السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مقصد المؤلف من الرسالة:
إن من أعظم التعاون على البر والتقوى هو التعاون على سفر الهجرة إلى الله ورسوله باليد واللسان والقلب والمساعدة والنصيحة تعليما وإرشادا ومودة
الجمل المهمة في الرسالة:
بدأ المؤلف بمقدمة اشتملت على جميع مصالح العباد في معاشهم ومعادهم وبيان أن العبد لا ينفك عن حالتين: إما أن يتعامل بينه وبين غيره من البشر ويجتمعوا فيكون الواجب عليه في هذه الحال أن يكون اجتماعه بهم وصحبته لهم تعاونا على مرضاة الله وطاعته التي هي غاية سعادة العبد وفلاحه ولا سعادة له إلا بها وهي البر والتقوى اللذان هما جماع الدين كله
وأن لا يكون اجتماعه بهم وصحبته لهم تعاونا على الإثم والعدوان
سناده: (وتعاونوا على البر والتقوى ولاتعاونوا على الإثم والعدوان)
مع بيانه لمعنى البر والتقوى وبيانه لمعنى الإثم والعدوان
والحالة الثانية: أن يتعامل مع ربه فيكون الواجب عليه إيثار طاعته سبحانه وتجنب معصيته
سناده: ( واتقوا الله إن الله شديد العقاب)
ثم شرع في بيان الوسيلة المعينة للعبد على أداء واجبه تجاه ربه وذلك بالهجرة إلى الله ورسوله ، وبين أن حكمها فرض عين على كل أحد وفي كل وقت وهي مطلوب الله ومراده من العباد
وبدأ أولا في بيان الهجرة إلى الله تعالى وأنها هي معنى الفرار منه إليه، وأنها هجرة إليه بإقامة التوحيد ، فأما الفرار إليه فهي هجرة تتضمن ( من ) و ( إلى ) فيهاجر بقلبه من محبة غير الله إلى محبته ، ومن عبودية غيره إلى عبوديته وهذا يتضمن إفراده بالطلب والعبودية ولوازمها فهو متضمن لتوحيد الإلهية التي اتفقت عليها دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين
وأما الفرار منه إليه فهو متضمن لتوحيد الربوبية وإثبات القدر ، فهو فار مما أوجده قدر الله ومشيئته وخلقه إلى ما تقتضيه رحمته وبره ولطفه وإحسانه ،
وهي تمثل هجران ما يكرهه الله وإتيان ما يحبه ويرضاه
سناده: حديث ( واعوذ بك منك ) وحديث( لا ملجأ ولا منجي منك إلا إليك)
وحديث( المهاجر من هجر ما نهى الله عنه )
وتعليله: فان المهاجر من شئ إلى شئ لابد أن يكون ما هاجر إليه
أحب مما هاجر منه ، فيؤثر احب الأمرين إليه على الآخر .
ثم ثنى في بيان الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين مشقة ذلك على غير المشتاق وبين حدها: سفر النفس في كل مسالة من مسائل إلايمان ، ومنزل من منازل القلوب ، وحادثة من حوادث الاحكام إلى معدن الهدى ، ومنبع النور الملتقى من فم الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم
سناده: الآيات التالية
1-( لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى)
2-{ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما }
وبين أن الله تعالى أقسم بأجل مقسم به - وهو نفسه عز وجل - على أنه لا يثبت لهم الإيمان ، ولا يكونون من أهله ، حتى يحكموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع موارد النزاع في جميع أبواب الدين . ولم يقتصر على هذا حتى ضم إليه انشراح صدورهم بحكمه، ثم لم يقتصر سبحانه على ذلك حتى ضم إليه تسليمهم وخضوعهم له وانقيادهم لما حكم به طوعا ورضاً.
3- ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم )
وبين أن ذلك دليل على أن من لم يكن الرسول أولى به من نفسه فليس من المؤمنين وأن هذه الأولوية تتضمن أموراً : منها : أن يكون احب إلى العبد من نفسه ، ويلزم من هذه الأولوية والمحبة كمال الانقياد والطاعة والرضا والتسليم وسائر لوازم المحبة من الرضا بحكمه والتسليم لأمره وإيثاره على ما سواه .
ومنها : أن لا يكون للعبد حكم على نفسه أصلاً بل الحكم على نفسه للرسول صلى الله عليه وسلم ولا تثبت هذه الأولوية إلا بعزل كل ما سواه وتوليته في كل شئ وعرض ما قاله كل أحد سواه على ما جاء به
4- { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم}
وبين أنها دليل على انه إذا ثبت لله ورسوله في كل مسالة من المسائل حكم طلبي أو خبري ، فإنه ليس لأحد أن يتخير لنفسه غير ذلك الحكم فيذهب إليه ، وأن ذلك ليس لمؤمن ولا مؤمنة أصلاً ، فدل على أن ذلك مناف للإيمان .
