دليل المعهد | طريقة الدراسة| التأصيل العلمي| فريق العمل

العودة   معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > العقيدة > متون العقيدة > العقيدة الواسطية

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 13 ذو القعدة 1429هـ/11-11-2008م, 02:36 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 13,458
افتراضي الإيمان بنشر الدواوين والحساب

وَتُنْشَرُ الدَّوَاوِينُ -وَهِيَ صَحَائِفُ الأَعْمَالِ- فَآخِذٌ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، وَآخِذٌ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ، أَوْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، كَمَا قَالَ -سُبْحَانَهُ-: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مِنشُورًا * اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإِسْرَاءِ: 13-14] ويُحاسِبُ اللهُ الخلقَ، ويخلو بعبدِه المؤمِنِ فِيقرره بذنوبه كمَا وُصِفَ ذلك فِي الكِتَاب والسُّنةِ.
وأمَّا الكفارُ فلا يُحاسبونَ مُحاسبةَ مَن تُوزَنُ حسناتهُ وسيئاته؛ فإنَّهُ لا حسنات لهم، ولكن تُعَدُّ أعمَالُهم وتُحصى فِيوقفون عليها، وَيُقَرَّرُونَ بِهَا وَيُجْزَوْنَ بها.


  #2  
قديم 24 ذو الحجة 1429هـ/22-12-2008م, 01:50 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي شرح العقيدة الواسطية للشيخ : عبد الله بن عبد العزيز بن باز

ليس للشيخ تعليق على هذه الجزئية


  #3  
قديم 24 ذو الحجة 1429هـ/22-12-2008م, 01:52 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي التنبيهات اللطيفة للشيخ : عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وتُنْشَرُ الدواوينُ -وهي صحائِفُ الأعمالِ- فآخذٌ كتابَهُ بيمينه وآخِذٌ كتابَهُ بشمالِهِ، أو من وراء ظهره، كما قال سبحانه وتعالى: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) [الإسراء: 13-14] ويُحاسِبُ اللهُ الخلائِقَ، ويخلو بعبدِه المؤمن فيقرره بذنوبه كما وُصِفَ ذلك في الكتابِ والسُّنةِ. وأما الكفارُ فلا يُحاسبونَ مُحاسبةَ مَنْ تُوزَنُ حسناتهُ وسيئاته فإنَّهُ لا حسنات لهم ولكن تُعَدُّ أعمالُهم فتُحصى فيوقفون عليها، ويُقرَّرُونَ بها([1]).



([1]) ذكر
المصنِّف رحمه الله هذا الكلام النفيس المتعلِّق باليوم الآخر المأخوذ من نصوص الكتاب والسُّنة، و هو كلامٌ واضحٌ جامعٌ، وأحال على الكتاب والسُّنة، في بقية تفاصيل اليوم الآخر. وقد كتب أهل الإسلام من النصوص الكثيرة من الكتاب والسُّنة فيما يتعلّق باليوم الآخر، وبالجنّة والنار وتفاصيل ذلك الكثير وصنّفوا المصنَّفات المطوّلة والمبسوطة، والمهم أن ذلك كله داخل في الإيمان باليوم الآخر.
واعلم أن أصل الجزاء على الأعمال خيرها وشرّها ثابت بالعقل، وواقع بالسّمع، فإن الله نبّه العقول إلى ذلك في مواضع كثيرة من الكتاب وذكر بما هو مستقرّ في العقول الصحيحة من أنه لا يليق بحكمة الله وحمده أن يترك الناس سدى، أو أن يكونوا خلقوا عبثاً، لا يؤمرون ولا ينهون، ولا يثابون ولا يعاقبون، وأن العقول الصحيحة تنكر ذلك أشدّ الإنكار، وهذا شيء مشاهد محسوس متناقل بين الناس بالتواتر الذي لا يقبل الشك، ولا يزال الله يري عباده من آياته في الآفاق وفي أنفسهم ما يتبين به الحقّ لأولي العقول والألباب.
وأما تفاصيل الجزاء ومقاديره فلا يُدرك إلا بالسمع والنقول الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، ومن الحكمة في محاسبة الخلْق على أعمالهم ووزنها وظهورها مكتوبة في الصحف، مع إحاطة علم الله بذلك، لِيُري عباده كمال حمده وكمال عدله وسعة رحمته وعظمة ملكه، ولهذا قال: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) مع أن ملكه عام مطلق لهذا اليوم ولغيره.


  #4  
قديم 24 ذو الحجة 1429هـ/22-12-2008م, 02:00 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي شرح العقيدة الواسطية للشيخ محمد خليل هراس

وتُنْشَرُ الدَّوَاوِيْنُ، وهِيَ صَحائِفُ الأعْمَالِ، فآخِذٌ كِتَابَهُ بِيَميِنهِ، وآخِذٌ كِتَابَهُ بِشِمالِهِ أَوْ مِنْ وَراءِ ظهْرِهِ؛ كَما قالَ سُبحانَهُ وتَعالى: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيَامةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) (64).
(ويُحاسِبُ اللهُ الخَلائِقَ، ويَخْلُو بعَبْدِهِ المُؤمِنِ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنوبِهِ؛ كَمَا وُصِفَ ذلكَ في الكِتَابِ والسُّنَّةِ.
وأَمَّا الكُفَّارُ؛ فَلا يُحَاسَبُونَ مُحَاسَبَةَ مَنْ تُوزَنُ حَسَنَاتُهُ وسَيِّئاتُهُ؛ فإِنَّهُ لا حَسَناتَ لهُمْ، ولكِنْ تُعَدُّ أَعمالُهُمْ، فَتُحْصى، فَيُوقَفُونَ عَليها، ويُقَرَّرونَ بِها، [ويُخْزَوْنَ بها]) (65).



(64) هناكَ تُنْصَبُ الْمَوَازِينُ، فتوزَنُ بهَا أعمالُ العبادِ، وهيَ موازينُ حقيقيةٌ، كلُّ ميزانٍ منهَا لهُ لسانٌ وكفَّتانِ، ويَقْلِِبُ اللهُ أعمالَ العبادِ –وهيَ أعراضٌ– أجسامًا؛ لهَا ثُقْلٌ، فتُوْضَعُ الحسناتُ في كِفَّةٍ، والسَّيِّئاتُ في كِفَّةٍ؛ كمَا قالَ تعالى: {وَنَضَعُ المَوَازِيْنَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإِنْ كَانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبينَ}.
ثمَّ تُنْشَرُ الدَّواوينُ، وهيَ صحائفُ الأعمالِ، {فأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيْنَقَلِبُ إلى أَهْلِهِ مَسْرُورًا وأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ} أَوْ مِنْ وراءِ ظَهْرِهِ؛ {فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا}، ويقولُ: {يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوْتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ}؛ قَالَ تعالَى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرى المُجْرِمينَ مُشْفِقينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولونَ يا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغيرَةً ولاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}.
وأَمَّا قولُهُ تعالى: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْناهُ طَائِرَهُ في عُنُقِهِ…}؛ فقَدْ قالَ الرَّاغِبُ: ((أيْ: عَمَلُهُ الذي طَارَ عنهُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ)).
ولكنَّ الظَّاهِرَ أنَّ المرادَ بالطائرِ هُنَا نَصيبهُ في هذهِِ الدُّنيا، ومَا كُتِبَ لهُ فيهَا من رِزْقٍ وعملٍ؛ كمَا في قولهِ تعالى: {أوَّلئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الكِتابِ}، يعني: ما كُتِبَ عليهِمْ فيهِ.

(65)
قولُهُ: ((ويحاسبُ اللهُ الْخَلاَئِقَ…)) إلخ. الْمُرادُ بتلكَ المحاسبةِ تَذْكِيرُهمْ وَإِنْبَاؤُهُمْ بمَا قدَّموهُ مِنْ خيرٍ وشرٍّ {أَحْصَاهُ اللهُ وَنَسُوهُ}؛ قالَ تعالى: {ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلونَ}.
وفي الحديثِ الصَّحيحِ: ((مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ عُذِّبَ)).
فقالَتْ عائشةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: (يا رَسُولَ اللهِ! أَوَ لَيْسَ اللهُ يَقُولُ: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا}؟). فقالَ: ((إنَّمَا ذَلِكَ العَرْضُ، وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ يَهْلِكُ)).
وأَمَّا قولُهُ: ((وَيَخْلُو بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ))؛ فقَدْ وَرَدَ عن ابنِ عمرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: ((أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُدْنِي مِنْهُ عَبْدَهُ المُؤْمِنَ، فَيَضَعُ عليهِ كَنَفَهُ، وَيُحَاسِبُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، فَيَقُولُ: أَلَمْ تَفْعَلْ كَذَا يَوْمَ كَذَا؟ أَلَمْ تَفْعَلْ كَذَا يَوْمَ كَذَا؟ حتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَأَيْقَنَ أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ؛ قالَ لَهُ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ في الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ)).
وأَمَّا قولُهُ: (فإنَّهُ لاَ حسناتَ لهُمْ)؛ يعني: الكفارَ؛ لقولِهِ تعالى: {وقَدِمْنَا إِلى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا}. وقولِه: {مَثَلُ الَّذينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ}.
والصَّحيحُ (أنَّ) أعمالَ الخيرِ التَّي يعملهَا الكافرُ يُجَازَى بهَا في الدُّنيا فقطْ، حتَّى إذَا جاءَ يومُ القيامةِ وجدَ صحيفةَ حسناتِهِ بَيْضَاءَ.
وقيلَ: يخفَّفُ بهَا عنهُ من عذابِ غيرِ الْكُفْرِ.


  #5  
قديم 24 ذو الحجة 1429هـ/22-12-2008م, 02:02 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي شرح العقيدة الواسطية للشيخ: صالح بن فوزان الفوزان

وتُنْشَرُ الدَّوَاوِينُ، وهِيَ صَحائِفُ الأعْمَالِ، فآخِذٌ كِتَابَهُ بِيَميِنهِ، وآخِذٌ كِتَابَهُ بِشِمالِهِ أَوْ مِنْ وَراءِ ظهْرِهِ؛ كَما قالَ سُبحانَهُ وتَعالى: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيَامةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) ويُحاسِبُ اللهُ الخَلائِقَ، ويَخْلُو بعَبْدِهِ المُؤمِنِ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنوبِهِ؛ كَمَا وُصِفَ ذلكَ في الكِتَابِ والسُّنَّةِ.وأَمَّا الكُفَّارُ؛ فَلا يُحَاسَبُونَ مُحَاسَبَةَ مَنْ تُوزَنُ حَسَنَاتُهُ وسَيِّئاتُهُ؛ فإِنَّهُ لا حَسَنات لهُمْ، ولكِنْ تُعَدُّ أَعمالُهُمْ، فَتُحْصى، فَيُوقَفُونَ عَليها، ويُقَرَّرونَ بِها.



