبَةَ.
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي (الْكَبِيرِ) مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ وَلا عُذْرٍ فَلا صَلاةَ لَهُ)). قَالَ الْهَيْثَمِيُّ: فِيهِ قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَثَّقَهُ شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ.
وَقَدْ أَخْرَجَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورَ أَبُو دَاوُدَ بِزِيَادَةِ: قَالُوا: وَمَا الْعُذْرُ؟ قَالَ: ((خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ، لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنْهُ الصَّلاةَ الَّتِي صَلَّى)) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَأَكُّدِ الْجَمَاعَةِ، وَهُوَ حُجَّةٌ لِمَنْ يَقُولُ: إنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ. وَمَنْ يَقُولُ: إنَّهَا سُنَّةٌ، يُؤَوِّلُ قَوْلَهُ: ((فَلا صَلاةَ لَهُ))؛ أَيْ: كَامِلَةً، وَأَنَّهُ نَزَّلَ نَفْيَ الْكَمَالِ مَنْزِلَةَ نَفْيِ الذَّاتِ مُبَالَغَةً.
وَالأَعْذَارُ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ مِنْهَا مَا فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ، وَمِنْهَا: الْمَطَرُ، وَالرِّيحُ الْبَارِدَةُ، وَمَنْ أَكَلَ كُرَّاثاً أَوْ نَحْوَهُ مِنْ ذَوَاتِ الرِّيحِ الْكَرِيهَةِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْرَبَ الْمَسْجِدَ. قِيلَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْهَا لِمَا يَلْزَمُ مِنْ أَكْلِهَا مِنْ تَفْوِيتِ الْفَرِيضَةِ، فَيَكُونَ آكِلُهَا آثِماً لِمَا تَسَبَّبَ لَهُ مِنْ تَرْكِ الْفَرِيضَةِ، وَلَكِنْ لَعَلَّ مَنْ يَقُولُ: إنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ، يَقُولُ: تَسْقُطُ بِهَذِهِ الأَعْذَارِ صَلاتُهَا فِي الْمَسْجِدِ لا فِي الْبَيْتِ، فَيُصَلِّيهَا جَمَاعَةً.


  #3  
قديم 9 محرم 1430هـ/5-01-2009م, 05:59 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 14,351
افتراضي توضيح الأحكام للشيخ: عبد الله بن عبد الرحمن البسام


321 - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْتَطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقاً سَمِيناً، أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ ـ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
ــ
مُفْرَدَاتُ الْحَدِيثِ:
وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ أَيْ: وَاللَّهِ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، وَهُوَ قَسَمٌ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقْسِمُ بِهِ،
لَقَدْ هَمَمْتُ: (اللامُ) وَاقِعَةٌ فِي جَوَابِ الْقَسَمِ، والجملةُ جَوَابُ الْقَسَمِ أَكَّدَهُ بِاللامِ، وكلمةُ: (قَدْ هَمَمْتُ بالأمرِ) الهَمُّ: هُوَ الْعَزْمُ عَلَى القيامِ بِهِ، وَلَمْ يَفْعَلْهُ.
فَيُحْتَطَبَ: بِالنَّصْبِ؛ أَيْ: يُجْمَعُ الْحَطَبُ.
فَأُحَرِّقَ: بِالتَّشْدِيدِ، مِنَ: التَّحْرِيقِ، وَالْمُرَادُ بِهِ: التَّكْثِيرُ، يُقَالُ: حَرَّقَهُ إِذَا بَالَغَ فِي تَحْرِيقِهِ.
آمُرَ بالصلاةِ: الأَلِفُ وَاللَّامُ إِنْ كَانَتْ لِلْجِنْسِ فَهُوَ عَامٌّ، وَإِنْ كَانَتْ للعَهْدِ فَفِي رِوَايَةٍ: (أَنَّهَا الْعِشَاءُ)، وَفِي أُخْرَى: (أَنَّهَا الْفَجْرُ)، وَفِي ثَالِثَةٍ: مُطْلَقَةٌ، وَلا تَشَاحَّ بَيْنَهَا؛ لِجَوَازِ تَعَدُّدِ الوَاقِعَةِ.