ذكره للإجماع على ذلك
5- { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا ، فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين }
فأخبر سبحانه أن الهداية في طاعة الرسول لا في غيرها ، فإنه معلق بالشرط فينتفي بانتفائه
6-{ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير واحسن تأويلا } فأمر سبحانه بطاعته وطاعة رسوله ، وافتتح الآية بالنداء باسم الإيمان المشعر بأن المطلوب منهم من موجبات الاسم الذي نودوا به وخوطبوا به ، وقرن بين طاعة الله والرسول ،وفي ذلك إشارة إلى طاعة الرسول مفردة ومقرونة .وفي قولهتعالى { فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر } دليل قاطع على أنه يجب رد موارد النزاع في كل ما تنازع فيه الناس من الدين كله إلى الله ورسوله لا إلى أحد غير الله ورسوله
7- قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم : { قل إن ضللت فإنما أضلُ على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلى ربي انه سميع قريب } فهذا نص صريح في أن هدي الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يحصل بالوحي ، فلا سبيل للهدى بغير هداه
8-{ المص * كتاب انزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتندر به وذكرى للمؤمنين ، اتبعوا ما انزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون }
فأمر سبحانه باتباع ما أنزل على رسوله ونهي عن اتباع غيره
9-{ ويوم يعض الظالم على يديه ، يقول : يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ياويلتى ليتني لم أتخد فلاناً خليلاً لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني . وكان الشيطان للإنسان خذولا } فكل من اتخذ غير الرسول ، يترك لأقواله وآرائه ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فانه قائل هذه المقالة لا محالة
10-{ يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسول . وقالوا ربنا أنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا . ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيرا }
تمنى الكفار طاعة الله ورسوله حين لا ينفعهم ذلك واعتذروا بأنهم أطاعوا كبراءهم ورؤساءهم واعترفوا بأنهم لا عذر لهم في ذلك
11-{ فمن اظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته ، أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا : أينما كنتم تدعون من دون الله ؟ قالوا : ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم انهم كانوا كافرين . قال : ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار ، كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم : ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفاً من النار . قال : لكل ضعف ولكن لا تعلمون . وقالت : أولاهم لأخراهم : فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون )
فذكر الصنفين المبطلين: أحدهما منشئ الباطل والفرية وواضعها وداعي الناس إليها والثاني : مكذب بالحق
ثم شرع المؤلف في بيان أقسام الناس تجاه الهجرة إلى الله ورسوله، وبين أنهم قسمان: سعداء أتباعا ومتبوعين ، وأشقياء أتباعا ومتبوعين
سناده: في حق الأشقياء قوله تعالى { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب . وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا . كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار }
وسناده في حق السعداء قوله تعالى {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه }
وقوله { هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ، وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم . ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم } .
وقول النبي صلى الله عليه وسلم : " مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فانبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها أجادب أمسكت الماء فسقى الناس وزرعوا ، وأصاب طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في الدين فنفعه ما بعثني الله به و مثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به .
وقوله تعالى { والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء }
ثم شرع في بيان زاد المهاجر إلى الله ورسوله وبيان مركبه وطريقه
فزاده العلم الموروث من خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم ولا زاد له سواه
وأما طريقه: فهو بذل الجهد واستفراغ الوسع ولا سبيل إلى ذلك إلا بأمرين :
أحدهما : أن لا يصبو في الحق إلى لوم لائم
سناده التعليل: بأن اللوم يصيب الفارس فيصرعه عن فرسه ويجعله صريعا في الأرض
والثاني : أن تهون عليه نفسه في الله
سناده التعليل أنها متى خافت النفس تأخرت و أحجمت وأخلدت إلى الأرض
وبين أنه لا يتم له هذان الأمران إلا بالصبر
وأما مركبه: فصدق اللجأ إلى الله وانقطاع إليه بكليته وتحقيق الافتقار إليه بكل وجه والضراعة إليه وصدق التوكل والإستعانة به والانطراح بين يديه
ورأس الأمر وعموده في ذلك إنما هو دوام التفكر وتدبر آيات الله حيث تستولي على الفكر وتشغل القلب فإذا صارت معاني القرآن مكان الخواطر من قلبه، فحينئذ يستقيم له سيره ويتضح له الطريق
سناده: ما ضربه مثالا على تدبر القرآن من تدبر الآيات التي تحدثت عن إبراهيم عليه السلام وأضيافه
ثم شرع في بيان حاجة قلب المهاجر السائر في طريق سفره إلى رفيق يأنس به في السفر ، فبين أن من أراد السفر فعليه بمرافقة الأموات الذين هم في العالم أحياء ، فإنه يبلغ بمرافقتهم إلى مقصده ، وليحذر من مرافقة الأحياء الذين هم في الناس أموات ، فإنهم يقطعون عليه طريقه
وبين المؤلف أن من انصرفت همته لمصاحبة الأموات الذين هم في العالم أحياء أنك تجده مع الناس غريبا محبوبا، فهو يتعامل معهم في اتجاهين:
1- ما يكون منهم إليه: فتجده حسن المعاشرة مع الخلق، يقيم لهم المعاذير ما استطاع ويعرض عما يتلقاه من أذى جاهلهم ويترك الانتقام لنفسه والانتصار لها
سناده: { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين }
2- ما يكون منه إليهم: فتجده يأمرهم بالمعروف بقدر جهده وطاقته
ولا يتم له هذا الأمر إلا بثلاثة أشياء:
أحدها : أن يكون العود طيباً
الثاني : أن تكون النفس قوية غالبة قاهرة لدواعي البطالة والغي
والهوى
الثالث : علم شاف بحقائق الأشياء وتنزيلها منازلها