ومما ذَكَرَ الشَّيخُ مِن حوادثِ هَذَا اليومِ العظيمِ، قولَه: (وتُنْشَرُ الدَّواوِينُ وهِيَ صحائفُ الأعمالِ) أي الصَّحائِفُ التي كُتِبَتْ فيها أعمالُ العِبادِ التي عَمِلُوها في الدُّنيا، وكتَبَتْها عليهم الحَفَظةُ؛ لأنَّها تُطْوى عندَ الموتِ وتُنْشَرُ، أيْ: تُفتَحُ عندَ الحسابِ ليَقِفَ كُلُّ إنسانٍ على صحيفَتِه فيَعْلَمَ ما فيها (فآخِذٌ كتابَه بيَمينِه، وآخِذٌ كتابَه بشِمالِه، أو مِن وراءِ ظَهرِه) هَذَا فيه بيانُ كيفيَّةِ أخْذِ النَّاسِ لصُحُفِهم، كما جاء ذَلِكَ في القرآنِ الكريمِ، وَهُوَ على نوعَيْنِ: آخِذٌ كتابَه بيمينِه، وَهُوَ المؤمِنُ، وآخِذٌ كتابَه بشمالِه أو مِن وراءِ ظَهرِه وَهُوَ الكافرُ -بأنْ تُلوى يَدُه اليُسرى مِن وراءِ ظهرِه ويُعطى كتابَه بها- كما جاءتِ الآياتُ بهَذَا وهَذَا، ولا مُنافاةَ بينهما؛ لأنَّ الكافرَ تُغَلُّ يُمْناهُ إلى عُنُقِه، وتُجْعَلُ يُسراهُ وراءَ ظَهْرِه فيَأْخُذُ بها كتابَه.
ثم استدَلَّ الشَّيخُ بقولِه تعالى: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فيِ عُنُقِهِ) الآيةَ، وطائِرُه: ما طار عنه مِن عَمَلِه مِن خيرٍ وشرٍّ (في عُنُقِه) أي يُلْزَمُ به ويُجازَى به لا مَحِيدَ له عنه، فَهُوَ لازِمٌ له لُزومَ القِلادةِ في العُنُقِ. (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً) أيْ: نَجمَعُ له عَمَلَه كُلَّه في كتابٍ يُعطاهُ يومَ القيامةِ، إما بيَمينِه إنْ كان سعيداً، أو بشِمالِه إنْ كان شقِياًّ (مَنْشُوراً) أيْ: مفتوحاً يَقرَؤُه هُوَ وغيرُه. وإنما قال سُبْحَانَهُ (يَلْقَاهُ مَنْشُوراً) تعجيلا للبُشْرى بالحَسَنةِ والتَّوبِيخِ على السَّيِّئةِ (اقْرَأْ كِتَابَكَ) أيْ: نقولُ له ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَقرأَ ذَلِكَ الكتابَ مَن كان قارِئاً، ومَن لم يكُن قارِئاً (كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) أيْ: حاسِباً، وَهُوَ منصوبٌ على التَّمييزِ، وهَذَا أعظمُ العَدلِ حَيْثُ جَعَلَه حَسِيبَ نَفْسِه ليَرى جميعَ عمَلِه لا يُنْكِرُ منه شيئاً.
والشَّاهِدُ مِن الآيةِ الكريمةِ: أنَّ فيها إثباتَ إعطاءِ كُلِّ إنسانٍ صحيفةَ عَمَلِه يومَ القيامةِ يَقرَؤُها بنَفْسِه، ويطَّلِعُ عليها هُوَ لا بواسِطةِ غيرِه.
4- ثم ذَكَرَ الشَّيخُ رَحِمَهُ اللَّهُ الحسابَ، فقال: (ويُحاسِبُ اللَّهُ الخلائِقَ) الحسابُ: هُوَ تعريفُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ للخلائقِ بمقاديرِ الجزاءِ على أعمالِهم، وتَذْكيرُه إيَّاهُم ما قد نَسُوهُ مِن ذَلِكَ، أو بعبارةٍ أخرى: هُوَ توقيفُ اللَّهِ عبادَه قَبْلَ الانصرافِ مِن المَحْشَرِ على أعمالِهم خيراً كانت أو شراًّ.
ثم ذَكَرَ الشَّيخُ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ الحسابَ على نوعَيْنِ:
النَّوعُ الأوَّلُ: حسابُ المؤمِنِ، قال فيه: (ويَخْلو بعبدِه المؤمِنِ فيُقرِّرُه بذُنوبِه، كما وُصِفَ ذَلِكَ بالكتابِ والسُّنَّةِ) كما قال اللَّهُ تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً وَيَنْقَلِبُ إِلىَ أَهْلِهِ مَسْرُوراً) [الانْشِقَاق: 8-9]، وفي الصَّحيحَيْنِ عن ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ صلى اللهُ عليه وسلم يقولُ: ((إِنَّ اللَّهَ يُدْنِى الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، وَيُقَرِّرُهُ بِذُنوُبِهِ، وَيَقُولُ لَهُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنْ قَدْ هَلَكَ قَالَ فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، ثُمَّ يُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ)) ومعنى يُقَرِّرُه بذُنوبِه: يجعَلُه يُقِرُّ، أيْ: يَعترِفُ بها، كما في هَذَا الحديثِ: ((أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟)) ومِن المؤمِنينَ مَن يَدخُلُ الجَنَّةَ بغيرِ حسابٍ، كما صَحَّ في حديثِ السَّبْعِينَ الألْفِ الذين يَدْخُلونَ الجَنَّةَ بلا حسابٍ ولا عذابٍ.
والحسابُ يختلِفُ، فمنه اليَسيرُ، وَهُوَ العَرْضُ ومنه المُناقَشةُ.
وفي الصَّحيحَيْنِ عن عائشةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى اللهُ عليه وسلم قال: ((لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاَّ هَلَكَ)) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعالَى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ
كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسيِراً) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ((إِنَّمَا ذَلِكَ الْعَرْضُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُنَاقَشُ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاّ عُذِّبَ)).
النَّوعُ الثَّاني: حسابُ الكفارِ، وقد بَيَّنَه بقولِه: (وأمَّا الكفارُ فلا يُحاسَبونَ محاسَبةَ مَن تُوزَنُ حسناتُه وسيِّئاتُه، فإنَّهُ لا حَسَناتَ لهم) أي ليس لهم حسناتٌ تُوزَنُ مع سيِّئاتِهم؛ لأنَّ أعْمالَهُم قد حَبِطَتْ بالكُفْرِ، فلم يَبْقَ لهم في الآخرةِ إلاَّ السيِّئاتُ. فحِسَابُهم معناه أنَّهم (تُعدُّ أعمالُهم فتُحصَى، فيُوقَفونَ عليها ويُقرَّرُونَ بها، ويُجزَوْنَ بها) أيْ: يُخبَرونَ بأعمالِهم الكفريَّةِ، ويَعترِفونَ بها، ثم يُجازَوْنَ عليها، كما قال تعالى: (فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ) [فُصِّلَتْ: 50]، وقال تعالى: (وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ) [الأَعْرَاف: 37]، وقال: (فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السَّعِيرِ) [المُلْك: 11].


  #6  
قديم 24 ذو الحجة 1429هـ/22-12-2008م, 02:03 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي شرح العقيدة الواسطية للشيخ ابن عثيمين رحمه الله

(وَتُنْشَرُ الدَّواوينُ وَهِيَ صَحَائِفُ الأَعْمَالِ). (37)
فَآخِذٌ كتَابَهُ بَيمِينهِ وَآخِذٌ كتَابَهُ بشمَالِهِ أَوْ مِنْ وَرَاْءِ ظَهْرِهِ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتعَالى: (وكُلَّ إنْسانِ أَلّزَمْنَاهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيَامةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراُ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسيباً)
((وَيُحاسِبُ اللهُ الخَلائِقَ)):(38) وَيَخْلُو بِعْبْدِهِ المْؤْمِن فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ كَمَا وُصِفَ ذلِكَ في الكِتاب والسُّنةِ، وأما الكُفَّارُ فلاَ يُحَاسَبُونَ محاسبة من توزنُ حسنَاتُه وسَيِّئاتُه، فإنهم لا حسناتِ لهُم،ولكنْ تعَدُّ أعمالُهمْ فتُحْصَى فُيوقفونَ عَليْهَا ويُقرَّرُونَ ويُخْزَوْنَ بها.

(37) الأمرُ السَّادسُ ممَّا يكونُ يومَ القيامةِ: وهُوَ ما ذكَرَهُ المؤلِّفُ بقولِهِ: (وَتُنْشَرُ الدَّواوينُ)).
((تُنْشَرُ))؛ أيْ: تُفَرَّقُ وتُفْتَحُ لقارئِها.
((والدَّواوينُ)): جمعُ ديوانٍ، وهو السِّجلُّ الَّذِي تُكْتَبُ فيه الأعمالُ، ومِنْهُ دواوينُ بيتِ المالِ، وما أَشْبَهَ ذلِكَ.
قَالَ: ((وهي صحائفُ الأعمالِ))؛ يعني: الَّتي كَتَبَتْهَا الملائكةُ الموكِّلونَ بأعمالِ بني آدمَ؛ قَالَ اللهُ تعالَى: (كَلاَّ بَل تُكَذِّبونَ بِالدِّينِ وَإِنَّ عَلَيكُم لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعلَمُونَ مَا تَفعَلُونَ) [الانفطار: 9 – 12].
فيُكْتَبُ هذا العملُ، ويكونُ لازماً للإنسانِ في عنقِهِ؛ فإذا كانَ يومُ القيامةِ؛ أخرجَ اللهُ هذا الكتابَ.
قَالَ تعالَى: (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلزَمنَاهُ طَائِرَهُ في عُنُقِهِ وَنُخرِجُ لَهُ يَومَ القِياَمَةِ كِتَابًا يَلقاَهُ مَنشُورًا اقرَأ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفسِكَ اليَومَ عَلَيكَ حَسِيبًا) [الإسراء: 13 – 14].
قَالَ بعضُ السَّلَفِ: لَقدْ أنصفَكَ مَنْ جعلَكَ حسيبًا على نفسِكَ.
والكتابةُ في صحائفِ الأعمالِ: أمَّا للحسناتِ، وإما للسَّيِّئاتِ، والَّذِي يُكْتَبُ مِنَ الحسناتِ ما عمِلَهُ الإنسانُ، وما نَواه، وما هَمَّ بهِ؛ فهذه ثلاثةُ أشياءَ:
فأمَّا ما عمِلَهُ؛ فظاهرٌ أنَّهُ يُكْتَبُ.
وأمَّا ما نَواه؛ فإنَّهُ يُكْتَبُ له، لكنْ يُكْتَبُ له أجرُ النِّيَّةِ فَقَطْ كاملاً؛ كما في الحديثِ الصَّحيحِ في قصَّةِ الرَّجُلِ الَّذِي كانَ لَهُ مالٌ ينفقُهُ في سُبُلِ الخيرِ، فقَالَ الرَّجُلُ الفقيرُ: لو أنَّ عندِي مالاً؛ لعملْتُ فيه بعملِ فلانٍ؛ قَالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((فَهُوَ بِنِيَّتِهِ؛ فَأَجْرُهُما سَوَاءٌ)).
ويدلُّ على أنهَّما لَيْسا سواءً في الأجرِ مِنْ حيثُ العملِ: أنَّ فقراءَ المهاجرينَ لمَّا أتَوا إلى النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقَالُوا: يا رَسولَ اللهِ! إِنَّ أَهْلَ الدُّثورِ سَبَقُونا. فقَالَ لهَمُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ ثلاثًا وَثَلاثينَ … فَلَمَّا سَمِعَ الأغْنِياءُ بذلكَ؛ فَعَلُوا مِثْلَهُ، فَرَجَعَ الفُقَراءُ يَشْكُونَ إلى النَّبيِّ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَقَالَ لَهُم: ((ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، ولم يَقُلْ: إنَّكم بنيَّتِكُم أدركْتُم عملَهُم.
ولأنَّ هذا هو العَدْلُ؛ فرجلٌ لم يعمَلْ لا يكونُ كالَّذِي عمِلَ، لكنْ يكونُ مثلَهُ في أجرِ النِّيَّةِ فَقَطْ.
وأما الهمُّ؛ فينقسمُ إلى قسمَينِ:
الأوَّلِ: أنْ يَهُمَّ بالشَّيءِ ويفعلُ ما يقدرُ عليهِ مِنْهُ، ثُمَّ يُحالُ بَيْنَهُ وبَيْنَ إكمالِهِ.
فهذا يُكْتَبُ له الأجرُ كاملاً؛ لقولِهِ تعالَى: (وَمَن يَْخرُجْ مِن بَيتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدرِكْهُ المَوتُ فَقَد وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ) [النِّساء: 100].
وهذه بُشْرَى لطلبةِ العِلْمِ: إذا نَوَى الإنسانُ أنَّهُ يطلبُ العِلمَ وهُوَ يريدُ أنْ ينفعَ النَّاسَ بعلْمِه ويذُبُّ عَنْ سُنَّةِ الرَّسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وينشرُ دينَ اللهِ في الأرضِ، ثُمَّ لم يقدَّرْ لَهُ ذلِكَ؛ بأنْ ماتَ مثلاً وهو في طلبِهِ؛ فإنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ أجرُ ما نواه وسَعى إليه.
بَلْ إنَّ الإنسانَ إذا كانَ مِنْ عادتِهِ العملُ، وحِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ لسببٍ؛ فإنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ أجرُهُ.
قَالَ النَّبيُّ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ((إِذَا مَرِضَ العَبْدُ أَوْ سَافَرَ؛ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا)).
القسمِ الثَّاني: أنْ يهمَّ بالشَّيءِ ويتركَهُ مع القُدرَةِ عَلَيْهِ؛ فيُكْتَبُ لَهُ به حسنةٌ كاملةٌ؛ لنيَّتِهِ.
وأمَّا السَّيِّئاتُ؛ فإنَّهُ يُكْتَبُ على الإنسانِ ما عَمِلَهُ، ويُكْتَبُ عليه ما أرادَهُ وسَعَى فيهِ ولكنْ عَجِزَ عَنْهُ، ويُكْتَبُ عليه ما نُواهُ وتمنَّاهُ.
فالأوَّلُ: واضحٌ.
والثَّاني: يُكْتَبُ عليه كاملاً؛ لقولِ النَّبيِّ عليهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ((إِذَا التَّقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِما؛ فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ)). قَالُوا: يا رسولَ اللهِ! هذا القاتلُ؛ فما بالُ المقتولِ؟! قَالَ: ((لأَنّه كان حَرِيصاً على قَتْلِ صاحبِهِ))، ومثلُهُ مَنْ همَّ أنْ يشرَبَ الخمرَ، ولكنْ حَصَلَ لَهُ مانعٌ؛ فهذا يُكْتَبُ عليه الوِزْرُ كاملاً؛ لأنَّهُ سَعَى فِيه.
والثَّالثُ: الَّذِي نواه وتمنَّاه يُكْتَبُ عَلَيهِ، لكنْ بالنِّيَّةِ، ومنهُ الحديثُ الَّذِي أخبرَ النَّبيُّ عليهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عنْ رجلٍ أعطاه اللهُ مالاً؛ فكانَ يتخبطُ فيه، فقَالَ رجلٌ فقيرٌ: لو أنَّ لي مالاً؛ لعملْتُ فيه بعملِ فلانٍ. قَالَ النَّبيُّ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ((فهو بنيَّتِه؛ فوزرُهما سواءٌ)).
ولو همَّ بالسَّيِّئةِ، ولكنْ تركَهَا؛ فهذا على ثلاثةِ أقسامِ:
1 – إنْ تركَهَا عجْزاً؛ فهو كالعاملِ إذا سَعَى فيها.
2 – وإنْ تركَها لله؛ كانَ مأجوراً.
3 – وإنْ تركَها لأنَّ نفسَهُ عَزَفَتْ عنها، أو لم تطرا على بالِهِ؛ فهذا لا إثمَ عليه ولا أجرَ.
واللهُ عزَّ وجلَّ يجزي بالحسناتِ أكثرَ مِنَ العملِ، ولا يجزي بالسَّيِّاتِ إلَّا مثلَ العملِ؛ قَالَ تعالَى: (مَن جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) [الأنعام: 160]، وهذا مِنْ كَرَمِهِ عزَّ وجلَّ ومِنْ كونِ رحمتِهِ سَبَقَتْ غضَبَهُ.
قولُهُ: ((فَآخِذٌ كِتابَهُ بِيَمينِهِ)): ((آخذٌ)): مبتدأُ، وخبرُه محذوفٌ، والتَّقديرُ: فَمِنْهُم آخذٌ.
وجازَ الابتداءُ بهِ وهو نكرةٌ؛ لأنَّهُ في مقامِ التَّفصيلِ؛ أيْ أنَّ النَّاسَ ينقسِمُونَ؛ فَمِنْهُم مَنْ يأخذُ كتابَهَ بيمينِه، وهُم المؤمنونَ، وهذا إشارةٌ إلى أنَّ لليُمْنَى الإكرامَ، ولذلِكَ يأخذُ المؤمنُ كتابهَ بهِا، والكافرُ يأخذُ كتابَهُ بشِمالِهِ أو مِنْ وراءِ ظهرِهِ؛ كَمَا قَالَ المؤلِّفُ: ((وآخذٌ كتابَه بشِمالِه)).
وقولُهُ: ((أو مِنْ وراءِ ظَهْرِه)): ((أو)) للتَّنويعِ، ولَيْسَتْ للشَّكِّ.
فظاهرُ كلامُ المؤلِّفِ أنَّ النَّاسَ يأخذون كُتُبَهُم على ثلاثةِ أوجهٍ: باليمينِ، وبالشِّمالِ، ومِنْ وراءِ الظَّهْرِ.
ولكنَّ الظَّاهرَ أنَّ هذا الاختلافَ اختلافُ صفاتٍ؛ فالَّذِي يأخذُ كتابَهُ مِنْ وراءِ ظَهْرِه هو الَّذِي يأخذُ كتابهَ بشِمالِه؛ فيأخذُ بالشِّمالِ، وتُجْعَلُ يدُه مِنَ الخلفِ؛ فكونُهُ يأخذُه بالشِّمالِ؛ لأنَّهُ مِنْ أهلِ الشِّمالِ، وكونُهُ مِنْ وراءِ ظهرِهِ؛ لأنَّهُ لما استدبرَ كتابَ اللهِ، وولَّى ظهرَه إيَّاهُ في الدُّنْيا ؛ صارَ مِنَ العدلِ أنْ يُجْعَلَ كتابُ أعمالِهِ يومَ القيامةِ خَلْفَ ظَهْرِهِ؛ فعلَى هذا؛ تُخْلَعُ اليدُ الشِّمالُ حتَّى تكونَ مِنَ الخلفِ. واللهُ أعلمُ.
قولُهُ: ((كَمَا قَالَ سبحانهَ وتعالَى: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ في عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ كَتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً، اقْرَا كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) [الإسراء: 13-14])):
(طائره)؛ أيْ: عملُهُ؛ لأنَّ الإنسانَ يتشاءمُ بهِ أو يتفاءلُ بهِ، ولأنَّ الإنسانَ يطيرُ به فيعلُو أو يطيرُ بهِ فينزلُ.
(في عُنُقِهِ)؛ أيْ: رقبَتِهِ، وهذا أقوى ما يكونُ تعلقاً بالإنسانِ؛ حيثُ يُرْبَطُ في العُنَقِ؛ لأنَّهُ لا يمكنُ أنْ ينفصلَ إلا إذا هلَكَ الإنسانُ؛ فهذا يلزمُ عملَهُ.
وإذا كانَ يومُ القيامةِ؛ كانَ الأمرُ كَمَا قَالَ اللهُ تعالَى: (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ كتاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً))؛ أي: مفتوحاً؛ لا يحتاجُ إلى تَعَبٍ ولا إلى مشقَّةٍ في فَتْحِهِ.
ويُقَالَ لَهُ: (اقْرَا كتابك) وانظرْ ما كُتِبَ عَلَيْكَ فيهِ.
(كَفَى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً): وهذا مِنْ تمامِ العدلِ والإنصافِ: أنْ يُوكَلَ الحسابُ إلى الإنسانِ نفسِهِ.
والإنسانُ العاقلُ لا بدَّ أنْ ينظرَ ماذا كَتَبَ في هذا الكتابِ الَّذِي سَوْفَ يجدُهُ يومَ القيامةِ مكتوباً.
ولكنْ؛ نحنُ أمامَنا بابٌ يمكنُ أنْ يقضيَ على كلِّ السَّيِّاتِ، وهو التَّوبةُ، وإذا تابَ العَبْدُ إلى اللهِ؛ مَهْمَا عَظُمَ ذنبُهُ؛ فإنَّ اللهَ يتوبُ عليه، وحتَّى لو تكرَّرَ الذَّنبُ مِنْه، وهو يتوبُ؛ فإنَّ اللهَ يتوبُ عليه؛ فما دام الأمرُ بأيدِينا الآنَ؛ فَعَلَيْنا أنْ نحرصَ على أنْ لا يُكتبَ في هذا الكتابِ إلَّا العملُ الصالحُ.