فَيَؤُمَّ النَّاسَ: الْفِعْلُ مَنْصُوبٌ؛ لأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى (آمُرَ)، وَ (النَّاسَ) مَنْصُوبٌ؛لأَنَّهُ مَفْعُولٌ، والجملةُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى أَنَّهَا صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: (رَجُلاً) .
أُخَالِفَ: قَالَ فِي (الصِّحَاحِ): خَالَفَ إِلَى فُلانٍ: أَتَاهُ إِذَا غَابَ عَنْهُ، وَالْمَعْنَى: خَالَفْتُ مَا أَظْهَرْتُ منْ إقامةِ الصَّلاةِ، وَاشْتِغَالِ بَعْضِ النَّاسِ بِهَا.
بُيُوتَهُمْ: جَمْعُ (بَيْتٍ) قَالَ صَاحِبُ (المغربِ): الْبَيْتُ اسْمٌ للسَّقْفِ، سُمِّيَ بِهِ؛ لأَنَّهُ يُبَاتُ فِيهِ.
عَرْقاً: بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الراءِ ثُمَّ قافٍ، جَمْعُهُ: (عِرَاقٌ)، هُوَ العَظْمُ إِذَا أُخِذَ أَكْثَرُ مَا عَلَيْهِ من الهَبْرِ، وَعَلَيْهِ لُحُومٌ رَقِيقَةٌ طَيِّبَةٌ، وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ السَّمْنِ فِي الْعَرْقِ، وَالْحُسْنِ فِي المِرْمَاتَيْنِ؛ لِيُوجِدَ الباعثَ النَّفْسَانِيَّ فِي تَحْصِيلِهِمَا.
وَمِرْمَاتَيْنِ: تَثْنِيَةُ ـ مِرْمَاةٍ ـ بِكَسْرِ الْمِيمِ فَرَاءٍ سَاكِنَةٍ فَمِيمٍ مَفْتُوحَةٍ فَأَلِفٍ فَتَاءِ التَّأْنِيثِ، هِيَ مَا بَيْنَ أضلاعِ الشَّاةِ من اللَّحْمِ، وَقِيلَ: مَا بَيْنَ ضِلْعَيِ الشَّاةِ مِن اللَّحْمِ.
ثُمَّ جَاءَ حَرْفُ الْعَطْفِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، مُتَرَقِّياً مِنَ الأهونِ إِلَى مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ، ثُمَّ إِلَى أَغْلَظِهَا، فَكُلُّ مَرْتَبَةٍ أَعْلَى مِمَّا قَبْلَهَا، وَذَلِكَ لِتَفَاوُتِ مَا بَيْنَ مَدْخُولاتِهَا.
مَا يُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ:
1 - أَنَّ صَلاةَ الْجَمَاعَةِ فِي المساجدِ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى الرِّجَالِ الْبَالِغِينَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ.
2 - أَنَّ مَنْ تَرَكَ صَلاةَ الْجَمَاعَةِ ـ بِلا عُذْرٍ ـ اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ الرَّادِعَةَ.
3 - فَضْلُ صَلاتَي العشاءِ والفَجْرِ، لِمَا فِي الإتيانِ إِلَيْهِمَا مِنَ المَشَقَّةِ، وَلِمَا فِيهِمَا مِنَ الأجرِ.
4 - إِنَّمَا ثَقُلَتْ صَلاتَا العشاءِ والفجرِ عَلَى أربابِ البطالةِ والكسلِ؛ لِضَعْفِ الدَّاعِي الإيمانِيِّ فِي قلوبِهِم، فَيَغْلِبُ عَلَيْهِمْ جَانِبُ الراحةِ والدَّعةِ والنَّوْمِ، ولأنَّهُم لا يُرَوْنَ فِي هَاتَيْنِ الصلاتَيْنِ، فَلا يُفْتَقَدُونَ.
5 - الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى الْقَاعِدَةِ الشَّرْعِيَّةِ: (دَرْءُ الْمَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ). فالمصلحةُ الَّتِي تَحْصُلُ منْ إقامةِ الْعُقُوبَةِ عَلَى المُتَخَلِّفِينَ عَن الْجَمَاعَةِ ـ تُسَبِّبُ مَفْسَدَةَ تَعْذِيبِ مَنْ لا يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ مِنَ النِّسَاءِ والذريةِ، فَامْتَنَعَ هَذَا لهذا.
6 - جوازُ الْقَسَمِ عَلَى الأَمْرِ المُهِمِّ حَثًّا أَوْ مَنْعاً أَوْ إِثْبَاتاً أَوْ نَفْياً.
7 - جوازُ مخادعةِ الفُسَّاقِ فِي أماكنِ فِسْقِهِمْ؛ للقَبْضِ عَلَيْهِمْ مُتَلَبِّسِينَ بِجَرِيمَتِهِمْ؛ لِتَقُومَ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، وَيَسْقُطَ اعْتِذَارُهُمْ.
8 - أَنَّ ضَعِيفَ الإِيمَانِ يُقَدِّمُ خَسِيسَ الدُّنْيَا، وَيُفَضِّلُهُ عَلَى مَا عِنْدَ اللَّهِ منْ حُسْنِ الْجَزَاءِ، وَعَظِيمِ الثَّوَابِ، فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَنْتَبِهَ وَيَفْطُنَ لَهَا، وَيَسْأَلَ اللَّهَ العافيةَ.
9 - قَالَ فِي (الْفَتْحِ): وَلا مُنَافَاةَ بَيْنَ الاسْتِدْلالَيْنِ عَلَى وُجُوبِ الْجَمَاعَةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ الْحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ عَن ابْنِ عُمَرَ: ((صَلاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَنْ صَلاةِ الْفَذِّ.. إلخ)). فَإِنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ صَلاةِ الفَذِّ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى إِثْمِ مَنْ تَخَلَّفَ عَن الْجَمَاعَةِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الصَّلاةِ، فَتَصِحُّ صَلاةُ الفَذِّ وَيَأْثَمُ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ تَخَلُّفُهُ عَنْ عُذْرٍ.
فثبوتُ عُذْرِ التَّخَلُّفِ لِمَرَضٍ، أَوْ مَطَرٍ، أَوْ خَوْفٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ لا شَكَّ فِيهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لحديثِ الإذنِ بالصلاةِ فِي الرحالِ فِي الليلةِ المَطِيرةِ، فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ منْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُ المُنَادِيَ، فَيُنَادِي بالصلاةِ: ((صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ)). فِي الليلةِ الباردةِ، وَفِي الليلةِ المَطِيرةِ، وكما جَاءَ ذَلِكَ أيضاً فِي (الصَّحِيحَيْنِ) منْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
10 - فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جوازِ استخلافِ الإمامِ مَنْ يُصَلِّي بالناسِ، إِذَا عَرَضَ لَهُ شُغْلٌ، وَلَكِنَّهُ لا يُعْطِي عُذْراً لِمَنْ يُنَصِّبُ نَفْسَهُ إماماً بالمسجدِ، ثُمَّ يَهْمِلُهُ إِلَى نائبٍ بِبَعْضِ مَا جُعِلَ لَهُ فِي أَرْزَاقٍ وَجُعُلٍ.
خِلافُ الْعُلَمَاءِ:
أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ صَلاةِ الْجَمَاعَةِ، وَأَنَّهَا مِنْ أَفْضَلِ الطاعاتِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الأَئِمَّةُ فِي حُكْمِهَا، فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الأَئِمَّةَ الثلاثةَ يَرَوْنَ أَنَّ صَلاةَ الْجَمَاعَةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، لا وَاجِبَةٌ.
وَأَنَّ الظاهريَّةَ يَرَوْنَهَا شَرْطاً لصحَّةِ الصَّلاةِ، وَتَبِعَهُم ابْنُ عقيلٍ، وَتَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ.
وذَهَبَ الإمامُ أَحْمَدُ إِلَى: أَنَّهَا واجبةٌ عَلَى الأعيانِ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ فِي مسجدٍ.
قَالَ ابْنُ القَيِّمِ: مَنْ تَأَمَّلَ السُّنَّةَ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ فِعْلَهَا فِي المساجدِ فَرْضُ عَيْنٍ؛ فَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلرَّجُلِ الأَعْمَى: ((هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟)) قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ((فَأَجِبْ)). وَلَوْلا مَا فِي بيوتِ المُتَخَلِّفِينَ عَن الْجَمَاعَةِ من النِّسَاءِ، لَحَرَّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ، وَإِذَا كَانَ الْمُنْفَرِدُ لا تَصِحُّ صَلاتُهُ خَلْفَ الصَّفِّ، فَكَيْفَ مَنْ صَلَّى مُنْفَرِداً فِي بَيْتِهِ؟!
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ مُسْلِماً، فَلْيُصَلِّ هَذِهِ الصلواتِ الخَمْسَ، حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ، فَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلاَّ مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ رَجُلٍ لا يَحْضُرُ الْجَمَاعَةَ: هُوَ فِي النَّارِ.
وَقَالَ شَيْخُ الإِسْلامِ: وُجُوبُهَا عَلَى الأعيانِ هُوَ إجماعُ الصَّحَابَةِ وَأَئِمَّةِ السَّلَفِ، وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ والسُّنَّةُ.
322 - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَثْقَلُ الصَّلاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلاةُ الْعِشَاءِ وَصَلاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْواً)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْهُ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ أَعْمَى، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: ((هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلاةِ؟)) قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ((فَأَجِبْ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

مُفْرَدَاتُ الْحَدِيثِ:
مَا فِيهِمَا؛أَيْ: صَلاتَيِ الفَجْرِ والعشاءِ من الثَّوَابِ وَالفَضْلِ.
حَبْواً: بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْبَاءِ، وَآخِرُهُ وَاوٌ؛ أَيْ: مَشْياً عَلَى اليَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ، كَحَبْوِ الصَّبِيِّ.
حَبْواً: مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لمصدرٍ محذوفٍ؛ أَيْ: لأَتَوْهُمَا، وَلَوْ كَانَ إِتْيَاناً حَبْواً.
النداءُ بالصلاةِ: الْمُرَادُ بِهِ الأَذَانُ.
رَجُلٌ أَعْمَى: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ السُّنَنِ.
مَا يُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ:
1 - لَمَّا كَانَ الْمُنَافِقُونَ يُرَاؤُونَ النَّاسَ بِعِبَادَتِهِمْ، وَلا يُرِيدُونَ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى صَارَتِ الصَّلاةُ عَلَيْهِمْ ثَقِيلَةً، وَأَثْقَلُهَا عَلَيْهِمْ هُمَا الصَّلاتَانِ اللَّتَانِ لا يَرَاهُم فِيهِمَا النَّاسُ: العِشَاءُ وَالفَجْرُ؛ فَإِنَّ النَّاسَ يُؤَدُّونَهُمَا فِي ظلامٍ، قَبْلَ إِسْرَاجِ المساجدِ.
2 - كَمَا أنَّ هَاتَيْنِ الصلاتَيْنِ تَقَعَانِ فِي وَقْتِ الراحةِ، والدَّعَةِ، وَالنومِ، فَلا يَنْشَطُ لَهُمَا إِلاَّ مَنْ فِي قَلْبِهِ وَازِعٌ منْ إيمانٍ بِاللَّهِ تَعَالَى، يُزْعِجُهُ وَيُقْلِقُهُ حَتَّى يُؤَدِّيَهُمَا، أَمَّا الَّذِي قَلْبُهُ خَالٍ مِنَ الإِيمَانِ ـ وَأَوَّلُ مَنْ يُوصَفُ بِذَلِكَ هُم الْمُنَافِقُونَ ـ فَلا يَنْشَطُونَ لِهَاتَيْنِ الصَّلاتَيْنِ.
3 - هَاتَانِ الصَّلاتَانِ عَظِيمَتَا الأَجْرِ، كَبِيرَتَا الأَمْرِ، فَلَوْ عَلِمَ هَؤُلاءِ المُتَخَلِّفُونَ عَنْهُمَا مَا أَعَدَّ اللَّهُ مِنَ الثَّوَابِ لِمَنْ أَدَّاهُمَا جَمَاعَةً لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْواً عَلَى رُكَبِهِمْ كَحَبْوِ الطِّفْلِ.
4 - فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ صَلاةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ، ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَجِدْ رُخْصَةً لِرَجُلٍ أَعْمَى، لَيْسَ لَهُ قائدٌ يَأْتِي بِهِ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَكَيْفَ بالبَصِيرِ القَادِرِ؟!
5 - فِيهِ بَيَانُ نِعْمَةِالإِيمَانِ بِاللَّهِ تَعَالَى وَرَجَاءِ ثَوَابِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُخَفِّفُ الطاعةَ عَلَى صَاحِبِهَا وَيُحَبِّبُهَا إِلَيْهِ، وَيُسَهِّلُهَا لَهُ، وَيُيَسِّرُهَا عَلَيْهِ، كَمَا أَنَّ نقمةَ النِّفَاقِ ـ وَالعياذُ بِاللَّهِ ـ تَكُونُ ظَلاماً عَلَى صَاحِبِهَا فَيُظْلِمُ قَلْبُهُ، وَتَعْمَى بَصِيرَتُهُ، وَيَنْسَى نَفْسَهُ، حَتَّى تَثْقُلَ عَلَيْهِ الطَّاعَاتُ، وَيَكْرَهَ العباداتِ، فَيَنْزِلُ بِهِ هَادِمُ اللَّذَّاتِ وَمُفَرِّقُ الْجَمَاعَاتِ، وَهُوَ عَلَى حالةٍ من الغفلةِ والضلالِ.
6 - قَالَ شَيْخُ الإِسْلامِ: حَدِيثُ الأَعْمَى نَصٌّ فِي إيجابِ الْجَمَاعَةِ، والرجلُ الأَعْمَى هُوَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، كَمَا جَاءَ ذَلِكَ صَرِيحاً فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ رَجُلٍ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ، وَلا يَحْضُرُ الْجَمَاعَةَ، فَقَالَ: هُوَ فِي النَّارِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَمَّا الْجَمَاعَةُ، فَلا رُخْصَةَ فِيهَا إِلاَّ مِنْ عُذُرٍ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْجَمَاعَةُ مَأْمُورٌ بِهَا، للأحاديثِ الصحيحةِ المشهورةِ، وإجماعِ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَالَ شَيْخُ الإِسْلامِ: مَنْ أَصَرَّ عَلَى تَرْكِ الْجَمَاعَةِ فَهُوَ آثِمٌ مُخَالِفٌ للكتابِ والسُّنَّةِ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ الأُمَّةِ.
وَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ يَرَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلاةِ فِي حَقِّ غَيْرِ المعذورِ.
وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وَمَا أَحْسَنَ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى وُجُوبِ الْجَمَاعَةِ بصلاةِ الخوفِ، حَيْثُ اغْتُفِرَتْ أَفْعَالٌ كَثِيرَةٌ لأَجْلِ الْجَمَاعَةِ، فَلَوْلا أَنَّهَا وَاجِبَةٌ مَا سَاغَ ذَلِكَ.
7 - ظَاهِرُ حَدِيثِ الأَعْمَى تَقْيِيدُ وُجُوبِ الإتيانِ إِلَى النداءِ بِسَمَاعِ النداءِ سَمَاعاً مُجَرَّداً؛ لأَنَّهُ قَدْ يُسْمَعُ غَيْرَ مُجَرَّدٍ، وَالمَسْأَلَةُ عُرْفِيَّةٌ.
8 - تَرْخِيصُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلرَّجُلِ الأَعْمَى بِتَرْكِ الْجَمَاعَةِ، ثُمَّ رَدُّهُ ـ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ بِوَحْيٍ نَزَلَ فِي الْحَالِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَدْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
323 - وَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِ فَلا صَلاةَ لَهُ إِلاَّ مِنْ عُذُرٍ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ.
وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، لَكِنْ رَجَّحَ بَعْضُهُمْ وَقْفَهُ.

دَرَجَةُ الْحَدِيثِ:
الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ، قَالَ فِي (التلخيصِ): رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والدَّارَقُطْنِيُّ، وَفِيهِ: أَبُو جَنَابٍ ضَعِيفٌ وَمُدَلِّسٌ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ الْحَافِظُ ابْنُ المُلَقَّنِ منْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ والْحَاكِمُ منْ طَرِيقٍ أُخْرَى مَرْفُوعاً: ((مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْ فَلا صَلاةَ لَهُ إِلاَّ مِنْ عُذُرٍ)). لَكِنْ قَالَ الْحَاكِمُ: وَقَفَهُ غُنْدَرٌ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ شُعْبَةَ.
وَلَهُ شَوَاهِدُ مِنْهَا: حَدِيثُ أَبِي مُوسَى، رَوَاهُ الْحَاكِمُ والْبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ: الموقوفُ أَصَحُّ، وَرَوَاهُ العقيليُّ عَنْ جَابِرٍ، وَضَعَّفَهُ، وَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَضَعَّفَهُ.
مُفْرَدَاتُ الْحَدِيثِ:
عُذُرٍ: بِضَمِّ الذالِ للإتْبَاعِ، وَتُسَكَّنُ، وَجَمْعُهُ: (أَعْذَارٌ)، والعُذْرُ: الْحُجَّةُ الَّتِي يُعْتَذَرُ بِهَا، وَمَا يَرْفَعُ اللَّوْمَ عَمَّا حَقُّهُ أَنْ يُلامَ عَلَيْهِ، فَيُقَالُ: مَعْذُورٌ؛ أَيْ: غَيْرُ مَلُومٍ فِيمَا صَنَعَ.
مَا يُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ:
1 - الْحَدِيثُ حُجَّةٌ قَوِيَّةٌ لِمَنْ يَقُولُ: إِنَّ صَلاةَ الْجَمَاعَةِ فَرْضُ عَيْنٍ، وأنَّهُ يَجِبُ أَدَاؤُهَا بالمَسْجِدِ.
2 - قَوْلُهُ: ((مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ)). مفهومُ الْحَدِيثِ أَنَّ الَّذِي لا يَسْمَعُ النداءَ، لِبُعْدِهِ عَنْ مَكَانِ النداءِ ـ فَإِنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ الحضورُ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ بمكانٍ بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الحضورُ.
3 - أَمَّا سَمَاعُ النداءِ منْ مَكَانٍ بَعِيدٍ يَشُقُّ الوصولُ إِلَيْهِ بواسطةِ مُكَبِّرِ الصَّوْتِ ـ: فَهَذَا سَمَاعٌ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ، فَلا يَجِبُ عَلَى سَامِعِهِ الحضورُ، فَإِنَّ العبرةَ بالمعانِي المُرَادَةِ فِي هَذِهِ الفقرةِ، وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَمُرَادُ الشارعِ مَعْرُوفٌ من الأَمْرِ.
4 - أَمَّا قَوْلُهُ: ((فَلا صَلاةَ لَهُ)). فَإِنَّ النَّفْيَ فِي الأَصْلِ يَكُونُ نَفْياً لذاتِ الشَّيْءِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ نَفْيُ الذَّاتِ كَانَ نَفْياً لِحَقِيقَتِهِ الشَّرْعِيَّةِ، وَهَذَا مَعْنَاهُ نَفْيُ الصِّحَّةِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَهُوَ نَفْيٌ لِكَمَالِ الشَّيْءِ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ نَفْيُ الذَّاتِ مُتَعَذِّرٌ؛ لأَنَّ صُورَةَ الصَّلاةِ مَوْجُودَةٌ، وَنَفْيَ الصحَّةِ مُمْكِنٌ، لَوْ لَمْ يُعَارِضْهُ أحاديثُ تُنَافِيهُ، وَتُصَحِّحُ صَلاةَ الْمُنْفَرِدِ، وَلَوْ بِدُونِ عُذْرٍ، وَمِنْهَا: حَدِيثُ يَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ الآتِي.
فَيَكُونُ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ مَا عَارَضَهُ من الأَحَادِيثِ هُوَ أَنَّ النَّفْيَ يَكُونُ لِنَفْيِ الكمالِ، وَتَكُونُ صَلاةُ الْمُنْفَرِدِ بِلا عُذْرٍ صَلاةً نَاقِصَةً، قَلِيلَةَ الثَّوَابِ، إِلاَّ أَنَّهَا مُجْزِئَةٌ للذِّمَّةِ، مَعَ الإثمِ الَّذِي حَمَلَهُ المُتَخَلِّفُ عَن الْجَمَاعَةِ بِلا عُذُرٍ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لا رُخْصَةَ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ لأَحَدٍ، إِلاَّ مِنْ عُذُرٍ، لحديثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وحديثِ الأَعْمَى.
قَالَ عَطَاءٌ: لَيْسَ لأَحَدٍ رُخْصَةٌ أَنْ يَدَعَ الْجَمَاعَةَ إِذَا سَمِعَ النداءَ لا فِي الحَضَرِ وَلا فِي السَّفَرِ.
5 - قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَداً مُسْلِماً؛ فَلْيُصَلِّ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الخمسَ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ؛ فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّهِ سُنَنَ الْهُدَى، وَأَدَاءُ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي الْمَسَاجِدِ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، وَإِنَّكُمْ لَوْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلاَّ مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، ولَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ، يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ (654) .
6 - قَالَ ابْنُ القَيِّمِ: وَمَنْ تَأَمَّلَ السُّنَّةَ تَبَيَّنَ لَهُ أنَّ فِعْلَهَا فِي المساجدِ فَرْضُ عَيْنٍ، إِلاَّ لِعَارِضٍ يَجُوزُ مَعَهُ تَرْكُ الْجَمَاعَةِ، وَقَدْ عُلِمَ مِن الدِّينِ بالضَّرُورَةِ أَنَّ اللَّهَ شَرَعَ الصلواتِ الخمسَ فِي المساجدِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأَعْرَاف: 29].
والنصوصُ من الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَثِيرَةٌ.
قَالَ جمهورُ الْعُلَمَاءِ: صَلاةُ الفرضِ إِذَا أَتَى بِهَا المُصَلِّي عَلَى وَجْهِهَا الكَامِلِ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ شَيْئَانِ: سُقُوطُ الفَرْضِ عَنْهُ، وَحُصُولُ الثَّوَابِ، فَإِنَّ أَدَّاهَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا الكَامِلِ حَصَلَ سُقُوطُ الفرضِ عَنْهُ دُونَ حُصُولِ الثَّوَابِ.


موضوع مغلق

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
باب, صلاة

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:27 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir