صفات الصادقين وهديهم وسمتهم
أَمْرُ الله تعالى إيَّانا أن نكون مع الصادقين يقتضي منا معرفة أمرين:
الأمر الأول: معرفة الصدق ما هو؟ وبم ينال؟
والأمر الآخر: أن نعرف صفات الصادقين وأعمالهم وهديهم وسمتهم ؛ فإن من أحب قوماً وطمع أن يكون منهم اتَّسى بهم، وحرص على أن يتبعهم في هديهم وسمتهم وصفاتهم وأعمالهم ليكون معهم ويعدَّ منهم ويحشر في زمرتهم.
فأمَّا الأمر الأول فقد تقدم بيانه.
وأما الأمر الآخر؛ فمنه ما سبق ذكره وهو ما دلَّت عليه آية البقرة {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب...}إلى قوله تعالى: {أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} وينبغي لطالب العلم أن يعتني بتفسير هذه الآية عناية بالغة؛ فإنها جمعت أصول أعمال الصدق، وأشرف خصاله وأجمعها؛ فمن حقّقها فقد حقق الصدق.
وكل أعمال البر التي أمر الله بها وأمر بها رسوله صلى الله عليه وسلم هي من أعمال الصدق ودلائله.
وقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}
والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس لا يخلو حال العبد من القيام به أو العزيمة عليه والإعانة عليه، وعماد ذلك النصيحة لله ورسوله.
وأما صفات الصادقين وسمتهم فيُعرف باستقراء سير أئمة الصادقين ، وملاحظة هدي الأحياء منهم وسمتهم ، ولا يخلو عصر من صادقين قائمين بأمر الله كما يحب الله.
ومعرفة سمت هؤلاء الصادقين وهديهم والاتساء بهم هو من تحرّي الصدق وطلب اكتسابه.
وهذا مبحث يطول الحديث فيه ، لكن تلخيصه وذكر أهم مسائله مهم لطالب العلم.
فمن أظهر صفاتهم: الجِدّ؛ فإنهم قد أبصروا الهدف، وعرفوا الطريق ، وتبيَّنوا ما يراد منهم؛ وعلموا أنه لا يمكنهم السبق إلا بالصدق؛ فجدّوا في عملهم واجتهدوا.
قال ابن القيم رحمه الله في شرح قول صاحب المنازل عن صاحب الصدق: (ولا يقعد عن الجد بحال) قال: (قوله: ولا يقعد عن الجد بحال يعني أنه لما كان صادقا في طلبه مستجمع القوة: لم يقعد به عزمه عن الجد في جميع أحواله فلا تراه إلا جادا وأمره كله جد).
فالجد أخو الصدق، ولا يزال الصادق جادَّا يعرف منه الجد في قوله وعمله وحاله، وأما كاذب العزيمة فذو هزل وبطالة، وأسوأ منه صاحب الجدّ في الفجور.
ومن صفات الصادقين: أنهم أصحاب همَّةٍ وعَمَل ، وإعراضٍ عن اللغو والهزل، وبعدٍ عن التكلف، وتركٍ لما لا يعنيهم، وإقبال على شؤونهم وما ينفعهم عند الله، وتقديمهم من كلّ شيء لبَّه؛ فإذا قصدوا عملاً جعلوا همتهم لحقيقته ولبّه الذي هو المقصود بالأصل، وإذا استمعوا إلى قول اتّبعوا أحسنه، ولم ينشغلوا بالظواهر عن الحقائق.
ومن صفاتهم: حسن معرفتهم بأنفسهم واتهامهم لها ورؤيتهم لتقصيرها وعدم مداهنتها؛ قال سهل بن عبد الله التستري: (لا يشمّ طريق الصدق عبدٌ داهَنَ نفسَه وداهن غيره). رواه البيهقي في الشعب.
والذي يداهن نفسه ويسوّغ أخطاءها ويتحيّل لاتباع أهوائها إنما يمكر بنفسه ويخادعها؛ لأن العبرة بالعاقبة، وعاقبة المداهنة عذاب ووبال وخسران عظيم.
ومن قام على نفسه قيام الوليّ المصلح فإنه حريّ أن يقوّمها وينجو بها.
والمقصود أن معرفة الصادقين بالمطلوب تورثهم رؤية التقصير، والجدَّ والتشمير، وتذهب عنهم العجب والغرور، قال الشافعي رحمه الله: (إذا خفتَ على عملك العُجب، فاذكر رضى مَن تطلب، وفي أي نعيم ترغب، ومن أي عقاب ترهب؛ فمن فكر في ذلك صغر عنده عمله).
وقد قال ابن الوردي: فمن يعرف المطلوب يحقر ما بذل.
ومن شأن الصادقين: إخفاء العمل والحال إلا لمصلحة شرعية تقتضي الإعلان بقَدَرٍ مع أمن الفتنة والاحتراز من أسبابها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وكم من صاحب قلبٍ وجمعيةٍ وحالٍ مع الله تعالى قد تحدَّث بها وأخبر بها؛ فسلبه إياها الأغيارُ؛ ولهذا يوصي العارفون والشيوخ بحفظ السر مع الله تعالى، ولا يطلع عليه أحدٌ، والقوم أعظم شيءٍ كتمانًا لأحوالهم مع الله عز وجل وما وهب الله من محبته والأنس به وجمعية القلب، ولا سيما فعله للمهتدي السالك فإذا تمكن أحدهم وقوي وثبَّت أصول تلك الشجرة الطيبة - التي أصلها ثابتٌ وفرعها في السماء - في قلبه، بحيث لا يخشى عليه من العواصف فإنه إذا أبدى حاله مع الله تعالى ليُقتدَى به ويؤتم به لم يبال، وهذا بابٌ عظيم النفع إنما يعرفه أهله) اهـ.