(38) الأمرُ السَّابعُ ممَّا يكونُ يومَ القيامةِ وهو ما ذكَرَهُ المؤلِّفُ بقولهِ: ((وَيُحاسِبُ اللهُ الخَلائِقَ)):
المحاسبةُ: إطلاعُ العبادِ على أعمالِهِم يومَ القيامةِ.
وقد دلَّ عليه الكتابُ والسُّنَّةُ والإجماعُ والعقلُ:
أمَّا الكتابُ؛ فقَالَ تعالَى: (فَأمَّا مَنْ أُوتِىَ كتابه بِيَمِينِهِ، فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً) [الانشقاق: 7-8]، (وَأمَّا مَنْ أُوتِىَ كتابه وَرَاءَ ظَهْرِهِ، فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً، وَيَصلَّى سَعِيراً) [الانشقاق: 10-12].
-وأما السُّنَّةُ؛ فقد ثَبَتَ عنِ النَّبيِّ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بعدةِ أحاديثَ أنَّ اللهَ تعالَى يحاسبُ الخلائقَ.
-وأمَّا الإجماعُ؛ فإنُهُ مُتَّفَقٌ عليه بَيْنَ الأمَّةِ: أنَّ اللهَ تعالَى يحاسبُ الخلائقَ.
-وأمَّا العقلُ؛ فواضحٌ؛ لأنَّنا كُلِّفْنا بعملٍ؛ فعلاً وتركاً وتصْدِيقاً، والعقلُ والحِكْمةُ تقتضِيانِ أنْ مَنْ كُلِّفَ بعملٍ؛ فإنَّهُ يحاسبُ عليه ويُناقَشُ فيه.
وقولُ المؤلِّفِ: ((الخلائقَ)): جمعُ خليقةٍ؛ يشملُ كلَّ مخلوقٍ.
إلَّا أنَّهُ يُستثْنَى مِن ذلِكَ مَن يدخلُونَ الجنَّةَ بلا حسابٍ ولا عذابٍ؛ كما ثَبَتَ ذلِكَ في ((الصَّحيحينِ)): أنَّ النَّبيَّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى أُمَّتَهُ وَمَعَهُمْ سَبْعونَ أَلْفاً يَدْخُلُونَ الجنَّةَ بِلا حِسَابٍ وَلاَ عَذَابٍ، وَهُمُ الَّذِين لاَ يسترقُونَ وَلاَ يَكْتَوُونَ وَلاَ يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ.
وقَدْ روى الإمامُ أحمدُ بسندٍ جَيِّدٍ: أَنَّ مع كلِّ وَاحِدٍ سَبْعِينَ أَلْفاً.
فتضربُ سبعينَ ألفاً بسبعينَ ألفاً، ويزاد سبعون ألفاً. هؤلاءِ كلُّهم يدخلُون الجنَّةَ بلا حسابٍ ولا عذابٍ.
وقولُهُ: ((الخلائقَ)): يشملُ أيضاً الجِنَّ؛ لأنهَّم مكلَّفُونَ، وَلِهَذَا يدخلُ كافرُهُم النَّارَ بالنَّصِّ والإجماعِ؛ كَمَا قَالَ تعالَى: (قَالَ ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الجِنِّ وَالإِنسِ في النَّارِ) [الأعراف: 38]، ويدخُلُ مؤمِنُهُم الجنَّةَ على قولِ جمهورِ أهلِ العِلْمِ، وهو الصَّحيحُ؛ كما يدلُّ عليه قولُهُ تعالَى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ…) إلى قولِهِ: (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ) [الرحمن 46-56].
وهل تشملُ المحاسبةُ البهائمَ؟!
أمَّا القصاصُ؛ فيشملُ البهائمَ؛ لأنَّهُ ثَبَتَ عنِ النَّبيِّ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ((أَنَّهُ يُقْتَصُّ لِلشَّاةِ الجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ القَرْنَاءِ))، وهذا قصاصٌ، لكنَّها لا تحاسبُ حسابَ تكْليفٍ وإلْزامٍ؛ لأنَّ البهائمَ لَيْسَ لها ثوابٌ ولا عقابٌ.
قولُهُ: ((وَيخلُو بِعَبْدِهِ المُؤْمِنِ فَيُقَرِّرُهُ بِذُنوبِهِ)):
هذا صفةُ حسابِ المؤمنِ:
يخلُو بهِ اللهُ عزَّ وجلَّ دونَ أنْ يطْلعَ عليه أحدٌ، ويقرِّرُهُ بذنوبِهِ؛ أيْ: يقولُ لَهُ: عَمِلْتَ كَذَا، وَعَمِلْتَ كَذَا… حتَّى يُقِرَّ وَيَعْتَرِفَ، ثُمَّ يَقُولُ: ((سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيا ، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ)).
ومَعَ ذلِكَ؛ فإنَّهُ سبحانَهُ وتعالَى يضعُ عليه سِتْرَهُ؛ بحيثُ لا يراَهُ أحدٌ، ولا يسمَعُهُ أحدٌ، وهذا مِنْ فضلِ اللهِ عزَّ وجلَّ على المؤمنِ؛ فإنَّ الإنسانَ إذا قرَّرَكَ بجناياتِكَ أمامَ النَّاسِ وإنْ سمحَ عَنْكَ؛ ففِيه شيءٌ مِنَ الفضِيحَةِ، لكنْ إذا كانَ ذلِكَ وحدَكَ؛ فإنَّ ذلِكَ سترٌ مِنْهُ عَلَيْكَ.
قولُهُ: ((كَمَا وُصِفَ ذلِكَ في الكتابِ والسُّنَّةِ)):
((ذلِكَ)): المشارُ إليه الحسابُ؛ يعني: كَمَا وُصِفَ الحسابُ في الكتابِ والسُّنَّةِ، لأنَّ هذا مِنَ الأمورِ الغيبيةِ المتوقِّفَةِ على الخبرِ المحضِ، فوجبَ الرُّجوعُ فيه إلى ما وُصِفَ في الكتابِ والسُّنَّةِ.
قولُهُ: ((وأمَّا الكفَّارُ؛ فلا يحاسَبونَ محاسَبةَ مَنْ توزَنُ حسناتُهُ وسيِّئاتُهُ؛ فإنهَّم لا حسناتِ لهم، ولكنْ تُعدُّ أعمالهُم فَتُحصَى فيُوقَفُونَ علَيها ويُقَرَّرونَ بها ويخزَونَ بِها)).
هكذا جاءَ معناهُ في حديثِ ابنِ عمرَ رَضِي اللهُ عَنْهُما عنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَما ذَكَرَ حسابَ اللهِ تعالَى لعبدِه المؤمنِ، وأنَّهُ يخلُو به، ويقرِّرُه بذُنوبِهِ. قَالَ: ((وَأمَّا الكفَّارُ وَالمُنَافِقُونَ؛ فَيُنَادَى بِهِمْ عَلَى رُؤُوسِ الخَلائِقِ: هَؤُلاءِ الَّذِين كَذبُوا عَلَى رَبِّهِم أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)). متَّفقٌ عليه.
وفي ((صحيح مسلم))، عن أبي هريرةَ رَضِي اللهُ عَنْهُ، في حديثٍ طويلٍ عنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: فيلْقَى العبدَ، أيْ: يلْقَى اللهُ العبدَ، يعني: المنافقَ، فيقولُ: يا فَلْ، أيْ: يا فلانُ، أَلَمْ أُكْرِمْكَ وَأُسَوِّدْكَ وَأُزَوِّجْكَ وَأُسَخِّرْ لَكَ الخَيْلَ وَالإِبلَ وَأَذَركَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟! فَيَقُول: بَلَى، قَالَ: فَيَقُول: أَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلاقيَّ؟ فَيَقُولُ: فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَني، ثُمَّ يَلْقَى الثَّانِيَ فَيَسْأَلُهُ فَيُجِيبُ كَمَا أَجَابَ الأَوَّلُ، فَيَقُولُ اللهُ فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَني، ثُمَّ يَلْقَى الثَّالثَ فَيَقُولُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَيَقُول: يَا رَبِّ آمَنْتُ بِكَ وَبِكِتَابِكَ وَبِرسُلِكَ وَصَلَّيْتُ وَصُمْتُ وَتَصَدَّقْتُ، وَيُثْنِي بِخَيْرِ مَا اسْتَطَاعَ، فَيَقُول: هَاهُنَا إِذَنْ، قَالَ: ثُمَّ يُقَالَ لَهُ: الآنَ نَبْعَثُ شَاهِدَنَا عَلَيْكَ، وَيُفَكِّرُ فِي نَفْسِهِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ؟ فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، وَيُقَالَ لفخذِهِ وَلَحْمِهِ وَعِظَامِهِ: انْطِقِي، فَتَنْطِقُ بِعَمَلِهِ، وَذَلِكَ لَيُعذَرَ مِنْ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ المُنَافِقُ وَذَلِكَ الَّذِي يَسْخَطُ اللهُ عَلَيْهِ.
(تنبيهٌ):
في قولِ المؤلِّفِ رحمَهُ اللهُ محاسبةُ مَنْ تُوزَنُ حسناتُهُ وسيِّئاتُهُ… الخ، إشارةٌ إلى أنَّ المرادَ بالمحاسبةِ المنفيَّةِ عَنْهُم هي محاسبةُ الموازنةِ بَيْنَ الحسناتِ والسَّيِّاتِ، وأمَّا محاسبةُ التَّقريرِ والتَّقريعِ فثابتةٌ كَمَا يدلُّ على ذلِكَ حديثُ أبي هريرةَ رَضِي اللهُ عَنْهُ.
فائدةٌ:
أوَّلُ ما يُحاسَبُ عليه العَبْدُ مِنَ الأعمالِ الصَّلاةُ، وأوَّلُ ما يُقضى فيه بين النَّاسِ الدِّماءُ؛ لأنَّ الصَّلاةَ أفضلُ العباداتِ البدنيَّةِ، والدِّماءُ أعظمُ ما يُعتدَى بهِ في حقوقِ الآدميينَ.


  #7  
قديم 24 ذو الحجة 1429هـ/22-12-2008م, 04:21 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي الروضة الندية للشيخ: زيد بن عبد العزيز بن فياض

* الحساب وتطاير الصحف *
وَتُنْشَرُ الدَّوَاوِينُ، وَهِيَ صَحَائِفُ الأَعْمَالِ، فَآخِذٌ كِتَابَهُ بِيَميِنهِ، وَآخِذٌ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ أَوْ مِن وَرَاءِ ظَهْرِه، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لهُ يَوْمَ القِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً}.
وَيُحَاسِبُ اللَّهُ الخَلائِقَ، فَيَخْلُو بِعَبْدِهِ المُؤْمِنِ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ كَمَا وُصِفَ ذَلكَ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَأَمَّا الكُفَّارُ فَلا يُحَاسَبُونَ مُحَاسَبَةَ مَن تُوزَنُ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ فَإِنَّهُ لا حَسَنَاتَ لهُمْ، وَلَكِنْ تُعَدُّ أَعْمَالُهُمْ فَتُحْصَى، فَيُوقَفُونَ عَلَيْهَا، ويُقَرَّرونَ بِهَا، [ويُجْرَوْنَ عليهَا].



قَالَ تَعَالَى: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ} الآيَاتِ.
قَوْلُهُ: (وَتُنْشَرُ الدَّوَاوِينُ) وَهِيَ صَحَائِفُ الأَعْمَالِ، نَشْرُ الدَّوَاوِينِ فَتْحُهَا وَبَسْطُهَا.
قَوْلُه تَعَالَى: {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ} طَائِرُهُ مَا طَارَ لَهُ مِن عَمَلِهِ المُقَـدَّرِ لهُ مِن خَـيْرٍ وَشَـرٍّ. وَخَصَّ العُنُقَ بِالذِّكْرِ لكَوْنِهِ عُضواً مِن الأَعْضَـاءِ لا نَظِيرَ لهُ فِي الجَسَدِ، وَمَن أُلْزِمَ بِشَيْءٍ فِيهِ فَلا مَحِيدَ لهُ عَنْهُ، وَتَقَـدَّمَ حَدِيثُ: "مَا مِنْكُمْ مِن أَحَدٍ إِلا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ ليْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "ليْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلا هَلَكَ" فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً }؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّمَا ذَلكَ العَرْضُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُنَاقَشُ الحِسَابَ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلا عُذِّبَ". وَلَهُمَا عَن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي المُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ وَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ وَيَقُـولُ لهُ: أَتَعْـرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنْ قَدْ هَلَكَ، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لك اليَوْمَ، ثُمَّ يُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ".
وَأَمَّا الكُفَّارُ وَالمُنَافِقُونَ فَيَقُولُ الأَشْهَادُ: {هَـؤُلاءِ الذين كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالمِينَ} أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ عَن أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَلاثَ عَرَضَاتٍ فَأَمَّا عَرْضَتَانِ فَجِدَالٌ وَمَعَاذِيرُ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلكَ تَطِيرُ الصُّحُفُ فِي الأَيْدِي فَآخِذٌ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ وَآخِذٌ بِشَمَالِه"، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَةَ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَن عَبْدِ اللَّهِ موقوفاً نَحْوَهُ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا ذَكَرَتِ النَّارَ فَبَكَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا يُبْكِيك؟" قَالَتْ: ذَكَرْتُ النَّارَ فَبَكَيْتُ فَهَلْ تَذْكُرُونَ أَهْليكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَمَّا فِي ثَلاثَةِ مَوَاطِنَ فَلا يَذْكُرُ أَحَدٌ أَحَداً: عِنْدَ المِيزَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَخِفُّ مِيزَانهُ أَوْ يَثْقُلُ ؟ وَعِنْدَ الكِتَابِ حِينَ يُقَـالُ: {هَاؤُمُ اقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ} حَتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ يَقَـعُ كِتَابُهُ أَفِي يَمِينِهِ أَمْ فِي شَمَـالِهِ أَمْ مِن وَرَاءِ ظَهْـرِهِ؟ وَعِنْدَ الصِّـرَاطِ إِذَا وُضِعَ بَيْنَ ظَهْـرَيْ جَهَنَّمَ". وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الدَّوَاوِينُ عِنْدَ اللَّهِ ثَلاثَةٌ: دِيوَانٌ لا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ شَيْئاً، وَدِيوَانٌ لا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئاً، وَدِيوَانٌ لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ: فَأَمَّا الدِّيوَانُ الذي لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ فَالشِّرْكُ بِاللَّهِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} الآيَةَ، وَقَالَ: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ} وَأَمَّا الدِّيوَانُ الذي لا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ شَيْئاً فَظُلْمُ العَبْدِ نَفْسَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ مِن صَوْمِ يَوْمٍ تَرَكَهُ. أَوْ صَلاةٍ، فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ ذَلكَ وَيَتَجَاوَزُ إِنْ شَاءَ، وَأَمَّا الدِّيوَانُ الذي لا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئاً فَظُلْمُ العِبَادِ بَعْضَهُمْ بَعْضاً، القِصَاصُ لا مَحَالَةَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مَسْنَدِهِ وَالحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ.
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ المُتَقَدِّمِ: "ليْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلاَّ هَلَكَ" ثُمَّ قَالَ أخيراً: "وَلَيْسَ أَحَدٌ يُنَاقَشُ الحِسَابَ إِلا عُذِّبَ". وَكِلاهُمَا يَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ؛ لأَنَّ المُرَادَ بِالمُحَاسَبَةِ تَحْرِيرُ الحِسَابِ فَيَسْتَلْزِمُ المُنَاقَشَةَ وَمَنْ عُذِّبَ فَقَدْ هَلَكَ، وَقَالَ القُرْطُبِيُّ فِي المُفْهِمِ قَوْلُه: "حُوسِبَ" أَيْ: حِسَابَ اسْتِقْصَاءٍ، وَقَوْلُه: "عُذِّبَ" أَيْ: فِي النَّارِ جَزَاءً عَلَى السَّيِّئَاتِ الَّتِي أَظْهَرَهَا حِسَابُهُ، وَقَوْلُهُ: "هَلَكَ" أَيْ: بِالعَذَابِ فِي النَّارِ، قَالَ: وَتَمَسَّكَتْ عَائِشَةُ بِظَاهِرِ لَفْظِ الحِسَابِ؛ لأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ القَليلَ وَالكَثِيرَ، قَالَ القُرْطُبِيّ: مَعْنَى قَوْلِهِ: "إِنَّمَا ذَلكَ العَرْضُ" أَنَّ الحِسَابَ المَذْكُورَ فِي الآيَةِ إِنَّمَا هُوَ أَنْ تُعْرَضَ أَعْمَالُ المُؤْمِنِ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْرِفَ مِنَّةَ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي سَتْرِهَا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَفِي عَفْوِهِ عَنْهَا فِي الآخِرَةِ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي النَّجْوَى، قَالَ عِيَاضٌ: قَوْلُهُ "عُذِّبَ" لهُ مَعْنَيَانِ:
(أَحَدُهُمَا): أَنَّ مُنَاقَشَةَ الحِسَابِ، وَعَرْضَ الذُّنُوبِ، وَالتَّوْقِيفَ عَلَى قَبِيحِ مَا سَلَفَ وَالتَّوْبِيخَ تَعْذِيبٌ.
(وَالثَّانِي) أَنَّهُ يُفْضِي إِلَى اسْتِحْقَاقِ العَذَابِ إِذْ لا حَسَنَةَ للْعَبْدِ إِلا مِن عِنْدِ اللَّهِ لاِقْدَارِهِ عَلَيْهَا وَتَفَضُّلِه عَلَيْهِ بِهَا وَهِدَايَتِهِ لهَا وَلأَنَّ الخَالِصَ لوَجْهِهِ قَليلٌ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الثَّانِي قَوْلُه فِي الرِّوَايَةِ الأُخْرَى: "هَلَكَ"، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: التَّأْوِيلُ الثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ ؛ لأَنَّ التَّقْصِيرَ غَالِبٌ عَلَى النَّاسِ فَمَنْ اسْتَقْصَى عَلَيْهِ وَلَمْ يُسَامِحْ هَلَكَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: وَجْهُ المُعَارَضَةِ أَنَّ لفْظَ الحَدِيثِ عَامٌّ فِي تَعْذِيبِ كُلِّ مَنْ حُوسِبَ وَلَفْظَ الآيَةِ دَالٌّ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ لا يُعَذَّبُ، وَطَرِيقُ الجَمْـعِ أَنَّ المُرَادَ بِالحِسَابِ فِي الآيَةِ العَـرْضُ وَهُوَ إِبْرَازُ الأَعْمَالِ وَإِظْهَارُهَا فَيُعْرَفُ صَاحِبُهَا بِذُنُوبِهِ ثُمَّ يُتَجَاوَزُ عَنْهُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ عِنْدَ البَزَّارِ والطَّبَرَانِيِّ مِن طَـرِيقِ عَبَّـادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ سَمِعْتُ عَائِشَـةَ تَقُـولُ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْحِسَابِ اليَسِيرِ ؟ قَالَ: "الرَّجُلُ تُعْرَضُ عَلَيْهِ ذُنُوبُهُ ثُمَّ يُتَجَاوَزُ لهُ عَنْهَا".
وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ مُسْلمٍ: "يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيُقَالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ" الحَدِيثَ.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَن عَائِشَةَ مرفوعاً: "لا يُحَاسَبُ رَجُلٌ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلاَّ دَخَلَ الجَنَّةَ" وَظَاهِرُهُ يُعَارِضُ حَدِيثَهَا المَذْكُورَ فِي البَابِ، وَطَرِيقُ الجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الحَدِيثَيْنِ معاً فِي حَقِّ المُؤْمِنِ. وَلا مُنَافَاةَ بَيْنَ التَّعْذِيبِ وَدُخُولِ الجَنَّةِ؛ لأَنَّ المُوَحِّدَ وَإِنْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالتَّعْذِيبِ فَإِنَّهُ لا بُدَّ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ أَوْ بِعُمُومِ الرَّحْمَةِ.
وَأَمَّا الكُفَّارُ فَلا يُحَاسَبُونَ مُحَاسَبَةَ مَن تُوزَنُ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُوراً} وَلَكِنَّهُمْ يُجْزَوْنَ بِأَعْمَالِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} وَقِيلَ: تُوزَنُ أَعْمَالُ الكَافِرِ لقولِه تَعَالَى: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ المُفْلحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأُوْلَـئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ} الآيَاتِ
وَنَقَلَ القُرْطُبِيُّ عَن بَعْضِ العُلَمَـاءِ أَنَّهُ قَالَ: الكَافِـرُ لا ثَوَابَ لهُ، وَعَمَلُهُ مُقَابَلٌ بِالعَـذَابِ، فَلا حَسَنَةَ لهُ تُوزَنُ فِي مَوَازِينِ القِيَـامَةِ، وَمَن لا حَسَنَـةَ لهُ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَاسْتَدَلَّ بِقَـوْلهِ تَعَالَى: {فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَزْناً} وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ فِي: "الكَافِرُ لا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ"، وَمَنْ قَالَ تُوزَنُ أَعْمَالُ الكَافِرِ قَالَ فِي الحَدِيثِ: إِنَّ المُرَادَ بِهِ بَيَانُ حَقَارَةِ قَدْرِهِ وَلا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ الوَزْنِ.
وَحَكَى القُرْطُبِيُّ فِي صِفَةِ وَزْنِ عَمَلِ الكَافِرِ وَجْهَيْنِ:
(أَحَدُهُمَا) أَنَّ كُفْرَهُ يُوضَعُ فِي الكِفَّةِ وَلا يَجِدُ لهُ حَسَنَةً يَضَعُهَا فِي الأُخْرَى فَتَطِيشُ الَّتِي لا شَيْءَ فِيهَا، قَالَ: وَهَذَا ظَاهِرُ الآيَةِ؛ لأَنَّهُ وَصَفَ المِيزَانَ بِالخِفَّةِ لا المَوْزُونَ.
(وَثَانِيهِمَا) قَدْ يَقَعُ مِنْهُ العِتْقُ وَالبِرُّ وَالصِّلَةُ وَسَائِرُ أَنْوَاعِ الخَيْرِ المَاليَّةِ مِمَّا لوْ فَعَلَهَا المُسْلمُ لكَانَتْ لهُ حَسَنَاتٌ، فَمَنْ كَانَتْ لهُ حَسَنَةٌ جُمِعَتْ وَوُضِعَتْ، غَيْرَ أَنَّ الكُفْرَ إِذَا قَابَلَهَا رَجَحَ بِهَا.
قَالَ الحَافِظُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجَازَى بِهَا عَمَّا يَقَعُ مِنْهُ مِن ظُلْمِ العِبَادِ -مثلاً- فَإِنْ اسْتَوَتْ عُذِّبَ بِكُفْرِهِ -مثلاً- فَقَطْ وَإِلا زِيدَ عَذَابُهُ بِكُفْرِهِ أَوْ خُفِّفَ عَنْهُ كَمَا فِي قِصَّةِ أَبِي طَالبٍ اهـ.


  #8  
قديم 24 ذو الحجة 1429هـ/22-12-2008م, 04:22 PM
فاطمة فاطمة غير متواجد حالياً
طالبة علم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 758
افتراضي التنبيهات السنية للشيخ: عبد العزيز بن ناصر الرشيد

وتُنْشَرُ الدَّوَاوِيْنُ، وهِيَ صَحائِفُ الأعْمَالِ، فآخِذٌ كِتَابَهُ بِيَميِنهِ، وآخِذٌ كِتَابَهُ بِشِمالِهِ أَوْ مِنْ وَراءِ ظهْرِهِ؛ كَما قالَ سُبحانَهُ وتَعالى: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيَامةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً).(163)
(ويُحاسِبُ اللهُ الخَلائِقَ، ويَخْلُو بعَبْدِهِ المُؤمِنِ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنوبِهِ؛ كَمَا وُصِفَ ذلكَ في الكِتَابِ والسُّنَّةِ.
وأَمَّا الكُفَّارُ؛ فَلا يُحَاسَبُونَ مُحَاسَبَةَ مَنْ تُوزَنُ حَسَنَاتُهُ وسَيِّئاتُهُ؛ فإِنَّهُ لا حَسَنات لهُمْ،(164)

ولكِنْ تُعَدُّ أَعمالُهُمْ، فَتُحْصى، فَيُوقَفُونَ عَليها، ويُقَرَّرونَ بِها، [ويُخْزَوْنَ بها]).



(163) قولُه: (وتُنشَرُ الدَّواوينُ) جمعُ دِيوانٍ: وهُوَ الدَّفْتَرُ الذي تُكتَبُ فيه أعمالُ العِبادِ، والصَّحائفُ جمعُ صحيفةٍ: وَهِيَ الورقةُ يُكْتَبُ فيها مِن الرَّقِّ والقِرطاسِ، والمرادُ بها هنا: الكُتُبُ التي كتَبَتْهَا الملائكةُ وَأحْصَوْا ما فَعلَه كُلُّ إنسانٍ مِن سائرِ أعمالِه القولِيَّةِ والفعِليَّةِ، قال تعالى: (وَإِذَا الصَّحُفُ نُشِرَتْ) قال الثَّعلِبيُّ أي: التي فيها أعمالُ العِبادِ نُشِرَتْ للحسابِ، فيجبُ الإيمانُ بِنَشْرِ الصُّحفِ وأَخْذِها بالأيمانِ أو بالشَّمائِلِ، لثُبوتِ ذَلِكَ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ، قال تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا).
وعن أبي هريرةَ -رضي اللَّهُ عنه- مَرفوعًا قال: ((يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلاَثَ عَرْضَاتٍ، فَأَمَّا عَرْضَتَانِ فَجِدَالُ مَعَاذِيرٍ، وَعِنْدَ ذَلِكَ تَطِيرُ الصُّحُفُ فِي الأَيْدِي فَآخِذٌ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، وآخِذٌ بِشِمَالِهِ))، رواه الترمذيُّ. وقال الترمذيُّ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الحسَنَ لم يَسمعْ مِن أبي هريرةَ، وهُوَ عندَ أحمدَ وابنِ ماجهْ مِن هَذَا الوجْهِ مرفوعا، وأَخرجَه البيهقيُّ في البعثِ بسَنَدٍ حسَنٍ عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ مرفوعا.
وروى أحمدُ والترمذيُّ وأبو بكرِ بنُ أبي الدُّنْيَا، عن أبي موسى الأشعريِّ قال، قال رسولُ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: ((يُعْرَضُ النَّاسُ يومَ القيامةِ ثَلاَثَ عَرْضَاتٍ: فَعَرْضَتَانِ جِدَالٌ وَمَعَاذِيرٌ، وَعَرْضَةُ تَطَايُرِ الصُّحُفِ، فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ وَحُوسِبَ حِسَاباً يَسِيراً دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ دَخَلَ النَّارَ)).
قولُه: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ) الآيةَ، قال مجاهدٌ: تُجعلُ شِمالُه وراءَ ظَهْرِه فيأخذُ بها كتابَه، وقال سعيدُ بنُ المسيِّبِ: الذي يأخُذُه بشِمالِه تُلوى يدُه خَلْفَ ظَهرِه ثم يُعطَى كتابَه.
وقولُه -سُبْحَانَهُ- وتعالى: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ) انْتَصَبَ كُلَّ بفِعلٍ مضمَرٍ، وقولُه: (طَائِرَهُ) هُوَ ما طار عنه مِن عَملِه مِن خيرٍ وشرٍّ. قال ابنُ عبَّاسٍ ومجاهدٌ وغيرُهما: والمعنى أنَّ عَملَه لازمٌ له، والمقصودُ أنَّ عَملَ الإنسانِ محفوظٌ عليه قليلُه وكثيرُه، ويُكتبُ عليه ليلاً ونهارًا، كما قال -سُبْحَانَهُ-: (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) وقال تعالى: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) وقولُه: (في عُنُقِهِ) خَصَّ العُنُقَ بالذِّكْرِ؛ لأنَّ اللُّزومَ فيه أَشَدُّ، ومَن أُلزِمَ شيئاً فيه فلا مَحيدَ له عنه، والمعنى أنَّ عمَلَه لازمٌ له لُزومَ القِلادةِ، أو لَعلَّهُ في العُنُقِ لا يَنفكُّ عنه.
قولُه: (ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيَامةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا) أي: صحيفةَ أعمالِه بالحسَناتِ والسَّيِّئاتِ، يُعطاهُ بيَمينِه إنْ كان سعيدًا وبشِمالِه إنْ كان شَقِياًّ.
قولُه: (يَلْقَاهُ مَنْشُورًا) أي: يَلْقى الإنسانُ ذَلِكَ الكتابَ، أي يَراهُ مَنشوراً، أي مَفتوحاً يَقرؤُه هُوَ وغيرُه، فيه جميعُ عَملِه مِن أوَّلِ عُمرِه إلى آخِرِه، كما قال تعالى: (يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ).
قولُه: (اقْرَأْ كِتَابَكَ) تقديرُه: يقالُ له اقرأْ كتابَك، أيْ: كِتابَ أعمالِكَ وما كان منكَ. قولُه: (كَفَى بِنَفْسِكَ) الباءُ زائدةٌ في الفاعِلِ، قولُه: (اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) أي محاسِباً، لأنَّكَ ذَكَرْتَ جميعَ ما كان منكَ وعَرفْتَه، ولا يَنْسى أحدٌ ما كان منه، وكُلُّ أحدٍ يقرأُ كتابَه مِن كاتبٍ وأُمِّيٍّ.
الحسابُ مصدرُ حاسَبَ وحَسَبَ الشَّيءَ يَحْسِبُه إذا عَدَّهُ فهُوَ لغةً: العددُ، واصطلاحا: هُوَ توقيفُ اللَّهِ العِبادَ قبل الانصرافِ مِن المحْشَرِ على أعمالِهم خيرًا كانت أو شراًّ إلاَّ مَن استثنى منهم، وهُوَ ثابتٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ وإجماعِ أهلِ الحقِّ، فيجبُ الإيمانُ بِهِ واعتقادُ ثُبوتِه، قال تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) وقال تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا) الآيةَ، وقال تعالى: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يوَيْلَتَنَا مَا لِهَـذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) وقولُه: (مَا لِهَـذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا) أي عدَّها وكتَبَها وأَثْبَتَها فيه، إلى غيرِ ذَلِكَ مِن الآياتِ الدَّالَّةِ على إثباتِ الحسابِ، وفي "الصَّحيحَيْنِ" من حديثِ عائشةَ -رضي اللَّهُ عنها- قالتْ: قال رسولُ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: ((مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ))، قالت: فقلتُ: أليس يقولُ اللَّهُ: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا) الآيةَ، فقال: ((إنَّمَا ذَلِكَ العَرْضُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلاَّ هَلَكَ))، والمعنى: أنَّه لو نَاقَشَ في حسابِه لعَبيدِه لعَذَّبَهم ولكنَّه يَعفو ويَصفَحُ.

(164) قولُه: (ويحاسِبُ اللَّهُ الخلائقَ) … إلخ، ظاهرُه العمومُ ولكنْ دلَّت الأدِلَّةُ أنَّه يُستثنَى مِن ذَلِكَ مَن يَدخُلُ الجَنَّةَ بغيرِ حسابٍ، كما في "الصَّحيحَيْنِ" من حديثِ ابنِ عبَّاسٍ في السَّبعِينَ ألْفًا الذين يَدخلون الجَنَّةَ مِن غيرِ حسابٍ ولا عذابٍ.
قولُه: (ويَخلُو بعبدِه المؤمِنِ فيُقرِّرُه بذُنوبِه) أي: ينفرِدُ -سُبْحَانَهُ- بَعبدِه ويُقرِّرُه بذُنوبِه، فيقول: أتَعْرِفُ ذَنْبَ كذا؟ أتَعْرِفُ ذنبَ كذا؟، يقالُ: قرَّرَه بكذا أي جَعَلَه يَعترفُ بِهِ كما في الصَّحيحِ مِن حديثِ ابنِ عمرَ، وفيه ((يَدْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ فَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَرِّرُهُ ثُمَّ يَقُولُ: إِنِّي سَتَرْتُهَا عَلْيَكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لِكَ الْيَوْمَ)) ثُمَّ تُطْوَى صَحِيفَةُ حِسَابِهِ، وَأَمَّا الآخَرُونَ وهُم الكفارُ والمنافِقون فيُنادَى بِهم على رُءوسِ الخلائقِ: (هَـؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ). قال المهلَّبُ في الحديثِ: تَفضُّلُ اللَّهِ -سُبْحَانَهُ- على عِبادِه وسَتْرُه لذُنُوبِهم يومَ القيامةِ، وأنَّه يَغفِرُ ذُنوبَ مَن شاءَ منهم، بخلافِ قولِ مَن أنفذَ الوَعيدَ على أهلِ الإيمانِ. ا. هـ.
قولُه: (وأمَّا الكفارُ …) إلخ أي: لأنَّه إنَّما يُحاسَبُ مَن له حسناتٌ وسيِّئاتٌ، والكافرُ ليس له في الآخرةِ حسناتٌ تُوزنُ، فإنَّ أعمالَهم حابطةٌ باطلةٌ؛ لأنَّها فاقدةٌ لشروطِ العبادةِ التي هي الإخلاصُ والمتابعةُ، فكُلُّ عَملٍ لا يكونُ خالِصاً وعلى الشَّريعةِ المرضِيَّةِ فهُوَ باطلٌ، وأعمالُ الكفارِ لا تخلو مِن ذَلِكَ فلا يَحصُلُ لهم مِن أعمالهم التي عَمِلُوها فائدةٌ، كما قال –سُبْحَانَهُ- وتعالى: (فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) ففيها دليلٌ على أنَّ الكافرَ لا تُوزنُ أعمالُه؛ إذْ لا ثوابَ له في الآخرةِ، ولا يجازَى فيها بشيءٍ مِن عملِه في الدُّنْيَا، قال تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا) وإنْ عَمِلَ كافرٌ مِن نحوِ عِتقٍ أو صدقةٍ أو عملٍ حَسنٍ وُفِّي له في حياتِه الدُّنْيَا، فليس له في الآخرةِ جزاءُ عملٍ، لكنْ يُرْجىَ أنْ يَخفَّفَ عنه مِن عذابِ مَعاصِيه لحديثِ ثُويْبَةَ حين أعْتَقَها أبو طالبٍ. وفي "صحيحِ مسلمٍ" عن أنسِ بنِ مالكٍ -رضي اللَّهُ عنه- قال: قال رسول اللَّهِ –صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: ((إنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مؤمنًا حَسَنَةً يُعْطَى بِهَا في الدُّنْيَا ويُجْزَى بِهَا في الآَخِرَةِ، وأَمَّا الكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ في الدُّنْيَا، حتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآَخِرَةِ لم تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا )). قال النوويُّ في شرحِ صحيحِ مسلمٍ: أَجْمعَ العلماءُ على أنَّ الكافرَ الذي ماتَ على كُفرِه لا ثوابَ له في الآخرةِ، ولا يُجازَى فيها بشيءٍ مِن عملِه في الدُّنْيَا متقرِّبًا بِهِ إلى اللَّهِ، وصرَّحَ في هَذَا الحديثِ بأنَّه يُطْعَمُ في الدُّنْيَا بما عَمِلَه مِن الحسناتِ، أي بما فَعلَه متقرِّبا بِهِ إلى اللَّهِ ممَّا لا تفتقِرُ صحَّتُه إلى النيَّةِ، كصِلةِ الرَّحمِ والصَّدقةِ والعِتقِ والضيافةِ وتسهيلِ الخيراتِ ونحوِها، وأمَّا المؤمنُ فيُدَّخَرُ له أيضًا حسناتُه وثوابُ أعمالِه إلى الآخَرَةِ ويُجزى بها مع ذَلِكَ في الدُّنْيَا، ولا مانِع من جزائِه بها في الدُّنْيَا والآخرةِ، وقد وردَ الشَّرعُ بِهِ فيَجِبُ اعتقادُه.


  #9  
قديم 6 رجب 1447هـ/25-12-2025م, 12:31 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 14,419
افتراضي شرح العقيدة الوسطية للشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ (مفرغ)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم إنا نسألك علما نافعا وقلبا خاشعا وعملا صالحا ودعاء مسموعا اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً وعملا ودرجة إنك ولي ذلك ولا حول ولا قوة إلا بك، أما بعد:

فهذا الذي سمعتم تتمة لتفاصيل ما يحصل في اليوم الآخر وذكر مشاهده وما يكون فيه من الأمور التي هي من جملة ما يجب أن يؤمن به لأنها من اليوم الآخر ومن فرائض الإيمان الإيمان باليوم الآخر، ومن علم من ذلك شيئا فإنه يجب عليه أن يعتقده وأن يؤمن به لأنه مأخوذ عن الكتاب أو السنة وما كان فيهما وجب اعتقاده ووجب الإيمان به وحرم الشك فيه أو التردد.
ذكرنا فيما سبق نصب الموازين وأن الله جل وعلا ينصب الموازين في ذلك اليوم العظيم {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون()ومن خفّت موازينه فأولئك الّذين خسروا أنفسهم في جهنّم خالدون}.
ومما يحدث في ذلك اليوم نشر الدواوين قال شيخ الإسلام رحمه الله فيما سمعتم (وتنشر الدّواوين، وهي صحائف الأعمال فآخذٌ كتابه بيمينه، وآخذٌ كتابه بشماله ومن وّراء ظهره؛ كما قال سبحانه) إلى آخر كلامه قال:
(وتنشر الدّواوين، وهي صحائف)
تنشر أي تظهر والنشر هو الإظهار حتى لا يكون خفيا.
و (الدّواوين) جمع ديوان والديوان اسم لما يدوّن فيه يعني لما يكتب فيه، فلهذا فسر شيخ الإسلام الدواوين بأنها (صحائف الأعمال).
فالدواوين هي الكتب وهي صحائف الأعمال:
فهي كتب باعتبار الناس وباعتبار الأمم فلكل أمة كتاب ولكل أمة إمام وكذلك لكل إنسان كتاب
وهي صحائف أعمال الناس.
فهذه يوم القيامة تنشر يعني ينشر ما فيها فيرى ذلك والناس يرون ذلك ويعلمون ما عملوا.
وهذه الكتب وتلك الدواوين أو تلك الصحف يؤتاها الإنسان وهي التي طارت عنه كما قال جل وعلا: {وكلّ إنسانٍ ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابًا يلقاه منشورًا}.

{كلّ إنسانٍ ألزمناه طائره} الطائر هو ما يطير عن الإنسان من العمل من خير أو شر لأنه كأنه كان في سعة قبل أن يعمل فلما عمل طار عنه ولم يعد يتمكن من إرجاعه إن كان خيرا فخير وإن كان شرا فشر فسمي ما يعمله الإنسان طائرا لأنه طار عنه، وقال بعض أهل العلم: سمي طائرا لأنه يحصل منه - يعني من العمل - يحصل منه وبسببه السعادة أو الشقوة وهكذا كانت العرب تتطير بالطيور فيحصل من تطيرها فيما يعتقدون إما أن يقدموا وإما أن لا يقدموا على العمل أو السفر فسمي طائرا باعتبار النهاية أنه يحصل منه السعادة والشقاوة بحسب ما جرى من الاستعمال. والأول هو الصحيح وأن الطائر سمي طائرا - يعني العمل سمي طائرا - لأنه طار عن المرء فلا يمكن استرجاعه ودوّن في كتاب.
قال جل وعلا: {وكلّ إنسانٍ} هذا عموم يشمل المسلم والكافر.
{ألزمناه طائره في عنقه} يعني جعل ذلك الذي خرج منه الذي صدر منه من الأقوال والأعمال أقوال القلوب وقول اللسان وعمل القلب واللسان والجوارح جعل ملازما له في عنقه كالقلادة لا تنفك عنه فهي ملازمة له يوم القيامة لأن هذه كتبتها الملائكة فهي ملازمة للإنسان، يوم القيامة يخرج له كتاب كما قال جل وعلا
{ونخرج له يوم القيامة كتابًا يلقاه منشورًا} فيوم القيامة تخرج الدواوين وتنشر ويراها المرء ويريها أيضا، قال سبحانه
{يلقاه منشورًا} يعني ينشر ولهذا قال شيخ الإسلام (وتنشر الدّواوين) فتعبيره بـ (تنشر) لأجل هذه الآية ولغيرها {صحفًا مّنشّرةً} يعني تنشر ويعرفها وتعرف أيضا.
هذا الكتاب هو الديوان فهذه الكتب تتطاير والناس يوم القيامة كما ثبت في الحديث الصحيح يعرضون ثلاث عرضات على الله جل وعلا:
* فعرضتان جدال ومعاذير.
* ثم العرضة الثالثة تتطاير حينها الصحف، وتتطاير الدواوين والكتب.

وهذه العرضة الثالثة التي فيها التطاير يكون بعدها التقرير، ولهذا نشر الدواوين يكون قبل الحساب قال جل وعلا: {فأمّا من أوتي كتابه بيمينه (7) فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا (8) وينقلب إلى أهله مسرورًا (9) وأمّا من أوتي كتابه وراء ظهره (10) فسوف يدعو ثبورًا (11) ويصلى سعيرًا}
قال: {فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا} فدل على أن ذلك الحساب يكون بعد نشر تلك الدواوين وبعد أخذ الصحف باليمين، فمن أخذ صحيفته باليمين فإنه تكون تلك الصحيفة هي التي سجّلت فيها الأعمال فيحاسب على ما فيها.
أما المؤمن فإنه يحاسب حسابا يسيرا تعرض عليه عرضا دون محاققة في الحساب ودون مناقشة ولو نوقش أحد الحساب لهلك، مجرد تقرير: فعلت كذا، فعلت كذا، فعلت كذا، ألم تفعل كذا، أعرفت ذنبك كذا، أعرفت فعلك كذا، يقول الله جل وعلا له ذلك فإذا أقر قال الله جل وعلا له كما ثبت في الصحيح (إني سترتها عليك في الدنيا وإني أسترها عليك الآن) أو (أغفرها لك الآن) وأما الآخر فإنه يأخذ كتابه بشماله وراء ظهره كما سيأتي.
قال جل وعلا: {اقرأ كتابك} يعني اقرأ صحيفة عملك، اقرأ هذا الكتاب الذي كتبته الملائكة مما عملت ومما قلت.
{كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا} في قوله هنا {كفى بنفسك} يعني كفى نفسك إذ الباء هنا صلة للتأكيد فـ (نفس) هنا فاعل يعني كفى نفسك اليوم عليك حسيبا يعني تكفي نفسك في نفسك كفاية اليوم عليك حسيبا.
والله جل وعلا مطلع على أعمال العباد وهذا النشر للدواوين وهذا الحساب الذي سيأتي بيانه أيضا هذا كله من رحمة الله جل وعلا بالعباد ولكي يقرر العباد بذنوبهم وبأعمالهم فلا يأخذ أحدا إلا بما صدر عنه.

قال: {كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا} يعني بعد أخذ الكتاب اقرأ كتابك فأنت تحاسب نفسك يعني تقرر نفسك على ذلك العمل لأنه ليس ثم حجة له.
وهذا لا ينفي ما يكون من بعض الناس من جدال في بعض ما يحصل لكن الجدال والمعاذير تكون عند تقرير الأعمال قبل إعطاء الصحف كما مر معك في الحديث أنها ثلاث عرضات عرضتان منها جدال ومعاذير فإذا جاء الكتاب ورأى ما عمل فإن الحجة قامت عليه ولا يجحد شيئا كما قال جل وعلا: {ولا يكتمون اللّه حديثًا} يعني خاصة من عصى وكذلك عامة الناس أيضا لا يكتمون الله شيئا.
قال بعد ذلك (ويحاسب الله الخلائق)
ترتيب شيخ الإسلام هنا حيث جعل المحاسبة بعد نشر الدواوين هذا صحيح إذ إن الحساب وهو تقرير الأعمال يكون بعد نشر الدواوين وبعد أخذ من أخذ كتابه باليمين وأخذ من أخذ كتابه بالشمال.
مر معنا فيما سبق أن الناس في أخذ الكتب ينقسمون إلى قسمين:
* (آخذٌ كتابه بيمينه) - يعني في كلام شيخ الإسلام -.
* (وآخذٌ كتابه بشماله ومن وّراء ظهره).
فهما قسمان:
فمنهم من يأخذ الكتاب باليمين وهم المؤمنون أهل التوحيد أهل الإيمان.
ومنهم من يأخذ كتابه بالشمال من وراء الظهر وهم الكفار والفجار أعني المنافقين، فهؤلاء يأخذون الكتاب بالشمال من وراء الظهر.
والله جل وعلا جعل أخذ الكتب في آية للكفار بالشمال وفي آية من وراء الظهر، فمن أهل العلم من قال إنها ثلاثة أصناف، يعني إن الناس الخلائق ثلاثة أصناف:
* منهم من يأخذ كتابه باليمين.
* ومنهم من يأخذ كتابه بالشمال.
* ومنهم من يأخذ كتابه وراء الظهر.

والصواب هو القول الثاني الذي عليه أكثر المفسرين وهو أن من يأخذ كتابه بالشمال يأخذه بشماله من وراء ظهره فكما أنه ترك كتاب الله جل وعلا ظهريا ولم يقبل على كتاب الله جل وعلا فإنه يجازى بصفة أخذه لكتابه بأنه من شماله من وراء ظهره، قالوا فتخلع شماله حتى يكون أخذ ذلك الكافر أو المنافق للكتاب من وراء ظهره.
المقصود أن قوله: (وآخذٌ كتابه بشماله ومن وّراء ظهره) هؤلاء صنف واحد وليس بصنفين.
قال بعد ذلك (ويحاسب الله الخلائق ويخلو بعبده المؤمن)
الحساب هو المقصود من الإيمان باليوم الآخر، فإن الإيمان بالبعث معناه الإيمان بيوم يرجع فيه الناس إلى الله فيحاسبون فحقيقة الإيمان بالبعث هو الإيمان بالحساب لأنه ما ثم شيء إلا سيحاسب الله جل وعلا عبده عليه، وهذا الآيات فيه كثيرة في إثباته والأحاديث فإنكاره كفر بالله جل وعلا من أنكر الحساب يكون منكرا للبعث.
قال: (يحاسب الله الخلائق) قوله: (الخلائق) هذا ظاهر منه أنه يعم جميع الخلق ولكن هو من الظاهر العام المراد به الخصوص وهم خصوص المكلفون، خصوص من كلفه الله جل وعلا، إذ المحاسبة على ما عمل العبد من خير أو شر إنما هي للمكلف والمكلفون هم الإنس والجن فيحاسب الله الإنس ويحاسب الله الجن لأن الجن منهم المسلم ومنهم الكافر، منهم من يدخل الجنة ومنهم من يدخل النار كما قال جل وعلا في حور الجنة {لم يطمثهنّ إنسٌ قبلهم ولا جانٌّ} فدل على أن الجن والإنس يدخلون الجنة كذلك يدخلون النار.
فإذن قوله: (ويحاسب الله الخلائق) يعني المكلفين الجنة منهم والناس.

قال: (ويخلو بعبده المؤمن) هذا معنى المحاسبة أن الله جل وعلا (يخلو بعبده المؤمن فيقرّره بذنوبه كما وصف ذلك في الكتاب والسّنّة) والمحاسبة في ذلك المقام بالنسبة للمؤمن سرا، يخلو الله جل وعلا بالعبد سرا ولا يعلمه أحد لأنه إذا حوسب على الملأ فإن في ذلك فضيحة له، والله جل وعلا (يخلو بعبده المؤمن فيقرّره بذنوبه) كما ذكرت لكم من الأحاديث (أتعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا) فيقررً بالذنب ويقرر بالعمل وهذا معنى الحساب وكل واحد سيكلمه الله جل وعلا ليس بينه وبينه ترجمان كما ثبت ذلك في الأحاديث، وحساب الناس جميعا، حساب الخلائق جميعا في ذلك المقام حساب سريع فالله جل وعلا لا يشغله شأن عن شأن وليس حسابه لعباده كحساب المخلوقين قال سبحانه: {ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين} هو أسرع الحاسبين لتمام علمه وقدرته وقوته وهيمنته جل وعلا فيحاسب الناس، يحاسب المؤمنين ويحاسب الخلائق في وقت قصير قال بعضهم كلمحة بصر.
إذن محاسبة المؤمنين فيها تقرير العمل الصالح وتقرير العمل غير الصالح.
فيها تقريرهم بما لهم وما عليهم.
وأما الكفار فهل يحاسبون؟
قال رحمه الله (وأمّا الكفّار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيّئاته؛ فإنّه لا حساب لهم)
وذلك لقول الله جل وعلا: {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنًا} ولقوله جل وعلا: {وقدمنا إلى ما عملوا من عملٍ فجعلناه هباء مّنثورًا} فإنهم ليس عندهم حسنات حتى توازن حسناتهم وسيئاتهم.
والمقصود من المحاسبة هنا أن تعد عليهم أعمالهم، ما عملوه في الدنيا من خير وما عملوه من شر فتحصى فيوقفون عليه ويقرون بها ويجزون بها.



أما ما عملوا من خير فإن أعمال الكفار في الدنيا:
* منها ما يشترط فيه الإسلام والنية.
* ومنها ما لا يشترط فيه ذلك.
فأما ما يشترط فيه الإسلام فإنها لا تقبل منهم ولا تنفعهم لا في الدنيا ولا في الآخرة.
وأما ما لا يشترط فيه النية والإسلام كمثل حسن الخلق وكمثل التيسير على المعسر وكمثل العتق وصلة الرحم ونحو ذلك فإن هذه يجازون عليها في الدنيا.
فيبيّن لهم أن هذا ما لكم وأن هذا قد جوزيتم عليه لإظهار كمال عدل الله جل وعلا في خلقه.
فتبقى أعمالهم التي يظنون أنها تنفعهم في الدنيا أنها تنفعهم أعمالهم التي يظنون أنها صالحة من عبادات كانوا يتعبدون بها أو صلوات كانوا يصلونها أو دعوات كانوا يدعون بها فيجعلها الله جل وعلا هباء منثورا كما قال سبحانه: {وقدمنا إلى ما عملوا من عملٍ فجعلناه هباء مّنثورًا} يعني الأعمال التي يظنون أنها ستنفعهم في الآخرة وأما ما ينفع الكافر مما لا يشترط فيه الإسلام والنية فإنه ينفعه في الدنيا وأما في الآخرة فإنه يجعل هباء منثورا.
قال: (لا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيّئاته؛ فإنّه لا حساب لهم) يعني لا وزن، أراد بقوله: (لا حساب لهم) يعني لا وزن، والكافر لا يقام له يوم القيامة وزنا كما قال جل وعلا: {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنًا}.
ويكون بعد ذلك عد لأعمالهم، تحصى أعمالهم (يوقفون عليها ويقرّرون بها) هذا ما عملت جاءتك الأنبياء جاءتك الرسل - الأنبياء يعني الرسل - وبلغوك كما قال جل وعلا: {فلنسألنّ الّذين أرسل إليهم ولنسألنّ المرسلين (6) فلنقصّنّ عليهم بعلمٍ وما كنّا غآئبين (7) والوزن يومئذٍ الحقّ} الآيات.
قال بعد ذلك (وفي عرصة القيامة الحوض المورود للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم)
.....

ما في شك أن قوله: (يحاسب الخلائق) - يعني تنبيه جيد جزاك الله خير - (ويحاسب الله الخلائق) فيه من لا يحاسب أصلا وهم السبعون ألفا الذين لا حساب عليهم ولا عذاب الذين أتوا في الحديث المشهور قال عليه الصلاة والسلام عن أمته (وفيهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب) وهؤلاء هم الذين حققوا التوحيد وصفهم النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: (هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون) إشارة إلى صفات تدل على تحقيقهم للتوحيد، فهناك من لا حساب عليه ولا عذاب وهؤلاء هم السبعون ألفا.

موضوع مغلق

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الإيمان, بنشر

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:47 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir