المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : 4- الاستصلاح


عبد العزيز الداخل
02 Apr 2010, 08:41 صباحاً
الاستصلاح
و (الاستصلاح) وهو اتباع المصلحة المرسلة من جلب منفعة أو دفع مضرة من غير أن يشهد لها أصل شرعي .
وهي إما (ضرورية) كقتل الكافر المضل ، وعقوبة المبتدع حفظاً للدين، والقصاص حفظاً للنفس ، وحد الشرب حفظاً للعقل ، وحد الزنا حفظاً للنسب ، والقطع حفظاً للمال ، فذهب مالك وبعض الشافعية إلى أن هذه المصلحة حجة ، والصحيح أنه ليس بحجة .
وإما (حاجيّة) كتسليط الولي على تزويج الصغيرة لتحصيل الكفء خيفة الفوات.
أو (تحسينية) كالولي في النكاح صيانة للمرأة عن مباشرة العقد الدال على الميل إلى الرجال ، فهذان لا يتمسك بهما بدون أصل ، بلا خلاف .

ساجدة فاروق
05 Apr 2010, 01:52 مساء
و(الاستصلاح) وهو اتباع المصلحة المرسلة من جلب منفعة أو دفع مضرة من غير أن يشهد لها أصل شرعي و(هي) إما ضروري كقتل الكافر المضل، وعقوبة المبتدع الداعي حفظاً للدين، والقصاص حفظاً للنفس، وحد الشرب حفظاً للعقل، وحد الزنا حفظاً للنسب، والقطع حفظاً للمال، فذهب مالك وبعض الشافعية إلى أن هذه المصلحة حجة، والصحيح أنه ليس بحجة.
4 ـ الاستصلاح
قوله: (والاستصلاح) أي: والأصل الرابع من الأصول المختلف فيها: الاستصلاح، وهو من أهم هذه الأصول الأربعة من حيث دقة البحث وسعة الجوانب، وشدة الحاجة المتجددة، وحقيقة المصلحة[(850)].
والاستصلاح لغةً: طلب الإصلاح، مثل: الاستفسار طلب التفسير.
قوله: (وهو اتباع المصلحة المرسلة) هذا تعريف الاستصلاح عند الأصوليين، والمصلحة في اللغة: على وزن مفعلة، وهي كالمنفعة وزناً ومعنى، فهي مصدر بمعنى الصلاح، كالمنفعة بمعنى النفع، أو هي اسم للواحدة من المصالح، وقد ذكر ابن منظور الوجهين فقال: (والمصلحة: الصلاح، والمصلحة واحدة المصالح)[(851)].
والمرسلة: من الإرسال بمعنى الإطلاق، أي: أطلقها الشرع، فلم يقيدها باعتبار ولا بإلغاء، كما سيأتي ـ إن شاء الله ـ.
والمراد باتباعها: بناء الأحكام الفقهية على مقتضى المصالح المرسلة التي تحقق نفعاً للعباد، مما يلائم تصرفات الشارع ومقاصده، ودلت نصوصه وأصوله على لزوم مراعاتها والنظر إليها.
قوله: (من جلب منفعة أو دفع مضرة) هذا تعريف المصلحة اصطلاحاً، فهي في الأصل عبارة عن جلب منفعة أو دفع مضرة.
وهذا تعريف عام للمصلحة التي لا خلاف فيها بين الفقهاء؛ إذ جميعهم يؤمنون بأن الرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ: (بعثت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها)[(852)].
وجميع شرائع الدين ترجع إلى تحقيق ثلاث مصالح:
الأولى: درء المفاسد، وشُرِعَ لها حفظ (الضروريات) وهي ستة: الدين، والنفس، والمال، والنَّسل، والعِرض، والعقل، وقد انتقد شيخ الإسلام ابن تيمية من يقصر المصالح في هذه الضروريات بدفع ما يفسدها فحسب، وإغفال حفظها بشرع ما ينميها ويكملها من العبادات الباطنة والظاهرة[(853)]، ولعله يأتي لذلك زيادة ـ إن شاء الله ـ.
الثانية: جلب المصالح، وشُرِعَ لها ما يرفع الحرج عن الأمة في العبادات والمعاملات وغيرها وهي المعبّر عنها بـ«الحاجيات».
الثالثة: الجري على مكارم الأخلاق وأحسن العادات، وهذا ما يعرف بـ«التحسينيَّات».
يقول العزُّ بن عبد السلام رحمه الله: (الشريعة كلها مصالح، إما تدرأ مفاسد، أو تجلب مصالح، فإذا سمعت الله يقول: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}} فتأمل وصية الله بعد ندائه، فلا تجد إلا خيراً يحثك عليه، أو شراً يزجرك عنه، أو جمعاً بين الحث والزجر، وقد أبان الحق تبارك وتعالى في كتابه ما في بعض الأحكام من المفاسد، حثاً على اجتناب المفاسد، وما في بعض الأحكام من المصالح حثاً على إتيان المصالح)[(854)].
قوله: (من غير أن يشهد لها أصل شرعي) هذا قيد في التعريف يفيد أن المصلحة المرسلة لم يشهد لها نص معين من الشرع باعتبار ولا إلغاء، ولكنها تفهم من مقاصد الشريعة وعموماتها، فلذلك سميت مصلحة مرسلة.
وعبارة المصنف تفيد أن المصلحة باعتبار شهادة الشرع لها ثلاثة أقسام:
1 ـ ما شهد الشرع باعتبارها، فهي مصلحة، لكن ليست مرسلة.
2 ـ ما شهد الشرع بإلغائها.
3 ـ ما سكت عنها الشرع، فلم يرد فيها دليل خاص باعتبار ولا إلغاء، وهذه هي المرسلة.
فالقسم الأول: هي المصلحة المعتبرة، ولا خلاف في صحتها؛ لأن الشرع شهد لها بالاعتبار بدليل معين من نص أو إجماع أو قياس، كالاستدلال على إعطاء الذكر مثل حظ الأنثيين في الميراث بقوله تعالى: {{يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ}} [النساء: 11] .
وكدلالة قوله تعالى: {{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيْضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ}} [البقرة: 222] على وجوب اعتزال النساء حال النفاس، أو حال النزيف؛ قياساً على وجوب الاعتزال في الحيض[(855)].
أمَّا القسم الثاني: فهي الملغاة، وهي مقابلة: لـ«المصلحة المعتبرة» فهذه وإن سميت مصلحة إلا أن الشارع ـ وهو أعلم ـ ألغى اعتبارها، وهذه لا خلاف بين أهل العلم في أنه لا يجوز بناء الأحكام عليها، كقول من يقول: إن الموسر كالمَلِكِ ونحوه، يتعين عليه الصوم في كفارة الوطء في رمضان، ولا يخير بينه وبين العتق والإطعام؛ لأن فائدة الكفارة الزجر عن الجناية على العبادة، ومثل هذا لا يزجره العتق ولا الإطعام لكثرة ماله، فيسهل عليه أن يعتق رقاباً في قضاء شهوته، وقد لا يسهل عليه صوم ساعة، فيكون الصوم أزجر له، فيتعين.
فهذا وإن كان مصلحة إلا أنه مُلْغَى غير معتبر؛ لأنه تغيير للشرع بالرأي وهو غير جائز، فإنه عُلم من الشرع وجوب تقديم العتق على من قدر عليه، ولو أراد الزجر بما تقدم لنبَّه عليه.
ومثاله ـ أيضاً ـ ما لو قال قائل: تحرم زراعة العنب، لمصلحة منع عصره واتخاذه خمراً، وتجوز التجارة بالخمر قصداً لما فيها من المنافع، ويسوى بين الذكر والأنثى في الميراث، لتوهم المصلحة في ذلك، لحاجة الأنثى، ولتساويهما في القرابة، فهذا كله باطل؛ لدلالة الشرع على بطلانه بالنص والإجماع[(856)].
أمَّا القسم الثالث: وهي ما سكت عنها الشرع وليس لها نظيرٌ منصوصٌ على حكمه حتى نقيسها عليه، وفيها وصف مناسب لتشريع حكم معين من شأنه أن يحقق منفعة أو يدفع مفسدة، فهذا الأمر المناسب يسمى: المصلحة المرسلة. ووجه أنه مصلحة: هو أن بناء الحكم عليه مظنة دفع ضرر، أو جلب نفع، وإنما سميت مرسلة: لما تقدم من أن الشرع أطلقها، فلم يقيدها باعتبار ولا إلغاء.
قوله: (وهي) أي: المصلحة من حيث هي ثلاثة أضرب، ومراد المصنف تقسيم المصلحة من حيث ما تحققه من مقصود شرعي.
قوله: (إمَّا ضروري) هذا الضرب الأول ، من المصالح، وهي المصالح الضرورية، وهو ما تصل الحاجة إليه إلى حد الضرورة [(857)] بمعنى أن ذلك من ضرورات سياسة العالم وبقائه وانتظام أحواله، ولا غنى للعباد عنه، وهو ما عرف التفات الشرع إليه والعناية به، كالضرورات الخمس، وهي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسب، والمال، وزاد بعضهم العرض، كما تقدم.
قوله: (كقتل الكافر المضل وعقوبة المبتدع الداعي حفظاً للدين) أي: إن الأولى من الضروريات حفظ الدين، وذلك بقتل الكافر، وعقوبة المبتدع الداعي إلى بدعته. قال تعالى: {{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ}} [البقرة: 193] ، وقال صلّى الله عليه وسلّم: «من بدل دينه فاقتلوه» [(858)].
قوله: (والقصاص حفظاً للنفس) هذه الضرورة الثانية ، وهي: حفظ النفس، وذلك بمشروعية القصاص. قال تعالى: {{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ}} [البقرة: 179] .
قوله: (وحد الشرب حفظاً للعقل) هذه الضرورة الثالثة ، وهي: حفظ العقل، وذلك بتحريم المسكرات ونحوها، قال تعالى: {{إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسَرِ}} [المائدة: 91] ، وقال صلّى الله عليه وسلّم: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام» [(859)]، وبمشروعية حد الشرب، كما ثبت في السنة.
قوله: (وحد الزنا حفظاً للنسب) هذه الضرورة الرابعة ، وهي: حفظ النسب، وذلك بوجوب حد الزنا. قال تعالى: {{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ}} [النور: 2] ، وكذا حفظ العرض، وذلك بوجوب حد القذف كما قال تعالى: {{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً}} [النور: 4] .
قوله: (والقطع حفظاً للمال) هذه الضرورة الخامسة ، وهي: حفظ المال، وذلك بقطع السارق وتضمينه، وتضمين الغاصب، قال تعالى: {{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا}} [المائدة: 38] ، وقال صلّى الله عليه وسلّم: «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام...» [(860)].
وقد قصر المصنف ـ كغيره من الأصوليين ـ المحافظة على هذه الضرورات على الحدود والقصاص، بينما يرى الشاطبي، وتبعه ابن عاشور ـ رحمهما الله ـ أن الشرع حافظ عليها بمراعاة أمرين:
أحدهما: ما يقيم أركانها، ويثبت قواعدها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود، ومَثَّلَ لذلك بالإيمان، والنطق بالشهادتين، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج وما أشبه ذلك، فإنها تهدف إلى حفظ الدين من جانب الوجود، وما شرعه الإسلام من تناول المأكولات والمشروبات والملبوسات والمسكونات يهدف إلى حفظ النفس والعقل من جانب الوجود، والمعاملات راجعة إلى حفظ النسل والمال من جانب الوجود ـ أيضاً ـ.
وثانيهما: ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها، وذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وشرع الحدود والعقوبات[(861)].
قوله: (فذهب مالك وبعض الشافعية إلى أن هذه المصلحة حجة) اختلف العلماء في هذا الضرب من المصلحة هل هو حجة؟ على قولين:
فذهب مالك، وأبو حنيفة[(862)]، وبعض الشافعية[(863)]، والحنابلة إلى أن هذا النوع من المصلحة حجة. واستدلوا بما يلي:
1 ـ أن الشريعة ما وُضِعَتْ إلا لتحقيق مصالح العباد في الدارين، والأخذ بالمصلحة المرسلة يتفق وطبيعة الشريعة والأساس الذي قامت عليه والغرض الذي جاءت من أجله.
2 ـ أن جزئيات مصالح العباد لا تتناهى، فإنها تتغير باختلاف الظروف والأحوال والأزمان، فما لم يرد في الكتاب والسنة منها، فالأصل أن تراعى فيه قواعد الإسلام من جلب المصالح ودفع المفاسد.
3 ـ أن الصحابة رضي الله عنهم ومن جاء بعدهم بنوا اجتهادهم على رعاية المصلحة، وبناءُ الأحكام عليها من غير نكير دليلٌ على صحة هذا الأصل، وصواب هذا الاتجاه.
وستأتي أمثلة على ذلك ـ إن شاء الله تعالى ـ.
لكن ذلك خاص بالمعاملات، وما يدرك وجهه مما يتعلق بمصالح العباد، أمَّا العبادات فلا يجري فيها العمل بـ(المصلحة المرسلة) اتفاقاً؛ لأن الأمر فيها مبني على النص، فالأصل فيها التوقيف[(864)].
قوله: (والصحيح أنه ليس بحجة) هذا القول الثاني: وهو أن هذا الضرب ليس بحجة، ونسبه صاحب «شرح التحرير» إلى الأكثر[(865)]، ودليلهم أن الشريعة قد راعت مصالح العباد في تشريعها، فما غفلت عن مصلحة ولا تركتها بدون تشريع، فالقول بالمصلحة المرسلة استدراك على الشرع، وفتح للباب، ليقول من شاء ما شاء.
والقول الأول أرجح؛ لقوة مأخذه، على أن الذين أنكروا حجية المصلحة المرسلة قد جاء في فقههم اجتهادات قامت على أساس هذه المصلحة، ولهذا ذكر القرافي رحمه الله أن عامة العلماء يحتجون بالمصلحة المرسلة التي من هذا القسم[(866)]. وقال لما ذكر المصالح المرسلة: (والمشهور اختصاص المالكية بها، وليس كذلك، فإن العلماء في جميع المذاهب يكتفون بمطلق المناسبة، ولا معنى للمصلحة المرسلة إلا ذلك)[(867)].
أمَّا ما استدل به أصحاب القول الثاني فهو وإن كان مقبولاً في ظاهره، لكنه ضعيف عند التأمل؛ إذ لا ريب أن الشريعة قد راعت مصالح العباد، وشرعت من الأحكام ما يحقق ذلك، ولكنها لم تنص على جميع جزئيات المصالح على امتداد الزمان؛ لأنها تتغير وتتبدل، وإنَّما نصت على بعضها واستفيد الآخر من مقاصد الشريعة وعموماتها، وهذا ثابت لا يتغير.
هذا وقد ذكر المالكية ـ وهم أكثر الفقهاء أخذاً بالمصالح ـ شروطاً وضوابط للاحتجاج بالمصلحة المرسلة. وهذه الشروط هي:
1 ـ أن تكون المصلحة ملائمة لمقاصد الشرع، فلا تخالف أصلاً من أصوله، ولا تنافي دليلاً من أدلة أحكامه، بل تكون من جنس المصالح التي قصد الشارع تحصيلها، فلا يترك تحديد ما هو مصلحة أو مفسدة للبشر؛ لقصورهم عن ذلك.
2 ـ أن تكون معقولة في ذاتها تتلقاها العقول السليمة بالقبول؛ لكونها جرت على الأوصاف المناسبة المعقولة.
3 ـ أن يكون الأخذ بها لحفظ ضروري، كحفظ الدين والأنفس والأموال، أو لرفع حرج؛ لأن الله تعالى يقول: {{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}} [الحج: 78] .
وهذه شروط معقولة تجعل الأخذ بهذا الأصل من الأصول صحيحاً، لا يخضع لأحكام الأهواء والشهوات باسم المصالح[(868)].
وقد ورد أن الصحابة رضي الله عنهم أخذوا بهذا المسلك وبنوا الأحكام عليه[(869)] فجمعوا القرآن في مصحف واحد، وهذا لا نص عليه، وإنَّما اقتضته مصلحة حفظ الدين، كما قرروا تضمين الصنّاع مع أن الأمين لا يضمن، لكن لمصلحة حفظ أموال الناس وعدم التساهل فيها.
ومن أمثلة المصالح ـ أيضاً ـ أن الصحابة رضي الله عنهم اتفقوا على جلد شارب الخمر ثمانين جلدة تعزيراً؛ لأنهم رأوا أن الشريعة لم تأت فيه بحد مقدر، فاستندوا إلى المصلحة في ذلك، وهي درء المفسدة، لا سيما في زمن عمر رضي الله عنه، من أجل حفظ ضروريٍّ وهو العقل[(870)].
ومن الأمثلة ـ أيضاً ـ: ما يتعلق بالنظافة العامة والخاصة، وشق الطرق، وتعبيدها، ونزع الملكيات للصالح العام، وتنظيم المرور، ونحو ذلك مما يؤخذ من نصوص الشريعة ومقاصدها[(871)]، وهذه المصالح منها ما هو ضروري، ومنها ما هو حاجيّ تدعو إليه الحاجة والتوسعة على الناس، كما سيأتي قريباً ـ إن شاء الله ـ.
ولا ريب أن المصلحة إذا كانت ملائمة لمقاصد الشرع ومن جنس ما أقره من المصالح فالأخذ بها موافقة لمقاصده.
وإذا لم تكن كذلك فهي كما يقول ابن تيمية رحمه الله: (هذا فصل عظيم ينبغي الاهتمام به، فإنه من جهته حصل في الدين اضطراب عظيم، وكثير من الأمراء والعلماء والعباد رأوا مصالح فاستعملوها بناء على هذا الأصل ـ أي المصلحة المرسلة ـ، وقد يكون منها ما هو محظور في الشرع ولم يعلموه، وربما قُدِّم على المصلحة المرسلة كلامٌ بخلاف النصوص، وكثير منهم من أهمل مصالح يجب اعتبارها شرعاً، بناء على أن الشرع لم يرد بها، ففوَّت واجبات ومستحبات، أو وقع في محظورات ومكروهات، وقد يكون الشرع ورد بذلك ولم يعلمه).
ثم بيّن رحمه الله أن الشريعة لم تهمل مصلحة قط، وكل ما يظنه العباد مصلحة لا بد أن يجدوه في الشريعة إذا حققوا النظر[(872)]، فيقول: (والقول الجامع أن الشريعة لا تهمل مصلحة قط، بل الله تعالى قد أكمل لنا الدين وأتم النعمة، فما من شيء يقرب إلى الجنة إلا وقد حدثنا به النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم.. لكن ما اعتقده العقل مصلحة وإن كان الشرع لم يرد به فأحد الأمرين لازم له: إمَّا أن الشرع دل عليه من حيث لا يُعلم، أو أنه ليس بمصلحة وإن اعتقده مصلحة؛ لأن المصلحة هي المنفعة الحاصلة أو الغالبة، وكثيراً ما يتوهم الناس أن الشيء ينفع في الدين والدنيا، ويكون فيه منفعة مرجوحة بالمضرة...)[(873)].
وإما (حاجي) كتسليط الولي على تزويج الصغيرة لتحصيل الكفء خيفة الفوات. أو (تحسيني) كالولي في النكاح صيانة للمرأة عن مباشرة العقد الدال على الميل إلى الرجال، فهذان لا يتمسك بهما بدون أصل، بلا خلاف.
قوله: (وإمَّا حاجي) هذا هو الضرب الثاني من المصالح المرسلة، وهو الحاجي، نسبة إلى الحاجة، وهو الذي تدعو إليه الحاجة، والتوسعة على الناس ورفع الحرج، وإن كانت لا تصل إلى رتبة الضروريات، والحاجيات جارية في العبادات كالرخص للمريض والمسافر، وفي العادات مثل: إباحة الصيد، والتمتع بالحلال من الطيبات التي يمكن أن يستغني عنها الإنسان ولكن بشيء من المشقة، وفي المعاملات كتشريع عقد الاستئجار، والمساقاة والقراض والسَّلَم، وفي الجنايات كالقسامة، وضرب الدية على العاقلة[(874)].
قوله: (كتسليط الولي على تزويج الصغيرة لتحصيل الكفء خيفة الفوات) هذا مثال المصنف لما يقع في رتبة الحاجيات، وهو تسليط الولي على تزويج الصغيرة ليختار لها الكفء، فإن هذا وإن كان لا ضرورة إليه، لكنه يُحتاج إليه لتحصيل الكفء خوفاً من فواته.
قوله: (أو تحسيني) هذا هو الضرب الثالث من المصالح، وهو التحسيني، نسبة إلى التحسين والتزيين، وهو ما ليس ضرورياً ولا حاجياً، ولكن مراعاته من مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، وهو جارٍ في العبادات مثل: إزالة النجاسة، وأخذ الزينة، والتقرب بالنوافل، وفي المعاملات كالمنع من بيع النجاسات والكلأ، وفي العادات كآداب الكلام، والطعام، والشراب، وكالاعتدال في المظاهر، والاقتصاد في المصارف دون إسراف ولا تقتير، ونحو ذلك، وفي الجنايات كمنع قتل الحر بالعبد، أو قتل النساء والصبيان والرهبان في الجهاد، وقد يكون التحسيني مطلوباً شرعاً على سبيل الحتم والإيجاب، كستر العورة [(875)].
قوله: (كالولي في النكاح صيانة للمرأة عن مباشرة العقد) هذا مثال المصنف للتحسيني، وهو اعتبار الولي في عقد النكاح صيانة للمرأة عن مباشرة العقد بنفسها؛ لأنها لو باشرت عقد نكاحها لكان ذلك مشعراً بما لا يليق بالمروءة من قلة الحياء، وتوقان نفسها إلى الرجال، فمنعت من ذلك حملاً للخلق على أحسن المناهج، وأجمل السير.
قوله: (فهذان لا يتمسك بهما بدون أصل، بلا خلاف) أي: إنه لا يجوز التمسك بالضرب الثاني والثالث، ولا بناء الأحكام عليهما من غير أصل من أصول الشريعة يشهد لهما بالاعتبار، فلا يجوز للمجتهد كلما لاحت له مصلحة تحسينية أو حاجية اعتبرها ورتّب عليها الأحكام، حتى يجد لاعتبارها شاهداً من جنسها، وإلا لزم على ذلك وضع الشرع بالرأي، لأن الناس يختلفون في تقدير الحاجات، وما يراه بعض الناس حسناً قد يراه آخرون قبيحاً، كما يلزم عليه استواء العامي والعالم؛ لأن كل واحد يعرف مصلحة نفسه الواقعة موقع التحسين أو الحاجة، ثم لو جاز ذلك لاسْتُغْنِيَ عن بعثة الرسل؛ لأن العقل كافٍ في التأديب ومعرفة الأحكام، وهذا وما قبله من اللوازم الباطلة.
وقول المصنف: (بلا خلاف) تبع فيه ابن قدامة، وفيه نظر، فإن الإمام مالكاً يراعي المصلحة المرسلة في الحاجيات، كما يراعيها في الضروريات[(876)].
وينبغي أن يعلم أنه إذا تساوت مصلحة الفعل ومفسدته رُجِّحَ جانب المفسدة فيُدرأ الفعل؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
واعلم أن الأحكام التي شرعت لصيانة الضروريات هي أهم الأحكام وأحقها بالمراعاة، وتليها الأحكام المشروعة لضمان الحاجيات، ثم الأحكام المشروعة للتحسين والتكميل.
ولا يراعى حكم تحسيني إذا كان في مراعاته إخلال بما هو ضروري أو حاجي؛ لأن الفرع لا يراعى إذا كان في مراعاته والمحافظة عليه تفريط في الأصل، ولذا أبيح شرعاً كشف العورة عند الاقتضاء لأجل تشخيص داء أو لمداواة أو عملية جراحية ضرورية؛ لأن ستر العورة من الأمور التحسينية المطلوبة على سبيل الوجوب ـ كما مضى ـ أمَّا العلاج فمن الضروريات؛ لأن به صيانة النفس أو العقل أو النسل[(877)]، والله أعلم.