دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > برنامج إعداد المفسر > خطة البناء في التفسير > صفحات الدراسة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 15 ذو القعدة 1435هـ/9-09-2014م, 06:47 AM
تماضر تماضر غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى الثامن
 
تاريخ التسجيل: Aug 2014
المشاركات: 521
افتراضي

تفسير سورة الانفطار
مكان نزول السورة : الانفطار.
فضائل السورة: -ك-
عن جابرٍ قال: قام معاذٌ فصلّى العشاء الآخرة فطوّل فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: ((أفتّانٌ يا معاذ؟ أفتّانٌ يا معاذ؟ أين كنت عن: {سبّح اسم ربّك الأعلى}، و {الضّحى}، و{إذا السّماء انفطرت}؟))
وأصل الحديث مخرّجٌ في الصّحيحين، ولكنّ ذكر {إذا السّماء انفطرت} من أفراد النّسائيّ.

تفسير قوله تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1)) –ك, س, ش-
{إذا السّماء انفطرت}. أي: انشقّت لِنُزُولِ الْمَلائِكَةِ مِنْهَا، كما قال: {السّماء منفطرٌ به}

تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2)) – ك , س , ش-
{وإذا الكواكب انتثرت}. أي: تساقطت متفرقة وانتثرتْ نجومُهَا، وزالَ جمالُهَا.

تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3)) –ك, س , ش-
فُجِّرَ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ، فَصَارَتْ بَحْراً وَاحِداً وَاخْتَلَطَ العَذْبُ مِنْهَا بالمالحِ، وَهَذِهِ الأَشْيَاءُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ.

تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4)) –ك, س, ش-
وَأُخْرِجَ المَوْتَى الَّذِينَ هُمْ فِيهَا ، وحشرُوا للموقفِ بينَ يديِ اللهِ للجزاءِ على الأعمالِ.

تفسير قوله تعالى: (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5)) –ك, س , ش-
عَلِمَتْ عِنْدَ نَشْرِ الصُّحُفِ مَا قَدَّمَتْ منْ عَمَلِ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ،وَمَا أَخَّرَتْ مِنْ سُنَّةٍ حَسَنَةٍ أَوْ سَيِّئَةٍ.
فحينئذٍ ينكشفُ الغطاءُ، ويزولُ ما كانَ خفيّاً، وتعلمُ كلُّ نفسٍ ما معهَا منَ الأرباحِ والخسرانِ، هنالكَ يعضُّ الظالمُ على يديهِ إذا رأى أعمالهُ باطلةً، وميزانهُ قدْ خفَّ، والمظالمُ قدْ تداعتْ إليهِ، والسيئاتُ قدْ حضرتْ لديهِ، وأيقنَ بالشقاءِ الأبديِّ والعذابِ السرمديِّ.
ويفوزُ المتقونَ، المقدِّمونَ لصالحِ الأعمالِ بالفوزِ العظيمِ، والنعيمِ المقيمِ، والسلامةِ منْ عذابِ الجحيمِ.

تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6)) -ك, س , ش-
هذا الاستفاهم للتهديد والعتاب , والمعنى في هذه الآية: ما غرّك يابن آدم بربّك الكريم، أي: العظيم، حتّى أقدمت على معصيته وقابلته بما لا يليق؟! أتهاوناً منكَ في حقوقهِ، أمِ احتقاراً منكَ لعذابهِ؟ أمْ عدمَ إيمانٍ منكَ بجزائهِ؟
جاء في الحديث: ((يقول اللّه تعالى يوم القيامة: ابن آدم ما غرّك بي؟ ماذا أجبت المرسلين؟))
ورد عن ابن عمر أنه عندما قرأ هذه الآية: {يا أيّها الإنسان ما غرّك بربّك الكريم}.قال: غرّه -واللّه- جهله.
وأتى باسمه {الكريم}؛ لينبّه على أنّه لا ينبغي أن يقابل الكريم بالأفعال القبيحة وأعمال السّوء.
وحكى البغويّ عن الكلبيّ ومقاتلٍ أنّهما قالا: نزلت هذه الآية في الأخنس بن شريقٍ ضرب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يعاقب في الحالة الرّاهنة؛ فأنزل اللّه: {ما غرّك بربّك الكريم}.


تفسير قوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7)) –ك , س ,ش-
أي: خلقك من نطفة ولم تك شيئا فجعلك سويًّا مستقيماً معتدل القامة منتصبها في أحسن الهيئات والأشكال, فهلْ يليقُ بكَ أنْ تكفرَ نعمةَ المنعمِ، أو تجحدَ إحسانَ المحسنِ؟
عن بسر بن جحاشٍ القرشيّ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بصق يوماً في كفّه فوضع عليها أصبعه ثمّ قال: ((قال اللّه عزّ وجلّ: ابن آدم أنّى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتّى إذا سوّيتك وعدلتك مشيت بين بردين، وللأرض منك وئيدٌ، فجمعت ومنعت، حتّى إذا بلغت التّراقي قلت: أتصدّق وأنّى أوان الصّدقة)).

تفسير قوله تعالى: (فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8)) -ك , س , ش-
أَيْ: رَكَّبَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ شَاءَهَا من الصُّوَرِ المختلفةِ، وَأَنْتَ لَمْ تَخْتَرْ صُورَةَ نَفْسِكَ
قال مجاهدٌ: في أيّ شبه أبٍ أو أمٍّ أو خالٍ أو عمٍّ.
في الصّحيحين عن أبي هريرة أنّ رجلاً قال: يا رسول اللّه، إنّ امرأتي ولدت غلاماً أسود، قال: ((هل لك من إبلٍ؟)). قال: نعم. قال: ((فما ألوانها؟)) قال: حمرٌ. قال: ((فهل فيها من أورق؟)) قال: نعم. قال: ((فأنّى أتاها ذلك؟)) قال: عسى أن يكون نزعه عرقٌ. قال: ((وهذا عسى أن يكون نزعه عرقٌ)).
وقد قال عكرمة في قوله: {في أيّ صورةٍ ما شاء ركّبك}. إن شاء في صورة قردٍ، وإن شاء في صورة خنزيرٍ.
وكذا قال أبو صالحٍ: إن شاء في صورة كلبٍ، وإن شاء في صورة حمارٍ، وإن شاء في صورة خنزيرٍ.
وقال قتادة: {في أيّ صورةٍ ما شاء ركّبك}. قال: قادرٌ واللّه ربّنا على ذلك.
ومعنى هذا القول عند هؤلاء أنّ اللّه عزّ وجلّ قادرٌ على خلق النّطفة على شكلٍ قبيحٍ من الحيوانات المنكرة الخلق، ولكن بقدرته ولطفه وحلمه يخلقه على شكلٍ حسنٍ مستقيمٍ معتدلٍ تامٍّ حسن المنظر والهيئة.

استخلاص المسائل التفسيرية:
-معنى الآيات إجمالًا.
-معنى (انفطرت , انتثرت , البحار فجرت , بعثرت )
-معنى (علمت نفس ماقدمت وأخرت)
-فيمن نزلت (ماغرك برك الكريم)
-نوع الاستفهام في قوله (ياأيها الإنسان ماغرك بربك الكريم)
-تحديد صفة (الكريم) من بين الصفات.
-الأقوال في قوله (في أي صورة ماشاء ركبك)

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 26 محرم 1436هـ/18-11-2014م, 08:02 AM
أمل عبد الرحمن أمل عبد الرحمن غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 8,163
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة تماضر مشاهدة المشاركة
تفسير سورة الانفطار
مكان نزول السورة :
الانفطار.
فضائل السورة: -ك-
عن جابرٍ قال: قام معاذٌ فصلّى العشاء الآخرة فطوّل فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: ((أفتّانٌ يا معاذ؟ أفتّانٌ يا معاذ؟ أين كنت عن: {سبّح اسم ربّك الأعلى}، و {الضّحى}، و{إذا السّماء انفطرت}؟))
وأصل الحديث مخرّجٌ في الصّحيحين، ولكنّ ذكر {إذا السّماء انفطرت} من أفراد النّسائيّ.

تفسير قوله تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1)) –ك, س, ش-
{إذا السّماء انفطرت}. أي: انشقّت لِنُزُولِ الْمَلائِكَةِ مِنْهَا، كما قال: {السّماء منفطرٌ به}

تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2)) – ك , س , ش-
{وإذا الكواكب انتثرت}. أي: تساقطت متفرقة وانتثرتْ نجومُهَا، وزالَ جمالُهَا.

تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3)) –ك, س , ش-
فُجِّرَ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ، فَصَارَتْ بَحْراً وَاحِداً وَاخْتَلَطَ العَذْبُ مِنْهَا بالمالحِ، وَهَذِهِ الأَشْيَاءُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ. (يجب إيراد أقوال السلف في تفسير التفجير أولا ثم أجمع بينها كما فعلت)

تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4)) –ك, س, ش-
وَأُخْرِجَ المَوْتَى الَّذِينَ هُمْ فِيهَا ، وحشرُوا للموقفِ بينَ يديِ اللهِ للجزاءِ على الأعمالِ. (نفس الملحوظة السابقة)

تفسير قوله تعالى: (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5)) –ك, س , ش-
عَلِمَتْ عِنْدَ نَشْرِ الصُّحُفِ مَا قَدَّمَتْ منْ عَمَلِ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ،وَمَا أَخَّرَتْ مِنْ سُنَّةٍ حَسَنَةٍ أَوْ سَيِّئَةٍ.
فحينئذٍ ينكشفُ الغطاءُ، ويزولُ ما كانَ خفيّاً، وتعلمُ كلُّ نفسٍ ما معهَا منَ الأرباحِ والخسرانِ، هنالكَ يعضُّ الظالمُ على يديهِ إذا رأى أعمالهُ باطلةً، وميزانهُ قدْ خفَّ، والمظالمُ قدْ تداعتْ إليهِ، والسيئاتُ قدْ حضرتْ لديهِ، وأيقنَ بالشقاءِ الأبديِّ والعذابِ السرمديِّ.
ويفوزُ المتقونَ، المقدِّمونَ لصالحِ الأعمالِ بالفوزِ العظيمِ، والنعيمِ المقيمِ، والسلامةِ منْ عذابِ الجحيمِ.

تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6)) -ك, س , ش-
هذا الاستفاهم للتهديد والعتاب , والمعنى في هذه الآية: ما غرّك يابن آدم بربّك الكريم، أي: العظيم، حتّى أقدمت على معصيته وقابلته بما لا يليق؟! أتهاوناً منكَ في حقوقهِ، أمِ احتقاراً منكَ لعذابهِ؟ أمْ عدمَ إيمانٍ منكَ بجزائهِ؟
جاء في الحديث: ((يقول اللّه تعالى يوم القيامة: ابن آدم ما غرّك بي؟ ماذا أجبت المرسلين؟))
ورد عن ابن عمر أنه عندما قرأ هذه الآية: {يا أيّها الإنسان ما غرّك بربّك الكريم}.قال: غرّه -واللّه- جهله.
وأتى باسمه {الكريم}؛ لينبّه على أنّه لا ينبغي أن يقابل الكريم بالأفعال القبيحة وأعمال السّوء.
وحكى البغويّ عن الكلبيّ ومقاتلٍ أنّهما قالا: نزلت هذه الآية في الأخنس بن شريقٍ ضرب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يعاقب في الحالة الرّاهنة؛ فأنزل اللّه: {ما غرّك بربّك الكريم}.


تفسير قوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7)) –ك , س ,ش-
أي: خلقك من نطفة ولم تك شيئا فجعلك سويًّا مستقيماً معتدل القامة منتصبها في أحسن الهيئات والأشكال, فهلْ يليقُ بكَ أنْ تكفرَ نعمةَ المنعمِ، أو تجحدَ إحسانَ المحسنِ؟
عن بسر بن جحاشٍ القرشيّ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بصق يوماً في كفّه فوضع عليها أصبعه ثمّ قال: ((قال اللّه عزّ وجلّ: ابن آدم أنّى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتّى إذا سوّيتك وعدلتك مشيت بين بردين، وللأرض منك وئيدٌ، فجمعت ومنعت، حتّى إذا بلغت التّراقي قلت: أتصدّق وأنّى أوان الصّدقة)).

تفسير قوله تعالى: (فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8)) -ك , س , ش-
أَيْ: رَكَّبَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ شَاءَهَا من الصُّوَرِ المختلفةِ، وَأَنْتَ لَمْ تَخْتَرْ صُورَةَ نَفْسِكَ
قال مجاهدٌ: في أيّ شبه أبٍ أو أمٍّ أو خالٍ أو عمٍّ.
في الصّحيحين عن أبي هريرة أنّ رجلاً قال: يا رسول اللّه، إنّ امرأتي ولدت غلاماً أسود، قال: ((هل لك من إبلٍ؟)). قال: نعم. قال: ((فما ألوانها؟)) قال: حمرٌ. قال: ((فهل فيها من أورق؟)) قال: نعم. قال: ((فأنّى أتاها ذلك؟)) قال: عسى أن يكون نزعه عرقٌ. قال: ((وهذا عسى أن يكون نزعه عرقٌ)).
وقد قال عكرمة في قوله: {في أيّ صورةٍ ما شاء ركّبك}. إن شاء في صورة قردٍ، وإن شاء في صورة خنزيرٍ.
وكذا قال أبو صالحٍ: إن شاء في صورة كلبٍ، وإن شاء في صورة حمارٍ، وإن شاء في صورة خنزيرٍ.
وقال قتادة: {في أيّ صورةٍ ما شاء ركّبك}. قال: قادرٌ واللّه ربّنا على ذلك.
ومعنى هذا القول عند هؤلاء أنّ اللّه عزّ وجلّ قادرٌ على خلق النّطفة على شكلٍ قبيحٍ من الحيوانات المنكرة الخلق، ولكن بقدرته ولطفه وحلمه يخلقه على شكلٍ حسنٍ مستقيمٍ معتدلٍ تامٍّ حسن المنظر والهيئة.

استخلاص المسائل التفسيرية:
-معنى الآيات إجمالًا.
-معنى (انفطرت , انتثرت , البحار فجرت , بعثرت )
-معنى (علمت نفس ماقدمت وأخرت)
-فيمن نزلت (ماغرك برك الكريم)
-نوع الاستفهام في قوله (ياأيها الإنسان ماغرك بربك الكريم)
-تحديد صفة (الكريم) من بين الصفات.
-الأقوال في قوله (في أي صورة ماشاء ركبك)
أحسنت بارك الله فيك
فقط يلاحظ أنك اختصرت كثيرا عن الكلام على قوله تعالى: {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم}
وسأوضح لك ذلك عند ذكر أبرز المسائل الواردة في الآيات
وإضافة إلى ما ذكرناه على الملخصات السابقة من:
- البدء باستخلاص المسائل من الآيات
- تلخيص أقوال المفسرين في كل مسألة، على نفس ترتيب المسائل المستخلصة
- وضع رموز المفسرين بجوار المسائل التي تناولوها
- إسناد كل قول لقائله
- العناية بذكر أقوال السلف في معنى الآية، وقبل ذلك العناية بذكر الآيات والأحاديث المفسرة للآية
نوصي بعدم النسخ الحرفي لأقوال المفسرين، والأفضل أن تعبري بأسلوبك، وخذي من أقوالهم وألفاظهم ما يفي بالغرض.


وإليك بيان بأهم المسائل الواردة في الآيات:
اقتباس:
معنى انفطرت
معنى انتثرت
المراد بتفجير البحار
معنى بعثرت
المقصود بالنفس
المقصود بالتأخير والتقديم
من المخاطب بقوله تعالى: {يا أيها الإنسان}؟
معنى غرك
ما جاء في سبب الغرور
سبب نزول الآية
فائدة ذكر اسم الله {الكريم}
غرض الاستفهام
معنى خلقك
معنى سواك
معنى عدلك
المراد بالصورة
مقصد الآيتين الأخيرتين

المسائل العقدية
الإيمان بالعث والجزاء

تقييم الملخص:
الشمول : ( شمول التلخيص على أهم المسائل )
25 / 30
الترتيب : ( حسن ترتيب المسائل على العلوم ) 18/ 20
التحرير العلمي ( تجنب الأخطاء العلمية واستيعاب الأقوال في المسائل ) 15/ 20 [من الأخطاء في الملخص، عدم ترتيب الأقوال على المسائل، وعدم نسبة الأقوال، طبعا هذا التقييم توجيهي فقط]
الصياغة : ( صياغة المسائل وتجنب الأخطاء الإملائية ) : 15 / 15
العرض : ( تنسيق التلخيص ليسهل قراءته ومراجعته ) : 15 / 15
= 88%

درجة الملخص:4/4
بارك الله فيك ووفقك لكل خير

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 15 ذو القعدة 1435هـ/9-09-2014م, 06:59 AM
تماضر تماضر غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى الثامن
 
تاريخ التسجيل: Aug 2014
المشاركات: 521
افتراضي

قوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5) يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8)}

المسائل:

-معنى الآيات إجمالًا.
-معنى (انفطرت , انتثرت , البحار فجرت , بعثرت )
-معنى (علمت نفس ماقدمت وأخرت)
-فيمن نزلت (ماغرك برك الكريم)
-نوع الاستفهام في قوله (ياأيها الإنسان ماغرك بربك الكريم)
-تحديد صفة (الكريم) من بين الصفات.
-الأقوال في قوله (في أي صورة ماشاء ركبك).

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 15 ذو القعدة 1435هـ/9-09-2014م, 07:36 AM
تماضر تماضر غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى الثامن
 
تاريخ التسجيل: Aug 2014
المشاركات: 521
افتراضي

تفسير قوله تعالى:{كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (16) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19)}

-استخلاص المسائل التفسيرية من التفاسير الثلاثة –ابن كثير والسعدي والأشقر- :

-تفسير إجمالي للآيات.
-سبب ابتداء الآية بقوله (كلا) .
-معنى ( يوم الدين , الحافظين , الكرام الكاتبين )
-تعريف : الأبرار , الفجّار , ومصير كل واحد منهما .
-سبب تكرار (وما أدراك ما يوم الدين ).
-معنى (يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله ).

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 15 ذو القعدة 1435هـ/9-09-2014م, 07:42 AM
تماضر تماضر غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى الثامن
 
تاريخ التسجيل: Aug 2014
المشاركات: 521
افتراضي

تفسير قوله تعالى:{كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (16) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19)}


تفسير قوله تعالى: (كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9)) –ك , س , ش-
{كَلاَّ}: للرَّدْعِ وَالزَّجْرِ عَن الاغترارِ بِكَرَمِ اللَّهِ وَجَعْلِهِ ذَرِيعَةً إِلَى الْكُفْرِ بِهِ.
{بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ}: وَهُوَ الْجَزَاءُ، أَوْ بِدِينِ الإِسْلامِ .
أي: معَ هذا الوعظِ والتذكيرِ، لا تزالونَ مستمرينَ على التكذيبِ بالجزاءِ.

تفسير قوله تعالى: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11))) –ك , س , ش-
يعني: وإنّ عليكم لملائكةً حفظةً كراماً فلا تقابلوهم بالقبائح فإنّهم يكتبون عليكم جميع أعمالكم.
قال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا عليّ بن محمّدٍ الطّنافسيّ، حدّثنا وكيعٌ، حدّثنا سفيان ومسعرٌ، عن علقمة بن مرثدٍ، عن مجاهدٍ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ((أكرموا الكرام الكاتبين الّذين لا يفارقونكم إلاّ عند إحدى حالتين: الجنابة والغائط، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر بجرم حائطٍ أو ببعيره، أو ليستره أخوه)).


تفسير قوله تعالى: (يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12)) –ك, س , ش-
يقول: إِنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ بيومِ الدِّينِ، وَمَلائِكَةُ اللَّهِ مُوَكَّلُونَ بِكُم، يَكْتُبُونَ أَعْمَالَكُمْ حَتَّى تُحَاسَبُوا بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

تفسير قوله تعالى: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13)) –ك, س , ش-
يخبر تعالى عمّا يصير الأبرار إليه من النّعيم , وهم: القائمونَ بحقوقِ اللهِ وحقوقِ عبادهِ، الملازمونَ للبرِّ، في أعمالِ القلوبِ وأعمالِ الجوارحِ، فهؤلاءِ جزاؤهم النعيمُ في القلبِ والروحِ والبدنِ، في دارِ الدنيا البرزخِ و دارِ القرار.
عن ابن عمر، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: ((إنّما سمّاهم اللّه الأبرار؛ لأنّهم برّوا الآباء والأبناء))

تفسير قوله تعالى: (وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15)) –ك, س , ش-
وذكر ما يصير إليه الفجّار من الجحيم والعذاب المقيم الذي يكون لهم يوم القيامة والحساب والجزاء الَّذِي كَانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ، يَلْزَمُونَهَا مُقَاسِينَ لِوَهَجِهَا وَحَرِّهَا يَوْمَئِذٍ ، والفجار هم : الذينَ قصَّرُوا في حقوقِ اللهِ وحقوقِ عبادهِ، الذينَ فجرتْ قلوبهم، ففجرتْ أعمالُهمْ .

تفسير قوله تعالى: (وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (16)) –ك , س, ش-
أي: لا يفقارونها ولا يغيبون عن العذاب ساعةً واحدةً بل ملازمون لها فلا يخفّف عنهم من عذابها، ولا يجابون إلى ما يسألون من الموت أو الرّاحة، ولو يوماً واحداً , بَلْ هُمْ فِيهَا أَبَدَ الآبِدِينَ.

تفسير قوله تعالى: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18)) –ك,س , ش-
تعظيمٌ لشأن يوم القيامة, ففي هذا تهويلٌ لذلكَ اليومِ الشديدِ الذي يحيرُ الأذهانَ.
ثمّ أكّده وكَرَّرَهُ تَعْظِيماً لِقَدْرِهِ وَتَفْخِيماً لِشَأْنِهِ، وَتَهْوِيلاً لأَمْرِهِ بقوله: {ثمّ ما أدراك ما يوم الدّين}


تفسير قوله تعالى: (يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19)) –ك , س, ش-
أي: لا يقدر واحدٌ على نفع أحدٍ ولا خلاصه ممّا هو فيه إلاّ أن يأذن اللّه لمن يشاء ويرضى، ويذكر ههنا حديث: ((يا بني هاشمٍ أنقذوا أنفسكم من النّار لا أملك لكم من اللّه شيئاً)).
ولهذا قال: {والأمر يومئذٍ للّه}. كقوله: {لمن الملك اليوم للّه الواحد القّهّار}. وكقوله: {الملك يومئذٍ الحقّ للرّحمن}. وكقوله: {مالك يوم الدّين}
فهوَ الذي يفصلُ بينَ العبادِ، ويأخذُ للمظلومِ حقَّهُ من ظالمِهِ.
قال قتادة: {يوم لا تملك نفسٌ لنفسٍ شيئاً والأمر يومئذٍ للّه}. والأمر واللّه اليوم للّه، ولكنّه يومئذٍ لا ينازعه أحدٌ.



-استخلاص المسائل التفسيرية من التفاسير الثلاثة –ابن كثير والسعدي والأشقر- :
-تفسير إجمالي للآيات.
-سبب ابتداء الآية بقوله (كلا) .
-معنى ( يوم الدين , الحافظين , الكرام الكاتبين )
-تعريف : الأبرار , الفجّار , ومصير كل واحد منهما .
-سبب تكرار (وما أدراك ما يوم الدين ).
-معنى (يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله ).

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 16 ذو القعدة 1435هـ/10-09-2014م, 08:30 AM
تماضر تماضر غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى الثامن
 
تاريخ التسجيل: Aug 2014
المشاركات: 521
افتراضي

تلخيص تفسير سورة المطففين

نزول السورة : -ك- مدنيّةٌ .

أسباب نزول السورة: -ك , ش-
قال النّسائيّ وابن ماجه: عن ابن عبّاسٍ قال: لمّا قدم نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة كانوا من أخبث النّاس كيلاً؛ فأنزل اللّه: {ويلٌ للمطفّفين}. فحسّنوا الكيل بعد ذلك.
وقال ابن أبي حاتمٍ: عن هلال بن طلقٍ، قال: بينا أنا أسير مع ابن عمر فقلت: من أحسن هيئةً وأوفاه كيلاً، أهل مكّة والمدينة؟ قال: حقّ لهم. أما سمعت اللّه يقول: {ويلٌ للمطفّفين}.
وقال ابن جريرٍ: عن عبد اللّه قال: قال له رجلٌ: يا أبا عبد الرّحمن، إنّ أهل المدينة ليوفون الكيل.
قال: وما يمنعهم أن يوفوا الكيل وقد قال اللّه: {ويلٌ للمطفّفين}. حتّى بلغ: {يوم يقوم النّاس لربّ العالمين.

تفسير قوله تعالى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4)لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6}.

تفسير قوله تعالى: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1)) –ك , س , ش -
ويل : كلمةُ عذابٍ ووعيدٍ.
التَّطْفِيفُ: الأَخْذُ فِي الكَيْلِ أَو الوزنِ شَيْئاً طَفِيفاً؛ أَيْ: نَزْراً حَقِيراً، فَالْمُطَفِّفُ هُوَ المُقَلِّلُ حَقَّ صَاحِبِهِ بِنُقْصَانِهِ عَن الْحَقِّ فِي كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ. وَرُبَّمَا كَانَ لأَحَدِهِمْ صَاعَانِ يَكِيلُ لِلنَّاسِ بِأَحَدِهِمَا، وَيَكْتَالُ لِنَفْسِهِ بالآخَرِ ؛ ولهذا فسّر تعالى المطفّفين الّذين وعدهم بالخسار والهلاك وهو الويل بقوله: {الّذين إذا اكتالوا على النّاس} .


تفسير قوله تعالى: (الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2)) –ك , س , ش-
يَعْنِي: الَّذِينَ إِذَا اشْتَرَوْا لأَنْفُسِهِم اسْتَوْفَوْا فِي الكيلِ والوزنِ.

تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3)) –ك , س , ش-
{وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ}أي: إذا أعطوا الناسَ حقَّهمْ الذي للناسِ عليهم بكيلٍ أو وزنٍ يخسرون : أي: ينقصون، إما بمكيالٍ وميزانٍ ناقصينِ، أو بعدمِ ملءِ المكيالِ والميزانِ، أو نحوَ ذلكَ، فهذا سرقةٌ الناّسِ، وعدمُ إنصافٍ منهمْ.
وقد أمر اللّه تعالى بالوفاء في الكيل والميزان، فقال: {وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خيرٌ وأحسن تأويلاً}
وقال: {وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلّف نفساً إلاّ وسعها}
وقال: {وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان}. وأهلك اللّه قوم شعيبٍ وذمّهم على ما كانوا يبخسون النّاس في المكيال والميزان
وإذا كانَ هذا الوعيدُ على الذينَ يبخسونَ الناسَ بالمكيالِ والميزانِ، فالذي يأخذُ أموالهمْ قهراً أو سرقةً، أولى بهذا الوعيدِ منَ المطففينَ.
ودلتِ الآيةُ الكريمةُ، على أنَّ الإنسانَ كما يأخذُ من الناسِ الذي لهُ، يجبُ عليهِ أنْ يعطيهمْ كلَّ ما لهمْ منَ الأموالِ والمعاملاتِ، بلْ يدخلُ في الحججُ والمقالاتُ، فإنَّهُ كما أنَّ المتناظرينِ قدْ جرتِ العادةُ أنَّ كلَّ واحدٍ يحرصُ على ما لهُ منَ الحججِ، فيجبُ عليهِ أيضاً أن يبيِّنَ ما لخصمهِ منَ الحججِ ، وأنْ ينظرَ في أدلةِ خصمهِ كما ينظرُ في أدلتهِ هوَ، وفي هذا الموضعِ يعرفُ إنصافُ الإنسانِ من تعصبهِ واعتسافهِ، وتواضعهُ من كبرهِ، وعقلهُ من سفههِ، نسألُ اللهَ التوفيقَ لكلِّ خيرٍ.
-المسائل اللغوية :
والأحسن أن يجعل (كالوا) و(وزنوا) متعدّياً، ويكون (هم) في محلّ نصبٍ، ومنهم من يجعلها ضميراً مؤكّداً للمستتر في قوله: (كالوا) و(وزنوا)، ويحذف المفعول لدلالة الكلام عليه، وكلاهما متقاربٌ.


تفسير قوله تعالى: (أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5))
ثمّ قال اللّه متوعّداً لهم ومتعجَّبًا من حالهم وإقامتهم على ما همْ عليهِ: {ألا يظنّ أولئك أنّهم مبعوثون ليومٍ عظيمٍ}. أي: أما يخاف أولئك من البعث والقيام بين يدي من يعلم السّرائر والضّمائر في يومٍ عظيم الهول كثير الفزع جليل الخطب من خسر فيه أدخل ناراً حاميةً؟
الْمَعْنَى: أَنَّهُمْ لاَ يُخْطِرُونَ بِبَالِهِمْ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ فَمَسْؤُولُونَ عَمَّا يَفْعَلُونَ، فَهَلاَّ ظَنُّوهُ حَتَّى يَتَدَبَّرُوا فِيهِ وَيَبْحَثُوا عَنْهُ، وَيَتْرُكُوا مَا يَخْشَوْنَ منْ عَاقِبَتِهِ.
{لِيَوْمٍ عَظِيمٍ} هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، فَهُوَ عَظِيمٌ لِمَا فِيهِ من الأُمُورِ العِظَامِ، مِن الْبَعْثِ والحسابِ والعقابِ، ودخولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلِ النَّارِ النَّارَ.


تفسير قوله تعالى: (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6))
أي: يوم يقومون حفاةً عراةً غرلاً في موقفٍ صعبٍ حرجٍ ضيّقٍ ضنكٍ على المجرم، ويغشاهم من أمر اللّه ما تعجز القوى والحواسّ عنه وفي هذا دَلالَةً عَلَى عِظَمِ ذَنْبِ التَّطْفِيفِ وَمَزِيدِ إِثْمِهِ وَفَظَاعَةِ عِقَابِهِ؛ وَذَلِكَ لِمَا فِيهِ منْ خِيَانَةِ الأمانةِ وَأَكْلِ حَقِّ الغيرِ.

-الأحاديث الواردة في معنى الآية :
قال الإمام مالكٌ عن نافعٍ، عن ابن عمر، أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: (({يوم يقوم النّاس لربّ العالمين} حتّى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه)). رواه البخاريّ.
ولفظ الإمام أحمد: حدّثنا يزيد، أخبرنا ابن إسحاق، عن نافعٍ، عن ابن عمر سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: (({يوم يقوم النّاس لربّ العالمين}: لعظمة الرّحمن عزّ وجلّ يوم القيامة حتّى إنّ العرق ليلجم الرّجال إلى أنصاف آذانهم))
حديثٌ آخر: قال الإمام أحمد: عن المقداد، يعني ابن الأسود الكنديّ، قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: ((إذا كان يوم القيامة أدنيت الشّمس من العباد حتّى تكون قدر ميلٍ أو ميلين)) قال: ((فتصهرهم الشّمس فيكونون في العرق كقدر أعمالهم، ومنهم من يأخذه إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من يأخذه إلى حقويه، ومنهم من يلجمه إلجاماً)).
وفي حديثٍ: أنّهم يقومون سبعين سنةً لا يتكلّمون، وقيل: يقومون ثلاثمائة سنةٍ. وقيل: يقومون أربعين ألف سنةٍ، ويقضى بينهم في مقدار عشرة آلاف سنةٍ، كما في صحيح مسلمٍ عن أبي هريرة مرفوعاً: ((في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنةٍ)).
وقد قال ابن أبي حاتمٍ: عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لبشيرٍ الغفاريّ: ((كيف أنت صانعٌ في يومٍ يقوم النّاس فيه ثلاثمائة سنةٍ لربّ العالمين من أيّام الدّنيا، لا يأتيهم فيه خبرٌ من السّماء ولا يؤمر فيهم بأمرٍ؟)). قال بشيرٌ: المستعان اللّه. قال: ((فإذا أويت إلى فراشك فتعوّذ باللّه من كرب يوم القيامة وسوء الحساب)).
وفي سنن أبي داود أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يتعوّذ باللّه من ضيق المقام يوم القيامة.
وعن ابن مسعودٍ، يقومون أربعين سنةً رافعي رؤوسهم إلى السّماء، لا يكلّمهم أحدٌ، قد ألجم العرق برّهم وفاجرهم. وعن ابن عمر: يقومون مائة سنةٍ. رواهما ابن جريرٍ.
وفي سنن أبي داود والنّسائيّ وابن ماجه من حديث أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يفتتح قيام اللّيل؛ يكبّر عشراً، ويحمد عشراً، ويسبّح عشراً، ويستغفر عشراً، ويقول: ((اللّهمّ اغفر لي واهدني وارزقني وعافني)). ويتعوّذ من ضيق المقام يوم القيامة.



تفسير قوله تعالى:{كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (8) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (9) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (10) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (11) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (13) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (16) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (17)}


تفسير قوله تعالى: (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7)وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (8))
{كلا} يقول: حقًّا {إنّ كتاب الفجّار لفي سجّينٍ}. أي:إن الفُجَّارِ منْ أنواعِ الكفرةِ والمنافقينَ، والفاسقينَ وَمِنْهُم الْمُطَفِّفُونَ مصيرهم ومأواهم لفي سجّينٍ؛ فعّيلٌ، من السّجن وهو الضّيق، كما يقال: فسّيقٌ وشرّيبٌ وخمّيرٌ وسكّيرٌ. ونحو ذلك.
ولهذا عظّم أمره فقال: {وما أدراك ما سجّينٌ } أي: هو أمرٌ عظيمٌ، وسجنٌ مقيمٌ، وعذابٌ أليمٌ.
و)سجين (ضدُّ (عليين) الذي هوَ محلُّ كتابِ الأبرارِ، كما سيأتي.
ثمّ قد قال قائلون: هي تحت الأرض السّابعة. وقد تقدّم في حديث البراء بن عازبٍ في حديثه الطّويل: يقول اللّه عزّ وجلّ في روح الكافر: اكتبوا كتابه في سجّينٍ. وسجّينٌ هي تحت الأرض السّابعة.
وقيل: صخرةٌ تحت السّابعة خضراء.
وقيل: بئرٌ في جهنّم. قد روى ابن جريرٍ في ذلك حديثاً غريباً منكراً لا يصحّ.
والصّحيح أنّ سجّيناً مأخوذٌ من السّجن وهو الضّيق، فإنّ المخلوقات كلّ ما تسافل منها ضاق، وكلّ ما تعالى منها اتّسع، فإنّ الأفلاك السّبعة كلّ واحدٍ منها أوسع وأعلى من الذي دونه، وكذلك الأرضون، كلّ واحدةٍ أوسع من التي دونها حتّى ينتهي السّفول المطلق والمحلّ الأضيق إلى المركز في وسط الأرض السّابعة، ولمّا كان مصير الفجّار إلى جهنّم وهي أسفل السّافلين، كما قال تعالى: {ثمّ رددناه أسفل سافلين إلاّ الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات}. وقال ههنا: {كلاّ إنّ كتاب الفجّار لفي سجّينٍ وما أدراك ما سجينٌ}
وهو يجمع الضّيق والسّفول كما قال: {وإذا ألقوا منها مكاناً ضيّقاً مقرّنين دعوا هنالك ثبوراً}


تفسير قوله تعالى: (كِتَابٌ مَرْقُومٌ (9))
وقوله: {كتابٌ مرقومٌ}. ليس تفسيراً لقوله: {وما أدراك ما سجّينٌ}. وإنّما هو تفسيرٌ لما كتب لهم من المصير إلى سجّينٍ، أي: كتابٌ مذكورٌ فيه أعمالهمُ الخبيثةُ وهو مرقومٌ مكتوبٌ مفروغٌ منه، لا يزاد فيه أحدٌ، ولا ينقص منه أحدٌ، قاله محمّد بن كعبٍ القرظيّ.
وقيل: ذَلِكَ الْكِتَابُ الَّذِي رُصِدَتْ فِيهِ أَسْمَاؤُهُمْ كِتَابٌ مَسْطُورٌ. وَقِيلَ: هُوَ كِتَابٌ جَامِعٌ لأعمالِ الشَّرِّ الصَّادِرِ مِنَ الشَّيَاطِينِ وَالْكَفَرَةِ وَالْفَسَقَةِ. وَقِيلَ: سِجِّينٌ هِيَ فِي الأَصْلِ سِجِّيلٌ، مُشْتَقٌّ من السِّجِلِّ؛ وَهُوَ الْكِتَابُ.]


تفسير قوله تعالى: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (10)) –ك , ش-
أي: إذا صاروا يوم القيامة إلى ما أوعدهم اللّه من السّجن والعذاب المهين، وقد تقدّم الكلام على قوله: {ويلٌ}. بما أغنى عن إعادته، وأنّ المراد من ذلك الهلاك والدّمار كما يقال: ويلٌ لفلانٍ.
وكما جاء في المسند والسّنن من رواية بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة، عن أبيه، عن جدّه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ((ويلٌ للّذي يحدّث فيكذب ليضحك النّاس ويلٌ له ويلٌ له))


تفسير قوله تعالى: (الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (11)) –ك , س-
ثمّ قال تعالى مفسّراً للمكذّبين الفجّار الكفرة: {الّذين يكذّبون بيوم الدّين}. أي: لا يصدّقون بوقوعه ولا يعتقدون كونه، ويستبعدون أمره
يَوْمِ الدِّينِ هو يومَ الجزاءِ، يومَ يدينُ اللهُ فيهِ الناسَ بأعمالِهمْ.


تفسير قوله تعالى: (وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12))
أَيْ:فَاجِرٍ جَائِرٍ، مُتَجَاوِزٍ فِي الإثمِ، مُنْهَمِكٍ فِي أَسْبَابِهِ.


تفسير قوله تعالى: (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (13))
أي: إذا سمع كلام اللّه من الرّسول يكذّب به، ويظنّ به ظنّ السّوء فيعتقد أنّه مفتعلٌ مجموعٌ من كتب الأوائل وأخبارِ الأممِ الغابرينَ، ليسَ منْ عندِ اللهِ تكبُّراً وعناداً.كما قال: {وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربّكم قالوا أساطير الأوّلين}. وقال تعالى: {وقالوا أساطير الأوّلين اكتتبها فهي تملى عليه بكرةً وأصيلاً}
وأمَّا منْ أنصفَ، وكانَ مقصودهُ الحقُّ المبينُ، فإنَّهُ لا يكذبُ بيومِ الدينِ؛ لأنَّ اللهَ قدْ أقامَ عليهِ من الأدلةِ القاطعةِ، والبراهينِ الساطعةِ، ما يجعلهُ حقَّ اليقينِ، وصارَ لقلوبهمْ مثلَ الشمسِ للأبصارِ، بخلافِ من رانَ على قلبهِ كسبهُ، وغطتهُ معاصيهِ، فإنَّهُ محجوبٌ عن الحقِّ، ولهذا جوزيَ على ذلكَ، بأنْ حُجبَ عن اللهِ، كمَا حُجبَ قلبهُ في الدنيا عنْ آياتِ اللهِ.


تفسير قوله تعالى: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14))
أي: ليس الأمر كما زعموا، ولا كما قالوا، أنّ هذا القرآن أساطير الأوّلين، بل هو كلام اللّه ووحيه وتنزيله على رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم، وإنّما حجب قلوبهم عن الإيمان به ما عليها من الرّين الّذي قد لبس قلوبهم من كثرة الذّنوب والخطايا، ولهذا قال تعالى: {كلاّ بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون}. والرّين يعتري قلوب الكافرين، والغيم للأبرار، والغين للمقرّبين.
قَالَ الْحَسَنُ: هُوَ الذَّنْبُ عَلَى الذَّنْبِ حَتَّى يَعْمَى الْقَلْبُ وَيَسْوَدَّ مِنَ الذُّنوبِ، والطَّبْعُ أَنْ يُطْبَعَ عَلَى الْقَلْبِ، وَهُوَ أَشَدُّ من الرَّيْنِ.
وروي عن أبي هريرة، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: ((إنّ العبد إذا أذنب ذنباً كانت نكتةٌ سوداء في قلبه، فإن تاب منها صقل قلبه، وإن زاد زادت، فذلك قول اللّه: {كلاّ بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون}))


تفسير قوله تعالى: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15((
أي: لهم يوم القيامة منزل ونزلٌ سجّينٌ، ثمّ هم مع ذلك محجوبون عن رؤية ربّه وخالقهم لا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ كَمَا يَنْظُرُ الْمُؤْمِنُونَ, فَكَمَا حَجَبَهُمْ فِي الدُّنْيَا عَنْ تَوْحِيدِهِ حَجَبَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَنْ رُؤْيَتِهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَحْجُوبُونَ عَنْ كَرَامَتِهِ.
-المسائل العقدية :
قال الإمام أبو عبد اللّه الشّافعيّ: وفي هذه الآية دليلٌ على أنّ المؤمنين يرونه عزّ وجلّ يومئذٍ. وهذا الذي قاله الإمام الشّافعيّ رحمه اللّه في غاية الحسن، وهو استدلالٌ بمفهوم هذه الآية، كما دلّ عليه منطوق قوله: {وجوهٌ يومئذٍ ناضرةٌ إلى ربّها ناظرةٌ}. وكما دلّت على ذلك الأحاديث الصّحاح المتواترة في رؤية المؤمنين ربّهم عزّ وجلّ في الدّار الآخرة رؤيةً بالأبصار في عرصات القيامة وفي روضات الجنان الفاخرة.
وقد قال ابن جريرٍ: عن الحسن في قوله: {كلاّ إنّهم عن ربّهم يومئذٍ لمحجوبون}. قال: يكشف الحجاب فينظر إليه المؤمنون والكافرون ثمّ يحجب عنه الكافرون وينظر إليه المؤمنون كلّ يومٍ غدوةً وعشيّةً. أو كلاماً هذا معناه.


تفسير قوله تعالى: (ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (16))
أي: ثمّ هم مع هذهِ العقوبةِ البليغةِ و هذا الحرمان عن رؤية الرّحمن فهم دَاخِلُو النَّارِ وَمُلازِمُوهَا غَيْرُ خَارِجِينَ مِنْهَا، وَصِلِيُّ الْجَحِيمِ أَشَدُّ مِنَ الإِهَانَةِ وَحِرْمَانِ الكَرامةِ.


تفسير قوله تعالى: (ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (17))
أَيْ: تَقُولُ لَهُمْ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ؛ تَبْكِيتاً وَتَوْبِيخاً وتصغيرًا وتحقيرًا: هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ فِي الدُّنْيَا، فَانْظُرُوهُ وَذُوقُوهُ
فذكر لهمْ ثلاثة أنواعٍ منَ العذابِ:
-عذابَ الجحيم.
-وعذابَ التوبيخِ واللوم.
-وعذابَ الحجابِ منْ ربِّ العالمين، المتضمنُ لسخطهِ وغضبهِ عليهم، وهوَ أعظمُ عليهمْ من عذابِ النارِ.
-من هداية الآيات:
ودلَّ مفهومُ الآيةِ،علَى أنَّ المؤمنينَ يرون ربَّهمْ يومَ القيامةِ وفي الجنةِ، ويتلذذونَ بالنظرِ إليهِ أعظمَ منْ سائرِ اللذاتِ، ويبتهجونَ بخطابهِ، ويفرحونَ بقربهِ، كما ذكرَ اللهُ ذلكَ في عدَّةِ آياتٍ منَ القرآنِ، وتواترَ فيه النقلُ عنْ رسولِ اللهِ.
وفي هذهِ الآياتِ، التحذيرُ منَ الذنوبِ، فإنهَّا ترينُ على القلبِ وتغطيهِ شيئاً فشيئاً، حتى ينطمسَ نورُهُ، وتموتَ بصيرتهُ، فتنقلبَ عليهِ الحقائقُ، فيرى الباطلَ حقّاً، والحقَّ باطلاً، وهذا منْ بعضِ عقوباتِ الذنوبِ.

تفسير قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (19) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (20) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (21) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (23) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (28)}


تفسير قوله تعالى: (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18))
لما ذكرَ أنَّ كتابَ الفجارِ في أسفلِ الأمكنةِ وأضيقِها، ذكرَ أنَّ كتابَ الأبرارِ في أعلاها وأوسعِهَا، وأفسحِها فهم بخلاف الفجّار، {لفي علّيّين}. أي: مصيرهم إلى علّيّين، وهو بخلاف سجّينٍ.
سأل ابن عبّاسٍ كعباً وأنا حاضرٌ عن: {سجّينٍ} قال: هي الأرض السّابعة، وفيها أرواح الكفّار. وسأله عن: {علّيّين}. فقال: هي السّماء السّابعة، وفيها أرواح المؤمنين. وهكذا قال غير واحدٍ إنّها السّماء السّابعة.
قال ابن عبّاسٍ في قوله: {كلاّ إنّ كتاب الأبرار لفي علّيّين}. يعني الجنّة وفي رواية العوفيّ عنه: أعمالهم في السّماء عند اللّه. وكذا قال الضّحّاك
وَالأبرارُ: هُم المُطِيعُونَ.


تفسير قوله تعالى: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (19))
وقال قتادة: علّيّون: ساق العرش اليمنى.
وقال غيره: {علّيّون}: عند سدرة المنتهى.
والظّاهر أنّ {علّيّين} مأخوذٌ من العلوّ، وكلّما علا الشّيء وارتفع عظم واتّسع.
ولهذا قال اللّه تعالى معظّماً أمره ومفخّماً شأنه: {وما أدراك ما علّيّون}
قال ابن سعدي : عليّون : اسمٌ لأعلى الجنةِ، فلمَّا ذكرَ كتابهَم، ذكرَ أنهم في نعيمٍ، وهو اسمٌ جامعٌ لنعيمِ القلبِ والروحِ والبدنِ

تفسير قوله تعالى: (كِتَابٌ مَرْقُومٌ (20)) –ش-
أَي: الْكِتَابُ الَّذِي فِيهِ أَسْمَاؤُهُم كِتَابٌ مَسْطُورٌ.


تفسير قوله تعالى: (يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (21))
وهم الملائكة، قاله قتادة.
وقال العوفيّ عن ابن عبّاسٍ: يشهده من كلّ سماءٍ مقرّبوها
والْمَعْنَى: أَنَّ الْمَلائِكَةَ يَحْضُرُونَ ذَلِكَ الْكِتَابَ المَرْقُومَ وَيَرَوْنَهُ، وَقِيلَ: يَشْهَدُونَ بِمَا فِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وزاد ابن سعدي : وأرواحِ الأنبياءِ والصِّدِّيقين والشهداءِ، ويُنوِّه اللهُ بذكرِهم في الملأِ الأعلى.


تفسير قوله تعالى: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22)) –ك, ش-
أي إِنَّ أَهْلَ الطاعةِ يوم القيامة لفي تَنَعُّمٍ عَظِيمٍ لا يُقَادَرُ قَدْرُهُ وجنّاتٍ فيها فضلٌ عميمٌ.


تفسير قوله تعالى: (عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (23))
{على الأرائك}: وهي السّرر المزينةِ بالفرشِ الحسانِ. وَلا تُطْلَقُ الأَرِيكَةُ عَلَى السَّرِيرِ إِلاَّ إِذَا كَانَ فِي حَجَلَةٍ؛ وَهِيَ الْكِلَّةُ.
{ينظرون}. قيل: معناه: ينظرون في ملكهم وما أعطاهم اللّه من الخير والفضل الّذي لا ينقضي ولا يبيد.
وقيل معناه: {على الأرائك ينظرون} إلى اللّه عزّ وجلّ، وهذا مقابلٌ لما وصف به أولئك الفجّار: {كلاّ إنّهم عن ربّهم يومئذٍ لمحجوبون}. فذكر عن هؤلاء أنّهم يباحون النّظر إلى اللّه عزّ وجلّ، وهم على سررهم وفرشهم، كما تقدّم في حديث ابن عمر: ((إنّ أدنى أهل الجنّة منزلةً لمن ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنةٍ، يرى أقصاه كما يرى أدناه، وإنّ أعلاهم لمن ينظر إلى اللّه في اليوم مرّتين))


تفسير قوله تعالى: (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24))
أي: تعرف إذا نظرت إليهم في وجوههم نضرة النّعيم، أي: صفة التّرافة والحشمة والسّرور والدّعة والرّياسة، ممّا هم فيه من النّعيم العظيم, فإنَّ توالي اللذةِ والسرورِ، يكسبُ الوجهَ نوراً وحسناً وبهجةً.


تفسير قوله تعالى: (يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25))
أي: يسقون من خمرٍ من الجنّة، والرّحيق من أسماء الخمر، قاله ابن مسعودٍ وابن عبّاسٍ ومجاهدٌ والحسن وقتادة وابن زيدٍ.
الرَّحِيقُ مِنَ الْخَمْرِ: مَا لا غِشَّ فِيهِ وَلا شَيْءَ يُفْسِدُهُ، وهو منْ أطيبِ ما يكونُ منَ الأشربةِ وألذِّها .
وَالمَخْتُومُ: الَّذِي لَهُ خِتَامٌ، فَهُوَ مَمْنُوعٌ منْ أَنْ تَمَسَّهُ يَدٌ إِلَى أَنْ يُفَكَّ خَتْمُهُ للأَبْرَارِ.
عن أبي سعيدٍ الخدريّ، أراه قد رفعه إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: ((أيّما مؤمنٍ سقى مؤمناً شربةً على ظمأٍ سقاه اللّه من الرّحيق المختوم. وأيّما مؤمنٍ أطعم مؤمناً على جوعٍ أطعمه اللّه من ثمار الجنّة، وأيّما مؤمنٍ كسا مؤمناً ثوباً على عريٍ كساه اللّه من خضر الجنّة))


تفسير قوله تعالى: (خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26))
وقال ابن مسعودٍ في قوله: {ختامه مسكٌ}. أي: خلطه مسكٌ.
وقال العوفيّ عن ابن عبّاسٍ: طيّب اللّه لهم الخمر، فكان آخر شيءٍ جعل فيها مسكٌ ختم بمسكٍ. وكذا قال قتادة والضّحّاك.
وقال إبراهيم والحسن: {ختامه مسكٌ}. أي: عاقبته مسكٌ.
وقال ابن جريرٍ: عن أبي الدّرداء: {ختامه مسكٌ}. قال: شرابٌ أبيض مثل الفضّة يختمون به شرابهم، ولو أنّ رجلاً من أهل الدّنيا أدخل أصبعه فيه ثمّ أخرجها لم يبق ذو روحٍ إلاّ وجد طيبها.
وقال ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ: {ختامه مسكٌ}. قال: طيبه مسكٌ.
قال ابن سعدي :يحتملُ أنَّ المرادَ مختومٌ عنْ أن يداخلَه شيءٌ ينقصُ لذتَهُ، أو يفسدُ طعمَهُ، وذلكَ الختامُ الذي ختمَ به مسكٌ.
ويحتملُ أنَّ المرادَ أنَّهُ يكونُ في آخرِ الإناءِ، الذي يشربونَ منه الرحيقَ حثالةٌ، وهي المسكُ الأذفرُ، فهذا الكدرُ منهُ، الذي جرتِ العادةُ في الدنيا أنَّه يراقُ، يكونُ في الجنةِ بهذهِ المثابةِ
وقوله: { وَفِي ذَلِكَ}النعيمِ المقيمِ، الذي لا يعلمُ مقدارَهُ وحسنَهُ إلا اللهُ، {فليتنافس المتنافسون}. أي: وفي مثل هذا الحال فليتفاخر المتفاخرون وليتباه ويكاثر وليتسابقوا في المبادرةِ إليه والأعمالِ الموصلةِ إليه، فهذا أولى ما بذلتْ فيه نفائسُ الأنفاس، وأحرى ما تزاحمتْ للوصولِ إليه فُحُولُ الرجالِ ؛ كقوله: {لمثل هذا فليعمل العاملون}
وَالتَّنَافُسُ: التَّشَاجُرُ عَلَى الشَّيْءِ وَالتَّنَازُعُ فِيهِ، فَيُرِيدُهُ كُلُّ وَاحِدٍ لِنَفْسِهِ، وَيَنْفَسُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ؛ أَيْ: يَضِنُّ بِهِ.


تفسير قوله تعالى: (وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27))
أي: ومزاج هذا الرّحيق الموصوف من تسنيمٍ. أي: من شرابٍ يقال له: تسنيمٌ. وهو أشرف شراب أهل الجنّة وأعلاه، قاله أبو صالحٍ والضّحّاك.
ولهذا قال: {عيناً يشرب بها المقرّبون}


تفسير قوله تعالى: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (28)) –ك , ش-
أي: يشربها المقرّبون صرفاً، وتمزج لأصحاب اليمين مزجاً، قاله ابن مسعودٍ وابن عبّاسٍ ومسروقٌ وقتادة وغيرهم.


تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36)}


تفسير قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ (29))
لمَّا ذكرَ تعالى جزاءَ المجرمينَ وجزاء المؤمنينَ، و ما بينهما من التفاوتِ العظيمِ، أخبرَ أنَّ المجرمينَ -وَهُمْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ وَمَنْ وَافَقَهُمْ عَلَى الْكُفْرِ-كانوا في الدنيا يسخرونَ بالمؤمنينَ، ويستهزؤونَ بهمْ، ويضحكونَ منهمْ، احتقاراً لهم وازدراءً، ومعَ هذا تراهُمْ مطمئنينَ، لا يخطرُ الخوفُ على بالِهم.


تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30))
مِنَ الْغَمْزِ، وَهُوَ الإشارةُ بالجُفُونِ والحواجبِ، يُعَيِّرُونَهُمْ بِالإِسْلامِ وَيَعِيبُونَهُمْ بِهِ.
وإذا مرّوا بالمؤمنين يتغامزون عليهم، أي: محتقرين لهم.


تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31))
أي: وإذا انقلب - أي: رجع - هؤلاء المجرمون إلى منازلهم انقلبوا إليها فاكهين، أي: مسرورينَ مغتبطينَ، وهذا من أعظمِ ما يكونُ من الاغترارِ، أنهَّم جمعوا بينَ غاية الإساءةِ والأمنِ في الدنيا، حتى كأنهَّمْ قدْ جاءهُمْ كتابٌ منَ اللهِ وعهدٌ، أنهَّم منْ أهلِ السعادةِ، وقدْ حكمُوا لأنفسهمْ أنهَّمْ أهلُ الهدى، وأنَّ المؤمنينَ ضالونَ، افتراءً على اللهِ، وتجرؤاً على القولِ عليه بلا علم.


تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (32))
أي: لكونهم على غير دينهم فهم ضالون فِي اتِّبَاعِهِمْ مُحَمَّداً، وَتَمَسُّكِهِمْ بِمَا جَاءَ بِهِ، وَتَرْكِهِمُ التَّنَعُّمَ الحَاضِرَ.


تفسير قوله تعالى: (وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33))

أي: وما بعث هؤلاء المجرمون وكلاءَ وحافظين على هؤلاء المؤمنين ما يصدر منهم من أعمالهم وأقوالهم، ولا كلّفوا بهم، حتىَّ يحرصوا على رميِهم بالضلالِ، وما هذا منْهم ألا تعنُّتٌ وعنادٌ وتلاعبٌ، ليسَ له مستندٌ ولا برهانٌ, فلم اشتغلوا بهم وجعلوهم نصب أعينهم؟
كما قال تعالى: {اخسؤوا فيها ولا تكلّمون إنّه كان فريقٌ من عبادي يقولون ربّنا آمنّا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الرّاحمين فاتّخذتموهم سخريًّا حتّى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون إنّي جزيتهم اليوم بما صبروا أنّهم هم الفائزون}.



تفسير قوله تعالى: (فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34))
{فاليوم}. يعني: يوم القيامة، {الّذين آمنوا من الكفّار يضحكون}. أي: في مقابلة ما ضحك بهم أولئك فكانَ جزاؤُهم في الآخرةِ منْ جنسِ عملِهم.
فيضحك المؤمنين حينَ يرون الكفار في غمراتِ العذابِ يتقلبونَ أَذِلاَّءَ مَغْلُوبِينَ ، وقد ذهبَ عنْهم ما كانُوا يفترونَ, كَمَا ضَحِكَ الْكُفَّارُ مِنْهُمْ فِي الدُّنْيَا.


تفسير قوله تعالى: (عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (35))
أي: إلى إلى ما أعدَّ اللهُ لهم من النعيمِ وينظرون إلى اللّه عزّ وجلّ في مقابلة من زعم فيهم أنّهم ضالّون وليسوا بضالّين، بل هم من أولياء اللّه المقرّبين ينظرون إلى ربّهم في دار كرامته
وقيل ينظرون أَعْدَاءِ اللَّهِ وَهُمْ يُعَذَّبُونَ فِي النَّارِ وَالمُؤْمِنُونَ مُتَنَعِّمُونَ عَلَى الأَرَائِكِ.


تفسير قوله تعالى: (هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36))
أي: هل جوزي الكفّار على ما كانوا يقابلون به المؤمنين من الاستهزاء والتّنقّص أم لا؟ يعني: قد جوزوا أوفر الجزاء وأتمّه وأكمله.
فكما ضحكُوا في الدنيا من المؤمنينَ ورموهُم بالضلالِ، ضحكَ المؤمنونَ منْهم في الآخرةِ، ورأوهم في العذابِ والنكالِ، الذي هو عقوبةُ الغيِّ والضلالِ.
نعم، ثوِّبُوا ما كانُوا يفعلونَ، عدلاً من الله وحكمة، والله عليمٌ حكيمٌ.


ملاحظة :
فيما سبق وفيما يلي عندما لا أذكر الرموز عند تفسير الآية فهذا يعني أن جميع التفاسير تعرضت لنفس المعنى ونفس العناصر , لكني أحاول أن أجمع بينهم أو أختار أكثرهم وضوحًا واختصارًا , وعندما أذكر أحد الرمزين فهذا يعني أني لم أجد في التفسير الثالث كلامًا عن تفسير الآية أو معناها

هذا وماكان من خطأ فمن نفسي والشيطان وماكان من صواب فمن الله وحده , والله أسأل المعونة والسداد.
بانتظار تصويبكم وملاحظاتكم.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 17 ذو القعدة 1435هـ/11-09-2014م, 07:45 AM
تماضر تماضر غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى الثامن
 
تاريخ التسجيل: Aug 2014
المشاركات: 521
افتراضي

تلخيص تفسير سورة الانشقاق


مكان نزول السورة : مكية
فضائل السورة : -ك , ش -
عن أبي رافعٍ قال: صلّيت مع أبي هريرة العتمة فقرأ: {إذا السّماء انشقّت}؛ فسجد، فقلت له، قال: سجدت خلف أبي القاسم صلّى اللّه عليه وسلّم فلا أزال أسجد بها حتّى ألقاه.
عن أبي هريرة قال: سجدنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في: {إذا السّماء انشقّت}، و{اقرأ باسم ربّك الّذي خلق}.


تفسير قوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (2) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (3) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (4) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (5)}


تفسير قوله تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1)
)
يقولُ تعالَى مبيِّناً لما يكونُ في يومِ القيامةِ منْ تغيُّرِ الأجرامِ العظامِ:{إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ} أي: انفطرتْ وتمايزَ بعضُهَا منْ بعضٍ، وانتثرتْ نجومُهَا، وخُسفَ بشمسِهَا وقمرهَا.
انْشِقَاقُهَا منْ عَلامَاتِ الْقِيَامَةِ .

تفسير قوله تعالى: (وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (2))
{وأذنت لربّها}. أي: استمعت لربّها وأطاعت أمره فيما أمرها به من الانشقاق، {وحقّت}. أي: وحقّ لها أن تطيع أمره وَتَنْقَادَ وَتَسْمَعَ ؛ لأنّه العظيم الذي لا يمانع ولا يغالب، بل قد قهر كلّ شيءٍ وذلّ له كلّ شيءٍ.

تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (3))
أي: رجفتْ وارتجتْ، ونسفتْ عليها جبالُهَا، ودكَّ ما عليها من بناءٍ ومعلمٍ، فسويتْ، ومدَّها اللهُ تعالَى مدَّ الأديمِ، حتى صارتْ واسعةً جدّاً، تسعُ أهلَ الموقفِ على كثرتهِمْ، فتصيرُ قاعاً صفصفاً لا ترى فيهِ عوجاً ولا أمتاً.
عن عليّ بن الحسين، أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: ((إذا كان يوم القيامة مدّ اللّه الأرض مدّ الأديم حتّى لا يكون لبشرٍ من النّاس إلاّ موضع قدميه، فأكون أوّل من يدعى، وجبريل عن يمين الرّحمن، واللّه ما رآه قبلها، فأقول: ياربّ، إنّ هذا أخبرني أنّك أرسلته إليّ. فيقول اللّه عزّ وجلّ: صدق. ثمّ أشفع فأقول: ياربّ، عبادك عبدوك في أطراف الأرض. قال: وهو المقام المحمود)).


تفسير قوله تعالى: (وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (4))
{وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا} : من الكنوزِ والأمواتِ وَطَرَحَتْهُمْ إِلَى ظَهْرِهَا.
{وَتَخَلَّتْ}: تَبَرَّأَتْ مِنْهُمْ وَمِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَتَخَلَّتْ عَنْهُمْ إِلَى اللَّهِ؛ لِيُنْفُذَ فِيهِمْ أَمْرُهُ ، فإنَّهُ ينفخُ في الصورِ، فتخرُجُ الأمواتُ من الأجداثِ إلى وجهِ الأرضِ، وتخرِجُ الأرضُ كنوزَهَا، حتَّى تكونَ كالأسطوانِ العظيمِ، يشاهدهُ الخلقُ، ويتحسرونَ على ما همْ فيه يتنافسونَ.


تفسير قوله تعالى: (وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (5))
تفسيرها كما تقدم.


تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَى سَعِيرًا (12) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (13) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (14) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (15)}


تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6))
{يا أيّها الإنسان} الْمُرَادُ جِنْسُ الإِنْسَانِ، فَيَشْمَلُ الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ.
{إنّك كادحٌ إلى ربّك كدحاً} أي: ساعٍ إلى ربّك سعياً وعاملٌ بأوامرِه ونواهِيه، ومتقربٌ إليه إما بالخيرِ وإما بالشرِّ ، {فملاقيه}. ثمّ إنّك ستلقى ما عملت من خيرٍ أو شرٍّ، ، فلا تعدمُ منه جزاءً بالفضلِ إنْ كنت سعيداً، أو بالعدلِ إنْ كنت شقيّاً .
ويشهد لذلك ما رواه أبو داود الطّيالسيّ عن جابرٍ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ((قال جبريل: يا محمّد، عش ما شئت؛ فإنّك ميّتٌ، وأحبب من شئت، فإنّك مفارقه، واعمل ما شئت، فإنّك ملاقيه)).
ومن النّاس من يعيد الضّمير على قوله: {ربّك} أي: فملاقٍ ربّك، ومعناه: فيجازيك بعملك ويكافئك على سعيك. وعلى هذا فكلا القولين متلازمٌ.
قال العوفيّ عن ابن عبّاسٍ: {يا أيّها الإنسان إنّك كادحٌ إلى ربّك كدحاً}. يقول: تعمل عملاً تلقى اللّه به، خيراً كان أو شرًّا.
وقال قتادة: {يا أيّها الإنسان إنّك كادحٌ إلى ربّك كدحاً}. إنّ كدحك يابن آدم لضعيفٌ، فمن استطاع أن يكون كدحه في طاعة اللّه فليفعل، ولا قوّة إلاّ باللّه.

تفسير قوله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7)) –س, ش-
وهمْ المُؤْمِنُونَ أهلُ السعادةِ , يُعْطَوْنَ الصُّحُفَ الَّتِي فِيهَا بَيَانُ مَا لَهُمْ من الْحَسَنَاتِ بِأَيْمَانِهِمْ


تفسير قوله تعالى: (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8))
أي: سهلاً بلا تعسيرٍ، وهوَ العرضُ اليسيرُ على اللهِ، فيقرِّرُه اللهُ بذنوبهِ، حتىَّ إذا ظنَّ العبدُ أنَّهُ قدْ هلكَ، قالَ اللهُ لهُ:(إنِّي قدْ سترتهُا عليكَ في الدنيا، فأنا أسترهَا لكَ اليومَ)
وقال الإمام أحمد: حدّثنا إسماعيل، أخبرنا أيّوب، عن عبد اللّه بن أبي مليكة، عن عائشة قالت: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ((من نوقش الحساب عذّب)). قالت: فقلت: أليس اللّه قال: {فسوف يحاسب حساباً يسيراً}؟ قال: ((ليس ذاك بالحساب، ولكنّ ذلك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عذّب((
عن عائشة قالت: من نوقش الحساب - أو: من حوسب - عذّب. قال: ثمّ قالت: إنّما الحساب اليسير عرضٌ على اللّه عزّ وجلّ، وهو يراهم.
عن عائشة قالت: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول في بعض صلاته: ((اللّهمّ حاسبني حساباً يسيراً)). فلمّا انصرف قلت: يا رسول اللّه ما الحساب اليسير؟ قال: ((أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه، إنّه من نوقش الحساب يا عائشة يومئذٍ هلك)).


تفسير قوله تعالى: (وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9))
أي: ويرجع بَعْدَ الْحِسَابِ اليَسِيرِ إلى أهله في الجنّة، قاله قتادة والضّحّاك.
{مسروراً}. أي: فرحاً مغتبطاً بما أعطاه اللّه عزّ وجلّ؛ لأنه نجا منَ العذابِ وفازَ بالثوابِ.
وقد روى الطّبرانيّ عن ثوبان مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال: ((إنّكم تعملون أعمالاً لا تعرف، ويوشك العازب أن يثوب إلى أهله، فمسرورٌ ومكظومٌ))


تفسير قوله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10))
أي: بشماله من وراء ظهره، تثنى يده إلى ورائه ويعطى كتابه بها كذلك ؛ لأَنَّ يَمِينَهُ مَغْلُولَةٌ إِلَى عُنُقِهِ، وتَكُونُ يَدُهُ اليُسْرَى خَلْفَهُ.


تفسير قوله تعالى: (فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11))
أي: إِذَا قَرَأَ كِتَابَهُ قَالَ: يَا وَيْلاهُ! يَا ثُبُورَاهُ! وَالثُّبُورُ: الْهَلاكُ , والخسار


تفسير قوله تعالى: (وَيَصْلَى سَعِيرًا (12)) –س , ش-
أي: : يَدْخُلُهَا وَيُقَاسِي حَرَّ نَارِهَا وَشِدَّتَهَا فتحيطُ به السعيرُ منْ كلِّ جانبٍ، ويقلبُ على عذابهَا وذلكَ لأنَّهُ في الدنيا كان في أهله مسرورًا.


تفسير قوله تعالى: (إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (13))
أي: فرحاً لا يفكّر في العواقب ولا يخطرُ البعثُ على باله، ولا يخاف ممّا أمامه، فأعقبه ذلك الفرح اليسير الحزن الطّويل.


تفسير قوله تعالى: (إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (14)) –ك , ش-
أي: كان يعتقد أنّه لا يرجع إلى اللّه، ولا يعيده بعد موته، قاله ابن عبّاسٍ وقتادة وغيرهما.
والحور: هو الرّجوع
والْمَعْنَى: أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ السرورِ ظَنُّهُ بِأَنَّهُ لا يَرْجِعُ إِلَى اللَّهِ، وَلا يُبْعَثُ للحِسَابِ والعِقَابِ.


تفسير قوله تعالى: (بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (15))

يعني: بلى سيعيده اللّه كما بدأه ويجازيه على أعماله خيرها وشرّها؛ فإنّه كان به بصيراً بِهِ وَبِأَعْمَالِهِ عَالِماً لا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهَا خَافِيَةٌ .


تفسير قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (16) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (17) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (18) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (19) فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآَنُ لَا يَسْجُدُونَ (21) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (22) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (23) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (24) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (25) }


تفسير قوله تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (16))
الخلاف في معنى الشفق: -البياض , الحمرة , النهار كله-
روي عن عليٍّ وابن عبّاسٍ وعبادة بن الصّامت وأبي هريرة وغيرهم أنّهم قالوا: الشّفق: الحمرة.
وقال عبد الرّزّاق عن أبي هريرة قال: الشّفق: البياض.
فالشّفق هو حمرة الأفق؛ إمّا قبل طلوع الشّمس، كما قاله مجاهدٌ، وإمّا بعد غروبها كما هو معروفٌ عند أهل اللّغة.
قال الخليل بن أحمد: الشّفق: الحمرة من غروب الشّمس إلى وقت العشاء الآخرة، فإذا ذهب قيل: غاب الشّفق.
وفي صحيح مسلمٍ، عن عبد اللّه بن عمرٍو، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال: ((وقت المغرب ما لم يغب الشّفق)).
ففي هذا كلّه دليلٌ على أنّ الشّفق هو الحمرة من الغروب إلى وقت العشاء، ولكن صحّ عن مجاهدٍ أنّه قال في هذه الآية: {فلا أقسم بالشّفق}: هو النّهار كلّه.
وفي روايةٍ عنه أيضاً أنّه قال: الشّفق: الشّمس. رواهما ابن أبي حاتمٍ، وإنّما حمله على هذا قرنه بقوله تعالى: {واللّيل وما وسق}


تفسير قوله تعالى: (وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (17)) -جمع : أقسم بالضياء والظلام , ماجمع من نجم ودابة -
أي: جمع، كأنّه أقسم بالضّياء والظّلام.
وقال ابن جريرٍ: أقسم اللّه بالنّهار مدبراً، وباللّيل مقبلاً.
قال ابن عبّاسٍ ومجاهدٌ والحسن وقتادة: {وما وسق}: وما جمع.
قال قتادة: وما جمع من نجمٍ ودابّةٍ.
وقال عكرمة: {واللّيل وما وسق}. يقول: ما ساق من ظلمةٍ، إذا كان اللّيل ذهب كلّ شيءٍ إلى مأواه.


تفسير قوله تعالى: (وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (18))
قال ابن عبّاسٍ: إذا اجتمع واستوى. وكذا قال عكرمة ومجاهدٌ وغيرهم.
وقال الحسن: إذا اجتمع، إذا امتلأ . نوراً بإبدارهِ، وذلكَ أحسنُ مَا يكونُ وأكثرُ منافعَ.
وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي مُنْتَصَفِ الشَّهْرِ القَمَرِيِّ.
وقال قتادة: إذا استدار. ومعنى كلامهم: أنّه إذا تكامل نوره وأبدر جعله مقابلاً للّيل وما وسق.


تفسير قوله تعالى: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (19))
-الأقوال في معنى (لتركبن طبقًا عن طبق): -حالا عن حال , سماء عن سماء , منزلا عن منزل -
القول الأول: عن ابن عبّاسٍ: {لتركبنّ طبقاً عن طبقٍ}: حالاً بعد حالٍ، قال: هذا نبيّكم صلّى اللّه عليه وسلّم. هكذا رواه البخاريّ بهذا اللّفظ، وهو محتملٌ أن يكون ابن عبّاسٍ أسند هذا التّفسير عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، كأنّه قال: سمعت هذا من نبيّكم صلّى اللّه عليه وسلّم، فيكون قوله: نبيّكم مرفوعاً على الفاعليّة من قال، وهو الأظهر واللّه أعلم.
كما قال أنسٌ: ((لا يأتي عامٌ إلاّ والّذي بعده شرٌّ منه)). سمعته من نبيّكم صلّى اللّه عليه وسلّم.
وقال ابن جريرٍ: عن مجاهدٍ أنّ ابن عبّاسٍ كان يقول: {لتركبنّ طبقاً عن طبقٍ}. قال: يعني نبيّكم صلّى اللّه عليه وسلّم، يقول: حالاً بعد حالٍ. هذا لفظه.
ويؤيّد هذا المعنى قراءة عمر وابن مسعودٍ وابن عبّاسٍ وعامّة أهل مكّة والكوفة: (لتركبنّ) بفتح التّاء والباء.
القول الثاني : وقال ابن أبي حاتمٍ: عن الشّعبيّ: (لتركبنّ طبقاً عن طبقٍ). قال: لتركبنّ يا محمّد، سماءً بعد سماءٍ.
قلت: يعنون ليلة الإسراء.
القول الثالث: وقال أبو إسحاق والسّدّيّ عن رجلٍ، عن ابن عبّاسٍ: {طبقاً عن طبقٍ}: منزلاً على منزلٍ. وكذا رواه العوفيّ عن ابن عبّاسٍ مثله، وزاد: ويقال: أمراً بعد أمرٍ وحالاً بعد حالٍ.
وقال السّدّيّ نفسه: {لتركبنّ طبقاً عن طبقٍ}: أعمال من قبلكم منزلاً عن منزلٍ.
قلت: كأنّه أراد معنى الحديث الصّحيح: ((لتركبنّ سنن من كان قبلكم حذو القذّة بالقذّة، حتّى لو دخلوا جحر ضبٍّ لدخلتموه)). قالوا: يا رسول اللّه، اليهود والنّصارى؟ قال: ((فمن؟)). وهذا محتملٌ.
وقال ابن أبي حاتمٍ: عن جابر بن عبد اللّه قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: ((إنّ ابن آدم لفي غفلةٍ ممّا خلق له، إنّ اللّه إذا أراد خلقه قال للملك: اكتب رزقه، اكتب أجله، اكتب أثره، اكتب شقيًّا أو سعيداً. ثمّ يرتفع ذلك الملك، ويبعث اللّه إليه ملكاً فيحفظه حتّى يدرك، ثمّ يرتفع ذلك الملك، ثمّ يوكّل اللّه به ملكين يكتبان حسناته وسيّئاته، فإذا حضره الموت ارتفع ذانك الملكان، وجاءه ملك الموت فقبض روحه، فإذا دخل قبره ردّ الرّوح في جسده، ثمّ ارتفع ملك الموت وجاءه ملكا القبر فامتحناه ثمّ يرتفعان، فإذا قامت السّاعة انحطّ عليه ملك الحسنات وملك السّيّئات، فانتشطا كتاباً معقوداً في عنقه ثمّ حضرا معه، واحداً سائقاً وآخر شهيداً، ثمّ قال عزّ وجلّ: {لقد كنت في غفلةٍ من هذا}))
ثمّ قال ابن جريرٍ بعدما حكى أقوال النّاس في هذه الآية من القرّاء والمفسّرين: والصّواب من التّأويل قول من قال: لتركبنّ أنت يا محمّد، حالاً بعد حالٍ وأمراً بعد أمرٍ من الشّدائد، والمراد بذلك وإن كان الخطاب موجّهاً إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جميع النّاس أنّهم يلقون من شدائد يوم القيامة وأهواله أحوالاً.


تفسير قوله تعالى: (فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20))
أي: فماذا يمنعهم من الإيمان باللّه ورسوله واليوم الآخر؟ وما لهم إذا قرئت عليهم آيات الرّحمن وكلامه وهو هذا القرآن لا يسجدون إعظاماً وإكراماً واحتراماً.


تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآَنُ لَا يَسْجُدُونَ (21))
أَيْ: أَيُّ مَانِعٍ لَهُمْ منْ سُجُودِهِمْ وَخُضُوعِهِمْ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ؟! وَقِيلَ: الْمُرَادُ نَفْسُ السُّجُودِ, الْمَعْرُوفِ بِسُجُودِ التلاوةِ.


تفسير قوله تعالى: (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (22))
أي: من سجيّتهم التّكذيب والعناد والمخالفة للحقّ بعدما تبينَ، فلا يستغربُ عدمُ إيمانهمْ وعدمُ انقيادهمْ للقرآنِ، فإنَّ المكذبَ بالحقِّ عناداً، لا حيلةَ فيه


تفسير قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (23))
قال مجاهدٌ وقتادة: يكتمون في صدورهم فاللهُ يعلمُ سرَّهمْ وجهرهمْ، وسيجازيهمْ بأعمالهمْ، ولهذا قالَ:{فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}.


تفسير قوله تعالى: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (24))
أي: فأخبرهم يا محمّد، بأنّ اللّه عزّ وجلّ قد أعدّ لهم عذاباً أليماً ,الْكَلامُ خارجٌ مَخْرَجَ التَّهَكُّمِ بِهِم.
وسميت البشارةُ بشارةً، لأنَّهَا تؤثرُ في البشرةِ سروراً أو غمّاً.فهذهِ حالُ أكثرِ الناسِ، التكذيبُ بالقرآنِ، وعدمُ الإيمانِ.


تفسير قوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (25))

هذا استثناءٌ منقطعٌ، لكنّ الّذين آمنوا، أي: بقلوبهم وعملوا الصّالحات بجوارحهم، {لهم أجرٌ}. أي: في الدّار الآخرة.
-الخلاف في معنى{غير ممنونٍ}:
القول الأول: قال ابن عبّاسٍ: غير منقوصٍ. وقال مجاهدٌ والضّحّاك: غير محسوبٍ.
وحاصل قولهما أنّه غير مقطوعٍ، كما قال تعالى: {عطاءً غير مجذوذٍ}.
القول الثاني: وقال بعضهم: غير ممنونٍ عليهم. وهذا القول الأخير عن بعضهم قد أنكره غير واحدٍ؛ فإنّ اللّه عزّ وجلّ له المنّة على أهل الجنّة في كلّ حالٍ وآنٍ ولحظةٍ، وإنّما دخلوها بفضله ورحمته، لا بأعمالهم، فله عليهم المنّة دائماً سرمداً، والحمد للّه وحده أبداً؛ ولهذا يلهمون تسبيحه وتحميده كما يلهمون النّفس، {وآخر دعواهم أن الحمد للّه ربّ العالمين}

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 17 ذو القعدة 1435هـ/11-09-2014م, 08:40 AM
تماضر تماضر غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى الثامن
 
تاريخ التسجيل: Aug 2014
المشاركات: 521
افتراضي

تلخيص تفسير سورة البروج




نزول السورة
:وهي مكّيّةٌ

فضائل السورة
عن أبي هريرة أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقرأ في العشاء الآخرة بالسّماء ذات البروج، والسّماء والطّارق.
عن أبي هريرة أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أمر أن يقرأ بالسّماوات في العشاء. تفرّد به أحمد.

تفسير قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (11)}


تفسير قوله تعالى: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1))
يقسم تعالى بالسّماء وبروجها، وهي النّجوم العظام كما تقدّم بيان ذلك في قوله: {تبارك الّذي جعل في السّماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً}
-الخلاف في معنى البروج: -النجوم , البروج التي فيها الحرس , قصور في السماء , الخلق الحسن , منازل الشمس والقمر -
قال ابن عبّاسٍ ومجاهدٌ والضّحّاك والحسن وقتادة والسّدّيّ: {البروج}: النّجوم.
وعن مجاهدٍ أيضاً: البروج التي فيها الحرس.
وقال يحيى بن رافعٍ: البروج: قصورٌ في السّماء.
وقال المنهال بن عمرٍو: {والسّماء ذات البروج}: الخلق الحسن.
واختار ابن جريرٍ أنّها منازل الشّمس والقمر، وهي اثنا عشر برجاً، تسير الشّمس في كلّ واحدٍ منها شهراً، ويسير القمر في كلّ واحدٍ يومين وثلثاً، فذلك ثمانيةٌ وعشرون منزلةً، ويستتر ليلتين.
وبه قال السعدي والأشقر رحمهم الله.


تفسير قوله تعالى: (وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3))
اختلف المفسّرون في ذلك:

وقد قال ابن أبي حاتمٍ: عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: (({واليوم الموعود}: يوم القيامة، {وشاهدٍ}: يوم الجمعة، وما طلعت شمسٌ ولا غربت على يومٍ أفضل من يوم الجمعة، وفيه ساعةٌ لا يوافيها عبدٌ مسلمٌ يسأل اللّه فيها خيراً إلاّ أعطاه إيّاه، ولا يستعيذ فيها من شرٍّ إلاّ أعاذه، {ومشهودٍ}: يوم عرفة))وقد روي موقوفاً على أبي هريرة، وهو أشبه. والموعود يوم القيامة.
وقال الإمام أحمد: عن أبي هريرة، أمّا عليٌّ فرفعه إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وأمّا يونس فلم يعد أبا هريرة، أنّه قال في هذه الآية: {وشاهدٍ ومشهودٍ}. قال: يعني: الشّاهد: يوم الجمعة، ويومٌ مشهودٌ: يوم القيامة.
عن أبي مالكٍ الأشعريّ، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ((اليوم الموعود: يوم القيامة، وإنّ الشّاهد: يوم الجمعة، وإنّ المشهود: يوم عرفة، ويوم الجمعة ذخره اللّه لنا))
وقال مجاهدٌ وعكرمة والضّحّاك: الشّاهد: ابن آدم، والمشهود: يوم القيامة.
وعن عكرمة أيضاً: الشّاهد: محمّدٌ صلّى اللّه عليه وسلّم، والمشهود: يوم الجمعة. وقال عليّ بن أبي طلحة: عن ابن عبّاسٍ: الشّاهد: اللّه، والمشهود: يوم القيامة.
عن ابن عبّاسٍ: {وشاهدٍ ومشهودٍ}. قال: الشّاهد: الإنسان، والمشهود: يوم الجمعة. هكذا رواه ابن أبي حاتمٍ.
عن أبي الدّرداء قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ((أكثروا عليّ من الصّلاة يوم الجمعة؛ فإنّه يومٌ مشهودٌ تشهده الملائكة)).
وقال: الأكثرون على أنّ الشّاهد: يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة
قالَ السعدي : {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ}وشملَ هذا كلَّ منِ اتصفَ بهذا الوصفِ أي: مُبصِر ومُبْصَر، وحاضِر ومحضورٍ، وراءٍ ومَرئي.
والمقسمُ عليهِ، ما تضمنهُ هذا القسمُ من آياتِ اللهِ الباهرةِ، وحكمهِ الظاهرةِ، ورحمتهِ الواسعةِ، وقيلَ: إنَّ المقسمَ عليهِ قولهُ:{قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ}
قال الأشقر: الْمُرَادُ بالشَّاهِدِ: مَنْ يَشْهَدُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الخلائقِ، وَالْمُرَادُ بالمَشْهُودِ: مَا يَشْهَدُ بِهِ الشَّاهِدُونَ عَلَى الْمُجْرِمِينَ، مِن الجرائمِ الفظيعةِ الَّتِي فَعَلُوهَا بالشهودِ أَنْفُسِهِمْ، وَهُمْ كُلُّ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كَمَا فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الأُخْدُودِ الآتِي ذِكْرُهَا، وَاللَّهُ عَلَيْهِمْ شَهِيدٌ أَيْضاً كَمَا يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ.وَقِيلَ: الشاهدُ: يَوْمُ الْجُمُعَةِ، يَشْهَدُ عَلَى كُلِّ عَامِلٍ بِمَا عَمِلَ فِيهِ، والمشهودُ: يَوْمُ عَرَفَةَ، يَشْهَدُ النَّاسُ فِيهِ مَوْسِمَ الْحَجِّ، وَتَحْضُرُهُ الْمَلائِكَة.


تفسير قوله تعالى: (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4))
أي: لعن أصحاب الأخدود، وجمعه أخاديد، وهي الحفير في الأرض، وهذا خبرٌ عن قومٍ من الكفّار عمدوا إلى من عندهم من المؤمنين باللّه عزّ وجلّ فقهروهم وأرادوهم أن يرجعوا عن دينهم فأبوا عليهم، فحفروا لهم في الأرض أخدوداً وأجّجوا فيه ناراً وأعدّوا لهم وقوداً يسعّرونها به، ثمّ أرادوهم فلم يقبلوا منهم فقذفوهم فيها.
ولهذا قال تعالى: {قتل أصحاب الأخدود (4) النّار ذات الوقود (5) إذ هم عليها قعودٌ (6) وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهودٌ}. أي: مشاهدون لما يفعل بأولئك المؤمنين

وقد اختلف أهل التّفسير في أهل هذه القصّة من هم؟
القول الأول:
فعن عليٍّ رضي اللّه عنه أنّهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل تزويج المحارم؛ فامتنع عليه علماؤهم، فعمد إلى حفر أخدودٍ فقذف فيه من أنكر عليه منهم. واستمرّ فيهم تحليل المحارم إلى اليوم.
القول الثاني: وعنه أنّهم كانوا قوماً باليمن اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم فغلب مؤمنوهم على كفّارهم، ثمّ اقتتلوا فغلب الكفّار المؤمنين فخدّوا لهم الأخاديد وأحرقوهم فيها، وعنه أنّهم كانوا من أهل الحبشة، واحدهم حبشيٌّ.
القول الثالث: وقال العوفيّ عن ابن عبّاسٍ: {قتل أصحاب الأخدود النّار ذات الوقود}. قال: ناسٌ من بني إسرائيل خدّوا أخدوداً في الأرض ثمّ أوقدوا فيه ناراً ثمّ أقاموا على ذلك الأخدود رجالاً ونساءً، فعرضوا عليها، وزعموا أنّه دانيال وأصحابه. وهكذا قال الضّحّاك بن مزاحمٍ، وقيل غير ذلك.
وقد قال الإمام أحمد: حدّثنا عفّان، حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن ثابتٍ، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن صهيبٍ، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: ((كان ملكٌ فيمن كان قبلكم، وكان له ساحرٌ فلمّا كبر السّاحر قال للملك: إنّي قد كبرت سنّي، وحضر أجلي فادفع إليّ غلاماً لأعلّمه السّحر. فدفع إليه غلاماً، فكان يعلّمه السّحر، وكان بين السّاحر وبين الملك راهبٌ، فأتى الغلام على الرّاهب فسمع من كلامه فأعجبه نحوه وكلامه، وكان إذا أتى السّاحر ضربه، وقال: ما حبسك؟ وإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الرّاهب. فقال: إذا أراد السّاحر أن يضربك فقل: حبسني أهلي، وإذا أراد أهلك أن يضربوك فقل: حبسني السّاحر.
قال: فبينما هو ذات يومٍ إذ أتى على دابّةٍ فظيعةٍ عظيمةٍ قد حبست النّاس فلا يستطيعون أن يجوزوا؛ فقال: اليوم أعلم أمر الرّاهب أحبّ إلى اللّه أم أمر السّاحر.
قال: فأخذ حجراً فقال: اللّهمّ، إن كان أمر الرّاهب أحبّ إليك وأرضى من أمر السّاحر فاقتل هذه الدّابّة حتّى يجوز النّاس. ورماها فقتلها ومضى النّاس، فأخبر الرّاهب بذلك فقال: أي بنيّ أنت أفضل منّي، وأنت ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدلّ عليّ. فكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء ويشفيهم، وكان للملك جليسٌ فعمي فسمع به، فأتاه بهدايا كثيرةٍ، فقال: اشفني ولك ما ههنا أجمع. فقال: ما أنا أشفي أحداً، إنّما يشفي اللّه عزّ وجلّ، فإن آمنت به دعوت اللّه فشفاك. فآمن فدعا اللّه فشفاه، ثمّ أتى الملك فجلس منه نحو ما كان يجلس؛ فقال له الملك: يا فلان من ردّ عليك بصرك؟ فقال: ربّي. فقال: أنا؟ قال: لا، ربّي وربّك اللّه. قال: ولك ربٌّ غيري؟! قال: نعم، ربّي وربّك اللّه.
فلم يزل يعذّبه حتّى دلّ على الغلام فبعث إليه؛ فقال: أي بنيّ بلغ من سحرك أن تبرئ الأكمه والأبرص وهذه الأدواء! قال: ما أشفي أحداً، إنّما يشفي اللّه عزّ وجلّ. قال: أنا؟ قال: لا. قال: أولك ربٌّ غيري؟! قال: ربّي وربّك اللّه. فأخذه أيضاً بالعذاب، فلم يزل به حتّى دلّ على الرّاهب، فأتي بالرّاهب؛ فقال: ارجع عن دينك. فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه حتّى وقع شقّاه، وقال للأعمى: ارجع عن دينك. فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه حتّى وقع شقّاه إلى الأرض، وقال للغلام: ارجع عن دينك فأبى، فبعث به مع نفرٍ إلى جبل كذا وكذا وقال: إذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلاّ فدهدهوه.
فذهبوا به فلمّا علوا به الجبل قال: اللّهمّ اكفنيهم بما شئت. فرجف بهم الجبل، فدهدهوا أجمعون، وجاء الغلام يتلمّس حتّى دخل على الملك فقال: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم اللّه. فبعث به مع نفرٍ في قرقورٍ فقال: إذا لجّجتم به البحر فإن رجع عن دينه وإلاّ فغرّقوه في البحر .. فلجّجوا به البحر؛ فقال الغلام: اللّهمّ اكفنيهم بما شئت. فغرقوا أجمعون، وجاء الغلام حتّى دخل على الملك فقال: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم اللّه تعالى. ثمّ قال للملك: إنّك لست بقاتلي حتّى تفعل ما آمرك به، فإن أنت فعلت ما آمرك به قتلتني، وإلاّ فإنّك لا تستطيع قتلي، قال: وما هو؟ قال: تجمع النّاس في صعيدٍ واحدٍ ثمّ تصلبني على جذعٍ وتأخذ سهماً من كنانتي، ثمّ قل: بسم اللّه ربّ الغلام. فإنّك إن فعلت ذلك قتلتني.
ففعل ووضع السّهم في كبد قوسه ثمّ رماه وقال: بسم اللّه ربّ الغلام. فوقع السّهم في صدغه فوضع الغلام يده على موضع السّهم ومات؛ فقال الناس: آمنّا بربّ الغلام. فقيل للملك: أرأيت ما كنت تحذر. فقد -واللّه- نزل بك، قد آمن النّاس كلّهم. فأمر بأفواه السّكك فخدّت فيها الأخاديد وأضرمت فيها النّيران، وقال: من رجع عن دينه فدعوه وإلاّ فاقتحموه فيها. قال: فكانوا يتعادون فيها ويتدافعون، فجاءت امرأةٌ بابن لها ترضعه، فكأنّها تقاعست أن تقع في النّار؛ فقال الصّبيّ: اصبري يا أمّاه، فإنّك على الحقّ((.

وهكذا رواه مسلمٌ في آخر الصّحيح عن هدبة بن خالدٍ، عن حمّاد بن سلمة به نحوه.


تفسير قوله تعالى: (النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5))
الوقود: الحَطَبُ الَّذِي تُوقَدُ بِهِ


تفسير قوله تعالى: (إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6))
{إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ}
؛ أَيْ: لُعِنُوا حِينَ أَحْدَقُوا بِالنَّارِ قَاعِدِينَ عَلَى الكَرَاسِيِّ عِنْدَ الأُخدودِ
وهذا من أعظمِ ما يكونُ منَ التجبُّرِ وقساوةِ القلبِ، لأنَّهمْ جمعوا بينَ الكفرِ بآياتِ اللهِ ومعاندتِها، ومحاربةِ أهلهَا وتعذيبهمْ بهذا العذابِ، الذي تنفطرُ منهُ القلوبُ، وحضورهمْ إياهمْ عندَ إلقائهمْ فيهَا، والحالُ أنَّهمْ ما نقموا منَ المؤمنينَ إلا خصلةً يُمدحونَ عليهَا، وبها سعادتهمْ، وهيَ أنَّهمْ كانوا يؤمنونَ باللهِ العزيزِ الحميدِ أي: الذي لهُ العزةُ التي قهرَ بهَا كلَّ شيءٍ، وهو حميدٌ في أقوالهِ وأوصافهِ وأفعالهِ.


تفسير قوله تعالى: (وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7))
{وهم}أَي: الَّذِينَ خَدُّوا الأُخْدُودَ، وَهُم الْمَلِكُ وَأَصْحَابُهُ، {عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ} مِنْ عَرْضِهِمْ عَلَى النَّارِ؛ لِيَرْجِعُوا إِلَى دِينِهِمْ، يَشْهَدُونَ بِمَا فَعَلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ.


تفسير قوله تعالى: (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8))
أي: وما كان لهم عندهم ذنبٌ إلاّ إيمانهم باللّه العزيز الذي لا يضام من لاذ بجنابه المنيع الحميد في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقدره، وإن كان قد قدّر على عباده هؤلاء هذا الذي وقع بهم بأيدي الكفّار به، فهو العزيز الحميد وإن خفي سبب ذلك على كثيرٍ من النّاس.


تفسير قوله تعالى: (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9))
{الّذي له ملك السّماوات والأرض}. من تمام الصّفة أنّه المالك لجميع السّماوات والأرض وما فيهما وما بينهما.
{واللّه على كلّ شيءٍ شهيدٌ}. أي: لا يغيب عنه شيءٌ في جميع السّماوات والأرض، ولا تخفى عليه خافيةٌ , أفلا خافَ هؤلاءِ المتمردونَ على اللهِ، أنْ يبطشَ بهمُ العزيزُ المقتدرُ، أو مَا علمُوا أنَّهمْ جميعهمْ مماليكُ للهِ، ليسَ لأحدٍ على أحدٍ سلطةٌ، منْ دونِ إذنِ المالكِ؟ أو خفيَ عليهمْ أنَّ اللهَ محيطٌ بأعمالهمْ، مجازٍ لهمْ على فعالهمْ؟ كلاَّ إنَّ الكافرَ في غرورٍ، والظالمَ في جهلٍ وعمى عنْ سواءِ السبيلِ.


تفسير قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10))
{إنّ الّذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات}. أي: حرّقوا. قاله ابن عبّاسٍ ومجاهدٌ وقتادة والضّحّاك وابن أبزى، {ثمّ لم يتوبوا}. أي: لم يقلعوا عمّا فعلوا ويندموا على ما أسلفوا،
{فلهم عذاب جهنّم ولهم عذاب الحريق}. وذلك أنّ الجزاء من جنس العمل، قال الحسن البصريّ: انظروا إلى هذا الكرم والجود! قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التّوبة والمغفرة.



تفسير قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (11))
ولما ذكرَ عقوبةَ الظالمينَ، يخبر تعالى عن عباده المؤمنين الَّذِينَ آمَنُوا} بقلوبهمْ {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} بجوارحهمْ وَمِنْهُم الَّذِينَ صَبَرُوا عَلَى نَارِ الأُخْدُودِ، وَثَبَتُوا عَلَى دِينِهِمْ وَلَمْ يَرْتَدُّوا، أنّ لهم جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار بخلاف ما أعدّ لأعدائه من الحريق والجحيم؛ ولهذا قال: {ذلك الفوز الكبير}


تفسير قوله تعالى: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (19) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (20) بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22)}


تفسير قوله تعالى: (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12))
أي: إنّ بطشه وانتقامه من أعدائه الذين كذّبوا رسله وخالفوا أمره لشديدٌ عظيمٌ قويٌّ؛ فإنّه تعالى ذو القوّة المتين الذي ما شاء كان كما يشاء في مثل لمح البصر أو هو أقرب.
فإذا أخذ الظّالم أخذه أخذاً أليماً شديداً أخذ عزيزٍ مقتدرٍ .


تفسير قوله تعالى: (إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13))
أي: من قوّته وقدرته التّامّة يبدئ الخلق ثمّ يعيده كما بدأه بلا ممانعٍ ولا مدافع


تفسير قوله تعالى: (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14))
أي: يغفر ذنب من تاب إليه وخضع لديه ولو كان الذّنب من أيّ شيءٍ كان، ويعفو عنِ السيئاتِ لمنِ استغفرهُ وأنابَ
و{الودود} قال ابن عبّاسٍ وغيره: هو الحبيب
لذي يحبهُ أحبابهُ محبةً لا يشبهُهَا شيءٌ، فكَما أنَّهُ لا يشابههُ شيءٌ في صفاتِ الجلال والجمالِ، والمعاني والأفعالِ، فمحبتهُ في قلوبِ خواصِّ خلقهِ، التابعةِ لذلكَ، لا يشبهُهَا شيءٌ منْ أنواعِ المحابِّ، ولهذا كانتْ أصلَ العبوديةِ، وهيَ المحبةُ التي تتقدَّمُ جميعَ المحابِّ وتغلِبُهَا، وإنْ لم يكنْ غيرُهَا تبعاً لها كانتْ عذاباً على أهلهَا، وهوَ تعالى الودودُ، الوادُّ لأحبابهِ، كمَا قالَ تعالَى:{يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} والمودةُ: هيَ المحبةُ الصافيةُ، وفي هذا سرٌّ لطيفٌ، حيثُ قرنَ الودودُ بالغفورِ،ليدلَّ ذلكَ على أنَّ أهلَ الذنوبِ إذا تابُوا إلى اللهِ وأنابُوا، غفرَ لهمْ ذنوبهمْ وأحبَّهمْ، فلا يقالُ: بلْ تغفرُ ذنوبهمْ، ولا يرجعُ إليهمُ الودُّ، كما قالهُ بعضُ الغالطينَ.
بلِ اللهُ أفرحُ بتوبةِ عبدهِ حينَ يتوبُ، منْ رجلٍ لهُ راحلةٌ، عليهَا طعامُهُ وشرابهُ وما يصلحهُ، فأضلَّهَا في أرضِ فلاةٍ مهلكةٍ، فأيسَ منهَا، فاضطجع في ظلِّ شجرةٍ ينتظرُ الموتَ، فبينمَا هوَ على تلكَ الحالِ، إذا راحلتُه على رأسهِ، فأخذَ بخطامِهَا، فاللهُ أعظمُ فرحاً بتوبةِ العبدِ من هذا براحلتهِ، وهذا أعظمُ فرحٍ يقدَّرُ.
فللهِ الحمدُ والثناءُ، وصفوُ الودادِ، ما أعظمَ برَّهُ، وأكثرَ خيرَهُ، وأغزرَ إحسانَهُ، وأوسعَ امتنانهُ!!


تفسير قوله تعالى: (ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15 ))
{ذو العرش}. أي: صاحب العرش المعظّم العالي على جميع الخلائق،الذي منْ عظمتهِ، أنَّهُ وسعَ السماواتِ والأرضَ والكرسيَّ، فهي بالنسبةِ إلى العرشِ كحلقةٍ ملقاةٍ في فلاةٍ، بالنسبةِ لسائرِ الأرضِ، وخصَّ اللهُ العرشَ بالذكرِ، لعظمتِهِ، ولأنَّهُ أخصُّ المخلوقاتِ بالقربِ منهُ تعالَى.
والمجيد فيه قراءتان: الرّفع على أنّه صفةٌ للرّبّ عزّ وجلّ، والجرّ على أنّه صفةٌ للعرش، وكلاهما معنًى صحيحٌ.


تفسير قوله تعالى: (فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16))
أي: مهما أراد فعله لا معقّب لحكمه ولا يسأل عمّا يفعل لعظمته وقهره وحكمته وعدله كما روّينا عن أبي بكرٍ الصّدّيق أنّه قيل له وهو في مرض الموت: هل نظر إليك الطّبيب؟ قال: نعم. قالوا: فما قال لك؟ قال: قال لي: إنّي فعّالٌ لما أريد.


تفسير قوله تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17))
ثمَّ ذكرَ منْ أفعالهِ الدالةِ على صدقِ ما جاءتْ بهِ رسلُهُ، فقالَ:{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ} أي: هل بلغك ما أحلّ اللّه بهم من البأس وأنزل عليهم من النّقمة التي لم يردّها عنهم أحدٌ؟ .
وهذا تقريرٌ لقوله: {إنّ بطش ربّك لشديدٌ}. أي: إذا أخذ الظّالم أخذه أخذاً أليماً شديداً أخذ عزيزٍ مقتدرٍ.
قال ابن أبي حاتمٍ: عن عمرو بن ميمونٍ قال: مرّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم على امرأةٍ تقرأ: {هل أتاك حديث الجنود}. فقام يسمع؛ فقال: ((نعم، قد جاءني))


تفسير قوله تعالى: (فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18))
الْمُرَادُ بِحَدِيثِهِمْ مَا وَقَعَ مِنْهُمْ من الْكُفْرِ وَالْعِنَادِ، وَمَا وَقَعَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَذَابِ


تفسير قوله تعالى: (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (19))
أي: هم في شكٍّ وريبٍ وكفرٍ وعنادٍ.
أي: لا يزالونَ مستمرينَ على التكذيبِ والعنادِ، لا تنفعُ فيهمُ الآياتُ، ولا تُجدي لديهمُ العظاتُ


تفسير قوله تعالى: (وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (20))
أي: هو قادرٌ عليهم قاهرٌ لا يفوتونه ولا يعجزونه
أي: قدْ أحاطَ بهمْ علماً وقدرةً، كقولهِ:{إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} ففيهِ الوعيدُ الشديدُ للكافرينَ، مِنْ عقوبةِ مَنْ همْ في قبضتهِ، وتحتَ تدبيرهِ


تفسير قوله تعالى: (بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ (21))
أي: عظيمٌ كريمٌ وسيعُ المعاني عظيمُهَا، كثيرُ الخيرِ والعلمِ , أَيْ: مُتَنَاهٍ فِي الشَّرَفِ وَالْكَرَمِ والبَرَكةِ، وَلَيْسَ هُوَ كَمَا يَقُولُونَ: إِنَّهُ شِعْرٌ وَكَهَانَةٌ وَسِحْرٌ.


تفسير قوله تعالى: (فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22))
أي: هو في الملأ الأعلى محفوظٌ من الزّيادة والنّقص والتّحريف والتّبديل. ، ومحفوظٌ مِنَ الشياطينِ، وهوَ اللوحُ المحفوظُ الذي قدْ أثبتَ اللهُ فيهِ كلَّ شيءٍ.
وهذا يدلُّ على جلالةِ القرآنِ وجزالتهِ، ورفعةِ قدرهِ عندَ اللهِ تعالى.
وقال الحسن البصريّ: إنّ هذا القرآن المجيد عند اللّه في لوحٍ محفوظٍ، ينزل منه ما يشاء على من يشاء من خلقه.
وقد روى البغويّ ، عن ابن عبّاسٍ قال: إنّ في صدر اللّوح: لا إله إلاّ اللّه وحده، دينه الإسلام، ومحمّدٌ عبده ورسوله، فمن آمن باللّه وصدّق بوعده واتّبع رسوله أدخله الجنّة.
قال: واللّوح لوحٌ من درّةٍ بيضاء، طوله ما بين السّماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب، وحافتاه الدّرّ والياقوت، ودفّتاه ياقوتةٌ حمراء، وقلمه نورٌ، وكلامه معقودٌ بالعرش، وأصله في حجر ملكٍ.
قال مقاتلٌ: اللّوح المحفوظ عن يمين العرش.
وقال الطّبرانيّ: عن ابن عبّاسٍ، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: ((إنّ اللّه خلق لوحاً محفوظاً من درّةٍ بيضاء، صفحاتها من ياقوتةٍ حمراء، قلمه نورٌ، وكتابه نورٌ، للّه فيه في كلّ يومٍ ستّون وثلاثمائة لحظةٍ، يخلق ويرزق ويميت ويحيي ويعزّ ويذلّ ويفعل ما يشاء))

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 17 ذو القعدة 1435هـ/11-09-2014م, 09:04 AM
تماضر تماضر غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى الثامن
 
تاريخ التسجيل: Aug 2014
المشاركات: 521
افتراضي

سورة الطارق:


نزول السورة :وهي مكية


فضائل السورة:
عن عبد الرّحمن بن خالد بن أبي جبلٍ العدوانيّ، عن أبيه، أنّه أبصر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في مشرق ثقيفٍ، وهو قائمٌ على قوسٍ أو عصًا حين أتاهم يبتغي عندهم النّصر، فسمعته يقول: (({والسّماء والطّارق})). حتّى ختمها، قال: فوعيتها في الجاهليّة وأنا مشركٌ، ثمّ قرأتها في الإسلام، قال: فدعتني ثقيفٌ، فقالوا: ماذا سمعت من هذا الرّجل؟ فقرأتها عليهم؛ فقال من معهم من قريشٍ: نحن أعلم بصاحبنا، لو كنّا نعلم ما يقول حقًّا لاتّبعناه.
عن جابرٍ قال: صلّى معاذٌ المغرب فقرأ البقرة والنّساء؛ فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: ((أفتّانٌ أنت يا معاذ؟! ما كان يكفيك أن تقرأ بالسّماء والطّارق، والشّمس وضحاها، ونحو هذا؟)).

تفسير قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (10)}


تفسير قوله تعالى: (وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1))
يقسم تعالى بالسّماء وما جعل فيها من الكواكب النّيّرة؛ ولهذا قال: {والسّماء والطّارق}


تفسير قوله تعالى: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2 ) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3))
ثم قال: {وما أدراك ما الطّارق}. ثمّ فسّره بقوله: {النّجم الثّاقب}.
قال قتادة وغيره: إنّما سمّي النّجم طارقاً؛ لأنّه إنّما يرى باللّيل ويختفي بالنّهار. ويؤيّده ما جاء في الحديث الصّحيح: (نهى أن يطرق الرّجل أهله طروقاً). أي: يأتيهم فجأةً باللّيل، وفي الحديث الآخر المشتمل على الدّعاء: ((إلاّ طارقاً يطرق بخيرٍ يا رحمن))
قال ابن عبّاسٍ: المضيء. وقال السّدّيّ: يثقب الشّياطين إذا أرسل عليها. وقال عكرمة: هو مضيءٌ محرقٌ للشّيطان
والصحيحُ أنَّهُ اسمُ جنسٍ يشملُ سائرَ النجومِ الثواقبِ.
وقدْ قيلَ:إنَّهُ (زُحلُ) الذي يخرقُ السماواتِ السبعِ وينفذُ فيها، فيرى منهَا.
وسُمِّيَ طارقاً،لأنَّهُ يطرقُ ليلاً


تفسير قوله تعالى: (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4))
والمقسَمُ عليهِ قولهُ:{إِن كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} يحفظُ عليهَا أعمالَهَا الصالحةَ والسيئةَ، وستجازى بعملِهَا المحفوظِ عليهَا
وقيل: كلّ نفسٍ عليها من اللّه حافظٌ يحرسها من الآفات، كما قال تعالى: {له معقّباتٌ من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر اللّه}. الآية
وَهُم الْحَفَظَةُ من الْمَلائِكَةِ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ عَلَيْهَا عَمَلَهَا وَقَوْلَهَا وَفِعْلَهَا، وَيُحْصُونَ مَا تَكْسِبُ منْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَالحَافِظُ عَلَى الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وحِفْظُ الْمَلائِكَةِ مِنْ حِفْظِهِ؛ لأَنَّهُ بِأَمْرِهِ.


تفسير قوله تعالى: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5))
تنبيهٌ للإنسان على ضعف أصله الذي خلق منه وإرشادٌ له إلى الاعتراف بالمعاد؛ لأنّ من قدر على البداءة فهو قادرٌ على الإعادة بطريق الأولى؛ كما قال: {وهو الّذي يبدأ الخلق ثمّ يعيده وهو أهون عليه


تفسير قوله تعالى: (خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6((
يعني المنيّ، يخرج دفقاً من الرّجل ومن المرأة، فيتولّد منهما الولد بإذن اللّه عزّ وجلّ.
ولهذا قال: {يخرج من بين الصّلب والتّرائب}


تفسير قوله تعالى: (يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7))
يعني: صلب الرّجل وترائب المرأة، وهو صدرها.
قال شبيب بن بشرٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ: {يخرج من بين الصّلب والتّرائب}: صلب الرّجل وترائب المرأة، أصفر رقيقٌ لا يكون الولد إلاّ منهما. وكذا قال سعيد بن جبيرٍ وعكرمة وقتادة والسّدّيّ وغيرهم.
وقال الليث بن معمر بن أبي حبيبة المدنيّ، أنّه بلغه في قول اللّه عزّ وجلّ: {يخرج من بين الصّلب والتّرائب}. قال: هو عصارة القلب، من هناك يكون الولد.


تفسير قوله تعالى: (إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8))
فيه قولان:
أحدهما:
على رجع هذا الماء الدّافق إلى مقرّه الذي خرج منه لقادرٌ على ذلك. قاله مجاهدٌ وعكرمة وغيرهما.
والقول الثّاني: إنّه على رجع هذا الإنسان المخلوق من ماءٍ دافقٍ. أي: إعادته وبعثه إلى الدّار الآخرة، لقادرٌ؛ لأنّ من قدر على البدأة قدر على الإعادة.
وقد ذكر اللّه عزّ وجلّ هذا الدّليل في القرآن في غير ما موضعٍ، وهذا القول قال به الضّحّاك واختاره ابن جريرٍ؛ ولهذا قال: {يوم تبلى السّرائر}


تفسير قوله تعالى: (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9))
أي: يوم القيامة تبلى فيه السّرائر، أي: تظهر وتبدى ويبقى السّرّ علانيةً والمكنون مشهوراً، وقد ثبت في الصّحيحين عن ابن عمر أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: ((يرفع لكلّ غادرٍ لواءٌ عند استه، يقال: هذه غدرة فلان بن فلانٍ
أَيْ: يُرْجِعُهُ يَوْمَ تُبْلَى السرائرُ؛ أَيْ: تُخْتَبَرُ وَتُعْرَفُ، وَالسَّرَائِرُ: مَا يُسَرُّ فِي الْقُلُوبِ من العقائدِ والنِّيَّاتِ وَغَيْرِهَا، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَتَمَيَّزُ الْحَسَنُ مِنْهَا من الْقَبِيحِ


تفسير قوله تعالى: (فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (10))
{فما له} أي: الإنسان يوم القيامة {من قوّةٍ}. أي: في نفسه، {ولا ناصرٍ}. أي: من خارج منه، أي: لا يقدر على أن ينقذ نفسه من عذاب اللّه، ولا يستطيع له أحدٌ ذلك.
فهذا القسمُ على حالةِ العاملينَ وقتَ عملهمْ وعندَ جزائهمْ


تفسير قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (12) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (14) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (17)}

تفسير قوله تعالى: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11))
ثمَّ أقسمَ قسماً ثانياً على صحةِ القرآنِ،فقالَ:{وَالسَّمَاء ذَاتِ الرَّجْعِ (11) وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ}
قال ابن عبّاسٍ: الرّجع: المطر. وعنه: هو السّحاب فيه المطر. وعنه: {والسّماء ذات الرّجع}: تمطر ثمّ تمطر.
وقال قتادة: ترجع رزق العباد كلّ عامٍ، ولولا ذلك لهلكوا وهلكت مواشيهم.
وقال ابن زيدٍ: ترجع نجومها وشمسها وقمرها يأتين من ههنا


تفسير قوله تعالى: (وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (12))
قال ابن عبّاسٍ: هو انصداعها عن النّبات، وكذا قال سعيد بن جبيرٍ وعكرمة وأبو مالكٍ والضّحّاك والحسن وقتادة والسّدّيّ وغير واحدٍ
وتنصدعُ الأرضُ للنباتِ والثِّمارِ وَالشَّجَرِ , فيعيشُ بذلكَ الآدميونَ والبهائمُ،


تفسير قوله تعالى: (إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13))
قال ابن عبّاسٍ: حقٌّ. وكذا قال غيره، وقال آخر: حكمٌ عدلٌ.
أي: حقٌّ وصدقٌ، بيِّنٌ واضحٌ يَفْصِلُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ.


تفسير قوله تعالى: (وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (14))
أي: بل هو جدٌّ حقٌّ ,وهوَ القولُ الذي يفصلُ بينَ الطوائفِ والمقالاتِ، وتنفصلُ بهِ الخصوماتُ


تفسير قوله تعالى: (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15))
أي: المكذبينَ للرسولِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم وللقرآنِ يمكرون بالنّاس في دعوتهم إلى خلاف القرآن ليدفعوا بكيدهمُ الحقَّ، ويؤيدوا الباطلَ.


تفسير قوله تعالى: (وَأَكِيدُ كَيْدًا (16))
أَيْ: أَسْتَدْرِجُهُمْ منْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، وَأُجَازِيهِمْ جَزَاءَ كَيْدِهِمْ


تفسير قوله تعالى: (فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (17))
أي: أَخِّرْهُمْ وأنظرهم ولا تستعجل لهم،{أمهلهم رويداً}. أي: قليلاً، أي: وسترى ماذا أحلّ بهم من العذاب والنّكال والعقوبة والهلاك. كما قال تعالى: {نمتّعهم قليلاً ثمّ نضطرّهم إلى عذابٍ غليظٍ}.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 3 ذو الحجة 1435هـ/27-09-2014م, 11:37 PM
تماضر تماضر غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى الثامن
 
تاريخ التسجيل: Aug 2014
المشاركات: 521
Post من سورة الأعلى إلى سورة الفجر

تفسير سورة الأعلى
من تفسير ابن كثير وتفسير السعدي وزبدة التفسير للأشقر


أسماء السورة
سورة سبح -ك ، س-
سُورَةُ الأَعْلَى -ش-

مكان نزول السورة: -ك , س-

وهي مكّيّةٌ.
والدّليل على ذلك ما رواه البخاريّ: عن البراء بن عازبٍ قال: أوّل من قدم علينا من أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مصعب بن عميرٍ وابن أمّ مكتومٍ، فجعلا يقرئاننا القرآن، ثمّ جاء عمّارٌ وبلالٌ وسعدٌ، ثمّ جاء عمر بن الخطّاب في عشرين، ثمّ جاء النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيءٍ فرحهم به، حتّى رأيت الولائد والصّبيان يقولون: هذا رسول اللّه قد جاء، فما جاء حتّى قرأت: {سبّح اسم ربّك الأعلى}. في سورٍ مثلها)

فضائل السورة: -ك-
-محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لها :

وقال الإمام أحمد: عن عليٍّ قال: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحبّ هذه السورة: {سبّح اسم ربّك الأعلى}. تفرّد به أحمد.
-الصلاة بـ(سبح اسم ربك الأعلى ) :
1-الوصاية بالصلاة به
ا: وثبت في الصحيحين أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لمعاذٍ: ((هلاّ صلّيت بـ{سبّح اسم ربّك الأعلى}، {والشّمس وضحاها}، {واللّيل إذا يغشى})).
2-الصلاة بها في العيدين والجمعة : وقال الإمام أحمد: عن النّعمان بن بشيرٍ، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ في العيدين بـ{سبّح اسم ربّك الأعلى}، و{هل أتاك حديث الغاشية}. وإن وافق يوم الجمعة قرأهما جميعاً.
3-الصلاة بها في الوتر: وقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبيّ بن كعبٍ وعبد اللّه بن عبّاسٍ وعبد الرّحمن بن أبزى وعائشة أمّ المؤمنين أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقرأ في الوتر بـ{سبّح اسم ربّك الأعلى}، و{قل يا أيّها الكافرون}، و{قل هو اللّه أحدٌ}. زادت عائشة والمعوّذتين.
-ماتضمنته السورة في كونها من أذكار الصلاة :قال الإمام أحمد: عن عقبة بن عامرٍ الجهنيّ لمّا نزلت: {فسبّح باسم ربّك العظيم}. قال لنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ((اجعلوها في ركوعكم)). فلمّا نزلت: {سبّح اسم ربّك الأعلى}. قال: ((اجعلوها في سجودكم)). ورواه أبو داود وابن ماجه من حديث ابن المبارك عن موسى بن أيّوب به.
5-الذكر الوارد عند قراءتها :
وقال الإمام أحمد: عن ابن عبّاسٍ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا قرأ: {سبّح اسم ربّك الأعلى}. قال: ((سبحان ربّي الأعلى)).

تفسير قوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (5) سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (7) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (8) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (9) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (10) }


تفسير قوله تعالى: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) )
معنى التسبيح :

{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى}؛ أَيْ: نَزِّهْهُ عَنْ كُلِّ مَا لا يَلِيقُ بِهِ بِقَوْلِكَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى.
نَزِّهْ تَسْمِيَةَ رَبِّكَ, وَذِكْرُكَ إِيَّاهُ أنْ تَذْكُرَهُ إِلاَّ وَأَنْتَ خَاشِعٌ لَهُ مُعَظِّمٌ، وَلِذِكْرِهِ مُحْتَرِمٌ.
-ما يتضمن الأمر بالتسبيح :
يأمرُ تعالى بتسبيحهِ المتضمن لذكرهِ وعبادتهِ، والخضوعِ لجلالهِ، والاستكانةِ لعظمتهِ، وأنْ يكونَ تسبيحاً يليقُ بعظمةِ اللهِ تعالى، بأنْ تذكرَ أسماؤهُ الحسنى العاليةُ على كلِّ اسمٍ بمعناها الحسنِ العظيمِ، وتذكرَ أفعالُه التي منها أنَّهُ خلقَ المخلوقاتِ فسواها.


تفسير قوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) )
-معنى الآية :

-عامة لجميع المخلوقات: خلق الخليقة وسوّى كلّ مخلوقٍ في أحسن الهيئات . –ك-
-خاص بالإنسان : خَلَقَ الإِنْسَانَ مُسْتَوِياً، فَعَدَلَ قَامَتَهُ وَسَوَّى فَهْمَهُ وَهَيَّأَهُ للتَّكْلِيفِ. –ش-

تفسير قوله تعالى: (وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) )
معنى التقدير في الآية:

{وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى}؛ الْمَعْنَى: قَدَّرَ أَجْنَاسَ الأَشْيَاءِ، وَأَنْوَاعَهَا وَصِفَاتِهَا وَأَفْعَالَهَا وَأَقْوَالَهَا وَآجَالَهَا.
معنى الهداية :
أي : هَدَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا إِلَى مَا يَصْدُرُ عَنْهُ، وَيَنْبَغِي لَهُ، وَيَسَّرَهُ لِمَا خَلَقَهُ لَهُ، وَأَلْهَمَهُ إِلَى أُمُورِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَقَدَّرَ أَرْزَاقَ الْخَلْقِ وَأَقْوَاتَهُمْ، وَهَدَاهُمْ لِمَعَايِشِهِمْ إِنْ كَانُوا إِنْساً، وَلِمَرَاعِيهِمْ إِنْ كَانُوا وَحْشاً، وَخَلَقَ المنافعَ فِي الأَشْيَاءِ، وَهَدَى الإِنْسَانَ لِوَجْهِ اسْتِخْرَاجِهَا مِنْهَا). [زبدة قال مجاهدٌ: هدى الإنسان للشّقاوة والسعادة، وهدى الأنعام لمراتعها.
-وهذه الآية كقوله تعالى إخباراً عن موسى أنّه قال لفرعون: {ربّنا الّذي أعطى كلّ شيءٍ خلقه ثمّ هدى}. أي: قدر قدراً، وهدى الخلائق إليه، كما سبق في صحيح مسلمٍ، عن عبد اللّه بن عمرٍو أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: ((إنّ اللّه قدّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السّماوات والأرض بخمسين ألف سنةٍ، وكان عرشه على الماء)) .
-نوع الهداية وارتباط الآية بما بعدها :
وهذه الهدايةُ العامةُ،التي مضمونهُا أنهُ هدى كلَّ مخلوقٍ لمصلحتهِ، وتذكرَ فيها نعمهُ الدنيويةُ، ولهذا قالَ فيهَا: {وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى}.


تفسير قوله تعالى: (وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4) )
معنى الآية:

{وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى} أي: أنزلَ منَ السماءِ ماءً فأنبتَ بهِ أنواعَ النباتِ والعشبِ الكثيرِ، فرتعَ فيهَا الناسُ والبهائمُ وكلُّ حيوانٍ.


تفسير قوله تعالى: (فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (5) )
معنى الآية والمقصد منها :

أي: جعلَهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ أَخْضَرَ, غُثَاءً أي :هشيماً رميماً، أَحْوَى؛ أَيْ: أَسْوَدَ بَعْدَ اخْضِرَارِهِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الكَلَأَ إِذَا يَبِسَ اسْوَدَّ ويذكرَ فيها نعمَهُ الدينيةَ، ولهذا امتنَّ اللهُ بأصِلِها ومنشئِها، وهوَ القرآنُ.
قال ابن عبّاسٍ: هشيماً متغيّراً. وعن مجاهدٍ وقتادة وابن زيدٍ نحوه.
قال ابن جريرٍ:
وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يرى أنّ ذلك من المؤخّر الذي معناه التقديم، وأنّ معنى الكلام: والذي أخرج المرعى أحوى، أي: أخضر إلى السّواد، فجعله غثاءً بعد ذلك. ثم قال ابن جريرٍ: وهذا وإن كان محتملاً إلاّ أنّه غير صوابٍ؛ لمخالفته أقوال أهل التأويل.

تفسير قوله تعالى: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) )
-سبب النزول :

كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بالوَحْيِ لَمْ يَفْرُغْ جِبْرِيلُ منْ آخِرِ الآيَةِ حَتَّى يَتَكَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَوَّلِهَا؛ مَخَافَةَ أَنْ يَنْسَاهَا؛ فَنَزَلَتْ: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى}, فَأَلْهَمَهُ اللَّهُ وَعَصَمَهُ مِنْ نِسْيَانِ الْقُرْآنِ.
كاف الخطاب عائدة إلى : {سنقرئك}. أي: يا محمد، {فلا تنسى}.
أي: سنحفظُ ما أوحينا إليكَ منَ الكتابِ، ونوعيهِ قلبكَ، فلا تنسى منهُ شيئاً.
المقصد من الآية: وهذا إخبارٌ بشارةٌ كبيرةٌ منَ اللهِ لعبدهِ ورسولِه محمدٍ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- ، ووعدٌ منه له بأنّه سيقرئه قراءةً لا ينساها.


تفسير قوله تعالى: (إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (7) )
-معنى الاستثناء (إلا ما شاء الله)

قال قتادة: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا ينسى شيئاً إلاّ ما شاء اللّه.
مما اقتضتْ حكمتُهُ أنْ ينسيكَهُ لمصلحةٍ بالغةٍ.
وقيل: المراد بقوله: {فلا تنسى} طلبٌ، وجعلوا معنى الاستثناء على هذا ما يقع من النّسخ، أي: لا تنسى ما نقرئك إلاّ ما يشاء اللّه رفعه، فلا عليك أن تتركه.
-معنى {إنه يعلم الجهر وما يخفى }:
أي: يَعْلَمُ مَا ظَهَرَ وَمَا بَطَنَ، فيعلم ما يجهر به العباد وما يخفونه من أقوالهم وأفعالهم، لا يخفى عليه من ذلك شيءٌ.
وقيل: يعلمُ ما يصلحُ عبادهُ أي: فلذلكَ يَشرعُ ما أرادَ، ويحكمُ بما يريدُ.

تفسير قوله تعالى: (وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (8) )
-معنى الآية:

قيل: نسهّل عليك أفعال الخير وأقواله، ونشرّع لك شرعاً سهلاً سمحاً مستقيماً عدلاً لا اعوجاج فيه ولا حرج ولا عسر.
وقيل: نُهَوِّنُ عَلَيْكَ عَمَلَ الْجَنَّةِ، وَنُهَوِّنُ عَلَيْكَ الْوَحْيَ حَتَّى تَحْفَظَهُ وَتَعْمَلَ بِهِ، أَوْ نُوَفِّقُكَ للطَّرِيقَةِ اليُسْرَى فِي الدِّينِ والدنيا، فِي كُلِّ أَمْرٍ منْ أمورِهِمَا الَّتِي تَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ.
-ماتقتضيه الآية : وهذه أيضاً بشارةٌ كبيرةٌ، أنَّ اللهَ ييسرُ رسولَهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في جميعِ أمورِه ويجعلُ شرعَهُ ودينَهُ يسراً.

تفسير قوله تعالى: (فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (9) )
{فَذَكِّرْ} بشرعِ اللهِ وآياتهِ {إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} أي: ما دامتِ الذكرى مقبولةً، والموعظةُ مسموعةً، سواءٌ حصلَ منَ الذكرى جميعُ المقصودِ أو بعضُهُ.
فَأَمَّا مَنْ ذُكِّرَ وَبُيِّنَ لَهُ الْحَقُّ بِجَلاءٍ فَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَأَصَرَّ عَلَى العِصيانِ فَلا حَاجَةَ إِلَى تَذْكِيرِهِ، وَهَذَا فِي تكريرِ الدعوةِ، فَأَمَّا الدُّعَاءُ الأَوَّلُ فَعَامٌّ.
-ما تقتضيه الآية من الآداب:
ومن ههنا يؤخذ الأدب في نشر العلم، فلا يضعه عند غير أهله، كما قال أمير المؤمنين عليٌّ رضي اللّه عنه: ما أنت بمحدّثٍ قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلاّ كان فتنةً لبعضهم، وقال: حدّث الناس بما يعرفون، أتحبّون أن يكذّب اللّه ورسوله؟!؟.
-ومفهومُ الآيةِ أنَّهُ إنْ لمْ تنفعِ الذكرى، بأنْ كانَ التذكيرُ يزيدُ في الشَّرِّ، أو ينقصُ منَ الخِير، لمْ تكنِ الذكرى مأموراً بها، بل منهيّاً عنها.
فالذكرى ينقسمُ الناسُ فيها قسمينِ:
-منتفعونَ.
-وغيرُ منتفعينَ.
وسيأتي تفصيل ذلك في الآيات التالية .


تفسير قوله تعالى: (سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (10) )
-معنى الآية وسبب انتفاعه بالذكرى:

أي: سيتّعظ بما تبلّغه يا محمد، من قلبه يخشى اللّه ويعلم أنّه ملاقيه وهو المنتفع بالذكرى.
فقد ذكرَه بقولِهِ: {سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى} اللهَ تعالى، فإنَّ خشيةَ اللهِ تعالى، وعِلْمَهُ بأنْ سيجازيهِ على أعمالهِ، توجبُ للعبدِ الانكفافَ عن المعاصي والسعيَ في الخيراتِ.



تفسير قوله تعالى: { وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (11) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (12) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا (13) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19)}


تفسير قوله تعالى: (وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (11) )
-معنى الآية وسبب عدم انتفاعه بالذكرى:

أَيْ: وَيَتَجَنَّبُ الذِّكْرَى وَيَبْعُدُ عَنْهَا الأَشْقَى من الْكُفَّارِ؛ لإِصْرَارِهِ عَلَى الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَانْهِمَاكِهِ فِي مَعَاصِيهِ , وهو غير المنتفع بالذكرى وذكره بقولهِ: {وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى (11) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى} وهي النارُ الموقدةُ، التي تطلعُ على الأفئدةِ.

تفسير قوله تعالى: (الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (12) )
-النار الكبرى والنار الصغرى:

أَي:النار العَظِيمَةَ الفَظِيعَةَ، وَالنارُ الصُّغْرَى: نَارُ الدُّنْيَا

تفسير قوله تعالى: (ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا (13) )
أي: لا يموت فيستريح مما هو فيه من العذاب، ولا يحيا حياةً تنفعه، بل هي مضرّةٌ عليه؛ لأنّ بسببها يشعر ما يعاقب به من أليم العذاب وأنواع النّكال.
-الأحاديث والآيات الموافقة لهذه الآية:
وقال أحمد أيضاً: عن أبي سعيدٍ الخدريّ: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ((أمّا أهل النّار الّذين هم أهلها فإنّهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن أناس- أو كما قال- تصيبهم النّار بذنوبهم - أو قال: بخطاياهم - فيميتهم إماتةً، حتّى إذا صاروا فحماً أذن في الشّفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر، فنبتوا على أنهار الجنّة؛ فيقال: يا أهل الجنّة، أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبّة تكون في حميل السّيل)). قال: فقال رجلٌ من القوم حينئذٍ: كأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان بالبادية.
وقد قال اللّه إخباراً عن أهل النّار: {ونادوا يا مالك ليقض علينا ربّك قال إنّكم ماكثون}. وقال تعالى: {لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفّف عنهم من عذابها}. إلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى.

تفسير قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) )
-الأقوال في معنى (تزكى):

1-طهّر نفسه من الأخلاق الرّذيلة وتابع ما أنزل اللّه على الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه.
2-وقد قال الحافظ أبو بكرٍ البزّار: عن جابر بن عبد اللّه، عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: {قد أفلح من تزكّى}. قال: ((من شهد أن لا إله إلاّ اللّه، وخلع الأنداد وشهد أنّي رسول اللّه)) .
3-وقال قتادة في هذه الآية: {قد أفلح من تزكّى * وذكر اسم ربّه فصلّى}: زكّى ماله وأرضى خالقه.
4-{قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى} أي: قدْ فازَ وربحَ منْ طهَّرَ نفسهُ ونقَّاهَا منَ الشركِ والظلمِ ومساوئِ الأخلاقِ.

-مناقشة من قال بأن المراد بالتزكية هنا تزكية الأموال:
وأمَّا منْ فسَّرَ قولهُ: {تَزَكَّى} بمعنى أخرجَ زكاةَ الفطرِ {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} أنَّهُ صلاةُ العيد، فإنَّهُ وإنْ كانَ داخلاً في اللفظِ وبعضِ جزئياتهِ، فليسَ هو المعنى وحدهُ.


تفسير قوله تعالى: (وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15) )
-الأقوال في معنى (وذكر اسم ربه فصلى):

1-أي: أقام الصّلاة في أوقاتها ابتغاء رضوان اللّه وطاعةً لأمر اللّه وامتثالاً لشرع اللّه.
{وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ} ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ بِلِسَانِهِ، {فَصَلَّى}؛ أَيْ: فَأَقَامَ الصلواتِ الخَمْسَ.
وكذا قال ابن عبّاسٍ: إنّ المراد بذلك الصلوات الخمس. واختاره ابن جريرٍ.
2-اتصفَ بذكرِ اللهِ، وانصبغَ بهِ قلبهُ، فأوجبَ لهُ ذلكَ العملَ بما يرضي اللهَ، خصوصاً الصلاةَ، التي هيَ ميزانُ الإيمانِ، فهذا معنى الآيةِ الكريمةِ.
3-وَقِيلَ: تَذَكَّرَ مَوْقِفَهُ وَمعادَهُ فَعَبَدَهُ.
4- وَقِيلَ: الْمُرَادُ بالتَّزَكِّي فِي الآيَةِ الأُولَى زَكَاةُ الفطرِ، وَالْمُرَادُ بالصلاةِ صَلاةُ العيدِ.


تفسير قوله تعالى: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) )
أي: لا يفْعَلُونَ ذَلِكَ، بل يقدّمونها على أمر الآخرة، ويبدّونها على ما فيه نفعهم وصلاحهم في معاشهم ومعادهم.


تفسير قوله تعالى: (وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) )
أي: ثواب اللّه في الدار الآخرة خيرٌ من الدنيا وأبقى؛ فإنّ الدنيا دنيّةٌ فانيةٌ، والآخرة شريفةٌ باقيةٌ، فكيف يؤثر عاقلٌ ما يفنى على ما يبقى؟! ويهتمّ بما يزول عنه قريباً ويترك الاهتمام بدار البقاء والخلد؟!
-ماورد من الأحاديث والآثار مايوافق معنى الآية:
1-قال الإمام أحمد: عن عائشة قالت: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ((الدّنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له)).
2-وقال ابن جريرٍ: عن عرفجة الثّقفيّ قال: استقرأت ابن مسعودٍ: {سبّح اسم ربّك الأعلى}، فلمّا بلغ: {بل تؤثرون الحياة الدّنيا} ترك القراءة وأقبل على أصحابه، فقال: آثرنا الدنيا على الآخرة. فسكت القوم؛ فقال: آثرنا الدنيا؛ لأنّا رأينا زينتها ونساءها وطعامها وشرابها، وزويت عنّا الآخرة فاخترنا هذا العاجل، وتركنا الآجل.
وهذا منه على وجه التواضع والهضم، أو هو إخبارٌ عن الجنس من حيث هو، واللّه أعلم.
3-وقد قال الإمام أحمد: عن أبي موسى الأشعريّ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: ((من أحبّ دنياه أضرّ بآخرته، ومن أحبّ آخرته أضرّ بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى)). تفرّد به أحمد.
4-قَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا مِنْ ذَهَبٍ يَفْنَى، وَالآخِرَةُ مِنْ خَزَفٍ يَبْقَى، لَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يُؤْثَرَ خَزَفٌ يَبْقَى عَلَى ذَهَبٍ يَفْنَى، فَكَيْفَ وَالآخِرَةُ منْ ذَهَبٍ يَبْقَى، وَالدُّنْيَا منْ خَزَفٍ يَفْنَى؟!
-ما يورثه حب الدنيا:
فحبُّ الدنيا وإيثارُهَا على الآخرةِ رأسُ كلِّ خطيئةٍ.

تفسير قوله تعالى: (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) )
-على ماذا تعود الإشارة بقوله (إن هذا لفي الصحف الأولى)/

1-عن ابن عبّاسٍ قال: لمّا نزلت {إنّ هذا لفي الصّحف الأولى صحف إبراهيم وموسى}. قال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: ((كان كلّ هذا - أو: كان هذا - في صحف إبراهيم وموسى)).
عن ابن عبّاسٍ قال: لمّا نزلت: {سبّح اسم ربّك الأعلى}. قال: كلّها في صحف إبراهيم وموسى. فلمّا نزلت: {وإبراهيم الّذي وفّى}. قال: وفّى {ألاّ تزر وازرةٌ وزر أخرى}. يعني: أنّ هذه الآية كقوله تعالى في سورة النّجم: {أم لم ينبّأ بما في صحف موسى وإبراهيم الّذي وفّى ألاّ تزر وازرةٌ وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلاّ ما سعى وأنّ سعيه سوف يرى ثمّ يجزاه الجزاء الأوفى وأنّ إلّى ربّك المنتهى} .. الآيات إلى آخرهنّ.
2-واختار ابن جريرٍ أنّ المراد بقوله: {إنّ هذا}. إشارةٌ إلى قوله: {قد أفلح من تزكّى وذكر اسم ربّه فصلّى بل تؤثرون الحياة الدّنيا والآخرة خيرٌ وأبقى}. ثم قال تعالى: {إنّ هذا}. أي: مضمون هذا الكلام {لفي الصّحف الأولى صحف إبراهيم وموسى}. وهذا الذي اختاره حسنٌ قويٌّ، وقد روي عن قتادة وابن زيدٍ نحوه. واللّه أعلم.


تفسير قوله تعالى: (صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19) )
اللذين هما أشرفُ المرسلينَ، سوى النبيِّ محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ.
-ماتضمنته الآية :
تَتَابَعَتْ كُتُبُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ وَأَبْقَى مِنَ الدُّنْيَا , فهذهِ أوامرُ في كلِّ شريعةٍ، لكونِهَا عائدةً إلى مصالحِ الدارينِ، وهيَ مصالحُ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ.


مقدمات تفسير سورة الغاشية
من تفسير ابن كثير وتفسير السعدي وزبدة التفسير للأشقر



أسماء السورة : سورة الغاشية.

مكان نزول السورة: مكية.

فضائل السورة
قد تقدّم عن النّعمان بن بشيرٍ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقرأ بـ{سبّح اسم ربّك الأعلى}، و"الغاشية" في صلاة العيد ويوم الجمعة.
وقال الإمام مالكٌ: سأل الضّحّاك بن قيسٍ , النّعمان بن بشيرٍ: بم كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقرأ في الجمعة مع سورة الجمعة؟ قال: {هل أتاك حديث الغاشية}.

تفسير قوله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (4) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ (5) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (6) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (7) }

تفسير قوله تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1))
-ماتضمنته السورة من المواضيع:

يذكرُ تعالى أحوالَ يومِ القيامةِ وما فيها من الأهوالِ الطامَّةِ، وأنَّها تغشى الخلائقَ بشدائدها، فيجازونَ بأعمالهمْ، ويتميزونَ فريقينِ: فريقاً في الجنةِ، وفريقاً في السعيرِ
-المخاطب في الآية الرسول صلى الله عليه وسلم .
-معنى الغاشية وسبب التسمية بذلك:
الغاشية من أسماء يوم القيامة، قاله ابن عبّاسٍ وقتادة وابن زيدٍ؛ لأنّها تغشى النّاس وتعمّهم بأهوالها وأحداثها.
عن عمرو بن ميمونٍ، قال: مرّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم على امرأةٍ تقرأ: {هل أتاك حديث الغاشية}. فقام يستمع ويقول: ((نعم، قد جاءني))}

تفسير قوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2))
معنى الآية :

أيْ: إِنَّ النَّاسَ يَكُونُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرِيقَيْنِ فقالَ في أهلِ النارِ: وُجُوهُهُمْ ذَلِيلَةٌ خاضِعَةٌ؛ لِمَا هِيَ فِيهِ من الْعَذَابِ، وَقِيلَ: أَرَادَ وُجُوهَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى عَلَى الخُصوصِ.خاشعة : ذليلةٌ، قاله قتادة. وقال ابن عبّاسٍ: تخشع، ولا ينفعها عملها.

تفسير قوله تعالى: (عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3))
أي: قد عملت عملاً كثيراً، ونصبت فيه، وصليت يوم القيامة ناراً حاميةً.
-ذكر المراد بهذا الوصف:
1- عاملة ناصبة في الدنيا :

عن أبي عمران الجونيّ يقول: مرّ عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه بدير راهبٍ، قال: فناداه، يا راهب، يا راهب. فأشرف، قال: فجعل عمر ينظر إليه ويبكي، فقيل له: يا أمير المؤمنين ما يبكيك من هذا؟ قال: ذكرت قول اللّه عزّ وجلّ في كتابه: {عاملةٌ ناصبةٌ تصلى ناراً حاميةً}. فذاك الذي أبكاني.
وقال البخاريّ: قال ابن عبّاسٍ: {عاملةٌ ناصبةٌ}: النّصارى.
ولكنَّهُ لما عدمَ شرطهُ وهوَ الإيمانُ، صارَ يومَ القيامةِ هباءً منثوراً، وهذا الاحتمالُ وإنْ كانَ صحيحاً منْ حيثُ المعنى، فلا يدلُّ عليهِ سياقُ الكلامِ، بلِ الصوابُ المقطوعُ بهِ هو الاحتمالُ الثاني:
-لأنَّهُ قيدَهُ بالظرفِ، وهوَ يومُ القيامةِ.
-ولأنَّ المقصودَ هنا بيانُ وصفِ أهلِ النارِ عموماً، وذلكَ الاحتمالُ جزءٌ قليلٌ منْ أهلِ النارِ بالنسبةِ إلى أهلهَا.
-ولأنَّ الكلامَ في بيانِ حالِ الناسِ عندَ غشيانِ الغاشيةِ، فليسَ فيه تعرضٌ لأحوالهم في الدنيا
2-عاملة ناصبة في الآخرة :
تاعبةٌ في العذابِ، تُجرُّ على وجوههَا، وتغشى وجوههم النارُ.
3-عاملة في الدنيا ناصبة في الآخرة :
وعن عكرمة والسّدّيّ: {عاملةٌ} في الدّنيا بالمعاصي، {ناصبةٌ} في النار بالعذاب والأغلال, تُجرُّ على وجوههَا، وتغشى وجوههم النارُ.


تفسير قوله تعالى: (تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (4))
قال ابن عبّاسٍ والحسن وقتادة: {تصلى ناراً حاميةً}. أي: حارّةً شديدة الحر, تُحيطُ بهمْ من كلِّ مكانٍ.


تفسير قوله تعالى: (تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ (5))
أَيْ: يَشْرَبُونَ منْ مَائِهَا، وَالْمَاءُ الآنِي: هُوَ المُتَنَاهِي فِي الحَرّ .
1- قد انتهى حرّها وغليانها، قاله ابن عبّاسٍ ومجاهدٌ والحسن والسّدّيّ
2-حارةٍ شديدةِ الحرارةِ {وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ}


تفسير قوله تعالى: (لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (6))
-الاختلاف في طعام أهل النار:

1-قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: شجرٌ من نارٍ. وقال سعيد بن جبيرٍ: هو الزّقّوم.
2-وعنه أنّها الحجارة.
3-هُوَ نَوْعٌ من الشوكِ يقال له الشبرق , وبه قال ابن عبّاسٍ ومجاهدٌ وعكرمة وأبو الجوزاء وقتادة.
قال قتادة: قريشٌ تسمّيه في الرّبيع الشّبرق، وفي الصّيف الضّريع. وهو سمٌّ
قال عكرمة: وهو شجرةٌ ذات شوكٍ، لاطئةٌ بالأرض.
عن قتادة: {ليس لهم طعامٌ إلاّ من ضريعٍ}: من شرّ الطّعام وأبشعه وأخبثه


تفسير قوله تعالى: (لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (7))
وذلكَ أنَّ المقصودَ مِنَ الطعامِ أحدُ أمرينِ:

-إمَّا أنْ يسدَّ جوعَ صاحبهِ ويزيلَ عنهُ ألمَهُ.
-وإمَّا أنْ يسمنَ بدنَهُ من الهزالِ.
وهذا الطعامُ ليسَ فيهِ شيءٌ منْ هذينِ الأمرينِ، فلا يحصل به مقصودٌ، ولا يندفع به محذورٌ بلْ هوَ طعامٌ في غايةِ المرارةِ والنتنِ والخسةِ، نسألُ اللهَ العافيةَ



تفسير قوله تعالى: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (8) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (9) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (10) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (11) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (12) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (14) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (16)}


تفسير قوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (8))
-علاقة الآية بما قبلها:

لمّا ذكر حال الأشقياء ثنّى بذكر السّعداء؛
-صفة وجوه أهل الجنة وسبب وصفها بذلك:
فقال: {وجوهٌ يومئذٍ}. أي: يوم القيامة {ناعمةٌ}. أي: يعرف النّعيم فيها، فنضرتْ أبدانُهُمْ، واستنارتْ وجوهُهُمْ، وسرُّوا غايةَ السُّرورِ , وإنما حصل لها ذلك بسعيها ولِمَا شَاهَدُوهُ منْ عَاقِبَةِ أَمْرِهِمْ.


تفسير قوله تعالى: (لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (9))
{لِسَعْيِهَا} الذي قدمتهُ في الدنيا منَ الأعمالِ الصالحةِ، والإحسانِ إلى عبادِ اللهِ، {رَاضِيَةً} إذْ وجدتْ ثوابَهُ مدخراً مضاعفاً، فحمدتْ عقباهُ، وحصلَ لها كلُّ مَا تتمناهُ , لأَنَّهَا قَدْ أُعْطِيَتْ من الأجْرِ مَا أَرْضَاهَا.
وقال سفيان: {لسعيها راضيةٌ}: قد رضيت عملها.


تفسير قوله تعالى: (فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (10))
{فِي جَنَّةٍ} جامعةٍ لأنواعِ النعيمِ كلهَا، {عَالِيَةٍ} في محلهَا ومنازلِهَا، فمحلّهَا في أعلى عليينَ، ومنازلُهَا مساكنُ عاليةٌ، لها غرفٌ ومنْ فوقِ الغرفِ غرفٌ مبنيةٌ يشرفونَ منهَا على مَا أعدَّ اللهُ لهمْ من الكرامةِ.


تفسير قوله تعالى: (لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (11))
أي: لا يسمع في الجنّة التي هم فيها كلمة لغوٍ وباطلٍ، فضلاً عن الكلامِ المحرمِ، بلْ كلامُهُمْ كلامٌ حسنٌ مشتملٌ على ذكرِ اللهِ تعالَى، وذكرِ نعمهِ المتواترةِ عليهمْ، و الآدابِ المستحسنةِ بينَ المتعاشرينَ، الذي يسرُّ القلوبَ، ويشرحُ الصدورَ ، كما قال: {لا يسمعون فيها لغواً إلاّ سلاماً}. وقال: {لا لغوٌ فيها ولا تأثيمٌ}. وقال: {لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً إلاّ قيلاً سلاماً سلاماً}


تفسير قوله تعالى: (فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (12))
أي: سارحةٌ، وهذه نكرةٌ في سياق الإثبات، وليس المراد بها عيناً واحدةً، وإنّما هذا جنسٌ، يعني: فيهَا العيونُ الجاريةُ التي يفجرونَهَا ويصرفونَها كيفَ شاؤوا وأنَّى أرادوا
عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ((أنهار الجنّة تفجّر من تحت تلال - أو من تحت جبال – المسك.


تفسير قوله تعالى: (فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13))
والسررُ: جمعُ سريرٍ، وهي المجالسُ المرتفعةُ في ذاتها، وبمَا عليهَا من الفرشِ اللينةِ الوطيئةِ.
قالوا: فإذا أراد وليّ اللّه أن يجلس على تلك السّرر العالية تواضعت له.


تفسير قوله تعالى: (وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (14))
أوانٍ ممتلئةٌ منْ أنواعِ الأشربةِ اللذيذةِ، قدْ وضعتْ بينَ أيديهمْ، وأعدتْ لهمْ، وصارتْ تحتَ طلبهمْ واختيارهمْ، يطوفُ بهَا عليهمُ الوِلدانُ المخلدونَ .


تفسير قوله تعالى: (وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15))
قال ابن عبّاسٍ: النّمارق: الوسائد. وكذا قال عكرمة وقتادة والضحّاك والسّدّيّ والثّوريّ وغيرهم.
أي: وسائدُ مِنَ الحريرِ والإستبرقِ وغيرهمَا ممَا لا يعلمهُ إلا اللهُ، قدْ صفتْ للجلوسِ والاتكاءِ عليهَا، وقدْ أريحوا عنْ أنْ يضعوهَا، ويَصُفُّوهَا بأنفسهمْ


تفسير قوله تعالى: (وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (16))
قال ابن عبّاسٍ: الزّرابيّ: البسط الحسانُ. وكذا قال الضحّاك وغير واحدٍ.
ومعنى {مبثوثةٌ}. مملوءةٌ بهَا مجالسهمْ منْ كلِّ جانبٍ أي: ههنا وههنا لمن أراد الجلوس عليها.
عن كريبٌ أنّه سمع أسامة بن زيدٍ يقول: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ((ألا هل من مشمّرٍ للجنّة؟ فإنّ الجنّة لا خطر لها، هي وربّ الكعبة نورٌ يتلألأ، وريحانةٌ تهتزّ، وقصرٌ مشيدٌ، ونهرٌ مطّردٌ، وثمرةٌ نضيجةٌ، وزوجةٌ حسناء جميلةٌ، وحللٌ كثيرةٌ، ومقامٌ في أبدٍ في دارٍ سليمةٍ، وفاكهةٌ وخضرةٌ وحبرةٌ ونعمةٌ في محلّةٍ عاليةٍ بهيّةٍ)). قالوا: نعم، يا رسول اللّه نحن المشمّرون لها. قال: ((قولوا إن شاء اللّه)). قال القوم: إن شاء اللّه.



تفسير قوله تعالى: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (24) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)}

تفسير قوله تعالى: (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17))
يقولُ تعالَى حثّاً للذينَ لا يصدقونَ الرسولَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، ولغيرهمْ منَ الناسِ، آمراً لهم بالنظر إلى مخلوقاته الدّالّة على قدرته وعظمته: {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت}؛ فإنّها خلقٌ عجيبٌ، وتركيبها غريبٌ؛ فإنّها في غاية القوّة والشّدّة، وهي مع ذلك تلين للحمل الثقيل، وتنقاد للقائد الضعيف، وتؤكل وينتفع بوبرها، ويشرب لبنها.
-سبب تخصيص وذكر الإبل من بين سائر المخلوقات:
ونبّهوا بذلك؛ لأنّ العرب غالب دوابّهم كانت الإبل.
وكان شريحٌ القاضي يقول: اخرجوا بنا حتّى ننظر إلى الإبل كيف خلقت.


تفسير قوله تعالى: (وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18))
أي: كيف رفعها اللّه عزّ وجلّ عن الأرض هذا الرّفع العظيم بِلا عَمَدٍ، عَلَى وَجْهٍ لا يَنَالُهُ الفَهْمُ وَلا يُدْرِكُهُ الْعَقْلُ ، كما قال تعالى: {أفلم ينظروا إلى السّماء فوقهم كيف بنيناها وزيّنّاها وما لها من فروجٍ}


تفسير قوله تعالى: (وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19))
أي: جعلت منصوبةً قائمةً ثابتةً راسيةً؛ لئلاّ تميد الأرض بأهلها، وجعل فيها ما جعل من المنافع والمعادن.


تفسير قوله تعالى: (وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20))
مُدَّتْ مدّاً واسعاً، وسهلتْ غايةَ التسهيلِ، ليستقرَّ الخلائقُ على ظهرِهَا، ويتمكنُوا منْ حرثِهَا وغراسِهَا، والبنيانِ فيهَا، وسلوكِ الطرقِ الموصلةِ إلى أنواعِ المقاصدِ فيهَا.
واعلمْ أنَّ تسطيحَهَا لا ينافي أنَّهَا كرةٌ مستديرةٌ،قدْ أحاطتِ الأفلاكَ فيهَا منْ جميعِ جوانبهَا، كمَا دلَّ على ذلكَ النقلُ والعقلُ والحسُّ والمشاهدةُ، كمَا هوَ مذكورٌ معروفٌ عندَ أكثرِ الناسِ، خصوصاً في هذهِ الأزمنةِ، التي وقفَ الناسُ على أكثرِ أرجائِهَا بمَا أعطاهمُ اللهُ مِنَ الأسبابِ المقربةِ للبعيدِ، فإنَّ التسطيح إنَّمَا ينافي كرويةَ الجسمِ الصغيرِ جدّاً، الذي لو سطحَ لمْ يبقَ لهُ استدارةٌ تذكرُ. وأمَّا جسمُ الأرضِ الذي هوَ في غايةِ الكبرِ والسعةِ، فيكونُ كرويّاً مسطّحاً، ولا يتنافى الأمرانِ، كمَا يعرفُ ذلكَ أربابُ الخبرةِ.

-تخصيصه في الحث للتفكر بما سبق من المخلوقات:
نبّه البدويّ على الاستدلال بما يشاهده من بعيره الذي هو راكبٌ عليه، والسّماء التي فوق رأسه، والجبل الذي تجاهه، والأرض التي تحته، على قدرة خالق ذلك وصانعه، وأنّه الرّبّ العظيم الخالق المتصرّف المالك، وأنّه الإله الذي لا يستحقّ العبادة سواه. وهكذا أقسم "ضمامٌ" في سؤاله على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، كما رواه الإمام أحمد حيث قال:
عن أنسٍ قال: كنّا نهينا أن نسأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن شيءٍ، فكان يعجبنا أن يجيء الرّجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجلٌ من أهل البادية فقال: يا محمّد، إنّه أتانا رسولك فزعم لنا أنّك تزعم أنّ اللّه أرسلك. قال: ((صدق)). قال: فمن خلق السّماء؟ قال: ((اللّه)). قال: فمن خلق الأرض؟ قال: ((اللّه)). قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: ((اللّه)). قال: فبالذي خلق السّماء والأرض ونصب هذه الجبال آللّه أرسلك؟ قال: ((نعم)). قال: وزعم رسولك أنّ علينا خمس صلواتٍ في يومنا وليلتنا. قال: ((صدق)). قال: فبالذي أرسلك آللّه أمرك بهذا؟ قال: ((نعم)). قال: وزعم رسولك أنّ علينا زكاةً في أموالنا. قال: ((صدق)). قال: فبالذي أرسلك آللّه أمرك بهذا؟ قال: ((نعم)). قال: وزعم رسولك أنّ علينا حجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً. قال: ((صدق)). قال: ثمّ ولّى فقال: والذي بعثك بالحقّ لا أزيد عليهنّ شيئاً ولا أنقص منهنّ شيئاً؛ فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: ((إن صدق ليدخلنّ الجنّة)).

تفسير قوله تعالى: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) )
أي: فذكّر يا محمّد النّاس بما أرسلت به إليهم وعِظهمْ، وأنذرهمْ وبشِّرهمْ، فإنَّكَ مبعوثٌ لدعوةِ الخلقِ إلى اللهِ وتذكيرهمْ ، فإنّما عليك البلاغ وعلينا الحساب.
عن جابرٍ قال: قال صلّى اللّه عليه وسلّم: ((أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا لا إله إلاّ اللّه، فإذا قالوها عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها، وحسابهم على اللّه عزّ وجلّ)). ثمّ قرأ {فذكّر إنّما أنت مذكّرٌ * لست عليهم بمسيطرٍ}.


تفسير قوله تعالى: (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22))
قال ابن عبّاسٍ ومجاهدٌ وغيرهما: لست عليهم بجبّارٍ.
وقال ابن زيدٍ: لست بالذي تكرههم على الإيمان.
فإنَّكَ مبعوثٌ لدعوةِ الخلقِ إلى اللهِ وتذكيرهمْ، ولمْ تبعثْ مسيطراً عليهمْ، مسلّطاً موكَّلاً بأعمالهمْ، فإذا قمتَ بمَا عليكَ، فلا عليكَ بعدَ ذلكَ لومٌ، كقولهِ تعالى: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ}.


تفسير قوله تعالى: (إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23))
أي: لكن من تولّى عن الطاعة والعمل بأركانه وكفر بالحقّ بجنانه ولسانه، وهذه كقوله: {فلا صدّق ولا صلّى ولكن كذّب وتولّى}


تفسير قوله تعالى: (فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (24))
أي: الشديدَ الدائمَ , وَهُوَ عَذَابُ جَهَنَّمَ.
عن عليّ بن خالدٍ، أنّ أبا أمامة الباهليّ مرّ على خالد بن يزيد بن معاوية فسأله عن ألين كلمةٍ سمعها من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: ((ألا كلّكم يدخل الجنّة إلاّ من شرد على اللّه شراد البعير على أهله)).
تفرّد بإخراجه الإمام أحمد.


تفسير قوله تعالى: (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25))
مرجعهم بَعْدَ الْمَوْتِ ومنقلبهم , وجمعهمْ في يومِ القيامةِ .


تفسير قوله تعالى: (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26))
أي: نحن نحاسبهم على أعمالهم ونجازيهم بها، إن خيراً فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ بعد رجوعهم إلى الله في البعث.



مقدمات تفسير سورة الفجر
من تفسير ابن كثير وتفسير السعدي وزبدة التفسير للأشقر


أسماء السورة: سورة الفجر.

نزول السورة: مكية

فضائل السورة:
عن جابرٍ، قال: صلّى معاذٌ صلاةً فجاء رجلٌ فصلّى معه فطوّل، فصلّى في ناحية المسجد ثمّ انصرف، فبلغ ذلك معاذاً، فقال: منافقٌ.
فذكر ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فسأل الفتى فقال: يا رسول الله، جئت أصلّي معه فطوّل عليّ، فانصرفت وصلّيت في ناحية المسجد، فعلفت ناقتي. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ((أفتّانٌ يا معاذ؟ أين أنت من {سبّح اسم ربّك الأعلى} و {الشّمس وضحاها} و {الفجر} و {اللّيل إذا يغشى}؟)).


{وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (5) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)}.


تفسير قوله تعالى: (وَالْفَجْرِ (1))
الظاهرُ أنَّ المقسمَ بهِ هو المقسمُ عليهِ،وذلكَ جائزٌ مستعملٌ، إذا كانَ أمراً ظاهراً مُهِمّاً، وهوَ كذلكَ في هذا الموضعِ.
-المراد بالفجر وسبب الإقسام به :
1- المعنى العام : أمّا الفجر فمعروفٌ، وهو الصّبح. قاله عليٌّ وابن عبّاسٍ ومجاهدٌ وعكرمة والسّدّيّ.
فأقسمَ تعالى بالفجرِ،الذي هوَ آخرُ الليلِ ومقدمةُ النهارِ، لمَا في إدبارِ الليلِ وإقبالِ النهارِ من الآياتِ الدالةِ على كمالِ قدرةِ اللهِ تعالَى، وأنَّهُ وحدهُ المدبّرُ لجميعِ الأمورِ، الذي لا تنبغي العبادةُ إلا لهُ.
ويقعُ في الفجرِ صلاةٌ فاضلةٌ معظمةٌ، يحسنُ أنْ يقسمَ اللهُ بهَا، ولهذا أقسمَ بعدهُ بالَّليالي العشرِ.

2- وعن مسروقٍ ومحمّد بن كعبٍ: المراد به فجر يوم النحر خاصّةً، وهو خاتمة الليالي العشر.
-المراد بالفجر جميع النهار أو الإقسام بصلاة الفجر:
أ- وقيل: المراد بذلك الصلاة التي تفعل عنده. كما قاله عكرمة.
ب-وقيل: المراد به جميع النهار. وهو روايةٌ عن ابن عبّاسٍ.


تفسير قوله تعالى: (وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2)
واللّيالي العشر المراد بها :

1-عشر ذي الحجّة، كما قاله ابن عبّاسٍ وابن الزّبير ومجاهدٌ وغير واحدٍ من السّلف والخلف.
وقد ثبت في صحيح البخاريّ عن ابن عبّاسٍ مرفوعاً: ((ما من أيّامٍ العمل الصّالح أحبّ إلى الله فيهنّ من هذه الأيّام)). يعني: عشر ذي الحجّة. قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ((ولا الجهاد في سبيل الله إلاّ رجلاً خرج بنفسه وماله ثمّ لم يرجع من ذلك بشيءٍ)).
2-وقيل: المراد بذلك العشر الأول من المحرّم.حكاه أبو جعفر بن جريرٍ، ولم يعزه إلى أحدٍ.
3-وقد روى أبو كدينة، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ: {وليالٍ عشرٍ} قال: هو العشر الأول من رمضان.
4-العشر الأواخر من رمضان : وفي ليالي عشرِ رمضانَ ليلةُ القدرِ، التي هيَ خيرٌ منْ ألفِ شهرٍ، وفي نهارِهَا صيامُ آخرِ رمضانَ الذي هوَ ركنٌ منْ أركانِ الإسلامِ.

والصّحيح هو القول الأوّل؛ فإنَّها ليالٍ مشتملةٌ على أيامٍ فاضلةٍ، ويقعُ فيهَا منَ العباداتِ والقرباتِ ما لا يقعُ في غيرهَا.
عن جابرٍ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال: ((إنّ العشر عشر الأضحى، والوتر يوم عرفة، والشّفع يوم النّحر))
وفي أيامِ عشرِ ذي الحجةِ: الوقوفُ بعرفةَ،الذي يغفرُ اللهُ فيهِ لعبادهِ مغفرةً يحزنُ لهَا الشيطانُ، فما رُئِيَ الشيطانُ أحقرَ ولا أدحرَ منهُ في يومِ عرفةَ، لمَا يرى مِنْ تنزُّلِ الأملاكِ والرحمةِ منَ اللهِ لعبادِهِ، ويقعُ فيهَا كثيرٌ من أفعالِ الحجِّ والعمرةِ، وهذه أشياءُ معظمةٌ، مستحقةٌ لأنْ يقسمَ اللهُ بهَا.


تفسير قوله تعالى: (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3))
-ذكر الخلاف في معنى الآية:

1-قد تقدّم في هذا الحديث أنّ الوتر يوم عرفة؛ لكونه التّاسع، وأنّ الشّفع يوم النّحر؛ لكونه العاشر. وقاله ابن عبّاسٍ وعكرمة والضّحّاك أيضاً.
2- الشّفع يوم عرفة، والوتر ليلة الأضحى.
3-قولٌ ثالثٌ: الشفع قول الله عزّ وجلّ: {فمن تعجّل في يومين فلا إثم عليه}، والوتر قوله: {ومن تأخّر فلا إثم عليه}.
يقول ابن الزّبير : الشفع: أوسط أيام التشريق، والوتر: آخر أيام التشريق.
عن جابرٍ، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: ((الشّفع اليومان، والوتر الثّالث)).
هكذا ورد هذا الخبر بهذا اللفظ، وهو مخالفٌ لما تقدّم من اللّفظ في رواية أحمد والنّسائيّ وابن أبي حاتمٍ، وما رواه هو أيضاً.والله أعلم.
4-قولٌ رابعٌ: الخلق كلّهم شفعٌ ووترٌ، أقسم تعالى بخلقه.
5-قولٌ خامسٌ : {والشّفع والوتر} قال: الله وترٌ واحدٌ وأنتم شفعٌ.
الشّفع: الزّوج، والوتر: الله عزّ وجلّ.
عن مجاهدٍ قوله: {والشّفع والوتر}: كلّ شيءٍ خلقه الله شفعٌ، السماء والأرض، والبرّ والبحر، والجنّ والإنس، والشمس والقمر، ونحو هذا.
ونحا مجاهدٌ في هذا ما ذكروه في قوله تعالى: {ومن كلّ شيءٍ خلقنا زوجين لعلّكم تذكّرون} أي: لتعلموا أنّ خالق الأزواج واحدٌ.
6-قولٌ سادسٌ: {والشّفع والوتر} هو العدد؛ منه شفعٌ ومنه وترٌ.
7-قولٌ سابعٌ في الآية الكريمة: هي الصلاة؛ منها شفعٌ كالرّباعيّة والثّنائيّة، ومنها وترٌ كالمغرب؛ فإنها ثلاثٌ، وهي وتر النهار. وكذلك صلاة الوتر في آخر التهجّد من الليل.


تفسير قوله تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4))
1-إذا غاب وأدبر : قال العوفيّ، عن ابن عبّاسٍ: أي: إذا ذهب.
وقال عبد الله بن الزّبير: {واللّيل إذا يسر} حتى يذهب بعضه بعضاً.
وقال مجاهدٌ وأبو العالية وقتادة ومالكٌ، عن زيد بن أسلم وابن زيدٍ: {واللّيل إذا يسر}: إذا سار.وهذا يمكن على حمله على ما قال ابن عبّاسٍ، أي: ذهب.
2- إذا أتى وأقبل: ويحتمل أن يكون المراد: إذا سار، أي: أقبل، وقد يقال: إن هذا أنسب؛ لأنه في مقابلة قوله: {والفجر}؛ فإنّ الفجر هو إقبال النهار وإدبار الليل، فإذا حمل قوله: {واللّيل إذا يسر} على إقباله كان قسماً بإقبال الليل وإدبار النهار، وبالعكس: {واللّيل إذا عسعس والصّبح إذا تنفّس}.
وكذا قال الضّحّاك: {واللّيل إذا يسر} أي: يجري.
وقال عكرمة: {واللّيل إذا يسر} يعني: ليلة جمعٍ.


تفسير قوله تعالى: (هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (5))
{هَلْ فِي ذَلِكَ} المذكورِ {قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ} أي: عقلٍ؟ نعمْ، بعضُ ذلكَ يكفي , فَمَنْ كَانَ ذَا عَقْلٍ وَلُبٍّ عَلِمَ أَنَّ مَا أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ منْ هَذِهِ الأَشْيَاءِ حَقِيقٌ بِأَنْ يُقْسَمَ بِهِ .
-سبب تسمية العقل حجرا:
وإنما سمّي العقل حجراً؛ لأنه يمنع الإنسان من تعاطي ما لا يليق به من الأفعال والأقوال، ومنه حجر البيت؛ لأنه يمنع الطائف من اللّصوق بجداره الشاميّ، ومنه حجر اليمامة، وحجر الحاكم على فلانٍ إذا منعه التصرّف، {ويقولون حجراً محجوراً}، كلّ هذا من قبيلٍ واحدٍ ومعنًى متقاربٍ.
-نوع القسم:
وهذا القسم هو بأوقات العبادة وبنفس العبادة من حجٍّ وصلاةٍ، وغير ذلك من أنواع القرب التي يتقرّب بها إليه عباده المتّقون، المطيعون له، الخائفون منه، المتواضعون لديه، الخاشعون لوجهه الكريم .


تفسير قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6))
-علاقة الآية بما قبلها:

ولمّا ذكر هؤلاء وعبادتهم وطاعتهم قال بعده: {ألم تر كيف فعل ربّك بعادٍ} وهؤلاء كانوا متمرّدين عتاةً جبّارين، خارجين عن طاعته، مكذّبين لرسله، جاحدين لكتبه، فذكر تعالى كيف أهلكهم ودمّرهم وجعلهم أحاديث وعبراً فقال: {ألم تر كيف فعل ربّك بعادٍ إرم ذات العماد}
أي {أَلَمْ تَرَ} بقلبكَ وبصيرتكَ كيفَ فُعِلَ بهذهِ الأمم الطاغية.
-المراد بقوم عاد وسبب ذكرهم:
وهؤلاء عادٌ الأولى، وهم أولاد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوحٍ. قاله ابن إسحاق، وهم الذي بعث فيهم رسوله هوداً عليه السلام، فكذّبوه وخالفوه، فأنجاه الله من بين أظهرهم ومن آمن معه منهم، وأهلكهم {بريحٍ صرصرٍ عاتيةٍ سخّرها عليهم سبع ليالٍ وثمانية أيّامٍ حسوماً فترى القوم فيها صرعى كأنّهم أعجاز نخلٍ خاويةٍ فهل ترى لهم من باقيةٍ}. وقد ذكر الله قصّتهم في القرآن في غير ما موضعٍ؛ ليعتبر بمصرعهم المؤمنون , وَيُقَالُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ: عَادٌ الأُخْرَى.


تفسير قوله تعالى: (إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7))
عطف بيانٍ؛ زيادة تعريفٍ بهم
-المراد بإرم:
قال مجاهدٌ: إرم أمّةٌ قديمةٌ. يعني: عاداً الأولى.
قال قتادة بن دعامة والسّدّيّ: إنّ إرم بيت مملكة عادٍ. وهذا قولٌ حسنٌ جيّدٌ قويٌّ.
-سبب تسميتهم بـ{ذات العماد}:
وقوله : {ذات العماد}؛ لأنهم كانوا يسكنون بيوت الشّعر التي ترفع بالأعمدة الشّداد، وقد كانوا أشدّ الناس في زمانهم خلقةً وأقواهم بطشاً.
وقال مجاهدٌ وقتادة والكلبيّ في قوله: {ذات العماد}: كانوا أهل عمودٍ، لا يقيمون.
وقال العوفيّ، عن ابن عبّاسٍ: إنما قيل لهم: {ذات العماد} لطولهم. واختار الأوّل ابن جريرٍ، وردّ الثاني فأصاب.
قلت: فعلى كلّ قولٍ، سواءٌ كانت العماد أبنيةً بنوها، أو أعمدة بيوتهم للبدو، أو سلاحاً يقاتلون به، أو طول الواحد منهم - فهم قبيلةٌ وأمّةٌ من الأمم، وهم المذكورون في القرآن في غير ما موضعٍ، المقرونون بثمود، كما ههنا. والله أعلم.
ومن زعم أنّ المراد بقوله: {إرم ذات العماد} مدينةٌ إما دمشق، كما روي عن سعيد بن المسيّب وعكرمة، أو إسكندريّة كما روي عن القرظيّ، أو غيرهما - ففيه نظرٌ؛ فإنه كيف يلتئم الكلام على هذا: {ألم تر كيف فعل ربّك بعادٍ إرم ذات العماد} إن جعل ذلك بدلاً أو عطف بيانٍ؛ فإنه لا يتّسق الكلام حينئذٍ، ثمّ المراد إنما هو الإخبار عن إهلاك القبيلة المسماة بعادٍ، وما أحلّ الله بهم من بأسه الذي لا يردّ، لا أنّ المراد الإخبار عن مدينةٍ أو إقليمٍ.
وإنما نبّهت على هذا لئلا يغترّ بكثيرٍ ممّا ذكره جماعةٌ من المفسّرين عند هذه الآية من ذكر مدينةٍ يقال لها: إرم ذات العماد مبنيةٌ بلبن الذهب والفضّة، قصورها ودورها وبساتينها، وأن حصباءها لآلئ وجواهر، وترابها بنادق المسك، وأنهارها سارحةٌ، وثمارها ساقطةٌ، ودورها لا أنيس بها، وسورها وأبوابها تصفر، ليس بها داعٍ ولا مجيبٌ، وأنّها تنتقل؛ فتارةً تكون بأرض الشام، وتارةً باليمن، وتارةً بالعراق، وتارةً بغير ذلك من البلاد.
فإنّ هذا كلّه من خرافات الإسرائيليّين من وضع بعض زنادقتهم؛ ليختبروا بذلك القول عقول الجهلة من الناس إن صدّقهم في جميع ذلك.


-سبب ذكرهم:
ولهذا ذكّرهم هودٌ بتلك النعمة، وأرشدهم إلى أن يستعملوها في طاعة ربّهم الذي خلقهم، فقال: {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوحٍ وزادكم في الخلق بسطةً فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين}
وقال تعالى: {فأمّا عادٌ فاستكبروا في الأرض بغير الحقّ وقالوا من أشدّ منّا قوّةً أولم يروا أنّ الله الّذي خلقهم هو أشدّ منهم قوّةً}،


تفسير قوله تعالى: (الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8))
-عود الضمير في قوله (مثلها):

1-أعاد ابن زيدٍ الضمير على العماد؛ لارتفاعها، وقال: بنوا عمداً بالأحقاف لم يخلق مثلها في البلاد.
2-أمّا قتادة وابن جريرٍ فأعاد الضمير على القبيلة؛ أي: لم يخلق مثل تلك القبيلةِ في الطُّولِ والشِّدَّةِ وَالقُوَّةِ في البلاد، يعني: في زمانهم. وهذا القول هو الصواب.
وقول ابن زيدٍ ومن ذهب مذهبه ضعيفٌ؛ لأنه لو كان أراد ذلك لقال: التي لم يعمل مثلها في البلاد، وإنما قال: {لم يخلق مثلها في البلاد}


تفسير قوله تعالى: (وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9))
يعني: يقطّعون الصخر بالوادي.
قال ابن عبّاسٍ: ينحتونها ويخرقونها، وكذا قال مجاهدٌ وقتادة والضحّاك وابن زيدٍ، ومنه يقال: (مجتابي النّمار) إذا خرقوها، واجتاب الثوب إذا فتحه، ومنه الجيب أيضاً، وقال الله تعالى: {وتنحتون من الجبال بيوتاً فارهين}.
وقال ابن إسحاق: كانوا عرباً، وكان منزلهم بوادي القرى , نحتُوا بقوتهمُ الصخورَ، فاتخذوها مساكن.



تفسير قوله تعالى: (وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10))
-الأقوال في معنى (ذي الأوتاد)

1-عن ابن عبّاسٍ: الأوتاد: الجنود الذين يشدّون له أمر وثبتوا ملكهُ، كما تُثبتُ الأوتادُ ما يرادُ إمساكهُ بهَا .
2-ويقال: كان فرعون يوتّد أيديهم وأرجلهم في أوتادٍ من حديدٍ، يعلّقهم بها. وكذا قال مجاهدٌ: كان يوتّد الناس بالأوتاد. وهكذا قال سعيد بن جبيرٍ والحسن والسّدّيّ.
قال السدّيّ: كان يربط الرّجل في كلّ قائمةٍ من قوائمه في وتدٍ، ثمّ يرسل عليه صخرةً عظيمةً فتشدخه.
وقال قتادة: بلغنا أنه كان له مطالّ وملاعب يلعب له تحتها من أوتادٍ وحبالٍ.
3-وقال ثابتٌ البنانيّ، عن أبي رافعٍ: قيل لفرعون: {ذي الأوتاد}؛ لأنه ضرب لامرأته أربعة أوتادٍ، ثمّ جعل على ظهرها رحًى عظيمةً حتى ماتت
4-وَهِيَ الأهرامُ الَّتِي بَنَاهَا الفَرَاعِنَةُ؛ لِتَكُونَ قُبُوراً لَهُمْ، وَسَخَّرُوا فِي بِنَائِهَا شُعُوبَهُمْ.


تفسير قوله تعالى: (الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11))
هذا الوصفُ عائدٌ إلى عادٍ وثمودَ وفرعونَ ومَنْ تبعهمْ، فإنَّهم طغوا في بلادِ اللهِ، وآذوا عبادَ اللهِ، في دينهمْ ودنياهمْ،أي: تمرّدوا وعتوا وعاثوا في الأرض بالإفساد والأذيّة للناس


تفسير قوله تعالى: (فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12))
المراد بالفساد في الآية : وهو العملُ بالكفرِ وشُعبِهِ، منْ جميعِ أجناسِ المعاصي، وسعَوا في محاربةِ الرسلِ وصدِّ الناسِ عن سبيلِ اللهِ، فلمَّا بلغُوا منَ العتوِّ ما هوَ موجبٌ لهلاكهمْ أرسلَ اللهُ عليهمْ منْ عذابهِ ذنوباً وسوطَ عذابٍ.


تفسير قوله تعالى: (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13))
أي: أنزل عليهم رجزاً من السماء، وأحلّ بهم عقوبةً لا يردّها عن القوم المجرمين.
وهوَ العملُ بالكفرِ وشُعبِهِ، منْ جميعِ أجناسِ المعاصي، وسعَوا في محاربةِ الرسلِ وصدِّ الناسِ عن سبيلِ اللهِ، فلمَّا بلغُوا منَ العتوِّ ما هوَ موجبٌ لهلاكهمْ أرسلَ اللهُ عليهمْ منْ عذابهِ ذنوباً وسوطَ عذابٍ.
أَيْ: أَفْرَغَ عَلَيْهِمْ وَأَلْقَى عَلَى تِلْكَ الطوائفِ عَذَاباً، كَمَا يُقَالُ: صَبَبْتُ السوطَ عَلَى المُجْرِمِ؛أَيْ: جَلَدْتُهُ بِهِ جَلْداً شَدِيداً.


تفسير قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14))
قال ابن عبّاسٍ: يسمع ويرى.
يعني: يرصد خلقه فيما يعملون، ويجازي كلاًّ بسعيه في الدنيا والأخرى، وسيعرض الخلائق كلّهم عليه فيحكم فيهم بعدله، ويقابل كلاًّ بما يستحقّه، وهو المنزّه عن الظّلم والجور.
وقيل لبالمرصاد لمنْ عصاهُ يمهلُهُ قليلاً، ثمَّ يأخذُهُ أخذَ عزيزٍ مقتدرٍ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: عَلَيْهِ طَرِيقُ الْعِبَادِ لا يَفُوتُهُ أَحَدٌ.



تفسير قوله تعالى: {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20)}


تفسير قوله تعالى: (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15))
-المعنى الإجمالي للآية:

يخبرُ تعالَى عنْ طبيعةِ الإنسانِ منْ حيثُ هوَ،وأنَّهُ جاهلٌ ظالمٌ، لا علمَ لهُ بالعواقبِ، يظنُ الحالةَ التي تقعُ فيهِ تستمرُ ولا تزولُ، ويظنُّ أنَّ إكرامَ اللهِ في الدنيا وإنعامَهُ عليه يدلُّ على كرامتهِ عندهُ وقربه منهُ.
-المعنى التفصيلي:
{فَأَمَّا الإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ رَبُّهُ} امْتَحَنَهُ وَاخْتَبَرَهُ بالنِّعَمِ، {فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ}؛ أَيْ: أَكْرَمَهُ بِالْمَالِ وَوَسَّعَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ في الدينا، {فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ} اعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الكَرامةُ؛ فَرَحاً بِمَا نَالَ، وَسُرُوراً بِمَا أُعْطِيَ غَيْرَ شَاكِرٍ لِلَّهِ عَلَى ذَلِكَ، وَلا خَاطِرٍ بِبَالِهِ أَنَّ ذَلِكَ امْتِحَانٌ لَهُ مِنْ رَبِّهِ.


تفسير قوله تعالى: (وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) )
-المعنى الإجمالي:

يخبرُ تعالَى عنْ طبيعةِ الإنسانِ منْ حيثُ هوَ،وأنَّهُ جاهلٌ ظالمٌ، لا علمَ لهُ بالعواقبِ، يظنُ الحالةَ التي تقعُ فيهِ تستمرُ ولا تزولُ، ويظنُّ أنَّ إكرامَ اللهِ في الدنيا وإنعامَهُ عليه يدلُّ على كرامتهِ عندهُ وقربه منهُ، وأنَّهُ إذا {قَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} أي: ضيَّقهُ، فصارَ بقدرِ قوتهِ لا يفضلُ منهُ، أن هذا إهانةٌ منَ اللهِ لهُ.
-المعنى التفصيلي:
{وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاَهُ
}؛أَي: اخْتَبَرَهُ وَامْتَحَنَهُ.
{فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ}؛ أَيْ: ضَيَّقَهُ وَلَمْ يُوَسِّعْهُ لَهُ، وَلا بَسَطَ لَهُ فِيهِ.
{فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ}؛ أَيْ: أَوْلانِي هَوَاناً.
-الفرق بين المؤمن والكافر في قياس الأمور ومعرفة رضا الله من غضبه:
يقيس ذلك بحسب عطاء الله له في الدنيا وتوسيعه له في رزقه أو العكس وَهَذِهِ صِفَةُ الْكَافِرِ الَّذِي لا يُؤْمِنُ بِالْبَعْثِ ؛ لأَنَّهُ لا كَرَامَةَ عِنْدَهُ إِلاَّ الدُّنْيَا والتَّوَسُّعُ فِي مَتَاعِهَا، وَلا إِهَانَةَ عِنْدَهُ إِلاَّ فَوْتُهَا وَعَدَمُ وُصُولِهِ إِلَى مَا يُرِيدُ منْ زِينَتِهَا.
فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فالكرامةُ عِنْدَهُ أَنْ يُكْرِمَهُ اللَّهُ بِطَاعَتِهِ، وَيُوَفِّقَهُ لِعَمَلِ الآخِرَةِ، والإهانةُ عِنْدَهُ أَلاَّ يُوَفِّقَهُ اللَّهُ للطَّاعَةِ وَعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَلَيْسَ سَعَةُ الدُّنْيَا كَرَامَةً، وَلَيْسَ ضِيقُهَا إِهَانَةً، وَإِنَّمَا الغِنَى اخْتِبَارٌ للغَنِيِّ هَلْ يَشْكُرُ، وَالفَقْرُ اخْتِبَارٌ لَهُ هَلْ يَصْبِرُ.


تفسير قوله تعالى: (كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17))
يقول تعالى منكراً على الإنسان في اعتقاده إذا وسّع الله عليه في الرزق؛ ليختبره في ذلك، فيعتقد أن ذلك من الله إكرامٌ له، وليس كذلك، بل هو ابتلاءٌ وامتحانٌ، كما قال تعالى: {أيحسبون أنّما نمدّهم من مالٍ وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون}
وكذلك في الجانب الآخر، إذا ابتلاه وامتحنه، وضيّق عليه في الرزق يعتقد أن ذلك من الله إهانةٌ له، قال الله: {كلاّ} رَدْعٌ للإنسانِ الْقَائِلِ فِي الحَالَتَيْنِ مَا قَالَ, وَزَجْرٌ لَهُ , أي: ليس الأمر كما زعم، لا في هذا ولا في هذا؛ فإنّ الله يعطي المال من يحبّ ومن لا يحبّ، ويضيّق على من يحبّ ومن لا يحبّ، وإنما المدار في ذلك على طاعة الله في كلٍّ من الحالين، إذا كان غنيًّا بأن يشكر الله على ذلك، وإذا كان فقيراً بأن يصبر.
وأيضاً فإنَّ وقوفَ همّةِ العبدِ عندَ مرادِ نفسهِ فقطْ، منْ ضعفِ الهمةِ، ولهذا لامَهمُ اللهُ على عدمِ اهتمامِهمْ بأحوالِ الخلقِ المحتاجينَ، فقالَ:{كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ} الذي فقدَ أباهُ وكاسبَهُ، واحتاجَ إلى جبرِ خاطرهِ والإحسانِ إليهِ.
-وقوله: {بل لا تكرمون اليتيم} فيه أمرٌ بالإكرام له، كما جاء في الحديث عن أبي هريرة، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: ((خير بيتٍ في المسلمين بيتٌ فيه يتيمٌ يحسن إليه، وشرّ بيتٍ في المسلمين بيتٌ فيه يتيمٌ يساء إليه)). ثمّ قال بأصبعه: ((أنا وكافل اليتيم في الجنّة هكذا)).


تفسير قوله تعالى: (وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18))
يعني:
لا يأمرون بالإحسان إلى الفقراء والمساكين، ويحثّ بعضهم على بعضٍ في ذلك.
وذلكَ لأجلِ الشُّحِّ على الدنيا ومحبتهَا الشديدةِ المتمكنةِ مِنَ القلوبِ، ولهذا قالَ: {وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ}

تفسير قوله تعالى: (وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (19))
يعني: الميراث وهو المالَ المخلفَ .
وقيل: أَمْوَالَ الْيَتَامَى وَالنِّسَاءِ وَالضُّعَفَاءِ،
{أكلاً لمًّا} أي: : أَكْلاً شَدِيداً من أيّ جهةٍ حصل لهم، من حلالٍ أو حرامٍ.


تفسير قوله تعالى: (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20))
أي: كثيراً شديداً. زاد بعضهم: فاحشاً.
وهذا كقولهِ تعالى:{بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}وقوله: {كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ}.


تفسير قوله تعالى: {كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26) يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)}

تفسير قوله تعالى: (كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21))
يخبر تعالى عمّا يقع يوم القيامة من الأهوال العظيمة:
فقال: {كلاّ} أي: ليسَ ما أحببتمْ منَ الأموالِ، وتنافستمْ فيهِ منَ اللذاتِ، بباقٍ لكمْ،بلْ أمامكمْ يومٌ عظيمٌ، وهولٌ جسيمٌ، تُدكُّ فيهِ الأرضُ والجبالُ وما عليهَا حتى تُجعلَ قاعاً صفصفاً لا عوجَ فيهِ ولا أمت .
وقيل : مَا هكذا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَمَلُكُمْ.
{إذا دكّت الأرض دكًّا دكًّا} الدَّكُّ: الكَسْرُ وَالدَّقُّ؛ زُلْزِلَتْ وَحُرِّكَتْ تَحْرِيكاً بَعْدَ تَحْرِيكٍ، أَوْ دُكَّتْ جِبَالُهَا حَتَّى اسْتَوَتْ.
والمعنى: وطئت ومهّدت وسوّيت الأرض والجبال، وقام الخلائق من قبورهم لربّهم.


تفسير قوله تعالى: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22))
{وجاء ربّك} يعني
: لفصل القضاء بين خلقه، وذلك بعدما يستشفعون إليه بسيّد ولد آدم على الإطلاق: محمّدٍ صلوات الله وسلامه عليه، بعدما يسألون أولي العزم من الرسل واحداً بعد واحدٍ، فكلّهم يقول: لست بصاحب ذاكم. حتى تنتهي النّوبة إلى محمدٍ صلّى الله عليه وسلّم فيقول: ((أنا لها، أنا لها)). فيذهب فيشفع عند الله تعالى في أن يأتي لفصل القضاء، فيشفّعه الله تعالى في ذلك.
وهي أوّل الشفاعات، وهي المقام المحمود، كما تقدّم في بيانه، وفي سورة (سبحان). فيجيء الربّ تعالى لفصل القضاء كما يشاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفاً صفوفاً. كلُّ سماءٍ يجيءُ ملائكتهَا صفّاً، يحيطونَ بمنْ دونهمْ منَ الخلقِ، وهذهِ الصفوفُ صفوفُ خضوعٍ وذلٍّ للملكِ الجبارِ.


تفسير قوله تعالى: (وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23))
{وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ}
تقودُهَا الملائكةُ بالسلاسلِ , عن عبد الله - هو ابن مسعودٍ - قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ((يؤتى بجهنّم يومئذٍ لها سبعون ألف زمامٍ، مع كلّ زمامٍ سبعون ألف ملكٍ يجرّونها)).
فإذا وقعتْ هذهِ الأمورُ فـ {يومئذٍ يتذكّر الإنسان} أي: عمله، وما كان أسلفه في قديم دهره وحديثه.
{وأنّى له الذّكرى} أي: وكيف تنفعه الذكرى, فقدْ فاتَ أوانُهَا، وذهبَ زمانُهَا


تفسير قوله تعالى: (يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24))
يقول متحسِّراً على ما فرَّطَ في جنبِ الله ونادمًا على ما كان سلف منه من المعاصي - إن كان عاصياً - ويودّ لو كان ازداد من الطاعات إن كان طائعاً.
عن محمد بن أبي عميرة، وكان من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال: لو أنّ عبداً خرّ على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت في طاعة الله لحقره يوم القيامة، ولودّ أنه ردّ إلى الدنيا؛ كيما يزداد من الأجر والثواب.
{يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} الدائمةِ الباقيةِ، عملاً صالحاً، كمَا قالَ تعالَى:{يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27) يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً}.
وفي الآيةِ دليلٌ على أنَّ الحياةَ التي ينبغي السعيُ في أصلهَا وكمالهَا، وفي تتميمِ لذّاتهَا، هيَ الحياةُ في دارِ القرارِ، فإنَّهَا دارُ الخلدِ والبقاءِ.


تفسير قوله تعالى: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25))
أي: ليس أحدٌ أشدّ عذاباً من تعذيب الله من عصاه وأهملَ ذلكَ اليومَ ونسيَ العملَ لهُ.


تفسير قوله تعالى: (وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26))
أي: وليس أحدٌ أشدّ قبضاً ووثقاً من الزبانية لمن كفر بربّهم عزّ وجلّ. هذا في حقّ المجرمين من الخلائق والظالمين , فإنَّهمْ يقرنونَ بسلاسلٍ منْ نارٍ، ويسحبونَ على وجوههمْ في الحميمِ، ثمَّ في النارِ يسجرونَ، فهذا جزاءُ المجرمينَ.


تفسير قوله تعالى: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27))
وأمَّا مَنْ اطمأنَ إلى اللهِ وآمنَ بهِ وصدقَ رسلهُ، فيقالُ لهُ: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ} إلى ذكرِ اللهِ، الساكنةُ حبِّهِ، لمُوقِنَةُ بالإيمانِ وَتَوْحِيدِ اللَّهِ، لا يُخَالِطُهَا شَكٌّ وَلا يَعْتَرِيهَا رَيْبٌ، قَدْ رَضِيَتْ بِقَضَاءِ اللَّهِ، وَعَلِمَتْ أَنَّ مَا أَخْطَأَهَا لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهَا، وَأَنَّ مَا أَصَابَهَا لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهَا، فَتَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُطْمَئِنَّةً؛لأَنَّهَا قَدْ بُشِّرَتْ بالجَنَّةِ عِنْدَ الْمَوْتِ وَعِنْدَ الْبَعْثِ


تفسير قوله تعالى: (ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28)))
{ارْجِعِي} إلى جواره وثوابه، وما أعدّ لعباده في جنّته.
{إِلَى رَبِّكِ} الذي ربّاكِ بنعمتهِ، وأسدى عليكِ منْ إحسانهِ ما صرتِ بهِ منْ أوليائهِ وأحبابهِ .
{راضيةً} أي: في نفسها بالثَّوَابِ الَّذِي أَعْطَاها.
{مرضيّةً} أي: قد رضيت عن الله ورضي عنها وأرضاها


تفسير قوله تعالى: (فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29))
أي: فِي زُمْرَةِ عِبَادِي الصَّالِحِينَ، وَكُونِي مِنْ جُمْلَتِهِمْ .


تفسير قوله تعالى: (وَادْخُلِي جَنَّتِي (30))
مَعَهُمْ؛ أَيْ: فَتِلْكَ هِيَ الكرامةُ، لا كَرَامَةَ سِوَاهَا.
وهذا يقال لها عند الاحتضار، وفي يوم القيامة أيضاً، كما أنّ الملائكة يبشّرون المؤمن عند احتضاره وعند قيامه من قبره فكذلك ههنا.

فيمن نزلت الآية: -ك-
ثمّ اختلف المفسّرون فيمن نزلت هذه الآية:

1- فروى الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: نزلت في عثمان بن عفّان.
2-وعن بريدة بن الحصيب: نزلت في حمزة بن عبد المطّلب رضي الله عنه.
3-وقال العوفيّ، عن ابن عبّاسٍ: يقال للأرواح المطمئنّة يوم القيامة: {يا أيّتها النّفس المطمئنّة ارجعي إلى ربّك} يعني: صاحبك، وهو بدنها الذي كانت تعمره في الدنيا {راضيةً مرضيّةً}.
4-عن ابن عبّاسٍ في قوله: {يا أيّتها النّفس المطمئنّة ارجعي إلى ربّك راضيةً مرضيّةً} قال: نزلت وأبو بكرٍ جالسٌ، فقال رسول الله: ((ما أحسن هذا!)) فقال: ((أما إنّه سيقال لك هذا)).

رد مع اقتباس
  #11  
قديم 4 ذو الحجة 1435هـ/28-09-2014م, 05:09 PM
تماضر تماضر غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى الثامن
 
تاريخ التسجيل: Aug 2014
المشاركات: 521
Post من سورة البلد إلى الضحى

تفسير سورة البلد
من تفسير ابن كثير وتفسير السعدي وزبدة التفسير للأشقر



أسماء السورة
سورة البلد.
سُورَةِ لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ.

نزول السورة: مكية .


تفسير قوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (4) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (6) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10) }

تفسير قوله تعالى: (لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1))
هذا قسمٌ من الله عزّ وجلّ بمكّة أمّ القرى في حال كون الساكن فيها حلالاً؛ لينبّه على عظمة قدرها في حال إحرام أهلها.
عن ابن عبّاسٍ: {لا أقسم بهذا البلد} يعني: مكّة.
والْمَعْنَى: أُقْسِمُ بالبلدِ الحرامِ، وَهُوَ مَكَّةُ؛ وَذَلِكَ لِيُنَبِّهَ عَلَى كَرَامَةِ أُمِّ القُرَى وَشَرَفِهَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لأَنَّ فِيهَا بَيْتَهُ الْحَرَامَ، وَهِيَ بلدُ إِسْمَاعِيلَ وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا الصَّلاةُ وَالسَّلامُ، وَبِهَا مَنَاسِكُ الْحَجِّ.


تفسير قوله تعالى: (وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) )
-المراد بالآية:

1-قال: أنت يا محمد يحلّ لك أن تقاتل به.
وكذا روي عن سعيد بن جبيرٍ، وأبي صالحٍ، وعطيّة، والضّحّاك، وقتادة، والسّدّيّ، وابن زيدٍ.
2-وقال مجاهدٌ: ما أصبت فيه فهو حلالٌ لك.
وقال قتادة: {وأنت حلٌّ بهذا البلد} قال: أنت به من غير حرجٍ، ولا إثمٍ.
3-وقال الحسن البصريّ: أحلّها الله له ساعةً من نهارٍ. وهذا المعنى الذي قالوه قد ورد به الحديث المتّفق على صحّته: ((إنّ هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السّماوات والأرض، فهو حرامٌ بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شجره، ولا يختلى خلاه، وإنّما أحلّت لي ساعةً من نهارٍ، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، ألا فليبلّغ الشّاهد الغائب)).
وفي لفظٍ: ((فإن أحدٌ ترخّص بقتال رسول الله فقولوا: إنّ الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم))
4-وَقِيلَ: الْمَعْنَى: أُقْسِمُ بِهَذَا البلدِ الَّذِي أَنْتَ مُقِيمٌ بِهِ؛ تَشْرِيفاً لَكَ وَتَعْظِيماً لِقَدْرِكَ؛ لأَنَّهُ قَدْ صَارَ بِإِقَامَتِكَ فِيهِ عَظِيماً شَرِيفاً.


تفسير قوله تعالى: (وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3))
-الخلاف في معنى الآية:

1-عن ابن عبّاسٍ في قوله: {ووالدٍ وما ولد}: الوالد: الذي يلد، وما ولد: العاقر الذي لا يولد له.
2-وقال عكرمة: الوالد: العاقر، وما ولد: الذي يلد. رواه ابن أبي حاتمٍ.
3-وقال مجاهد وغيره: يعني بالوالد آدم، وما ولد ولده.
وهذا الذي ذهب إليه مجاهدٌ وأصحابه حسنٌ قويٌّ؛ لأنه تعالى لمّا أقسم بأمّ القرى، وهي المساكن، أقسم بعده بالساكن، وهو آدم أبو البشر وولده.
4-وقال أبو عمران الجونيّ: هو إبراهيم وذرّيته. رواه ابن جريرٍ وابن أبي حاتمٍ، واختار ابن جريرٍ أنه عامٌّ في كلّ والدٍ وولده. وهو محتملٌ أيضاً


تفسير قوله تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (4) )
والمقسمُ عليهِ قولهُ{لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ}
-الخلاف في معنى (كبد):

1-والكبد: الاستواء والاستقامة، ومعنى هذا القول: لقد خلقنا الإنسان سويًّا مستقيماً، كقوله: {يا أيّها الإنسان ما غرّك بربّك الكريم الّذي خلقك فسوّاك فعدلك}، وكقوله: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويمٍ}.
3-وقال ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ: {في كبدٍ} قال: في شدّة خلقٍ، ألم تر إليه... وذكر مولده ونبات أسنانه.
وقال مجاهدٌ: {في كبدٍ}: نطفةً، ثمّ علقةً، ثمّ مضغةً، يتكبّد في الخلق.
قال مجاهدٌ: وهو كقوله: {حملته أمّه كرهاً ووضعته كرهاً}. وأرضعته كرهاً، ومعيشته كرهٌ، فهو يكابد ذلك.
وقال سعيد بن جبيرٍ: {لقد خلقنا الإنسان في كبدٍ} في شدّةٍ وطلب معيشةٍ.
يكابد مضايق الدنيا وشدائد الآخرة.
4-وقال ابن زيدٍ: {لقد خلقنا الإنسان في كبدٍ} قال: آدم خلق في السماء، فسمّي ذلك الكبد.
واختار ابن جريرٍ أن المراد بذلك مكابدة الأمور ومشاقّها.
يحتملُ أنَّ المرادَ بذلكَ:
ما يكابدهُ ويقاسيهِ منَ الشدائدِ في الدنيا، وفي البرزخِ، ويومَ يقومُ الأشهادُ، وأنَّهُ ينبغي لهُ أنْ يسعى في عملٍ يريحهُ منْ هذهِ الشدائدِ، ويوجبُ لهُ الفرحَ والسرورَ الدائمَ.
وإنْ لمْ يفعلْ، فإنَّهُ لا يزالُ يكابِدُ العذابَ الشديدَ أبد الآبادِ.


تفسير قوله تعالى: (أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5) )
1-قال الحسن البصريّ: يعني: {أيحسب أن لن يقدر عليه أحدٌ} يأخذ ماله.
2-وقال قتادة: {أيحسب أن لن يقدر عليه أحدٌ} قال: ابن آدم يظنّ أن لن يسأل عن هذا المال؛ من أين اكتسبه؟ وأين أنفقه؟.
3-أَيْ: أَيَظُنُّ ابْنُ آدَمَ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ وَلا يَنْتَقِمَ مِنْهُ أَحَدٌ مَهْمَا اقْتَرَفَ مِنَ السَّـيِّئَاتِ، حَتَّى وَلا رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ.


تفسير قوله تعالى: (يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (6) )
أي: يقول ابن آدم: أنفقت مالاً لبداً، أي: كثيراً بعضهُ فوقَ بعضٍ لا يُخَافُ فَنَاؤُهُ مِنْ كَثْرَتِهِ.
-سبب تسميته الإنفاقَ في الشهواتِ والمعاصي إهلاكاً:
لأنَّهُ لا ينتفعُ المنفقُ بمَا أنفقَ، ولا يعودُ عليهِ منْ إنفاقِهِ إلا الندمُ والخسارُ والتعبُ والقلةُ، لا كمنْ أنفقَ في مرضاةِ اللهِ في سبيلِ الخيرِ، فإنَّ هذا قدْ تاجرَ معَ اللهِ، وربحَ أضعافَ أضعافِ ما أنفقَ.


تفسير قوله تعالى: (أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7) )
قالَ الله متوعداً هذا الذي يفتخرُ بمَا أنفقَ في الشهواتِ: {أَيَحْسَبُ أَن لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ} أي: أيحسبُ في فعلهِ هذا، أنَّ اللهَ لا يراهُ ويحاسبهُ على الصغيرِ والكبيرِ؟
بلْ قدْ رآهُ اللهُ، وحفظَ عليهِ أعمالهُ، ووكلَ بهِ الكرامَ الكاتبينَ، لكلِّ ما عملهُ منْ خيرٍ وشر.
قال مجاهدٌ: أيحسب أن لم يره الله عزّ وجلّ، وكذا قال غيره من السلف.


تفسير قوله تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8))
ثمَّ قررهُ بنعمهِ، فقالَ: {أَلَمْ نَجْعَل لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ} للجمالِ والبصرِ والنطقِ، وغيرِ ذلكَ منَ المنافعِ الضروريةِ فيهَا، فهذهِ نعمُ الدنيا.


تفسير قوله تعالى: (وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9))
أي: ينطق به فيعبّر عمّا في ضميره، {وشفتين} يستر بهما ثغره ويستعين بهما على الكلام وأكل الطعام، وجمالاً لوجهه وفمه.



تفسير قوله تعالى: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10))
الخلاف في معنى النجدين:

1-طريقي الخيرِ والشرِّ، بيَّنَّا لهُ الهدى منَ الضلالِ، والرّشدَ منَ الغيِّ.
عن عبد الله - هو ابن مسعودٍ-: {وهديناه النّجدين} قال: الخير والشرّ
وقال ابن جريرٍ: عن أبي رجاءٍ، قال: سمعت الحسن يقول: {وهديناه النّجدين} قال: ذكر لنا أنّ نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم كان يقول: ((يا أيّها النّاس إنّهما النّجدان؛ نجد الخير، ونجد الشّرّ، فما جعل نجد الشّرّ أحبّ إليكم من نجد الخير؟)).
2-عن ابن عبّاسٍ في قوله: {وهديناه النّجدين} قال: الثّديين.
والصواب القول الأوّل.
ونظير هذه الآية قوله: {إنّا خلقنا الإنسان من نطفةٍ أمشاجٍ نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً إنّا هديناه السّبيل إمّا شاكراً وإمّا كفوراً}
فهذهِ المننُ الجزيلةُ، تقتضي مِنَ العبدِ أنْ يقومَ بحقوقِ اللهِ،ويشكرَ اللهَ على نعمهِ، وأنْ لا يستعينَ بهَا على معاصيهِ، ولكنَّ هذا الإنسانَ لمْ يفعلْ ذلكَ




تفسير قوله تعالى: { فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (18) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (19) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (20)}


تفسير قوله تعالى: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) )
-الخلاف في معنى الآية:

1-عن ابن عمر في قوله: {فلا اقتحم العقبة} قال: جبلٌ في جهنّم آزلٌ.
2-وقال كعب الأحبار: {فلا اقتحم العقبة} هو سبعون درجةً في جهنّم.
3-وقال الحسن البصريّ: {فلا اقتحم العقبة} قال: عقبةٌ في جهنّم.
وقال قتادة: إنها عقبةٌ قحمةٌ شديدةٌ، فاقتحموها بطاعة الله تعالى.
أي: لم يقتحمهَا ويعبر عليهَا، لأنَّهُ متبعٌ لشهواتهِ.وهذهِ العقبةُ شديدةٌ عليهِ
4-أي فَهَلاَّ نَشِطَ وَاخْتَرَقَ المَوَانِعَ الَّتِي تَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَاعَةِ اللَّهِ؛ مِنْ تَسْوِيلِ النَّفْسِ وَاتِّبَاعِ الْهَوَى وَالشَّيْطَانِ.



تفسير قوله تعالى: (فَكُّ رَقَبَةٍ (13))
قال ابن زيدٍ: {فلا اقتحم العقبة} أي: أفلا سلك الطريق التي فيها النجاة والخير، ثمّ بيّنها فقال تعالى: {وما أدراك ما العقبة فكّ رقبةٍ أو إطعامٌ}
عن أبي هريرة يقول: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ((من أعتق رقبةً مؤمنةً أعتق الله بكلّ إربٍ منها إرباً من النّار، حتّى إنّه ليعتق باليد اليد، وبالرّجل الرّجل، وبالفرج الفرج)).
عن أبي نجيحٍ، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: ((أيّما مسلمٍ أعتق رجلاً مسلماً فإنّ الله جاعلٌ وقاء كلّ عظمٍ من عظامه عظماً من عظام محرّره من النّار، وأيّما امرأةٍ مسلمةٍ أعتقت امرأةً مسلمةً فإنّ الله جاعلٌ وقاء كلّ عظمٍ من عظامها عظماً من عظامها من النّار)).
عن عمرو بن عبسة، أنه حدّثهم أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: ((من بنى مسجداً ليذكر الله فيه، بنى الله له بيتاً في الجنّة، ومن أعتق نفساً مسلمةً كانت فديته من جهنّم، ومن شاب شيبةً في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة)).


تفسير قوله تعالى: (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14))
قال ابن عبّاسٍ: ذي مجاعةٍ. والسّغب: هو الجوع. أي: مجاعةٍ شديدةٍ، بأنْ يطعمَ وقتَ الحاجةِ أشدَّ الناسِ حاجةً.


تفسير قوله تعالى: (يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15))
{يتيماً} أي: أطعم في مثل هذا اليوم يتيماً {ذا مقربةٍ} أي: ذا قرابةٍ منه.
أي: جامعاً بينَ كونهِ يتيماً، فقيراً ذا قرابة
عن سلمان بن عامرٍ، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: ((الصّدقة على المسكين صدقةٌ، وعلى ذي الرّحم اثنتان: صدقةٌ وصلةٌ)). وقد رواه التّرمذيّ والنّسائيّ، وهذا إسنادٌ صحيحٌ.


تفسير قوله تعالى: (أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16))
أي: فقيراً مدقعاً لاصقاً بالتراب، وهو الدّقعاء أيضاً.
قال ابن عبّاسٍ: {ذا متربةٍ} هو المطروح في الطريق، الذي لا بيت له، ولا شيء يقيه من التراب.
وفي روايةٍ: وهو الذي لصق بالدّقعاء؛ من الفقر والحاجة، ليس له شيءٌ.
قال ابن أبي حاتمٍ: يعني: الغريب عن وطنه.
وقال عكرمة: هو الفقير المديون المحتاج.
وقال سعيد بن جبيرٍ: هو الذي لا أحد له.
وقال ابن عبّاسٍ، وسعيدٌ، وقتادة، ومقاتل بن حيّان: هو ذو العيال. وكلّ هذه قريبة المعنى.
فَمَنْ أَطْعَمَ من هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ فِي أَيَّامِ المجاعاتِ الَّتِي تُذْهِلُ الإِنْسَانَ إِلاَّ عَنْ نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ منْ حِرْصِهِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَنَفْعِ عِبَادِهِ، فَهُوَ حَرِيٌّ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِين.


تفسير قوله تعالى: (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17))
{ثمّ كان من الّذين آمنوا} أي: ثمّ هو مع هذه الأوصاف الجميلة الطاهرة مؤمنٌ بقلبه، محتسبٌ ثواب ذلك عند الله عزّ وجلّ، كما قال تعالى: {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمنٌ فأولئك كان سعيهم مشكوراً}.
وقال: {من عمل صالحاً من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمنٌ} الآية.
وهم الذين آمنُوا بقلوبهمْ بما يجبُ الإيمانُ بهِ، وعملُوا الصالحاتِ بجوارحهمْ مِنْ كلِّ قولٍ وفعلٍ واجبٍ أو مستحبٍّ
.وقوله: {وتواصوا بالصّبر وتواصوا بالمرحمة} أي: كان من المؤمنين العاملين صالحاً، المتواصين بالصبر على أذى الناس، والصبر على طاعةِ اللهِ وعنْ معصيتهِ، وعلى أقدارِ اللهِ المؤلمةِ بأنْ يحثَّ بعضهم بعضاً على الانقيادِ لذلكَ، والإتيانِ بهِ كاملاً منشرحاً بهِ الصدرُ، مطمئنةً بهِ النفسُ
وتواصوا على الرحمة بالناس، منْ إعطاءِ محتاجهمْ، وتعليمِ جاهلهمِ، والقيامِ بمَا يحتاجونَ إليهِ منْ جميعِ الوجوهِ، ومساعدتهمْ على المصالحِ الدينيةِ والدنيويةِ، وأنْ يحبَّ لهمْ ما يحبُّ لنفسهِ، ويكرهَ لهم ما يكرهُ لنفسهِ كما جاء في الحديث: ((الرّاحمون يرحمهم الرّحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السّماء)). وفي الحديث الآخر: ((لا يرحم الله من لا يرحم النّاس)).


تفسير قوله تعالى: (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (18))
أولئك المتصفون بالصفات السابقة هم أصحاب الميمنة وهي الجنة ؛ لأنَّهمْ أدوا ما أمرَ اللهُ بهِ منْ حقوقهِ وحقوقِ عبادهِ، وتركوا مَا نهوا عنهُ، وهذا عنوانُ السعادةِ وعلامتُهَا.
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَصْحَابَ الْيَمِينِ وَمَا أُعِدَّ لَهُمْ من النَّعِيمِ، وَفَصَّلَ ذَلِكَ عَلَى التمامِ وَالكمالِ فِي سُورَةِ الوَاقِعَةِ .


تفسير قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (19))
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا} بأنْ نبذوا هذهِ الأمورَ وراءَ ظهورهمْ، فلمْ يصدقوا باللهِ، ، ولا عملوا صالحاً، ولا رحموا عبادَ اللهِ {هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ} أي: أصحاب الشّمال, وَهِيَ النَّارُ المَشْؤُومَةُ. وَتَفْصِيلُ مَا أَعَدَّهُ اللَّهُ لأَصْحَابِ الشِّمالِ مُبَيَّنٌ أَيْضاً فِي سُورَةِ الوَاقِعَةِ.



تفسير قوله تعالى: (عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (20) )
أي: مطبقةٌ عليهم، لا ضوء فيها، ولا فرج، فلا محيد لهم عنها، ولا خروج لهم منها.
قال ابن عبّاسٍ: مغلقة الأبواب.
وقال أبو عمران الجونيّ: إذا كان يوم القيامة أمر الله بكلّ جبّارٍ، وكلّ شيطانٍ، وكلّ من كان يخاف الناس في الدنيا شرّه، فأوثقوا بالحديد، ثمّ أمر بهم إلى جهنّم، ثمّ أوصدوها عليهم. أي: أطبقوها. قال: فلا والله لا تستقرّ أقدامهم على قرارٍ أبداً، ولا والله لا ينظرون فيها إلى أديم سماءٍ أبداً، ولا والله لا تلتقي جفون أعينهم على غمض نومٍ أبداً، ولا والله لا يذوقون فيها بارد شرابٍ أبداً. رواه ابن أبي حاتمٍ.


تفسير سورة الشمس
من تفسير ابن كثير وتفسير السعدي وزبدة التفسير للأشقر



أسماء السورة
الشمس
سورة والشمس وضحاها.


نزول السورة: مكية.

فضائل السورة:
تقدّم حديث جابرٍ الذي في الصحيحين، أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لمعاذٍ: ((هلاّ صلّيت بـ {سبّح اسم ربّك الأعلى} و {الشّمس وضحاها} و {اللّيل إذا يغشى})) ). [


تفسير قوله تعالى: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)}

تفسير قوله تعالى: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) )
أقسمَ اللهُ تعالى بهذهِ الآياتِ العظيمةِ، على النفسِ المفلحةِ، وغيرِهَا منَ النفوسِ الفاجرةِ، فقالَ: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} أي: نورهَا ونفعهَا الصادرِ منهَا .
وقال قتادة: {وضحاها} النهار كلّه.
قال ابن جريرٍ: والصواب أن يقال: أقسم الله بالشمس ونهارها؛ لأنّ ضوء الشمس الظاهر النهار.


تفسير قوله تعالى: (وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) )
قال مجاهدٌ: تبعها.
وَذَلِكَ فِي اللَّيَالِي البِيضِ، وَهِيَ لَيْلَةُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ، وَسِتَّ عَشْرَةَ، يَطْلُعُ فِيهَا القَمَرُ من المَشْرِقِ مُمْتَلِئاً بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ.
وقال قتادة: {إذا تلاها} ليلة الهلال، إذا سقطت الشمس رؤي الهلال.
وقال ابن زيدٍ: هو يتلوها في النصف الأوّل من الشهر، ثمّ هي تتلوه، وهو يتقدّمها في النصف الأخير من الشهر.
وقال مالكٌ، عن زيد بن أسلم: {إذا تلاها} ليلة القدر


تفسير قوله تعالى: (وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) )
قال مجاهدٌ: أضاء.
وقال قتادة: {والنّهار إذا جلاّها}: إذا غشيها النهار.
-عود الضمير في جلاها:
1-جلى الشمس: وقال ابن جريرٍ: وكان بعض أهل العربيّة يتأوّل ذلك بمعنى: والنّهار إذا جلّى الظّلمة؛ لدلالة الكلام عليها.
2-جلى ماعلى وجه الأرض: قلت: ولو أنّ هذا القائل تأوّل ذلك بمعنى: {والنّهار إذا جلاّها} أي: البسيطة، أي: جلّى ما علَى وجهِ الأرضِ وأوضحهُ.لكان أولى، ولصحّ تأويله في قوله: {واللّيل إذا يغشاها} فكان أجود وأقوى. والله أعلم.
ولهذا قال مجاهدٌ: {والنّهار إذا جلاّها}: إنه كقوله: {والنّهار إذا تجلّى}.
وأمّا ابن جريرٍ فاختار عود الضمير في ذلك كلّه على الشمس؛ لجريان ذكرها.
وَذَلِكَ أَنَّ الشَّمْسَ عِنْدَ انْبِسَاطِ النَّهَارِ تَنْجَلِي تَمَامَ الانجلاءِ.


تفسير قوله تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4))
يعني: إذا يغشى الشمس حين تغيب فَيَذْهَبُ بِضَوْئِهَا فتظلم الآفاق.
وقيل : أي: يغشى وجهَ الأرضِ، فيكونُ ما عليهَا مظلماً.

-ماتضمنته الآيتين السابقتين من الأدلة:
فتعاقبُ الظلمةِ والضياءِ،والشمسِ والقمرِ على هذا العالمِ بانتظامٍ وإتقانٍ، وقيامٍ لمصالحِ العبادِ، أكبرُ دليلٍ على أنَّ اللهَ بكلِّ شيءٍ عليمٌ، وعلى كلِّ شيءٍ قديرٌ، وأنَّهُ المعبودُ وحدهُ، الذي كلُّ معبودٍ سواهُ فباطلُ.


تفسير قوله تعالى: (وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5))
-نوع ما :

يحتمل أن تكون (ما) ههنا مصدريّةً بمعنى: والسماء وبنائها. فيكونُ الإقسامُ بالسماءِ وبنيانِهَا، الذي هوَ غايةُ ما يقدّرُ مِنْ الإحكامِ والإتقانِ والإحسانِ، ونحوُ ذلكَ وهو قول قتادة.
ويحتمل أن تكون بمعنى (من)، يعني: والسماء وبانيها. فيكونُ الإقسامُ بالسماءِ وبانيهَا، الذي هوَ الله تباركَ وتعالَى وهو قول مجاهدٍ.
وكلاهما متلازمٌ، والبناء هو الرفع، كقوله: {والسّماء بنيناها بأيدٍ} أي: بقوّةٍ {وإنّا لموسعون والأرض فرشناها فنعم الماهدون}.
وهكذا قوله: {والأرض وما طحاها}.


تفسير قوله تعالى: (وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6))
الاختلاف في معنى طحاها:

1- عن ابن عبّاسٍ: {وما طحاها} أي: خلق فيها.
2- عن ابن عبّاسٍ: {طحاها} قسّمها.
3-وقال مجاهدٌ، وقتادة،وغيرهم: {طحاها}: بسطها، وهذا أشهر الأقوال، وعليه الأكثر من المفسّرين، وهو المعروف عند أهل اللّغة، قال الجوهريّ: طحوته مثل دحوته، أي: بسطته.


تفسير قوله تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) )
يحتملُ أنَّ المرادَ:
1-نفسُ سائرِ المخلوقاتِ الحيوانيةِ، كمَا يؤيدُ هذا العمومُ.
2-أو الإقسامُ بنفسِ الإنسانِ المكلفِ، بدليلِ ما يأتي بعدَهُ.
والمعنى: أَنْشَأهَا وَسَوَّى أَعْضَاءَهَا، وَرَكَّبَ فِيهَا الرُّوحَ، وَجَعَلَ فِيهَا الْقُوَى النَّفْسِيَّةَ الهَائِلَةَ، وَالإِدْرَاكَاتِ العَجِيبَةَ،وجعلها مستقيمةً على الفطرة القويمة، كما قال تعالى: {فأقم وجهك للدّين حنيفاً فطرة الله الّتي فطر النّاس عليها لا تبديل لخلق الله}.
وقال رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم: ((كلّ مولودٍ يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه، أو ينصّرانه، أو يمجّسانه، كما تولد البهيمة بهيمةً جمعاء هل تحسّون فيها من جدعاء)). أخرجاه من رواية أبي هريرة.
وفي صحيح مسلمٍ من رواية عياض بن حمارٍ المجاشعيّ، عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال: ((يقول الله عزّ وجلّ: إنّي خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشّياطين فاجتالتهم عن دينهم.
-ماتتضمنه النفس من الآيات :
فالنفسُ آيةٌ كبيرةٌ منْ آياتهِ التي حقيقةٌ بالإقسامِ بهَا، فإنَّهَا في غايةِ اللطفِ والخفةِ، سريعةِ التنقلِ والتغيرِ والتأثرِ والانفعالاتِ النفسيةِ، منَ الهمِّ، والإرادةِ، والقصدِ، والحبِّ، والبغضِ، وهيَ التي لولاهَا لكانَ البدنُ مجردَ تمثالٍ لا فائدةَ فيهِ، وتسويتهَا على هذا الوجهِ آيةٌ منْ آياتِ اللهِ العظيمةِ.


تفسير قوله تعالى: (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)) –ك . ش-
أي: فأرشدها إلى فجورها وتقواها، أي: بيّن لها ذلك، وهداها إلى ما قدّر لها.
قال ابن عبّاسٍ: {فألهمها فجورها وتقواها} بيّن لها الخير والشرّ.
وروي أنّ رجلاً من مزينة - أو جهينة - أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله، أرأيت ما يعمل الناس فيه ويتكادحون؟ أشيءٌ قضي عليهم ومضى عليهم من قدرٍ قد سبق، أم شيءٌ ممّا يستقبلون ممّا أتاهم به نبيّهم وأكّدت به عليهم الحجّة؟
قال: ((بل شيءٌ قد قضي عليهم)) قال: ففيم نعمل؟ قال: ((من كان الله خلقه لإحدى المنزلتين يهيّئه لها، وتصديق ذلك في كتاب الله: {ونفسٍ وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها})). رواه أحمد ومسلمٌ من حديث عزرة بن ثابتٍ به.


تفسير قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9))
يحتمل أن يكون المعنى: قد أفلح من زكّى نفسه، أي: بطاعة الله وعلاّهَا بالعلمِ النافعِ والعملِ الصالحِ , - وطهّرها من الأخلاق الدنيئة والرذائل ونقاهَا منَ العيوبِ.
فَازَ بِكُلِّ مَطْلُوبٍ وَظَفِرَ بِكُلِّ مَحْبُوبٍ، وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا فَقَدَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِن مَضْجَعِهِ، فَلَمَسَتْهُ بِيَدِهَا، فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ سَاجِدٌ وَهُوَ يَقُولُ: ((رَبِّ أَعْطِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا ومولاها) وكقوله تعالى: {قد أفلح من تزكّى وذكر اسم ربّه فصلّى}.


تفسير قوله تعالى: (وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) )
أي: دسسها، بمعنى: خَسِرَ مَنْ أَضَّلَهَا و أغواها وأخملها ووضع منها بخذلانه إيّاها عن الهدى، حتى ركب المعاصي وترك طاعة الله عزّ وجلّ.
وقد يحتمل أن يكون المعنى: قد أفلح من زكّى الله نفسه، وقد خاب من دسّى الله نفسه.
عن ابن عبّاسٍ، قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا مرّ بهذه الآية: {ونفسٍ وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها} وقف، ثمّ قال: ((اللّهمّ آت نفسي تقواها، أنت وليّها ومولاها، وخير من زكّاها)).



تفسير سورة الليل
من تفسير ابن كثير وتفسير السعدي وزبدة التفسير للأشقر



أسماء السورة: سورة الليل.

نزول السورة: مكية.

فضائل السورة:

تقدّم قوله عليه الصلاة والسلام لمعاذٍ: ((فهلاّ صلّيت بـ {سبّح اسم ربّك الأعلى} و {الشّمس وضحاها} و {اللّيل إذا يغشى}))



تفسير قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11)}.


تفسير قوله تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1))
هذا قسمٌ منَ اللهِ بالزمانِ الذي تقعُ فيهِ أفعالُ العبادِ على تفاوتِ أحوالهمْ، فقالَ:{وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى}
أي: إذا غشي الخليقة بظلامه الخلقَ بظلامهِ، فيسكنُ كلٌّ إلى مأواهُ ومسكنهِ، ويستريحُ العبادُ منَ الكدِّ والتعبِ.


تفسير قوله تعالى: (وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2))
{والنّهار إذا تجلّى} أي: للخلقِ بضيائه وإشراقه، فاستضاؤوا بنورهِ، وانتشروا في مصالحهم


تفسير قوله تعالى: (وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3))
إن كانتْ {مَا} موصولةً، كانَ إقساماً بنفسهِ الكريمةِ الموصوفةِ بأنَّهُ خالقُ الذكورِ والإناثِ.
-وإنْ كانتْ مصدريةً، كانَ قسماً بخلقِهِ للذكرِ والأنثى .
-وكمالِ حكمتهِ في ذلكَ أن خلقَ منْ كلِّ صنفٍ منَ الحيواناتِ التي يريدُ بقاءَهَا ذكراً وأنثى: ليبقى النوعُ ولا يضمحلَّ، وقادَ كلاًّ منهما إلى الآخرِ بسلسلةِ الشهوةِ، وجعلَ كلاًّ منهمَا مناسباً للآخرِ، فتباركَ اللهُ أحسنَ الخالقينَ.



تفسير قوله تعالى: (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4))
ولمّا كان القسم بهذه الأشياء المتضادّة كان المقسم عليه أيضاً متضادًّا، ولهذا قال: {إنّ سعيكم لشتّى} أي: أعمال العباد التي اكتسبوها متضادّةٌ أيضاً، ومتخالفةٌ؛ فمن فاعلٍ خيراً، ومن فاعلٍ شرًّا.
-سبب تفاوت الناس في الأعمال:
يتفاوت الناس في الأعمال بحسبِ تفاوتِ نفسِ الأعمالِ ومقدارهَا والنشاطِ فيهَا، وبحسبِ الغايةِ المقصودةِ بتلكَ الأعمالِ، هلْ هوَ وجهُ اللهِ الأعلى الباقي؟ فيبقى السعيُ لهُ ببقائهِ، وينتفعُ بهِ صاحبهُ، أمْ هيَ غايةٌ مضمحلةٌ فانيةٌ، فيبطلُ السعيُ ببطلانِهَا، ويضمحلُّ باضمحلالِهَا؟
وهكذا كلُّ عملٍ يقصدُ بهِ غيرُ وجهِ اللهِ تعالَى، بهذا الوصفِ، ولهذا فصَّلَ اللهُ تعالَى العاملينَ، ووصفَ أعمالَهمْ، فقال:{فَأَمَّا مَن أَعْطَى}.


تفسير قوله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) )
ما أُمرَ بهِ مِنَ العباداتِ الماليةِ،كالزكواتِ، والكفاراتِ، والنفقاتِ، والصدقاتِ، والإنفاقِ في وجوهِ الخيرِ، والعباداتِ البدنيةِ كالصلاةِ، والصومِ وغيرهمَا، والمركّبةِ منهمَا، كالحجِّ والعمرةِ، {وَاتَّقَى}ما نهيَ عنهُ، مِنَ المحرماتِ والمعاصي، على اختلافِ أجناسِهَا


تفسير قوله تعالى: (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6))
-الخلاف في معنى الحسنى:

1-أي: بالمجازاة على ذلك. أي بالثّواب.
2-أي: بلا إله إلاّ الله , وما دلّتْ عليهِ، مِنْ جميعِ العقائدِ الدينيةِ، ومَا ترتبَ عليهَا منَ الجزاءِ الأخرويِّ.
3- أي: بما أنعم الله عليه.
4-قال: الصلاة والزكاة والصوم. وقال مرّةً: وصدقة الفطر.
5- عن أبيّ بن كعبٍ، قال: سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن الحسنى، قال: ((الحسنى الجنّة)).


تفسير قوله تعالى: (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7))
-معنى اليسرى:

1-قال ابن عبّاسٍ: يعني: للخير.
2-وقال زيد بن أسلم: يعني: للجنّة.
3-وقال بعض السّلف: من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن جزاء السيّئة السيّئة بعدها.
أي: نسهلُ عليهِ أمرَهُ، ونجعلُهُ ميسراً لهُ كلُّ خيرٍ، ميسراً لهُ تركُ كلِّ شرٍّ، لأنَّهُ أتى بأسبابِ التيسيرِ، فيسرَ اللهُ لهُ ذلكَ

والآيات في هذا المعنى كثيرةٌ دالّةٌ على أنّ الله عزّ وجلّ يجازي من قصد الخير بالتوفيق له، ومن قصد الشرّ بالخذلان، وكلّ ذلك بقدرٍ مقدّرٍ.
عن عليّ بن أبي طالبٍ، قال: كنّا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في بقيع الغرقد في جنازةٍ، فقال: ((ما منكم من أحدٍ إلاّ وقد كتب مقعده من الجنّة ومقعده من النّار)). فقالوا: يا رسول الله، أفلا نتّكل؟ فقال: ((اعملوا، فكلٌّ ميسّرٌ لما خلق له)). ثمّ قرأ: {فأمّا من أعطى واتّقى وصدّق بالحسنى فسنيسّره لليسرى} إلى قوله: {للعسرى}.

فيمن نزلت هذه الآية: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَاتُ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ؛ اشْتَرَى سِتَّةَ نَفَرٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ كَانُوا فِي أَيْدِي أَهْلِ مَكَّةَ، يُعَذِّبُونَهُمْ فِي اللَّهِ، فَأَعْتَقَهُمْ.
عن عامر بن عبد الله بن الزّبير، قال: كان أبو بكرٍ رضي الله عنه يعتق على الإسلام بمكّة، فكان يعتق عجائز ونساءً إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بنيّ، أراك تعتق أناساً ضعفاء، فلو أنّك تعتق رجالاً جلداء يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك. فقال: أي أبت، إنما أريد - أظنّه قال - ما عند الله.
قال: فحدّثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية أنزلت فيه: {فأمّا من أعطى واتّقى وصدّق بالحسنى فسنيسّره لليسرى}.


تفسير قوله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8))
{وأما من بخل} أي: بما عنده وبخل بمَا أُمرَ بهِ، فتركَ الإنفاقَ الواجبَ والمستحبَّ، ولمْ تسمحْ نفسهُ بأداءِ مَا وجبَ للهِ، {واستغنى} أي: استغنى عن ربّه عزّ وجلّ فتركَ عبوديتهُ جانباً، ولم يَرَ نفسهُ مفتقرةً غايةَ الافتقارِ إلى ربِّهَا الذي لا نجاةَ لهَا ولا فوزَ ولا فلاحَ إلاَّ بأنْ يكونَ هوَ محبوبُهَا ومعبودهَا، الذي تقصدهُ وتتوجهُ إليهِ , فاسْتَغْنَى بِشَهَوَاتِ الدُّنْيَا عَنْ نَعِيمِ الآخِرَةِ.


تفسير قوله تعالى: (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9))
أي: بالجزاء في الدار الآخرة.
وقيل:كذب بمَا أوجبَ اللهُ على العبادِ التصديقَ بهِ مِنَ العقائدِ الحسنةِ


تفسير قوله تعالى: (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10))
أي: لطريق الشرّ، وللحالةِ العسرةِ، والخصالِ الذميمةِ، بأنْ يكونَ ميسراً للشر أينمَا كانَ، ومقيضاً لهُ أفعالُ المعاصي كما قال تعالى: {ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أوّل مرّةٍ ونذرهم في طغيانهم يعمهون} حَتَّى تَتَعَسَّرَ عَلَيْهِ أَسْبَابُ الْخَيْرِ والصلاحِ، وَيَضْعُفَ عَنْ فِعْلِهَا فَيُؤَدِّيهِ ذَلِكَ إِلَى النَّارِ.
والآيات في هذا المعنى كثيرةٌ دالّةٌ على أنّ الله عزّ وجلّ يجازي من قصد الخير بالتوفيق له، ومن قصد الشرّ بالخذلان، وكلّ ذلك بقدرٍ مقدّرٍ.


تفسير قوله تعالى: (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11))
1- أي: إذا مات.
2- إذا تردّى في النار.
{وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ}؛ أَيْ: لا يُغْنِي عَنْهُ شَيْئاً مَالُهُ الَّذِي بَخِلَ بِهِ، {إِذَا تَرَدَّى}؛ أَيْ: هَلَكَ وَسَقَطَ فِي جَهَنَّمَ؛ فَإِنَّ الْمَالَ الَّذِي يَتْرُكُهُ خَلْفَهُ لا أَجْرَ لَهُ فِيهِ مَا لَمْ يَتْرُكْهُ لِذُرِّيَّةٍ يَحْتَاجُونَهُ، أَمَّا مَا قَدَّمَهُ لِنَفْسِهِ فَهُوَ الَّذِي يَنْفَعُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.


تفسير قوله تعالى: { إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12) وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى (13) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (14) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21)}


تفسير قوله تعالى: (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12))
قال قتادة: {إنّ علينا للهدى} أي: نبيّن الحلال والحرام.
وقال غيره: من سلك طريق الهدى وصل إلى الله. وجعله كقوله تعالى: {وعلى الله قصد السّبيل}. حكاه ابن جريرٍ.
أي: إنَّ الهدى المستقيمَ طريقُهُ يوصلُ إلى اللهِ، ويدني منْ رضاهُ، وأمَّا الضلالُ فطرقٌ مسدودةٌ عنِ اللهِ، لا توصلُ صاحبهَا إلا للعذابِ الشديدِ.


تفسير قوله تعالى: (وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى (13))

أي: الجميع ملكنا، وأنا المتصرّف فيهما , ليسَ لهُ فيهمَا مشاركٌ، فليرغب الراغبونَ إليهِ في الطلبِ، ولينقطعْ رجاؤهمْ عنِ المخلوقينَ.


تفسير قوله تعالى: (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (14))
قال مجاهدٌ: أي: توهّج وتستعرُ وتتوقدُ.
عن أبي إسحاق: سمعت النّعمان بن بشيرٍ يخطب ويقول: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: ((إنّ أهون أهل النّار عذاباً رجلٌ توضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه)). رواه البخاريّ.


تفسير قوله تعالى: (لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15))
أي: لا يدخلها دخولاً تحيط به من جميع جوانبه إلاّ الأشقى.
هُوَ الْكَافِرُ،يَجِدُ صَلاَهَا،وَهُوَ حَرُّهَا


تفسير قوله تعالى: (الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16))
{الّذي كذّب} أي: كَذَّبَ بقلبه بِالْحَقِّ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ {وتولّى} أي: وَأَعْرَضَ عن العمل بجوارحه وأركانه.
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ((لا يدخل النّار إلاّ شقيٌّ)). قيل: ومن الشّقيّ؟ قال: ((الّذي لا يعمل بطاعةٍ، ولا يترك لله معصيةً)).


تفسير قوله تعالى: (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17))
أي: وسيزحزح عن النار التّقيّ النّقيّ الأتقى.
. قَالَ الْوَاحِدِيُّ: الأَتْقَى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فِي قَوْلِ جَمِيعِ الْمُفَسِّرِينَ؛ أَيْ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ، وَإِلاَّ فَحُكْمُهَا عَامٌّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.


تفسير قوله تعالى: (الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18))

أي: يصرف ماله في طاعة ربّه؛ ليزكّي نفسه وماله، وما وهبه الله من دينٍ ودنيا،
قاصداً بهِ وجهَ اللهِ تعالى، فدلَّ هذا على أنَّهُ إذا تضمنَ الإنفاقُ المستحبُّ تركَ واجبٍ، كدينٍ ونفقةٍ ونحوهمَا، فإنَّهُ غيرُ مشروعٍ، بلْ تكونُ عطيتُهُ مردودةً عندَ كثيرٍ منَ العلماءِ، لأنَّهُ لا يُتزكّى بفعلٍ مستحبٍّ يفوِّتُ الواجبَ.


تفسير قوله تعالى: (وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19))
أي: ليَس لأحدٍ منْ الخلقِ على هذا الأتقى نعمةٌ تجزى إلاَّ وقدْ كافأهُ بهَا، وربَّمَا بقيَ لهُ الفضلُ والمنةُ على الناسِ، فتمحَّضَ عبداً للهِ، لأنَّهُ رقيقُ إحسانِهِ وحدَهُ، وأمَّا منْ بقيَ عليهِ نعمةٌ للناسِ لم يجْزِهَا ويكافئْهَا، فإنَّهُ لا بدَّ أنْ يتركَ للناسِ، ويفعلَ لهمْ مَا ينقصُ .
وهذهِ الآيةُ،وإنْ كانتْ متناولةً لأبي بكرٍ الصديقِ رضيَ اللهُ عنهُ، بلْ قدْ قيلَ إنَّهَا نزلتْ في سببهِ، فإنَّهُ - رضيَ اللهُ عنهُ - ما لأحدٍ عندهُ منْ نعمةٍ تجزى، حتى ولا رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، إلا نعمةَ الرسولِ التي لا يمكنُ جزاؤُهَا، وهيَ الدعوةِ إلى دينِ الإسلامِ، وتعليمِ الهدى ودينِ الحقِّ، فإنَّ للهِ ورسولهِ المنةُ على كلِّ أحدٍ، منةٌ لا يمكنُ لهَا جزاءٌ ولا مقابلةٌ، فإنَّهَا متناولةٌ لكلِّ منِ اتَّصفَ بهذا الوصفِ الفاضلِ، فلمْ يبقَ لأحدٍ عليهِ منَ الخلقِ نعمةٌ تجزى، فبقيتْ أعمالهُ خالصةً لوجهِ اللهِ تعالى.


تفسير قوله تعالى: (إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20))
أي: لا يُؤْتِي إِلاَّ لابْتِغَاءِ وَجْهِ رَبِّهِ، لا لِمُكَافَأَةِ نِعَمِهِ بل طمعاً في أن يحصل له رؤيته في الدّار الآخرة في روضات الجنّات.


تفسير قوله تعالى: (وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21))
أي: ولسوف يرضى من اتّصف بهذه الصفات بمَا يعطيهِ اللهُ منْ أنواعِ الكراماتِ والمثوباتِ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ.





تفسير سورة الضحى
من تفسير ابن كثير وتفسير السعدي وزبدة التفسير للأشقر



أسماء السورة
:سورة الضحى.

نزول السورة: مكية.

أسباب نزول السورة: -ك-
عن الأسود بن قيسٍ سمع جندباً قال: أبطأ جبريل على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال المشركون: ودّع محمّدٌ. فأنزل الله تعالى: {والضّحى واللّيل إذا سجى ما ودّعك ربّك وما قلى}.
-وقد ذكر بعض السّلف، منهم ابن إسحاق، أنّ هذه السورة التي أوحاها جبريل إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين تبدّى له في صورته التي هي خلقه الله عليها، ودنا إليه وتدلّى منهبطاً عليه، وهو بالأبطح {فأوحى إلى عبده ما أوحى} قال: قال له هذه: {والضّحى واللّيل إذا سجى}.




تفسير قوله تعالى: {وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)}


تفسير قوله تعالى: (وَالضُّحَى (1))
أقسمَ تعالى بالنهارِ إذا انتشرَ ضياؤهُ بالضحى , والضُّحَى اسْمٌ لِوَقْتِ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ.


تفسير قوله تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2))
وأقسم سبحانه بالليلِ إذا سجى وادلهمَّتْ ظلمتهُ أي: سكن فأظلم وادلهمّ.
قَالَ الأَصْمَعِيُّ: سُجُوُّ اللَّيْلِ تَغْطِيَتُهُ النَّهَارَ، مِثْلَ مَا يُسَجَّى الرَّجُلُ بِالثَّوْبِ
-وذلك دليلٌ ظاهرٌ على قدرة خالق هذا وهذا، كما قال: {واللّيل إذا يغشى والنّهار إذا تجلّى} وقال: (فالق الإصباح وجاعل اللّيل سكناً والشّمس والقمر حسباناً ذلك تقدير العزيز العليم)).
.

تفسير قوله تعالى: (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3))
هَذَا جَوَابُ الْقَسَمِ,
{مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ} أي: مَا ترككَ منذُ اعتنى بكَ، ولا أهملكَ منذُ رباكَ ورعاكَ، بلْ لمْ يزلْ يربيكَ أحسنَ تربيةٍ، ويعليكَ درجةً بعدَ درجةٍ.
{وَمَا قَلا} كَ اللهُ أي: ما أبغضكَ منذُ أحبَّكَ.
-نفي الضد والنفي المحض:
فإنَّ نفيَ الضدِّ دليلٌ على ثبوتِ ضدِّهِ، والنفي المحضُ لا يكونُ مدحاً، إلاَّ إذا تضمنَ ثبوتَ كمالٍ.
-فهذهِ حالُ الرسول صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الماضيةُ والحاضرةُ، أكملُ حالٍ وأتمها، محبةُ اللهِ لهُ واستمرارهَا، وترقيتهُ في درجِ الكمالِ، ودوامُ اعتناءِ اللهِ بهِ.



تفسير قوله تعالى: (وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4))
أي: كلُّ حالةٍ متأخرةٍ منْ أحوالكَ، فإنَّ لهَا الفضلُ على الحالةِ السابقةِ.
فلمْ يزلْ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يصعدُ في درجِ المعالي، ويمكنُ لهُ اللهُ دينهُ، وينصرُهُ على أعدائِهِ، ويسددُ لهُ أحوالهُ، حتى ماتَ، وقدْ وصلَ إلى حالٍ لا يصلُ إليهَا الأولونَ والآخرونَ، منَ الفضائلِ والنعمِ، وقرةِ العينِ، وسرورِ القلبِ.
وقيل : بمعنى وللدّار الآخرة خيرٌ لك من هذه الدار , هَذَا مَعَ مَا قَدْ أُوتِيَ فِي الدُّنْيَا مِنْ شَرَفِ النُّبُوَّةِ مَا يَصْغُرُ عِنْدَهُ كُلُّ شَرَفٍ، وَيَتَضَاءَلُ بالنسبةِ إِلَيْهِ كُلُّ مَكْرُمَةٍ فِي الدُّنْيَا.
-وقد كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أزهد الناس في الدنيا، وأعظمهم لها اطّراحاً، كما هو معلومٌ بالضرورة من سيرته، ولمّا خيّر عليه السلام في آخر عمره بين الخلد في الدنيا إلى آخرها، ثمّ الجنّة، وبين الصّيرورة إلى الله عزّ وجلّ اختار ما عند الله على هذه الدنيا الدّنيّة.
-عن عبد الله - هو ابن مسعودٍ - قال: اضطجع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على حصيرٍ فأثّر في جنبه، فلمّا استيقظ جعلت أمسح جنبه وقلت: يا رسول الله، ألا آذنتنا حتى نبسط لك على الحصير شيئاً؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ((ما لي وللدّنيا؟! ما أنا والدّنيا؟! إنّما مثلي ومثل الدّنيا كراكبٍ ظلّ تحت شجرةٍ ثمّ راح وتركها))


تفسير قوله تعالى: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5))
أي: في الدار الآخرة يعطيه حتّى يرضيه في أمّته، من الشفاعة وفيما أعدّه له من الكرامة، ومن جملته نهر الكوثر، الذي حافتاه قباب اللّؤلؤ المجوّف، وطينه مسكٌ أذفر، كما سيأتي.
عن عليّ بن عبد الله بن عبّاسٍ، عن أبيه، قال: عرض على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما هو مفتوحٌ على أمّته من بعده كنزاً كنزاً، فسرّ بذلك، فأنزل الله: {ولسوف يعطيك ربّك فترضى} فأعطاه في الجنّة ألف ألف قصرٍ، في كلّ قصرٍ ما ينبغي له من الأزواج والخدم، وهذا إسنادٌ صحيحٌ إلى ابن عبّاسٍ، ومثل هذا لا يقال إلاّ عن توقيفٍ.
وعن ابن عبّاسٍ: من رضى محمدٍ صلّى الله عليه وسلّم ألاّ يدخل أحدٌ من أهل بيته النار.
وقال الحسن: يعني بذلك الشفاعة. وهكذا قال أبو جعفرٍ الباقر.


تفسير قوله تعالى: { أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)}.


تفسير قوله تعالى: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى (6))
ثمّ قال تعالى يعدّد نعمه على عبده ورسوله محمدٍ صلوات الله وسلامه عليه: {ألم يجدك يتيماً فآوى} وذلك أن أباه توفّيّ وهو حملٌ في بطن أمّه. وقيل: بعد أن ولد عليه السلام ثمّ توفّيت أمّه آمنة بنت وهبٍ وله من العمر ستّ سنين.
فآواهُ اللهُ، وكفلهُ جدُّهُ عبدُ المطلبِ، ثمَّ لما ماتَ جدُّهُ كفّلهُ اللهُ عمَّهُ أبا طالبٍ، حتى أيدهُ اللهُ بنصرهِ وبالمؤمنينَ .
وبعد وفاة عمه اختار الله له الهجرة من بين أظهرهم إلى بلد الأنصار من الأوس والخزرج، كما أجرى الله سنّته على الوجه الأتمّ الأكمل، فلمّا وصل إليهم آووه ونصروه وحاطوه وقاتلوا بين يديه، رضي الله عنهم أجمعين، وكلّ هذا من حفظ الله له وكلاءته وعنايته به


تفسير قوله تعالى: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7))
-الأقوال في معنى الآية:

1-وجدكَ لا تدري ما الكتابُ ولا الإيمانُ، فعلَّمكَ ما لمْ تكنْ تعلمُ، ووفّقكَ لأحسنِ الأعمالِ والأخلاقِ.
كقوله: {وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنّك لتهدي إلى صراطٍ مستقيمٍ} الآية.
2-ومنهم من قال: إنّ المراد بهذا أنّه عليه الصلاة والسلام ضلّ في شعاب مكّة، وهو صغيرٌ، ثمّ رجع.
3-وقيل: إنه ضلّ وهو مع عمّه في طريق الشام، وكان راكباً ناقةً في الليل، فجاء إبليس فعدل بها عن الطريق، فجاء جبريل، فنفخ إبليس نفخةً ذهب منها إلى الحبشة، ثمّ عدل بالراحلة إلى الطريق. حكاهما البغويّ.


تفسير قوله تعالى: (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8))
أي: كنت فقيراً ذا عيالٍ، فأغناك الله عمّن سواه، فجمع له بين مقامي الفقير الصابر والغنيّ الشاكر، صلوات الله وسلامه عليه.
وقال قتادة في قوله: {ألم يجدك يتيماً فآوى ووجدك ضالاًّ فهدى ووجدك عائلاً فأغنى} قال: كانت هذه منازل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قبل أن يبعثه الله عزّ وجلّ. رواه ابن جريرٍ وابن أبي حاتمٍ.
-الأحاديث المفسرة لمعنى الغنى:
في الصحيحين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ((ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكنّ الغنى غنى النّفس))
وفي صحيح مسلمٍ، عن عبد الله بن عمرٍو، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ((قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً وقنّعه الله بما آتاه))


تفسير قوله تعالى: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9))
أي: كما كنت يتيماً فآواك الله، فلا تقهر اليتيم، أي: لا تذلّه وتنهره وتهنه ولا تسيْء معاملةَ اليتيمِ، ولا يضقْ صدرُكَ عليهِ، ولا تَتَسَلَّطْ عَلَيْهِ بالظُّلْمِ لِضَعْفِهِ، بَلِ ادْفَعْ إِلَيْهِ حَقَّهُ و أكرمهُ، وأعطهِ مَا تيسرَ، واصنعْ بهِ كمَا تحبُّ أنْ يُصنعَ بولدكِ منْ بعدكِ , وَاذْكُرْ يُتْمَكَ.
قال قتادة: كن لليتيم كالأب الرّحيم.
.وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحْسِنُ إِلَى اليتيمِ وَيَبَرُّهُ وَيُوصِي بِاليَتَامَى.


تفسير قوله تعالى: (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10))
أي: وكما كنت ضالاًّ فهداك الله، فلا تنهر السائل في العلم المسترشد.
قال ابن إسحاق: {وأمّا السّائل فلا تنهر} أي: فلا تكن جبّاراً، ولا متكبّراً، ولا فحّاشاً، ولا فظًّا على الضعفاء من عباد الله , فلا يصدرْ منكَ إلى السائلِ كلامٌ يقتضي ردَّهُ عنْ مطلوبهِ، بنهرٍ وشراسةِ خلقٍ، بلْ أعطهِ ما تيسرَ عندكَ أو ردّهُ بمعروفٍ .
وقال قتادة: يعني: ردّ المسكين برحمةٍ ولينٍ.
-أنواع السائل:
وهذا يدخلُ فيهِ السائلُ للمالِ، والسائلُ للعلمِ،ولهذا كانَ المعلمُ مأموراً بحسنِ الخلقِ معَ المتعلمِ، ومباشرتهِ بالإكرامِ والتحننِ عليهِ، فإنَّ في ذلكَ معونةً لهُ على مقصدهِ، وإكراماً لمنْ كانَ يسعَى في نفعِ العبادِ والبلادِ.


تفسير قوله تعالى: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11))
-أي: وكما كنت عائلاً فقيراً فأغناك الله، فحدّث بنعمة الله عليك، كما جاء في الدعاء المأثور
النبويّ: ((واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها عليك، قابليها، وأتمّها علينا)).
عن أبي نضرة، قال: كان المسلمون يرون أنّ من شكر النّعم أن يحدّث بها.
-المراد بالنعمة في الآية:
1-وقال مجاهدٌ: يعني: النّبوّة التي أعطاك ربّك.2- وفي روايةٍ عنه: القرآن.
3-وقال محمد بن إسحاق: ما جاءك من الله من نعمةٍ وكرامةٍ من النبوّة فحدّث فيها، واذكرها، وادع إليها. قال: فجعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يذكر ما أنعم الله به عليه من النبوّة سرًّا إلى من يطمئنّ إليه من أهله، وافترضت عليه الصلاة فصلّى.

-ماجاء في شكر النعم من الأحاديث :
وقال أبو داود: عن أبي هريرة، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال: ((لا يشكر الله من لا يشكر النّاس)).
عن جابرٍ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال: ((من أبلى بلاءً فذكره فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره)). تفرّد به أبو داود.

-ما يتضمنه التحدث بالنعم من الأمور :
فإنَّ التحدثَ بنعمةِ اللهِ داعٍ لشكرهَا، وموجبٌ لتحبيبِ القلوبِ إلى مَنْ أنعمَ بهَا، فإنَّ القلوبَ مجبولةٌ على محبةِ المحسنِ.

رد مع اقتباس
  #12  
قديم 9 محرم 1436هـ/1-11-2014م, 02:16 AM
تماضر تماضر غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى الثامن
 
تاريخ التسجيل: Aug 2014
المشاركات: 521
افتراضي تعديل وكتابة وترتيب المسائل التفسيرية لسورة الفجر من آية 21 إلى 30

تفسير سورة الفجر من آية -21 إلى نهاية السورة .

المسائل التفسيرية:
-معنى كلا في قوله (كلا إذا دكت الأرض دكًا دكًا).
-معنى الدك .
-معنى قوله : (وجاء ربك والملك صفا صفا) وبيان سبب المجيء.
-معنى قوله (وجيء يومئذ بجنهم ). والمراد باليوم في الآية .
-المراد بقوله ( يوم يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى) وما الذي يتذكره ذلك اليوم.
-على ماذا يدل قوله تعالى (ياليتني قدمت لحياتي) وما السبب من عدم قوله (في حياتي).
-معنى قوله (فيومئذ لا يعذب عذابه أحد).
-من الموثق في قوله (ولا يوثق وثاقه أحد).
-ماهي النفس المطمئنة في قوله (يا أيتها النفس المطمئنة) ,
-معنى الرجوع في قوله (ارجعي إلى ربك)
-معنى قوله : (راضية مرضية).
-معنى قوله (فادخلي في عبادي).
-معنى قوله :(وادخي جنتي )ومتى يكون الخطاب لها بهذا الوصف.
-الخلاف فيمن نزلت فيه الآيات من قوله (يا أيتها النفس المطمئنة).

المسائل العقدية:
-إثبات صفة المجيء لله تعالى .
-إثبات الحساب والبعث والنشور .


تفسير قوله تعالى: {كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26) يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)}

تفسير قوله تعالى: (كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21))
يخبر تعالى عمّا يقع يوم القيامة من الأهوال العظيمة:
معنى: {كلاّ} أي: ليسَ ما أحببتمْ منَ الأموالِ، وتنافستمْ فيهِ منَ اللذاتِ، بباقٍ لكمْ،بلْ أمامكمْ يومٌ عظيمٌ، وهولٌ جسيمٌ، تُدكُّ فيهِ الأرضُ والجبالُ وما عليهَا حتى تُجعلَ قاعاً صفصفاً لا عوجَ فيهِ ولا أمت .
وقيل : مَا هكذا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَمَلُكُمْ.
{إذا دكّت الأرض دكًّا دكًّا} الدَّكُّ: الكَسْرُ وَالدَّقُّ؛ زُلْزِلَتْ وَحُرِّكَتْ تَحْرِيكاً بَعْدَ تَحْرِيكٍ، أَوْ دُكَّتْ جِبَالُهَا حَتَّى اسْتَوَتْ.
والمعنى: وطئت ومهّدت وسوّيت الأرض والجبال، وقام الخلائق من قبورهم لربّهم.


تفسير قوله تعالى: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22))
{وجاء ربّك} يعني
: لفصل القضاء بين خلقه، وذلك بعدما يستشفعون إليه بسيّد ولد آدم على الإطلاق: محمّدٍ صلوات الله وسلامه عليه، بعدما يسألون أولي العزم من الرسل واحداً بعد واحدٍ، فكلّهم يقول: لست بصاحب ذاكم. حتى تنتهي النّوبة إلى محمدٍ صلّى الله عليه وسلّم فيقول: ((أنا لها، أنا لها)). فيذهب فيشفع عند الله تعالى في أن يأتي لفصل القضاء، فيشفّعه الله تعالى في ذلك.
وهي أوّل الشفاعات، وهي المقام المحمود، كما تقدّم في بيانه، وفي سورة (سبحان). فيجيء الربّ تعالى لفصل القضاء كما يشاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفاً صفوفاً. كلُّ سماءٍ يجيءُ ملائكتهَا صفّاً، يحيطونَ بمنْ دونهمْ منَ الخلقِ، وهذهِ الصفوفُ صفوفُ خضوعٍ وذلٍّ للملكِ الجبارِ.


تفسير قوله تعالى: (وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23))
{وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ}
تقودُهَا الملائكةُ بالسلاسلِ , عن عبد الله - هو ابن مسعودٍ - قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ((يؤتى بجهنّم يومئذٍ لها سبعون ألف زمامٍ، مع كلّ زمامٍ سبعون ألف ملكٍ يجرّونها)).
فإذا وقعتْ هذهِ الأمورُ فـ {يومئذٍ يتذكّر الإنسان} أي: عمله، وما كان أسلفه في قديم دهره وحديثه.
{وأنّى له الذّكرى} أي: وكيف تنفعه الذكرى, فقدْ فاتَ أوانُهَا، وذهبَ زمانُهَا


تفسير قوله تعالى: (يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24))
يقول متحسِّراً على ما فرَّطَ في جنبِ الله ونادمًا على ما كان سلف منه من المعاصي - إن كان عاصياً - ويودّ لو كان ازداد من الطاعات إن كان طائعاً.
عن محمد بن أبي عميرة، وكان من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال: لو أنّ عبداً خرّ على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت في طاعة الله لحقره يوم القيامة، ولودّ أنه ردّ إلى الدنيا؛ كيما يزداد من الأجر والثواب.
{يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} الدائمةِ الباقيةِ، عملاً صالحاً، كمَا قالَ تعالَى:{يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27) يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً}.
وفي الآيةِ دليلٌ على أنَّ الحياةَ التي ينبغي السعيُ في أصلهَا وكمالهَا، وفي تتميمِ لذّاتهَا، هيَ الحياةُ في دارِ القرارِ، فإنَّهَا دارُ الخلدِ والبقاءِ لذلك عبر بقوله (لحياتي ) ولم يقل في حياتي.


تفسير قوله تعالى: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25))
أي: ليس أحدٌ أشدّ عذاباً من تعذيب الله من عصاه وأهملَ ذلكَ اليومَ ونسيَ العملَ لهُ.


تفسير قوله تعالى: (وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26))
أي: وليس أحدٌ أشدّ قبضاً ووثقاً من الزبانية لمن كفر بربّهم عزّ وجلّ. هذا في حقّ المجرمين من الخلائق والظالمين , فإنَّهمْ يقرنونَ بسلاسلٍ منْ نارٍ، ويسحبونَ على وجوههمْ في الحميمِ، ثمَّ في النارِ يسجرونَ، فهذا جزاءُ المجرمينَ.


تفسير قوله تعالى: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27))
وأمَّا مَنْ اطمأنَ إلى اللهِ وآمنَ بهِ وصدقَ رسلهُ، فيقالُ لهُ: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ} إلى ذكرِ اللهِ، الساكنةُ حبِّهِ، لمُوقِنَةُ بالإيمانِ وَتَوْحِيدِ اللَّهِ، لا يُخَالِطُهَا شَكٌّ وَلا يَعْتَرِيهَا رَيْبٌ، قَدْ رَضِيَتْ بِقَضَاءِ اللَّهِ، وَعَلِمَتْ أَنَّ مَا أَخْطَأَهَا لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهَا، وَأَنَّ مَا أَصَابَهَا لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهَا، فَتَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُطْمَئِنَّةً؛لأَنَّهَا قَدْ بُشِّرَتْ بالجَنَّةِ عِنْدَ الْمَوْتِ وَعِنْدَ الْبَعْثِ


تفسير قوله تعالى: (ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28)))
{ارْجِعِي} إلى جواره وثوابه، وما أعدّ لعباده في جنّته.
{إِلَى رَبِّكِ} الذي ربّاكِ بنعمتهِ، وأسدى عليكِ منْ إحسانهِ ما صرتِ بهِ منْ أوليائهِ وأحبابهِ .
{راضيةً} أي: في نفسها بالثَّوَابِ الَّذِي أَعْطَاها.
{مرضيّةً} أي: قد رضيت عن الله ورضي عنها وأرضاها


تفسير قوله تعالى: (فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29))
أي: فِي زُمْرَةِ عِبَادِي الصَّالِحِينَ، وَكُونِي مِنْ جُمْلَتِهِمْ .


تفسير قوله تعالى: (وَادْخُلِي جَنَّتِي (30))
مَعَهُمْ؛ أَيْ: فَتِلْكَ هِيَ الكرامةُ، لا كَرَامَةَ سِوَاهَا.
وهذا يقال لها عند الاحتضار، وفي يوم القيامة أيضاً، كما أنّ الملائكة يبشّرون المؤمن عند احتضاره وعند قيامه من قبره فكذلك ههنا.

فيمن نزلت الآية: -ك-
ثمّ اختلف المفسّرون فيمن نزلت هذه الآية:

1- فروى الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: نزلت في عثمان بن عفّان.
2-وعن بريدة بن الحصيب: نزلت في حمزة بن عبد المطّلب رضي الله عنه.
3-وقال العوفيّ، عن ابن عبّاسٍ: يقال للأرواح المطمئنّة يوم القيامة: {يا أيّتها النّفس المطمئنّة ارجعي إلى ربّك} يعني: صاحبك، وهو بدنها الذي كانت تعمره في الدنيا {راضيةً مرضيّةً}.
4-عن ابن عبّاسٍ في قوله: {يا أيّتها النّفس المطمئنّة ارجعي إلى ربّك راضيةً مرضيّةً} قال: نزلت وأبو بكرٍ جالسٌ، فقال رسول الله: ((ما أحسن هذا!)) فقال: ((أما إنّه سيقال لك هذا)).

رد مع اقتباس
  #13  
قديم 26 محرم 1436هـ/18-11-2014م, 07:18 AM
أمل عبد الرحمن أمل عبد الرحمن غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 8,163
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة تماضر مشاهدة المشاركة
تفسير سورة الفجر من آية -21 إلى نهاية السورة .

المسائل التفسيرية:
-معنى كلا في قوله (كلا إذا دكت الأرض دكًا دكًا).
-معنى الدك .
-معنى قوله : (وجاء ربك والملك صفا صفا) وبيان سبب المجيء.
-معنى قوله (وجيء يومئذ بجنهم ). والمراد باليوم في الآية .
-المراد بقوله ( يوم يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى) وما الذي يتذكره ذلك اليوم.
-على ماذا يدل قوله تعالى (ياليتني قدمت لحياتي) وما السبب من عدم قوله (في حياتي).
-معنى قوله (فيومئذ لا يعذب عذابه أحد).
-من الموثق في قوله (ولا يوثق وثاقه أحد).
-ماهي النفس المطمئنة في قوله (يا أيتها النفس المطمئنة) ,
-معنى الرجوع في قوله (ارجعي إلى ربك)
-معنى قوله : (راضية مرضية).
-معنى قوله (فادخلي في عبادي).
-معنى قوله :(وادخي جنتي )ومتى يكون الخطاب لها بهذا الوصف.
-الخلاف فيمن نزلت فيه الآيات من قوله (يا أيتها النفس المطمئنة).

المسائل العقدية:
-إثبات صفة المجيء لله تعالى .
-إثبات الحساب والبعث والنشور .

.
المعذرة، فلم أنتبه لإعادة التلخيص
جيد جدا ما استخلصتيه من مسائل، ومع كثرة المران والتكرار ستتضح لك الكثير من المسائل التي قد تكون خفيت في التجارب الأولى إن شاء الله.
يلاحظ أن تلخيصك لأقوال المفسرين مطابق للتلخيص الأول، لكن الصحيح أنه يكون على المسائل التي استخلصتيها، تضعي عنوان المسألة وتحته ملخص لكلام المفسرين فيه.
ولعل ما وضعته لك من مسائل في المشاركة السابقة يوضح لك بعض المسائل التي فاتتك.
بارك الله فيك وتقبل منك

رد مع اقتباس
  #14  
قديم 26 محرم 1436هـ/18-11-2014م, 06:30 AM
أمل عبد الرحمن أمل عبد الرحمن غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 8,163
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة تماضر مشاهدة المشاركة


تفسير قوله تعالى: {كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26) يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)}

تفسير قوله تعالى: (كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21))
يخبر تعالى عمّا يقع يوم القيامة من الأهوال العظيمة:
فقال: {كلاّ} أي: ليسَ ما أحببتمْ منَ الأموالِ، وتنافستمْ فيهِ منَ اللذاتِ، بباقٍ لكمْ،بلْ أمامكمْ يومٌ عظيمٌ، وهولٌ جسيمٌ، تُدكُّ فيهِ الأرضُ والجبالُ وما عليهَا حتى تُجعلَ قاعاً صفصفاً لا عوجَ فيهِ ولا أمت .
وقيل : مَا هكذا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَمَلُكُمْ.
{إذا دكّت الأرض دكًّا دكًّا} الدَّكُّ: الكَسْرُ وَالدَّقُّ؛ زُلْزِلَتْ وَحُرِّكَتْ تَحْرِيكاً بَعْدَ تَحْرِيكٍ، أَوْ دُكَّتْ جِبَالُهَا حَتَّى اسْتَوَتْ.
والمعنى: وطئت ومهّدت وسوّيت الأرض والجبال، وقام الخلائق من قبورهم لربّهم.


تفسير قوله تعالى: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22))
{وجاء ربّك} يعني
: لفصل القضاء بين خلقه، وذلك بعدما يستشفعون إليه بسيّد ولد آدم على الإطلاق: محمّدٍ صلوات الله وسلامه عليه، بعدما يسألون أولي العزم من الرسل واحداً بعد واحدٍ، فكلّهم يقول: لست بصاحب ذاكم. حتى تنتهي النّوبة إلى محمدٍ صلّى الله عليه وسلّم فيقول: ((أنا لها، أنا لها)). فيذهب فيشفع عند الله تعالى في أن يأتي لفصل القضاء، فيشفّعه الله تعالى في ذلك.
وهي أوّل الشفاعات، وهي المقام المحمود، كما تقدّم في بيانه، وفي سورة (سبحان). فيجيء الربّ تعالى لفصل القضاء كما يشاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفاً صفوفاً. كلُّ سماءٍ يجيءُ ملائكتهَا صفّاً، يحيطونَ بمنْ دونهمْ منَ الخلقِ، وهذهِ الصفوفُ صفوفُ خضوعٍ وذلٍّ للملكِ الجبارِ.


تفسير قوله تعالى: (وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23))
{وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ}
تقودُهَا الملائكةُ بالسلاسلِ , عن عبد الله - هو ابن مسعودٍ - قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ((يؤتى بجهنّم يومئذٍ لها سبعون ألف زمامٍ، مع كلّ زمامٍ سبعون ألف ملكٍ يجرّونها)).
فإذا وقعتْ هذهِ الأمورُ فـ {يومئذٍ يتذكّر الإنسان} أي: عمله، وما كان أسلفه في قديم دهره وحديثه.
{وأنّى له الذّكرى} أي: وكيف تنفعه الذكرى, فقدْ فاتَ أوانُهَا، وذهبَ زمانُهَا


تفسير قوله تعالى: (يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24))
يقول متحسِّراً على ما فرَّطَ في جنبِ الله ونادمًا على ما كان سلف منه من المعاصي - إن كان عاصياً - ويودّ لو كان ازداد من الطاعات إن كان طائعاً.
عن محمد بن أبي عميرة، وكان من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال: لو أنّ عبداً خرّ على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت في طاعة الله لحقره يوم القيامة، ولودّ أنه ردّ إلى الدنيا؛ كيما يزداد من الأجر والثواب.
{يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} الدائمةِ الباقيةِ، عملاً صالحاً، كمَا قالَ تعالَى:{يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27) يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً}.
وفي الآيةِ دليلٌ على أنَّ الحياةَ التي ينبغي السعيُ في أصلهَا وكمالهَا، وفي تتميمِ لذّاتهَا، هيَ الحياةُ في دارِ القرارِ، فإنَّهَا دارُ الخلدِ والبقاءِ.


تفسير قوله تعالى: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25))
أي: ليس أحدٌ أشدّ عذاباً من تعذيب الله من عصاه وأهملَ ذلكَ اليومَ ونسيَ العملَ لهُ.


تفسير قوله تعالى: (وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26))
أي: وليس أحدٌ أشدّ قبضاً ووثقاً من الزبانية لمن كفر بربّهم عزّ وجلّ. هذا في حقّ المجرمين من الخلائق والظالمين , فإنَّهمْ يقرنونَ بسلاسلٍ منْ نارٍ، ويسحبونَ على وجوههمْ في الحميمِ، ثمَّ في النارِ يسجرونَ، فهذا جزاءُ المجرمينَ.


تفسير قوله تعالى: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27))
وأمَّا مَنْ اطمأنَ إلى اللهِ وآمنَ بهِ وصدقَ رسلهُ، فيقالُ لهُ: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ} إلى ذكرِ اللهِ، الساكنةُ حبِّهِ، لمُوقِنَةُ بالإيمانِ وَتَوْحِيدِ اللَّهِ، لا يُخَالِطُهَا شَكٌّ وَلا يَعْتَرِيهَا رَيْبٌ، قَدْ رَضِيَتْ بِقَضَاءِ اللَّهِ، وَعَلِمَتْ أَنَّ مَا أَخْطَأَهَا لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهَا، وَأَنَّ مَا أَصَابَهَا لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهَا، فَتَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُطْمَئِنَّةً؛لأَنَّهَا قَدْ بُشِّرَتْ بالجَنَّةِ عِنْدَ الْمَوْتِ وَعِنْدَ الْبَعْثِ


تفسير قوله تعالى: (ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28)))
{ارْجِعِي} إلى جواره وثوابه، وما أعدّ لعباده في جنّته.
{إِلَى رَبِّكِ} الذي ربّاكِ بنعمتهِ، وأسدى عليكِ منْ إحسانهِ ما صرتِ بهِ منْ أوليائهِ وأحبابهِ .
{راضيةً} أي: في نفسها بالثَّوَابِ الَّذِي أَعْطَاها.
{مرضيّةً} أي: قد رضيت عن الله ورضي عنها وأرضاها


تفسير قوله تعالى: (فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29))
أي: فِي زُمْرَةِ عِبَادِي الصَّالِحِينَ، وَكُونِي مِنْ جُمْلَتِهِمْ .


تفسير قوله تعالى: (وَادْخُلِي جَنَّتِي (30))
مَعَهُمْ؛ أَيْ: فَتِلْكَ هِيَ الكرامةُ، لا كَرَامَةَ سِوَاهَا.
وهذا يقال لها عند الاحتضار، وفي يوم القيامة أيضاً، كما أنّ الملائكة يبشّرون المؤمن عند احتضاره وعند قيامه من قبره فكذلك ههنا.

فيمن نزلت الآية: -ك-
ثمّ اختلف المفسّرون فيمن نزلت هذه الآية:

1- فروى الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: نزلت في عثمان بن عفّان.
2-وعن بريدة بن الحصيب: نزلت في حمزة بن عبد المطّلب رضي الله عنه.
3-وقال العوفيّ، عن ابن عبّاسٍ: يقال للأرواح المطمئنّة يوم القيامة: {يا أيّتها النّفس المطمئنّة ارجعي إلى ربّك} يعني: صاحبك، وهو بدنها الذي كانت تعمره في الدنيا {راضيةً مرضيّةً}.
4-عن ابن عبّاسٍ في قوله: {يا أيّتها النّفس المطمئنّة ارجعي إلى ربّك راضيةً مرضيّةً} قال: نزلت وأبو بكرٍ جالسٌ، فقال رسول الله: ((ما أحسن هذا!)) فقال: ((أما إنّه سيقال لك هذا)).
بارك الله فيك أختي وأحسن إليك
قد فسرت كل آية تفسيرا جيدا، ولقد شاع عند أغلب الطلاب أن التلخيص يعنى به اختصار الدرس في جمل قليلة، لكن ليس هذا هو المقصود من تلخيص دروس التفسير .
بل الهدف من تلخيص درس التفسير هو استيعاب جميع أقوال المفسرين في الآيات القرآنية، وترتيبها وحسن تنظيمها، بحيث نصل في النهاية إلى الفهم الصحيح لكلام الله.
وطريقة التلخيص الصحيحة يجب أت تؤسس على استخلاص المسائل من كل آية
والمسائل هي المعاني التي تعرض لها المفسرون عند تفسيرهم للآية، ففي تفسير الآية الأولى مثلا، تعرض المفسرون للمعاني الآتية:
معنى {كلا}
معنى الداك
المقصود بدك الأرض
متى يحدث ذلك؟
معنى {دكا دكا}
وهكذا في كل آية تناول المفسرون معاني محددة
هذه المعاني يجب على الطالب أن يستخرج عناوينها أولا من كلام المفسرين،
ثم يلخص كلامهم في كل مسألة بعد ذلك،
وبذلك يتم لك الملخص.
وهذه الطريقة أثبت لتفسير الآية وأضبط لفهم واستيعاب جميع ما قيل في كل مسألة.
ولذلك لا ينبغي أن نجعل الآية مسألة، بل الآية نفسها تحتوي على عدد من المسائل يجب تفصيلها
وإليك بيان بأهم المسائل الواردة في الآيات، وسيتضح لك أنه فاتتك بعض المسائل المهمة:
اقتباس:
القراءات
القراءات في قوله: {فادخلي في عبادي}

أسباب النزول
سبب نزول قوله تعالى: {يا أيتها النفس المطمئنة}

المسائل التفسيرية
معنى {كلا}
المقصود بدك الأرض
وقت حدوث ذلك
معنى {دكا دكا}
شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لبدء الحساب
مجيء الرب سبحانه لفصل القضاء
مجيء الملائكة صفوفا بين يدي الله
الحكمة من اصطفاف الملائكة ذلك اليوم
ما ورد في الحديث عن الإتيان بجهنم
متعلق التذكر (أي ما الذي سيتذكره الإنسان؟)
المراد بالإنسان
غرض الاستفهام في قوله: {وأنى له الذكرى}
المقصود بالحياة في الآية
فائدة في قصر وصف الحياة على الحياة الآخرة
مرجع الضمير في قوله: {عذابه}
معنى الوثاق
مرجع الضمير في قوله: {وثاقه}
المقصد من قوله تعالى: {فيومئذ لا يعذب عذابه أحد * ولا يوثق وثاقه أحد}
المقصود بالنفس المطمئنة
المقصود بالرب
معنى {راضية مرضية}
معنى قوله تعالى: {فادخلي في عبادي}

متى تخاطب النفس المطمئنة بهذا الخطاب؟

المسائل العقدية
الإيمان بالبعث والجزاء
إثبات الشفاعة الأولى للنبي صلى الله عليه وسلم لبدء الحساب
مجيء الرب جل وعلا في ظلل الغمام كما يشاء لفصل القضاء
الإيمان بالملائكة
الإيمان بالنار، وأنها خلقت للعصاة، والإيمان بالجنة وأنها خلقت للطائعين

المسائل اللغوية
معنى الدك
معنى الاستفهام في قوله: {وأنى له الذكرى}

وتقييم الملخص:
الشمول : ( شمول التلخيص على أهم المسائل )
25 / 30
الترتيب : ( حسن ترتيب المسائل على العلوم ) 15/ 20
التحرير العلمي ( تجنب الأخطاء العلمية واستيعاب الأقوال في المسائل ) 15/ 20
الصياغة : ( صياغة المسائل وتجنب الأخطاء الإملائية ) : 10 / 15
العرض : ( تنسيق التلخيص ليسهل قراءته ومراجعته ) : 15 / 15
= 80%

درجة الملخص:4/4
زادك الله من فضله

رد مع اقتباس
  #15  
قديم 9 محرم 1436هـ/1-11-2014م, 12:41 AM
تماضر تماضر غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى الثامن
 
تاريخ التسجيل: Aug 2014
المشاركات: 521
افتراضي

تفسير سورة الشرح - مكية
لابن كثير والسعدي والأشقر رحمهم الله

تفسير قوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8)}

المسائل التفسيرية:
-معنى الاستفهام في قوله : (ألم نشرح لك صدرك).
-المراد بالشرح في الآية .
-الأقوال في معنى الوزر.
-معنى الإنقاض في قوله (الذي أنقض ظهرك).
-معنى قوله (ورفعنا لك ذكرك).
-صور رفع ذكر النبي صلى الله عليه وسلم.
-معنى قوله تعالى : (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6)) وذكر (مع) يدل على المقارنة والمصاحبة.
-سبب تكرار الآية.
-فائدة تنكير لفظ (يسرا) وتعريف لفظ (العسر)
-معنى قوله تعالى (فإذا فرغت فانصب).
-أمثله لما يفرغ منه وينصب فيه من الأعمال.
-معنى قوله (وإلى ربك فارغب)

تفسير قوله تعالى: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) )
-معنى الاستفهام : تقريري يعني: أما شرحنا لك صدرك؟ .
-معنى الشرح المعنوي:
نوّرنا صدرك يامحمد وجعلناه فسيحاً رحيباً واسعاً وسعناهُ لشرائعِ الدينِ والدعوةِ إلى اللهِ، والاتصافِ بمكارمِ الأخلاقِ، والإقبالِ على الآخرةِ، وتسهيلِ الخيراتِ .
وكما شرح الله صدره كذلك جعل شرعه فسيحاً واسعاً سمحاً سهلاً، لا حرج فيه ولا إصر ولا ضيق. } أي: ، فلمْ يكنْ ضيقاً حرجاً لا يكادُ ينقادُ لخيرٍ، ولا تكادُ تجدهُ منبسطاً.
في هذا الشرح المعنوي إشارة إلى الشرح الحسي فقد قيل المراد بقوله: {ألم نشرح لك صدرك} المعنى الحسي: شرح صدره ليلة الإسراء ولكن لا منافاة؛ فإنّ من جملة شرح صدره الذي فعل بصدره ليلة الإسراء، وما نشأ عنه من الشرح المعنويّ أيضاً. والله أعلم.
عن أبيّ بن كعبٍ: أن أبا هريرة كان حريًّا على أن يسأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن أشياء لا يسأله عنها غيره، فقال: يا رسول الله، ما أوّل ما رأيت من أمر النّبوّة؟ فاستوى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جالساً.
وقال: ((لقد سألت يا أبا هريرة، إنّي لفي الصّحراء ابن عشر سنين وأشهرٍ، وإذا بكلامٍ فوق رأسي، وإذا رجلٌ يقول لرجلٍ: أهو هو؟ فاستقبلاني بوجوهٍ لم أرها لخلقٍ قطّ، وأرواحٍ لم أجدها من خلقٍ قطّ، وثيابٍ لم أرها على أحدٍ قطّ، فأقبلا إليّ يمشيان، حتّى أخذ كلّ واحدٍ منهما بعضدي، لا أجد لأحدهما مسًّا، فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه. فأضجعاني بلا قصرٍ ولا هصرٍ، فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره. فهوى أحدهما إلى صدري ففلقه فيما أرى بلا دمٍ، ولا وجعٍ، فقال له: أخرج الغلّ والحسد. فأخرج شيئاً كهيئة العلقة، ثمّ نبذها فطرحها، فقال له: أدخل الرّأفة والرّحمة. فإذا مثل الّذي أخرج، شبه الفضّة، ثمّ هزّ إبهام رجلي اليمنى فقال: اغد واسلم. فرجعت بها أغدو رقّةً على الصّغير ورحمةً للكبير))

قوله تعالى: (وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2))
الأقوال في معنى الآية:

القول الأول أنه بمعنى: {ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر}أي: ذنبكَ.
القول الثاني: حَطَطْنَا عَنْكَ الَّذِي سَلَفَ مِنْكَ فِي الجاهليّة.
القول الثالث: الوِزْرُ حَمْلُ أعباءِ النُّبُوَّةِ، سَهَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى تَيَسَّرَتْ لَهُ

تفسير قوله تعالى: (الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3))
معنى الإنقاض:
الصوت.
وقال غير واحدٍ من السلف في قوله: {الّذي أنقض ظهرك} أي: أثقلك حمله.


تفسير قوله تعالى: (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4))
أعلينَا قدركَ، وجعلنَا لكَ الثناءَ الحسنَ العالي، الذي لمْ يصلْ إليهِ أحدٌ منَ الخلقِ.

-صور رفع ذكر النبي صلى الله عليه وسلم:
1-وقال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيبٌ، ولا متشهّدٌ، ولا صاحب صلاةٍ إلاّ ينادي بها: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أنّ محمداً رسول الله.
قال مجاهدٌ: لا أذكر إلاّ ذكرت معي: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أنّ محمداً رسول الله.
عن أبي سعيدٍ، عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أنه قال: ((أتاني جبريل فقال: إنّ ربّي وربّك يقول: كيف رفعت ذكرك؟ قال: الله أعلم. قال: إذا ذكرت ذكرت معي)).
وقال آخرون: رفع الله ذكره في الأوّلين والآخرين، ونوّه به حين أخذ الميثاق على جميع النبيّين أن يؤمنوا به، وأن يأمروا أممهم بالإيمان به، ثمّ شهر ذكره في أمّته، فلا يذكر الله إلاّ ذكر معه.
2-أمر الله لأمته بطاعته , والصلاة والسلام عليه.


تفسير قوله تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6))
بشارةٌ عظيمةٌ، أنَّهُ كلما وجدَ عسرٌ وصعوبةٌ، فإنَّ اليسرَ يقارنُهُ ويصاحبهُ، حتى لو دخلَ العسرُ جحرَ ضبٍّ لدخلَ عليهِ اليسرُ فأخرجهُ، كمَا قالَ تعالى:{سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً} وكمَا قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ:((وإنَّ الفرجَ معَ الكربِ، وإنَّ معَ العسرِ يسراً))

.-سبب تكرار الآية : أخبر تعالى أنّ مع العسر يوجد اليسر، ثمّ أكّد هذا الخبر.

-فائدة تنكير اليسر وتعريف العسر:
وقال سعيدٌ، عن قتادة: ذكر لنا أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بشّر أصحابه بهذه الآية، فقال: ((لن يغلب عسرٌ يسرين)).
ومعنى هذا: أن العسر معرّفٌ في الحالين؛ فهو مفردٌ , واليسر منكّرٌ فتعدّد، ولهذا قال: ((لن يغلب عسرٌ يسرين)) يعني: قوله: {فإنّ مع العسر يسراً إنّ مع العسر يسراً} فالعسر الأوّل هو الثاني، واليسر تعدّد.
-وفي تعريفهِ بالألفِ واللامِ، الدالةِ على الاستغراقِ والعمومِ، ما يدلُّ على أنَّ كلَّ عسرٍ - وإنْ بلغَ منَ الصعوبةِ مَا بلغَ - فإنهُ في آخرهِ التيسيرُ ملازمٌ لهُ.



تفسير قوله تعالى: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7))

والمعنى إذا فرغتَ من عملٍ أن تَنْصَبَ في عملٍ آخرَ من أعمالِ الخير.
أمثلة لما يفرغ منه وينصب فيه:
1-إذا فرغت من أمور الدّنيا وأشغالها وقطعت علائقها فانصب في العبادة، وقم إليها نشيطاً فارغ البال، وأخلص لربّك النيّة والرغبة.
ومن هذا القبيل قوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث المتّفق على صحّته: ((لا صلاة بحضرة طعامٍ، ولا وهو يدافعه الأخبثان)). وقوله صلّى الله عليه وسلّم: ((إذا أقيمت الصّلاة وحضر العشاء فابدؤوا بالعشاء))
قال مجاهدٌ في هذه الآية: إذا فرغت من أمر الدنيا فقمت إلى الصلاة فانصب لربّك.
وفي روايةٍ عنه: إذا قمت إلى الصلاة فانصب في حاجتك.
2- وعن ابن مسعودٍ: إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام اللّيل.
وقال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: {فإذا فرغت فانصب} يعني: في الدعاء.
3-وقال زيد بن أسلم والضحّاك: {فإذا فرغت} أي: من الجهاد {فانصب} أي: في العبادة.
4-فَإِذَا فَرَغْتَ منَ الصلاةِ وأكملتهَا فَانْصَبْ في الدعاءِ .
واستدلَّ مَنْ قالَ بهذا القولِ، على مشروعيةِ الدعاءِ والذكرِ عقبَ الصلواتِ المكتوباتِ، واللهُ أعلمُ بذلكَ.
5-أَيْ: إِذَا فَرَغْتَ مِنَ التبليغِ، أَوْ مِنَ الغَزْوِ؛ فَاجْتَهِدْ فِي الدُّعَاءِ، وَاطْلُبْ من اللَّهِ حَاجَتَكَ، أَوْ: فَانْصَبْ فِي العبادةِ.

تفسير قوله تعالى: (وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8))
المعنى : أخلص لربّك النيّة والرغبة.قال الثّوريّ: اجعل نيّتك ورغبتك إلى الله عزّ وجل
و أعظم الرغبةَ في إجابةِ دعائكَ وقبولِ عباداتِكَ، ولا تكنْ ممن إذا فرغوا وتفرغوا لعبوا وأعرضوا عن ربِّهمْ وعن ذكرهِ، فتكونَ من الخاسرينَ.


رد مع اقتباس
  #16  
قديم 26 محرم 1436هـ/18-11-2014م, 07:41 AM
أمل عبد الرحمن أمل عبد الرحمن غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 8,163
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة تماضر مشاهدة المشاركة
تفسير سورة الشرح - مكية
لابن كثير والسعدي والأشقر رحمهم الله

تفسير قوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8)}

المسائل التفسيرية:
-معنى الاستفهام في قوله : (ألم نشرح لك صدرك).
-المراد بالشرح في الآية .
-الأقوال في معنى الوزر.
- معنى قوله تعالى: {ووضعنا عنك وزرك} بناء على كل قول
-معنى الإنقاض في قوله (الذي أنقض ظهرك).
-معنى قوله (ورفعنا لك ذكرك).
-صور رفع ذكر النبي صلى الله عليه وسلم.
-معنى قوله تعالى : (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6))
وذكر (مع) يدل على المقارنة والمصاحبة.
-سبب تكرار الآية.
-فائدة تنكير لفظ (يسرا) وتعريف لفظ (العسر)
-معنى قوله تعالى (فإذا فرغت فانصب).
-أمثله لما يفرغ منه وينصب فيه من الأعمال.
-معنى قوله (وإلى ربك فارغب)

تفسير قوله تعالى: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) )
قبل ذلك مسألة مهمة: من المخاطب في الآية؟
-معنى الاستفهام : تقريري يعني: أما شرحنا لك صدرك؟ .
-معنى الشرح المعنوي:
نوّرنا صدرك يامحمد وجعلناه فسيحاً رحيباً واسعاً وسعناهُ لشرائعِ الدينِ والدعوةِ إلى اللهِ، والاتصافِ بمكارمِ الأخلاقِ، والإقبالِ على الآخرةِ، وتسهيلِ الخيراتِ .
وكما شرح الله صدره كذلك جعل شرعه فسيحاً واسعاً سمحاً سهلاً، لا حرج فيه ولا إصر ولا ضيق. } أي: ، فلمْ يكنْ ضيقاً حرجاً لا يكادُ ينقادُ لخيرٍ، ولا تكادُ تجدهُ منبسطاً.
في هذا الشرح المعنوي إشارة إلى الشرح الحسي فقد قيل المراد بقوله: {ألم نشرح لك صدرك} المعنى الحسي: شرح صدره ليلة الإسراء ولكن لا منافاة؛ فإنّ من جملة شرح صدره الذي فعل بصدره ليلة الإسراء، وما نشأ عنه من الشرح المعنويّ أيضاً. والله أعلم.
عن أبيّ بن كعبٍ: أن أبا هريرة كان حريًّا على أن يسأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن أشياء لا يسأله عنها غيره، فقال: يا رسول الله، ما أوّل ما رأيت من أمر النّبوّة؟ فاستوى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جالساً.
وقال: ((لقد سألت يا أبا هريرة، إنّي لفي الصّحراء ابن عشر سنين وأشهرٍ، وإذا بكلامٍ فوق رأسي، وإذا رجلٌ يقول لرجلٍ: أهو هو؟ فاستقبلاني بوجوهٍ لم أرها لخلقٍ قطّ، وأرواحٍ لم أجدها من خلقٍ قطّ، وثيابٍ لم أرها على أحدٍ قطّ، فأقبلا إليّ يمشيان، حتّى أخذ كلّ واحدٍ منهما بعضدي، لا أجد لأحدهما مسًّا، فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه. فأضجعاني بلا قصرٍ ولا هصرٍ، فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره. فهوى أحدهما إلى صدري ففلقه فيما أرى بلا دمٍ، ولا وجعٍ، فقال له: أخرج الغلّ والحسد. فأخرج شيئاً كهيئة العلقة، ثمّ نبذها فطرحها، فقال له: أدخل الرّأفة والرّحمة. فإذا مثل الّذي أخرج، شبه الفضّة، ثمّ هزّ إبهام رجلي اليمنى فقال: اغد واسلم. فرجعت بها أغدو رقّةً على الصّغير ورحمةً للكبير))
مسألة شرح الصدر يمكن عرضها كالتالي:
الأقوال في المراد بشرح الصدر على قسمين:
الأول: أن المراد به الشرح المعنوي، ويقصد به ......، ذكره فلان وفلان وفلان
الثاني: أن المراد به الشرح الحسي، ويقصد به .......، ذكره فلان

قوله تعالى: (وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2))
الأقوال في معنى الآية:

القول الأول أنه بمعنى: {ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر}أي: ذنبكَ.
القول الثاني: حَطَطْنَا عَنْكَ الَّذِي سَلَفَ مِنْكَ فِي الجاهليّة. القول الأول والثاني بمعنى واحد
القول الثالث: الوِزْرُ حَمْلُ أعباءِ النُّبُوَّةِ، سَهَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى تَيَسَّرَتْ لَهُ

تفسير قوله تعالى: (الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3))
معنى الإنقاض:
الصوت.
وقال غير واحدٍ من السلف في قوله: {الّذي أنقض ظهرك} أي: أثقلك حمله.


تفسير قوله تعالى: (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4))
أعلينَا قدركَ، وجعلنَا لكَ الثناءَ الحسنَ العالي، الذي لمْ يصلْ إليهِ أحدٌ منَ الخلقِ.

-صور رفع ذكر النبي صلى الله عليه وسلم:
1-وقال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيبٌ، ولا متشهّدٌ، ولا صاحب صلاةٍ إلاّ ينادي بها: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أنّ محمداً رسول الله.
قال مجاهدٌ: لا أذكر إلاّ ذكرت معي: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أنّ محمداً رسول الله.
عن أبي سعيدٍ، عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أنه قال: ((أتاني جبريل فقال: إنّ ربّي وربّك يقول: كيف رفعت ذكرك؟ قال: الله أعلم. قال: إذا ذكرت ذكرت معي)).
وقال آخرون: رفع الله ذكره في الأوّلين والآخرين، ونوّه به حين أخذ الميثاق على جميع النبيّين أن يؤمنوا به، وأن يأمروا أممهم بالإيمان به، ثمّ شهر ذكره في أمّته، فلا يذكر الله إلاّ ذكر معه.
2-أمر الله لأمته بطاعته , والصلاة والسلام عليه.


تفسير قوله تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6))
بشارةٌ عظيمةٌ، أنَّهُ كلما وجدَ عسرٌ وصعوبةٌ، فإنَّ اليسرَ يقارنُهُ ويصاحبهُ، حتى لو دخلَ العسرُ جحرَ ضبٍّ لدخلَ عليهِ اليسرُ فأخرجهُ، كمَا قالَ تعالى:{سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً} وكمَا قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ:((وإنَّ الفرجَ معَ الكربِ، وإنَّ معَ العسرِ يسراً))

.-سبب تكرار الآية : أخبر تعالى أنّ مع العسر يوجد اليسر، ثمّ أكّد هذا الخبر.

-فائدة تنكير اليسر وتعريف العسر:
وقال سعيدٌ، عن قتادة: ذكر لنا أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بشّر أصحابه بهذه الآية، فقال: ((لن يغلب عسرٌ يسرين)).
ومعنى هذا: أن العسر معرّفٌ في الحالين؛ فهو مفردٌ , واليسر منكّرٌ فتعدّد، ولهذا قال: ((لن يغلب عسرٌ يسرين)) يعني: قوله: {فإنّ مع العسر يسراً إنّ مع العسر يسراً} فالعسر الأوّل هو الثاني، واليسر تعدّد.
-وفي تعريفهِ بالألفِ واللامِ، الدالةِ على الاستغراقِ والعمومِ، ما يدلُّ على أنَّ كلَّ عسرٍ - وإنْ بلغَ منَ الصعوبةِ مَا بلغَ - فإنهُ في آخرهِ التيسيرُ ملازمٌ لهُ.



تفسير قوله تعالى: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7))

والمعنى إذا فرغتَ من عملٍ أن تَنْصَبَ في عملٍ آخرَ من أعمالِ الخير. (يجب أن تذكري الأقوال الواردة في معنى الآية أولا، ثم تجمعي بينها أو ترجحي بعد ذلك)
أمثلة لما يفرغ منه وينصب فيه: (نسمي المسألة: ما جاء من أقوال السلف في معنى قوله تعالى: {...
1-إذا فرغت من أمور الدّنيا وأشغالها وقطعت علائقها فانصب في العبادة، وقم إليها نشيطاً فارغ البال، وأخلص لربّك النيّة والرغبة.
ومن هذا القبيل قوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث المتّفق على صحّته: ((لا صلاة بحضرة طعامٍ، ولا وهو يدافعه الأخبثان)). وقوله صلّى الله عليه وسلّم: ((إذا أقيمت الصّلاة وحضر العشاء فابدؤوا بالعشاء))
قال مجاهدٌ في هذه الآية: إذا فرغت من أمر الدنيا فقمت إلى الصلاة فانصب لربّك.
وفي روايةٍ عنه: إذا قمت إلى الصلاة فانصب في حاجتك.
2- وعن ابن مسعودٍ: إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام اللّيل.
وقال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: {فإذا فرغت فانصب} يعني: في الدعاء.
3-وقال زيد بن أسلم والضحّاك: {فإذا فرغت} أي: من الجهاد {فانصب} أي: في العبادة.
4-فَإِذَا فَرَغْتَ منَ الصلاةِ وأكملتهَا فَانْصَبْ في الدعاءِ .
واستدلَّ مَنْ قالَ بهذا القولِ، على مشروعيةِ الدعاءِ والذكرِ عقبَ الصلواتِ المكتوباتِ، واللهُ أعلمُ بذلكَ.
5-أَيْ: إِذَا فَرَغْتَ مِنَ التبليغِ، أَوْ مِنَ الغَزْوِ؛ فَاجْتَهِدْ فِي الدُّعَاءِ، وَاطْلُبْ من اللَّهِ حَاجَتَكَ، أَوْ: فَانْصَبْ فِي العبادةِ.

تفسير قوله تعالى: (وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8))
المعنى : أخلص لربّك النيّة والرغبة.قال الثّوريّ: اجعل نيّتك ورغبتك إلى الله عزّ وجل
و أعظم الرغبةَ في إجابةِ دعائكَ وقبولِ عباداتِكَ، ولا تكنْ ممن إذا فرغوا وتفرغوا لعبوا وأعرضوا عن ربِّهمْ وعن ذكرهِ، فتكونَ من الخاسرينَ.


ممتازة بارك الله فيك
وأذكرك أن التلخيص يجب أن يكون على ترتيب المسائل التي استخلصتيها، يعني تعيدي كتابتها، وتحت كل مسألة ملخص أقوال المفسرين فيها.
وملحوظة مهمة جدا:
- أولا: ضعي بجوار كل مسألة رموز المفسرين الذين تعرضوا لها، لتكون بمثابة المرجع الذي نعود إليه في المسألة، هكذا:
المراد بشرح الصدر (ك-س-ش)
- ثانيا: لابد أن أنسب كل قول لقائله، كل عبارة نقلتيها عن أحد المفسرين تقولين: ذكرها فلان، أو ذكر ذلك القول فلان وفلان، وإذا نقلت قولا لأحد السلف نقول مثلا: ذكره ابن كثير عن مجاهد، أو ذكره الأشقر عن قتادة.

تقييم الملخص:
الشمول : ( شمول التلخيص على أهم المسائل )
30 / 30
الترتيب : ( حسن ترتيب المسائل على العلوم ) 20/ 20
التحرير العلمي ( تجنب الأخطاء العلمية واستيعاب الأقوال في المسائل ) 15/ 20 [من الأخطاء في الملخص، عدم ترتيب الأقوال على المسائل، وعدم نسبة الأقوال، طبعا هذا التقييم توجيهي فقط]
الصياغة : ( صياغة المسائل وتجنب الأخطاء الإملائية ) : 15 / 15
العرض : ( تنسيق التلخيص ليسهل قراءته ومراجعته ) : 15 / 15
= 95%

درجة الملخص:4/4
بارك الله فيك ووفقك لكل خير

رد مع اقتباس
  #17  
قديم 26 محرم 1436هـ/18-11-2014م, 08:04 AM
أمل عبد الرحمن أمل عبد الرحمن غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 8,163
افتراضي


التقييم النهائي لواجبات التلخيص للمرحلة الأولى من البرنامج:
- الملخص الأول: 4/4
- الملخص الثاني: 4/4
- الملخص الثالث: 4/4
- الملخص الرابع: 4/4
- الملخص الخامس: 4/4
الدرجة الكلية: 20/20
بارك الله فيكم


يرجى مطالعة هذا الموضوع
شرح ميسّر ومفصّل لطريقة تلخيص دروس التفسير

رد مع اقتباس
  #18  
قديم 29 ربيع الثاني 1436هـ/18-02-2015م, 08:14 AM
تماضر تماضر غير متواجد حالياً
برنامج إعداد المفسّر - المستوى الثامن
 
تاريخ التسجيل: Aug 2014
المشاركات: 521
افتراضي

تلخيص تفسير قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلًا (23) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا (24) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (25) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (26) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (27) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (28) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (29) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (31)}


تفسير قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلًا (23) )
-مرجع الضمير في قوله :(إنا نحن):
إلى الله سبحانه وتعالى. حاصل ما ذكره ابن كثير والأشقر.
-مرجع الضمير في قوله :(عليك):
إلى الرسول ﷺ. حاصل ما ذكره ابن كثير.
-دلالة الآية على أن القرآن منزل من عند الله.
حاصل قول ابن كثير والأشقر.
-بيان ما يحتويه القرآن من الأخبار والأوامر:
فيه الوعدُ والوَعيدُ، وبيانُ كلِّ مَا يَحْتَاجُه العِبادُ، وفيهِ الأمْرُ بالقِيَامِ بأوامِرِه وشرائعِه أَتَمَّ القِيامِ، والسَّعْيُ في تَنْفِيذِها، والصبرُ على ذلك.
ولهذا قالَ: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً}. قاله السعدي.
-معنى قوله :(نزلنا عليك القرآن تنزيلا):
أيْ: فَرَّقْنَاهُ في الإنزالِ ولم نُنْزِلْه جُملةً واحدةً، ولم تَأتْ به مِن عِندِك كما يَدَّعِيهِ الْمُشْرِكونَ.
قاله الأشقر.

تفسير قوله تعالى: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا (24) )
-لمن الخطاب في الآية :
للرسول ﷺ كما هو السياق.
-مرجع الضمير في قوله :(منهم):
إلى المعاندين من الكافرين والمنافقين الذين يريدون صد الرسول ﷺ عما أنزل عليه.
وهذا مجموع ما ذكره ابن كثير والسعدي والأشقر.
- أمر الله رسوله ﷺ أن يصبر على ماذا؟
أمره بالصبر على قضائه وقدره،فإنّه سيدبره بحسن تدبيره. ذكره ابن كثير.
-معنى حكم ربك في قوله:(فاصبر لحكم ربك):
أي: كما أكرمتك بما أنزلت عليك، فاصْبِرْ لِحُكْمِه القَدَرِيِّ فلا تَسْخَطْهُ, ولِحُكْمِه الدينِيِّ فامْضِ عليه, ولا يَعُوقُكَ عنه عائقٌ. مجموع ما ذكره ابن كثير والسعدي.
وقال الأشقر : مِن حُكْمِه وقَضائِه تَأخيرُ نَصْرِك إلى أجَلٍ اقْتَضَتْهُ حِكمتُه.
-معنى قوله {ولا تطع منهم آثمًا أو كفورًا}
أي: لا تطع الكافرين والمنافقين المعاندين إن أرادوا صدّك عمًّا أنزل إليك.مجموع قاله ابن كثير والسعدي .
-معنى آثمًا :
أي: فاعِلاً إِثْماً ومَعصيةً. قاله السعدي والأشقر ، وزاد الأشقر :وقيلَ: المرادُ بقولِه: {آثِمًا} عُتبةُ بنُ رَبيعةَ.
-المراد بالكفور في الآية :
والكفور هو الكافر بقلبه والغالي في الكفر. وهذا مجموع قول السعدي والأشقر وزاد الأشقر : قيل المراد بالكفور الوليدُ بنُ الْمُغيرةِ.

-توجيه قول من قال أن الآثم عتبة بن ربيعة والكفور الوليد بن المغيره :
لأنهما قالا للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ارْجِعْ عن هذا الأمْرِ ونحن نُرْضِيكَ بالمالِ والتزويجِ. ذكره الأشقر.
-متعلق الأمر بالصبر والنهي عن طاعة الكفار :
الأمر بالبلاغ لما أنزل الله إليه ، والتوكل على اللّه؛ فإنّ اللّه يعصمك من النّاس. قاله ابن كثير.
-سبب النهي عن طاعة الكفار والفساق :
لأنَّ طاعةَ الكُفَّارِ والفُجَّارِ والفُسَّاقِ لا بُدَّ أنْ تكونَ في المعاصي فلا يَأْمُرُونَ إلاَّ بما تَهْوَاهُ أنْفُسُهم. قاله السعدي.


تفسير قوله تعالى: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (25) )
-علاقة الآية بما قبلها :
ولَمَّا كانَ الصبْرُ يُساعِدُه القيامُ بعبادةِ اللَّهِ والإكثارُ مِن ذِكْرِه، أَمَرَه اللَّهُ بذلك، فقالَ: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً}؛ ذكره السعدي.
-مرجع الضمير في قوله :(واذكر اسم ربك)
إلى النبي ﷺ كما هو السياق.
-المراد بالذكر وبيان ما يدخل في عمومه :
ذكر الله مطلقًا ودَخَلَ في ذلك الصلواتُ المكتوباتُ وما يَتْبَعُها مِن النوافلِ والذِّكْرِ، والتسبيحِ والتهليلِ والتكبيرِ في هذه الأوقاتِ. قاله السعدي.
وقيل المراد : صَلِّ لرَبِّكَ أوَّلَ النهارِ وآخِرَه. قاله الأشقر.
-معنى قوله :(بكرة وأصيلا:):
أي: أول النّهار وآخره. قاله ابن كثير والسعدي.
وعلى القول بأن المراد بالذكر الصلاة فإن
أوَّلُ النهارِ: صلاةُ الصبْحِ، وآخِرُه: صلاةُ العصْرِ. قاله الأشقر.

تفسير قوله تعالى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (26) )
-المخاطب في قوله :(فاسجد).
للرسول ﷺ.
-مرجع الضمير في قوله :(فاسجد له وسبحه)
لله سبحانه وتعالى.
-معنى الآية :
{ومن اللّيل فاسجد له وسبّحه ليلا طويلا} كقوله: {ومن اللّيل فتهجّد به نافلةً لك عسى أن يبعثك ربّك مقامًا محمودًا} [الإسراء: 79] وكقوله: {يا أيّها المزّمّل قم اللّيل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتّل القرآن ترتيلا} [المزّمّل: 1-4] ذكره ابن كثير وهذا من قبيل تفسير القرآن بالقرآن.
-معنى الأمر بالسجود في قوله {وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ}؛
أي: أَكْثِرْ له مِن السجودِ، ولا يكونُ ذلك إلاَّ بالإكثارِ مِن الصلاةِ. قاله السعدي.
-معنى التسبيح في قوله :(وسبحه ليلا طويلا):
المراد بذلك التهجد في صلاة الليل.
- تقييد إطلاق قوله {وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً}:
وقد تَقَدَّمَ تَقييدُ هذا الْمُطْلَقِ بقولِه: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً} الآيةَ. قاله السعدي.


تفسير قوله تعالى: (إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (27) )
-مرجع الضمير في قوله :(هؤلاء):
إلى الكفار من كفار مكة ومن أشبههم في حبّ الدّنيا ذكره ابن كثير والسعدي والأشقر.
-معنى العاجلة في قوله :(يحبون العاجلة):
المراد بالعاجلة الدنيا. ذكره ابن كثير والسعدي والأشقر.
-المراد بحب الدنيا:
الإقبال عليها والانصباب إليها،وإيثارها والاطمئنان إليها ، وترك الدار الآخرة وراء ظهورهم وعدم العمل لها. ذكره ابن كثير والسعدي.
-دلالة الآية على إعراض الكفار وتعلقهم بالدنيا بالرغم ما نزل عليهم من الآيات وما بين لهم الرسول ﷺ منها. قاله السعدي.
-معنى {وَرَاءَهُمْ}:
أي: أمامَهم ، ذكره السعدي.
-المراد باليوم الثقيل في قوله{يَوْماً ثَقِيلاً} :
وهو يومُ القيامةِ، الذي مِقدارُه خَمسونَ ألْفَ سنةٍ ممَّا تَعُدُّونَ. ذكره السعدي.
وقالَ تعالى: {يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ}. فكأنَّهم ما خُلِقُوا إلاَّ للدنيا والإقامةِ فيها.
-سبب وصف يوم القيامة بالثقيل:
سُمِّيَ ثَقيلاً لِمَا فيه مِن الشدائدِ والأهوالِ، فهم لا يَسْتَعِدُّونَ له ولا يَعْبَؤُونَ به. قاله الأشقر.

تفسير قوله تعالى: (نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (28) )
-مرجع الضمير في قوله :نحن خلقناهم):
إلى الله سبحانه وتعالى.
-مرجع الضمير في قوله :(خلقناهم):
إلى الكفار.
-معنى خلقناهم :
أَوْجَدْنَاهم مِن العَدَمِ. قاله السعدي.
-معنى أسرهم في قوله : {نحن خلقناهم وشددنا أسرهم} :
قال ابن عبّاسٍ، ومجاهدٌ، وغير واحدٍ: يعني خلقهم. ذكره ابن كثير.
أي: أَحْكَمْنَا خِلْقَتَهُم بالأعصابِ، والعُروقِ، والأوتارِ، والقُوَى الظاهرةِ والباطنةِ، حتى تَمَّ الْجِسمُ واسْتَكْمَلَ، وتَمَكَّنَ مِن كلِّ ما يُريدُه. مجموع ما ذكره السعدي والأشقر.
-الأقوال في معنى {وإذا شئنا بدّلنا أمثالهم تبديلا} :
1-وإذا شئنا بعثناهم يوم القيامة،وأَنْشَأَنْاهم للبَعْثِ نَشأةً أُخْرَى، وأَعَدْنَاهم بأَعْيَانِهم ، وهذا استدلالٌ بالبداءة على الرّجعة. ذكره ابن كثير ، وقال به السعدي.
2-وقال ابن زيدٍ، وابن جريرٍ: {وإذا شئنا بدّلنا أمثالهم تبديلا} [أي]: وإذا شئنا أتينا بقومٍ آخرين غيرهم، كقوله: {إن يشأ يذهبكم أيّها النّاس ويأت بآخرين وكان اللّه على ذلك قديرًا} [النّساء: 133] وكقوله: {إن يشأ يذهبكم ويأت بخلقٍ جديدٍ وما ذلك على اللّه بعزيزٍ} [إبراهيم: 19، 20، وفاطرٍ 16، 17] ذكره ابن كثير وبه قال الأشقر .
-دلالة الآية على إثبات البعث بدليل عقلي ،وهو دليلُ الابتداءِ فقالَ: {نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وشددنا أسرهم } فالذي أَوْجَدَهم على هذهِ الحالةِ، قادرٌ على أنْ يُعِيدَهم بعدَ مَوْتِهم لِجَزَائِهم، والذي نَقَلَهم في هذه الدارِ إلى هذه الأطوارِ لا يَلِيقُ به أنْ يَتْرُكَهم سُدًى، لا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ ولا يُثَابُونَ ولا يُعاقَبُونَ ؛ ولهذا قالَ: {بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً}. ذكره السعدي.

تفسير قوله تعالى: (إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (29) )
-مرجع الضمير في قوله تعالى: {إنّ هذه}:
يعني: هذه السّورة. قاله ابن كثير والأشقر .
-معنى تذكرة :
أي: يَتَذَكَّرُ بها المُؤْمِنُ فيَنْتَفِعُ بما فيها مِن التخويفِ والترغيبِ.قاله السعدي.
-معنى {فمن شاء اتّخذ إلى ربّه سبيلا}:
أي: من شاء اهتدى بالقرآن،وآمن بربه وأطاعه وجعل القرآن طريقًا ومسلكا إلى ربه كقوله: {وماذا عليهم لو آمنوا باللّه واليوم الآخر وأنفقوا ممّا رزقهم اللّه وكان اللّه بهم عليمًا} [النساء: 39] فاللَّهُ يُبَيِّنُ الحقَّ والْهُدَى، ثم يُخَيِّرُ الناسَ بينَ الاهتداءِ بها أو النفورِ عنها، معَ قِيامِ الْحُجَّةِ عليهم. وهذا مجموع ما قاله ابن كثير والسعدي والأشقر.


تفسير قوله تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30) )
-الخطاب في الآية للناس أجمعين.
-معنى قوله : {وما تشاءون إلا أن يشاء اللّه} :
أي: لا يقدر أحدٌ أن يهدي نفسه، ولا يدخل في الإيمان ولا يجر لنفسه نفعًا فإن مشيئة الله نافذه ومَشيئةُ العبْدِ مُجَرَّدَةً لا تَأتِي بخيرٍ ولا تَدفعُ شَرًّا، إلا إنْ أَذِنَ اللهُ بذلك . وهذا مجموع ما قاله ابن كثير والسعدي والأشقر.
-معنى قوله :{إنّ اللّه كان عليمًا حكيمًا} :
أي: عليمٌ بمن يستحقّ الهداية فييسّرها له، ويقيّض له أسبابها، ومن يستحقّ الغواية فيصرفه عن الهدى، وله الحكمة البالغة، والحجّة الدّامغة؛ ولهذا قال تعالى: {إنّ اللّه كان عليمًا حكيمًا} فله الحكمةُ في هدايةِ الْمُهْتَدِي وإضلالِ الضالِّ. وهذا مجموع ما قاله ابن كثير والسعدي.
-دلالة الآية على وجوب افتقار العبد لله سبحانه وتعالى لأن المشيئة متعلقة به وحده سبحانه.


تفسير قوله تعالى: (يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (31) )
-معنى قوله {يدخل من يشاء في رحمته }
أي: يهدي الله من يشاء فيَخْتَصُّهُ بعِنايتِه، ويُوَفِّقُه لأسبابِ السعادةِ ويَهْدِيهِ لطُرُقِها. وهذا مجموع ما قاله ابن كثير والسعدي.
وقيل :أيْ: يُدْخِلُ في رَحمتِه مَن يَشاءُ أنْ يُدْخِلَه فيها، أو يُدْخِلُ في جَنَّتِه مَن يَشاءُ مِن عِبادِه. قاله الأشقر.
-معنى قوله {والظّالمين أعدّ لهم عذابًا أليمًا}:
ويضل من يشاء ، فالظالمين الذين اخْتَارُوا الشَّقَاءَ على الْهُدَى أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً بظُلْمِهم وعُدْوَانِهم . وهذا مجموع ما ذكره ابن كثير والسعدي.

رد مع اقتباس
  #19  
قديم 30 جمادى الأولى 1436هـ/20-03-2015م, 01:51 AM
أمل عبد الرحمن أمل عبد الرحمن غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 8,163
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة تماضر مشاهدة المشاركة
تلخيص تفسير قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلًا (23) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا (24) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (25) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (26) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (27) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (28) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (29) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (31)}

قائمة المسائل ؟؟؟

تفسير قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلًا (23) )
-مرجع الضمير في قوله :(إنا نحن):
إلى الله سبحانه وتعالى. حاصل ما ذكره ابن كثير والأشقر.
-مرجع الضمير في قوله :(عليك):
إلى الرسول ﷺ. حاصل ما ذكره ابن كثير.
-دلالة الآية على أن القرآن منزل من عند الله. كيف دلت على ذلك؟ دلت بقوله تعالى: {نزلنا عليك}
حاصل قول ابن كثير والأشقر.
-بيان ما يحتويه القرآن من الأخبار والأوامر: من مقاصد إنزال القرآن
فيه الوعدُ والوَعيدُ، وبيانُ كلِّ مَا يَحْتَاجُه العِبادُ، وفيهِ الأمْرُ بالقِيَامِ بأوامِرِه وشرائعِه أَتَمَّ القِيامِ، والسَّعْيُ في تَنْفِيذِها، والصبرُ على ذلك.
ولهذا قالَ: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً}. قاله السعدي.
-معنى قوله :(نزلنا عليك القرآن تنزيلا):
أيْ: فَرَّقْنَاهُ في الإنزالِ ولم نُنْزِلْه جُملةً واحدةً، ولم تَأتْ به مِن عِندِك كما يَدَّعِيهِ الْمُشْرِكونَ. قاله الأشقر.
هذا الكلام يحتوي مسألتين:
- ما يفيده مجيء الفعل {نزلنا} بهذه الصيغة
- دلالة الآية على أن القرآن منزل من عند الله.
وعندنا مسألة: مقصد الآية، وقد ذكرها ابن كثير أنه الامتنان على النبي صلى الله عليه وسلم بإنزال القرآن عليه.

تفسير قوله تعالى: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا (24) )
-لمن الخطاب في الآية :
للرسول ﷺ كما هو السياق.
-مرجع الضمير في قوله :(منهم):
إلى المعاندين من الكافرين والمنافقين الذين يريدون صد الرسول ﷺ عما أنزل عليه.
وهذا مجموع ما ذكره ابن كثير والسعدي والأشقر.
- أمر الله رسوله ﷺ أن يصبر على ماذا؟ هذه المسألة واضحة في الآيات لا داعي لإفرادها بالسؤال.
أمره بالصبر على قضائه وقدره،فإنّه سيدبره بحسن تدبيره. ذكره ابن كثير.
-معنى حكم ربك في قوله:(فاصبر لحكم ربك):
أي: كما أكرمتك بما أنزلت عليك، فاصْبِرْ لِحُكْمِه القَدَرِيِّ فلا تَسْخَطْهُ, ولِحُكْمِه الدينِيِّ فامْضِ عليه, ولا يَعُوقُكَ عنه عائقٌ. مجموع ما ذكره ابن كثير والسعدي.
وقال الأشقر : مِن حُكْمِه وقَضائِه تَأخيرُ نَصْرِك إلى أجَلٍ اقْتَضَتْهُ حِكمتُه.
-معنى قوله {ولا تطع منهم آثمًا أو كفورًا} اجعلي معنى الآية في آخر مسائلها
أي: لا تطع الكافرين والمنافقين المعاندين إن أرادوا صدّك عمًّا أنزل إليك.مجموع قاله ابن كثير والسعدي .
-معنى آثمًا :
أي: فاعِلاً إِثْماً ومَعصيةً. قاله السعدي والأشقر ، وزاد الأشقر :وقيلَ: المرادُ بقولِه: {آثِمًا} عُتبةُ بنُ رَبيعةَ. معنى اللفظ مسألة، والشخص أو الشيء المراد به مسألة اخرى.
-المراد بالكفور في الآية :
والكفور هو الكافر بقلبه والغالي في الكفر. وهذا مجموع قول السعدي والأشقر وزاد الأشقر : قيل المراد بالكفور الوليدُ بنُ الْمُغيرةِ.

-توجيه قول من قال أن الآثم عتبة بن ربيعة والكفور الوليد بن المغيره : سبب نزول الآية
لأنهما قالا للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ارْجِعْ عن هذا الأمْرِ ونحن نُرْضِيكَ بالمالِ والتزويجِ. ذكره الأشقر.
-متعلق الأمر بالصبر والنهي عن طاعة الكفار :
الأمر بالبلاغ لما أنزل الله إليه ، والتوكل على اللّه؛ فإنّ اللّه يعصمك من النّاس. قاله ابن كثير. ما ذكرتيه داخل في معنى قوله تعالى: {فاصبر لحكم ربك} وهو الرسالة أي اصبر على أدائها.
ويمكن أن نعبر عما ذكرتيه بقولنا: الأمر بالصبر على البلاغ متضمن للوعد بالعصمة والكفاية من الله.
-سبب النهي عن طاعة الكفار والفساق :
لأنَّ طاعةَ الكُفَّارِ والفُجَّارِ والفُسَّاقِ لا بُدَّ أنْ تكونَ في المعاصي فلا يَأْمُرُونَ إلاَّ بما تَهْوَاهُ أنْفُسُهم. قاله السعدي.
وعندنا مسألة: مناسبة الآية لما قبلها.
وننبه على مراعاة ترتيب المسائل.


تفسير قوله تعالى: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (25) )
-علاقة الآية بما قبلها : مناسبة الآية لما قبلها.
ولَمَّا كانَ الصبْرُ يُساعِدُه القيامُ بعبادةِ اللَّهِ والإكثارُ مِن ذِكْرِه، أَمَرَه اللَّهُ بذلك، فقالَ: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً}؛ ذكره السعدي.
-مرجع الضمير في قوله :(واذكر اسم ربك)
إلى النبي ﷺ كما هو السياق.
-المراد بالذكر وبيان ما يدخل في عمومه :
ذكر الله مطلقًا ودَخَلَ في ذلك الصلواتُ المكتوباتُ وما يَتْبَعُها مِن النوافلِ والذِّكْرِ، والتسبيحِ والتهليلِ والتكبيرِ في هذه الأوقاتِ. قاله السعدي.
وقيل المراد : صَلِّ لرَبِّكَ أوَّلَ النهارِ وآخِرَه. قاله الأشقر. ما الفرق بين كلام الأشقر وكلام السعدي؟
-معنى قوله :(بكرة وأصيلا:):
أي: أول النّهار وآخره. قاله ابن كثير والسعدي.
وعلى القول بأن المراد بالذكر الصلاة فإن
أوَّلُ النهارِ: صلاةُ الصبْحِ، وآخِرُه: صلاةُ العصْرِ. قاله الأشقر. ذكر أول النهار صلاة الصبح، وذكر آخر النهار صلاة العصر.

تفسير قوله تعالى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (26) )
-المخاطب في قوله :(فاسجد). المسائل الواضحة لا داعي لتكرارها فالمخاطب في الآيات لا يبدو أنه تغير في الآيات مطلقا، فيستغنى عن مسألته.
للرسول ﷺ.
-مرجع هاء الضمير في قوله :(فاسجد له وسبحه)
لله سبحانه وتعالى.
-معنى الآية :
{ومن اللّيل فاسجد له وسبّحه ليلا طويلا} كقوله: {ومن اللّيل فتهجّد به نافلةً لك عسى أن يبعثك ربّك مقامًا محمودًا} [الإسراء: 79] وكقوله: {يا أيّها المزّمّل قم اللّيل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتّل القرآن ترتيلا} [المزّمّل: 1-4] ذكره ابن كثير وهذا من قبيل تفسير القرآن بالقرآن.
-معنى الأمر بالسجود في قوله {وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ}؛
أي: أَكْثِرْ له مِن السجودِ، ولا يكونُ ذلك إلاَّ بالإكثارِ مِن الصلاةِ. قاله السعدي.
-معنى التسبيح في قوله :(وسبحه ليلا طويلا):
المراد بذلك التهجد في صلاة الليل.
- تقييد إطلاق قوله {وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً}:
وقد تَقَدَّمَ تَقييدُ هذا الْمُطْلَقِ بقولِه: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً} الآيةَ. قاله السعدي.


تفسير قوله تعالى: (إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (27) )
-مرجع الضمير في قوله :(هؤلاء):
إلى الكفار من كفار مكة ومن أشبههم في حبّ الدّنيا ذكره ابن كثير والسعدي والأشقر.
-معنى العاجلة في قوله :(يحبون العاجلة):
المراد بالعاجلة الدنيا. ذكره ابن كثير والسعدي والأشقر.
-المراد بحب الدنيا:
الإقبال عليها والانصباب إليها،وإيثارها والاطمئنان إليها ، وترك الدار الآخرة وراء ظهورهم وعدم العمل لها. ذكره ابن كثير والسعدي.
-دلالة الآية على إعراض الكفار وتعلقهم بالدنيا بالرغم ما نزل عليهم من الآيات وما بين لهم الرسول ﷺ منها. قاله السعدي.
لما أقول دلالة الآية على كذا معنى ذلك أن هناك موضع في الآية يدل على المسألة المذكورة فتنبهي.
- معنى {يذرون}
-معنى {وَرَاءَهُمْ}:
أي: أمامَهم ، ذكره السعدي.
-المراد باليوم الثقيل في قوله{يَوْماً ثَقِيلاً} :
وهو يومُ القيامةِ، الذي مِقدارُه خَمسونَ ألْفَ سنةٍ ممَّا تَعُدُّونَ. ذكره السعدي.
وقالَ تعالى: {يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ}. فكأنَّهم ما خُلِقُوا إلاَّ للدنيا والإقامةِ فيها.
-سبب وصف يوم القيامة بالثقيل:
سُمِّيَ ثَقيلاً لِمَا فيه مِن الشدائدِ والأهوالِ، فهم لا يَسْتَعِدُّونَ له ولا يَعْبَؤُونَ به. قاله الأشقر.

تفسير قوله تعالى: (نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (28) )
-مرجع الضمير في قوله :نحن خلقناهم): عندنا أكثر من ضمير هنا فيجب تحديد الضمير، وأيضا هذه المسألة معروفة.
إلى الله سبحانه وتعالى.
-مرجع الضمير في قوله :(خلقناهم):
إلى الكفار.
-معنى خلقناهم :
أَوْجَدْنَاهم مِن العَدَمِ. قاله السعدي.
-معنى أسرهم في قوله : {نحن خلقناهم وشددنا أسرهم} :
قال ابن عبّاسٍ، ومجاهدٌ، وغير واحدٍ: يعني خلقهم. ذكره ابن كثير.
أي: أَحْكَمْنَا خِلْقَتَهُم بالأعصابِ، والعُروقِ، والأوتارِ، والقُوَى الظاهرةِ والباطنةِ، حتى تَمَّ الْجِسمُ واسْتَكْمَلَ، وتَمَكَّنَ مِن كلِّ ما يُريدُه. مجموع ما ذكره السعدي والأشقر.
-الأقوال في معنى {وإذا شئنا بدّلنا أمثالهم تبديلا} :
1-وإذا شئنا بعثناهم يوم القيامة،وأَنْشَأَنْاهم للبَعْثِ نَشأةً أُخْرَى، وأَعَدْنَاهم بأَعْيَانِهم ، وهذا استدلالٌ بالبداءة على الرّجعة. ذكره ابن كثير ، وقال به السعدي.
2-وقال ابن زيدٍ، وابن جريرٍ: {وإذا شئنا بدّلنا أمثالهم تبديلا} [أي]: وإذا شئنا أتينا بقومٍ آخرين غيرهم، كقوله: {إن يشأ يذهبكم أيّها النّاس ويأت بآخرين وكان اللّه على ذلك قديرًا} [النّساء: 133] وكقوله: {إن يشأ يذهبكم ويأت بخلقٍ جديدٍ وما ذلك على اللّه بعزيزٍ} [إبراهيم: 19، 20، وفاطرٍ 16، 17] ذكره ابن كثير وبه قال الأشقر .
-دلالة الآية على إثبات البعث بدليل عقلي ،وهو دليلُ الابتداءِ فقالَ: {نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وشددنا أسرهم } فالذي أَوْجَدَهم على هذهِ الحالةِ، قادرٌ على أنْ يُعِيدَهم بعدَ مَوْتِهم لِجَزَائِهم، والذي نَقَلَهم في هذه الدارِ إلى هذه الأطوارِ لا يَلِيقُ به أنْ يَتْرُكَهم سُدًى، لا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ ولا يُثَابُونَ ولا يُعاقَبُونَ ؛ ولهذا قالَ: {بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً}. ذكره السعدي.

تفسير قوله تعالى: (إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (29) )
-مرجع الضمير في قوله تعالى: {إنّ هذه}: مرجع اسم الإشارة
يعني: هذه السّورة. قاله ابن كثير والأشقر .
-معنى تذكرة : معنى كون هذه السورة تذكرة.
أي: يَتَذَكَّرُ بها المُؤْمِنُ فيَنْتَفِعُ بما فيها مِن التخويفِ والترغيبِ.قاله السعدي.
-معنى {فمن شاء اتّخذ إلى ربّه سبيلا}:
أي: من شاء اهتدى بالقرآن،وآمن بربه وأطاعه وجعل القرآن طريقًا ومسلكا إلى ربه كقوله: {وماذا عليهم لو آمنوا باللّه واليوم الآخر وأنفقوا ممّا رزقهم اللّه وكان اللّه بهم عليمًا} [النساء: 39] فاللَّهُ يُبَيِّنُ الحقَّ والْهُدَى، ثم يُخَيِّرُ الناسَ بينَ الاهتداءِ بها أو النفورِ عنها، معَ قِيامِ الْحُجَّةِ عليهم. وهذا مجموع ما قاله ابن كثير والسعدي والأشقر.


تفسير قوله تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30) )
-الخطاب في الآية للناس أجمعين.
-معنى قوله : {وما تشاءون إلا أن يشاء اللّه} :
أي: لا يقدر أحدٌ أن يهدي نفسه، ولا يدخل في الإيمان ولا يجر لنفسه نفعًا فإن مشيئة الله نافذه ومَشيئةُ العبْدِ مُجَرَّدَةً لا تَأتِي بخيرٍ ولا تَدفعُ شَرًّا، إلا إنْ أَذِنَ اللهُ بذلك . وهذا مجموع ما قاله ابن كثير والسعدي والأشقر.
-معنى قوله :{إنّ اللّه كان عليمًا حكيمًا} :
أي: عليمٌ بمن يستحقّ الهداية فييسّرها له، ويقيّض له أسبابها، ومن يستحقّ الغواية فيصرفه عن الهدى، وله الحكمة البالغة، والحجّة الدّامغة؛ ولهذا قال تعالى: {إنّ اللّه كان عليمًا حكيمًا} فله الحكمةُ في هدايةِ الْمُهْتَدِي وإضلالِ الضالِّ. وهذا مجموع ما قاله ابن كثير والسعدي.
-دلالة الآية على وجوب افتقار العبد لله سبحانه وتعالى لأن المشيئة متعلقة به وحده سبحانه.


تفسير قوله تعالى: (يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (31) )
-معنى قوله {يدخل من يشاء في رحمته } ممكن أن نقول: كيف يكون دخول العبد في رحمة الله؟
أي: يهدي الله من يشاء فيَخْتَصُّهُ بعِنايتِه، ويُوَفِّقُه لأسبابِ السعادةِ ويَهْدِيهِ لطُرُقِها. وهذا مجموع ما قاله ابن كثير والسعدي.
وقيل :أيْ: يُدْخِلُ في رَحمتِه مَن يَشاءُ أنْ يُدْخِلَه فيها، أو يُدْخِلُ في جَنَّتِه مَن يَشاءُ مِن عِبادِه. قاله الأشقر. وهنا مسألة: المراد بالرحمة في الآية
-معنى قوله {والظّالمين أعدّ لهم عذابًا أليمًا}:
- سبب استحقاق الظالمين للعذاب
ويضل من يشاء ، فالظالمين الذين اخْتَارُوا الشَّقَاءَ على الْهُدَى أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً بظُلْمِهم وعُدْوَانِهم . وهذا مجموع ما ذكره ابن كثير والسعدي.
أحسنت، بارك الله فيك
التقييم:
- الشمول (اشتمال التلخيص على مسائل الدرس) 27/30
- الترتيب (ترتيب المسائل ترتيبًا موضوعيًا) 19/20
- التحرير العلمي (استيعاب الأقوال في المسألة وترتيبها وذكر أدلتها وعللها ومن قال بها) 17/20
- الصياغة (حسن صياغة المسائل وتجنب الأخطاء الإملائية واللغوية ومراعاة علامات الترقيم) 13/15
- العرض (حسن تنسيق التلخيص وتنظيمه وتلوينه) 15/15

النسبة: 91/100

وفقك الله


رد مع اقتباس
  #20  
قديم 18 جمادى الأولى 1436هـ/8-03-2015م, 12:59 AM
أمل عبد الرحمن أمل عبد الرحمن غير متواجد حالياً
هيئة الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 8,163
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة تماضر مشاهدة المشاركة
تفسير سورة الجن [ من الآية (11) إلى الآية (18) ]

تفسير قوله تعالى: {وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (11) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (12) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آَمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (13) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (14) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (15) وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (16) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (17) وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18)}


تفسير قوله تعالى: (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (11) )
-مرجع الضمير في قوله (وأنّا منّا ) : ك ش المتكلم في الآية
إلى الجن. قاله ابن كثير والأشقر.

-المخاطب في الآية : ش المسألة: لمن قال الجن هذا الكلام؟
الجن ، أي : قالَ بعضُ الْجِنِّ لبَعْضٍ لَمَّا دَعَوْا أصحابَهم إلى الإيمانِ بمحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: كُنَّا قَبلَ استماعِ القرآنِ مِنَّا الْمَوْصُوفونَ بالصلاحِ. قاله الأشقر.
المسألة خاصة بمن كان يكلمهم الجن، فلا داعي لذكر معنى الآية كله خاصة وقد كررتيه في موضع آخر.

-معنى قوله (منا الصالحون ومنا دون ذلك): س ش
({وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ}؛ أي:
{منا الصالحون}: قالَ بعضُ الْجِنِّ لبَعْضٍ لَمَّا دَعَوْا أصحابَهم إلى الإيمانِ بمحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: كُنَّا قَبلَ استماعِ القرآنِ مِنَّا الْمَوْصُوفونَ بالصلاحِ.
{وِمِنَّا دُونَ ذَلِكَ} أيْ: قومٌ غيرُ ذلكَ.
قيلَ: أَرادَ بالصالحينَ المؤمنينَ، وبِمَنْ هم دُونَ ذلك الكافرينَ والفاسقين الفجار.
وهذا مجموع ما قاله السعدي والأشقر.

-معنى قوله :(طرائق قددًا): ك س ش
طرائق متعدّدةً مختلفةً وآراء متفرّقةً وفِرَقاً مُتَنَوِّعَةً وأهواء متباينة ، كلُّ حزْبٍ لِمَا لَدَيْهِم فَرِحونَ. وهذا مجموع ما قاله ابن كثير والسعدي والأشقر.
قال ابن عبّاسٍ، ومجاهدٌ وغير واحدٍ: {كنّا طرائق قددًا} أي: منّا المؤمن ومنّا الكافر.
ذكره ابن كثير.
وقال أحمد بن سليمان النّجاد في أماليه، عن أبي معاوية قال: سمعت الأعمش يقول: تروّح إلينا جنّيٌّ، فقلت له: ما أحبّ الطّعام إليكم؟ فقال الأرز. قال: فأتيناهم به، فجعلت أرى اللّقم ترفع ولا أرى أحدًا. فقلت: فيكم من هذه الأهواء الّتي فينا؟ قال: نعم. قلت: فما الرّافضة فيكم ؟ قال شرّنا.
ذكره ابن كثير
وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة العبّاس بن أحمد الدّمشقيّ قال سمعت بعض الجنّ وأنا في منزلٍ لي باللّيل ينشد:
قلوبٌ براها الحبّ حتى تعلّقت = مذاهبها في كلّ غرب وشارق
تهيم بحبّ اللّه، والله ربّها = معلّقةٌ باللّه دون الخلائق. ذكره ابن كثير.
وقالَ سعيدٌ: كانوا مُسلمينَ ويَهوداً ونَصارى ومَجوساً. ذكره الأشقر.


تفسير قوله تعالى: (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (12) )
-مرجع الضمير في قوله :(وأنّا ظننا):
إلى الجن كما هو السياق.
-معنى الظن في الآية: ك ش
العلم. أي نعلم أنّ قدرة الله حاكمة علينا وأنّا لا نعجزه أبدًا.

-معنى قوله :{ألن نعجز الله في الأرض}: ك
أي: وأَنَّا في وَقْتِنا الآنَ علمنا وتَبَيَّنَ لنا كَمالُ قُدرةِ اللَّهِ وكمالُ عَجْزِنا، وأنَّ نَوَاصِيَنا بِيَدِ اللَّهِ،(هذا الكلام بحاجة إلى أن يفصل في مسألة خاصة، وهي: السبب الداعي لإقرار الجن بهذا الكلام) فلنْ نُعْجِزَه في الأرضِ،ولن نفوته إن اراد بنا أمرًا. مجموع ماقاله ابن كثير والسعدي والأشقر.

-معنى قوله :{ولن نعجزه هربا}: ك س ش
ولو أمعنّا في الهرب وسَعَيْنَا بأَسبابِ الفِرارِ والخروجِ عن قُدرتِه فإنّه علينا قادرٌ لا يعجزه أحدٌ منّا. مجموع ما قاله ابن كثير و السعدي والأشقر.



تفسير قوله تعالى: (وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آَمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (13) )
-مرجع الضمير في قوله :{وأنّا لما سمعنا الهدى} :
إلى الجن كما هو السياق.

-نوع الخطاب في الآية :{وأنّا لمّا سمعنا الهدى آمنّا به} : ك الأنسب أن نقول: لماذا قال الجن هذا الكلام؟ أو مثلا غرضهم من الكلام، لأنه ليس أسلوب خطاب كما ترين.
يقولون ذلك يفتخرون بذلك، وهو مفخرٌ لهم، وشرفٌ رفيعٌ وصفةٌ حسنةٌ.من ذكر ذلك؟

-المراد بالهدى في الآية: س
وهو القرآنُ الكريمُ، الهادِي إلى الصراطِ المُستقيمِ. من ذكر ذلك؟

وعندي مسألة يحسن فصلها: سبب تسمية القرآن بالهدى

-معنى قوله :{وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمنا به} أي لما عرفنا القرآن الكريم وعَرَفْنا هِدايتَه وإرشادَه أَثَّرَ في قُلُوبِنا فـ {آمَنَّا بِهِ}. السبب الداعي لإيمان الجن

-المراد بالإيمان في الآية :
التصديق أن القرآن والوحي من عند الله. قاله الأشقر.

-ما الذي رغب الجن في الإيمان بالقرآن : ك س السبب الداعي لإيمان الجن هو ما رأوه من من هدايته وإرشاده، أما ما ذكرتيه فالأنسب أن يقال فيه: ثمرات الإيمان بالله.
لأن الإيمان سبب داع إلى حصول كل خير وانتفاء كل شر ، فإن من يؤمن بربه إيمانًا صادقًا لا يخاف نقصًا أو طغيانًا ولا أذى يلحقه.
وهذا مجموع ما قاله ابن كثير والسعدي والأشقر.
-معنى البخس والرهق في الآية: ك س ش هما مسألتنان، وكان الصحيح أن يسبقا مسألة ثمرات الإيمان بالله.
البَخْسُ النُّقصانُ، والرَّهَقُ العُدوانُ والطُّغيانُ.
مجموع قول ابن كثير والسعدي والأشقر.
معنى قوله تعالى: {فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا}
قال ابن عبّاسٍ، وقتادة، وغيرهما: فلا يخاف أن ينقص من حسناته أو يحمل عليه غير سيّئاته، كما قال تعالى: {فلا يخاف ظلمًا ولا هضمًا} [طه: 112] ذكره ابن كثير.


تفسير قوله تعالى: (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (14) )
-مرجع الضمير في الآية إلى الجن كما هو السياق. إذا كان مرجع الضمير واحدا وواضح من السياق فلا داعي لإفرادة بمسألة كل مرة بل تكفي واحدة أول المسائل.

-معنى القاسط في الآية والفرق بينه وبين المقسط: ك س ش لا تجعلي المقسط ضمن المسائل فهو ليس من مسائل الآيات، فأما أن تقتصري عليه في التلخيص أو الأفضل فصله ضمن مسائل اللغة.
القاسط : الجائر عن الحقّ والصراط المستقيم النّاكب عنه، بخلاف المقسط فإنّه العادل.
وهذا مجموع قول ابن كثير والسعدي والاشقر.

-معنى رشدًا في قوله {فمن أسلم فأولئك تحرّوا رشدًا}: ك س ش معنى {تحروا رشدا}
أي: أَصَابُوا طريقَ الحق و الرَّشَدِ، الْمُوَصِّلَ لهم إلى الجَنَّةِ ونَعِيمِها المنجي لأنفسهم من العذاب فاجتهدوا في البحث عنه حتى وفقوا له. وهذا مجموع قول ابن كثير والسعدي والأشقر.


تفسير قوله تعالى: (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (15) )
-معنى قوله {فكانوا لجهنّم حطبًا}: ك ش
أي: وقودًا للنار تسعّر بهم كما توقد بكفرة الإنس. قاله ابن كثير والأشقر.

-سبب استحقاقهم للعذاب: س سبب استحقاق الظالمين للعذاب (لا داعي لاستعمال الضمائر إلا في أحوال ضيقة)
مجازاة لهم على أعمالِهم، لا ظُلْمٌ مِن اللَّهِ لهم.
قاله السعدي.


تفسير قوله تعالى: (وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (16) )
-فيمن نزلت هذه الآية:
وقال مقاتلٌ: فنزلت في كفّار قريشٍ حين منعوا المطر سبع سنين.ذكره ابن كثير.

-مرجع الضمير في قوله :(وأن لو استقاموا):
أنْ لو استقامَ الجنُّ أو الإنسُ من الكفار أو كلاهما. ذكره الأشقر أنت فسرت الآية، اقتصري على ذكر مرجع الضمير، مرجع الضمير هم الإنس والجن.

-المراد بالطريقة في قوله :(على الطريقة):
القول الأول : أن الطريقة هي الإسلام، ويكون المعنى: اي لو استقاموا على طريقة الإسلام وعدلوا إليها واستمرّوا عليها، {لأسقيناهم ماءً غدقًا}.
كقوله تعالى: {ولو أنّهم أقاموا التّوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربّهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} [المائدة: 66] وكقوله: {ولو أنّ أهل القرى آمنوا واتّقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السّماء والأرض} [الأعراف: 96].
ذكر من قال بهذا القول: قال العوفيّ، عن ابن عبّاسٍ: {وأن لو استقاموا على الطّريقة} يعني بالاستقامة: الطّاعة.
وقال مجاهدٌ: {وأن لو استقاموا على الطّريقة} قال: الإسلام. وكذا قال سعيد بن جبيرٍ، وسعيد بن المسيّب، وعطاءٌ، والسّدّيّ، ومحمّد بن كعبٍ القرظيّ.
وقال قتادة: {وأن لو استقاموا على الطّريقة} يقول: لو آمنوا كلّهم لأوسعنا عليهم من الدّنيا.
وقال مجاهدٌ: {وأن لو استقاموا على الطّريقة} أي: طريقة الحقّ. وكذا قال الضّحّاك، واستشهد على ذلك بالآيتين اللّتين ذكرناهما.
ذكره ابن كثير وقاله السعدي والأشقر.

القول الثاني : طريقة الضلالة.
كما قال: {فلمّا نسوا ما ذكّروا به فتحنا عليهم أبواب كلّ شيءٍ حتّى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتةً فإذا هم مبلسون} [الأنعام: 44] وكقوله: {أيحسبون أنّما نمدّهم به من مالٍ وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون} [المؤمنون: 55، 56]
وهذا قول أبي مجلز لاحق بن حميد؛ فإنّه في قوله: {وأن لو استقاموا على الطّريقة} أي: طريقة الضّلالة. رواه ابن جريرٍ، وابن أبي حاتمٍ، وحكاه البغويّ عن الرّبيع بن أنسٍ، وزيد بن أسلم، والكلبي، وابن كيسان. وله اتجاه، وتيأيد بقوله: {لنفتنهم فيه}
ذكره ابن كثير.

-معنى قوله :{لأسقيناهم ماء غدقًا}: معنى {غدقا}
غدقًا : كثيرًا هَنِيئاً مَرِيئاً، ،
المقصود من قوله تعالى: {لأسقيناهم ماء غداقا} والمراد سعة الرزق والخير الكثير. ذكره ابن كثير والسعدي والأشقر.

-ما سبب امتناع أهل الضلالة عن طريق الحق والاستقامة:
لم يَمْنَعْهُم ذلك إلاَّ ظُلْمُهم وعُدوانُهم. قاله السعدي.

تفسير قوله تعالى: (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (17) )

- معنى قوله: {لنفتنهم فيه} : كان الأولى أن تفسر الآيات المرتبطة في الموضوع معا هكذا: {وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه8}
يختلف باختلاف المراد بالطريقة ، فعلى القول الأول : لنختبرهم ونمتحنهم فيما رزقناهم ليظهر الصادق من الكاذب ولنعلم كيف شكرهم على هذه النعم . ذكره ابن كثير وقال به السعدي والأشقر.
كما قال مالكٌ، عن زيد بن أسلم: {لنفتنهم} لنبتليهم، من يستمرّ على الهداية ممّن يرتدّ إلى الغواية؟.
وعلى القول الثاني يكون المعنى:
أي: لأوسعنا عليهم الرّزق استدراجًا، كما قال: {فلمّا نسوا ما ذكّروا به فتحنا عليهم أبواب كلّ شيءٍ حتّى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتةً فإذا هم مبلسون} [الأنعام: 44] وكقوله: {أيحسبون أنّما نمدّهم به من مالٍ وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون} [المؤمنون: 55، 56] ذكره ابن كثير.

-معنى قوله: {ومن يعرض عن ذكر ربّه}:
مَن أَعْرَضَ عن ذِكْرِ اللَّهِ، الذي هو كِتابُه فلم يَتَّبِعْه ويَنْقَدْ له، بل غَفَلَ عنه ولَهَى، يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً. قاله السعدي.
-معنى قوله :{يسلكه عذابًا صعدًا}
أي: عذابًا شاقًّا صعبًا شديدًا موجعًا مؤلمًا.
مجموع قول ابن كثير والسعدي والاشقر.
قال ابن عبّاسٍ، ومجاهدٌ، وعكرمة، وقتادة، وابن زيدٍ: {عذابًا صعدًا} أي: مشقّةً لا راحة معها.
وعن ابن عبّاسٍ: جبلٌ في جهنّم. وعن سعيد بن جبيرٍ: بئرٌ فيها. ذكره ابن كثير.
- المقصود بالذكر
- معنى {يسلكه}
- معنى {عذابا صعدا}


تفسير قوله تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18) )

-سبب نزول الآية :
-قال الأعمش: قالت الجنّ: يا رسول اللّه، ائذن لنا نشهد معك الصّلوات في مسجدك. فأنزل اللّه: {وأنّ المساجد للّه فلا تدعوا مع اللّه أحدًا} يقول: صلّوا، لا تخالطوا النّاس.
وقال ابن جريرٍ: عن سعيد بن جبيرٍ،: {وأنّ المساجد للّه} قال: قالت الجنّ لنبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: كيف لنا أن نأتي المسجد ونحن ناءون [عنك] ؟، وكيف نشهد الصّلاة ونحن ناءون عنك؟ فنزلت: {وأنّ المساجد للّه فلا تدعوا مع اللّه أحدًا}


-معنى :{وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدًا}:
قال قتادة في قوله: {وأنّ المساجد للّه فلا تدعوا مع اللّه أحدًا} قال: كانت اليهود والنّصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم، أشركوا باللّه، فأمر اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يوحّدوه وحده. هذا أيضا يلحق بأسباب النزول.
وقال ابن أبي حاتمٍ:-عن ابن عبّاسٍ في قوله: {وأنّ المساجد للّه فلا تدعوا مع اللّه أحدًا} قال: لم يكن يوم نزلت هذه الآية في الأرض مسجدٌ إلّا المسجد الحرام، ومسجد إيليّا: بيت المقدس.
والمعنى :اعلموا إن المساجد والسجود والعبادة كلها لله فلا تشركوا معه أحدًا.

-الأقوال في معنى المساجد:
-القول الأول: قال سفيان، عن خصيف، عن عكرمة: نزلت في المساجد كلّها. ذكره ابن كثير
القرل الثاني : وقال سعيد بن جبيرٍ. نزلت في أعضاء السّجود، أي: هي للّه فلا تسجدوا بها لغيره. وذكروا عند هذا القول الحديث الصّحيح، عن ابن عبّاسٍ، رضي اللّه عنهما، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: " أمرت أن أسجد على سبعة أعظمٍ: على الجبهة -أشار بيديه إلى أنفه-واليدين والرّكبتين وأطراف القدمين" دكره ابن كثير
القول الثالث: المساجدُ كلُّ البِقاعِ؛ لأن الأرضَ كلَّها مَسْجِدٌ. ذكره الاشقر.



-معنى الدعاء في الآية:
أي لا تعبدوا معه أحدًا : لا تَطْلُبوا العونَ فيما لا يَقْدِرُ عليه إلا اللهُ، مِن أحَدٍ مِن خَلْقِه, كائناً ما كان، فإنَّ الدعاءَ عِبادةٌ ،فلا تدعو غيره لا دُعاءَ عِبادةٍ ولا دُعاءَ مَسألةٍ؛ فإِنَّ المساجِدَ التي هي أعْظَمُ مَحالَّ للعِبادةِ مَبْنِيَّةٌ على الإخلاصِ للهِ والخضوعِ لعَظَمَتِه، والاستكانةِ لعِزَّتِه.
فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً}. مجموع قول ابن كثيير والسعدي والأشقر.
الآية الأخيرة يمكننا تنظيم مسائلها كالتالي:
- ما ورد في أسباب نزول الآية
- المقصود بالمساجد
- معنى الدعاء
- مقصد الآية

-المسائل العقدية:
توحيد الله طريق كل خير وسعادة.
الدعاء من العبادة فلا يصرف لغير الله.
من طلب العون من غير الله فيما لا يقدر عليه الا الله فقد أشرك.
بارك الله فيك ونفع بك
يلاحظ تداخل في ترتيب المسائل، كما يلاحظ عدول عن الصيغ الملائمة للمسألة وقد تضعين الآية بطولها كمسألة، فانتبهي لذلك أعانك الله.
التقييم:
- الشمول (اشتمال التلخيص على مسائل الدرس) 30/30
- الترتيب (ترتيب المسائل ترتيبًا موضوعيًا) 18/20
- التحرير العلمي (استيعاب الأقوال في المسألة وترتيبها وذكر أدلتها وعللها ومن قال بها) 19/20
- الصياغة (حسن صياغة المسائل وتجنب الأخطاء الإملائية واللغوية ومراعاة علامات الترقيم) 12/15
- العرض (حسن تنسيق التلخيص وتنظيمه وتلوينه) 15/15

النسبة: 95/100

وفقك الله

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الطالبة, صفحة


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:10 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir