أبواب الإحسان
واعلم أن أبواب الإحسان كثيرة، ومن شأن المحسنين أن يتحروا الإحسان في العبادات والمعاملات على الوجه الذي يحبه الله عز وجل ويرضاه مخلصين لله عز وجل، متبعين لهدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي هديه أحسن الهدي في كل شيء ، فلا إحسان إلا باتباع هديه، ولا إحسان أحسن من هديه، بل من جاوز هديه فهو غالٍ غير محسن كما أن من فرَّط في اتباع هديه فهو جافٍ غير محسن.
وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (إن أحسن الحديث كتاب الله تعالى وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه و سلم).
فمدار الإحسان على تكميل الإخلاص والمتابعة.
والتفقه في هدي النبي صلى الله عليه وسلم لنتعلم منه أوجه الإحسان في العبادات والمعاملات هو سبيل معرفة الإحسان.
وذلك أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، فطهوره أحسن الطهور، وصلاته أحسن الصلاة، وإنفاقه أحسن الإنفاق، وصيامه أحسن الصيام، وحجه أحسن الحج، ومعاملته للناس أحسن المعاملة وهكذا في كبير الأمور وصغيرها.
ثم أصحابه من بعده هم أحسن الناس هدياً بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم ، وأقربهم منه منزلة وأفقههم في دين الله عز وجل.
وأولاهم بالاتباع من شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالإحسان وأمر باتباع سنتهم وهديهم كالخلفاء الراشدين الذين قال فيهم:((فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسَّكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة )). رواه أحمد وأبو داوود.
ومن أئمة المحسنين الذين ورد في شأن إحسانهم أحاديث وآثار : معاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود، وسعد بن أبي وقاص وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين وعمرو بن الأسود وعمر بن عبد العزيز وآخرون رضي الله عنهم أجمعين.
ومعرفة سير المحسنين والتعرف على هديهم وأخبارهم وآثارهم مما يعين على فهم معنى الإحسان، والاتساء بهم فيما أحسنوا فيه، وقد بوَّب البخاري باباً في صحيحه في كتاب الأدب سماه: (باب في الهَدي الصالح).
ومن تحرَّى الإحسان وحرص عليه وسأل الله تعالى الإعانة عليه رُجي له أن يوفق للإحسان، قال أبو الدرداء رضي الله عنه: (إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلّم، ومن يتحرَّى الخيرَ يُعْطَه، ومن يتوقَّى الشر يُوقه).
وأبواب الإحسان كثيرة ، ففي صحيح مسلم من حديث شداد بن أوس بن ثابت رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((إنَّ الله كتبَ الإحسانَ على كلِّ شيء؛ فإذا قتلتم فأحسِنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة، وَلْيحدَّ أحدُكُم شَفْرَتَهُ وَلْيُرِح ذبيحَته)).
فالإحسان مكتوب على كل شيء، وإحسان كل شيء بحسبه، وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم هنا الإحسان في الذبح، فمن خالف هديه فلم يحدّ السكين ولم يرح ذبيحته فليس بمحسن في ذبحه.
وهذا مما يبيّن أهمية الفقه في الدين فإنه به يعرف طالب الإحسان هدي النبي صلى الله عليه وسلم في العبادات والمعاملات؛ فيعرف هديه في الوضوء والصلاة والصدقة والصيام والحج والجهاد والبيوع والطعام والشراب والنوم والنكاح والمعاشرة والبر ّ والصلة ومعاملة الناس على اختلاف أصنافهم ، وهكذا في سائر الأمور.
وبيان النبي صلى الله عليه وسلم لهديه على ثلاثة أنواع:
النوع الأول: أن يبين ذلك بفعله، وينقل عنه، كما قال:(صَلٌّوا كما رأيتموني أصلي) وقال: (خُذوا عني مناسككم) فما فعله النبي صلى الله عليه وسلم فهو أحسن الهدي لنا ما لم يكن ذلك مختصَّا به، لا يحق لأحد أن يفعل مثله، كالزواج بأكثر من أربع نساء.
النوع الثاني: ما بيَّنه بقوله.
النوع الثالث: ما بيَّنه بإقراره.