المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : معلقة امرئ القيس بن حجر


حفيدة بني عامر
10 Dec 2008, 09:20 صباحاً
معلقة امرئ القيس ابن حجر


1- قِفَا نَبْكِ مِن ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ = بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَّوْمَلِ
2- فَتُوضِحَ فَالمِقْرَاةِ لَمْ يَعْفُ رَسْمُهَــا = ِلمَا نَسَجَتْهَا مِنْ جَنُوبٍ وَشَمْــأَلِ
3- تَرَى بَعْرَ الْآرَامِ فِي عَرَصَـاتِهَــا = وَقِيعـَـانِهَا كَأَنَّهُ حَبُّ فُلْفُــلِ
4- كَأَنِّي غَدَاةَ البَيْنِ يَــوْمَ تَحَمَّلُـوا = لِدَى سَمُـرَاتِ الحَيِّ نَاقِفُ حَنْظَـلِ
6- وُقُوفًا بِهَا صَحْبَيَّ عَلَيَّ مَطِيَّهُــمْ = يَقُــولُونَ لَا تَهْلِكْ أَسًى وَتَجَمَّــلِ
7- وَإِنَّ شِفَــائِيَ عَــبْرَةٌ مُهْـرَاقَةٌ = فَهَلْ عِنْدَ رَسْـِمٍ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ
8- كَدَأْبِكَ مِن أُمِّ الحُـوَيْرِثِ قَبْلَهَـا = وَجَـارَتِهَا أُمِّ الرَّبَــابِ بِمَأْسَـلِ
9- إِذَا قَامَتَا تَضَـوَّعَ المِسْـكُ مِنْهُمَا = نَسِيمَ الصَّبَا جَاءَتْ بِرَيَّا القَـرَنْفُلِ
10- فَفَاضَـتْ دُمُـوعُ العَيْنِ مِنِّي صَبَابَةً = عَلَى النَّحْـرِ حَتَّى بَلَّ دَمْعِـيَ مِحْمَلِي
11- أَلَا رُبَّ يَـوْمٍ لَكَ مِنْـهُنَّ صَـالِحٍ = وَلَا سِيَّمَـا يَـوْمٍ بِـدَارَةِ جُلْجُلِ
12- وَيَـوْمَ عَقَـرْتُ لِلْعَـذَارَى مَطِيَّتِي = فَيَا عَجَبًا مِن رَحْـلِهَا المُتَحَمَّـلِ
13- فَظَـلَّ العَـذَارَى يَرْتَمِينَ بِلَحْمِهَـا = وَشَحْـمٍ كَهُدَّابِ الدِّمَقْسِ المُفَتَّلِ
14- وَيَـوْمَ دَخَلْتُ الخِـدْرَ خِدْرَ عُنَيْزَةٍ = فَقَالَتْ: لَكَ الوَيْلَاتُ إِنَّكَ مُرْجِـلِي
15- تَقُـولُ وَقَدْ مَالَ الغَبِيـطُ بِنَا مَعـًا = : عَقَـرْتَ بَعِيرِي يِا امْرَأَ القَيْسِ فَانْزِلِ
16- فَقُلْتُ لَهَا: سِـيرِي وَأَرْخِـي زِمَامَهُ = وَلَا تُبْعِـدِينِي مِنْ جَنَـاكِ المُعَلَّلِ
17- فِمِثْلُكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقْتُ وَمُرْضِـعٍ = فَأَلْهَيْتُهَا عَنْ ذِي تَمَـاتِمَ مُحْــوِلِ
18- إِذَا مَا بَكَى مِن خَلْفِهَا انْصَرَفَتْ لَهُ = بِشِـقٍّ وَتَحْـتِي شِقُّـهَا لَمْ يُحَـوَّلِ
19- أَفَاطِمَ مَهْلًا بَعْـَض هَـذَا التَّـدَلُّلِ = وَإِنْ كُنْتِ قَدْ أَزْمَعْتِ صَرْمِي فَأَجْمِلِي
20- أَغَـرَّكِ مِنِّي أَنَّ حُبَّـكَ قَاتِـلِي = وَأَنَّكِ مَهْمَا تَأْمُرِي القَلْبَ يَفْعَـلِ
21- وَإِنْ تَكُ قَدْ سَـاءَتْكِ مِنِّي خَلِيقَةٌ = فَسُلِّي ثِيَــابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسُلِ
22- وَمَا ذَرَفَتْ عَيْنَاكِ إِلَّا لِتَضْـرِبِي = بِسَهْمَيْكِ فِي أَعْشَـارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ
23- وَبَيْضَةِ خِدْرٍ لَا يُرَامُ خِبَــاؤُهَا = تَمَتَّعْتُ مِن لَهْـوٍ بِهَا غَيْرَ مُعْجَـلِ
24- تَجَاوَزْتُ أَحْرَاسًا إِلَيْهَا وَمَعْشَـرًا = عَلَيَّ حِـرَاصًا لَوْ يُسِرُّونَ مَقْتَلِي
25- إِذَا مَا الثُّرَيَّا فِي السَّمَاءِ تَعَرَّضَتْ = تَعَـرُّضَ أَثْنَاءِ الوِشَـاحِ المُفَصَّـلِ
26- فَجِئْتُ وَقَدْ نَضَتْ لِنَـوْمٍ ثِيَابَهَا = لِدَى السَّتْرِ إِلَّا لِبْسَـةَ المُتَفَضِّـلِ
27- فَقَالَتْ: يَمِينَ اللَّهِ مَـا لَكَ حِيـلَةٌ = وَمَا إِنْ أَرَى عَنْكَ الغَـَوايَةَ تَنْجَلِي
28- فَقُمْتُ بِهَا أَمْشِـي تَجُـرُّ وَرَاءَنَا = عَلَى إِثْرِنَا أَذْيَـالَ مِـرْطٍ مُرَحَّلِ
29- فَلَمَّا أَجْزَنَا سَاحَةَ الحَيِّ وَانْتَحَى = بِنَا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي قِفَافٍ عَقَنْقَلِ
30- هَصَرْتُ بِفَوْدَيْ رَأْسِهَا فَتَمَايَلَتْ = عَلَيَّ هَضِيمَ الكَشْحِ رَيَّا المُخَلْخَلِ
31- مُهَفْهَفَـةٌ بَيْضَـاءُ غَــيْرُ مُفَاضَـةٍ = تَرَائِبُهَا مَصْقُـولَةٌ كَالسَّجَنْجَـلِ
32- تَصُدُّ وَتُبْـدِى عَنْ أَسِيـلٍ وَتَتَّقِـي = بِنَاظِرَةٍ مِن وَحْشِ وَجْرَةَ مُطْفِلِ
33- وَجِيدٍ كَجِيـدِ الرِّيمِ لَيْسَ بِفَاحـِشٍ = إِذَا هِـيَ نَصَّتْـُـه وَلَا بُمَعَطَّـلِ
34- وَفَـرْعٍ يَزِينُ المَتْنَ أَسْـوَدَ فَاحِـمٍ = أَثِيثٍ كَقِنْـوِ النَّخْلَـةِ المُتَعَثْكِـلِ
35- غَـدَائِرُهُ مُسْتَشْـزِرَاتٌ إِلَى العُـلَا = تَضِـلُّ العِقَاصُ فِي مُثَنًّى وَمُرْسَلِ
36- وَكَشْحٍ لَطِيفٍ كَالْجَـِديلِ مُخَصَّـرٍ = وَسَـاقٍ كَأُنْبُـوبِ السِّقِيِّ المُذَلَّلِ
37- وَيُضْحِي فَتِيتُ المِسْكِ فَوْقَ فِرَاشِهَا = نَؤُومُ الضُّحَى لَمْ تَنْتَطِقْ عَنْ تَفَضُّلِ
38- وَتَعْطُـو بِرَخْـصٍ غَيْرِ شَثْنٍ كَأَنَّهُ = أَسَارِيعُ ظَبْيٍ أَوْ مَسَاوِيكُ إِسْحَـلِ
39- تُضِيءُ الظَّـلَامَ بِالعِشَـاءِ كَأَنَّهَـا = مَنَـارَةُ مُمْسَى رَاهِـبٍ مُتَبَتِّــلِ
40- إِلَى مِثْلِهَا يَـرْنُو الحَلِيـمُ صَبَـابَةً = إِذَا مَا اسْبْكَرَتْ بَيْنَ دِرْعٍ وَمِجْـوَلِ
41- كَبِكْرِ المُقَـانَاةِ البَيَـاضِ بِصُفْـرَةٍ = غـَذَاهَا نَمِـيرُ المَاءِ غَيْرُ مُحَـلَّلِ
42- تَسَلَّتْ عَمَايَاتُ الرِّجَالِ عَن الصِّبَا = وَلَيْسَ فُؤَادِي عَنْ هَوَاكِ بِمُنْسَلِي
43- أَلَا رُبَّ خَصْـمٍ فِيكَ أَلْوَى رَدَدْتُهُ = نَصِيـحٍ عَلَى تَعْـذَالِهِ غَيْرِ مُـؤْتَلِي
44- وَلَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْـرِ أَرْخَى سُدُولَهُ = عَلَـيَّ بِأَنْـوَاعِ الهُمُـومِ لِيَبْتَلِـي
45- فَقُلْـتُ لَـهُ لَمَّـا تَمَطَّـى بِصُلْبِـهِ = وَأَرْدَفَ أَعْجَـازًا وَنَـاءَ بِكَلْكَلِ
46- أَلَا أَيُّهَا اللَّيْلِ الطَّوِيلِ أَلَا انْجَلِي = بِصُبْحٍ وَمَا الإِصْبَاحُ فِيكَ بِأَمْثَلِ
47- فَيَا لَكَ مِن لَيْلٍ كَأَنَّ نُجُـومَـهُ = بِكُلِّ مَغَارِ الفَتْلِ شُـدَّتْ بِيَذْبُلِ
48- كَأَنَّ الثُّرَيَّا عُلِّقَتْ فِي مَصَامِّهَـا = بِأَمْرَاسِ كِتَّانٍ إِلَى صُـمِّ جَنْدَلِ
49- وَقِرْبَةِ أَقْـوَامٍ جَعَلْتُ عِصَامَهَا = عَلَى كَاهِـلٍ مِنِّي ذَلُـولٍ مُرَحَّـلِ
50- وَوَادٍ كَجَوْفِ العَيرِ قَفْرٍ قَطَعْتُهُ = بِهِ الذِّئْبُ يَعْـوِي كَالْخَلِيعِ المُعَيَّلِ
51- فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا عَـوَى: إِنَّ شَـأْنَنَا = قَلِيلُ الغِنَى إِنْ كُنْتَ لَمَّـا تَمَـوَّلِ
52- كِلَانَا إِذَا مَا نـَالَ شَيْئـًا أَفَاتَهُ = وَمَنْ يَحْتَرِثْ حَرْثِي وَحَرْثَكِ يَهْـزِلِ
53- وَقَدْ أَغْتَدِي وَالطَّيْرُ فِي وُكُنَاتِهَا = بِمُنْجِـرِدِ قَيْدِ الأَوَابِـدِ هَيْكَـلِ
54- مِكَرٍّ مِفَـٍّر مُقْبِلٍ مُدْبِـرٍ مَعـًا = كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِن عَلِ
55- كُمَيْتٍ يَزِلُّ اللَّبْدُ عَن حَالِ مَتْنِهِ = كَمَا زَلَّـت الصَّفْـوَاءُ بِالمُتَـنَزِّلِ
56- عَلَى الذَّبْلِ جَي‍َّاشٍ كَأَنَّ اهْتِزَامَهُ = إِذَا جَاشَ فِيهِ حَمْيُـهُ غَلْيُ مِرْجَـِل
57- مِسَحٍّ إِذَا مَا السَّابِحَاتِ عَلَى الوَنَى = أَثَرْنَ الغُبَـارَ بِالكَـدِيدِ المُرَكَّـلِ
58- يُزِلُّ الغُلَامَ الخِفَّ عَنْ صَهَـوَاتِهِ = وَيُلْوِي بِأَثْـوَابِ العَنِيفِ المُثَقَّـلِ
59- دَرِيرٍ كَخُذْرُوفِ الوَلِيدِ أَمَرَّهُ = تَتَابُعُ كَفَّيْهِ بِخَيْطٍ مُوَصَّلِ
60- لَهُ أَيْطَلَا ظَبْيٍ وَسَاقَا نَعَامَةٍ = وَإِرْخَاءِ سِرْحَانٍ وَتَقْرِيبُ تَتْفُلِ
61- ضَلِيعٍ إِذَا اسْتَدْبَرْتَهُ سَدَّ فَرْجَهُ = بِضَافٍ فُوَيْقَ الْأَرْضِ لَيْسَ بِأَعْزَلِ
62 - &كَأَنَّ سراته لِدَى البَيْتِ قَائِمًا = مَدَاكَ عَرُوسٍ أَوْ صَلَايَةَ حَنْظَلٍ
63- كَأَنَّ دِمَاءَ الهَادِيَاتِ بِنَحْرِهِ = عُصَارَةُ حَنَّاءٍ بِشَيْبٍ مُرَجَّلِ
64- فَعَنَّ لَنَا سِرْبٌ كَأَنَّ نِعَاجَهُ = عَذَارَى دَوَارٍ فِي مُلَاءٍ مُذَيَّلِ
65- فَأَدْبَرْنَ كاَلْجِزْعِ المُفَصَّلِ بَيْنَهُ = بِجَيْدٍ مُعَمٍّ فِي العَشِيرَةِ مُخْوَلِ
66- فَأَلْحَقَهُ بالهَادِيَاتِ وَدُونَهُ = جَوَاحِرُهَا فِي صَرَّةٍ لَمْ تُزَيَّلِ
67- فَعَادَى عِدَاءً بَيْنَ ثَوْرٍ ونَعْجَةٍ = دِرَاكًا وَلَمْ يَنْضَحْ بِمَاءٍ فَيُغْسَلِ
68- فَظَلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ مَا بَيْنَ مُنْضِجٍ = صَفِيفَ شِوَاءٍ أَوْ قَدِيرٍ مُعَجَّلِ
69- وَرُحْنَا يَكَادُ الطَّرْفُ يَقْصُرُ دُونَهُ = مَتَى مَا تَرَقَّ العَيْنُ فِيهِ تَسَهَّلِ
70- فَبَاتَ عَلَيْهِ سَرْجُهُ وَلِجَامُهُ = وَبَاتَ بِعَيْنِي قَائِمًا غَيْرَ مُرْسَلِ
71- أَصَاحِ تَرَى بَرْقًا أُرِيكَ وَمِيضَهُ = كَلَمْعِ اليَدَيْنِ فِي حَبِيٍّ مُكَلَّلِ
72- يُضِيءُ سَنَاهُ أَوْ مَصَابِيحُ رَاهِبٍ = أَمَالَ السَّلِيطَ بِالذُّبَالِ المُفَتَّلِ
73- قَعَدْتُ لَهُ وَصُحْبَتِي بَيْنَ ضَارِجٍ = وَبَيْنَ العُذَيْبِ بَعْدَ مَا مُتَأَمَّلِي
74- عَلَا قَطَنًا بِالشَّيْمِ أَيْمَنُ صَوْبِهِ = وَأَيْسَرُهُ على السِّتَارِ فَيَذْبُلِ
75- فَأَضْحَى يَسِحُّ المَاء حَوْلَ كُتَيْفَةٍ = يَكُبُّ عَلَى الأَذْقَانِ دَوْحَ الكَنَهْبَلِ
76- وَمَرَّ عَلَى القِنَانِ مِن نَفَيَانِهِ = فَأَنْزَلَ مِنْهُ العُصْمَ مِن كُلِّ مَنْزِلِ
77- وَتَيْمَاءَ لَمْ يَتْرُكْ بِهَا جِذْعَ نَخْلَةٍ = وَلَا أُجُمًا إِلَّا مَشِيدًا بِجَنْدَلِ
78- كَأَنَّ ثَبِيرًا فِي عَرَانِينِ وَبْلِهِ = كَبِيرُ أُنَاسٍ فِي بِجَادٍ مُزَمَّلِ
79- كَأَنَّ ذُرَى رَأْسِ المُجَيْمِرِ غُدْوَةً = مِن السَّيْلِ وَالغَثَاءِ فَلَكَةُ مِغْزَلِ
80- وَأَلْقَى بِصَحَرَاءِ الغَبِيطِ بَعَاعَهُ = نُزُولَ اليَمَانِي ذِي العَيَابِ المُحَمَّلِ
81- كَأَنَّ مَكَاكِيِّ الجَوَاءِ غَدِيَّةً = صُبِحْنَ سُلَافًا مِن رَحِيقٍ مُفَلْفَلِ
82- كَأَنَّ السِّبَاعَ فِيهِ غَرْقَى عَشِيِّةً = بِأَرْجَائِهِ القُصْوَى أَنَابِيشُ عُنْصُلِ

-
1- وَيُرْوَى (بَيْنَ الدَّخُولِ وَحَوْمَلِ).
انْظُرْ مُعْجَمَ البُلْدَانِ (2 / 325) وَفِيهِ آرَاءُ الأَصْمَعِيِّ، والفَرَّاءِ، وأبو جَعْفَرٍ المِصْرِيِّ بالرِّوَايَتَيْنِ.
2- وَيُرْوَى بَعْدَهُ:
وَرَدَ فِي دِيوَانِ امْرِئِ الْقَيْسِ، جَمْعُ حَسَنِ السَّنْدُوبِيِّ، وَلَمْ يَرْوِهِ شُرَّاحُ المُعَلَّقَاتِ.
3- وَيُرْوَى (تَرَى بَعْرَ الصِّيرَانِ) ديوانُ امرئِ القيسِ، جمْعُ السَّنْدُوبِيِّ (94).
وقد شَكَّ الأَصْْمَعِيُّ في صِحَّةِ نِسْبَةِ البيتِ لهُ، وقالَ بِأَنَّهُ مَنْحُولٌ، ابنُ الأَنْبَارِي (23).
7- وَيُرْوَى (وإنَّ شِفَائِي عَبْرَةٌ لو سَفَحْتُهَا)
ديوانُ امرئِ القيسِ، جَمْعُ السَّنْدُوبِيِّ ص (95).
8- وَرَوَى أبو عُبَيْدَةَ (كَدِينِكَ مِن أُمِّ الْحُوَيْرِثِ).
9- وَيُرْوَى ( إذا الْتَفَتَتْ نَحْوِي تَضَوَّعَ رِيحُهَا) انظرْ ديوانَه ص (98).
11- وَيُرْوَى (أَلَا رُبَّ يَوْمٍ صَالِحٍ لَكَ مِنْهُمُ) وَيُرْوَى (لَكَ مِنْهُمَا).
12- وَيُرْوَى (فَيَا عَجَبًا مِن كُورِهَا) شَرْحُ الزُّوزَنِيِّ ص (11).
وَيُرْوَى أيضًا (لِرَحْلِهَا) شرحُ ابنِ الْأَنْبَارِيِّ (33).
وَيُرْوَى بعدَهُ البيتُ التالي:

وَيَا عَجَبًا مِن حِلِّهَا بَعْدَ رَحْلِهَا = ويا عَجَبًا لِلْجَازِرِ الْمُتَبَذِّلِ

انظرُ ديوانَهُ، جَمْعُ السَّنْدُوبِيِّ ص (95).
13- وَيُرْوَى بعدَهُ البيتُ التالي:

&تُدَارُ عَلَيْنَا بِالسَّدِيفِ صِحَافُنَا = وَيُؤْتَى إِلَيْنَا بِالْعَبِيطِ المُثَمَّلِ

انْظُرْ دِيَوانَهُ، جَمْعُ السَّنْدُوبِيِّ ص (96).
16- وَيُرْوَى (المُعَلَّلِ) بالفَتْحِ.
وَيُرْوَى بعدَهُ البيتانِ التاليانِ:

&دَعِي البَكْرَ لا تَرْثِى لَهُ مِن رِدْافِنَا = وَهَاتِي أَذِيقِينَا جَنَاةَ القُرُنْفُلِ
بِثَغْرٍ كَمَثَلِ الأُقْحُوَانِ مُنَوَّرٌ = نَقِيُّ الثَّنَايَا أشْنَبُ غَيْرُ أَثْعَلِ

انظرْ دِيوَانَهُ، جَمْعُ السَّنْدُوبِيِّ ص (96) وَقَدْ شَكَّ الأَصْْمَعِيُّ بِصِحَّةِ نِسْبَةِ البيتِ الأوَّلِ لهُ لأنَّهُ زَايَلَ الْمَعْنَى.
17- وَيُرْوَى (عن ذِي تَمَائِمَ مُغْيَلِ).
20- وَيُرْوَى بعدَهُ البيتُ التالي:

وَأَنَّكِ قَسَمْتِ الفُؤَادَ فَنِصْفُهُ قَتِيلٌ = وَنِصْفٌ فِي حَدِيدٍ مُكَبَّلِ

انظرْ ديوانَهُ جَمْعُ السُّنْدُوبِيِّ ص (97).
24- وَيُرْوَى (تَخَطَّيْتُ أَبْوَابًا إِلَيْهَا).
وَيُرْوَى (تَجَاوَزْتُ أَحْرَاسًا وَأَهْوَالَ مَعْشَرٍ)، دِيوانُهُ ص (97).
26- وَيُرْوَى (وَقَدْ أَلْقَتْ لِنَوْمٍ ثِيَابَهَا).
27- وَيُرْوَى (وَمَا أَنْ أَرَى عَنْكَ العَمَايَةَ).
28- وَيُرْوَى:

خَرَجْتُ بِهَا أَمْشِي تَجُرُّ وَرَاءَنَا = عَلَى أَثَرَيْنَا ذَيْلَ مِرْطٍ مُرَحَّلِ

انظرْ شرْحَ الزَّوْزَنِىِّ ص(19) وديوانَهُ ص(98).وَيُرْوَى ( على أَثَرَيْنَا نِيرَ مِرْطٍ مُرَحَّلِ ).
29- وَيُرْوَى (بَطْنُ حَقْفٍ ذِي رُكَامٍ)
30- وَيُرْوَى (مَدَدْتُ بِغُصْنَيْ دَوْمَةٍ) شرحُ ابنِ الأبْنَارِيِّ ص (56).
وَيُرْوَى (إِذَا قُلْتُ هَاتِي نَوِّلِينِي تَمَايَلَتْ) ديوانُهُ ص (98).
32- وَيُرْوَى (تَصُدُّ وَتُبْدِي عَنْ شَتِيتٍ) وَيُرْوَى (تَصُدِّي وَتُبْدِي عَنْ أَسِيلٍ).
35- وَيُرْوَى (يَضِلُّ العِقَاصُ).
وَيُرْوَى (تَضِلُّ المَدَارِي)، ديوانُهُ ص (99).
41- وَيُرْوَى (غيرَ المُحَلَّلِ)، شرحُ الزُّوزَنِيِّ ص (21) وديوانُهُ ص (100).
42- وَيُرْوَى (وَلَيْسَ فُؤَادِي عَنْ صِبَاهُ بِمُنْسَلِي).
وَيُرْوَى (وَلَيْسَ فُؤَادِي مِن هَوَاهَا بِمُنْسَلِي) شرحُ التِّبْرِيزِيِّ ص (65).
وَيُرْوَى (عَنْ هَوَاهُ).
45- وَيُرْوَى (لَمَّا تَمَطَّى بِجَوْزِهِ) ديوانُهُ ص(100).
46- وَيُرْوَى (وَمَا الْإِصْبَاحُ مِنْكِ) شَرْحُ الزُّوزَنِيِّ (27).
وديوانُهُ جَمْعُ السَّنْدُوبِيِّ ص (100). وَصَادِرٌ ص (49).
47- وَيُرْوَى (كَأَنَّ نُجُومَهُ بِأَمْرَاسِ كِتَّانٍ إلى صَمِّ جَنْدَلٍ) شرحُ الزُّوزَنِيِّ (27).
48- وَيُرْوَى (كَأَنَّ نُجُومًا عُلِّقَتْ فِي مَصَابِهَا) والبيتُ لمْ يَرْوِهِ الزُّوزَنِيُّ.
50- وَيُرْوَى (وَخَرْقٍ كَجَوْفِ العِيرِ).
51- وَيُرْوَى (طَوِيلُ الغِنَى).
53- وَيُرْوَى (وَالطَّيْرُ فِي وَكَرَاتِهَا).
55- وَيُرْوَى (عَنْ حَاذِ مَتْنِهِ).
56- وَيُرْوَى (عَلَى الْعَقَبِ جَيَاشٌّ) ديوانُهُ (102).
وَيُرْوَى (على &الضَّمَرِ جَيَّاشٌ) وَيُرْوَى (على الدَّأَلِ).
57- وَيُرْوَى (بِالْكَدِيدِ السَّمَوْأَلِ).
58- وَيُرْوَى (يَطِيرُ الغُلَامُ الخِفُّ) وَيُرْوَى (يَزِلُّ الغُلَامُ الخِفُّ).
59- وَيُرْوَى (تَقَلُّبُ كَفَّيْهِ) ديوانه (102).
60- وَيُرْوَى (لَهُ إِطْلَا ظَبْيٍ) شرحُ ابنِ الأَنْبَارِيِّ ص (89).
وَيُرْوَى (وَعَارَةُ سَرْحَانٍ وَتَقْرِيبُ تَفْلٍ) اللِّسَانُ (تفل).
62- وَيُرْوَى (كَأَنَّ عَلَى المَتْنَيْنِ مِنْهُ إِذَا انْتَحَى) شرْحُ الزُّوزَنِيِّ ص (34).
وَيُرْوَى (كَأَنَّ عَلَى الْكَتِفَيْنِ) ديوانُهُ ص (103).
وَيُرْوَى (أو صَرَايَةُ حَنْظَلِ).
66- وَيُرْوَى (فَأَلْحَقْنَا) اللسانُ (جُحْر) وشرْحُ التِّبْرِيزِيِّ (36) وديوانُهُ (103).
وَيُرْوَى (لم تُزَيَّلِ) شرْحُ التِّبْرِيزِيِّ (36) وديوانُهُ (103).
69- وَيُرْوَى (وَرُحْنَا وَرَاحَ الطَّرْفُ يَنْفُصُ رَأْسَهُ) ديوانُهُ (103).
وَيُرْوَى (تَسْهُلِ) بَدَلَ (تَسَهَّلِ).
وَيُرْوَى (مَتَى مَا تَرِقَّ العَيْنُ فِيهِ تَسَفَّلِ) شرْحُ الزُّوزَنِيِّ ص (37).
71- وَيُرْوَى (أَحَارُ تَرَى بَرْقًا) وَيُرْوَى &(أَعْنَى عَلى بَرْقٍ أُريِكَ وَمِيضُهُ).
72- وَيُرْوَى (أَهَانَ السَّلِيطَ) شرْحُ التِّبْرِيزِيِّ ص (86).
ورَوَى الأَصْمَعِيُّ (كَأَنَّ سَنَاهُ فِي مَصَابِيحِ رَاهِبٍ) شَرْحُ ابنِ الأَنْبَارِيِّ (100).
73- وَيُرْوَى (قَعَدْتُ وَأَصْحَابِي) ديوانُهُ (104) وَيُرْوَى (بَيْنَ حَافِرٍ وَبَيْنَ إِكَامٍ).
74- وَيُرْوَى (عَلَى قَطَنٍ) شَرْحُ الزُّوزَنِيِّ (38)، ومُعْجَمُ البُلْدَانِ (4 / 374)، وَرَوَاهُ الأَصْْمَعِيُّ: &(عَلَى قَطَنٍ بِالشَّيْمِ أَيْمَنُ صَوْبِهِ وَأَيْسَرُهُ عَلَى النِّبَاجِ وَثَيْتَلِ) شَرْحُ ابنِ الأَنْبَارِيِّ (103).
75- وَيُرْوَى (مِنْ كُلِّ فِيقَةٍ) ديوانُهُ (104). وَيُرْوَى (مِنْ كُلِّ تَلْعَةٍ).
76- وَيُرْوَى (مِنْ كُلِّ مَنْزِلِ) وَيُرْوَى (فَأَنْزَلَ مِنْهُ الْعَفْرَ مِن كُلِّ مَنْزِلٍ).
77- وَيُرْوَى (وَلَا أُطُمًا) ديوانُهُ ص (105).
78- وَيُرْوَى (كَأَنَّ أَبَانًا في أَفَانِينِ وَدْقِهِ) ديوانُهُ ص (105).
79- وَيُرْوَى (كَأَنَّ طَمْيَةَ المُجَيْمِرِ غُدْوَةً)، وَيُرْوَى &(كَأَنَّ قُلَيْعَةَ المُجْمِرِ).
وَيُرْوَى (مِن السَّيْلِ وَالْإِغْثَاءِ).
80- وَيُرْوَ&(كَصَوْعِ اليَمَانِي) وَيُرْوَى (كَصَرْعِ اليَمَانِي ذي العَيَابِ المُحَوَّلِ).
82- وَيُرْوَى (غَدِيَّةً).

حفيدة بني عامر
13 Dec 2008, 06:00 مساء
...........................

حفيدة بني عامر
13 Dec 2008, 08:30 مساء
قالَ امْرُؤُ القَيْسِ

ابنُ حُجْرِ بنِ الحَارِثِ الملكِ بنِ عمرٍو المقصورِ - الذي اقْتَصَرَ على مُلْكِ أبيهِ - بْنِ حُجْرٍ آكِلِ المُرارِ بنِ عمرِو بنِ مُعَاوِيَةَ بنِ الحارِثِ الأكبرِ بنِ مُعاويَةَ بنِ مُرَتِّعٍ - وقالَ قومٌ: ابنِ مُعاويَةَ بنِ ثَورٍ بنِ مُرَتِّعٍ، وإنَّما سُمِّيَ مُرتِّعاً؛ لأنَّهُ كانَ مَنْ أَتَاهُ مِنْ قومِهِ رَتَّعَهُ؛ أيْ: جعَلَ لهُ مَرْتَعاً لماشيتِهِ - وهوَ عمرُو بنُ معاويَةَ بنِ ثَورٍ، وهوَ كِنْدَةُ بنُعُفَيْرٍ - وإنَّما سُمِّيَ كِنْدَةَ؛ لأنَّهُ كَفَرَ أَبَاهُ نِعْمَتَهُ - بنِ عَدِيِّ بنِ الحارثِ بنِ مُرَّةَ بنِ أُدَدَ بنِ يَشْجُبَ بنِ عَريبِ بنِ زيدِ بنِ كَهْلانَ بنِ شَيْبَانَ بنِ يَشْجُبَ بنِ يَعْرُبَ بنِ قَحْطَانَ. وأُمُّ مُرَّةَ مُدِلَّةُ، وهيَ مَذْحِجُ؛ لأنَّها وُلِدَتْ على أَكَمَةٍ يُقالُ لَهَا: مَذْحِجُ، فسُمِّيَتْ بها، ويُكَنَّى أبا الحارِثِ:
1- قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ =بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ
مِن الضَّرْبِ الثَّانِي من الطويلِ، والقافيَةُ مُتَدَارَكٌ.
(السِّقْطُ): ما تَسَاقَ‍طَ من الرملِ، وفيهِ ثلاثُ لغاتٍ: سِقْطٌ وسَقْطٌ وسُقْطٌ. و(اللِّوَى) حيثُ يَسْتَرِقُّ الرملُ، فَيُخْرَجُ منهُ إلى الجَدَدِ.
وقولُهُ:(قِفَا) فيهِ ثلاثةُ أقوالٍ:
أَحَدُها: أنْ يكونَ خاطَبَ رَفيقيْنِ لهُ.
والثاني: أنْ يكونَ خَاطَبَ رَفيقاً واحداً وثَنَّى؛ لأنَّ العربَ تُخاطِبُ الواحدَ مخاطبةَ الاثنيْنِ، قالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وتعالى مُخاطباً لِمَالِكٍ: {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ}،وقالَ الشاعِرُ:
فَإِنْ تَزْجُرَانِي يَا ابْنَ عَفَّانَأَنْزَجِرْ =وإِنْ تَدَعَانِي أَحْمِ عِرْضاً مُمَنَّعَا
أَبِيتُ على بابِ القَوَافِي كَأَنَّمَا =أُصَادِي بِها سِرباً مِن الوَحْشِ نُزَّعَا
وقالَ آخَرُ:
فَقُلْتُ لصَاحِبِي لا تَحْبِسانا =بنَزْعِ أُصُولِهِ واجْتَزَّ شِيحَا
والعِلَّةُ في هذا أنَّ أقلَّ أعوانِ الرجلِ في إِبِلِهِ ومالِهِ اثنانِ، وأقلَّ الرُّفْقَةِ ثلاثةٌ،فجَرَى كلامُ الرجلِ على ما قدْ أُلِفَ مِنْ خِطابِهِ لِصَاحِبَيْهِ.قالُوا: والدليلُ على أنَّهُ خَاطَبَ الواحدَ قولُهُ:

أصاحِ تَرَى بَرْقاً أُرِيكَ =وَمِيضَهُ..............

البيتَ.
والبَصريُّونَ يُنْكِرُونَ هذا؛ لأنَّهُ إذا خاطَبَ الواحدَ مخاطبةَ الاثنيْنِ وَقَعَ الإشكالُ. وذَهَبَ المُبَرِّدُ في قَوْلِهِ تعالى: {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ} إلى أنَّهُ ثَنَّاهُ للتوكيدِ، معناهُ: أَلْقِ أَلْقِ. وخالَفَهُ الزَّجَّاجُ فقالَ: (أَلْقِيَا) مُخَاطَبَةُ المَلَكَيْنِ. وكذلكَ (قِفَا) إنَّما هوَ مُخَاطَبَةُ صاحِبَيْهِ.
والقولُ الثالثُ: أنَّهُ أرادَ: قِفَنْ، بالنونِ، فأَبْدَلَ الألفَ من النونِ، وأَجْرَى الوصلَ مُجْرَى الوقفِ، وأكثرُ ما يكونُ هذا في الوقفِ.
و(نَبْكِ) مجزومٌ؛ لأنَّهُ جوابُ الأمرِ. والجَيِّدُ أنْ يُقالَ: (نَبْكِ) جوابُ شرطٍ مقدَّرٍ، كأنَّ التقديرَ: قِفَا، إنْ تَقِفَا نَبْكِ؛ لأنَّ الأمرَ لا جوابَ لهُ في الحقيقةِ، ألا تَرَى أنَّكَ إذا قُلْتَ للرَّجُلِ: أَطِعِ اللَّهَ يُدْخِلْكَ الجنَّةَ، فإنَّما معناهُ: أَطِعِ اللَّهَ، إنْ تُطِعْهُ يُدْخِلْكَ الجنةَ؛ لأنَّهُ لا يَدْخُلُ الجنَّةَ بأَمْرِكَ، إنَّما يَدْخُلُها إذا أطاعَ اللَّهَ.
وَ(ذِكْرَى) والذِّكْرُ واحدٌ.وقولُهُ:مِنْ ذِكْرَى: مِنْ تَتَعَلَّقُ بـ(نَبْكِ)، و(ذِكْرَى) جُرَّ بـ(مِنْ)، وهيَ مضافةٌ إلى (الحَبِيبِ)، و(المَنْزِلُ) نَسَقٌ على (الحبيبِ)، والباءُ مِنْ قولِهِ:(بسِقْطِ اللِّوَى) يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بـ(قِفَا) وبـ(نَبْكِ)، وبقولِهِ: (مَنْزِلِ).
وقولُهُ: (بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ): دَخُولٌ: مَوْضِعٌ، وحَوْمَلٌ: موضِعٌ آخرُ، وكانَ الأَصْمَعِيُّ يَرْوِيهِ: (بينَ الدَّخُولِ وحَوْمَلِ) ويقولُ: لا يُقالُ: المالُ بينَ زيدٍ فَعَمْرٍو، وإنَّما يُقالُ: بينَ زيدٍ وعمرٍو.
ومَنْ رَوَاهُ (فَحَوْمَلِ) بالفاءِ، يقولُ: إنَّ الدَّخُولَ مَوْضِعٌ يَشْتَمِلُ على مواضِعَ، وكذلكَ حَوْمَلٌ. فَلَوْ قُلْتَ: عبدُ اللَّهِ بينَ الدَّخُولِ، تريدُ بينَ مواضِعِ الدَّخُولِ، لَتَمَّ الكلامُ، كما تقولُ: دُورُنَا بينَ مِصْرَ، تُريدُ: بينَ أهلِ مِصْرَ. فَعَلَى هذا عَطَفَ بالفاءِ وأرادَ: بينَ مواضعِ الدَّخُولِ، وبينَ مواضِعِ حَوْمَلٍ.
2- فتُوضِحَ فالمِقْرَاةِ لم يَعْفُ رَسْمُهَا = لِمَا نَسَجَتْهَا مِنْ جَنُوبٍ وشَمْأَلِ
(تُوضِحُ والمِقْرَاةُ) مَوضعانِ. وهذهِ المواضِعُ التي ذَكَرَها ما بينَ إِمَّرةَ إلى أسودِ العينِ، وأسودُ العينِ: جبلٌ، وهيَ منازِلُ كِلابٍ. وموضِعُ (تُوضِحَ والمِقراةِ) جَرٌّ، عَطْفٌ على (حَوْمَلِ).والمِقراةُ في غيرِ هذا الموضِعِ: الغَدِيرُ الذي يَجْتَمِعُ فيهِ الماءُ، منْ قولِهِم: قَرَيْتُ الماءَ في الحوضِ، إذا جَمَعْتَهُ.
ومعنى قولِهِ:(لم يَعْفُ رَسْمُهَا) قالَ الأَصْمَعِيُّ: أيْ لم يَدْرُسْ لِمَا نَسَجَتْهُ من الجنوبِ والشمألِ، فهوَ باقٍ ونحنُ نَحزَنُ، ولوْ عَفَا لاسْتَرَحْنَا، وهذا كقولِابنِ أَحْمَرَ:

ألا لَيْتَ المَنَازِلَ قدْ بَلِينَا = فلا يَرمينَ عنْ شُزُنٍ حَزِينَا

أيْ: فلا يَرْمِينَ عنْ تَحَرُّفٍ وتشدُّدٍ، يُقَالُ: شَزَنَ فلانٌ ثمَّ رَمَى؛ أيْ: تَحَرَّفَ في أحدِ شِقَّيْهِ، وذلكَ أشدُّ لِرَمْيِهِ، ويقالُ: شُزُنٌ وشَزَنٌ بمعنًى واحدٍ.ومعنى البيتِ: لَيْتَهَا بَلِيَتْ حتَّى لا تَرْمِيَ قُلُوبَنا بالأحزانِ والأوجاعِ.
وكانَ الأَصْمَعِيُّ يَذْهَبُ إلى أنَّ الرِّيحيْنِ إذاخْتَلَفَتَا على الرَّسْمِ لم تَعْفُوَاهُ، ولوْ دامَتْ عليهِ واحدةٌ لَعَفَتْهُ؛ لأنَّ الرِّيحَ الواحدةَ تَسْفِي على الرَّسْمِ فيَدْرُسُ، وإذا اعْتَوَرَتْهُ رِيحَانِ، فسَفَتْ عليهِ إحدَاهُما فغَطَّتْهُ، ثمَّ هَبَّت الأُخْرَى، كَشَفَتْ عن الرَّسْمِ ما سَفَت الأُولَى.وقيلَ: معناهُ: لم يَعْفُ رَسْمُها للريحِ وَحْدَها، إنَّما عَفَا للمطرِ والريحِ وغيرِ ذلكَ.
وقيلَ: معناهُ: لم يَعْفُ رَسْمُها منْ قَلْبِي، وهوَ في نَفْسِهِ دَارِسٌ، يقالُ: عَفَا الشيءُ يَعْفُو عَفْواً وعُفُوًّا وعَفاءً، إذا دَرَسَ، وعَفَاهُ غَيْرُهُ: دَرَسَهُ.
وقولُهُ:(لِمَا نَسَجَتْهَا): ما في معنَى تأنيثٍ، والتقديرُ: للرِّيحِ التي نَسَجَت المواضِعَ، والهاءُ في (نَسَجَتْهَا) تعودُ على: الدَّخُولِ وحَوْمَلٍ وتُوضِحَ والمِقْرَاةِ. و(نَسَجَتْ) صِلَةُ (مَا)، وما فيهِ من الضميرِ يعودُ على (مَا). ومثلُهُ:

أَلِفَ الصُّفُونَ فَلا يَزَالُ كَأَنَّهُ = مِمَّا يَقُومُ عَلَى الثَّلاثِ كَسِيرَا

أيْ: كأنَّهُ مِن الخيلِ التي تقومُ على الثلاثِ، أوْ من الأجناسِ التي تقومُ على الثلاثِ.ويُرْوَى: (لِمَا نَسَجَتْهُ)، والهاءُ تعودُ على الرَّسْمِ. وقالَ بعضُ أهلِ اللغةِ: يَجُوزُ أنْ يكونَ (مَا) في معنى المصدرِ،يَذْهَبُ إلى أنَّ التقديرَ: لِنَسْجِهَا الرِّيحُ؛ أيْ:لِلَّتِي نَسَجَتْها الرِّيحُ، ثُمَّ أَتَى بـ(مِن) مُفَسِّرَةً، فقالَ: (من جَنُوبٍ وشَمْأَلِ).ففي (نَسَجَتْ) ذِكْرُ الريحِ؛ لأنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ المواضِعَ والنَّسْجَ والرَّسْمَ دَلَّتْ على الريحِ، فكنَّى عنها لدَلالةِ المعنَى عليها.
ولم يُجِزْ أبو العبَّاسِ أحمدُ بنُ يَحْيَى أنْ تكونَ (مَا) في معنى المصدرِ، قالَ: لأنَّ الفعلَ يَبْقَى بلا صاحبٍ. كأنَّ أبا العبَّاسِ لم يُجِزْ أنْ يكونَ في (نَسَجَتْ) ذِكْرُ الريحِ.
وفي الشَّمالِ لُغاتٌ: يُقالُ: شَمالٌ وشَمْأَلٌ وشَأْمَلٌ وشَمْلٌ وشَمَلٌ وشَمُولٌ. قالَ الشاعِرُ في الشَّأْمَلِ:

وهَبَّتِ الشَّأْمَلُ البَلِيلُ وإِذْ =باتَ كَمِيعُ الفتاةِ مُلتَفِعَا

وقالَ آخَرُ في الشَّمْلِ بإسكانِ الميمِ:

أَتَى أَبَدٌ مِنْ دُونِ حِدْثَانِ عَهْدِهَا =وجَرَّتْ عَلَيْهَا كُلُّ نَافِجَةٍ شَمْلِ

وقالَ عُمَرُ بنُ أبي رَبِيعَةَ في الشَّمَلِ بفتحِ الميمِ:

أَلَمْ تَرْبَعْ عَلى الطَّلَلِ =ومَغْنَى الحيِّ كالخِلَلِ


تُعَفِّي رَسْمَهُ الأَرْوَا = حُ مَرُّ صَباً معَ الشَّمَلِ؟

وقالَ ابنُ مَيَّادَةَ في الشَّمُولِ:

ومَنْزِلَةٍ أُخْرَى تَقَادَمَ عَهْدُهَا = بذِي الرِّمْثِ يَعْفُوها صَباً وشَمُولُ


3- تَرَى بَعَرَ الأَرَامِ فِي عَرَصَاتِهَا =وقِيعَانِهَا كَأَنَّهُ حَبُّ فُلْفُلِ

(الأَرَامُ): الظِّبَاءُ البِيضُ، واحِدُها: رِئْمٌ. و(العَرَصَاتُ): جمعُ عَرْصَةٍ، وهيَ الساحةُ.و(القِيعَانُ): جمعُ قَاعٍ، وهوَ الموضِعُ الذي يَسْتَنْقِعُ فيهِ الماءُ.
وهذا البيتُوما بعدَهُ مِمَّا يُزادُ في هذهِ القصيدةِ، قالَ الأصمعيُّ: والأَعْرَابُ تَرْوِيهِمَا.

4- كَأَنِّي غَدَاةَ البَيْنِ يَوْمَ تَحَمَّلُوا =لَدَى سَمُرَاتِ الحَيِّ نَاقِفُ حَنْظَلِ

(سَمُرَاتٌ): جمعُ سَمُرَةٍ، وهيَ شجرةٌ لها شَوْكٌ، يقولُ: لَمَّا تَحَمَّلُوا اعْتَزَلْتُ أَبْكِي، كأنِّي ناقِفُ حَنْظَلٍ. وإنَّما شَبَّهَ نفسَهُ بهِ؛ لأنَّ ناقِفَ الحَنظلِ تَدْمَعُ عيناهُ؛ لحرارةِ الحنظَلِ. و(النَّقْفُ): نَقْفُكَ رَأْسَ الرَّجُلِ بِعَصاً أوْ غيرِها، قالَ الشاعِرُ:

إنَّ بِهَا أَكْتَلَ أوْ رِزَاماً =خُوَيْرِبَيْنِ يَنْقُفَانِ الْهَامَا

يعني: لِصَّيْنِ. وخُوَيْرِبٌ: تصغيرُ خاربٍ، وهوَ سارقُ الإبلِ خاصَّةً. وقَالُوا: (النَّقْفُ) كسرُ الهامَةِ عن الدِّماغِ، وأَنْقَفْتُكَ المُخَّ؛ أيْ: أَعْطَيْتُكَ العَظْمَ لِتَسْتَخْرِجَ مُخَّهُ. وناقِفُ الحَنْظَلِ: الذي يَسْتَخْرِجُ الهَبِيدَ، وهوَ حَبُّ الحَنْظَلِ.

5- وُقُوفاً بِهَا صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهُمْ =يَقُولُونَ: لا تَهْلِكْ أَسًى وتَجَمَّلِ

(وُقُوفاً): منصوبٌ على الحالِ، والعاملُ فيهِ (قِفَا) كما تقولُ: وَقَفْتُ بدارِكَ قائماً سُكَّانُها. فإنَّ قيلَ: كيفَ؟ قالَ: (وُقُوفاً بِهَا صَحْبِي). والصَّحْبُ: جماعةٌ. وقولُهُ:(وُقُوفاً) فعلٌ مُتَقَدِّمٌ لا ضميرَ فيهِ، فلِمَ لَمْ يَقُلْ: وَاقِفاً بها صَحْبِي كما تقولُ: مَرَرْتُ بدارِكَ قائماً سُكَّانُها؟
فالجوابُ: أنَّ الاختيارَ، عندَ سِيبَوَيْهِ، فيما كانَ جَمْعاً مكسَّراً، أنْ تقولَ فيهِ: مَرَرْتُ برجلٍ حِسانٍ قَوْمُهُ. فإنْ كانَ ممَّا يُجْمَعُ جمعَ السلامةِ كانَ الاختيارُ تركَ التثنيَةِ والجمعِ، فتقولُ: مَرَرْتُ برجلٍ صالحٍ قَوْمُهُ، كما قالَ زُهَيْرٌ:

بَكَرْتُ عَليهِ غُدْوةً فوَجَدْتُهُ = قُعُوداً لَدَيهِ بالصَّريمِ عَوَاذِلُهْ

ويَجُوزُ أنْ يكونَ قولُهُ: (وُقُوفاً) منصوباً على المصدرِ مِنْ (قِفَا)، والتقديرُ: قِفَا وُقُوفاً مثلَ وُقُوفِ صَحْبِي، كما تقولُ: زيدٌ يَشْرَبُ شُرْبَ الإبلِ، تُريدُ: يَشْرَبُ شُرباً مثلَ شُرْبِ الإبلِ.
ويَجُوزُ أنْ يكونَ مصدراً وقَعَ مَوْقِعَ الوقتِ لاستيقَافِهِ، كما تقولُ: الْبَثْ عَلَيَّ قُعُودَ القَاضِي؛ أيْ: ما قَعَدَ؛ أيْ: في قُعُودِهِ. ويكونُ التقديرُ: وَقْتَ وُقُوفِ صَحْبِي، ثمَّ يُحْذَفُ ويكونُ بمنزلةِ قولِكَ: رَأَيْتُهُ قُدُومَ الحاجِّ؛ أيْ: وقتَ قُدومِ الحاجِّ.
قَالُوا: ولا يَجُوزُ مِثْلُ هذا إلاَّفيما يُعْرَفُ، نَحْوُ قولِكَ: قُدُومَ الحاجِّ، وخُفُوقَ النَّجْمِ، ولوْ قُلْتَ: لا أُكَلِّمُكَ قيامَ زيدٍ، تُريدُ: وقتَ قِيامِ زيدٍ، لم يَجُزْ؛ لأنَّهُ لا يُعْرَفُ.
وموضِعُ (صَحْبِي) رَفْعٌ بوقوفٍ، و(عَلَيَّ) تَتَعَلَّقُ بوقوفٍ. وواحدُ الصَّحْبِ: صاحِبٌ، مثلُ: تَجْرٍ وتاجِرٍ. وواحدةُ (المَطِيِّ) مَطِيَّةٌ، والمَطِيَّةُ: الناقةُ، سُمِّيَتْ مَطِيَّةً؛ لأنَّها يُرْكَبُ مَطَاهَا؛ أيْ: ظَهْرُها.وقيلَ: سُمِّيَتْ مَطِيَّةً؛ لأنَّها يُمْطَى بها في السَّيْرِ؛ أيْ: يُمَدُّ بها في السيرِ. ووَزْنُ مَطِيَّةٍ مِن الفعلِ فَعِيلَةٌ، أَصْلُها مَطِيوَةٌ، فلَمَّا اجْتَمَعَت الواوُ والياءُ في كَلِمةٍ، وسَبَقَتْ إحدَاهُما بالسُّكُونِ، قُلِبَت الواوُ ياءً وأُدْغِمَت الياءُ في الياءِ.
وقولُهُ: (لا تَهْلِكْ أَسًى وتَجَمَّلِ) الأَسَى: الحُزْنُ، يُقالُ: أَسِيتُ على الشَّيْءِ آسَى أَسًى شديداً، إذا حَزِنْتَ عليهِ.ونَصَبَ (أَسًى) على المصدرِ؛ لأنَّ قَوْلَهُ:(لا تَهْلِكْ أَسًى) في معنى: لا تَأْسَ، فكأنَّهُ قالَ: لا تَأْسَ أَسًى، هذا قَوْلُ الكُوفِيِّينَ.وقالَ البَصريُّونَ: نصَبَ (أَسًى)؛ لأنَّهُ مَصْدَرٌ وُضِعَ في موضِعِ الحالِ، والتقديرُ عندَهم: لا تَهْلِكْ آسِياً؛ أيْ:حَزِيناً.والمعنى: لا تُظْهِرِ الجَزَعَ، ولكِنْ تَجَمَّلْ وتَصَبَّرْ، وأَظْهِرْ للناسِ خلافَ ما في قلبِكَ مِن الحزنِ والوَجْدِ؛ لِئَلاَّ تَشْمَتَ بكَ العَوَاذِلُ والعُداةُ، ولا يَكْتَئِبَ لكَ الأَوِدَّاءُ.
6- وإِنَّ شِفَائِي عَبْرَةٌ مُهَرَاقَةٌ = فَهَلْ عِنْدَ رَسْمٍ دارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ؟
روَى سِيبَوَيْهِ هذا البيتَ: (إنَّ شفاءً عَبْرَةٌ)، واحْتَجَّ فيهِ بأنَّ النكرةَ يُخْبَرُ عنها بالنكرةِ، ويُرْوَى: (وإِنَّ شِفَائي عَبْرَةٌ لوْ سَفَحْتُهَا)؛ أيْ:صَبَبْتُها.
(والعَبْرَةُ): الدَّمْعَةُ، والعُبْرُ والعَبَرُ: سُخْنَةُ العَيْنِ. و(مُهَرَاقَةٌ): مصبوبةٌ، مِنْ هَرَقْتُ الماءَ فَأَنَا أُهَرِيقُهُ، بمعنى أَرَقْتُ.
وَوَزْنُ أَرَقْتُ أَفَلْتُ، وعينُ الكلمةِ محذوفةٌ، كانَ أَصْلُها (أَرْيَقَتْ) على وزنِ: أَفْعَلَتْ،وهوَ فعلٌ معتلُّ العينِ، تقولُ في الثُّلاثِيِّ منهُ: رَاقَ المَاءُ يَرِيقُ، فالألِفُ في (رَاقَ) منقلبَةٌ عنْ ياءٍ، وأصلُهُ: (رَيَقَ) على وزنِ فَعَلَ، فانْقَلَبَت الياءُ أَلِفاً؛ لِتَحَرُّكِهَا وانْفِتَاحِ ما قَبْلَها. فلَمَّا أَعَلُّوها في الثلاثيِّ وَجَبَ إِعْلالُها في الرُّبَاعِيِّ، فإذا قَالُوا: أَرَقْتُ الماءَ، فالأصلُ: (أَرْيَقْتُ)، ثمَّ نَقَلُوا حَرَكَةَ الياءِ إلى الراءِ وسُكِّنَت الياءُ فقَلَبُوها ألفاً؛ لِتَحَرُّكِها في الأصلِ وانفتاحِ ما قبلَها الآنَ، فاجْتَمَعَ ساكنانِ؛ الألفُ والقافُ، فحُذِفَت الألفُ لالتقاءِ الساكنيْنِ، فصارَ: أَرَقْتُ. وقَالُوا في المستقبَلِ: أُرِيقُهُ، والأصلُ: أُؤَرْيِقُهُ، مثلُ أُدَحْرِجُهُ، فنَقَلُوا حركةَ الياءِ إلى الراءِ وسُكِّنَت الياءُ، فصارَ أُؤَرِيقُهُ، ثُمَّ حذَفُوا إحدَى الهمزتيْنِ؛ لاسْتِثْقَالِهِم الجمعَ بينَهما، فصارَ: أُرِيقُهُ.
ومن العربِ مَنْ يُبْدِلُ من الهمزةِ الهاءَ، فيَقُولُونَ: هَرَقْتُ الماءَ، وقَالُوا في المستقبَلِ: أُهَرِيقُهُ، ولم يَحْذِفُوا الهاءَ؛ لأنَّهُ لم يَجْتَمِعْ فيهِ مِثْلانِ كما اجْتَمَعَ في أُؤَرِيقُهُ، فَاحْتَاجُوا إلى حَذْفِ أَحَدِهما.
وقَالُوا: أَهْرَقْتُ الماءَ فأنا أُهْرِيقُهُ، بسكونِ الهاءِ في الماضي والمستقبَلِ جميعاً.فالهاءُ في المسألةِ الأولى مفتوحةٌ في الماضي والمستقبَلِ؛ لأنَّها فاءُ الكلمةِ، وفي هذهِ المسألةِ الأخيرةِ زائدةٌ.
وإنَّما زَادُوها ليكونَ جَبْراً لِمَا دَخَلَ الكَلِمَةَ من الحذفِ، كما زَادُوا السِّينَ في أَسْطَاعَ يُسْطِيعُ بمعنى: أَطَاعَ يُطِيعُ؛ لِيَكُونَ جَبْراً لِمَا دَخَلَ الكَلِمَةَ مِن التغييرِ؛ لأنَّ أصلَها أَطْوَعَ يُطْوِعُ.
و(الرَّسْمُ): الأَثَرُ.(المُعَوَّلُ) يَحْتَمِلُ تفسيريْنِ:
أَحَدُهما: أنْ يكونَ (مُعَوَّلٌ) مَوْضِعَ عَوِيلٍ؛ أيْ:بُكَاءٍ، كأنَّهُ قالَ: هلْ عندَ رَسْمِ دارسٍ مِنْ مَبْكَى؟ أُخِذَ من العَوِيلِ، وهوَ الصِّيَاحُ، يُقَالُ: قدْ أَعْوَلُ الرجلُ فهوَ مُعْوِلٌ، إذا فَعَلَ ذلكَ.
ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ المرادُ بـ(المُعَوَّلِ) مَوْضِعاً يَنَالُ فيهِ حَاجَتَهُ، كما تقولُ: مُعَوَّلُنَا على فُلانٍ، ومُعَوَّلٌ: مَحْمَلٌ. يقالُ: عَوِّلْ على فلانٍ؛ أيْ:احْمِلْ عليهِ، يقولُ: فَهَلْ يُحْمَلُ على الرسمِ ويُعَوَّلُ عليهِ بعدِ دُرُوسِهِ؟
إنْ قِيلَ: كيفَ قالَ في البيتِ الأوَّلِ: (لم يَعْفُ رَسْمُهَا)، فأَخْبَرَ أنَّ الرسمَ لم يَدْرُسْ، وقالَ في هذا البيتِ: (فَهَلْ عندَ رَسْمٍ دَارِسٍ)؟ قيلَ لهُ: في هذا غيرُ قَوْلٍ. قالَ الأَصْمَعِيُّ: معناهُ: قدْ دَرَسَ بعضُهُ ولم يَدْرُسْ كُلُّهُ، كما تقولُ: دَرَسَ كِتَابُكَ؛ أيْ:ذَهَبَ بعضُهُ وبَقِيَ بعضُهُ.وقالَ أبو عُبَيْدَةَ: رَجَعَ فأَكْذَبَ نفسَهُ بقولِهِ: (فَهَلْ عندَ رَسْمٍ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ)،كما قالَ زُهَيْرٌ:
قِفْ بِالدِّيَارِ التي لم يَعْفُهَا القِدَمُ = بَلَى وغَيَّرَهَا الأَرواحُ والدِّيَمُ
وقيلَ: ليسَ قولُهُ في هذا البيتِ: (فهلْ عندَ رَسْمٍ) مُناقِضاً لقولِهِ: (لم يَعْفُ رَسْمُها)؛ لأنَّ معناهُ: لم يَدْرُسْ رَسْمُها منْ قَلْبِي، وهوَ في نفسِهِ دارِسٌ، وقَالُوا: أرادَ زُهَيْرٌ في بيتِهِ: قِفْ بالدِّيَارِ التي لم يَعْفُهَا القِدَمُ مِنْ قَلْبِي، ثُمَّ رَجَعَ إلى معنى الدُّرُوسِ، فقالَ: بلى وغَيَّرَهَا الأرواحُ والدِّيَمُ.
7- كَدَأْبِكَ مِنْ أُمِّ الحُوَيْرِثِ قَبْلَهَا =وَجَارَتِهَا أُمِّ الرَّبَابِ بِمَأْسَلِ
(كَدَأْبِكَ)؛ أيْ: كَعَادَتِكَ، وَرَوَى أبو عُبَيْدَةَ: (كَدِينِكَ)، والدِّينُ ههنا: الدَّأْبُ والعادَةُ. والكافُ مُتَعَلِّقَةٌ بقولِهِ: (قِفَا نَبْكِ)، كأنَّهُ قالَ: قِفَا نَبْكِ كَعَادَتِكَ في البُكاءِ، والكافُ في موضعِ نصبٍ، والمَعْنَى: بُكاءً مثلَ عَادَتِكَ.ويَجُوزُ أنْ تكونَ الكافُ مُتَعَلِّقَةً بـ(شِفَائِي)، ويكونُ التقديرُ: كعَادَتِكَ في أنْ تَشْتَفِيَ منْ أُمِّ الحُويرِثِ.
والباءُ منْ قولِهِ:(بِمَأْسَلِ) متعلِّقَةٌ بقولِهِ: (كَدَأْبِكَ)، كأنَّهُ قالَ: كَعَادَتِكَ بمَأْسَلٍ. و(مَأْسَلٌ): موضِعٌ.
و(أُمُّ الحُوَيْرِثِ): هيَ هِرٌّ أُمُّ الحارِثِ بنِ حِصْنِ بنِ ضَمْضَمٍ الكَلْبِيِّ، و(أُمُّ الرَّبَابِ) مِنْ كَلْبٍ أيضاً، يقولُ: لَقِيتَ مِنْ وُقُوفِكَ على هذهِ الديارِ، وتَذَكُّرِكَ أَهْلَها، كما لَقِيتَ مِنْ أُمِّ الحُوَيْرِثِ وجَارَتِها. وقيلَ: المعنى: أنَّكَ أَصَابَكَ مِن التَّعَبِ والنَّصَبِ منْ هذهِ المَرْأَةِ كما أَصَابَكَ مِنْ هاتَيْنِ المرأتيْنِ.
8- إِذَا قَامَتَا تَضَوَّعَ المِسْكُ مِنْهُمَا = نَسِيمَ الصَّبَا جَاءَتْ بِرَيَّا القَرَنْفُلِ
(المِسْكُ) يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وكذلكَ العَنْبَرُ، وقيلَ: مَنْ أَنَّثَ إنَّما ذَهَبَ بهِ إلى معنى الرِّيحِ، ومَنْ أَنَّثَ فرِوَايَتُهُ: (تَضَوَّعُ المِسْكُ مِنْهُمَا)، يريدُ: تَتَضَوَّعُ، فحَذَفَ إحدَى التَّاءيْنِ. ومعنى (تَضَوَّعَ)؛ أيْ:فَاحَ مُتَفَرِّقاً. ونَصَبَ (نَسِيمَ الصَّبا)؛ لأنَّهُ قامَ مقامَ نَعْتٍ لمصدرٍ محذوفٍ، التقديرُ: تَضَوَّعَ المِسْكُ مِنهما تَضَوُّعاً مثلَ نَسيمِ الصَّبَا. وقيلَ: (نَسِيمَ الصَّبَا) نُصِبَ على المصدرِ، كأنَّهُ في التقديرِ: تَنَسَّمَ تَنَسُّمَ الصَّبَا. ونَسِيمُ الصَّبَا: تَنَسُّمُها. و(رَيَّا القَرَنْفُلِ): رَائِحَتُهُ، ولا تكونُ الرَّيَّا إلاَّ رِيحاً طَيِّبَةً.
ويُرْوَى:

إذَا الْتَفَتَتْ نَحْوِي تَضَوَّعَ رِيحُها = .... البيتَ

وجَعَلَ ابنُ الأَنْبَارِيِّ (جَاءَتْ) صِلَةَ (الصَّبَا)، وقالَ: إنَّما جازَ أنْ تُوصَلَ (الصَّبَا)؛ لأنَّ هُبُوبَها يَخْتَلِفُ، فتَصِيرُ بمنزلةِ المجهولِ، فتُوصَلُ كما تُوصَلُ الذي، قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً}، فـ(يَحْمِلُ) صلةُ (الحِمارِ)، والتقديرُ: كمَثَلِ الحِمارِ الذي يَحْمِلُ أسفاراً.
وهذا الذي ذَكَرَهُ يُنْكِرُهُ البَصريُّونَ؛ لأنَّهم قالُوا: إنَّا لا نَجِدُ في كلامِ العربِ اسماً موصولاً محذوفاً، وصِلَتُهُ مُبْقَاةٌ، ويَجْعَلُونَ مثلَ هذا حالاً، فإذا كانَ الفعلُ ماضياً قَدَّرُوا معَهُ (قَدْ).
9- فَفَاضَتْ دُمُوعُ الْعَيْنِ مِنِّي صَبَابَةً =عَلَى النَّحْرِ حَتَّى بَلَّ دَمْعِيَ مِحْمَلِي
(فَاضَتْ): سَالَتْ. و(الصَّبَابَةُ): رِقَّةُ الشوْقِ، يُقالُ: صَبَبْتُ أَصُبُّ، قالَ الشاعِرُ:

يَصُبُّ إلى الحياةِ ويَشْتَهِيهَا = وفي طُولِ الحياةِ لهُ عَنَاءُ

و(المِحْمَلُ): السَّيْرُ الذي يُحْمَلُ بهِ السيفُ، والجمعُ: حَمَائِلُ، على غيرِ القياسِ، وليسَ لها مِنْ لَفْظِها واحدٌ، ولوْ كانَ لها واحدٌ مِنْ لفظِها لكانَ (حَمِيلَةً)، ولكنَّها لم تُسْمَعْ، قالَ الشاعِرُ في المِحْمَلِ:

* فَارْفَضَّ دَمْعُكَ فَوْقَ ظَهْرِ المِحْمَلِ*

ونصَبَ (صَبَابَةً)؛ لأنَّهُ مصدَرٌ وُضِعَ موضِعَ الحالِ، كقولِكَ: جاءَ زَيْدٌ مَشْياً؛ أيْ: مَاشِياً. ومثلُهُ قولُهُ تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً}؛ أيْ: غَائِراً. ويَجُوزُ أنْ يكونَ نَصَبَ (صَبابةً) على أنَّهُ مفعولٌ لهُ.
وممَّا يُسْأَلُ عنهُ في هذا البيتِ أنْ يُقالَ: كيفَ يَبُلُّ الدَّمْعُ مِحْمَلَهُ، وإنَّما المِحْمَلُ على عَاتِقِهِ؟ فيُقالُ: قدْ يكونُ منهُ على صدرِهِ، فإذا بَكَى وجَرَى عليهِ الدَّمْعُ ابْتَلَّ.
10- أَلا رُبَّ يَوْمٍ لَكَ مِنْهُنَّ صَالِحٍ = ولا سِيَّمَا يَوْمٍ بِدَارَةِ جُلْجُلِ
(ألا) افتتاحٌ للكلامِ. و(رُبَّ) فيها لُغاتٌ، أَفْصَحُهُنَّ ضَمُّ الراءِ وتشديدُ الباءِ. ومن العربِ مَنْ يَضُمُّ الراءَ ويُخَفِّفُ الباءَ، فيقولُ: رُبَ رَجُلٍ قائمٍ. ويُرْوَى عنْ عاصمٍأنَّهُ قالَ: قَرَأْتُ على زِرِّ بنِ حُبَيْشٍ: (رُبَّمَا) بالتشديدِ، فقالَ: إِنَّكَ لَتُحِبُّ الرُّبَّ، (رُبَمَا)، فخَفَّفَهُ.
ومن العربِ مَنْ يَفْتَحُ الراءَ ويُشَدِّدُ الباءَ، فيقولُ: رَبَّ رجُلٍ قائمٍ. وزَعَمَ الكِسَائِيُّ أنَّهُ سَمِعَ التخفيفَ في المفتوحةِ. ومن العربِ مَنْ يُدْخِلُ معَها تاءَ التأنيثِ ويُشَدِّدُ الباءَ، ويَجُوزُ تَخْفِيفُها معَ تاءِ التأنيثِ، فتقولُ: رُبَتَ رجلٍ قائمٍ. والمعنى: ألا رُبَّ يومٍ كانَ فيه لكَ منهم سُرورٌ وغِبْطَةٌ.
و (السِّيُّ): المِثْلُ. (دَارَةُجُلْجُلٍ): مَوْضِعٌ، ويُرْوَى: (ولا سِيَّمَا يَوْمٍ) وَ(يَوْمٌ) بالجرِّ والرفعِ، فمَنْ جَرَّهُ جَعَلَ (مَا) زائدةً للتوكيدِ، وهوَ الجَيِّدُ، ومَنْ رَفَعَهُ جَعَلَ (مَا) بمعنى الذي وأَضْمَرَ مُبْتَدَأً، والمعنى: ولا سِيَّما هوَ يَوْمٌ، وهذا قَبِيحٌ جِدًّا؛ لأنَّهُ حَذَفَ اسماً مُنْفَصِلاً من الصلةِ، وليسَ هذا بمنزلةِ قَوْلِكَ: الذي أَكَلْتُ خُبْزٌ؛ لأنَّ الهاءَ مُتَّصِلَةٌ، فحَسُنَ حَذْفُها، ألا تَرَى أنَّكَ لوْ قُلْتَ: الذي مَرَرْتُ زيدٌ، وتُرِيدُ: الذي مرَرْتُ بهِ زيدٌ، لم يَجُزْ.
فأمَّا نَصْبُ (سِيَّ) فَبِـ(لا)، ولا يَجُوزُ أنْ يكونَ مَبْنِيًّا معَ (لا)؛ لأنَّ (لا) لا يُبْنَى معَ المضافِ؛ لأنَّ ما يُبْنَى مُشَبَّهٌ بالحروفِ، ولا تَقَعُ الإضافةُ في الحروفِ، فإذا أَضَفْتَ المَبْنِيَّ زالَ البناءُ.
ولا يَجُوزُ أنْ تقولَ: جَاءَنِي القومُ سِيَّما زيدٌ، حتَّى تَأْتِيَ بـ(لا). وحَكَى الأَخْفَشُ أنَّهُ يُقَالُ: لا سِيَمَا مُخَفَّفاً.
ومعنى قولِهِ:(ولا سِيَّمَا يَوْمٍبِدَارَةِ جُلْجُلِ) التَّعَجُّبُ منْ فضلِ هذا اليومِ؛ أيْ: هوَ يومٌ يَفْضُلُ سائرَ الأيَّامِ. وقالَ هِشامُ بنُ الكَلْبِيِّ: (دَارَةُ جُلْجُلٍ) عندَ غَمْرِ ذِي كِنْدَةَ. وقالَ الأَصْمَعِيُّ وأبو عُبَيْدَةَ: دَارَةُ جُلْجُلٍ في الحِمَى. ويقالُ: دَارٌ ودارةٌ، وغَديرٌ وغَدِيرةٌ، وإزارٌ وإِزَارَةٌ.
ويُرْوَى: (أَلا رُبَّ يَوْمٍ صَالِحٍ لَكَ مِنْهُمُ)، فإنْ قِيلَ: كيفَ جازَأنْ يُقالَ: (مِنْهُم) وهُنَّ نِساءٌ؟
فالجوابُ: أنْ يُقالَ: كأنَّهُ عَنَاهُنَّ وعَنَى أَهْلَهُنَّ، فغَلَبَ المُذَكَّرُ على المؤنَّثِ.
ويُرْوَى: (صَالِحٍ لَكَ مِنْهُمَا).وأَجْوَدُ الرواياتِ: (ألا رُبَّ يومٍ لكَ مِنْهُنَّ صالِحٍ) على ما فيهِ مِن الكَفِّ،وهوَ حَذْفُ النُّونِ منْ مَفَاعِيلُنْ.
11- وَيَوْمَ عَقَرْتُ لِلْعَذَارَى مَطِيَّتِي = فَيَا عَجَباً مِنْ رَحْلِهَا المُتَحَمَّلِ
(الْعَذَارَى) جَمْعُ عَذْرَاءَ، يُقالُ: عَذْرَاءُ وعَذَارٌ وعَذَارَى. فـ(عَذَارٍ) مُنَوَّنٌ في موضعِ الرفعِ والجرِّ، وغيرُ منوَّنٍ في موضِعِ النصبِ، وإذا قُلْتَ: عَذَارَى فالألِفُ بَدَلٌ من الياءِ؛ لأنَّها أخَفُّ منها.
فإنْ قالَ قائلٌ: فلمَ لا أُبْدِلَت الياءُ في (قَاضٍ) ألفاً؟ فزَعَمَ الخَليلُ أنَّ (عَذَارَى) إنَّما أُبْدِلَتْ من الياءِ فيهِ الألِفُ؛ لأنَّهُ لا يُشْكِلُ؛ إذْ كانَ ليسَ في الكلامِ (فَعَالَلُ)،ولم تُبْدَلِ الياءُ في (قَاضٍ) فيُقَالُ: (قَاضًى)؛ لأنَّهُ في الكلامِ (فَاعَلٌ)؛ نَحْوُ: طَابَقٍ وخَاتَمٍ.
فإنْ قالَ قائلٌ: فلِمَ لا تُنَوَّنُ (عَذَارَى) في موضعِ الرفعِ والجرِّ كما تَفْعَلُ في (عَذَارٍ)؟ فالجوابُ في هذا: أنَّ سِيبَوَيْهِ زَعَمَ أنَّ التنوينَ في (عَذَارٍ) وما أَشْبَهَهَا عِوَضٌ من الياءِ، فإذا جِئْتَ بالألفِ عِوَضاً من الياءِ لم يَجُزْ أنْ تُعَوِّضَ من الياءِ شيئاً آخرَ.
وزَعَمَ أبو العبَّاسِ مُحَمَّدُ بنُ يَزِيدَ، أنَّ التنوينَ في (عَذَارٍ) وما أَشْبَهَهَا عِوَضٌ من الحركةِ، فإذا كانَ عِوَضاً من الحركةِ، والألفُ لا يَجُوزُ أنْ تُحَرَّكَ، فكيفَ يَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ التنوينُ عِوَضاً من الحركةِ فيما لا يُحَرَّكُ.
وقولُهُ: (فَيَا عَجَباً) الألِفُ بَدَلٌ مِن الياءِ، كما تَقُولُ: يا غُلامَا أَقْبِلْ. تُرِيدُ: يا غُلامِي. ويُقالُ: كيفَ يَجُوزُ أنْ يُنَادَى العَجَبُ، وهوَ مِمَّا لا يُجِيبُ ولا يَفْهَمُ؟ فالجوابُ في هذا أنَّ العربَ إذا أرَادَتْ أنْ تُعَظِّمَ أَمْرَ الخبرِ جَعَلَتْهُ نِداءً.قالَ سِيبَوَيْهِ: إذا قُلْتَ: يا عَجَباً فَكَأَنَّكَ قُلْتَ: تَعَالَ يا عَجَبُ؛ فإنَّ هذا منْ إِبَّانِكَ، فهذا أَبْلَغُ مِنْ قولِكَ: تَعَجَّبْتُ.
ونظيرُ هذا قَوْلُهم: لا أَرَيَنَّكَ ههنا؛ لأنَّهُ قدْ عُلِمَ أنَّهُ لا يَنْهَى نفسَهُ، والتقديرُ: لا تَكُنْ ههنا؛ فإنَّهُ مَنْ يَكُنْ ههنا أَرَهُ.
وقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: {وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}، فقدْ عُلِمَ أنَّهُ لا يَنْهَاهُمْ عن الموتِ،والتقديرُ واللَّهُ أَعْلَمُ: اثْبُتُوا على الإسْلامِ حتَّى يَأْتِيَكُمُ الموتُ. وكذلكَ قولُهُ: (يَا عَجَباً) قدْ عُلِمَ أنَّهُ لا يُنَادِي العَجَبَ، فالمعنى: انْتَبِهُوا للعَجَبِ.
وقولُهُ:(يَوْمَ عَقَرْتُ) يَوْمَ: في موضِعِ جرٍّ، معطوفٌ على (يَوْمٍ) الذي يَلِي (سِيَّما). ومَنْ رفَعَ فقالَ: (ولا سِيَّما يومٌ)، فموضِعُ (يَوْمٍ) الثَّانِي رَفْعٌ. وإنَّما فُتِحَ؛ لأنَّهُ جَعَلَ (يَوْماً) و(عَقَرْتُ) بمَنْزِلَةِ اسمٍ واحدٍ. وكذلكَ ظُرُوفُ الزمانِ إذا أُضِيفَتْ إلى الأفعالِ الماضِيَةِ، أو اسمٍ غيرِ مُتَمَكِّنٍ، بُنِيَتْ معَها؛نَحْوُ: أَعْجَبَنِي يَوْمَ خَرَجَ زيدٌ.ونَحْوُ ما أَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:

عَلَى حِينَ أَلْهَى النَّاسَ جُلُّ أُمُورِهِمْ =فَنَدْلاً زُرَيْقُ المالَ نَدلَ الثَّعَالِبِ

ويَجُوزُ أنْ يكونَ (يَوْمَ) منصوباً مُعْرَباً، كأنَّهُ: اذْكُرْ يومَ عَقَرْتُ.ففي إعرابِ (يَوْمٍ) ثلاثةُ أَوْجُهٍ: النصبُ بفعلٍ مُضْمَرٍ، والجرُّ عَطْفاً على اليومِ الذي قبلَهُ، والثالثُ أنْ يكونَ مَرْفُوعَ المَوْضِعِ مَبْنِيَّ اللفظِ؛ لإضافتِهِ إلى فِعْلٍ مَبْنِيٍّ. وعندَ الكُوفِيِّينَ يَجُوزُ أنْ تُبْنَى ظُرُوفُ الزمانِ معَ الفعلِ المستقبَلِ، ولا يَجُوزُ ذلكَ عندَ البَصْرِيِّينَ؛ لأنَّ المُسْتَقْبَلَ مُعْرَبٌ.
ومِنْ خَبَرِ هذا اليومِ أنَّ امْرَأَ القَيْسِ كانَ عاشِقاً لابْنَةِ عَمٍّ لهُ، يُقالُ لها: عُنَيْزَةُ.وكانَ يَحْتَالُ في طَلَبِ الغِرَّةِ مِنْ أَهْلِها، فلم يُمْكِنْهُ ذلكَ.حتَّى إذا كانَ يومُ الغَدِيرِ، وهوَ يومُ دَارَةِ جُلْجُلٍ، احْتَمَلَ الحَيُّ، فتَقَدَّمَ الرجالُ وخَلَّفُوا النساءَ والعَبيدَ والثَّقَلَ.فلَمَّا رَأَى ذلكَ امْرُؤُ القيسِ تَخَلَّفَ بعدَ قومِهِ غَلْوَةً، فَكَمَنْ في غَيَابَةٍ من الأرضِ حتَّى مَرَّتْ بهِ النساءُ، وإذا فَتَيَاتٌ فِيهِنَّ عُنَيْزَةُ.
فَعَدَلْنَ إلى الغَدِيرِ ونَزَلْنَ، وتَحَيَّزَ العَبِيدُ عَنْهُنَّ، ودَخَلْنَ الغَدِيرَ، فأَتَاهُنَّ امْرُؤُ القَيْسِ، وهُنَّ غَوَافِلُ، فأَخَذَ ثِيَابَهُنَّ، ثُمَّ جَمَعَها وقَعَد عَلَيْهَا وقالَ: واللَّهِ لا أُعْطِي جَارِيَةً مِنْكُنَّ ثَوْبَها ولوْ ظَلَّتْ في الغَدِيرِ إلى الليلِ، حتَّى تَخْرُجَ كما هيَ مُتَجَرِّدَةً فَتَكُونُ هِيَ التي تَأْخُذُ ثَوْبَهَا.
فأَبَيْنَ عليهِ حتَّى ارْتَفَعَ النهارُ وخَشِينَ أنْ يُقَصِّرْنَ دونَ المَنْزِلِ الذي يُرِدْنَهُ، فخَرَجَتْ إحداهُنَّ، فوَضَعَ لها ثَوْبَهَا ناحيَةً فمَشَتْ إليهِ فأَخَذَتْهُ ولَبِسَتْهُ، ثمَّ تَتَابَعْنَ على ذلكَ، حتَّى بَقِيَتْ عُنَيْزَةُ فَنَاشَدَتْهُ اللَّهَ أنْ يَضَعَ ثَوْبَهَا، فقالَ: لا واللَّهِ لا تَمَسِّينَهُ دونَ أنْ تَخْرُجِي عُرْيَانَةً كما خَرَجْنَ، فخَرَجَتْ فنَظَرَ إليها مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً، فوَضَعَ لها ثَوْبَهَا فأَخَذَتْهُ ولَبِسَتْهُ.
فأَقْبَلَت النِّسْوَةُ عليهِ، وقُلْنَ لهُ:غَدِّنَا؛ فَقَدْ حَبَسْتَنَا وجَوَّعْتَنَا. فَقَالَ: أَإِنْ نَحَرْتُ لَكُنَّ نَاقَتِي تَأْكُلْنَ مِنها؟ قُلْنْ: نَعَمْ. فاخْتَرَطَ سَيْفَهُ فعَرْقَبَهَا ثُمَّ كَشَطَها، وجَمَعَ الخَدَمُ حَطَباً كثيراً، وأَجَّجَ ناراً عظيمةً، وجَعَلَ يَقْطَعُ لَهُنَّ مِنْ كَبِدِهَا وسَنَامِها وأَطَايِبِها، فَيَرْمِيهِ على الجَمْرِ، وَهُنَّ يَأْكُلْنَ ويَشْرَبْنَ مِنْ فَضْلَةٍ كانَتْ مَعَهُ في زُكْرَةٍ لهُ، ويُغَنِّيهِنَّ ويَنْبِذُ إلى العَبيدِ مِن الكِبابِ حتَّى شَبِعْنَ وشَبِعُوا، وطَرِبْنَ وطَرِبُوا.
فلَمَّا ارْتَحَلُوا قالَتْ إحداهُنَّ: أنا أَحْمِلُ حَشِيَّتَهُ وأَنْسَاعَهُ. وقالَت الأُخرى: أنا أَحْمِلُ طِنْفَسَتَهُ. فتَقَسَّمْنَ مَتَاعَ رَاحِلَتِهِ بَيْنَهُنَّ، وبَقِيَتْ عُنَيْزَةُ لم يُحَمِّلْهَا شيئاً، وقالَ لَهَا: ليسَ لكِ بُدٌّ مِنْ أنْ تَحْمِلِينِي معَكِ؛ فإنِّي لا أُطِيقُ المشيَ ولم أَتَعَوَّدْهُ،فحَمَلَتْهُ على بَعِيرِها.فلمَّا كانَ قريباً من الحيِّ نَزَلَ فأقامَ حتَّى إذا جَنَّهُ الليلُ أَتَى أَهْلَهُ ليلاً.
وقولُهُ: (فَيَا عَجَباً مِنْ رَحْلِهَا المُتَحَمَّلِ)؛ أي: العَجَبُ لَهُنَّ ومِنْهُنَّ، كيفَ أَطَقْنَ حَمْلَ الرَّحْلِ في هَوَادِجِهِنَّ وكيفَ رَحَّلْنَ إِبِلَهُنَّ على تَنَعُّمِهِنَّ ورَفاهةِ عَيْشِهِنَّ.
12- فظَلَّ العَذَارَى يَرْتَمِينَ بِلَحْمِهَا = وشَحْمٍ كَهُدَّابِ الدِّمَقْسِ المُفَتَّلِ
(يَرْتَمِينَ) يُنَاوِلُ بَعْضُهُنَّ بعضاً. و(الهُدَّابُ) والهُدْبُ واحدٌ، وهوَ طَرَفُ الثوبِ الذي لم يَسْتَتِمَّ نَسْجُهُ.و(الدِّمَقْسُ): الحريرُ الأبيضُ، ويُقالُ: هوَ القَزُّ، وهوَ المِدَقْسُ أيضاً.
وقيلَ: الدِّمَقْسُ والمِدَقْسُ: كُلُّ ثوبٍ أَبْيَضُ مِنْ كَتَّانٍ أوْ إِبْرَيْسَمٍ أوْ قَزٍّ. وشَبَّهَ شَحْمَ هذهِ الناقةِ وهؤلاءِ الجَوَارِي يَتَرَامَيْنَهُ؛ أيْ: يَتَهَادَيْنَهُ، بهُدَّابِ الدِّمَقْسِ، وهوَ غَزْلُ الإِبرَيْسَمِ المفتولِ. و(المُفَتَّلُ) بمعنى المفتولِ، إلاَّ أنَّكَ إذا قُلْتَ: مَفْتُولٌ يَقَعُ للقليلِ والكثيرِ، وإذا قُلْتَ: مُفَتَّلٌ، لم يَكُنْ إلاَّ للكثيرِ.
ويُقَالُ: ظَلَّ يَفْعَلُ كذا، إذا فَعَلَهُ نَهاراً، وباتَ يفعَلُ كذا، إذا فَعَلَهُ ليلاً.وأصلُ (ظَلَّ): ظَلَلَ، فكَرِهَت العربُالجمعَ بينَ حرفيْنِ مُتَحَرِّكَيْنِ مِنْ جِنْسٍ واحدٍ، فأَسْقَطُوا حركةَ الحرفِ الأوَّلِ، وأَدْغَمُوهُ في الثاني. و(الْعَذَارَى) اسمُ (ظَلَّ)، و(يَرْتَمِينَ) خَبَرُها، والكافُ في قَوْلِهِ: (كَهُدَّابِ) في مَوْضِعِ جرٍّ؛ لأنَّها نَعْتٌ للشَّحْمِ؛ أيْ: مِثْلِ هُدَّابِ.
13- ويَوْمَ دَخَلْتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيْزَةٍ = فَقَالَتْ: لَكَ الْوَيْلاتُ، إِنَّكَ مُرْجِلِي
قولُهُ:(ويومَ) معطوفٌ على قولِهِ:(يَوْمَ عَقَرْتُ)، يَجُوزُ فيهِ ما جازَ فيهِ. و(الخِدْرُ): الهَوْدَجُ، ويُرْوَى: ويومَ دَخَلْتُ الخِدْرَ يَوْمَ عُنَيْزَةٍ)، فعُنَيْزَةُ على هذهِ الروايَةِ هَضْبَةٌ سَوْدَاءُ بالشِّحْرِ ببَطْنِ فَلْجٍ، وعلى الروايَةِ الأُولَى اسمُ امرأةٍ.
وقولُهُ: (لَكَ الوَيْلاتُ) دُعاءٌ عليهِ. و(مُرْجِلِي) فيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أنْ يَكُونَ المرادُ: إنِّي أَخَافُ أنْ تَعْقِرَ بَعِيرِي كما عَقَرْتَ بَعِيرَكَ.
والثاني، وهوَ الصحيحُ: أنْ يكونَ المرادُ لَمَّا حَمَلَتْهُ على بعيرِها، ومالَ معَها في شِقِّها كَرِهَتْ أنْ يَعْقِرَ البَعِيرَ.ويُقَالُ: رَجِلَ الرَّجُلُ يَرْجَلُ، إذا صَارَ رَاجِلاً، وأَرْجَلَهُ غيرُهُ إذا صَيَّرَهُ كذلكَ.
وقالَ ابنُ الأنبارِيِّ: في قَوْلِهِ: (لكَ الوَيْلاتُ) قولانِ:
أحدُهما: أنْ يكونَ دعاءً منها عليهِ؛ إذْ كانَتْ تَخَافُ أنْ يَعْقِرَ بَعِيرَها.
والقولُ الآخَرُ: أنْ يكونَ دُعَاءً مِنها لهُ على الحقيقةِ، كما تقولُ العربُ للرَّجُلِ إذا رَمَى فأَجَادَ: قَاتَلَهُ اللَّهُ ما أَرْمَاهُ! قالَ الشاعِرُ:

لكَ الوَيْلاتُ، أَقْدِمْنَا عَلَيْهِم =وخَيْرُ الطَّالِبِي التِّرَةِ الغَشُومُ

وقالَت الكِنْدِيَّةُ تَرْثِي إِخْوَتَهَا:

هَوَتْ أُمُّهُمْ ماذَا بِهِم يومَ صُرِّعُوا = بِجَيْشَانَ مِنْ أَبْيَاتِ مَجْدٍ تَصَرَّمَا؟

فقولُها: (هَوَتْ أُمُّهُمْ) دعاءٌ عليهم في الظاهِرِ، وهوَ دُعَاءٌ لهم في الحقيقةِ، وحقيقةُ مثلِ هذا أنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى المَدْحِ والثناءِ عليهم، لا الدُّعاءِ لهم.
14- تَقُولُ وقدْ مَالَ الغَبِيطُ بِنَا مَعاً =عَقَرْتَ بَعِيرِي يَا امْرَأَ الْقَيْسِ فانْزِلِ
(الغَبِيطُ): الهَوْدَجُ بعينِهِ، وقيلَ: قَتَبُ الهَوْدَجِ،وقيلَ: مَرْكَبٌ مِنْ مراكِبِ النساءِ. ونَصَبَ (مَعاً)؛ لأنَّهُ في موضعِ الحالِ من النونِ والألفِ، والعاملُ فيهِ (مَالَ).فأمَّا قولُكَ: جِئْتُ معَهُ، فنَصْبُها عندَ سِيبَوَيْهِ على أنَّها ظرفٌ، قالَ سِيبَوَيْهِ: سَأَلْتُ الخَليلَ عنْ قولِهم: جِئْتُ مَعَهُ، لم نُصِبَتْ؟ فقالَ: لأنَّهُ كَثُرَ استعمالُهم لها مُضافةً، فقالُوا: جِئْتُ مَعَهُ، وجِئْتُ مِنْ مَعِهِ، فصارَتْ بمنزلةِ (أَمَامَ)، يعني أنَّها ظرفٌ.فأمَّا قولُ الشاعرِ:

فَرِيشِي مِنْكُمُ وَهَوَايَ مَعْكُمْ = وإنْ كَانَتْ زِيَارَتُكُمْ لِمَامَا

فعندَ أبي العبَّاسِ أنَّهُ قَدَّرَ (مَعْ) حرفاً بمنزلةِ (فِي)؛ لأنَّ الأسماءَ لا يُسَكَّنْ حَرْفُ الإعرابِ منها.
وقولُهُ: (عَقَرْتَ بَعِيرِي) قالَ أبو عُبَيْدَةَ: وإنَّما قالَتْ: عَقَرْتَ بَعِيرِي، ولم تَقُلْ: نَاقَتِي؛ لأنَّهم يَحْمِلُونَ النساءَ على الذُّكُورِ؛ لأنَّها أَقْوَى وأَضْبَطُ.والبَعِيرُ يَقَعُ على المذكَّرِ والمؤنَّثِ، وإذا كانَ كذلكَ فلا فَرْقَ بينَ أنْ تقولَ: (بَعِيرِي)، وأنْتقولَ: (نَاقَتِي)؛ لأنَّ البعيرَ يَقَعُ عليهما.
والجُمْلَةُ التي في قَوْلِهِ: (وقدْ مالَ الغَبِيطُ بنا مَعاً) في موضِعِ الحالِ.
وقولُهُ: (عَقَرْتَ بَعِيرِي) مفعولُ (تَقُولُ).وإنَّما مالَ الغَبِيطُ لأنَّهُ انْثَنَى عليها يُقَبِّلُها، فصَارَا معاً في شِقٍّ وَاحِدٍ.
15- فَقُلْتُ لَهَا: سِيرِي وَأَرْخِي زِمَامَهُ =ولا تُبْعِدِينِي مِنْ جَنَاكِ المُعَلِّلِ
(جَنَاهَا): ما اجْتَنَى منها مِن القُبَلِ. و(المُعَلِّلِ): الذي يُعَلِّلُهُ وَيَتَشَفَّى بِهِ.وَابْنُ كَيْسَانَ يَرْوِي: (المُعَلَّلِ) بفتحِ اللامِ؛ أي: الذي قدْ عُلِّلَ بالطِّيبِ؛ أيْ: طُيِّبَ مَرَّةً بعدَ مَرَّةٍ.
ومعنى البيتِ أنَّهُ تَهَاوَنَ بأمرِ الجملِ في حاجتِهِ، فأَمَرَها أنْ تُخَلِّي زِمَامَهُ، ولا تُبَالِي ما أَصَابَهُ مِنْ ذلكَ.
16- فَمِثْلِكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقْتُ وَمُرْضِعٍ =فَأَلْهَيْتُهَا عَنْ ذِي تَمَائِمَ مُحْوِلِ
وروايَةُ سِيبَوَيْهِ: (ومِثْلِكِ بِكْراً قَدْ طَرَقْتُ وَثَيِّباً) يُرِيدُ: رُبَّ مِثْلِكِ، والعَرَبُ تُبْدِلُ مِنْ (رُبَّ) الواوَ، وتُبْدِلُ من الواوِ الفاءَ؛ لاشتراكِهِما في العَطْفِ. ولوْ رُوِيَ: (فمِثْلَكِ حُبْلَى قدْ طَرَقْتُ ومُرْضِعاً) لَكَانَ جَيِّداً، على أنْ تَنْصِبَ (مِثلاً) بـ(طَرَقْتُ)، وتَعْطِفَ (مُرْضِعاً) عليهِ، إلاَّ أنَّهُ لم يُرْوَ.
و(أَلْهَيْتُهَا): شَغَلْتُها، يُقَالُ: لَهِيتُ عن الشيءِ أَلْهَى، إذا تَرَكْتَهُ وشُغِلْتَ عنهُ. والمصدرُ: لَهْياً ولُهِيًّا. وحَكَى الرِّيَاشِيُّ: لِهْيَاناً، ولَهَوْتُ بهِ أَلْهُو لَهْواً لا غَيْرُ.
وقولُهُ:(عَنْ ذِي تَمَائِمَ)؛ أيْ: عنْ صَبِيٍّ ذي تَمائِمَ، أقامَ الصفةَ مُقَامَ الموصوفِ. و(التَّمَائِمُ): التَّعَاوِيذُ، واحِدَتُها تَمِيمَةٌ، وتُجْمَعُ تَمِيمَةٌ على تَمِيمٍ. ومعنى (مُحْوِلِ)؛ أيْ:قدْ أَتَى عليهِ حَوْلٌ، والعربُ تقولُ لكلِّ صغيرٍ: مُحْوِلٌ ومُحِيلٌ، وإنْ لم يَأْتِ عليهِ حَوْلٌ، وكانَ يَجِبُ أنْ يكونَ (مُحِيلٌ) مثلَ (مُقِيمٍ)، إلاَّ أنَّهُ أَخْرَجَهُ على الأصلِ، كما جاءَ: اسْتَحْوَذَ.
ومعنى البيتِ أنَّهُ يُنَفِّقُ نفسَهُ عليها، فَيَقُولُ: إنَّ الحامِلَ والمُرْضِعَ لا تَكَادَانِ تَرْغَبَانِ في الرِّجَالِ، وهُمَا تَرْغَبَانِ فِيَّ لجَمَالِي.
ويُرْوَى: (مُغْيَلِ)، والمُغْيَلُ: الذي تُؤْتَى أُمُّهُ وهيَ تُرْضِعُهُ.
17- إِذَا ما بَكَى مِنْ خَلْفِهَا انْصَرَفَتْ لَهُ = بِشِقٍّ، وتَحْتِي شِقُّهَا لَمْ يُحَوَّلِ
ويُرْوَى: (انْحَرَفَتْ لَهُ).قالَ ابنُ الأنباريِّ: كانَتْ تَحْتَهُ، فإذا بَكَى الصبيُّ انْصَرَفَتْ لهُ بشِقٍّ تُرْضِعُهُ، وهيَ تحتَهُ بَعْدُ.وإنَّما تَفْعَلُ هذا؛ لأنَّ هَوَاهَا معَهُ. ويُرْوَى: (إذَا ما بَكَى مِنْ حُبِّهَا).
وقالَ أبو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: معنَى البيتِ أنَّهُ لَمَّا قَبَّلَهَا أَقْبَلَتْ تَنْظُرُ إليهِ وإلى وَلَدِها، وإنَّما يُريدُ بقولِهِ: (انْصَرَفَتْ لهُ بشِقٍّ) يعني أنَّها أَمَالَتْ طَرَفَها إليهِ، وليسَ يُرِيدُ أنَّ هذا مِن الفاحشةِ؛ لأنَّها لا تَقْدِرُ أنْ تَمِيلَ بشِقِّهَا إلى وَلَدِها في وقتٍ يَكُونُ منهُ إليها ما يَكُونُ، وإنَّما يُرِيدُ أنَّهُ يُقَبِّلُها، وخَدُّهَا تَحْتَهُ.
18- ويوماً عَلَى ظَهْرِ الكَثِيبِ تَعَذَّرَتْ = عَلَيَّ وَآلَتْ حَلْفَةً لم تَحَلَّلِ
نَصَبَ (يَوْماً) بـ(تَعَذَّرَتْ)، ومعنى تَعَذَّرَت: امْتَنَعَتْ، مِنْ قَوْلِهِم: تَعَذَّرَتْ عَلَيَّ الحاجةُ.قالَ أبو حَاتِمٍ: أَصْلُهُ من العُذْرِ؛ أيْ:وَجَدَها على غيرِ ما يُرِيدُ.وقيلَ: تَعَذَّرَتْ: جاءَتْ بالمعاذيرِ منْ غيرِ عُذْرٍ. يُقَالُ: تَعَذَّرَ فهوَ مُتَعَذِّرٌ، وعَذَّرَ فهوَ مُعَذِّرٌ، إذا تَعَلَّلَ بالمَعَاذِيرِ.
و(آلَتْ): حَلَفَتْ، يُقالُ: آلَى يُؤْلِي إِيلاءً وأَلِيَّةً وأَلْوَةً وأُلْوَةً وإِلْوَةً.
ونَصَبَ (حَلْفَةً) على المصدرِ؛ لأنَّ معنى (آلَى): حَلَفَ، والعَرَبُ تقولُ: هوَ يَدَعُهُ تَرْكاً.
ومعنى (لم تَحَلَّلِ): لم تَقُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ. مِن التَّحِلَّةِ في اليَمِينِ.
و(الكَثِيبُ): الرملُ المجتمِعُ المرتَفِعُ على غَيْرِهِ.
19- أَفَاطِمَ مَهْلاً بَعْضَ هَذَا التَّدَلُّلِ =وَإِنْ كُنْتِ قَدْ أَزْمَعْتِ صَرْمِي فَأَجْمِلِي
قالَ ابنُ الكَلْبِيِّ: فَاطِمَةُ هيَ ابنةُ عُبَيْدِ بنِ ثَعْلَبَةَ بنِ عامرٍ. قالَ: وعامرٌ هوَ الأَجْدَارُ بنُ عَوْفِ بنِ كِنَانَةَ بنِ عَوْفِ بنِ عُذْرَةَ. قالَ: ولها يقولُ:
لا وَأَبِيكِ ابْنةَ العَامِرِ = يِّ لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أَفِرْ
وإنَّما سُمِّيَ الأَجْدَارَ؛لَجَدَرَةٍ كانَتْ في عُنُقِهِ.
وقولُهُ:(أَزْمَعْتِ صَرْمِي)؛ أيْ: عَزَمْتِ عليهِ. و(الصُّرْمُ): الهَجْرُ،والصَّرْمُ المصدرُ.
و(أَفَاطِمَ) تَرْخِيمُ (فاطمةَ) على لُغَةِ مَنْ قالَ: يا حَارِ أَقْبِلْ. والعربُ تَجْعَلُ الألفَ موضِعَ (يَا) في النداءِ والترخيمِ. وزَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّ الحروفَ التي يُنَبَّهُ بها - يعني: يُنَادَى بها - يا، وأَيَا، وهَيَا، وأيْ، والألِفُ، وزادَ الفَرَّاءُ: آيْ زيدُ، وَوَازَيْدُ.
ومعنى البيتِ أنَّهُ يقولُ لها: إنْ كانَ هذا مِنْكِ تَدَلُّلاً فأَقْصِرِي، وإنْ كانَ عنْ بِغْضَةٍ فأَجْمِلِي؛ أيْ: أَحْسِنِي.ويُقالُ: أَجْمِلِي في اللفظِ، ويُقالُ: أَدَلَّ فلانٌ على فلانٍ، إذا أَلْزَمَهُ ما لا يَجِبُ عليهِ دَالَّةً منهُ عليهِ. ورَوَى أبو عُبَيْدَةَ: (وإنْ كُنْتِ قَدْ أَزْمَعْتِ قَتْلِي).
20- وإنْ تَكُ قَدْ سَاءَتْكِ مِنِّي خَلِيقَةٌ = فَسُلِّي ثِيَابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسُلِ
(سَاءَتْكِ): آذَتْكِ. و(الخَلِيقَةُ) والخُلُقُ واحدٌ. و(تَنْسُلِ): تَسْقُطِ، يُقالُ: نَسَلَ رِيشُ الطائرِ، إذا سَقَطَ، يَنْسُلُ.وأَنْسَلَ: إذَا نَبَتَ.
وقولُهُ: (تَكُ) في موضِعِ الجزمِ، وأصلُهُ: تكونُ، فتُحْذَفُ ضَمَّةُ النونِ للجزمِ، وتَبْقَى النونُ ساكنةً، والواوُ ساكنةٌ، فتُحْذَفُ الواوُ لسكونِها وسكونِ النونِ، فيَصِيرُ تَكُنْ، ثمَّ حُذِفَت النونُ مِنْ: تَكُنْ. ولا يَجُوزُ أنْ تُحْذَفَ مِنْ نَظائِرِها، لوْ قُلْتَ: لم يَصُ زَيْدٌ نفسَهُ، لم يَجُزْ حتَّى تأتِيَ بالنونِ، والفرقُ بينَ (يكونُ) وبينَ نظَائِرِها أنَّ (يكونُ) فعلٌ يَكْثُرُ استعمالُهم لهُ، وهم يَحْذِفُون ممَّا كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُم لهُ. ومعنى كثرةِ الاستعمالِ في هذا: أنَّ (كانَ) و(يكونُ) يُعَبَّرُ بِهِما عنْ كلِّ الأفعالِ، تقولُ: كانَ زَيْدٌ يَقُومُ، وكانَ زيدٌ يَجْلِسُ، وما أَشْبَهَ ذلكَ، فلَمَّا كَثُرَ استعمالُهم لـ(كانَ) و(يكونُ) حُذِفَت النونُ مِنْ (يَكُنْ)، وشُبِّهَتْ بحروفِ المدِّ واللِّينِ، فحُذِفَتْ كما يُحْذَفْنَ.
والدليلُ على أنَّها مُشَبَّهَةٌ بحروفِ المَدِّ واللِّينِ أنَّها لا تُحْذَفُ في موضِعٍ تكونُ فيهِ مُتَحَرِّكَةً، لا يَجُوزُ أنْ تقولَ: لم يَكُ الرجلُ مُنْطَلِقاً؛ لأنَّها في موضِعِ حركةٍ؛ لأنَّكَ تقولُ: لم يَكُنِ الرَّجُلُ مُنْطَلِقاً.
وقولُهُ: (فَسُلِّي ثِيَابِي مِنْ ثِيَابِكِ) يعني: قَلْبَهُ مِنْ قَلْبِهَا؛ أيْ: خَلِّصي قَلْبِي مِنْ قَلْبِكِ.

حفيدة بني عامر
13 Dec 2008, 08:50 مساء
21- أَغَرَّكِ مِنِّي أَنَّ حُبَّكِ قَاتِلِي = وأَنَّكِ مَهْمَا تَأْمُرِي الْقَلْبَ يَفْعَلِ؟
(أَغَرَّكِ)؛ أيْ: أَحَمَلَكِ على الغِرَّةِ، وهوَ فِعْلُ مَنْ لم يُجَرِّبِ الأمورَ. و(أنَّ حُبَّكِ) في موضِعِ رَفْعٍ، كأنَّكَ قُلْتَ: أَغَرَّكِ منِّي حُبِّيكِ؟ و(تَأْمُرِي) في مَوْضِعِ جَزْمٍ بـ(مَهْمَا). قالَ الخَلِيلُ: الأصلُ في (مَهْمَا) مَامَا، فـ(مَا) الأُولَى تَدْخُلُ للشرطِ في قولِكَ: ما تَفْعَلْ أَفْعَلْ، و(مَا) الثانيَةُ زائدةٌ للتوكيدِ.
وقالَ الفَرَّاءُ: كانَ الأصلُ في (مَهْمَا) ما، فحَذَفَت العربُ الألفَ منها، وجَعَلَت الهاءَ خَلَفاً مِنها، ثُمَّ وُصِلَتْ بـ(مَا)، فدَلَّتْ على المعنَى، وصارَتْ هيَ كأنَّها صِلَةٌ لـ(مَا)، وهيَ في الأصلِ اسمٌ. وكذلكَ (مَهْمَنْ). قالَ الشاعِرُ:
أَمَاوِيَّ مَهْمَنْ يَسْتَمِعْ في صَديقِهِ =أَقَاوِيلَ هذا النَّاسِ مَاوِيَّ يَنْدَمِ
وقيلَ: معنى (مَهْ)؛ أيْ: كُفَّ، كما تقولُ للرجلِ إذا فعَلَ فِعْلاً لا تَرْضَاهُ مِنهُ: مَهْ؛ أيْ: كُفَّ.
والمعنى: فإنَّكِ مَهْمَا تَأْمُرِي قَلْبَكِ يَفْعَلْ؛ لأنَّكَ مَالِكَةٌ لهُ، وأنا لا أَمْلِكُ قَلْبِي. وقالَ قومٌ: المعنى: مَهْمَا تَأْمُرِي قَلْبِي يَفْعَلْ؛ لأنَّهُ مُطِيعٌ لكِ.
22- وما ذَرَفَتْ عَيْنَاكِ إِلاَّ لِتَضْرِبِي = بِسَهْمَيْكِ فِي أَعْشَارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ
(ذَرَفَتْ): دَمَعَتْ.و(مُقَتَّلٌ): مُذَلَّلٌ مُنْقَادٌ. وقولُهُ: (إِلاَّ لِتَضْرِبِي بِسَهْمَيْكِ) يقولُ: ما بَكَيْتِ إلاَّ لِتَجْرَحِي قَلباً مُعَشَّراً؛ أيْ:مُكَسَّراً، مِنْ قولِهم: بُرْمَةٌ أَعْشَارٌ، وقَدَحٌ أَعْشَارٌ، إذا كانَ قِطَعاً، ولم يُسْمَعْ للأعشارِ بواحِدٍ.
يقولُ: بَكَيْتِ لِتَجْعَلِي قَلْبِي مُقَطَّعاً مُخَرَّقاً، كما يُخَرِّقُ الجابِرُ أعشارَ البُرمةِ، والبُرمةُ تَنْجَبِرُ والقلبُ لا يَنْجَبِرُ. ومثلُهُ:

رَمَتْكَ ابْنَةُ البَكْرِيِّ عنْ فَرْعِ ضَالَةٍ = وهُنَّ بِنَا خُوصٌ يُخَلْنَ نَعَائِمَا

أيْ: نَظَرَتْ إليكَ، فأَقْرَحَتْ قَلْبَكَ، ليسَ أنَّها رَمَتْكَ بسَهْمٍ.
وقيلَ: معناهُ:أنَّ هذا مَثَلٌ لأَعْشَارِ الجَزُورِ، وهيَ تُقَسَّمُ على عَشَرَةِ أَنْصِبَاءَ، ثمَّ يُجَالُ عليها بالسِّهامِ، التي هيَ: الفَذُّ والتَّوْءَمُ والرَّقِيبُ والحِلْسُ والنافِسُ والمُسْبِلُ والمُعَلَّى، فالفَذُّ لهُ نصيبٌ إذا فازَ، والتوءَمُ لهُ نَصِيبَانِ، والرَّقِيبُ لهُ ثلاثةُأَنْصِبَاءَ، والحِلْسُ لهُ أربعةٌ، والنافِسُ لهُ خَمْسَةٌ، والمُسْبِلُ لهُ سِتَّةٌ، والمُعَلَّى لهُ سبعةٌ.فقولُهُ: (بِسَهْمَيْكِ) يُرِيدُ: المُعَلَّى، ولهُ سبعةُ أَنْصِبَاءَ، والرَّقِيبَ ولهُ ثلاثةُ أَنْصِبَاءَ، فأرادَ أنَّكِ ذَهَبْتِ بقَلْبِي أَجْمَعَ.
ورَوَى أبو نَصْرٍ عن الأَصْمَعِيِّ أنَّهُ قالَ: معناهُ: دَخَلَ حُبُّكِ في قلبي كما يَدْخُلُ السَّهْمُ، يقولُ: لم تَبْكِي لأنَّكِ مظلومةٌ، وإنَّما بَكَيْتِ لِتَقْدَحِي في قلبي، كما يَقْدَحُ القادِحُ في الأعشارِ. وأَجْوَدُ هذهِ الوجوهِ أنْ يكونَ المرادُ بالسهميْنِ المُعَلَّى والرقيبَ؛ لأنَّهُ جَعَلَ بُكاءَها سَبَباً لِغَلَبَتِها على قَلْبِهِ، فكأنَّها حينَ بَكَتْ فازَ سَهْمَاهَا، شَبَّهَهَا باليَسَرِ - وهوَ المُقَامِرُ - إذا اسْتَوْلَى بقَدَحَيْنِ على أعشارِ الجَزُورِ؛ وذلكَ أنَّهُ لا يُسْتَوْلَى على الجَزُورِ كُلِّها بأَقَلَّ مِنْ سَهْمَيْنِ.
23- وَبَيْضَةِ خِدْرٍ لا يُرَامُ خِبَاؤُهَا = تَمَتَّعْتُ مِنْ لَهْوٍ بِهَا غَيْرَ مُعْجَلِ
أيْ: رُبَّ بَيْضَةِ خِدْرٍ، يعني امرأةً كالبَيْضَةِ في صِيَانَتِها، وقِيلَ: في صفائِها ورِقَّتِها، (لا يُرَامُ خِبَاؤُها)؛ لِعِزِّها. و(الخِبَاءُ): ما كانَ على عَمُودَيْنِ أوْ ثلاثةٍ، والبيتُ: ما كانَ على سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ إلى التسعةِ، والخَيْمَةُ: ما كانَ على الشَّجَرِ.
يقولُ: رُبَّ امْرَأَةٍ مُخَدَّرَةٍ مَكْنُونَةٍ، لا تَبْرُزُ للشمسِ ولا تَظْهَرُ للناسِ، ولا يُوصَلُ إليها، وَصَلْتُ إليها وتَمَتَّعْتُ منها؛ أيْ: جَعَلْتُها لي بمنزلةِ المتاعِ، (غَيْرَ مُعْجَلِ): غيرَ خائفٍ؛ أيْ: لم يَكُنْ ذلكَ ممَّا كُنْتُ أَفْعَلُهُ مَرَّةً ومَرَّتَيْنِ.
24- تَجَاوَزْتُ أَحْرَاساً إِلَيْهَا ومَعْشَراً = عَلَيَّ حِرَاصاً لوْ يُسِرُّونَ مَقْتَلِي
(أَحْرَاسٌ): جمعُ حَرَسٍ، ويُرْوَى: (تَخَطَّيْتُ أَبْوَاباً إِلَيْهَا)، و: (أَهْوَالاً إليها).و(مَعْشراً) يُرِيدُ قَوْمَها، ويُرْوَى: (يُسِرُّونَ) بالسينِ غيرَ مُعْجَمَةٍ، و(يُشِرُّونَ) بالشينِ معجمةً. فَمَنْ رَوَاهُ بالسينِ غيرَ معجمةٍ احْتَمَلَ أنْيكونَ معناهُ: يَكْتُمُونَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ معناهُ: يُظْهِرُونَ، وهوَ من الأَضَّدادِ. وقيلَ في قَوْلِهِ تعالى: {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ}:إنَّ معناهُ: أَظْهَرُوا، وقِيلَ: كَتَمُوها ممَّنْ أَمَرُوهُ بالكفرِ.
وأما (يُشِرُّونَ) فمعناهُ: يُظْهِرُونَ لا غيرُ، يُقَالُ: أَشْرَرْتُ الثوبَ إذا نَشَرْتَهُ، ومعنى البيتِ: أنِّي تَجَاوَزْتُ الأحراسَ وغيرَهم حتَّى وَصَلْتُ إليها، وهم يُهِمُّونَ بقَتْلِي ويَفْزَعُونَ مِنْ ذلكَ؛ لنَبَاهَتِي ومَوْضِعِي مِنْ قَوْمِي.
وقولُهُ: (لوْ يُشِرُّونَ مَقْتَلِي) يُريدُ: أنْ يُشِرُّوا، و(أنْ) تُضَارِعُ (لَوْ) في مثلِ هذا الموضعِ. يُقَالُ: وَدِدْتُ أنْ يقومَ عبدُ اللَّهِ، ووَدِدْتُ لوْ قامَ عبدُ اللَّهِ. إلاَّ أنَّ (لَوْ) يَرْتَفِعُ المستقبَلُ بعدَها، و(أنْ) تَنْصِبُ الفعلَ المستقبَلَ.قالَ اللَّهُ تعالى: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ}، فجاءَ بـ(أنْ). وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ}، والمعنى: وَدُّوا أنْ تُدْهِنَ فيُدْهِنُوا. و(إلى) تَتَعَلَّقُ بـ(تَجَاوَزْتُ) و(عَلَيَّ) بـ(حِرَاصٍ)، و(مَقْتَلِي) منصوبٌ بـ(يُشِرُّونَ).
25- إذَا مَا الثُّرَيَّا في السماءِ تَعَرَّضَتْ = تَعَرُّضَ أَثْنَاءِ الوِشَاحِ المُفَصَّلِ
العامِلُ في (إذَا) قولُهُ:(تَجَاوَزْتُ) في البيتِ الذي قبلَهُ، والمعنَى: تَجَاوَزْتُ أَحْرَاساً إليها عندَ تَعَرُّضِ الثُّرَيَّا في السماءِ، في وَقْتِ غَفْلَةِ رُقَبَائِها. وقولُهُ:(تَعَرَّضَتْ) مَعْنَاهُ: أنَّ الثُّرَيَّا تَسْتَقْبِلُكَ بأَنْفِهَا أَوَّلَ ما تَطْلُعُ، فإذا أَرَادَتْ أَنْ تَسْقُطَ تَعَرَّضَتْ، كما أنَّ الوِشَاحَ إذا طُرِحَ تَلَقَّاكَ بِنَاحِيَتِهِ. و(الوِشَاحُ): خَزَرٌ يُعْمَلُ مِنْ كُلِّ لَوْنٍ. و(المُفَصَّلُ): الذي قدْ فُصِّلَ بالزَّبَرْجَدِ. و(أثناءُ الوِشاحِ): نَوَاحِيهِ ومُنْقَطَعُهُ. والأثناءُ: واحِدُها ثِنْيٌ وثِنًى وثَنًى.وواحِدُ آلاءِ اللَّهِ: إِلْيٌ وإِلًى وأَلًى. وواحِدُ آناءِ الليلِ: إِنْيٌ وإِنًى وأَنًى.
وأَنْكَرَ قومٌ: (إِذَا ما الثُّرَيَّا في السماءِ تَعَرَّضَتْ)، وقَالُوا: الثُّرَيَّا لا تَعَرُّضَ لها. وقَالُوا: عَنَى بالثُّرَيَّا الجَوْزَاءَ؛ لأنَّ الثُّرَيَّا لا تَعَرَّضُ. وقدْ تَفْعَلُ العربُ مثلَ هذا، كما قالَ زُهَيْرٌ: (كَأَحْمَرِ عَادٍ)، والمرادُ: أَحْمَرُ ثَمُودَ، فجَعَل عاداً في موضعِ ثَمُودَ لضرورةِ الشِّعرِ.
وقالَ أبو عمرٍو: تَأْخُذُ الثُّرَيَّا وسطَ السماءِ كما يَأْخُذُ الوِشاحُ وسَطَ المرأةِ،شَبَّهَ اجتماعَ كواكِبِ الثُّرَيَّا، ودُنُوَّ بَعْضِها منْ بعضٍ بالوشاحِ المُنَظَّمِ بالوَدَعِ المفصَّلِ بينَهُ.ويقالُ: إنَّها إذا طَلَعَتْ طَلَعَتْ على استقامةٍ، فإذا اسْتَقَلَّتْ تَعَرَّضَتْ.
26- فجِئْتُ وَقَدْ نَضَتْ لِنَوْمٍ ثِيَابَهَا = لَدَى السِّتْرِ إِلاَّ لِبْسَةَ المُتَفَضِّلِ
(نَضَتْ): أَلْقَتْ. والواوُ في (وَقَدْ نَضَتْ) واوُ الحالِ. و(المُتَفَضِّلُ): الذي يَبْقَى في ثوبٍ واحدٍ؛ لِيَنَامَ أوْ لِيَعْمَلَ عَمَلاً.واسمُ الثيابِ الفُضُلُ، ويقالُ للرَّجُلِ والمرأةِ: فُضُلٌ أيضاً. والمِفْضَلُ: الإِزَارُ الذي يُنَامُ فيهِ. يُخْبِرُأنَّهُ جَاءَها وَقْتَ خُلْوَتِها ونومِها؛ لِيَنَالَ مِنها ما يُرِيدُ.
27- فَقَالَتْ: يَمِينَ اللَّهِ مَا لَكَ حِيلَةٌ = وما إنْ أَرَى عَنْكَ الغَوَايَةَ تَنْجَلِي
ويُرْوَى: (وما إنْ أَرَى عَنْكَ الْعَمَايَةَ). والعَمايَةُ: مصدرُ عَمِيَ قَلْبُهُ يَعْمَى عَمًى وعَمايَةً.
و(الغَوَايَةُ) والغَيُّ واحدٌ. و(تَنْجَلِي): تَنْكَشِفُ، وجَلَيْتُ الشيءَ كَشَفْتَهُ.و(يَمينَ اللَّهِ)، منصوبٌ بمعنَى: حَلَفْتُ بيمينِ اللَّهِ، ثمَّ أَسْقَطَ الحرفَ فتَعَدَّى الفعلُ.ويُرْوَى:(يَمِينُ اللَّهِ) بالرفعِ، ورَفْعُهُ على الابتداءِ، وخَبَرُهُ محذوفٌ، والتقديرُ: يَمِينُ اللَّهِ قَسَمِي، أوْ: عَلَيَّ.
و(إنْ) في قَوْلِهِ: (ما إنْ أَرَى عَنْكَ الغَوَايَةَ) توكيدٌ للنفيِ. ومعنى البيتِ: أنَّها خافَتْ أنْ يُظْهَرَ عَلَيْهِمَا، ويُعْلَمَ بأَمْرِهِما، فالمعنى: ما لَكَ حِيلةٌ في التخلُّصِ.ويَجُوزُ أنْ يكونَ المعنَى: مالَكَ حِيلةٌ فيما قَصَدْتَ لهُ. وقالَ ابنُ حبيبٍ: إنِّي لا أَقْدِرُ أنْ أَحْتَالَ في دَفْعِكَ عَنِّي.
28- فَقُمْتُ بِهَا أَمْشِي تَجُرُّ وَرَاءَنَا = عَلَى إِثْرِنَا أَذْيَالَ مِرْطٍ مُرَحَّلِ
ويُرْوَى: (على أَثَرَيْنَا ذَيْلَ مِرْطٍ)، والمِرْطُ: إزارُ خَزٍّ مُعْلَمٌ.و(المُرَحَّلُ): الذي فيهِ صُوَرُ الرِّحَالِ مِن الوَشْيِ.وقولُهُ: (أَمْشِي) في موضعِ النصبِ على الحالِ.
ومعنى البيتِ: أنَّها لَمَّا قالَتْ لهُ: مَالَكَ حِيلَةٌ هنا،خَرَجَ بها إلى الخَلْوَةِ، ومعنى جَرِّها أَذْيَالَهَا: أنَّها تَفْعَلُ ذلكَ لِتُعَفِّيَ أَثَرَهُما؛ لِئَلاَّ يُقْتَفَى أَثَرُهما فيُعْرَفَ مَوْضِعُهما.
29- فلَمَّا أَجَزْنَا سَاحَةَ الْحَيِّ وَانْتَحَى = بِنَا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي قِفَافٍ عَقَنْقَلِ
(أَجَزْنَا) وجُزْنَا بمعنًى واحدٍ.وقالَ الأَصْمَعِيُّ: (أَجَزْنَا): قَطَعْنَا وخَلَّفْنَاهُ، وجُزْنَا: سِرْنَا فيهِ. و(السَّاحَةُ) والبَاحَةُ والفَجْوَةُ والعَرْوَةُ والنَّالَةُ كُلُّها فِناءُ الدارِ، ويُقالُ: هيَ الرَّحْبَةُ كالعَرْصَةِ. و(انْتَحَى): اعْتَرَضَ.و(الخَبْتُ): بَطْنٌ مِن الأرضِ غَامِضٌ.ويُرْوَى: (بَطْنُحِقْفٍ)، والحِقْفُ: ما اعْوَجَّ مِن الرملِ وانْثَنَى، وجمعُهُ أَحْقَافٌ.و(القُفُّ): ما ارْتَفَعَ مِن الأرضِ وغَلُظَ ولم يَبْلُغْ أنْ يكونَ جَبَلاً. ويُرْوَى: (ذِي رُكامٍ)، والرُّكَامُ: ما يَرْكَبُ بَعْضُهُ بعضاً مِن الكثرةِ. و(العَقَنْقَلُ): المُتَعَقِّدُ الداخِلُ بعضُهُ في بعضٍ. وعَقَنْقَلُ الضَّبِّ: بَطْنُهُ المُتَعَقِّدُ، وهوَ كُشْيَتُهُ وبَيْضُهُ.والكُشْيَةُ: شَحْمُهُ منْ أصلِ حَلْقِهِ إلى رُفْغِهِ.
وجوابُ (فَلَمَّا أَجَزْنَا) قولُهُ:
30- هَصَرْتُ بِفَوْدَيْ رَأْسِهَا فَتَمَايَلَتْ =عَلَيَّ هَضِيمَ الكَشْحِ رَيَّا المُخَلْخَلِ
وذَكَرَ بعضُهم أنَّ جوابَ (لَمَّا) قولُهُ:(انْتَحَى بِنَا)، والواوُ مُقْحَمَةٌ.ويَجُوزُ أنْ تكونَ الواوُ غيرَ مُقْحَمَةٍ، ويكونَ الجوابُ محذوفاً، ويكونَ التقديرُ: فلَمَّا أَجَزْنَا ساحةَ الحيِّ أَمِنَّا.وعلى هذا الوَجْهِ تكونُ رِوايَةُ البيتِ الذي بعدَهُ:

إذَا قُلْتُ: هَاتِي نَوِّلِينِي تَمَايَلَتْ =عَلَيَّ....البيتَ.

ويُرْوَى: (مَدَدْتُ بِغُصْنَيْ دَوْمَةٍ). ودَوْمَةٌ: شَجَرَةٌ. و(الفَوْدَانِ): جَانِبَا الرَّأْسِ. ومعنى (هَصَرْتُ): جَذَبْتُ وثَنَيْتُ.و(الكَشْحُ): ما بَيْنَ مُنْقَطَعِ الأضلاعِ إلى الوَرِكِ.و(المُخَلْخَلُ): موضِعُ الخُلْخَالِ، يَصِفُ دِقَّةَ خَصْرِها وَعَبَالَةَ سَاقَيْهَا. و(هَضِيمُ الكَشْحِ) منصوبٌ على الحالِ، وكذلكَ (رَيَّا المُخَلْخَلِ).
ومَنْ رَوَى: (إذا قُلْتُ: هَاتِي نَوِّلِينِي) فمعنى التنويلِ التَّقْبِيلُ، وهوَ من النَّوَالِ: العَطِيَّةِ.ويكونُ (إذَا) ظَرْفَ (تَمَايَلَتْ)، وهوَ الجوابُ.
و(إذا) تُشْبِهُ حُرُوفَ الشرطِ، وشَبَهُها بها أنَّها تَرُدُّ الماضِيَ إلى المستقبَلِ، ألا تَرَى أنَّكَ إذا قُلْتَ: إذا قُمْتَ قُمْتُ، فالمعنى: إذا تَقُومُ أَقُومُ. وأيضاً فلأنَّهُ لا بُدَّ لها منْ جوابٍ كحروفِ الشرطِ، ولأنَّهُ لا يَلِيها إلاَّ فِعْلٌ، فإنْ وَلِيَها اسمٌ أَضْمَرْتَ معَهُ فعلاً؛ كقولِ الشاعِرِ:

إذا ابْنَ أَبِي مُوسَى بِلالاً بَلَغْتِهِ = فقامَ بفَأْسٍ بَيْنَ وَصْلَيْكِ جَازِرُ

والتقديرُ: إذا بَلَغْتِ ابنَ أبي مُوسَى. ورَوَى سِيبَوَيْهِ: إذا ابنُ أَبِي موسَى، بالرَّفْعِ. وزَعَمَ أبو العبَّاسِ أنَّ هذا غَلَطٌ، أنْ يُرْفَعَ ما بعدَ إذا بالابتداءِ، ولَكِنَّهُ يَجُوزُ الرَّفْعُ عِنْدَهُ على تَقْدِيرِ: إذا بَلَغَابْنُ أَبِي مُوسَى. والخليلُ وأصحابُهُ يَسْتَقْبِحُونَ أنْ يُجَازُوا بـ(إذَا)، وإنْ كانَتْ تُشْبِهُ حروفَ المُجازاةِ في بعضِ أحوالِها؛ فإنَّها تُخَالِفُهُنَّ بأنَّ ما بعدَها يَقَعُ مُؤَقَّتاً؛ لأنَّكَ إذا قُلْتَ: آتِيكَ إذا احْمَرَّ البُسْرُ، فهوَ وَقْتٌ بعينِهِ. وكذلكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: {إِذَا السَّمَاءُانْشَقَّتْ} وقتٌ بعينِهِ. فَلِهَذَا قُبِّحَ أنْ يُجَازَى بها إلاَّ في الشعرِ،قالَ الشاعِرُ:

تَرْفَعُ لِي خِنْدِفٌ واللَّهُ يَرْفَعُ لِي =ناراً إذَا مَا خَبَتْ نِيرَانُهم تَقِدِ

و(هَضِيمٌ) عندَ الكُوفِيِّينَ بمعنى مهضومةٍ؛ فلذلكَ كانَ بلا هاءٍِ، وهوَ عندَ سِيبَوَيْهِ على النَّسَبِ.وأرادَ بـ(الكَشْحِ) الكشحيْنِ، كما تقولُ: كَحَلْتُ عَيْنِي، تُرِيدُ: عَيْنَيَّ. و(رَيَّا): فَعْلَى مِن الرِّيِّ.والرِّيُّ: انتهاءُ شُرْبِ العَطشانِ، فهوَ عندَ ذلكَ يَمْتَلِئُ جَوْفُهُ، فقيلَ لكلِّ مُمْتَلِئٍ مِنْ شَحْمٍ ولَحْمٍ: رَيَّانُ.
ومعنى البيتِ: أنَّهُ إذا قالَ لها: نَوِّلِينِي، تَمَايَلَتْ عليهِ بِيَدَيْهَا مُلْتَزِمَةً لهُ.
31- مُهَفْهَفَةٌ بَيْضَاءُ غَيْرُ مُفاضةٍ =تَرَائِبُها مصقولةٌ كالسَّجَنْجَلِ
(المُهَفْهَفَةُ): الخَفيفةُ اللَّحْمِ التي لَيْسَتْ برَهِلَةٍ، ولا ضَخْمَةِ البطنِ. و(المُفَاضَةُ): المُسْتَرْخِيَةُ البَطْنِ، وكأنَّهُ مِنْ قَوْلِهِم: حديثٌ مُسْتَفِيضٌ.
و(الترائِبُ): جمعُ تَرِيبَةٍ، وهوَ مَوْضِعُ القِلادةِ من الصَّدْرِ.و(السَّجَنْجَلُ): الِمرآةُ، وقيلَ: سَبِيكَةُ الفِضَّةِ، وهيَ لَفْظَةٌ رُومِيَّةٌ. وروايَةُ أبي عُبَيْدَةَ: (مَصْقُولَةٌ بالسَّجَنْجَلِ).وقيلَ: (السَّجَنْجَلُ): الزَّعْفَرَانُ. وقيلَ: ماءُ الذَّهَبِ.
و(مُهَفْهَفَةٌ) مرفوعةٌ على أنَّها خَبَرُ مبتدأٍ محذوفٍ.والكافُ في قَوْلِهِ: (كالسَّجَنْجَلِ) في موضِعِ رفعٍ نعتٍ لقولِهِ: (مَصْقُولَةٌ).ويَجُوزُ أنْ يكونَ في موضِعِ نَصْبٍ على أنْ يكونَ نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ، كأنَّهُ قالَ: مصقولةٌ صَقلاً كالسَّجَنْجَلِ. وإنَّما يَصِفُ المرأةَ بحَداثةِ السِّنِّ. ويُجْمَعُ السَّجَنْجَلِ: سَجَاجِلَ.ومَنْ رَوَى (بالسَّجَنْجَلِ) فالجارُّ والمجرورُ في موضِعِ النَّصْبِ.
32- تَصُدُّ وتُبْدِي عَنْ أَسِيلٍ وتَتَّقِي =بِنَاظِرَةٍمِنْ وَحْشٍ وَجْرَةَ مُطْفِلِ
أيْ: تُعْرِضُ عَنَّا، وتُبْدِي عنْ خَدٍّ (أَسِيلٍ) ليسَ بِكَزٍّ، وتَلْقَانَا (بناظِرةٍ)؛ يعني عَيْنَها. و(وَجْرَةُ): مَوْضِعٌ، وأرادَ بـ(وحشِ وَجْرَةَ) الظباءَ.ويُرْوَى: (تَصُدُّ وتُبْدِي عنْ شَتِيتٍ)؛ أيْ: عنْ ثَغْرٍ شَتِيتٍ.والشَّتِيتُ: المُتَفَرِّقُ.
و(مُطفِلٌ): ذَاتُ طِفْلٍ. قالَ الفَرَّاءُ: لم يَقُلْ مُطْفِلَةً؛ لأنَّ هذا لا يكونُ إلاَّ للنِّسَاءِ، فصارَ عندَهُ مِثْلَ: حائضٍ.وهوَ على مذهَبِ سِيبَوَيْهِ على النَّسَبِ، كأنَّهُ قالَ: ذاتِ أطفالٍ. والدليلُ على صِحَّةِ قولِهِ أنَّهُ يُقَالُ: مُطْفِلَةٌ، إذا أَرَدْتَ أنْ تَأْتِيَ بهِ، على قولِكَ: أَطْفَلَتْ فهيَ مُطْفِلَةٌ.ولوْ كانَ ما يَقَعُ للمؤنَّثِ، لا يَشْرَكُهُ فيهِ المُذَكَّرُ، لا يَحْتَاجُ إلى الهاءِ فيهِ ما جازَ: مُطْفِلَةٌ، قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: {تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ}.
وقولُهُ: (بناظرةٍ)؛ أيْ: بعينٍ ناظرةٍ.قالَ ابنُ كَيْسَانَ: وتَتَّقِي بناظرةِ مُطْفِلٍ، كأنَّهُ قالَ: بناظرةِ مُطْفِلٍ مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ، ثمَّ غَلِطَ فجاءَ بالتنوينِ، كما قالَ الآخَرُ:
رَحِمَ اللَّهُ أَعْظُماً دَفَنُوهَا =بِسِجِسْتَانَ طَلْحَةِ الطَّلَحَاتِ
تقديرُهُ: رَحِمَ اللَّهُ أَعْظُمَ طَلْحَةِ الطَّلَحَاتِ، فنوَّنَ ثمَّ أَعْرَبَ (طَلْحَةَ) بإعرابِ (أَعْظُمٍ).والأجودُ إذا فُرِّقَ بينَ المضافِ والمضافِ إليهِ ألاَّ يُنَوَّنَ؛ كقولِهِ:

كأنَّ أَصْوَاتَ مِنْ إيغالِهِنَّ بِنَا = أَوَاخِرِ المَيْسِ إِنْقَاضُ الفَرَارِيجِ

كأنَّهُ قالَ: كأنَّ أصواتَ أَوَاخِرِ المَيْسِ.
وفي بَيْتِ امْرِئِ القَيْسِ تقديرٌ أَحْسَنُ منْ هَذَا، وهوَ أنْ يكونَ التقديرُ: بناظرةٍ مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ نَاظِرَةِ مُطْفِلٍ، وتَحْذِفُ (نَاظِرَةً) وتُقِيمُ (مُطْفِلاً) مُقَامَهُ. وكذلكَ قولُهُ: (طَلْحَةِ الطَّلَحَاتِ)، كأنَّهُ قالَ: أَعْظُمَ طَلْحَةِ الطَّلَحَاتِ، ثمَّ حَذَفَ أَعْظُماً وأقامَ طَلْحَةَ مُقَامَها.
ومعنى البيتِ: أنَّها تُعْرِضُ عنَّا اسْتِحْيَاءً، وتَبَسَّمُ فيَبْدُو لنا ثَغْرُها. و(تَتَّقي)؛ أيْ: تَلَقَّانَا بعدَ الإعراضِ عَنَّا بمُلاحَظَتِها، كما تُلاحِظُ الظَّبْيَةُ طِفْلَها. وذلكَ أَحْسَنُ مِنْ غُنْجِ المرأةِ.
33- وَجِيدٍ كَجِيدِ الرِّيمِ لَيْسَ بِفَاحِشٍ =إِذَا هِيَ نَصَّتْهُ ولا بِمُعَطَّلِ
(الجِيدُ): العُنُقُ، و(الرِّيمُ): الظبيُ الأبيضُ الخالِصُ البَيَاضِ. شَبَّهَ عُنُقَها بعُنُقِ الظَّبْيَةِ.و(نَصَّتْهُ): رَفَعَتْهُ.و(المُعَطَّلُ): الَّذِي لا حَلْيَ عليهِ، ومِثْلُهُ العُطُلُ.وقولُهُ: (ليسَ بفاحشٍ)؛ أيْ: ليسَ بكَرِيهِ المَنْظَرِ.و(إذا) ظَرْفٌ لقولِهِ: (لَيْسَ بفاحِشٍ).
34- وفَرْعٍ يَزِينُ المَتْنَ أَسْودَ فاحِمٍ = أَثِيثٍ كَقِنْوِ النَّخْلَةِ المُتَعَثْكِلِ
(الفَرْعُ): الشعَرُ التَّامُّ. و(المَتْنُ) والمَتْنَةُ: ما عنْ يَمِينِ الصُّلْبِ وشِمالِهِ من العَصَبِ واللَّحْمِ.و(الفاحِمُ): الشديدُ السوادِ. و(أَثِيثٌ): كثيرُ أصلِ النباتِ. و(القِنْوُ) والقُنْوُ والقَنَا: العِذْقُ، وهوَ الشِّمْرَاخُ.و(المُتَعَثْكِلُ): الذي قدْ دَخَلَ بعضُهُ في بعضٍ لِكَثْرَتِهِ، مِن العِثْكَالِ والعُثْكُولِ، وهوَ الشِّمْرَاخُ. وقِيلَ: (المُتَعَثكِلُ): المُتَدَلِّي.
35- غَدَائِرُهُ مُسْتَشْزِرَاتٌ إِلَى الْعُلا = تَضِلُّ العِقاصُ في مُثَنًّى ومُرْسَلِ
(الغَدَائِرُ): الذَّوَائِبُ، واحِدَتُها غَدِيرَةٌ. و(مُسْتَشْزِرَاتٌ): مَرْفُوعَاتٌ. وأَصْلُ الشَّرْزِ: الفَتْلُ على غيرِ جِهَةٍ؛ لِكَثْرَتِها.
وقولُهُ: (إِلَى الْعُلا): إلى ما فَوْقَها.و(العِقَاصُ): جَمْعُ عَقِيصَةٍ، وهوَ ما جُمِعَ مِن الشَّعَرِ ففُتِلَ تحتَ الذَّوَائبِ، وهيَ مِشْطَةٌ معروفةٌ، يُرْسِلُونَ فيها بعضَ الشعَرِ، ويُثَنُّونَ بعضَهُ، فالذي فُتِلَ بعضُهُ على بعضٍ هوَ (المُثنَّى).و(المُرْسَلُ): المُسَرَّحُ غيرَ مفتولٍ. فذلكَ قولُهُ: (مُثَنًّى ومُرْسَلِ).وروايَةُ ابنِ الأعرابِيِّ: (مُسْتَشْزِرَاتٌ) بكسرِ الزايِ؛ أيْ: مُرْتَفِعَاتٌ. ويُرْوَى: (يَضِلُّ العِقاصُ) بالياءِ، على أنَّ العِقَاصَ واحدٌ.
قالَ ابنُ كَيْسَانَ: هوَ المِدْرَى، فكأنَّهُ يَسْتَتِرُ في الشَّعَرِ لكثرتِهِ. ويُرْوَى: (تَضِلُّ المَدَارِي)؛ أيْ: منْ كثافةِ شَعَرِها. والمِدْرَى: مثلُ الشَّوْكَةِ، يُصْلَحُ بها شَعَرُ المرأةِ.
36- وكَشْحٍ لَطِيفٍ كالجَدِيلِ مُخَصَّرٍ = وَسَاقٍ كأُنبُوبِ السَّقِيِّ المُذَلَّلِ
(الكَشْحُ): الخَصْرُ. و(اللَّطِيفُ) أرادَ بهِ الصغيرَ الحسَنَ. والعربُ إذا وَصَفَت الشيءَ بالحُسْنِ جَعَلَتْهُ لَطِيفاً. و(الْجَدِيلُ) زِمَامٌ يُتَّخَذُ مِن السُّيُورِ، فيَجِيءُ حَسَناً لَيِّناً يَتَثَنَّى، وهوَ مُشْتَقٌّ من الجَدْلِ، وهوَ شِدَّةُ الخَلْقِ.ومِنهُ الأَجْدَلُ: الصَّقْرُ. ومنهُ المُجَادَلَةُ.
و(الأُنْبُوبُ): البَرْدِيُّ، و(السَّقِيُّ): النخلُ المَسْقِيُّ، كأنَّهُ قالَ: كأُنْبُوبِ النخلِ المَسْقِيِّ. و(المُذَلَّلُ) فيهِ أقوالٌ: أَحَدُها: أنَّهُ الذي قدْ سُقِيَ وذُلِّلَ بالماءِ، حتَّى يُطَاوِعَ كُلَّ مَنْ مَدَّ إليهِ يَدَهُ.وقيلَ: المُذَلَّلُ: الذي يُفَيِّئُهُ أَدْنَى الرِّياحِ لِنَعْمَتِهِ.وقيلَ: يُقالُ: نَخْلٌ مُذَلَّلٌ، إذا امْتَدَّتْ أَقْنَاؤُهُ فاسْتَوَتْ. شَبَّهَ سَاقَهَا ببَرْدِيٍّ قدْ نَبَتَ تحتَ نَخْلٍ، فالنخلُ يُظِلُّهُ من الشمسِ، وذلكَ أحسَنُ ما يكونُ منهُ.
وقيلَ: المعنى: المُذَلَّلُ لهُ الماءُ.
وقيلَ: (المُذَلَّلُ): المَاءُ الذي قدْ خَاضَهُ الناسُ.
37- ويُضْحِي فَتِيتُ المِسْكِ فَوْقَ فِرَاشِهَا = نَؤُومَ الضُّحَى لم تَنْتَطِقْ عنْ تَفَضُّلِ
(فَتِيتُ المِسْكِ): ما تَفَتَّتْ منهُ؛ أيْ: تَحَاتَّ عنْ جِلْدِها في فراشِها. وَقِيلَ: كَأَنَّ فِرَاشَها فيهِ المِسْكُ مِنْ طِيبِ جَسَدِها، لا لأنَّ أَحَداً فَتَّ لَهَا فيهِ مِسكاً، واحْتَجَّ بقولِهِ:
وَجَدْتُ بِهَا طِيباً وإنْ لَمْ تَطَيَّبِ
وقولُهُ: (يُضْحِي)؛ أيْ: يَدْخُلُ في الضُّحَى، كما يُقالُ: أَظْلَمَ، إذا دَخَلَ في الظلامِ.
ولا يَحْتَاجُ في هذا إلى خَبَرٍ.و(نَؤُومَ الضُّحَى) منصوبٌ على (أَعْنِي)، وفيهِ مَعْنَى المَدْحِ. ولا يَجُوزُ أنْ يكونَ منصوباً على الحالِ، ألا تَرَى أنَّكَ إذا قُلْتَ: جاءَنِي غلامُ هِنْدٍ مُسرعةً، لم يَجُزْ أنْ تَنْصِبَ مُسْرعةً على الحالِ مِنْ هِنْدٍ، إلاَّ على حِيلةٍ بَعيدةٍ. والعِلَّةُ في هذا أنَّ الفعلَ لم يَعْمَلْ في الثاني شيئاً، والحِيلةُ التي يَجُوزُ عليها أنَّ معنى قولِكَ: جاءَنِي غلامُ هِنْدٍ، فيهِ معنى (تَحُثُّهُ)، فتنصِبُهُ بهِ.
وقدْ رُوِيَ: (نَؤُومُ الضُّحَى) على معنى: هيَ نَؤُومُ الضُّحَى.ويَجُوزُ (نَؤُومِ الضُّحَى) على البدلِ مِن الضميرِ الذي في (فِراشِها). والضُّحَى مُؤَنَّثةٌ تَأْنِيثَ صِيغَةٍ، وليسَت الألفُ فيها بألفِ تأنيثٍ، وإنَّما هيَ بمنزلةِ مُوسَى الحَدِيدِ. وتصغيرُ ضُحًى: ضُحَيٌّ، والقياسُ: ضُحَيَّةٌ، إلاَّ أنَّهُ لوْ قِيلَ: ضُحَيَّةٌ لأَشْبَهَ تصغيرَ: ضَحْوَةٍ.والضُّحَى قبلَ الضَّحَاءِ.
ومعنى (عَنْ تَفَضُّلِ): بعدَ تَفَضُّلٍ. وقالَ أبو عُبَيْدَةَ: (لم تَنْتَطِقْ عنْ تَفَضُّلٍ)؛ أيْ: لم تَنْتَطِقْ فتَعْمَلَ وتَطُوفَ، ولكنَّها تَتَفَضَّلُ ولا تَنْتَطِقُ. وقيلَ: التفضُّلُ: التوَشُّحُ، وهوَ لُبْسُها أَدْنَى ثِيابِها، والانتطاقُ: الائْتِزَارُ للعملِ.
38- وتَعْطُو بِرَخْصٍ غيرِ شَثْنٍ كأنَّهُ = أَسَارِيعُ ظَبْيٍ أَوْ مَسَاوِيكُ إِسْحِلِ
(تَعْطُو): تَنَاوَلُ، (بِرَخْصٍ)؛ أيْ:بِبَنَانِ رَخْصٍ، (غَيْرِ شَثْنٍ)؛ أيْ: غيرِ كَزٍّ غليظٍ. و(ظَبْيٌ): اسمُ كَثِيبٍ، و(الأَسَارِيعُ): جمعُ أُسْرُوعٍ ويُسْرُوعٍ، وهيَ دَوَابُّ تكونُ في الرملِ.وقيلَ: في الحشيشِ، ظُهورُها مُلسٌ. و(الإِسْحِلُ): شَجَرٌ لهُ أغصانٌ ناعمةٌ. شَبَّهَ أَنَامِلَها بأَسَارِيعَ أوْ مَسَاوِيكَ؛ لِلِينِهَا.
39- تُضِيءُ الظَّلامَ بِالعِشَاءِ كأنَّها =مَنَارَةُ مُمْسَى رَاهِبٍ مُتَبَتِّلِ
(المُتَبَتِّلُ): صفةُ الراهِبِ، وهوَ المنفَرِدُ.وقيلَ: إنَّهُ المنقطِعُ عن الناسِ، المشغولُ بعبادةِ اللَّهِ.وقولُهُ: (بالعشاءِ) معناهُ: في العِشاءِ.وقولُهُ: (كأنَّها * مَنَارَةُ)؛ أيْ: كأنَّها سِرَاجُ مَنارةٍ. وقيلَ: هوَ علَى غيرِ حذفٍ، والمعنى: أنَّ مَنَارَةَ الراهبِ تُشْرِقُ بالليلِ، إذا أَوْقَدَ فيها قِنْدِيلَهُ.
و(المَنَارَةُ): مَفْعَلَةٌ من النُّورِ. وخَصَّ الراهبَ؛ لأنَّهُ لا يُطْفِئُ سِرَاجَهُ.
و(مُمْسَى رَاهِبٍ): إِمْسَاءُ رَاهِبٍ. ومعنى البيتِ: إنَّها وَضِيئَةُ الوَجْهِ، إذا ابْتَسَمَتْ بالليلِ رَأَيْتَ لِثَنَايَاهَا بَريقاً وَضَوْءاً، وإذا بَرَزَتْ في الظلامِ اسْتَنَارَ وَجْهُها، وظَهَرَ جَمالُها، حتَّى يَغْلِبَ ظُلْمَةَ الليلِ.
40- إلى مِثْلِها يَرْنُو الحَلِيمُ صَبابةً =إذا مَا اسْبَكَرَّتْ بَيْنَ دِرْعٍ ومِجْوَلِ
(يَرْنُو)؛ أيْ: يُدِيمُ النظرَ. و(الصَّبَابَةُ): رِقَّةُ الشوقِ، وهوَ مصدرٌ في موضِعِ الحالِ. ويَجُوز أنْ يكونَ مفعولاً لأجلِهِ.
و(اسْبَكَرَّت): امْتَدَّتْ، والمرادُ تمامُ شَبَابِها.و(الدِّرْعُ): قَميصُ المرأةِ الكبيرةِ. و(المِجْوَلُ): للصغيرةِ؛ أيْ: أنَّها بَيْنَ مَنْ يَلْبَسُ الدِّرْعَ وبينَ مَنْ يَلْبَسُ المِجْوَلَ؛ أيْ: لَيْسَتْ بصغيرةٍ ولا بكبيرةٍ، هيَ بينَهما.
إنْ قِيلَ: كيفَ قالَ: (بينَ دِرْعٍ ومِجْوَلِ)، وإنَّما هيَ تحتَهما؟ فالجوابُ عنْ هذا أنَّهُ يقالُ: إنَّ المِجْوَلَ الوِشَاحُ، فهوَ يُصِيبُ بعضَ بَدَنِها، والدِّرعُ أيضاً يُصِيبُ بعضَ بَدَنِها، فكأنَّها بينَهما، والوجهُ الجيِّدُ هوَ الأوَّلُ.
و(إلَى) تَتَعَلَّقُ بـ(يَرْنُو)، و(بينَ) بـ(اسْبَكَرَّتْ).
41- كَبِكْرِ الْمُقَانَاةِ البَياضَُِ بِصُفْرَةٍ =غَذاهَا نَمِيرُ الماءِ غَيْرَ مُحَلَّلِ
(البِكْرُ) ههنا: أوَّلُ بَيْضِ النعامةِ. و(المُقاناةُ): المُخَالَطَةُ، يُقالُ: ما يُقَانِينِي خُلُقُ فُلانٍ؛ أيْ:ما يُشَاكِلُ خُلُقِي.
و(غَيْرَ مُحَلَّلِ): لم يُحْلَلْ عليهِ فَيَكْدَرَ.
و(النَّمِيرُ) من الماءِ: الذي يَنْجَعُ في الشَّارِبَةِ، وإنْ لمْ يَكُنْ عَذْباً؛ لأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ عَذْبٍ نَمِيراً.
ومَنْ رَوَى (غَيْرَ مُحَلِّلِ) بكسرِ اللامِ أرادَ أنَّهُ قليلٌ ينقطِعُ سريعاً. و(غَيْرَ) منصوبٌ على الحالِ.
وقولُهُ: (كَبِكْرِ المُقَانَاةِ) التقديرُ: كبِكْرِ البَيْضِ المُقَانَاةِ، وأَدْخَلَ الهاءَ لتأنيثِ الجماعةِ، كأنَّهُ قالَ: كبِكْرِ جَمَاعةِ البَيْضِ. ونصَبَ (البَيَاضَ) على أنَّهُ خَبَرُ ما لم يُسَمَّ فاعلُهُ، واسمُ ما لم يُسَمَّ فاعِلُهُ مُضْمَرٌ. والمعنى: كبِكْرِ البَيْضِ الذي قُونِيَ هوَ البياضَ، كما تَقُولُ: مَرَرْتُ بالمُعْطَى الدِّرْهَمَ.
ومَنْ رَوَى (البَيَاضَ) بالجرِّ شَبَّهَهُ بـ(الحَسَنِ الوَجْهِ).وفيهِ بُعْدٌ؛ لأنَّهُ مُشَبَّهٌ بما لَيْسَ مِنْ بابِهِ. وقدْ أَجَازُوا بالمُعْطَى الدِّرْهَمِ.وقالَ ابنُ كَيْسَانَ: ويُرْوَى: (كبِكْرِ المُقاناةِ البَيَاضُ)، وزَعَمَ أنَّ التقديرَ: كبِكْرِ المُقاناةِ بَيَاضُهُ، وجَعَلَ الألفَ واللامَ مَقَامَ الهاءِ.ومثلُهُ قولُهُ عَزَّ وجَلَّ: {فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}؛ أيْ: مَأْوَاهُ.
وهذا كأنَّهُ مَقِيسٌ على قولِ الكُوفِيِّينَ؛ لأنَّهم يُجِيزُونَ: مَرَرْتُ بالرَّجُلِ الحَسَنِ الوَجْهُ؛ أي: الْحَسَنِ وَجْهُهُ، يُقِيمُونَ الألفَ واللامَ مقامَ الهاءِ.
وقالَ الزَّجَّاجُ: هذا خطأٌ؛ لأنَّكَ لوْ قُلْتَ: مَرَرْتُ بالرَّجُلِ الحسنِ الوَجْهُ، لم يَعُدْ على الرجلِ مِنْ نَعْتِهِ شيءٌ. فأمَّا قولُهم: (إنَّ الألفَ واللامَ بمنزلةِ الهاءِ) فخطأٌ؛ لأنَّهُ لوْ كانَ هذا هكذا، لجازَ: زيدٌ الأبُ مُنْطَلِقٌ، تُرِيدُ: أَبُوهُ مُنْطَلِقٌ.
وأمَّا قولُهُ: {فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}، فالمعنى واللَّهُأعلمُ: هيَ المَأْوَى لَهُ، ثمَّ حُذِفَ ذلكَ لعِلْمِ السامعِ.
ومعنى البيتِ: أنَّهُ يَصِفُ أنَّ بياضَها تُخَالِطُهُ صُفْرَةٌ، وليسَتْ بخالصةِ البَيَاضِ، فجَمَعَ في البيتِ مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهما: أنَّها لَيْسَتْ بخالصةِ البياضِ.
والآخَرُ: أنَّها حَسَنَةُ الغِذاءِ.
وقيلَ: إنَّهُ يُرِيدُ بالبِكْرِ هنا الدُّرَّةُ التي لم تُثَقَّبْ، وهكذا لونُ الدُّرَّةِ، ويَصِفُ أن هذهِ الدُّرَّةَ بينَ الماءِ المِلْحِ والعَذْبِ، فهيَ أحسَنُ ما يكونُ. فأمَّا على القولِ الأوَّلِ فإنَّ (غَذَاهَا) يكونُ راجعاً إلى المرأةِ؛ أيْ: نَشَأَتْ بأرضٍ مَرِيئَةٍ.
42- تَسَلَّتْ عَمَايَاتُ الرِّجَالِ عن الصِّبَا = وليسَ فُؤَادِي عنْ هَوَاهُ بمُنْسَلِي
ويُرْوَى: (عنْ هَوَاكِ)، و(عَنْ صِباهُ). والصِّبا: أنْ يَفْعَلَ فِعْلَ الصِّبيانِ، يُقَالُ: صَبَا إلى اللَّهْوِ يَصْبُو صَباءً وَصُبُوًّا. و(العَمَايَاتُ): جمعُ عَمايَةٍ، وهيَ الجَهَالَةُ. و(مُنْسَلِي): مُنْفَعِلٌ مِن السُّلُوِّ. و(عَن) الأُولَى تَتَعَلَّقُ بـ(تَسَلَّتْ)، والثانيَةُ بـ(مُنْسَلٍ).

43- أَلا رُبَّ خَصْمٍ فِيكِ أَلْوَىرَدَدْتُهُ = نَصِيحٍ على تَعْذَالِهِ غَيْرِ مُؤْتَلِي
(الخَصْمُ): يكونُ وَاحِداً وجَمعاً ومؤنثاً ومذكَّراً.و(الأَلْوَى) الشَّدِيدُ الخُصومَةِ، كأنَّهُ يَلْتَوِي على خَصْمِهِ بالحُجَجِ.و(التَّعْذَالُ) والعَذْلُ واحدٌ. و(مُؤْتَلٌ)؛ أيْ:مُقَصِّرٌ. ومعنى (رَدَدْتُهُ)؛ أيْ: لَمْ أَقْبَلْ مِنهُ نُصْحَهُ.ومعنى (غَيْرِ مُؤْتَلٍ)؛ أيْ:غَيرِ تارِكٍ نُصْحِي بِجُهدِهِ.
44- وَلَيْلٍ كَمَوْجِ الْبَحْرِ مُرْخٍ سُدُولَهُ = عَلَيَّ بِأَنْوَاعِ الْهُمُومِ لِيَبْتَلِي
(كَمَوْجِ البحرِ)؛ يعني: في كَثافةِ ظُلْمَتِهِ.و(سُدُولُهُ): سُتُورُهُ. واحِدُهُ: سَدْلٌ. وسَدَلَ ثَوْبَهُ، إذا أَرْخَاهُ ولمْ يَضُمَّهُ. وقولُهُ: (بأنواعِ الهُمُومِ)؛ أيْ: بِضُرُوبِ الهمومِ. (لِيَبْتَلِي)؛ أيْ: لِيَنْظُرَ ما عندِي من الصبرِ والجَزَعِ.ويَبْتَلِي بمعنى: يَخْتَبِرُ.
ومعنى البيتِ: أنَّهُ يُخْبِرُ أنَّ اللَّيْلَ قدْ طَالَ عليهِ.
و(سُدُولَهُ) يَنْتَصِبُ بـ(مُرْخٍ)، وَ(عَلَيَّ) تَتَعَلَّقُ بـ(مُرْخٍ)، وكذلكَ البَاءُ في (بأنواعِ الهُمُومِ).
45- فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا تَمَطَّى بِصُلْبِهِ = وأَرْدَفَ أَعْجَازاً وَنَاءَ بِكَلْكَلِ
ورَوَى الأَصْمَعِيُّ: (لَمَّا تَمَطَّى بِجَوْزِهِ)، ومعناهُ: لمَّا تَمَدَّدَ بوَسَطِهِ. وقولُهُ: (وأَرْدَفَ أَعْجَازاً) قالَ الأصمعيُّ: معناهُ: حينَ رَجَوْتُ أنْ يَكُونَ قدْ مَضَى أَرْدَفَ أَعْجَازاً؛ أيْ: رَجَعَ، و(نَاءَ بِكَلْكَلِ)؛ أيْ: تَهَيَّأَ لِيَنْهَضَ.
و(الكَلْكَلُ): الصدرُ.وقالَ بعضُهم: معنى البيتِ: ناءَ بكَلْكَلِهِ وتَمَطَّى بِصُلْبِهِ، وأَرْدَفَ أَعْجَازاً فقَدَّمَ وأَخَّرَ.
46- أَلا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلا انْجَلِي = بِصُبْحٍ وَمَا الإِصْبَاحُ فِيكَ بِأَمْثَلِ
(ألا انْجَلِي) في موضِعِ السُّكُونِ، وشَبَّهُوا ثَبَاتَ الياءِ فيهِ بإِثْبَاتِ الألِفِ، في قَوْلِهِ تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى}، وبإثباتِ الألفِ أيضاً في قَوْلِهِ:

إذَا الْجَوْزَاءُأَرْدَفَت الثُّرَيَّا = ظَنَنْتُ بِآلِ فاطِمَةَ الظُّنُونَا

وبإثباتِ الياءِ في قَوْلِهِ:

أَلَمْ يَأْتِيكَ وَالأَنْبَاءُ تَنْمِي =بِمَا لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادِ؟

وبإثباتِ الواوِ في قَوْلِهِ:

هَجَوْتَ زَبَّانَ ثُمَّ جِئْتَ مُعْتَذِراً =مِنْ سَبِّ زَبَّانَ لم تَهْجُو ولَمْ تَدَعِ

ومعنى البيتِ: أَنَا مُعَذَّبٌ؛ فالليلُ والنهارُ عَلَيَّ سَوَاءٌ. و(الانجلاءُ): الانشكافُ.ويُرْوَى: (وما الإصباحُ مِنْكَ بأَمْثَلِ)، والتقديرُ: وما الإصباحُ بأمثلَ مِنْكَ. فـ(مِنكَ) يُنْوَى بها التأخيرُ؛ لأنَّها في غيرِ مَوْضِعِها؛ لأنَّ حَقَّ (مِن) أنْ تَقَعَ بعدَ (أَفْعَلَ)، والمعنى: إذا جاءَ الصبحُ فإنِّي أيضاً مَغْمُومٌ. وقيلَ: معنى (فيكَ بأَمْثَلِ): إذا جاءَنِي الصبحُ وأَنَا فيكَ فليسَ ذلكَ بأَمْثَلَ؛ لأنَّ الصبحَ قدْ يَجِيءُ والليلُ مُظْلِمٌ بعدُ. و(فيكَ) تَتَعَلَّقُ بـ(أَمْثَلِ).
47- فَيَا لَكَ مِنْ لَيْلٍ كَأَنَّ نُجُومَهُ = بِكُلِّ مُغَارِ الفَتْلِ شُدَّتْ بِيَذْبُلِ
معناهُ: كَأَنَّ نُجُومَهُ شُدَّتْ بِيَذْبُلَ، وهوَ جبلٌ. و(المُغَارُ): المُحْكَمُ الفَتْلِ.
وقولُهُ: (يَا لَكَ مِنْ ليلٍ) فيهِ معنى التعجُّبِ، كما تقولُ: يا لكَ مِنْ فارسٍ.
48- كأَنَّ الثُّرَيَّا عُلِّقَتْ في مَصَامِهَا =بأَمْرَاسِ كَتَّانٍ إِلَى صُمِّ جَنْدَلِ
ويُرْوَى: (كأَنَّ نُجُوماً عُلِّقَتْ في مَصَامِهَا). و(الأَمْرَاسُ): الحِبَالُ. و(الجَنْدَلُ): الحِجَارَةُ. وفيهِ تفسيرانِ: أمَّا أَحَدُهما فإنَّهُ يَصِفُ طولَ الليلِ يقولُ: كأنَّ النجومَ مَشْدُودَةٌ بحِبَالٍ إلى حِجارةٍ، فلَيْسَتْ تَمْضِي. و(مَصَامُهَا): مَوْضِعُ وُقُوفِهَا.
و(فِي) و(الباءُ) و(إلَى) مُتَعلِّقَةٌ بقولِهِ:(عُلِّقَتْ).
والتفسيرُ الثاني على روايَةِ مَنْ يَرْوِي هذا البيتَ مُؤَخَّراً عندَ صِفَتِهِ الفرسَ، فيكونُ شَبَّهَ تَحْجِيلَ الفرسِ في بياضِهِ بنُجُومٍ عُلِّقَتْ في مَقامِ الفَرَسِ بحِبَالِ كَتَّانٍ إلى صُمِّ جَنْدَلِ، وشَبَّهَ حوافِرَهُ بالحِجارةِ.و(الثُّرَيَّا): تَصْغِيرُ ثَرْوَى مَقْصُورَةً.
ورَوَى بعضُ الرُّوَاةِ ههنا أربعةَ أَبْيَاتٍ، وذَكَرَ أنَّها منْ هذهِ القصيدةِ، وخَالَفَهُ فيها سَائِرُ الرواةِ، وزَعَمُوا أنَّها لِتَأَبَّطَ شَرًّا، وهيَ:
49- وقِرْبَةِ أَقْوَامٍ جَعَلْتُ عِصَامَهَا =على كاهِلٍ مِنِّي ذَلُولٍ مُرَحَّلِ
(عِصَامُ القِرْبَةِ): الحبلُ الذي تُحْمَلُ بهِ، ويَضَعُهُ الرجلُ على عَاتِقِهِ وعلى صَدْرِهِ. و(الكاهِلُ): مَوْصِلُ العُنُقِ والظهرِ، يَصِفُ نَفْسَهُ بأنَّهُ يَخْدِمُ أصحابَهُ.
50- وَوَادٍ كَجَوْفِ العَيْرِ قَفْرٍ قَطَعْتُهُ =بهِ الذِّئْبُ يَعْوِي كالخَلِيعِ المُعَيَّلِ
فيهِ قَوْلانِ:
أَحَدُهُمَا: أنَّ جوفَ العَيْرِ لا يُنْتَفَعُ منهُ بشيءٍ، يعني العَيْرَ الوَحْشِيَّ.
والقولُ الآخَرُ: أنَّ العَيْرَ هنا رَجُلٌ مِن العمالِقَةِ، كانَ لهُ بَنُونٌ وَوَادٍ خَصِيبٌ، وكانَ حَسَنَ الطريقةِ، فسَافَرَ بَنُوهُ في بعضِ أسفارِهِم، فأَصَابَتْهُم صَاعِقَةٌ فأَحْرَقَتْهم، فكَفَرَ باللَّهِ وقالَ: لا أَعْبُدُ رَبًّا أَحْرَقَ بَنِيَّ. وأَخَذَ في عبادةِ الأصنامِ، فسَلَّطَ اللَّهُ على وَادِيهِ ناراً - و(الوَادِي) بلُغَةِ أهلِ اليمنِ يُقالُ لهُ: الجَوْفُ – فأَحْرَقَتْهُ، فما بَقِيَ منهُ شيءٌ، وهوَ يُضْرَبُ بهِ المَثَلُ في كلِّ ما لا بَقِيَّةَ فيهِ.
و(الخَلِيعُ): المُقَامِرُ، ويقالُ: هوَ الذي قدْ خَلَعَ عِذَارَهُ فلا يُبالِي ما ارْتَكَبَ. و(المُعَيَّلُ): الكثيرُ العِيَالِ، والكافُ منصوبةٌ بـ(يَعْوِي).

حفيدة بني عامر
13 Dec 2008, 09:15 مساء
51- فَقُلْتُ لهُ لَمَّا عَوَى إنَّ شَأْنَنَا =قَلِيلُ الغِنَى إنْ كُنْتَ لَمَّا تَمَوَّلِ
أيْ:إنْ كُنْتَ لم تُصِبْ مِن الغِنَى ما يكفِيكَ. وقولُهُ: (إنَّ شَأْنَنَا * قليلُ الغِنَى)؛ أيْ: أَنَا لا أُغْنِي عنكَ، وأنتَ لا تُغْنِي عنِّي شيئاً؛ أيْ: أنا أطلُبُ وأنتَ تَطْلُبُ، فكِلانَا لا غِنَى لهُ.ومَنْ رَوَاهُ (طَوِيلُ الغِنَى) أرادَ: هِمَّتِي تَطُولُ في طَلَبِ الغِنَى.
52-كِلانَا إِذَا ما نَالَ شَيْئاً أَفَاتَهُ =ومَنْ يَحْتَرِثْ حَرْثِي وحَرْثَكَ يُهْزَلِ
أيْ: إذا نِلْتُ شيئاً أَفَتُّهُ، وكذلكَ أنتَ إذا أَصَبْتَ شيئاً أَفَتَّهُ، (ومَنْ يَحْتَرِثْ حَرْثِي وحَرْثَكَ يُهْزَلِ)؛ أيْ: مَنْ طَلَبَ منِّي ومِنكَ شيئاً لم يُدْرِكْ مُرادَهُ. وقالَ قومٌ: معنى البيتِ: مَنْ كَانَتْ صِناعتُهُ وطِلْبَتُهُ مثلَ طِلْبَتِي وطِلْبَتِكَ في هذا الموضِعِ ماتَ هُزَالاً؛ لأنَّهما كانَا بِوَادٍ لا نباتَ فيهِ ولا صَيْدَ.
فهذهِ الأبياتُ الأربعةُ من الزياداتِ فيها.
53- وَقَدْ أَغْتَدِي وَالطَّيْرُ فِي وُكُنَاتِهَا = بِمُنْجَرِدٍ قَيْدِ الأَوَابِدِ هَيْكَلِ
ويُرْوَى: (وُكُرَاتِهَا)؛ أيْ: في مَوَاضِعِها التي تَبِيتُ فيها.و(الْوُكُنَاتُ) في الجِبَالِ كالتَّمَارِيدِ في السَّهْلِ،الواحدةُ: وُكْنَةٌ، وهيَ الْوُقُنَاتُ أيضاً، وقدْوَكَنَ الطائرُ يَكِنُ، ووَقَنَ يَقِنُ، ووَكَرَ يَكِرُ.ومَنْ رَوَى: (فِي وُكُرَاتِهَا)، فهوَ جمعُ الجمْعِ، يُقالُ: وَكْرٌ، ووُكُرٌ جَمْعٌ، ووُكُراتُ جمعُ الجمعِ.و(أَغْتَدِي): أَفْتَعِلُ مِن الغُدُوِّ، والواوُ في (والطَّيْرُ) واوُ الحالِ، والجملةُ في مَوْضِعِ الحالِ.
يقولُ: قدِ أَغْتَدِي، في هذهِ الحالِ، بفَرَسٍ (مُنْجَرِدٍ)؛ أيْ: قصيرِ الشعَرَةِ، (قَيْدَ الأَوَابِدِ). والأوابدُ: الوُحُوشُ، وكذلكَ أَوَابِدُ الشَّعَرِ، وتقديرُ (قَيْدَ الأوابدِ) ذِي تَقْيِيدِ الأَوَابِدِ.والمعنى أنَّ هذا الفَرَسُ مِنْ سُرْعَتِهِ يَلْحَقُ الأوابدَ فيَصِيرُ لها بمَنْزِلَةِ القَيْدِ.و(الهَيْكَلُ): الضَّخْمُ.
54- مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعاً = كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ
(مِكَرٍّ): يَصْلُحُ للكَرِّ، (مِفَرٍّ): يَصْلُحُ للفَرِّ، و(مُقْبِلٍ): حَسَنِ الإقبالِ، و(مُدْبِرٍ): حَسَنِ الإدبارِ.وقولُهُ: (مَعاً)؛ أيْ: عندَهُ هذا وعندَهُ هذا، كما يُقَالُ: فلانٌ فارسٌ رَاجِلٌ؛ أيْ: قدْ جَمَعَ هَاتَيْنِ. و(حَطَّهُ السَّيْلُ): حَدَرَهُ.
ومعنى البيتِ: أنَّهُ يَصِفُ أنَّ هذا الفَرَسَ في سُرْعَتِهِ بمنزلةِ هذهِ الصخرةِ التي قدْ حَطَّهَا السيلُ في سُرْعَةِ انْحِدَارِها، وأنَّ هذا الفرسَ حَسَنُ الإقبالِ والإدبارِ. و(مَعاً): منصوبٌ على الحالِ، و(مِنْ عَلِ)؛ أيْ: مِنْ فَوْقُ.
55- كُمَيْتٍ يَزِلُّ اللِّبَدُ عنْ حَالِ مَتْنِهِ =كما زَلَّتِ الصَّفْوَاءُ بِالمُتَنَزِّلِ
ويُرْوَى: (عنْ حَاذِ مَتْنِهِ)؛ أيْ: وَسَطِهِ. شَبَّهَ مَلاسَةَ ظَهْرِ الفرسِ؛ لاكتنازِ اللَّحْمِ عليهِ وامتلائِهِ، بالصَّفاةِ المَلْسَاءِ. والصفاةُ و(الصَّفْوَاءُ): الصَّخْرَةُ المَلْسَاءُ التي لا يَثْبُتُ فيها شيءٌ، ويُقالُ: صَفْوَانٌ وجَمْعُهُ صِفْوَانٌ. وجمعُ صَفاةٍ: صَفاً. وقدْ تكونُ الصَّفواءُ جمعَ صَفاةٍ، كما قالُوا: طَرَفَةُ وطَرْفَاءُ.و(المُتَنَزِّلُ): الطائرُ الذي يَتَنَزَّلُ على الصخرةِ. وقيلَ: (المُتَنَزِّلُ) السَّيْلُ؛ لأنَّهُ يَتَنَزَّلُ الأشياءَ.وقيلَ: هوَ المطرُ. وَ(الْحَاذُ) وَ(الْحَالُ) مَوْضِعُ اللِّبَدِ.
56- عَلَى الذِّبْلِ جَيَّاشٍ كَأَنَّ اهْتِزَامَهُ =إِذَا جَاشَ فِيهِ حَمْيُهُ غَلْيُ مِرْجَلِ
(الذِّبْلُ): الضُّمُورُ. ويُرْوَى: (عَلَى الضُّمْرِ).و(الْجَيَّاشُ): الَّذِي يَجِيشُ في عَدْوِهِ كما تَجِيشُ القِدْرُ في غَلَيَانِها. و(اهْتِزَامُهُ): صَوْتُهُ، و(حَمْيُهُ): غَلْيُهُ.ويُرْوَى: (عَلَى العَقْبِ جَيَّاشٍ)، والعَقْبُ: جَرْيٌ يَجِيءُ بعدَ جَرْيٍ.وقيلَ: مَعْنَاهُ إذا حَرَّكْتَهُ بِعَقِبِكَ جَاشَ، وَكَفَى ذَلِكَ مِن السَّوْطِ.و(على العَقْبِ) في موضِعِ الحالِ، ومعنى البيتِ: أنَّ هذا الفرسَ آخِرُ عَدْوِهِ على هذهِ الحالِ، فكَيْفَ أَوَّلُهُ؟
57- مِسَحٍّ إِذَا مَا السَّابِحَاتُ عَلَى الْوَنَى = أَثَرْنَ الغُبَارَ بِالْكَدِيدِ المُرَكَّلِ
(مِسَحٌّ) معناهُ: يَصُبُّ الجرْيَ صَبًّا. و(السَّابِحَاتُ): اللَّوَاتِي عَدْوُهُنَّ سِباحَةٌ. والسباحةُ في الجرْيِ: أنْ تَدْحُوَ بأَيْدِيها دَحْواً؛ أيْ: تَبْسُطَهَا. و(الْوَنَى): الفُتُورُ. قالَ الفَرَّاءُ: ويُمَدُّ ويُقْصَرُ.و(الْكَدِيدُ): المَوْضِعُ الغَلِيظُ. وقيلَ: ما كُدَّ مِن الأرضِ بالوَطْءِ. و(المُرَكَّلُ): الذي يُرَكَّلُ بالأرجلِ.
ومعنى البَيْتِ: أنَّ الخَيْلَ السريعةَ إذا فَتَرَتْ فَأَثَارَت الغُبَارَ بأَرْجُلِها من التَّعَبِ، جَرَى هذا الفَرَسُ جَرْياً سَهْلاً، كما يَسُحُّ السَّحابُ المَطَرَ.
و(عَلَى) تَتَعَلَّقُ بـ(أَثَرْنَ)، وكذلكَ البَاءُ في قَوْلِهِ: (بِالْكَدِيدِ).ويُرْوَى: (بِالْكَدِيدِ السَّمَوَّلِ)، وهيَ: الأرضُ الصُّلْبَةُ.
58- يَزِلُّ الغُلامُ الخِفُّ عنْ صَهَوَاتِهِ =ويُلْوِي بِأَثْوَابِ العَنِيفِ المُثَقَّلِ
ويُرْوَى: (يُزِلُّ الغلامَ الخِفَّ).ورَوَى الأَصْمَعِيُّ: (يُطِيرُ الغلامَ). و(الخِفُّ): الخَفِيفُ، بكسرِ الخاءِ. وقالَ أبو عُبَيْدَةَ: سَمِعْتُ الخَفَّ، بفتحِ الخاءِ.
و(الصَّهْوَةُ): موضِعُ اللِّبْدِ، وصَهْوَةُ كلِّ شيءٍ: أعلاهُ، وجَمَعَها بما حَوْلَها. و(يُلْوِي بأَثْوَابِ العَنيفِ)؛ أيْ: يَرْمِي بثيابِهِ؛ أيْ: يُذْهِبُها ويُبْعِدُها. و(العنيفُ): الذي ليسَ برَفِيقٍ. و(المُثَقَّلُ): الثَّقِيلُ. وقالَ بعضُهم: إذا كانَ راكِبُ الفرسِ خَفِيفاً رَمَى بهِ، وإذا كانَ ثقيلاً رَمَى بثيابِهِ. والجيِّدُ أنَّ المعنيَّ بأثوابِ العنيفِ نفسُهُ؛ لأنَّهُ غيرُ حَاذِقٍ بِرُكُوبِهِ. وقيلَ: معنى هذا البيتِ: أنَّ هذا الفَرَسَ إذا رَكِبَهُ العنيفُ لم يَتَمَالَكْ أنْ يُصْلِحَ ثِيابَهُ، وإذا رَكِبَهُ الغلامُ الخِفُّ زَلَّ عنهُ ولم يُطِقْهُ؛ لِسُرْعَتِهِ ونشاطِهِ، وإنَّما يَصْلُحُ لهُ مَنْ يُدَارِيهِ.
59- دَرِيرٍ كَخُذْرُوفِ الْوَلِيدِ أَمَرَّهُ =تَتَابُعُ كَفَّيْهِ بِخَيْطٍ مُوَصَّلِ
(دَرِيرٌ): مُسْتَدِرٌّ في العَدْوِ، يَصِفُ سُرْعَةَ جَرْيِهِ. و(الخُذْرُوفُ): الخَرَّارَةُ التي يَلْعَبُ بها الصِّبيانُ، تَسْمَعُ لها صوتاً. و(أَمَرَّهُ): أَحْكَمَ فَتْلَهُ.و(تَتَابُعُ كَفَّيْهِ) يُريدُ: مُتَابَعَتُهما بالتخريرِ.ويُرْوَى: (أَمَرَّهُ * تَقَلُّبُ كَفَّيْهِ)؛ أيْ: تَقَلُّبُهُمَا بالخَرَّارَةِ.ومعنى البيتِ: أنَّ هذا الفَرَسَ سُرْعَتُهُ كسُرْعَةِ الخُذْرُوفِ، وخِفَّتُهُ كخِفَّتِهِ.
60- لَهُ أَيْطَلا ظَبْيٍ وَسَاقَا نَعَامَةٍ =وإِرْخَاءُ سِرْحَانٍ وتَقْرِيبُ تَتْفُلِ
ويُرْوَى: (لهُ إِطِلا ظَبْيٍ)، وهما: كَشْحَاهُ، وهوَ ما بينَ آخِرِ الضُّلُوعِ إلى الوَرِكِ،يُقَالُ: إِطِلٌ وآطَالٌ، وأَيْطَلٌ وأَيَاطِلُ.وإنَّما شَبَّهَهُ بأَيْطَلِ الظَّبْيِ؛ لأنَّهُطَاوٍ وَلَيْسَ بِمُنْفَضِجٍ.
وقالَ: (سَاقَا نَعَامَةٍ)، والنعامةُ قصيرةُ الساقيْنِ صُلْبَتُهما، وهيَ غليظةٌ ظَمْيَاءُ لَيْسَتْ بِرَهِلَةٍ. ويُسْتَحَبُّ من الفَرَسِ قِصَرُ السَّاقِ؛ لأنَّهُ أَشَدُّ لِرَمْيِها بوَظِيفِها. ويُسْتَحَبُّ مِنهُ معَ قِصَرِ الساقِ طُولُ وَظِيفِ الرِّجْلِ وطُولُ الذِّرَاعِ؛ لأنَّهُ أَشَدُّ لِدَحْوِهِ؛ أيْ: لِرَمْيِهِ بها. و(الإِرْخَاءُ): جَرْيٌ ليسَ بالشديدِ. وفَرَسٌ مِرخاءٌ، وهيَ مَرَاخِي الخَيْلِ، وليسَ دابَّةٌ أحسنَ إرخاءً من الذِّئْبِ.
و(السِّرْحَانُ): الذِّئْبُ، و(التَّقْرِيبُ): أنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ معاً ويَضَعَهُمَا مَعاً.
(والتَّتْفُلُ): وَلَدُ الثعلَبِ، وهوَ أَحْسَنُ الدَّوَابِّ تَقْرِيباً. ويُقَالُ: تَتْفُلٌ وتُتْفَلٌ وتُتْفُلٌ.فإذا سَمَّيْتَ رَجُلاً بِتَتْفُلَ أوْ تُتْفَلَ، لم تَصْرِفْهُ في المعرفةِ؛ لأنَّهُ على مثالِ تَفْعُلُ وتُفْعَلُ.ولوْ سَمَّيْتَ بِتُتْفُلٍ انْصَرَفَ في المعرفةِ والنكرةِ؛ لأنَّهُ ليسَ على وزنِ الفعلِ. ويقالُ للفرسِ: هوَ يَعْدُو الثَّعْلَبِيَّةَ، إذا كانَ جَيِّدَ التقريبِ.
61- ضَلِيعٌ إِذَا اسْتَدْبَرْتَهُ سَدَّ فَرْجَهُ =بِضَافٍ فُوَيْقَ الأَرْضِ لَيْسَ بِأَعْزَلِ
يقالُ: فَرَسٌ (ضَلِيعٌ)، وبَعِيرٌ ضَلِيعٌ، إذا كانَا قَوِيَّيْنِ مُنْتَفِجَيِ الجَنْبَيْنِ، وهيَ الضَّلاعةُ.ويُرْوَى عنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: (إِذَا اشْتَرَيْتَ بَعِيراً فَاشْتَرِهِ ضَلِيعاً، فَإِنْ أَخْطَأَكَ مَخْبَرُهُ لَمْ يُخْطِئْكَمَنْظَرُهُ).
و(فَرْجُهُ): ما بينَ رِجْلَيْهِ.وقولُهُ: (بِضَافٍ)؛ أيْ: بِذَنَبٍ ضَافٍ، وهوَ السَّابِغُ، ويُكْرَهُ من الفرسِ أنْ يكونَ (أَعْزَلَ) ذَنَبُهُ إلى جَانِبٍ، وأنْ يكونَ قصيرَ الذَّنَبِ، وأنْ يكونَ طَوِيلاً يَطَأُ عليهِ، ويُسْتَحَبُّ أنْ يكونَ سَابِغاً قصيرَ العَسِيبِ. و(إذا) ظَرْفٌ، والعاملُ فيهِ (سَدَّ فَرْجَهُ)، وهوَ الجوابُ.
62- كَأَنَّ سَرَاتَهُ لَدَى البَيْتِ قَائِماً =مَدَاكُ عَرُوسٍ أَوْ صَلايَةُ حَنْظَلِ
(سَرَاتُهُ): ظَهْرُهُ، وإنَّما أرادَ مَلاسَةَ ظَهْرِهِ واستواءَهُ. (المَدَاكُ): الحَجَرُ الذي يُسْحَقُ بهِ، والمِدْوَكُ: الحجرُ الذي يُسْحَقُ عليهِ، ومِداكٌ مِنْ دَاكَهُ يَدُوكُهُ دَوْكاً، إذا طَحَنَهُ.ويقالُ: صَلاءَةٌ وصَلايَةٌ، كما يُقَالُ: عَظَاءَةٌ وعَظايَةٌ، فَمَنْ قالَ: عَظَاءَةٌ، بَنَاهُ على (عَظَاءٍ) ثمَّ جاءَ بالهاءِ.ومَنْ قالَ: عَظَايَةٌ، بَنَاهُ على الهَاءِ منْ أوَّلِ وَهْلَةٍ.وصَلايَةٌ مُشَبَّهٌ بهذا، ومعناهُ: أنَّهُ يَصِفُ هذا الفرسَ ويقولُ: إذا كانَ قائماً عندَ البيتِ غيرَ مُسْرَجٍ رَأَيْتَ ظَهْرَهُ أَمْلَسَ، فكأنَّهُ مَدَاكُ عَرُوسٍ أوْ صَلايَةُ حَنْظَلٍ في صفائِهما وامِّلاسِهِما.
وإنَّما قَصَدَ إلى (مَدَاكِ العَرُوسِ) دُونَ غيرِهِ؛ لأنَّهُ قريبُ العهدِ بالطِّيبِ. و(صَلاءةِ الحَنْظَلِ)؛ لأنَّ حَبَّ الحَنْظَلِ يَخْرُجُ دُهْنُهُ فيَبْرُقُ على الصَّلاءَةِ.
ورَوَى الأَصْمَعِيُّ: (أوْ صَرَايَةُ حَنْظَلِ).ورَوَى: (كَأَنَّ عَلَى الكَتِفَيْنِ مِنْهُ إذَا انْتَحَى).والصَّرَايَةُ: الحَنْظَلَةُ التي قد اصْفَرَّتْ؛ لأنَّها قَبْلَ أنْ تَصْفَرَّ مُغْبَرَّةٌ، فإذا اصْفَرَّتْ صَارَتْ تَبْرُقُ كأنَّها قدْ صُقِلَتْ.
ورَوَى أبو عُبَيْدَةَ: (أوْ صِرَايَةُ حَنْظَلِ) بكسرِ الصادِ، وقالَ: شَبَّهَ عَرَقَهُ بمَدَاكِ العَرُوسِ، أوْ بِصِرايَةِ حَنْظَلٍ، وهوَ الماءُ الذي يُنْقَعُ فيهِ حَبُّ الحنظلِ لِتَذْهَبَ مَرَارَتُهُ، وهوَ أَصْفَرُ مثلُ لَوْنِ الحُلْبَةِ، يُقَالُ: صَرَى يَصْرِي صَرْياً وصِرَايَةً.
63- كأنَّ دِمَاءَ الهَادِيَاتِ بِنَحْرِهِ =عُصَارَةُ حِنَّاءٍ بِشَيْبٍ مُرَجَّلٍ
(الهَادِيَاتُ) المُتَقَدِّمَاتُ مِنْ كلِّ شيءٍ. ويُرِيدُ بـ(عُصارةُ حِنَّاءٍ): ما بَقِيَ من الأثرِ. و(المُرَجَّلُ): المُسَرَّحُ. ومعنى البيتِ: أنَّ هذا الفرسَ يَلْحَقُ أَوَّلَ الوَحْشِ، فإذا لُحِقَ أَوَّلُهَا عُلِمَ أنَّهُ قدْ أُحْرِزَ آخِرُها، وإذا لَحِقَها طَعَنَها، فَتُصِيبُ دِمَاؤُها نَحْرَهُ.
64- فَعَنَّ لَنَا سِرْبٌ كَأَنَّ نِعَاجَهُ =عَذَارَى دَوَارٍ في مُلاءٍ مُذَيَّلِ
(عَنَّ): اعْتَرَضَ. و(السِّرْبُ): القَطِيعُ مِن البَقَرِ.و(دَوَارٌ): صَنَمٌ يَدُورُونَ حولَهُ. و(المُلاءُ): الملاحِفُ، واحِدَتُها مُلاءَةٌ. و(مُذَيَّلٌ): سابِغٌ.وقيلَ: لهُ هُدْبٌ.وقِيلَ: إنَّ مَعْنَاهُ أنَّ لهُ ذَيْلاً أسودَ. وهذا أَشْبَهُ بالمعنى؛ لأنَّهُ يَصِفُ بَقَرَ الوَحْشِ، وهيَ بِيضُ الظُّهُورِ، سُودُ القوائِمِ.ومعنى البيتِ: أنَّهُ يَصِفُ أنَّ هذا القَطِيعَ من البقرِ يَلُوذُ بَعْضُهُ ببعضٍ، وتَدُورُ كما تَدُورُ العَذَارَى حولَ (دَوَارٍ)، وهوَ نُسْكٌ كَانُوا في الجاهليَّةِ يَدُورُونَ حَوْلَهُ.
65- فَأَدْبَرْنَ كَالْجَزْعِ الْمُفَصَّلِ بَيْنَهُ =بِجِيدِ مُعَمٍّ في الْعَشِيرَةِ مُخْوَلِ
الكافُ في قَوْلِهِ: (كَالْجَزْعِ) في موضِعِ نَصْبٍ؛ لأنَّها نَعْتٌ لمصدرٍ مَحْذُوفٍ. و(الجَزْعُ) بالفتحِ: الخَرَزُ. وأَبُو عُبَيْدَةَ يقولُهُ بالكسرِ، وهوَ الخَرَزُ الذي فيهِ سوادٌ وبيَاضٌ.و(بجِيدٍ)؛ أيْ: في جِيدٍ، وهوَ العُنُقُ.ومعنى (مُعَمٍّ مُخْوَلِ)؛ أيْ: لهُ أعمامٌ وأخوالٌ، وهم في عشيرةٍ واحدةٍ، كأنَّهُ قالَ: كريمُ الأَبَوَيْنِ. وإذا كانَ كذلكَ كانَ خَرَزُهُ أَصْفَى وأَحْسَنَ. يَصِفُ أنَّ هذهِ البقَرَ من الوَحْشِ تَفَرَّقَتْ كالجَزْعِ؛ أيْ: كأنَّها قِلادَةٌ فيها خَرَزٌ، قدْ فُصِّلَ بينَهُ بالخَرَزِ، وجُعِلَت القِلادَةُ في عُنُقِ صَبِيٍّ كريمِ الأعمامِ والأَخْوَالِ.
66- فَأَلْحَقَهُ بِالْهَادِيَاتِ ودُونَهُ =جَوَاحِرُهَا في صَرَّةٍ لم تَزَيَّلِ
(الهادِيَاتُ): أوائلُ الوَحْشِ.و(جَوَاحِرُهَا): مُتَخَلِّفَاتُها، يُقالُ: جَحَرَ إذا تَخَلَّفَ. والهاءُ في قَوْلِهِ: (فَأَلْحَقَهُ) تَحْتَمِلُ أنْ تكونَ للفرَسِ؛ أيْ: أَلْحَقَ الغلامُ الفرسَ. وتَحْتَمِلُ أنْ تكونَ للغُلامِ؛ أيْ: أَلْحَقَ الفَرَسُ الغُلامَ. وَ(الصَّرَّةُ) قِيلَ: الشِّدَّةُ،وقيلَ: الصَّيْحَةُ، وقيلَ: الغُبَارُ.يقولُ: لَمَّا لَحِقَ هذا الفرسُ أوائلَ الوَحْشِ بَقِيَتْ أَوَاخِرُها لم تَتَفَرَّقْ، فهيَ خالِصَةٌ لهُ، و(لم تَزَيَّلِ)؛ أيْ: لم تَتَفَرَّقْ.
67- فَعَادَى عِدَاءً بَيْنَ ثَوْرٍ ونَعْجَةٍ =دِرَاكاً ولم يُنْضَحْ بِمَاءٍ فيُغْسَلِ
(عَادَى) معناهُ: وَالَى بينَ اثنيْنِ في طَلَقٍ ولم يَعْرَقْ؛ أيْ: أَدْرَكَ صَيْدَهُ قبلَ أنْ يَعْرَقَ. وقولُهُ: (فَيُغْسَلِ)؛ أيْ: لم يَعْرَقْ فيَصِيرَ كأنَّهُ قدْ غُسِلَ بالماءِ.والفاءُ للعطفِ وليسَ بجوابٍ؛ أيْ: لم يُنْضَحْ ولم يُغْسَلْ. وقولُهُ: (دِرَاكاً) بمعنى: مُدَارَكَةً، وهوَ مصدرٌ في موضِعِ الحالِ.قالَ بُنْدَارٌ: ولم يُرِدْ ثَوْراً ونَعْجَةً فقطْ، وإنَّما أرادَ التكثيرَ، والدليلُ على هذا قولُهُ: (دِرَاكاً)، ولوْ أرادَ ثَوْراً ونعجةً فقطْ لاسْتَغْنَى بقولِهِ:(فَعَادَى).

68- فَظَلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ مِنْ بَيْنِ مُنْضِجٍ = صَفِيفَ شِوَاءٍ أوْ قَدِيرٍ مُعَجَّلِ
(الطُّهَاةُ): الطَّبَّاخُونَ، واحِدُهم طَاهٍ. و(الصَّفِيفُ): الذي قدْ صُفِّفَ مُرَقَّقاً على الجَمْرِ. و(القَدِيرُ): ما طُبِخَ في قِدْرٍ. وأمَّا خَفْضُ (قَدِيرٍ) فأَجْوَدُ ما قِيلَ فيهِ - وأجازَ مِثْلَهُ سِيبَوَيْهِ - أنَّهُ كانَ يَجُوزُ أنْ يقولَ: (مِنْ بَيْنِ مُنْضِجِ صَفِيفِ شِوَاءٍ)، فحَمَلَ (قَديراً) على (صَفِيفٍ) لوْ كانَ مجروراً.
وشَرْحُ هذا أنَّكَ إذا عَطَفْتَ اسماً على اسمٍ، وكانَ يَجُوزُ لكَ في الأوَّلِ إعرَابَانِ فأَعْرَبْتَهُ بأحدِهما، ثمَّ عَطَفْتَ الثانِيَ عليهِ، جازَ لكَ أنْ تُعْرِبَهُ بإعرابِ الأوَّلِ، وجازَ لكَ أنْ تُعْرِبَهُ بما كانَ يَجُوزُ في الأوَّلِ، فَتَقُولُ: هذا ضارِبُ زيدٍ وعمرٍو، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: هذا ضارِبُ زيدٍ وعَمْراً؛ لأنَّهُ قدْ كانَ يَجُوزُ لكَ أنْ تقولَ: هذا ضارِبٌ زيداً وعَمْراً. وكذلكَ تقولُ: هذا ضارِبٌ زيداً وعمراً، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: هذا ضاربٌ زيداً وعمرٍو؛ لأنَّهُ قدْ كانَ يَجُوزُ لكَ أنْ تقولَ: هذا ضاربُ زيدٍ وعمرٍو، فهذا يَجِئُ على مذهَبِ سِيبَوَيْهِ، وأَنْشَدَ:
مَشَائِيمُ لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةً =ولا نَاعِبٍ إلاَّ بِشُؤْمٍ غُرابُهَا
والمَازِنِيُّ وأبو العَبَّاسِ لا يُجِيزَانِ هذهِ الروايَةَ.والروايَةُ عندَهما: (ولا نَاعِباً)؛ لأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُضْمَرَ الخافِضُ؛ لأنَّهُ لا يَتَصَرَّفُ، وهوَ مِنْ تَمامِ الاسمِ.وأمَّا القولُ في البيتِ؛ فإنَّ قديراً مَعْطُوفٌ على (مُنْضِجٍ) بلا ضرورةٍ، والمعنى: مِنْ بينِ قديرٍ، والتقديرُ: مِنْ بينِ مُنْضِجٍ قَدِيرٍ، ثُمَّ حَذَفَ (مُنْضِجاً) وأقامَ (قَدِيراً) مُقَامَهُ في الإعرابِ.
69- ورُحْنَا يَكَادُ الطَّرْفُ يَقْصُرُ دُونَهُ =مَتَى مَا تَرَقَّ العَيْنُ فِيهِ تَسَهَّلِ
أرادَ بـ(الطَّرْفِ): العينَ. والطَّرْفُ يكونُ المصدرَ أيضاً. ومعنى قولِهِ: (يَقْصُرُ دُونَهُ): أنَّهُ إذا نَظَرَ إلى هذا الفرسِ أَطَالَ النظرَ إلى ما يَنْظُرُ منهُ؛ لِحُسْنِهِ، فلا يكادُ يَسْتَوْفِي النظرَ إلى جميعِهِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ معناهُ: أنَّهُ إذا نَظَرَ إلى هذا الفرسِ لم يُدِمِ النظرَ إليهِ؛ لِئَلاَّ يُصِيبَهُ بعَيْنِهِ؛ لحُسْنِهِ.
ورَوَى الأَصْمَعِيُّ وأبو عُبَيْدَةَ: (وَرُحْنَا وَرَاحَ الطِّرْفُ يَنْفُضُ رَأْسَهُ).والطِّرْفُ: الكريمُ مِنْ كُلِّ شيءٍ، والأُنْثَى طِرْفَةٌ.وقيلَ: الطِّرْفُ: الكريمُ الطَّرْفَيْنِ.وقولُهُ: (يَنْفُضُ رَأْسَهُ)؛ أيْ: من المَرَحِ والنشاطِ.
وقولُهُ: (مَتَى مَا تَرَقَّ العَيْنُ فِيهِ تَسَهَّلِ)؛ أيْ: متَى ما نظَرَ إلى أَعْلاهُ نظَرَ إلى أسفلِهِ؛ لكمالِهِ؛ لِيَسْتَتِمَّ النظرَ إلى جميعِ جَسَدِهِ.
70- فَبَاتَ عَلَيْهِ سَرْجُهُ ولِجَامُهُ =وباتَ بِعَيْنِي قَائِماً غَيْرَ مُرْسَلِ
في (بَاتَ) ضميرُ الفرسِ. وقولُهُ: (عليهِ سَرْجُهُ ولِجَامُهُ) في مَوْضِعِ النصبِ خَبَرُ (باتَ)، و(باتَ) الثاني معطوفٌ على الأوَّلِ،و(بِعَيْنِي) خبرُهُ؛ أيْ: بحيثُ أَرَاهُ، و(قائِماً) نُصِبَ على الحالِ. و(غيرَ مُرْسَلِ)؛ أيْ: غيرَ مُهْمَلٍ. ومعناهُ:أنَّهُ لَمَّا جِيءَ بهِ من الصَّيْدِ لم يُرْفَعْ عنهُ سَرْجُهُ، وهوَ عَرِقٌ، ولم يُقْلَعْ لِجَامُهُ، فَيُعْتَلَفَ على التَّعَبِ، فيُؤْذِيهِ ذلكَ. ويَجُوزُ أنْ يكونَ معنى (فَبَاتَ عليهِ سَرْجُهُ ولِجَامُهُ)؛ لأنَّهم مُسَافِرُونَ، كأنَّهُ أَرَادَ الغُدُوَّ، فكانَ مُعَدًّا لذلكَ.
71- أَصَاحِ تَرَى بَرْقاً أُرِيكَ وَمِيضَهُ = كَلَمْعِ اليَدَيْنِ في حَبِيٍّ مُكَلَّلِ؟
ويُرْوَى: (أَحَارِ تَرَى).ويُرْوَى: (أَعِنِّي عَلَى بَرْقٍ أُرِيكَ وَمِيضَهُ). يُقالُ: وَمَضَ البرقُ وأَوْمَضَ، وَمْضاً وإِيماضاً.والوَمْضُ: الخَفِيُّ. و(وَمِيضَهُ): خَطَرَانَهُ. وقولُهُ: (كَلَمْعِ اليَدَيْنِ)؛ أيْ: كَحَرَكَتِهِما.و(الْحَبِيُّ): ما ارْتَفَعَ مِن السَّحابِ. و(الْمُكَلَّلُ): المُسْتَدِيرُ كالإِكْلِيلِ.و(المُكَلَّلُ): المُتَبَسِّمُ بالبَرْقِ.
وقولُهُ: (أَصَاحِ) ترخيمُ صَاحِبٍ على لُغَةِ مَنْ قالَ: يا حَارِ.وفيهِ من السُّؤَالِ أنْ يُقَالَ: قالَ النَّحْويُّونَ: لا تُرَخَّمُ النَّكِرَةُ، فكيفَ جازَ أنْ يُرَخِّمَ (صَاحِباً) وهوَ نكرةٌ، وقدْ قالَ سِيبَوَيْهِ: لا يُرَخَّمُ من النَّكِرَاتِ إلاَّ ما كانَ في آخِرِهِ الهاءُ، نَحْوُ قولِهِ:

* جَارِيَ لا تَسْتَنْكِرِي عَذِيرِي *

فالجوابُ عنْ هذا: أنَّ أَبَا العبَّاسِ لا يُجَوِّزُ أنْ تُرَخَّمَ نَكِرَةٌ البَتَّةَ، وأَنْكَرَ على سِيبَوَيْهِ ما قالَ مِنْ أنَّ النكرةَ تُرَخَّمُ إذا كانَتْ فيها الهاءُ، وزَعَمَ أنَّ قولَهُ:
جَارِيَ لا تَسْتَنْكِرِي عَذِيرِي *

أنَّهُ يُرِيدُ: يا أَيَّتُها الجارِيَةُ، فكأنَّهُ رَخَّمَ على هذا مَعْرِفَةً، فكذلكَ يقولُ في قَوْلِهِ: (أَصَاحِ تَرَى)، كأنَّهُ قالَ: يا أَيُّها الصاحِبُ، ثمَّ رَخَّمَ على هذا.
ومِمَّا يُسْأَلُ عنهُ في هذا البيتِ أنْيُقالَ: كيفَ جازَ أنْ يُسْقِطَ حرفَ الاستفهامِ؟ وإنَّما المعنَى: أَتَرَى بَرْقاً؟ فإنْ قالَ قائلٌ: إنَّ الألِفَ في قَوْلِهِ: (أَصَاحِ) هيَ أَلِفُ الاستفهامِ، فهذا خطأٌ؛ لأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تقولَ: صاحِبُ أَقْبِلْ؛ لأنَّكَ تُسْقِطُ شَيْئَيْنِ، ألا تَرَى أنَّكَ إذا قُلْتَ: يا صَاحِبُ، فمعناهُ: يا أيُّهَا الصاحِبُ.
فالجوابُ: عنْ هذا أنَّ قَوْلَهُ:(أَصَاحِ) الألِفُ للنداءِ، كقولِكَ: يا صَاحِ، إلاَّ أنَّها دَلَّتْ على الاستفهامِ؛ إذْ كانَ لَفْظُها كلفظِ ألفِ الاستفهامِ.وأجازَ النَّحْوِيُّونَ: زيدٌ عندَكَ أمْ عَمْرٌو؟ يُرِيدُونَ أَزَيْدٌ عندَكَ أمْ عمرٌو؟ لأنَّ (أَمْ) قدْ دَلَّتْ على معنى الاستفهامِ. فأمَّا بغيرِ دَلالةٍ فلا يَجُوزُ، لوْ قُلْتَ: زيدٌ عندَكَ وأَنْتَ تريدُ الاستفهامَ لم يَجُزْ. وقدْ أُنْكِرَ على عُمَرَ بنِ أبي رَبِيعَةَ قَوْلُهُ:

ثُمَّ قالُوا: تُحِبُّها؟ قُلْتُ: بَهْراً = عددَ الرَّمْلِ والحَصَى والتُّرَابِ

قالُوا: لأنَّهُ أَرَادَ: قالُوا: أَتُحِبُّها؟ ثمَّ أَسْقَطَ ألفَ الاستفهامِ. وهذا عندَ أبي العبَّاسِ ليسَ باستفهامٍ، إنَّما هوَ على الإلزامِ والتوبيخِ، كأنَّهُ قالَ: قَالُوا: أَنْتَ تُحِبُّها.
72- يُضِيءُ سَنَاهُ أوْ مَصَابِيحُ راهِبٍ =أَهَانَ السَّلِيطَ بالذُّبَالِ المُفَتَّلِ
(السَّنَا) مقصورٌ: الضوْءُ. يُقالُ: سَنَا يَسْنُو، إذا أضاءَ. و(مَصَابِيحُ) مرفوعٌ على أنْ يكونَ معطوفاً على المُضْمَرِ الذي في الكافِ في قَوْلِهِ: (كَلَمْعِ اليَدَيْنِ)، والمضمَرُ يعودُ على البرقِ. وإنْ شِئْتَ على الوَمِيضِ. ويُرْوَى: (أوْ مَصابيحِ راهِبٍ) بالجرِّ، على أنْ تَعْطِفَهُ على قولِهِ:(كَلَمْعِ اليَدَيْنِ)، ويكونُ المعنى: أوْ كَمَصَابِيحِ راهِبٍ.ومعنى قولِهِ:(أَهَانَ السَّلِيطَ)؛ أيْ: لم يَكُنْ عندَهُ عَزِيزاً، يعني: أنَّهُ لا يُكْرِمُهُ عن استعمالِهِ وإتلافِهِ في الوَقُودِ. ولا معنى لروايَةِ مَنْ رَوَى: (أَمَالَ السَّلِيطَ).و(السَّلِيطُ): الزَّيْتُ، وقيلَ: الشِّيرَجُ.و(الذُّبالُ): جَمْعُ ذُبَالَةٍ، وهيَ الفَتِيلَةُ.
73- قَعَدْتُ لَهُ وَصُحْبَتِي بَيْنَ ضَارِجٍ =وَبَيْنَ العُذَيْبِ بُعْدَ مَا مُتَأَمَّلِي
(صُحْبَتِي) بمعنى: أَصْحَابِي، وهوَ اسمٌ للجميعِ. و(ضَارِجٌ والعُذَيْبُ): مَكَانَانِ.
ويُرْوَى: (بَيْنَ حَامِزٍ * وبينَ إِكامٍ)، وهوَ مِنْ بلادِ غَطَفَانَ؛ أيْ: قَعَدْتُ لذلكَ البرقِ، أَنْظُرُ مِنْ أينَ يَجِيءُ بالمطَرِ؟
ومعنى قولِهِ: (بُعْدَ مَا مُتَأَمَّلِي): ما أَبْعَدَ ما تَأَمَّلْتُ.وحقيقتُهُ أنَّهُ نِدَاءٌ مضافٌ، فالمعنى: يا بُعْدَ ما مُتَأَمَّلِي؛ أيْ: يا بُعْدَ ما تَأَمَّلْتُ.ورَوَى الرِّيَاشِيُّ: (بَعْدَ مَا) بفتحِ الباءِ، وهيَ تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهما: أنَّ المعنَى: بَعُدَ، ثُمَّ حَذَفَ الضمَّةَ، كما يُقالُ: عَضْدٌ في عَضُدٍ، ويَجُوزُ أنْ يكونَ المعنى: بَعْدَ ما تأَمَّلْتُ.
74- عَلا قَطَناً بالشَّيْمِ أَيْمَنُ صَوْبِهِ =وأَيْسَرُهُ عَلَى السِّتَارِ فَيَذْبُلِ
ورَوَى الأَصْمَعِيُّ: (على قَطَنٍ).و(قَطَنٌ): جَبَلٌ. و(الشَّيْمُ): النظرُ إلى البَرْقِ.و(صَوْبُهُ): مَطَرُهُ الذي يُصِيبُ الأرضَ منهُ. وقولُهُ: (أَيْمَنُ صَوْبِهِ) يَحْتَمِلُ تفسيريْنِ: أَحَدُهُمَا أنْ يكونَ مِن اليُمْنِ، والآخَرُ: أنْ يكونَ مِن اليَمينِ.
و(أَيْسَرُهُ) يَحْتَمِلُ تفسيرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أنْ يكونَ من اليُسْرِ، والآخَرُ: أنْ يكونَ مِنْ يَسَرْتُهُ. و(يَذْبُلُ) صَرَفَهُ لضرورةِ الشِّعْرِ.ويُرْوَى: (على النِّبَاجِ وَثَيْتَلِ).
75- فأَضْحَى يَسُحُّ المَاءَ حَوْلَ كُتَيْفَةٍ =يَكُبُّ على الأَذْقَانِ دَوْحَالْكَنَهْبُلِ
(كُتَيْفَةٌ): اسمُ أرضٍ، يقولُ: فأَضْحَى السَّحَابُ يَصُبُّ الماءَ. وقولُهُ:(يَكُبُّ): يَقْلِبُها على رُؤُوسِها.و(الأَذْقَانُ): هنا مُسْتَعَارَةٌ، وإنَّما يُرِيدُ بها: الرُّؤُوسَ وأَعَالِيَ الشجَرِ. و(الدَّوْحُ): جمعُ دَوْحَةٍ، وكُلُّ شَجَرَةٍ عَظِيمَةٍ: دَوْحَةٌ. و(الْكَنَهْبُلُ): شَجَرٌ معروفٌ من العِضاهِ. ويُرْوَى: (مِنْ كُلِّ فِيقةٍ)، والفِيقةُ: ما بينَ الحَلْبتَيْنِ، واسمُ ما بينَهما: الفَوَاقُ والفُواقُ جَمِيعاً.ويُرْوَى: (عنْ كُلِّ فِيقةٍ) بمعنى: بَعْدَ. ورَوَى أبو عُبَيْدَةَ: (مِنْ كُلِّ تَلْعَةٍ)؛ أيْ:مَسِيلِ الماءِ.
76- ومَرَّ على الْقَنَانِ مِنْ نَفَيَانِهِ =فأَنْزَلَ مِنهُ العُصْمَ مِنْ كلِّ مُنْزَلِ
ويُرْوَى: (مِنْ كُلِّ مَنْزِلِ).و(القَنَانُ): جبلٌ لبني أَسَدٍ. وأصلُ (النَّفَيَانِ) ما تَطَايَرَ عن الرِّشَاءِ عندَ الاسْتِقَاءِ، وهوَ ههنا: ما شَذَّ عنْ مُعْظَمِهِ.و(العُصْمُ): الوُعُولُ، واحِدُها أَعْصَمُ، والأُنْثَى: أُرْوِيَّةٌ، والأَعْصَمُ هنا: ما كانَ في مِعْصَمِهِ بَيَاضٌ، أوْ لَوْنٌ يُخَالِفُ لونَهُ. وقيلَ: بلْ سُمِّيَ الوَعْلُ أَعْصَمَ؛ لأنَّهُ يَعْتَصِمُ بالجِبَالِ، لأنَّهُ لا يَكَادُ يَكُونُ إلاَّ فيها. ومَنْ رَوَى: (مِنْ كُلِّ مُنْزَلِ) فمعناهُ عندَهُ: مِنْ كُلِّ مَوْضِعٍ تُنْزَلُ مِنهُ العُصْمُ.ومَنْ رَوَى: (مِنْ كُلِّ مَنْزِلِ) فمَعْنَاهُ: مِنْ كلِّ مَوْضِعٍ تَنْزِلُ هيَ مِنْهُ؛ أيْ:تَهْرُبُ مِن السَّيْلِ الكثيرِ.
77- وَتَيْمَاءَ لم يَتْرُكْ بِهَا جِذْعَ نَخْلَةٍ =وَلا أُجُماً إِلاَّ مَشِيداً بجَنْدَلِ
ويُرْوَى: (ولا أُطُماً). و(الآجَامُ): البُيُوتُ المُسَقَّفَةُ، وكذلكَ (الآطَامُ).يقولُ: لم يَدَعْ أُطُماً إلاَّ ما كانَ مَشِيداً بجِصٍّ وصَخْرٍ فإنَّهُ سَلِمَ. والشِّيدُ: الجِصُّ.و(المَشِيدُ) يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ المبنيَّ بالجِصِّ، وأنْ يكونَ المُطَوَّلَ. و(تَيْمَاءُ): منْ أُمُّهَاتِ القُرَى.
78- كَأَنَّ ثَبِيراً في عَرَانِينِ وَبْلِهِ =كَبِيرُ أُنَاسٍ في بِجَادٍ مُزَمَّلِ
(ثَبِيرٌ): جبلٌ.و(العَرَانِينُ): الأوائِلُ. والأصلُ في هذا أنْ يُقَالَ للأنفِ: عِرْنِينٌ. و(الوَبْلُ): ما عَظُمَ مِن القَطْرِ. ورَوَاهَا الأَصْمَعِيُّ: (كَأَنَّ أَبَاناً فِي أَفَانِينِ وَدْقِهِ).و(أَبَانَانِ): جبلٌ أبيضُ وجبلٌ أسودُ، وهُما لبَنِي عبدِ مَنَافِ بنِ دَارِمٍ. و(أَفَانِينُ): ضُرُوبٌ. و(الوَدْقُ): المَطَرُ.و(البِجادُ): كِسَاءٌ مُخَطَّطٌ مِنْ أَكْسِيَةِ الأعرابِ مِنْ وَبَرِ الإِبِلِ وصُوفِ الغَنَمِ مُخَيَّطَةٌ، والجمعُ بُجُدٌ. و(مُزَمَّلٌ): مُلْتَفٌّ.
يقولُ: قدْ أَلْبَسَ الوَبْلُ أَبَاناً فكَأَنَّهُ ممَّا أَلْبَسَهُ مِن المَطَرِ وغَشَّاهُ كَبِيرُ أُنَاسٍ مُزَمَّلٌ؛ لأنَّ الكَبِيرَ أَبَداً مُتَدَثِّرٌ.وقالَ أبو نَصْرٍ: شَبَّهَ الجَبَلَ، وقدْ غَطَّاهُ الماءُ والغُثَاءُ الذي أَحَاطَ بهِ إلاَّ رَأْسَهُ، بشيخٍ في كِساءٍ مُخَطَّطٍ، وذلكَ أنَّ رأسَ الجبلِ يَضْرِبُ إلى السَّوَادِ، والماءُحَوْلَهُ أَبْيَضُ.
وكانَ يَجِبُ أنْ يقولَ: (مُزَمَّلُ)؛ لأنَّهُ نعتٌ للـ(كَبِيرُ)، إلاَّ أنَّهُ خَفَضَهُ على الجِوَارِ. وحكَى الخليلُ وسِيبَوَيْهِ: (هذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ)، وإنَّما (خَرِبٍ) نعتٌ للجُحْرِ.قالَ سِيبَوَيْهِ: وإنَّما غَلِطُوا في هذا؛ لأنَّ المضافَ والمضافَ إليهِ بمنزلةِ شيءٍ واحدٍ، وأنَّهُمَا مُفْرَدَانِ. وحَكَى الخليلُ أنَّهُم يَقُولُونَ في التثنيَةِ: (هذَانِ جُحْرَا ضَبٍّ خَرِبَانِ)، فيَرْجِعُ الإعرابُ إلى ما يَجِبُ؛ لأنَّ الأوَّلَ مُثَنًّى، والثانِيَ مفردٌ.وممَّا يُبَيِّنُ لكَ هذا حِكَايَةُ سِيبَوَيْهِ عن العربِ: (هذا حَبُّ رُمَّانِي)، وإنَّما كانَ يَجِبُ أنْ يُضِيفَ الحَبَّ إلى نفسِهِ.
وفي البيتِ وَجْهٌ آخَرُ، وهوَ أنْ يكونَ على قولِ مَنْ قالَ: كُسِيَتْ جُبَّةٌ زَيْداً، فيكونُ التقديرُ: في بِجادٍ مُزَمَّلِهِ الكِسَاءُ، ثُمَّ تُحْذَفُ، كما تقولُ: مَرَرْتُ برَجُلٍ مَكْسُوَّتِهِ جُبَّةٌ، ثمَّ تُكَنِّي عن الجُبَّةِ فتقولُ: مَرَرْتُ برَجُلٍ مَكْسُوَّتِهِ، ثُمَّ تُحْذَفُ الهاءُ في الشِّعْرِ، هذا قولُ بعضِ النحْوِيِّينَ. وكانَ ابنُ كَيْسَانَ يَرْوِي: (وكأَنَّ) بزيادةِ الواوِ، في هذا البيتِ وفيما بعدَهُ؛ لِيَكُونَ الكلامُ مُرْتَبِطاً بعضُهُ ببعضٍ، وهذا يُسَمَّى الخَزْمَ في العَرُوضِ، وإسقاطُ الواوِ هوَ الوَجْهُ.
79- كَأَنَّ ذُرَى رَأْسِ المُجَيْمِرِ غُدْوةً =مِنَ السَّيْلِ والغُثَاءِ فَلْكةُ مِغْزَلِ
روَى الأَصْمَعِيُّ: (كأنَّ طَمِيَّةَ المُجَيْمِرِ غُدْوةً).و(المُجَيْمِرُ): أَرْضٌ لبَنِي فَزَارَةَ. و(طَمِيَّةُ): جَبَلٌ في بلادِهم. يقولُ: قد امْتَلأَ المُجَيْمِرُ، فكأنَّ الجبلَ في الماءِ فَلْكَةُ مِغْزَلٍ؛ لِمَا جمَعَ السيلُ حولَهُ مِن الغُثاءِ.ورَوَاهُ الفَرَّاءُ: (مِنَ السَّيلِ والأَغْثَاءِ)، جمعُ الغُثَاءِ، وهوَ قليلٌ في المُدُودِ. قالَ أبو جَعْفَرٍ: مَنْ رَوَاهُ (الأَغْثَاءِ) فقدْ أَخْطَأَ؛ لأَنَّ غُثَاءً لا يُجْمَعُ على أَغْثَاءٍ، وإنَّما يُجْمَعُ على أَغْثِيَةٍ؛ لأنَّ (أَفْعِلَةً) جمعُ الممدودِ، و(أَفْعَالاً) جمعُ المقصورِ؛ نَحْوُ: رَحًى وأَرْحَاءٌ.
و(الذُّرَى): الأَعَالِي، الواحِدَةُ ذِرْوَةٌ. ويُرْوَى: (كأنَّ قُلَيْعَةَ المُجَيْمِرِ).
80- وأَلْقَى بِصَحْرَاءِ الغَبِيطِ بَعَاعَهُ =نُزُولَ الْيَمَانِي ذِي الْعِيَابِ المُحَمَّلِ
(صَحْرَاءُ الغَبِيطِ): الحَزْنُ، وهيَ أرضُ بَنِي يَرْبُوعَ.و(الغَبِيطُ): نَجَفَةٌ يَرْتَفِعُ طَرَفُها ويَطْمَئِنُّ وَسَطُها، وهيَ كَغَبِيطِ القَتَبِ.وقَالُوا: لم يُرِدْ أرضَ بَنِي يَرْبُوعَ خاصَّةً، أرادَ الغَبِيطَ من الأرضِ، وكُلُّ أرضٍ منخفِضَةٌ فهيَ غَبِيطٌ. و(بَعَاعُهُ): ثِقْلُهُ.
ويُرْوَى: (المُحَمَّلِ) و(المُحَمِّلِ) بفتحِ الميمِ وكسرِها، فمَنْ فتَحَ الميمَ جَعَلَ (اليَمَانِي) جَمَلاً، ومَنْ كَسَرَها جَعَلَهُ رَجُلاً.وشَبَّهَ السَّيْلَ بهِ؛ لِنُزُولِهِ في هذا الموضِعِ. و(نُزُولَ): منصوبٌ على تقديرِ: نُزُولاً مثلَ نُزُولِ.
ورَوَى الأَصْمَعِيُّ: (كَصَرْعِ اليَمَانِي ذِي العِيابِ المُحَوَّلِ)، قالَ: كما نَشَرَ اليَمَانِيُّ مَتَاعَهُ، وهوَ أحمرُ وأصفَرُ، شَبَّهُ بهِ ما أَخْرَجَ المطَرُ منْ ذلكَ النَّبْتِ.ويُرْوَى: (كَصَوْعِ اليَمَانِي)؛ أيْ: كَطَرْحِهِ الذي معَهُ إذا نَزَلَ بمكانٍ. وقالَ بَعْضُهم: الصَّوْعُ: الحُطُوطُ، يُقالُ: صاعَ يَصُوعُ.
81- كَأَنَّ مَكَاكِيَّ الجِوَاءِ غُدَيَّةً =صُبِحْنَ سُلافاً مِنْ رَحِيقٍ مُفَلْفَلِ
(المَكَاكِيُّ): جَمْعُ مُكَّاءٍ، وهوَ طائرٌ كثيرُ الصَّفِيرِ.و(الجِوَاءُ): البَطْنُ من الأرضِ العظيمُ، وقدْ يكونُ الجِوَاءُ جَمعاً واحدُهُ:جَوٌّ. و(صُبِحْنَ): من الصَّبُوحِ، وهوَ شُرْبُ الغَداةِ.و(السُّلافُ): أوَّلُ ما يُعْصَرُ من الخمرِ.و(الرَّحِيقُ): الخَمْرُ،وقَالُوا: صَفْوَةُ الخمْرِ. و(المُفَلْفَلُ): الذي قدْ أُلْقِيَتْ فيهِ تَوَابِلُهُ.وقيلَ: الذي يَحْذِي اللِّسَانَ. والمرادُ: أنَّ المَكَاكِيَّ لَمَّا رَأَت الخِصْبَ والمطرَ فَرِحَتْ وصَوَّتَتْ كأنَّها سَكَارَى.
82- كأنَّ السِّبَاعَ فِيهِ غَرْقَى عَشِيَّةً =بِأَرْجَائِهِ الْقُصْوَى أَنَابِيشُ عُنْصُلِ
ويُرْوَى: (غُدَيَّةً). و(غَرْقَى) في موضِعِ نصبٍعلى الحالِ.يقولُ: حِينَأَصْبَحَ الناسُ ورَأَوْهَا فكأنَّها تِلْكَ الأَنَابِيشُ من العُنْصُلِ. و(الأنابيشُ): جماعاتٌ مِن العُنْصُلِ يَجْمَعُها الصِّبْيَانُ. ويُقالُ: الأنابيشُ: العُرُوقُ، وإنَّما سُمِّيَتْ أَنَابِيشَ؛: لأنَّها تُنْبَشُ؛ أيْ: تُخْرَجُ منْ تحتِ الأرضِ.ويُقالُ: نَبَشَهُ بالنَّبْلِ؛ إذا غَرَزَهُ فيهِ. وقالَ أبو عُبَيْدَةَ: الأَنَابِيشُ والأَيَابِيشُ وَاحِدٌ.
و(العُنْصُلُ والعُنْصَلُ): بَصَلٌ بَرِّيٌّ، يُعْمَلُ منهُ خَلُّ عُنْصُلانَ، وهوَ شديدُ الحُمُوضَةِ.
شَبَّهَ السِّبَاعَ الغَرْقَى بما نُبِشَ من العُنْصُلِ؛ لأنَّ السَّيْلَ غَرَّقَها، فَهِيَ في نواحيهِ تَبْدُو منها أَطْرَافُها، فشَبَّهَهَا بذلكَ. و(الأَرْجَاءُ): النَّوَاحِي، وَاحِدُها: رَجاً.
وقولُهُ: (الْقُصْوَى) كانَ يَجِبُ أَنْ يَقُولَ: القُصَا؛ لأنَّهُ نَعْتُ (الأرجاءِ)، إلاَّ أنَّهُ حَمَلَهُ على لفظِ الجمعِ. ونظيرُهُ قولُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: {لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى}.والأَنَابِيشُ لا وَاحِدَ لها.وقِيلَ: واحِدُها: أُنْبُوشٌ.

حفيدة بني عامر
14 Dec 2008, 01:01 مساء
معلقة امرئ القيس
1 - قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل = بسقط اللوى بين الدخول فحومل
قيل: خاطب صاحبيه، وقيل بل خاطب واحدا وأخرج الكلام مخرج الخطاب مع الاثنين، لأن العرب من عادتهم إجراء خطاب الاثنين على الواحد والجمع، فمن ذلك قول الشاعر [الطويل]:
فإن تزجراني يا بن عفان أنزجر = وإن ترعياني أحم عرضا ممنعا
خاطب الواحد خطاب الاثنين، وإنما فعلت العرب ذلك لأن الرجل يكون أدنى أعوانه اثنين: راعي إبله وراعي غنمه، وكذلك الرفقة أدنى ما تكون ثلاثة، فجرى خطاب الاثنين على الواحد لمرون ألسنتهم عليه، ويجوز أن يكون المراد به: قف قف، فإلحاق الألف أمارة دالة على أن المراد تكرير اللفظ كما قال أبو عثمان المازني، في قوله تعالى {قال رب ارجعون} المراد منه: أرجعني أرجعني أرجعني، جعلت الواو علما مشعرا بأن المعنى تكرير اللفظ مرارا، وقيل: أراد قفن على جهة التأكيد فقلب النون ألفا في حال الوصل، لأن هذه النون تقلب ألفا في حال الوقف، فحمل الوصل على الوقف، ألا ترى أنك لو وقفت على قوله تعالى: {لنسفعن} قلت: لنسفعاً؟ ومنه قول الأعشى [الطويل]:
وصل على حين العشيات والضحى = ولا تحمد المثرين والله فاحمدا
أراد فاحمدن فقلب نون التأكيد ألفا، يقال بكى يبكي بكاء وبكى، ممدودا ومقصورا، أنشد ابن الأنباري لحسان بن ثابت شاهدا له [الوافر]:
بكت عيني وحق لها بكاها = وما يغني البكاء ولا العويل
فجمع بين اللغتين، السقط: منقطع الرمل حيث يستدق من طرفه، والسقط أيضا ما يتطاير من النار، والسقط أيضا المولود لغير تمام، وفيه ثلاث لغات: سَقط وسِقط وسُقط في هذه المعاني الثلاثة، اللوى: رمل يعوج ويلتوي، الدخول وحومل: موضعان.
يقول: قفا وأسعداني وأعيناني أو قف وأسعدني على البكاء عند تذكري حبيبا فارقته ومنزلا خرجت منه، وذلك المنزل أو ذلك الحبيب أو ذلك البكاء بمنقطع الرمل المعوج بين هذين الموضعين.
2 - فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها = لما نسجتها من جنوب وشمأل
توضح والمقراة موضعان وسقط اللوى بين هذه المواضع الأربعة. قوله: لم يعف رسمها، أي لم ينمح أثرها. الرسم: ما لصق بالأرض من آثار الدار مثل البعر والرماد وغيرهما، والجمع أرسم ورسوم. قوله: وشمأل، فيها ست لغات: شمال وشمأل وشأمل وشمول وشَمْل وشَمَل. نسج الريحين: اختلافهما عليها وستر إحداهما إياها بالتراب وكشف الأخرى التراب عنها.
يقول: لم ينمح ولم يذهب أثرها، لأنه إذا غطتها إحدى الريحين بالتراب كشفت الأخرى التراب عنها، وقيل: بل معناه لم يقتصر سبب محوها على نسج الريحين بل كان له أسباب منها هذا السبب ومر السنين وترادف الأمطار وغيرها، وقيل بل معناه لم يعف رسم حبها من قلبي وإن نسجتها الريحان، والمعنيان الأولان أظهر من الثالث، وقد ذكرها كلها أبو بكر بن الأنباري.
3 - ترى بعر الأرآم في عرصاتها = وقيعانها كأنه حب فلفل
الأرآم: الظباء البيض الخالصة البياض، واحدها رئم، بالكسر، وهي تسكن الرمل. عرصات في (المصباح): (عرصة الدار ساحتها، وهي البقعة الواسعة التي ليس فيها بناء، والجمع عراص مثل كلبة وكلاب، وعرصات مثل سجدة وسجدات، وعن (الثعالبي): كل بقعة ليس فيها بناء فهي عرصة، وفي (التهذيب) وسميت ساحة الدار عرصة لأن الصبيان يعرصون فيها أي يلعبون ويمرحون) قيعان جمع قاع: وهو المستوي من الأرض، وقيعة مثل القاع، وبعضهم يقول: هو جمع، وقاعة الدار: ساحتها، الفلفل قال في (القاموس): (كهدهد وزبرج، حب هندي) ونسب (الصاغاني) الكسر للعامة وفي (المصباح): (الفلفل بضم الفاءين، من الأبزار، قالوا: لا يجوز فيه الكسر).
يقول: انظر بعينيك تر هذه الديار التي كانت مأهولة بأهلها مأنوسة بهم خصبة الأرض، كيف غادرها أهلها وأقفرت من بعدهم أرضها، وسكنت رملها الظباء، ونثرت في ساحاتها بعرها حتى تراه كأنه حب الفلفل في مستوى رحباتها.
(هذا الشرح ليس للزوزني)
4 - كأني غداة البين يوم تحملوا = لدى سمرات الحي ناقف حنظل
غداة في (المصباح): (والغداة الضحوة، وهي مؤنثة، قال ابن الأنباري: ولم يسمع تذكيرها ولو حملها حامل على معنى أول النهار جاز له التذكير، والجمع غدوات) البين: الفرقة، وهو المراد هنا، وفي (القاموس) (البين يكون فرقة ووصلا).
قال الشارح: بان يبين بينا وبينونة، وهو من الأضداد، اليوم: معروف، مقداره من طلوع الشمس إلى غروبها، وقد يراد باليوم الوقت مطلقا، ومنه الحديث: ((تلك أيام الهرج)) أي وقته، ولا يختص بالنهار دون الليل تحملوا واحتملوا بمعنى: أي ارتحلوا، لدى بمعنى عند. سمرات جمع سمرة، بضم الميم: من شجر الطلح، الحي: القبيلة من الأعراب، والجمع أحياء، نقف الحنظل: شقه عن الهبيد، وهو الحب، كالإنقاف، والانتقاف، وهو أي الحنظل، نقيف ومنقوف وناقفه الذي يشقه.
يقول: كأني عند سمرات الحي يوم رحيلهم ناقف حنظل، يريد وقفت بعد رحيلهم في حيرة وقفة جاني الحنظلة ينقفها بظفره ليستخرج منها حبها. (هذا الشرح ليس للزوزني).
5 - وقوفا بها صحبي علي مطيهم = يقولون لا تهلك أسى وتجمل
نصب وقوفا على الحال، يريد قفا نبك في حال وقف أصحابي مطيهم علي، والوقوف جمع واقف بمنزلة الشهود والركوع في جمع شاهد وراكع، الصحب: جمع صاحب، ويجمع الصاحب على الأصحاب والصحب والصحاب والصحابة والصحبة والصحبان، ثم يجمع الأصحاب على الأصاحيب أيضا ثم يخفف فيقال الأصاحب. المطي: المراكب، واحدتها مطية، وتجمع المطية على المطايا والمطي والمطيات، سميت مطية لأنه يركب مطاها أي ظهرها، وقيل: بل هي مشتقة من المطو وهو المد في السير يقال: مطاه يمطوه فسميت به لأنها تمد في السير. نصب أسى لأنه مفعول له.
يقول: قد وقفوا علي أي لأجلي أو على رأسي وأنا قاعد عند رواحلهم ومراكبهم يقولون لي لا تهلك من فرط الحزن وشدة الجزع، وتجمل بالصبر.
وتلخيص المعنى: أنهم وقفوا عليه رواحلهم يأمرونه بالصبر وينهونه عن الجزع.
6 - وإن شفائي عبرة مهراقة = فهل عند رسم دارس من معول
المهراق والمراق: المصبوب، وقد أرقت الماء وهرقته وأهرقته أي صببته، المعول: المبكى، وقد أعول الرجل وعول إذا بكى رافعا صوته به، والمعول: المعتمد والمتكل عليه أيضا، العبرة: الدمع، وجمعها عبرات، وحكى (ثعلب) في جمعها العبر مثل بدرة وبدر.
يقول: وإن برئي من دائي ومما أصابني وتخلصي مما دهمني يكون بدمع أصبه، ثم قال: وهل من معتمد ومفزع عند رسم قد درس، أو هل موضع بكاء عند رسم دارس؟ وهذا استفهام يتضمن معنى الإنكار والمعنى عند التحقيق: ولا طائل في البكاء في هذا الموضع، لأنه لا يرد حبيبا ولا يجدي على صاحبه بخير، أو لا أحد يعول عليه ويفزع إليه في مثل هذا الموضع، وتلخيص المعنى: وإن مخلصي مما بي بكائي، ثم قال: ولا ينفع البكاء عند رسم دارس، أو ولا معتمد عند رسم دارس.
7 - كدأبك من أم الحويرث قبلها = وجارتها أم الرباب بمأسل
الدأب، والدأب، بتسكين الهمزة وفتحها: العادة، وأصلها متابعة العمل والجد في السعي، يقال: دأب يدأب دأبا ودئابا ودؤوبا، وأدأبت السير: تابعته مأسل، بفتح السين: جبل بعينه، ومأسل بكسر السين: ماء بعينه والرواية فتح السين.
يقول: عادتك في حب هذه كعادتك من تينك، أي قلة حظك من وصال هذه ومعاناتك الوجد بها كقلة حظك من وصالهما ومعاناتك الوجد بهما قوله: قبلها أي قبل هذه التي شغفت بها الآن.
8 - إذا قامتا تضوع المسك منهما = نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل
ضاع الطيب وتضوع إذا انتشرت رائحته. الريا: الرائحة الطيبة.
يقول: إذا قامت أم الحويرث وأم الرباب فاحت ريح المسك منهما كنسيم الصبا إذا جاءت بعرف القرنفل ونشره شبه طيب رياهما بطيب نسيم هب على قرنفل وأتى برياه، ثم لما وصفهما بالجمال وطيب النشر وصف حاله بعد بعدهما.
9 - ففاضت دموع العين مني صبابة = على النحر حتى بل دمعي محملي
الصبابة: رقة الشوق، وقد صب الرجل يصب صبابة فهو صب، والأصل صبب فسكنت العين وأدغمت في اللام، المحمل: حمالة السيف، والجمع المحامل والحمائل جمع الحمالة.
يقول: فسالت دموع عيني من فرط وجدي بهما وشدة حنيني إليهما حتى بل دمعي حمالة سيفي، ونصب صبابة على أنه مفعول له كقولك: زرتك طمعا في برك قال الله تعالى: {من الصواعق حذر الموت} أي لحذر الموت وكذلك زرتك للطمع في برك، وفاضت دموع العين مني للصبابة.
10 - ألا رب يوم لك منهن صالح = ولا سيما يوم بدارة جلجل
في رب لغات: وهي رُبَّ ورَبَّ ورُبْ ورُبَ، ثم تلحق التاء فتقول ربة وربت، ورب موضوع في كلام العرب للتقليل وكم موضوع للتكثير، ثم ربما حملت رب على كم في المعنى فيراد بها التكثير، وربما حملت كم على رب في المعنى فيراد بها التقليل ويروى: ألا رب يوم كان منهن صالح.
والسي: المثل يقال، هما سيان أي مثلان، ويجوز في يوم الرفع والجر، فمن رفع جعل ما موصولة بمعنى الذي، والتقدير: ولا سي اليوم الذي هو بدارة جلجل، ومن خفض جعل ما زائدة وخفضه بإضافة سي إليه فكأنه قال: ولا سي يوم أي ولا مثل يوم. دارة جلجل غدير بعينه، يقول: رب يوم فزت فيه بوصال النساء وظفرت بعيش صالح ناعم منهن ولا يوم من تلك الأيام مثل يوم دارة جلجل يريد أن ذلك اليوم كان أحسن الأيام وأتمها فأفادت لا سيما التفضيل والتخصيص.
11 - ويوم عقرت للعذارى مطيتي = فيا عجبا من كورها المتحمل
العذراء من النساء: البكر التي لم تفتض، والجمع العذارى الكور: الرحل بأداته، والجمع: الأكوار والكيران، ويروى: من رحلها المتحمل؛ المتحمل: الحمل. فتح يوم مع كونه معطوفا على مجرور أو مرفوع وهو يوم أو يوم بدارة جلجل، لأنه بناه على الفتح لما أضافه إلى مبني وهو الفعل الماضي وذلك قوله: عقرت وقد يبنى المعرب إذا أضيف إلى مبني، ومنه قوله تعالى: {إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون} فبنى مثل على الفتح مع كونه نعتا لمرفوع لما أضافه إلى ما وكانت مبينة ومنه قراءة من قرأ (ومن خزي يومئذ) بنى يوم على الفتح لما أضافه إلى إذ وهي مبنية وإن كان مضافا إليه، ومثله قول النابغة الذبياني [الطويل]:
على حين عاتبت المشيب على الصبا = فقلت ألما تصح والشيب وازع
بنى حين على الفتح لما أضافه إلى الفعل الماضي، فضل يوم دارة جلجل ويوم عقر مطيته للأبكار على سائر الأيام الصالحة التي فاز بها من حبائبه، ثم تعجب من حملهن رحل مطيته وأداته بعد عقرها واقتسامهن متاعه بعد ذلك.
قوله: فيا عجبا، الألف فيه بدل من ياء الإضافة وكان الأصل فيا عجبي وياء الإضافة يجوز قلبها ألفا في النداء نحو يا غلاما في يا غلامي فإن قيل: كيف نادى العجب وليس مما يعقل؟ قيل في جوابه: إن المنادى محذوف، والتقدير: يا هؤلاء أو يا قوم اشهدوا عجبي من كورها المتحمل فتعجبوا منه فإنه قد جاوز المدى والغاية القصوى، وقيل: بل نادى العجب اتساعا ومجازا، فكأنه قال: يا عجبي تعال واحضر فإن هذا أوان إتيانك وحضورك.
12 - فظل العذارى يرتمين بلحمها = وشحم كهداب الدمقس المفتل
يقال: ظل زيد قائما إذا أتى عليه النهار وهو قائم، وبات زيد نائما إذا أتى عليه الليل وهو نائم، وطفق زيد يقرأ القرآن إذا أخذ فيه ليلا ونهارا. الهداب والهدب: اسمان لما استرسل من الشيء نحو ما استرسل من الأشفار من الشعر ومن أطراف الأثواب الواحدة هدابة وهدبة، ويجمع الهدب على الأهداب، الدمقس والمدقس: الإبريسم، وقيل هو الأبيض منه خاصة.
يقول: فجعلن يلقي بعضهن إلى بعض شواء المطية استطابة أو توسعا فيه طول نهارهن، وشبه شحمها بالإبريسم الذي أجيد فتله وبولغ فيه، وقيل هو القز الشحم: السمن.
13 - ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة = فقالت لك الويلات إنك مرجلي
الخدر: الهودج والجمع الخدور، ويستعار للستر والحجلة، وغيرهما، ومنه قولهم: خدرت الجارية وجارية مخدرة، أي مقصورة في خدرها لا تبرز منه ومنه قولهم: خدر الأسد يخدر خدرا وأخدر إخدارا إذا لزم عرينه، ومنه قول ليلى الأخيلية [الطويل]:
فتى كان أحيا من فتاة حيية = وأشجع من ليث بخفان خادر
وقول الشاعر: [الرجز]:
كالأسد الورد غدا من مخدره
والمراد بالخدر في البيت الهودج عنيزة: اسم عشيقته وهي ابنة عمه وقيل: هو لقب لها واسمها فاطمة وقيل بل اسمها عنيزة وفاطمة غيرها. قوله: فقالت لك الويلات، أكثر الناس على أن هذا دعاء منها عليه، والويلات: جمع ويلة، والويلة، والويل: شدة العذاب وزعم بعضهم أنه دعاء منها له في معرض الدعاء عليه، والعرب تفعل ذلك صرفا لعين الكمال عن المدعو عليه، ومنه قولهم: قاتله الله ما أفصحه ومنه قول جميل: [الطويل]:
رمى الله في عيني بثينة بالقذى = وفي الغر من أنيابها بالقوادح
ويقال: رجل الرجل يرجل رجلا فهو راجل، وأرجلته أنا صيرته راجلا، خدر عنيزة بدل من الخدر الأول، والمعنى ويوم دخلت خدر عنيزة وهذا مثل قوله تعالى {لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات} ومنه قول الشاعر: [البسيط]:
يا تيم تيم عدي إلا أبا لكمو = لا يلفينكمو في سوأة عمر
وصرف عنيزة لضرورة الشعر وهي لا تنصرف في غير الشعر للتأنيث والتعريف.
يقول: ويوم دخلت هودج عنيزة فدعت علي أو دعت لي في معرض الدعاء علي، وقالت إنك تصيرني راجلة لعقرك ظهر بعيري، يريد أن هذا اليوم كان من محاسن الأيام الصالحة التي نلتها منهن أيضا.
14 - تقول وقد مال الغبيط بنا معا = عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل
الغبيط: ضرب من الرحال، وقيل بل ضرب من الهوادج، الباء في قوله بنا للتعدية وقد أمالنا الغبيط جميعا، عقرت بعيري أي أدبرت ظهره، من قولهم: سرج معقر وعقر وعقرة يعقر الظهر، ومنه قولهم: كلب عقور، ولا يقال في ذي الروح إلا عقور.
يقول: كانت هذه المرأة تقول لي في حال إمالة الهودج أو الرحل إيانا: قد أدبرت ظهر بعيري فانزل عن البعير.
15 - فقلت لها سيري وأرخي زمامه = ولا تبعديني من جناك المعلل
جعل العشيقة بمنزلة الشجرة، وجعل ما نال من عناقها وتقبيلها وشمها بمنزلة الثمرة ليتناسب الكلام. المعلل: المكرر، من قولهم: علة يعله ويعله إذا كرر سقيه، وعلله للتكثير والتكرير، المعلل: الملهي، من قولك: عللت الصبي بفاكهة أي ألهيته بها، وقد روي في البيت بكسر اللام وفتحها، والمعنى على ما ذكرنا.
يقول: فقلت للعشيقة بعد أمرها إياي بالنزول سيري وأرخي زمام البعير ولا تبعديني مما أنال من عناقك وشمك وتقبيلك الذي يلهيني أو الذي أكرره، ويقال لمن على الدابة سار يسير كما يقال للماشي كذلك، قال سيري وهي راكبة، الجنى: اسم لما يجتنى من الشجر، والجنى المصدر، يقال: جنيت الثمرة واجتنيتها.
16 - فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع = فألهيتها عن ذي تمائم محول
خفض فمثلك بإضمار رب، أراد فرب امرأة حبلى، الطروق: الإتيان ليلا، والفعل طرق يطرق، المرضع: التي لها ولد رضيع، إذا بنيت على الفعل أنثت فقيل: أرضعت فهي مرضعة، وإذا حملوها على أنها بمعنى ذات إرضاع أو ذات رضيع لم تلحقها تاء التأنيث ومثلها حائض وطالق وحامل، لا فصل بين هذه الأسماء فيما ذكرنا، وإذا حملت على أنها من المنسوبات لم تلحقها علامة التأنيث، وإذا حملت علىالفعل لحقتها علامة التأنيث، ومعنى المنسوب في هذا الباب أن يكون الاسم بمعنى ذي كذا أو ذات كذا، والاسم إذا كان من هذا القبيل عرته العرب من علامة التأنيث كما قالوا: امرأة لابن وتامر أي ذات لبن وذات تمر، ورجل لابن وتامر أي ذو لبن وذو تمر، ومنه قوله تعالى {السماء منفطر به} نص الخليل على أن المعنى: السماء ذات انفطار به لذلك تجرد منفطر عن علامة التأنيث وقوله تعالى: {لا فارض ولا بكر عوان} أي لا ذات فرض، وتقول العرب: جمل ضامر وناقة ضامر، وجمل شائل، وناقة شائل، ومنه قول الأعشى: [السريع]
عهدي بها في الحي قد سربلت = بيضاء مثل المهرة الضامر
أي ذات الضمور وقول الآخر: [مجزوء الكامل]
وغررتني وزعمت أنك = لابن في الصيف تامر
أي ذلت لبن وذات تمر، وقول الآخر: [الرجز]
ورابعتني تحت ليل ضارب = بساعد فعم وكف خاضب
أي ذات خضاب، وقال أيضا: [الرجز]
يا ليت أم العمر كانت صاحبي = مكان من أمسى على الركائب
أي ذات صحبتي، وأنشد النحويون: [الطويل]
وقد تخذت رجلي لدى جنب غرزها = نسيفا كأفحوص القطاة المطرق
أي ذات الطريق. والمعول في هذا الباب على السماع إذ هو غير منقاد للقياس لهيت عن الشيء ألهى عنه لهيا إذا شغلت عنه وسلوت، وألهيته إلهاء إذا شغلته، التميمة: العوذة، والجمع التمائم، يقال: أحول الصبي إذا تم له حول فهو محول، ويروى: عن ذي تمائم مغيل، يقال: غالت المرأة ولدها تغيل غيلا وأغالت تغيل إغيالا إذا أرضعته وهي حبلى، ويروى: ومرضع بالعطف على حبلى ويروى: ومرضعا على تقدير طرقتها، ومرضعا تكون معطوفة على ضمير المفعول.
يقول: فرب امرأة حبلى قد أتيتها ليلا ورب امرأة ذات رضيع أتيتها ليلا فشغلتها عن ولدها الذي علقت عليه العوذة وقد أتى عليه حول كامل، أو قد حبلت أمه بغيره فهي ترضعه على حبلها، وإنما خص الحبلى والمرضع لأنهما أزهد النساء في الرجال وأقلهن شغفا بهم وحرصا عليهم فقال: خدعت مثلهما مع اشتغالهما بأنفسهما فكيف تتخلصين مني؟ قوله: فمثلك، يريد به فرب امرأة مثل عنيزة في ميله إليها وحبه لها لأن عنيزة في هذا الوقت كانت عذراء غير حبلى ولا مرضع.
17 - إذا ما بكى من خلفها انصرفت له = بشق وتحتي شقها لم يحول
شق الشيء: نصفه، يقول: إذا ما بكى الصبي من خلف المرضع انصرفت إليه بنصفها الأعلى فأرضعته وأرضته وتحتي نصفها الأسفل لم تحوله عني وصف غاية ميلها إليه وكلفها به حيث لم يشغلها عن مرامه ما يشغل الأمهات عن كل شيء.
18 - ويوما على ظهر الكثيب تعذرت = علي وآلت حلفة لم تحلل
الكثيب: رمل كثير، والجمع أكثبة وكثب وكثبان، التعذر: التشدد والالتواء الإيلاء والائتلاء والتألي: الحلف يقال: آلى وائتلى وتألى إذا حلف واسم اليمين الألية والألوة والألوة معاً والحلف المصدر، والحلف بكسر اللام الاسم: الحلفة، المرة. التحلل في اليمين: الاستثناء نصب حلفة لأنها حلت محل الإيلاء كأنه قال: وآلت إيلاء، والفعل يعمل فيما وافق مصدره في المعنى كعمله في مصدره نحو قولهم: إني لأشنؤه بغضا وإني لأبغضه كراهية، يقول: وقد تشددت العشيقة وآلتوت، وساءت عشرتها يوما على ظهر الكثيب المعروف، وحلفت حلفا لم تستثن فيه أنها تصارمني وتهاجرني هذا ويحتمل أن يكن صفة حال اتفقت له مع عنيزة، ويحتمل أنها اتفقت مع المرضع التي وصفها.
19 - أفاطم مهلا بعض هذا التدلل = وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
مهلا: أي رفقا. الإدلال والتدلل: أن يثق الإنسان بحب غيره إياه فيؤذيه على حسب ثقته به، والاسم الدالة والدال والدلال. أزمعت الأمر وأزمعت عليه: وطنت نفسي عليه.
يقول: يا فاطمة دعي بعض دلالك وإن كنت وطنت نفسك على فراقي فأجملي في الهجران. نصب بعض لأن مهلا ينوب مناب دع، الصرم: المصدر، يقال: صرمت الرجل أصرمه صرما إذا قطعت كلامه، والصرم الاسم: فاطمة، اسم المرضع، أو اسم عنيزة وعنيزة لقب لها فيما قيل.
20 - أغرك مني أن حبك قاتلي = وأنك مهما تأمري القلب يفعل
يقول: قد غرك مني كون حبك قاتلي وكون قلبي منقادا لك بحيث مهما أمرته بشيء فعله، وألف الاستفهام دخلت على هذا القول للتقرير لا للاستفهام والاستخبار ومنه قول جرير: [الوافر]
ألستم خير من ركب المطايا = وأندى العالمين بطون راح
يريد أنهم خير هؤلاء وقيل: بل معناه قد غرك مني أنك علمت أن حبك مذللي، والقتل التذليل، وأنك تملكين فؤادك فمهما أمرت قلبك بشيء أسرع إلى مرادك فتحسبين أني أملك عنان قلبي كما ملكت عنان قلبك حتى يسهل علي فراقك كما سهل عليك فراقي، ومن الناس من حمله على مقتضي الظاهر وقال: معنى البيت: أتوهمت وحسبت أن حبك يقتلني أو أنك مهما أمرت قلبي بشيء فعله؟ قال: يريد أن الأمر ليس على ما خيل إليك فإني مالك زمام قلبي والوجه الأمثل هو الوجه الأول وهذا القول أرذل الأقوال، لأن مثل هذا الكلام لا يستحسن في النسيب بالحبيب.
21 - وإن تك قد ساءتك مني خليقة = فسلي ثيابي من ثيابك تنسل
من الناس من جعل الثياب في هذا البيت بمعنى القلب، كما حملت الثياب على القلب في قول عنترة: [الكامل]
فشككت بالرمح الأصم ثيابه = ليس الكريم على القنا بمحرم
وقد حملت الثياب في قوله تعالى: {وثيابك فطهر} على أن المراد به القلب، فالمعنى على هذا القول: إن ساءك خلق من أخلاقي وكرهت خصلة من خصالي فردي علي قلبي أفارقك، والمعنى على هذا القول: استخرجي قلبي من قلبك يفارقه، النسول: سقوط الريش والوبر والصوف والشعر يقال: نسل ريش الطائر ينسل نسولا واسم ما سقط النسيل والنسال ومنهم من رواه تنسلي وجعل الانسلاء بمعنى التسلي والرواية الأولى أولاهما بالصواب، ومن الناس من حمل الثياب في البيت على الثياب الملبوسة وقال: كنى بتباين الثياب وتباعدها عن تباعدهما وقال: إن ساءك شيء من أخلاقي فاستخرجي ثيابي من ثيابك أي ففارقيني وصارميني كما تحبين فإني لا أؤثر إلا ما آثرت ولا أختار إلا ما اخترت لانقيادي لك وميلي إليك، فإذا آثرت فراقي آثرته وإن كان سبب هلاكي وجالب موتي.
22 - وما ذرفت عيناك إلا لتضربي = بسهميك في أعشار قلب مقتل
ذرف الدمع يذرف ذريفا وذرفانا وتذرافا إذا سال، ثم يقال ذرفت عينه كما يقال دمعت عينه وللأئمة في البيت قولان، قال الأكثرون: استعار للحظ عينيها ودمعهما اسم السهم لتأثيرهما في القلوب وجرحهما إياها كما أن السهام تجرح الأجسام وتؤثر فيها الأعشار من قولهم: برمة أعشار إذا كانت قطعا ولا واحد لها من لفظها، المقتل: المذلل غاية التذليل، والقتل في الكلام التذليل، ومنه قولهم: قتلت الشراب إذا قللت غرب سورته بالمزاج، ومنه قول الأخطل: [الطويل]:
فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها = وحب بها مقتولة حين تقتل
وقال حسان [الكامل]:
إن التي ناولتني فرددتها = قتلت قتلت فهاتها لم تقتل
ومنه: قتلت أرض جاهلها وقتل أرضا عالمها، ومنه قوله تعالى {وما قتلوه يقينا} عند أكثر الأئمة؛ أي: ما ذللوا قولهم بالعلم اليقين. وتلخيص المعنى على هذا القول: وما دمعت عيناك وما بكيت إلا لتصيدي قلبي بسهمي دمع عينيك وتجرحي قطع قلبي الذي ذللته بعشقك غاية التذليل؛ أي: نكايتهما في قلبي نكاية السهم في المرمى.
وقال آخرون: أراد بالسهمين المعلى والرقيب من سهام الميسر، والجزور يقسم على عشرة أجزاء فللمعلى سبعة أجزاء وللرقيب ثلاثة أجزاء، فمن فاز بهذين القدحين فقد فاز بجميع الأجزاء وظفر بالجزور.
وتلخيص المعنى على هذا القول: وما بكيت إلا لتملكي قلبي كله، وتفوزي بجميع أعشاره وتذهبي بكله، والأعشار على هذا القول جمع عشر؛ لأن أجزاء الجزور عشرة، والله أعلم.
23 - وبيضة خدر لا يرام خباؤها = تمتعت من لهو بها غير معجل
أي: ورب بيضة خدر، يعني: ورب امرأة لزمت خدرها، ثم شبهها بالبيض والنساء يشبهن بالبيض من ثلاثة أوجه: أحدها بالصحة والسلامة عن الطمث ومنه قول الفرزدق: [الوافر]
خرجن إلي لم يطمثن قبلي = وهن أصح من بيض النعام
ويروى: دفعن إلي، ويروى: برزن إلي، والثاني في الصيانة والستر؛ لأن الطائر يصون بيضه ويحضنه، والثالث في صفاء اللون ونقائه؛ لأن البيض يكون صافي اللون نقيه إذا كان تحت الطائر، وربما شبهت النساء ببيض النعام، وأريد أنهن بيض تشوب ألوانهن صفرة يسيرة، وكذلك لون بيض النعام، ومنه قول ذي الرمة: [البسيط]:
كأنها فضة قد مسها الذهب
الروم: الطلب، والفعل منه يروم، الخباء: البيت إذا كان من قطن أو وبر أو صوف أو شعر، والجمع الأخبية التمتع: الانتفاع، وغير يروي بالنصب والجر، فالجر على صفة لهو والنصب على الحال من التاء في تمتعت.
يقول: ورب امرأة كالبيض في سلامتها من الافتضاض، أو في الصون والستر أو في صفاء اللون ونقائه أو في بياضها المشوب بصفرة يسيرة ملازمة خدرها غير خراجة ولاجة انتفعت باللهو بها على تمكث وتلبث لم أعجل عنها ولم أشغل عنها بغيرها.
24 - تجاوزت أحراسا إليها ومعشرا = علي حراصا لو يسرون مقتلي
الأحراس يجوز أن يكون جمع حارس بمنزلة صاحب وأصحاب وناصر وأنصار وشاهد وأشهاد، ويجوز أن يكون جمع حرس بمنزلة جبل وأجبال وحجر وأحجار ثم يكون الحرس جمع حارس بمنزلة خادم، وخدم وغائب وغيب وطالب وطلب وعابد وعبد، المعشر: القوم والجمع المعاشر الحراص: جمع حريص مثل ظراف وكرام ولئام في جمع ظريف وكريم ولئيم.
الإسرار: الإظهار والإضمار جميعا، وهو من الأضداد، ويروى: لو يشرون مقتلي بالشين المعجمة، وهو الإظهار لا غير.
يقول: تجاوزت في ذهابي إليها وزيارتي إياها أهوالا كثيرة، وقوما يحرسونها وقوما حراصا على قتلي لو قدروا عليه في خفية؛ لأنهم لا يجترئون على قتلي جهارا، أو حراصا على قتلي لو أمكنهم قتلي ظاهرا= لينزجر ويرتدع غيري عن مثل صنيعي، وحمله على الأول أولى؛ لأنه كان ملكا والملوك لا يقدر على قتلهم علانية.
25 - إذا ما الثريا في السماء تعرضت = تعرض أثناء الوشاح المفصل
التعرض: الاستقبال، والتعرض إبداء العرض، وهو الناحية، والتعرض الأخذ في الذهاب عرضا، الأثناء: النواحي، والأثناء الأوساط واحدها ثنى مثل عصى وثنى مثل معى وثني مثل نحي، وكذلك الآناء بمعنى الأوقات، والآلاء بمعنى النعم في واحدها، هذه اللغات الثلاث ذكرها كلها ابن الأنباري.
المفصل: الذي فصل بين خرزه بالذهب أو غيره.
يقول: تجاوزت إليها في وقت إبداء الثريا عرضها في السماء كإبداء الوشاح الذي فصل بين جواهره وخرزه بالذهب أو غيره= عرضه.
يقول: أتيتها عند رؤية نواحي كواكب الثريا في الأفق الشرقي، ثم شبه نواحيها بنواحي جواهر الوشاح، هذا أحسن الأقوال في تفسير البيت ومنهم من قال شبه كواكب الثريا بجواهر الوشاح، لأنَّ الثريا تأخذ وسط السماء، كما أن الوشاح يأخذ وسط المرأة المتوشحة، ومنه من زعم أنه أراد الجوزاء، فغلط وقال الثريا؛ لأن التعرض للجوزاء دون الثريا، وهذا قول محمد بن سلام الجمحي، وقال بعضهم: تعرض الثريا أنها إذا بلغت كبد السماء أخذت في العرض ذاهبة ساعة، كما أن الوشاح يقع مائلا إلى أحد شقي المتوشحة به.
26 - فجئت وقد نضت لنوم ثيابها = لدى الستر إلا لبسة المتفضل
نضا الثياب ينضوها نضوا إذا خلعها، ونضاها ينضيها إذا أراد المبالغة اللبسة: حالة اللابس وهيئة لبسه الثياب بمنزلة الجلسة والقعدة والركبة والردية والإزرة المتفضل: اللابس ثوبا واحدا إذا أراد الخفة في العمل، والفضلة والفضل اسمان لذلك.
يقول: أتيتها وقد خلعت ثيابها عند النوم غير ثوب واحد تنام فيه، وقد وقفت عند الستر مترقبة ومنتظرة لي، وإنما خلعت الثياب لتري أهلها أنها تريد النوم.
27 - فقالت: يمين الله ما لك حيلة = وما إن أرى عنك الغواية تنجلي
اليمين: الحلف. الغواية والغي: الضلالة، والفعل غوي يغوى غواية، ويروى العماية وهي العمى.
الانجلاء: الانكشاف وجلوته كشفته فانجلى.
الحيلة أصلها حولة فأبدلت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، وإن في قوله وما إن زائدة، وهي تزاد مع ما النافية ومنه قول الشاعر: [الوافر]
وما إن طبنا جبن ولكن = منايانا ودولة آخرينا
يقول: فقالت الحبيبة أحلف بالله ما لك حيلة، أي: مالي لدفعك عني حيلة، وقيل: بل معناه ما لك حجة في أن تفضحني بطروقك إياي وزيارتك ليلا، يقال: ما له حيلة؛ أي: ما له عذر وحجة، وما أرى ضلال العشق وعماه منكشفا عنك، وتحرير المعنى أنها قالت: مالي سبيل إلى دفعك، أو ما لك عذر في زيارتي، وما أراك نازعا عن هواك وغيك، ونصب يمين الله كقولهم: الله لأقومن، على إضمار الفعل، وقال الرواة: هذا أغنج بيت في الشعر.
28 - خرجت بها أمشي تجر وراءنا = على أثرينا ذيل مرط مرحل
خرجت بها أفادت الباء تعدي الفعل، والمعنى: أخرجتها من خدرها، الأثر والإثر واحد، وأما الأثر بفتح الهمزة وسكون الثاء: فهو فرند السيف، ويروى: على إثرنا أذيال، والذيل يجمع على الأذيال والذيول، المرط عند العرب: كساء من خز أو مرعزى أو من صوف، وقد تسمى الملاءة مرطا أيضا والجمع المروط. المرحل: المنقش بنقوش تشبه رحال الإبل يقال: ثوب مرحل، وفي هذا الثوب ترحيل.
يقول: فأخرجتها من خدرها وهي تمشي وتجر مرطها على أثرنا؛ لتعفي به آثار أقدامنا، والمرط كان موشى بأمثال الرحال، ويروى: نير مرط، والنير: علم الثوب.
29 - فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى = بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل
يقال: أجزت المكان وجزته إذا قطعته إجازة وجوازا. الساحة تجمع على الساحات والساح والسوح مثل قارة وقارات وقار وقور، والقارة: الجبيل الصغير. الحي: القبيلة، والجمع الأحياء، وقد تسمى الحلة حيا. الانتحاء والتنحي والنحو: الاعتماد على الشيء، ذكره ابن الأعرابي. البطن: مكان مطمئن حوله أماكن مرتفعة، والجمع أبطن وبطون وبطنان. الخبت: أرض مطمئنة. الحقف: رمل مشرف معوج، والجمع أحقاف وحقاف، ويروى: ذي قفاف، وهي جمع قف، وهو ما غلظ وارتفع من الأرض ولم يبلغ أن يكون جبلا. العقنقل: الرمل المنعقد المتلبد، وأصله من العقل وهو الشد، وزعم أبو عبيدة وأكثر الكوفيين أن الواو في وانتحى مقحمة زائدة وهو عندهم جواب لما، وكذلك قولهم في الواو في قوله تعالى: {وناديناه أن يا إبراهيم}. والواو لا تقحم زائدة في جواب لما عند البصريين، والجواب يكون محذوفا في مثل هذا الموضع تقديره في البيت: فلما كان كذا وكذا تنعمت وتمتعت بها، أو الجواب قوله هصرت، وفي الآية فازا وظفرا بما أحبا، وحذف جواب لما كثير في التنزيل وكلام العرب.
يقول: فلما جاوزنا ساحة الحلة، وخرجنا من بين البيوت، وصرنا إلى أرض مطمئنة بين حقاف، يريد مكانا مطمئنا أحاطت به حقاف أو قفاف منعقدة، والعقنقل من صفة الخبت لذلك لم يؤنثه، ومنهم من جعله من صفة الحقاف، وأحله محل الأسماء، وعطله من علامة التأنيث لذلك. وقوله: وانتحى بنا بطن خبت، أسند الفعل إلى بطن خبت، والفعل عند التحقيق لهما، ولكنه ضرب من الاتساع في الكلام، والمعنى صرنا إلى مثل هذا المكان.
وتلخيص المعنى: فلما خرجنا من مجمع بيوت القبيلة، وصرنا إلى مثل هذا الموضع طاب حالنا وراق عيشنا.
30 – هصرت بفودي رأسها فتمايلت = علي هضيم الكشح ريا المخلخل
الهصر: الجذب، والفعل هصر يهصر. الفودان: جانبا الرأس تمايلت أي مالت. ويروى: بغصني دومة، والدوم: شجر المقل، واحدتها دومة، شبهها بشجرة الدوم وشبه ذؤابتيها بغصنين، وجعل ما نال منها كالثمر الذي يجتنى من الشجر.
ويروى: إذا قلت هاتي ناوليني تمايلت والنول والإنالة والتنويل: الإعطاء ومنه قيل للعطية نوال.
هضيم الكشح: ضامر الكشح، والكشح: منقطع الأضلاع والجمع كشوح، وأصل الهضم الكسر، والفعل هضم يهضم، وإنما قيل لضامر البطن هضيم الكشح؛ لأنه يدق بذلك الموضع من جسده، فكأنه هضيم عن قرار الردف والجنبين والوركين.
ريا: تأنيث الريان. المخلخل: موضع الخلخال من الساق. والمسور: موضع السواء من الذراع. والمقلد: موضع القلادة من العنق. والمقرط: موضع القرط من الأذن، عبر عن كثرة لحم الساقين وامتلائهما بالري. هصرت جواب لما من البيت الأول عند البصريين.
وأما الرواية الثالثة وهي إذا قلت فإن الجواب مضمر محذوف على تلك الرواية على ما مر ذكره في البيت الذي قبله.
يقول: لما خرجنا من الحلة وأمنا الرقباء جذبت ذؤابتيها إلي فطاوعتني فيما رمت منها، ومالت علي مسعفة بطلبتي في حال ضمر كشحيها وامتلاء ساقيها باللحم.
والتفسير على الرواية الثالثة: إذا طلبت منها ما أحببت، وقلت أعطيني سؤلي كان ما ذكرنا، ونصب هضيم الكشح على الحال ولم يقل هضيمة الكشح؛ لأن فعيلا إذا كان بمعنى مفعول لم تلحقه علامة التأنيث للفصل بين فعيل إذا كان بمعنى الفاعل، وبين فعيل إذا كان بمعنى المفعول، ومنه قوله تعالى {إن رحمة الله قريب من المحسنين}.
31 - مهفهفة بيضاء غير مفاضة = ترائبها مصقولة كالسجنجل
المهفهفة: اللطيفة الخصر الضامرة البطن. المفاضة: المرأة العظيمة البطن المسترخية اللحم. الترائب جمع التريبة: وهي موضع القلادة من الصدر. السقل والصقل بالسين والصاد: إزالة الصدأ والدنس وغيرهما، والفعل منه سقل يسقل وصقل يصقل. السجنجل: المرآة لغة رومية، عربتها العرب، وقيل بل هو قطع الذهب والفضة.
يقول: هي امرأة دقيقة الخصر، ضامرة البطن غير عظيمة البطن ولا مسترخيته، وصدرها براق اللون متلألئ الصفاء، كتلألؤ المرآة.
32 - كبكر المقاناة البياض بصفرة = غذاها نمير الماء غير المحلل
البكر من كل صنف: ما لم يسبقه مثله. المقاناة: الخلط، يقال: قانيت بين الشيئين إذا خلطت أحدهما بالآخر، والمقاناة في البيت مصوغة للمفعول دون المصدر.
النمير: الماء النامي في الجسد المحلل، ذكر أنه من الحلول، وذكر أنه من الحل، ثم إن للأئمة في تفسير البيت ثلاثة أقوال: أحدها أن المعنى كبكر البيض التي قوني بياضها بصفرة، يعني بيض النعام، وهي بيض تخالط بياضها صفرة يسيرة، شبه لون العشيقة بلون بيض النعام في أن في كل منهما بياضا خالطته صفرة، ثم رجع إلى صفتها، فقال: غذاها ماء نمير عذب لم يكثر حلول الناس عليه فيكدره ذلك، يريد أنه عذب صاف، وإنما شرط هذا؛ لأن الماء من أكثر الأشياء تأثيرا في الغذاء؛ لفرط الحاجة إليه، فإذا عذب وصفا حسن موقعه في غذاء شاربه.
وتلخيص المعنى على هذا القول: إنها بيضاء تشوب بياضها صفرة، وقد غذاها ماء نمير عذب صاف، والبياض الذي شابته صفرة أحسن ألوان النساء عند العرب.
والثاني: أن المعنى كبكر الصدفة التي خولط بياضها بصفرة، وأراد ببكرها درتها التي لم ير مثلها، ثم قال: قد غذا هذه الدرة ماء نمير، وهي غير محللة لمن رامها؛ لأنها في قعر البحر لا تصل إليها الأيدي.
وتلخيص المعنى على هذا القول: أنه شبهها في صفاء اللون ونقائه بدرة فريدة تضمنتها صدفة بيضاء، شابت بياضها صفرة وكذلك لون الصدفة، ثم ذكر أن الدرة التي أشبهتها حصلت في ماء نمير لا تصل إليها أيدي طلابها، وإنما شرط النمير والدر لا يكون إلا في الماء الملح؛ لأن الملح له بمنزلة العذب لنا إذا صار سبب نمائه كما صار العذب سبب نمائنا.
والثالث: أنه أراد كبكر البردي التي شاب بياضها صفرة، وقد غذا البردي ماء نمير لم يكثر حلول الناس عليه، وشرط ذلك ليسلم الماء عن الكدر، وإذا كان كذلك لم يغير لون البردي، والتشبيه من حيث أن بياض العشيقة خالطته صفرة كما خالطت بياض البردي.
ويروى البيت بنصب البياض وخفضه، وهما جيدان بمنزلة قولهم: زيد الحسن الوجه، والحسن الوجه، بالخفض على الإضافة والنصب على التشبيه كقولهم: زيد الضارب الرجل.
33 - تصد وتبدي عن أسيل وتتقي = بناظرة من وحش وجرة مطفل
الصد والصدود: الإعراض، والصد أيضا الصرف والدفع، والفعل منه صد يصد. والإصداد الصرف أيضا. الإبداء: الإظهار. الأسالة: امتداد وطول في الخد، وقد أسل أسالة فهو أسيل. الاتقاء: الحجز بين الشيئين، يقال: اتقيته بترس أي: جعلت الترس حاجزا بيني وبينه. وجرة: موضع. المطفل: التي لها طفل. الوحش: جمع وحشي مثل زنج وزنجي، وروم ورومي.
يقول: تعرض العشيقة عني، وتظهر خدا أسيلا، وتجعل بيني وبينها عينا ناظرة من نواظر وحش هذا الموضع التي لها أطفال، شبهها في حسن عينيها بظبية مطفل أو بمهاة مطفل.
وتلخيص المعنى: أنها تعرض عنا فتظهر في إعراضها خدا أسيلا، وتستقبلنا بعين مثل عيون ظباء وجرة، أو مهاها اللواتي لها أطفال، وخصهن لنظرهن إلى أولادهن بالعطف والشفقة، وهي أحسن عيونا في تلك الحال منهن في سائر الأحوال، قوله: عن أسيل، أي عن خد أسيل، فحذف الموصوف لدلالة الصفة عليه، كقولك: مررت بعاقل أي بإنسان عاقل، وقوله: من وحش وجرة، أي: من نواظر وحش وجرة، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه كقوله تعالى: {واسأل القرية}. أي: أهل القرية.
34 - وجيد كجيد الرئم ليس بفاحش = إذا هي نصته ولا بمعطل
الرئم: الظبي الأبيض الخالص البياض، والجمع آرام النص: الرفع، ومنه سمي ما تجل عليه العروس منصة، ومنه النص في السير وهو حمل البعير على سير شديد، ونصصت الحديث أنصه نصا: رفعته، الفاحش: ما جاوز القدر المحمود من كل شيء.
يقول: وتبدي عن عنق كعنق الظبي غير متجاوز قدره المحمود إذا ما رفعت عنقها، وهو غير معطل عن الحلي فشبه عنقها بعنق الظبية في حال رفعها عنقها ثم ذكر أنه لا يشبه عنق الظبي في التعطل عن الحلي.
35 - وفرع يزين المتن أسود فاحم = أثيث كقنو النخلة المتعثكل
الفرع: الشعر التام، والجمع فروع، ورجل أفرع وامرأة فرعاء، الفاحم: الشديد السواد مشتق من الفحم، يقال: هو فاحم بين الفحومة. الأثيث: الكثير والأثاثة الكثرة، يقال: أث الشعر والنبت. القنو يجمع على الأقناء والقنوان، العثكول والعثكال قد يكونان بمعنى القنو وقد يكونان بمعنى قطعة من القنو والنخلة المتعثكلة التي خرجت عثاكيلها أي قنوانها.
يقول: وتبدي عن شعر طويل تام يزين ظهرها إذا أرسلته عليه، ثم شبه ذؤابتيها بقنو نخلة أخرجت قنوانها والذوائب تشبه بالعناقيد والقنوان يراد به تجعدها وأثاثتها.
36 - غدائره مستشزرات إلى العلا = تضل العقاص في مثنى ومرسل
الغدائر جمع الغديرة: وهي الخصلة من الشعر، الاستشزار: الارتفاع والرفع جميعا، فيكون الفعل منه مرة لازما ومرة متعديا، فمن روى مستشزرات بكسر الزاي جعله من اللازم، ومن روى بفتح الزاي جعله من المتعدي العقيصة: الخصلة المجموعة من الشعر، والجمع عقص وعقائص والفعل من الضلال والضلالة ضل يضل ويضل جميعا.
يقول: ذوائبها وغدائرها مرفوعات أو مرتفعات إلى فوق، يراد به شدها على الرأس بخيوط، ثم قال: تغيب تعاقيصها في شعر بعضه مثني وبعضه مرسل أراد به وفور شعرها. والتعقيص التجعيد.
37 - وكشح لطيف كالجديل مخصر = وساق كأنبوب السقي المذلل
الجديل: خطام يتخذ من الأدم، والجمع جدل، المخصر: الدقيق الوسط، ومنه نعل مخصرة، الأنبوب: ما بين العقدتين من القصب وغيره والجمع الأنابيب السقي ههنا بمعنى المسقي كالجريح بمعنى المجروح، والجني بمعنى المجني.
يقول: وتبدي عن كشح ضامر يحكي في دقته خطاما متخذا من الأدم، وعن ساق يحكي في صفاء لونه أنابيب بردي بين نخل قد ذللت بكثرة الحمل فأظلت أغصانها هذا البردي، شبه ضمور بطنها بمثل هذا الخطام، وشبه صفاء لون ساقها ببردي بين نخيل تظله أغصانها، وإنما شرط ذلك ليكون أصفى لونا وأنقى رونقا، وتقدير قوله: كأنبوب السقي كأنبوب النخل المسقي، ومنهم من جعل السقي نعتا للبردي أيضا، والمعنى على هذا القول: كأنبوب البردي المسقي المذلل بالإرواء.
38 - وتضحي فتيت المسك فوق فراشها = نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل
الإضحاء: مصادفة الضحى، وقد يكون بمعنى الصيرورة أيضا، يقال: أضحى زيد غنيا أي صار ولا يراد به أنه صادف الضحى على صفة الغنى، ومنه قول عدي بن زيد:
ثم أضحوا كأنهم ورق جف = فألوت به الصبا والدبور
أي صاروا. الفتيت والفتات: اسم لدقاق الشيء الحاصل بالفت. قوله: نؤوم الضحى عطل نؤوما عن علامة التأنيث لأن فعولا إذا كان بمعنى الفاعل يستوي لفظ صفة المذكر والمؤنث فيه، يقال: رجل ظلوم وامرأة ظلوم، ومنه قوله تعالى: {توبة نصوحا} قوله: لم تنتطق عن تفضل، أي بعد تفضل كما يقال: استغنى فلان عن فقره أي بعد فقره، والتفضل: لبس الفضلة وهي ثوب واحد يلبس للخفة في العمل.
يقول: تصادف العشيقة الضحى ودقاق المسك فوق فراشها الذي باتت عليه، وهي كثيرة النوم في وقت الضحى ولا تشد وسطها بنطاق بعد لبسها ثوب المهنة، يريد أنها مخدومة منعمة تخدم ولا تخدم، وتلخيص المعنى: أن فتات المسك يكثر على فراشها وأنها تكفى أمورها فلا تباشر عملا بنفسها، وصفها بالدعة والنعمة وخفض العيش وأن لها من يخدمها ويكفيها أمورها.
39 - وتعطوا برخص غير شثن كأنه = أساريع ظبي أو مساويك إسحل
العطو: التناول، والفعل عطا يعطو عطوا، والإعطاء المناولة، والتعاطي التناول، والمعاطاة الخدمة، والتعطية مثلها، الرخص: اللين الناعم الشثن: الغليظ الكز وقد شثن شثونة، الأسروع واليسروع دود يكون في البقل والأماكن الندية، تشبه أنامل النساء به والجمع الأساريع واليساريع. ظبي: موضع بعينه المساويك: جمع المسواك الإسحل: شجرة تدق أغصانها في استواء، تشبه الأصابع بها في الدقة والاستواء.
يقول: وتتناول الأشياء ببنان رخص لين ناعم غير غليظ ولا كز، كأن تلك الأنامل تشبه هذا الصنف من الدود أو هذا الضرب من المساويك وهو المتخذ من أغصان هذا الشجر المخصوص المعين.
40 - تضيء الظلام بالعشاء كأنها = منارة ممسى راهب متبتل
الإضاءة: قد يكون الفعل المشتق منها لازما وقد يكون متعديا, تقول: أضاء الله الصبح فأضاء والضوء والضوء واحد والفعل ضاء يضوء ضوءا وهو لازم. المنارة: المسرجة، والجمع المناور والمنائر، الممسى: بمعنى الإمساء والوقت جميعا، ومنه قول أمية: [البسيط]
الحمد لله ممسانا ومصبحنا = بالخير صبحنا ربي ومسانا
الراهب يجمع على الرهبان مثل راكب وركبان وراع ورعيان، وقد يكون الرهبان واحدا ويجمع حينئذ على الرهابنة والرهابين كما يجمع السلطان على السلاطنة والسلاطين أنشد الفراء: [الرجز]
لو أبصرت رهبان دير في جبل = لانحدر الرهبان يسعى ويصل
جعل الرهبان واحدا، لذلك قال يسعى ولم يقل يسعون. المتبتل: المنقطع إلى الله بنيته وعمله، والبتل: القطع، ومنه قيل مريم البتول لانقطاعها عن الرجال واختصاصها بطاعة الله تعالى فالتبتل إذن الانقطاع عن الخلق والاختصاص بطاعة الله تعالى، ومنه قوله تعالى: {وتبتل إليه تبتيلا}.
يقول: تضيء العشيقة بنور وجهها ظلام الليل فكأنها مصباح راهب منقطع عن الناس وخص مصباح الراهب لأنه يوقده ليهتدي به عند الضلال فهو يضيئه أشد الإضاءة، يريد أن نور وجهها يغلب ظلام الليل كما أن نور مصباح الراهب يغلبه.

حفيدة بني عامر
14 Dec 2008, 01:06 مساء
41 - إلى مثلها يرنو الحليم صبابة = إذا ما اسبكرت بين درع ومجول
الاسبكرار: الطول والامتداد، الدرع: هو قيمص المرأة، وهو مذكر ودرع الحديد مؤنثة والجمع أدرع ودروع المجول: ثوب تلبسه الجارية الصغيرة.
يقول: إلى مثلها ينبغي أن ينظر العاقل كلفا بها وحنينا إليها إذا طال قدها وامتدت قامتها بين من تلبس الدرع وبين من تلبس المجول، أي بين اللواتي أدركن الحلم وبين اللواتي لم يدركن الحلم، يريد أنها طويلة القد مديدة القامة وهي بعد لم تدرك الحلم وقد ارتفعت عن سن الجواري الصغار، قوله: بين درع ومجول، تقديره: بين لابسة درع ولابسة مجول، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
42 - تسلت عمايات الرجال عن الصبا = وليس فؤادي عن هواك بمنسل
سلا فلان عن حبيبه يسلو سلوا، وسلي يسلى سليا، وتسلى تسليا وانسلى انسلاء أي زال حبه من قلبه أو زال حزنه، والعماية والعمى واحد والفعل عمي يعمى. زعم أكثر الأئمة أن في البيت قلبا تقديره: تسلت الرجالات عن عمايات الصبا أي خرجوا من ظلماته وليس فؤادي بخارج من هواها.
وزعم بعضهم أن عن في البيت بمعنى بعد، تقديره: انكشفت وبطلت ضلالات الرجال بعد مضي صباهم، وفؤادي بعد في ضلالة هواها، وتلخيص المعنى: أنه زعم أن عشق العشاق قد بطل وزال وعشقه إياها باق ثابت لا يزول ولا يبطل.
43 - ألا رب خصم فيك ألوى رددته = نصيح على تعذاله غير مؤتل
الخصم لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث في لغة شطر من العرب، ومنه قوله تعالى: {وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب} ويثنى ويجمع في لغة الشطر الآخر من العرب، ويجمع على الخصام والخصوم، الألوى: الشديد الخصومة كأنه يلوي خصمه عن دعواه، النصيح: الناصح، التعذال والعذل والعذل: اللوم والفعل عذل يعذل. الألو والائتلاء: التقصير، والفعل ألا يألو وائتلى يأتلي.
يقول: ألا رب خصم شديد الخصومة كان ينصحني على فرط لومه إياي على هواك غير مقصر في النصيحة واللوم رددته ولم أنزجر عن هواك بعذله ونصحه وتحرير المعنى: أنه يخبرها ببلوغ حبه إياها الغاية القصوى، حتى إنه لا يرتدع عنه بردع ناصح ولا ينجع فيه لوم لائم وتقدير لفظ البيت: ألا رب خصم ألوى نصيح على تعذاله غير مؤتل رددته.
44 - وليل كموج البحر أرخى سدوله = علي بأنواع الهموم ليبتلي
شبه ظلام الليل في هوله وصعوبته ونكارة أمره بأمواج البحر: السدول: الستور، الواحد منها سدل. الإرخاء: إرسال الستر وغيره، الابتلاء الاختبار الهموم جمع الهم: بمعنى الحزن وبمعنى الهمة، الباء في قوله: بأنواع الهموم بمعنى مع.
يقول: ورب ليل يحاكي أمواج البحر في توحشه ونكارة أمره وقد أرخى علي ستور ظلامه مع أنواع الأحزان، أو مع فنون الهم، ليختبرني أأصبر على ضروب الشدائد وفنون النوائب أم أجزع منها لما أمعن في النسيب من أول القصيدة إلى هنا انتقل منه إلى التمدح بالصبر والجلد.
45 - فقلت له لما تمطى بصلبه = وأردف أعجازاً وناء بكلكل
تمطى أي تمدد، ويجوز أن يكون التمطي مأخوذا من المطا، وهو الظهر فيكون التمطي مد الظهر، ويجوز أن يكون منقولا، من التمطط فقلبت إحدى الطاءين ياء كما قالوا: تظنى تظنيا والأصل تظنن تظننا وقالوا: تقضى البازي تقضيا أي: تقضض تقضضا، والتمطط التفعل من المط، وهو المد.
وفي الصلب ثلاث لغات مشهورة وهي: الصلب بضم الصاد وسكون اللام، والصلب بضمهما، والصلب بفتحهما ومنه قول العجاج يصف جارية: [الرجز]
ريا العظام فخمة المخدم = في صلب مثل العنان المؤدم
ولغة غريبة وهي الصالب وقال العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم يمدح النبي، عليه السلام: [المنسرح]
تنقل من صالب إلى رحم = إذا مضى عالم بدا طبق
الإرداف: الإتباع والاتباع وهو بمعنى الأول ههنا الأعجاز: المآخير الواحد عجز وعجز وعجز ناء: مقلوب نأى بمعنى بعد، كما قالوا راء بمعنى رأى وشاء بمعنى شأى الكلكل: الصدر، والجمع كلاكل. الباء في قوله ناء بكلكل للتعدية، وكذلك هي في قوله تمطى بصلبه، استعار لليل صلبا واستعار لطوله لفظ التمطي ليلائم الصلب واستعار لأوائله لفظ الكلكل ولمآخيره لفظ الأعجاز.
يقول: فقلت لليل لما مد صلبه يعني لما أفرط طوله، وأردف أعجازا يعني ازدادت مآخيره امتدادا وتطاولا وناء بكلكل يعنى أبعد صدره، أي بعد العهد بأوله، وتلخيص المعنى: قلت لليل لما أفرط طوله وناءت أوائله وازدادت أواخره تطاولا وطول الليل ينبئ عن مقاساة الأحزان والشدائد والسهر المتولد منها، لأن المغموم يستطيل ليله، والمسرور يستقصر ليله.
46 - ألا أيها الليل الطويل إلا انجلي = بصبح وما الإصباح منك بأمثل
الانجلاء: الانكشاف يقال: جلوته فانجلى أي كشفته فانكشف. الأمثل: الأفضل، والمثلى الفضلى، والأماثل الأفاضل.
يقول: قلت له ألا أيها الليل الطويل انكشف وتنح بصبح، أي ليزل ظلامك بضياء من الصبح، ثم قال: وليس الصبح بأفضل منك عندي لأني أقاسي الهموم نهارا كما أعانيها ليلا، أو لأن نهاري أظلم في عيني لازدحام الهموم علي حتى حكى الليل، وهذا إذا رويت: وما الإصباح منك بأمثلي وإن رويت فيك بأفضل كان المعنى: وما الإصباح في جنبك أو في الإضافة إليك أفضل منك لما ذكرنا من المعنى لما ضجر بتطاول ليله خاطبه وسأله الانكشاف وخطابه مالا يعقل يدل على فرط الوله وشدة التحير وإنما يستحسن هذا الضرب في النسيب والمراثي وما يوجب حزنا وكآبة ووجدا وصبابة.
47 - فيا لك من ليل كأن نجومه = بأمراس كتان إلى صم جندل
الأمراس جمع مرس: وهو الحبل، وقد يكون المرس جمع مرسة وهو الحبل أيضا، فتكون الأمراس حينئذ جمع الجمع، وقوله: بأمراس كتان، من إضافة البعض إلى الكل، أي بأمراس من كتان، كقولهم: باب حديد، وخاتم فضة، وجبة خز الأصم: الصلب، وتأنيثه الصماء، والجمع الصم، الجندل: الصخرة والجمع جنادل.
يقول مخاطبا الليل: فيا عجبا لك من ليل كأن نجومه شدت بحبال من الكتان إلى صخور صلاب، وذلك أنه استطال الليل فيقول إن نجومه لا تزول من أماكنها ولا تغرب فكأنها مشدودة بحبال إلى صخور صلبة، وإنما استطال الليل لمعاناته الهموم ومقاساته الأحزان فيه، وقوله: بأمراس كتان، يعني ربطت فحذف الفعل لدلالة الكلام على حذفه، ومنه قول الشاعر: [الطويل]
مسسنا من الآباء شيئا فكلنا = إلى حسب في قومه غير واضع
يعني فكلنا يعتزي أو ينتمي أو ينتسب إلى حسب، فحذف الفعل لدلالة باقي الكلام عليه، ويروى: كأن نجومه بكل مغار الفتل شدت بيذبل، وهذا أعرف الروايتين وأسيرهما. الإغارة: إحكام الفتل. يذبل: جبل بعينه.
يقول: كأن نجومه قد شدت إلى يذبل بكل حبل محكم الفتل
48 - وقربة أقوام جعلت عصامها = على كاهل مني ذلول مرحل
لم يرو جمهور الأئمة هذه الأبيات الأربعة في هذه القصيدة وزعموا أنها لتأبط شرا أعني: وقربة أقوام إلى قوله: وقد أغتدي ورواها بعضهم في هذه القصيدة هنا العصام وكاء القربة والجمع العصم الكاهل: أعلى الظهر عند مركب العنق فيه، والجمع الكواهل. الترحيل: مبالغة الرحل، يقال: رحلته إذا كررت رحله.
يقول: ورب قربة أقوام جعلت وكاءها على كاهل ذلول قد رحل مرة بعد مرة أخرى مني، وفي معنى البيت قولان: أحدهما أنه تمدح بتحمل أثقال الحقوق ونوائب الأقوام من قرى الأضياف وإعطاء العفاة والعقل عن القاتلين وغير ذلك وزعم أنه قد تعود التحمل للحقوق والنوائب، واستعار حمل القربة لتحمل الحقوق ثم ذكر الكاهل لأنه موضع القربة من حاملها وعبر بكون الكاهل ذلولا مرحلا عن اعتياده تحمل الحقوق، والقول الآخر أنه تمدح بخدمته الرفقاء في السفر وحمله سقاء الماء على كاهل قد مرن عليه.
49 - وواد كجوف العير قفر قطعته = به الذئب يعوي كالخليع المعيل
الوادي يجمع على الأودية والأوداية، الجوف: باطن الشيء والجمع أجواف، العير: الحمار، والجمع الأعيار، القفر: المكان الخالي والجمع القفار ويقال: أقفر المكان إقفارا إذا خلا، ومنه خبز قفار لا إدام معه.
الذئب يجمع على الذئاب والذياب والذؤبان، ومنه قيل ذؤبان العرب للخبثاء المتلصصين وأرض مذأبة: كثيرة الذئاب، وقد تذأبت الريح وتذاءبت إذا هبت من كل ناحية كالذئب إذا حذر من ناحية أتى من غيرها، الخليع: الذي قد خلعه أهله لخبثه، وكان الرجل منهم يأتي بابنه إلى الموسم ويقول: ألا إني قد خلعت ابني فإن جر لم أضمن وإن جر عليه لم أطلب، فلا يؤخذ بجرائره وزعم الأئمة أن الخليع في هذا البيت المقامر. المعيل: الكثير العيال وقد عيل تعييلا فهو معيل إذا كثر عياله العواء: صوت الذئب وما أشبهه من السباع، والفعل عوى يعوي عواء.
زعم صنف من الأئمة أنه شبه الوادي في خلائه من الإنس ببطن العير، وهو الحمار الوحشي إذا خلا من العلف، وقيل: بل شبهه في قلة الانتفاع به بجوف العير لأنه لا يركب ولا يكون له در، وزعم صنف منهم أنه أراد كجوف الحمار فغير اللفظ إلى ما وافقه في المعنى لإقامة الوزن، وزعموا أن حمارا كان رجلا من بقية عاد وكان متمسكا بالتوحيد، فسافر بنوه فأصابتهم صاعقة فأهلكتهم فأشرك بالله وكفر بعد التوحيد, فأحرق الله أمواله وواديه الذي كان يسكن فيه فلم ينبت بعده شيئا، فشبه امرؤ القيس هذا الوادي بواديه في الخلاء من النبات والإنس.
يقول: ورب واد يشبه وادي الحمار في الخلاء من النبات والإنس أو يشبه بطن الحمار فيما ذكرنا طويته سيرا وقطعته، وكان الذئب يعوي فيه من فرط الجوع كالمقامر الذي كثر عياله ويطالبه عياله بالنفقة، وهو يصيح بهم ويخاصمهم إذ لا يجد ما يرضيهم به.
50 - فقلت له لما عوى: إن شأننا = قليل الغنى إن كنت لما تمول
قوله: إن شأننا قليل الغنى، يريد: إن شأننا أننا قليل الغنى، ومن روى طويل الغنى فمعناه طويل طلب الغنى وقد تمول الرجل إذا صار ذا مال، لما: بمعنى لم في البيت كما كانت في قوله تعالى: {ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم}.
كذلك يقول: قلت للذئب لما صاح إن شأننا وأمرنا أننا يقل غنانا إن كنت غير متمول كما كنت غير متمول وإذا روي طويل الغنى، فالمعنى: قلت له إن شأننا أننا نطلب الغنى طويلا ثم لا نظفر به إن كنت قليل المال كما كنت قليل المال.
51 - كلانا إذا ما نال شيئا أفاته = ومن يحترث حرثي وحرثك يهزل
أصل الحرث إصلاح الأرض وإلقاء البذر فيها ثم يستعار للسعي والكسب كقوله تعالى: {من كان يريد حرث الآخرة} الآية. وهو في البيت مستعار، والاحتراث والحرث واحد.
يقول: كل واحد منا إذا ظفر بشيء فوته على نفسه أي إذا ملك شيئا أنفقه وبذره، ثم قال: ومن سعى سعيي وسعيك افتقر وعاش مهزول العيش.
52 - وقد أغتدي والطير في وكناتها = بمنجرد قيد الأوابد هيكل
غدا يغدو غدوا واغتدى اغتداء واحدا، الطير جمع طائر مثل الشرب في جمع شارب والتجر في جمع تاجر والركب في جمع راكب، ثم يجمع على الطيور مثل بيت وبيوت وشيخ وشيوخ، الوكنات: مواقع الطير واحدتها وكنة، وتقلب الواو همزة فيقال أكنة، ثم تجمع الوكنة على الوكنات بضم الفاء والعين، وعلى الوكنات بضم الفاء وفتح العين، وعلى الوكنات بضم الفاء وسكون العين، وتكسر على الوكن، وهكذا حكم فعلة نحو ظلمة وظُلُمات وظُلَمات وظُلْمات وظُلَم. المنجرد: الماضي في السير وقيل: بل هو قليل الشعر الأوابد: الوحوش وقد أبد الوحش يأبد أبودا، ومنه تأبد الموضع إذا توحش وخلا من القطان ومنه قيل للفذ آبدة لتوحشه عن الطباع، الهيكل. قال ابن دريد: هو الفرس العظيم الجرم، والجمع الهياكل.
يقول: وقد أغتدي والطير بعد مستقرة على مواقعها التي باتت عليها على فرس ماض في السير قليل الشعر يقيد الوحوش بسرعة لحاقه إياها عظيم الألواح والجرم وتحرير المعنى: أنه تمدح بمعاناة دجى الليل وأهواله ثم تمدح بتحمل حقوق العفاة والأضياف والزوار، ثم تمدح بطي الفيافي والأودية، ثم أنشأ الآن يتمدح بالفروسية يقول: وربما باكرت الصيد قبل نهوض الطير من أوكارها على فرس هذه صفته. وقوله: قيد الأوابد، جعله لسرعة إدراكه الصيد كالقيد لها لأنها لا يمكنها الفوت منه كما أن المقيد غير متمكن من الفوت والهرب.
53 - مكر مفر مقبل مدبر معا = كجلمود صخر حطه السيل من عل
الكر: العطف، يقال: كر فرسه على عدوه، أي عطفه عليه، والكر والكرور جميعا الرجوع، يقال: كر على قرنه يكر كرا وكرورا والمكر مفعل من كر يكر، ومفعل يتضمن مبالغة كقولهم: فلان مسعر حرب وفلان مقول ومصقع وإنما جعلوه متضمنا مبالغة لأن مفعلا قد يكون من أسماء الأدوات نحو المعول والمكتل والمخرز، فجعل كأنه أداة للكرور وآلة لسعر الحرب وغير ذلك، مفر: مفعل من فر يفر فرارا، والكلام فيه نحو الكلام في مكر. الجلمود والجلمد: الحجر العظيم الصلب، والجمع جلامد وجلاميد.
الصخر: الحجر، الواحدة صخرة، وجمع الصخر صخور، الحط: إلقاء الشيء من علو إلى سفل، يقال: حطه يحطه فانحط.
وقوله: من عل أي من فوق، وفيه سبع لغات، يقال: أتيته من عل، مضمومة اللام، ومن علو، بفتح الواو وضمها وكسرها، ومن علي، بياء ساكنة، ومن عال مثل قاض، ومن معال مثل معاد، ولغة ثامنة يقال من علا، وأنشد الفراء:
باتت تنوش الحوض نوشا من علا = نوشا به تقطع أجواز الفلا
وقوله: كجملود صخر، من إضافة بعض الشيء إلى كله مثل باب حديد وجبة خز، أي كجلمود من صخر.
يقول: هذا الفرس مكر إذا أريد منه الكر، ومفر إذا أريد منه الفر، ومقبل إذا أريد منه إقباله، ومدبر إذا أريد منه إدباره، وقوله: معا، يعني أن الكر والفر والإقبال والإدبار مجتمعة في قوته لا في فعله لأن فيها تضاد ثم شبهه في سرعة مره وصلابة خلقه بحجر عظيم ألقاه السيل من مكان عال إلى حضيض.
54 - كميت يزل اللبد عن حال متنه = كما زلت الصفواء بالمتنزل
زل الشيء يزل زليلا وأزللته أنا. الحال: مقعد الفارس من ظهر الفرس، الصفواء والصفوان والصفا: الحجر الصلب. الباء في قوله بالمتنزل للتعدية.
يقول: هذا الفرس الكميت يزل لبده عن متنه لانملاس ظهره واكتناز لحمه، وهما يحمدان من الفرس كما يزل الحجر الصلب الأملس المطر النازل عليه، وقيل: بل أراد الإنسان النازل عليه، والتنزل والنزول واحد، والمتنزل في البيت صفة لمحذوف وتقديره بالمطر المتنزل أو بالإنسان المتنزل وتحرير المعنى: أنه لاكتناز لحمه وانملاس صلبه يزل لبده عن متنه كما أن الحجر الصلب يزل المطر أو الإنسان عن نفسه، وجر كميتا وما قبله من الأوصاف لأنها نعوت لمنجرد.
55 - على الذبل جياش كأن اهتزامه = إذا جاش فيه حميه غلي مرجل
الذبل والذبول واحد، والفعل ذبل يذبل الجياش مبالغة جائش وهو فاعل من جاشت القدر تجيش جيشا وجيشانا إذا غلت، وجاش البحر جيشا وجيشانا إذا هاجت أمواجه.
الاهتزام: التكسر. الحمي: حرارة القيظ وغيره والفعل حمي يحمى. المرجل: القدر من صفر أو حديد أو نحاس أو شبهه والجمع المراجل، وروى ابن الأنباري وابن مجاهد، عن ثعلب أنه قال: كل قدر من حديد أو صفر أو حجر أو خزف أو نحاس أو غيرها فهو مرجل.
يقول: تغلي فيه حرارة نشاطه على ذبول خلقه وضمر بطنه وكأن تكسر صهيله في صدره غليان قدر جعله ذكي القلب نشيطا في السير والعدو على ذبول خلقه وضمر بطنه، ثم شبه تكسر صهيله في صدره بغليان القدر.
56 - مسح إذا ما السابحات على الونى = أثرن الغبار بالكديد المركل
سح يسح: قد يكون بمعنى صب يصب وقد يكون بمعنى انصب ينصب، فيكون مرة لازما ومرة متعديا، ومصدره إذا كان متعديا السح، وإذا كان لازما السح والسحوح، تقول: سح الماء فسح هو، ومسح مفعل من المتعدي وقد قررنا أن مفعلا في الصفات يقتضي مبالغة فالمعنى أنه يصب الجري والعدو صبا بعد صب، السابح من الخيل: الذي يمد يديه في عدوه شبه بالسابح في الماء، الونى: الفتور، والفعل ونى يني ونيا وونى، الكديد: الأرض الصلبة المطمئنة.
المركل من الركل: وهو الدفع بالرجل والضرب بها والفعل منه ركل يركل ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: ((فركلني جبريل)) والتركيل التكرير والتشديد والمركل الذي يركل مرة بعد أخرى.
يقول: يصب هذا الفرس عدوه وجريه صبا بعد صب، أي يجيء به شيئا بعد شيء، إذا أثارت جياد الخيل التي تمد أيديها في عدوها الغبار في الأرض الصلبة التي وطئت بالأقدام والمناسم، والحوافر مرة بعد أخرى في حال فتورها في السير وكلالها وتحرير المعنى: أنه يجيء بجري بعد جري إذا كلت الخيل السوابح وأعيت وأثارت الغبار في مثل هذا الموضع، وجر مسحا لأنه صفة الفرس المنجرد، ولو رفع لكان صوابا وكان حينئذ خبر مبتدأ محذوف تقديره هو مسح، ولو نصب لكان صوابا أيضا وكان انتصابه على المدح، والتقدير: أذكر مسحا أو أعني مسحا، وكذلك القول فيما قبله من الصفات نحو كميت يجوز في كل هذه الألفاظ الأوجه الثلاثة من الإعراب ويروى المرحل.
57 - يزل الغلام الخف عن صهواته = ويلوي بأثواب العنيف المثقل
الخف: الخفيف. الصهوة: مقعد الفارس من ظهر الفرس، والجمع الصهوات وفعلة تجمع على فعلات بفتح العين، إذا كانت اسما، نحو شعرة وشعرات وضربة وضربات، إلا إذا كانت عينها واوا أو ياء أو مدغمة في اللام فإنها تسكن حينئذ نحو بيضة وبيضات وعورة وعورات وحبة وحبات، فإذا كانت صفة تجمع على فعلات، مسكنة العين أيضا نحو ضخمة وضخمات وخدلة وخدلات ألوى بالشيء: رمى به وألوى به ذهب به، العنيف: ضد الرقيق.
يقول: إن هذا الفرس يزل ويزلق الغلام الخفيف عن مقعده من ظهره ويرمي بثياب الرجل العنيف الثقيل يريد أنه يزلق عن ظهره من لم يكن جيد الفروسية عالما بها ويرمي بأثواب الماهر الحاذق في الفروسية لشدة عدوه وفرط مرحه في جريه، وإنما عبر بصهواته ولا يكون له إلا صهوة واحدة لأنه لا لبس فيه، فجرى الجمع والتوحيد مجرى واحدا عند الاتساع، لأن إضافتها إلى ضمير الواحد تزيل اللبس كما يقال: رجل عظيم المناكب وغليظ المشافر، ولا يكون له إلا منكبان وشفتان، ورجل شديد مجامع الكتفين، ولا يكون له إلا مجمع واحد، ويروى: يطير الغلام، أي يطيره ويروى: يزل الغلام الخف، بفتح الياء من يزل ورفع الغلام، فيكون فعلا لازما.
58 - درير كحذروف الوليد أمره = تتابع كفيه بخيط موصل
الدرير: من در يدر وقد يكون در لازما ومتعديا، يقال: درت الناقة اللبن فدر اللبن، ثم الدرير ههنا يجوز أن يكون بمعنى الدار من در إذا كان متعديا والفعيل يكثر مجيئه بمعنى الفاعل نحو قادر وقدير وعالم وعليم، ويجوز أن يكون بمعنى المدر من الإدرار وهو جعل الشيء دارا، وقد يكثر الفعيل بمعنى المفعل كالحكيم بمعنى المحكم والسميع بمعنى المسمع، ومنه قول عمرو بن معد يكرب [الوافر]:
أمن ريحانة الداعي السميـ = ـع يؤرقني وأصحابي هجوع
أي المسمع، الخذروف: حصاة مثقوبة يجعل الصبيان فيها خيطا فيديرها الصبي على رأسه شبه سرعة هذا الفرس بسرعة دوران الحصاة على رأس الصبي الوليد: الصبي والجمع الولدان وجمع خذروف خذاريف والوليدة: الصبية، وقد يستعار للأمة، والجمع الولائد، الإمرار: إحكام الفتل.
يقول: هو يدر العدو والجري أي يديمهما ويواصلهما ويتابعهما ويسرع فيهما إسراع خذروف الصبي إذا أحكم فتل خيطه وتتابعت كفاه في فتله وإدراته بخيط قد انقطع ثم وصل، وذلك أشد لدورانه لانملاسه ومرونه على ذلك، وتحرير المعنى: أنه مديم السير والعدو متابع لهما، ثم شبهه في سرعة مره وشدة عدوه بالخذروف في دورانه إذا بولغ في فتل خيطه وكان الخيط موصلا، ويسوغ في إعراب درير ما ساغ في إعراب مسح من الأوجه الثلاثة.
59 - له أيطلا ظبي وساقا نعامة = وإرخاء سرحان وتقريب تتفل
الأيطل والإطْل والإطِل: الخاصرة والجمع الأياطل والآطال، أجمع البصريون على أنه لم يأت على فعل من الأسماء إلا إبل، ومن الصفات إلا بلز وهي الجارية التارة السمينة الضخمة وحكى الكوفيون إطلا من الأسماء أيضا مثل إبل، فقد اتفق الفريقان على اقتصار فعل على هذه الثلاثة، الظبي يجمع على أظب وظباء، والساق على الأسؤق والسوق والنعامة تجمع على النعامات والنعام والنعائم، الإرخاء: ضرب من عدو الذئب يشبه خبب الدواب، السرحان: الذئب. التقريب: وضع الرجلين موضع اليدين في العدو، التتفل: ولد الثعلب، شبه خاصرتي هذا الفرس بخاصرتي الظبي في الضمر، وشبه ساقيه بساقي النعامة في الانتصاب والطول، وعدوه بإرخاء الذئب وتقريبه بتقريب ولد الثعلب فجمع أربعة تشبيهات في هذا البيت.
60 - ضليع إذا استدبرته سد فرجه = بضاف فويق الأرض ليس بأعزل
الضليع: العظيم الأضلاع المنتفخ الجنبين، والجمع الضلعاء، والمصدر الضلاعة، والفعل ضلع يضلع، الاستدبار: النظر إلى دبر الشيء وهو مؤخره، وتتبع دبر الشيء. الفرج: الفضاء بين اليدين والرجلين، والجمع الفروج، الضفو: السبوغ والتمام والفعل ضفا يضفو أراد بذنب ضاف فحذف الموصوف اجتزاء بدلالة الصفة عليه، كقولهم: مررت بكريم، أي بإنسان كريم، فويق: تصغير فوق وهو تصغير التقريب مثل قبيل وبعيد في تصغير قبل وبعد، الأعزل: الذي يميل عظم ذنبه إلى أحد الشقين.
يقول: هذا الفرس عظيم الأضلاع منتفخ الجنبين إذا نظرت إليه من خلفه رأيته قد سد الفضاء الذي بين رجليه بذنبه السابغ التام الذي قرب من الأرض وهو غير مائل إلى أحد الشقين، فسبوغ ذنبه من دلائل عتقه وكرمه، وشرط كونه فويق الأرض لأنه إذا بلغ الأرض وطئه برجليه وذلك عيب لأنه ربما عثر به، واستواء عسيب ذنبه أيضا من دلائل العتق والكرم.
61 - كأن على المتنين منه إذا انتحى = مداك عروس أو صلاية حنظل
المتنان: تثنية متن وهما ما عن يمين الفقار وشماله، الانتحاء: الاعتماد والقصد، المداك: الحجر الذي يسحق به الطيب وغيره، والذي يسحق عليه أيضا مداك والدوك: السحق، والفعل منه داك يدوك دوكا، الصلاية: الحجر الأملس الذي يسحق عليه شيء كالهبيد وهو حب الحنظل ويروى: كأن سراته لدى البيت قائما، السراة: أعلى الظهر، والجمع السروات ويستعار لعلية الناس وسراة النهار أعلى مداه، والسرو الارتفاع في المجد والشرف والفعل منه سرا يسرو وسرى يسري وسرو يسرو، ونصب قائما على الحال، شبه انملاس ظهره واكتنازه باللحم بالحجر الذي تسحق العروس به أو عليه الطيب، أو بالحجر الذي يكسر عليه الحنظل ويستخرج حبه، وخص مداك العروس لحدثان عهدها بالسحق للطيب.
62 - كأن دماء الهاديات بنحره = عصارة حناء بشيب مرجل
تثنية الدم الدمان والدميان، ومنه قول الشاعر: [الوافر]
فلو أنا على حجر ذبحنا = جرى الدميان بالخبر اليقين
والجمع دماء ودمي، والتصغير دمي، والقطعة منه دمة، حكاها الليث وقد دمي الشيء يدمى إذا تلطخ بالدم، وأدميته أنا ودميته، الهاديات: المتقدمات والأوائل وسمي المتقدم هاديا لأن هادي القوم يتقدمهم، ومنه قيل لعنق الفرس هاد لأنه يتقدم على سائر جسده، عصارة الشيء: ما خرج منه عند عصره الترجيل: تسريح الشعر. المرجل: المسرح بالمشط.
يقول: كأن دماء أوائل الصيد والوحش على نحر هذا الفرس عصارة حناء خضب بها شيب مسرح، شبه الدم الجامد على نحره من دماء الصيد بما جف من عصارة الحناء على شعر الأشيب، وأتى بالمرجل لإقامة القافية.
63 - فعن لنا سرب كأن نعاجه = عذارى دوار في ملاء مذيل
عن أي عرض وظهر. السرب: القطيع من الظباء أو النساء أو القطا أو المها أو البقر أو الخيل والجمع الأسراب.
النعاج: اسم لإناث الضأن وبقر الوحش وشاء الجبل، والواحدة نعجة، وجمع التصحيح نعجات. والمراد بالنعاج في هذا البيت إناث بقر الوحش، وبالسرب القطيع منها. العذراء: البكر التي لم تمس، والجمع عذارى. الدوار: حجر كان أهل الجاهلية ينصبونه ويطوفون حوله تشبيها بالطائفين حول الكعبة إذا نأوا عن الكعبة، الملاء: جمع ملاءة، وإنما تسمى ملاءة إذا كانت لفقين المذيل: الذي أطيل ذيله وأرخي.
يقول: فعرض لنا وظهر قطيع من بقر الوحش كأن إناث ذلك القطيع نساء عذارى يطفن حول حجر منصوب يطاف حوله في ملاء طويل ذيولها، وشبه المها في بياض ألوانها بالعذارى لأنهن مصونات في الخدور لا يغير ألوانهن حر الشمس وغيره، وشبه طول أذيالها وسبوغ شعرها بالملاء المذيل، وشبه حسن مشيها بحسن تبختر العذارى في مشيهن.
64 - فأدبرن كالجزع المفصل بينه = بجيد معم في العشيرة مخول
الجزع: الخرز اليماني، الجيد: العنق، والجمع الأجياد، ورجل أجيد طويل العنق، وجمعه جود، المعم: الكريم الأعمام، المخول: الكريم الأخوال وقد أعم وأخول إذا كرم أعمامه وأخواله وهذان من الشواذ لأن القياس من أفعل فهو مفعل، وهما أفعل فهو مفعل.
يقول: فأدبرت النعاج كالخرز اليماني الذي فصل بينه بغيره من الجواهر في عنق صبي كرم أعمامه وأخواله، شبه بقر الوحش بالخرز اليماني لأنه يسود طرفه وسائره أبيض، وكذلك بقر الوحش تسود أكارعها وخدودها وسائرها أبيض، وشرط كونه في جيد معم مخول لأن جواهر قلادة مثل هذا الصبي أعظم من جواهر قلادة غيره، وشرط كونه مفصلا لتفرقهن عند رؤيته.
65 - فألحقنا بالهاديات ودونه = جواحرها في صرة لم تزيل
الهاديات: الأوائل المتقدمات الجواحر: المتخلفات، وقد جحر أي تخلف، الصرة: الجماعة، والصرة الصيحة، ومنه صرير القلم وغيره الزيل والتزييل: التفريق، والتزيل والانزيال: التفرق.
‌يقول: فألحقنا هذا الفرس بأوائل الوحش ومتقدماته وجاوز بنا متخلفاته فهي دونه أي أقرب منه في جماعة لم تتفرق أو في صيحة.
وتلخيص المعنى: أنه يلحقنا بأوائل الوحش ويدع متخلفاته ثقة بشدة جرية وقوة عدوه فيدرك أوائلها وأواخرها مجتمعة لم تتفرق بعد، يريد أنه يدرك أوائلها قبل تفرق جماعتها، يصفه بشدة عدوه.
66 – فعادى عداء بين ثور ونعجة = دراكا ولم ينضح بماء فيغسل
المعاداة والعداء: الموالاة. الثور يجمع على الثيران والثيرة والثورة والثيارة والأثوار والثيار. الدراك: المتابعة.
يقول: فوالى بين ثور ونعجة من بقر الوحش في طلق واحد ولم يعرق عرقا مفرطا يغسل جسده، يريد أنه أدركهما وقتلهما في طلق واحد قبل أن يعرق عرقا مفرطا، أي أدركهما دون معاناة مشقة ومقاساة شدة، نسب فعل الفارس إلى الفرس لأنه حامله وموصله إلى مرامه، يقول: صاد هذا الفرس ثورا ونعجة في طلق واحد. ودراكا أي مداركة.
67 - فظل طهاة اللحم من بين منضج = صفيف شواء أو قدير معجل
الطهو والطهي: الإنضاج، والفعل طها يطهو ويطهى، والطهاة جمع طاه كالقضاة جمع قاض، والكفاة جمع كاف. الإنضاج: يشتمل على طبخ اللحم وشيه، الصفيف: المصفوف على الحجارة لينضج، القدير: اللحم المطبوخ في القدر.
يقول: ظل المنضجون اللحم وهم صنفان صنف ينضجون شواء مصفوفا على الحجارة في النار وصنف يطبخون اللحم في القدر، يقول: كثر الصيد فأخصب القوم فطبخوا واشتووا ومن في قوله: من بين منضج، للتفصيل والتفسير، كقولهم: هم من بين عالم وزاهد، يريد أنهم لا يعدون الصنفين، كذلك أراد لم يعد طهاة اللحم الشاوين والطابخين.
68 - ورحنا يكاد الطرف يقصر دونه = متى ما ترق العين فيه تسفل
الطرف: اسم لما يتحرك من أشفار العين، وأصله التحرك، والفعل منه طرف يطرف، القصور: العجز، والفعل قصر يقصر، الترقي والارتقاء والرقي واحد، والفعل من الرقي رقي يرقى، وأما رقى يرقى فهو من الرقية، وقد رقيته أنا أي حملته على الرُّقي.
يقول: ثم أمسينا وتكاد عيوننا تعجز عن ضبط حسنه واستقصاء محاسن خلقه ومتى ما ترقت العين في أعالي خلقه وشخصه نظرت إلى قوائمه. وتلخيص المعنى: أنه كامل الحسن رائع الصورة وتكاد العيون تقصر عن كنه حسنه ومهما نظرت العيون إلى أعالي خلقه اشتهت النظر إلى أسافله.
69 - فبات عليه سرجه ولجامه = وبات بعيني قائما غير مرسل
يقول: بات مسرجا ملجما قائما بين يدي غير مرسل إلى المرعى.
70 - أصاح ترى برقا أريك وميضه = كلمع اليدين في حبي مكلل
أصاح: أراد أصاحب أي يا صاحب فرخم كما تقول في ترخيم حارث يا حار وفي ترخيم مالك يا مال، ومنه قراءة من قرأ: (ونادوا يا مال ليقض علينا ربك) ومنه قول زهير: [البسيط]
يا حار لا أرمين منكم بداهية = لم يلقها سوقة قبلي ولا ملك
أراد يا حارث، والألف نداء للقريب دون البعيد، تقول: أزيد إذا كان زيد حاضرا قريبا منك ويا نداء للبعيد والقريب، وأي وأيا وهيا لنداء البعيد دون القريب. الوميض والإيماض: اللمعان، تقول: ومض البرق يمض وأومض إذا لمع وتلألأ، اللمع: التحريك والتحرك جميعا، الحبي: السحاب المتراكم سمي بذلك لأنه حبا بعضه إلى بعض فتراكم، وجعله مكللا لأنه صار أعلاه كالإكليل لأسفله، ومنه قولهم: كللت الرجل إذا توجته، وكللت الجفنة ببضعات اللحم إذا جعلتها كالإكليل لها، ويروى مكلل، بكسر اللام، وقد كلل تكليلا، وانكل انكلالا إذا تبسم.
يقول: يا صاحبي هل ترى برقا أريك لمعانه وتلألؤه وتألقه في سحاب متراكم صار أعلاه كالإكليل لأسفله أو في سحاب متبسم بالبرق يشبه برقه تحريك اليدين؟ أراد أنه يتحرك تحركهما وتقدير البيت: أريك وميضه في حبي مكلل كلمع اليدين، شبه لمعان البرق وتحركه بتحرك اليدين، فرغ من وصف الفرس.
والآن قد أخذ في وصف المطر فقال:
71 - يضيء سناه أو مصابيح راهب = أمال السليط بالذبال المفتل
السنا: الضوء، والسناء: الرفعة، السليط: الزيت، ودهن السمسم سليط أيضا، وإنما سيما سليطا لإضاءتهما السراج، ومنه السلطان لوضوح أمره الذبال: جمع ذبالة وهي الفتيلة، وقد يثقل فيقال ذبال.
يقول: هذا البرق يتلألأ ضوؤه فهو يشبه في تحركه لمع اليدين أو مصابيح الرهبان أميلت فتائلها بصب الزيت عليها في الإضاءة يريد أن تحرك البرق يحكي تحرك اليدين وضوءه يحكي ضوء مصباح الراهب إذا أفعم، صب الزيت عليه فيضيء وزعم أكثر الناس أن قوله: أمال السليط بالذبال المفتل من المقلوب وتقديره: أمال الذبال بالسليط إذا صبه عليه, وقال بعضهم: إن تقديره أمال السليط مع الذبال المفتل، يريد أنه يميل المصباح إلى جانب فيكون أشد إضاءة لتلك الناحية من غيرها.
72 - قعدت له وصحبتي بين ضارج = وبين العذيب بعد ما متأملي
ضارج والعذيب: موضعان. بعد ما: أصله بعد ما فخففه فقال بعد، وما زائدة وتقديره بعد متأملي.
يقول: قعدت وأصحابي للنظر إلى السحاب بين هذين الموضعين وكنت معه فبعد متأملي وهو المنظور إليه، أي بعد السحاب الذي كنت أنظر إليه وأرقب مطره وأشيم برقه، يريد أنه نظر إلى هذا السحاب من مكان بعيد فتعجب من بعد نظره، وقال بعضهم: إن ما في البيت بمعنى الذي، وتقديره: بعد ما هو متأملي، فحذف المبتدأ الذي هو هو، وتقديره على هذا القول: بعد السحاب الذي هو متأملي.
73 - على قطن بالشيم أيمن صوبه = وأيسره على الستار فيذبل
ويروى: علا قطنا، ومن علا يعلو علوا، أي علا هذا السحاب، القطن: جبل، وكذلك الستار ويذبل جبلان، وبينهما وبين قطن مسافة بعيدة، الصوب: المطر، وأصله مصدر صاب يصوب صوبا أي نزل من علو إلى سفل، الشيم: النظر إلى البرق مع ترقب المطر.
يقول: أيمن هذا السحاب على قطن وأيسره على الستار ويذبل، يصف عظم السحاب وغزارته وعموم جوده، وقوله: بالشيم، أراد: إني إنما أحكم به حدسا وتقديرا لأنه لا يرى ستار ويذبل وقطن معا.
74 - فأضحى يسح الماء حول كتيفة = يكب على الأذقان دوح الكنهبل
الكب: إلقاء الشيء على وجهه، والفعل كب يكب، وأما الإكباب فهو خرور الشيء على وجهه، وهذا من النوادر لأن أصله متعد إلى المفعول به ثم لما نقل بالهمزة إلى باب الأفعال قصر عن الوصول إلى المفعول به وهذا عكس القياس المطرد، لأن ما لم يتعد إلى المفعول في الأصل يتعدى إليه عند النقل بالهمزة إلى باب الأفعال، نحو: قعد وأقعدته وقام وأقمته وجلس وأجلسته ونظير كب وأكب عرض وأعرض، لأن عرض متعد إلى المفعول به لأن معناه أظهر وأعرض لازم لأن معناه ظهر ولاح، ومنه قول عمرو بن كلثوم [الوافر]:
فأعرضت اليمامة واشمخرت = كأسياف بأيدي مصلتينا
‌الذقن: مجتمع اللحيين، والجمع الأذقان، والأذقان مستعار في البيت للشجر. الدوحة: الشجرة العظيمة، والجمع دوح، الكنهبل، بضم الباء وفتحها: ضرب من شجر البادية.
يقول: فأضحى هذا الغيث أو السحاب يصب الماء فوق هذا الموضع المسمى بكتيفة ويلقي الأشجار العظام من هذا الضرب الذي يسمى كنهبلا على رؤوسها وتلخيص المعنى: أن سيل هذا الغيث ينصب من الجبال والآكام فيقلع الشجر العظام، ويروى: يسح الماء من كل فيقة، أي بعد كل فيقة، والفيقة، من الفواق: وهو مقدار ما بين الحلبتين ثم استعاره لما بين الدفعتين من المطر.
75 - ومر على القنان من نفيانه = فأنزل منه العصم من كل منزل
القنان: اسم جبل لنبي أسد. النفيان: ما يتطاير من قطر المطر وقطر الدلو ومن الرمل عند الوطء ومن الصوف عند النفش وغير ذلك. العصم: جمع أعصم وهو الذي في إحدى يديه بياض من الأوعال، وغيرها: المنزل: موضع الإنزال, يقول: ومر على هذا الجبل مما تطاير وانتشر وتناثر من رشاش هذا الغيث فأنزل الأوعال العصم من كل موضع من هذا الجبل، لهولها من وقع قطره على الجبل وفرط انصبابه.
76 - وتيماء لم يترك بها جذع نخلة = ولا أطما إلا مشيدا بجندل
تيماء: قرية عادية في بلاد العرب، الجذع يجمع على الأجذاع والجذوع والنخلة على النخلات والنخل والنخيل. الأطم: القصر، والأطم الأزج والجمع الآطام. الشيد: الجص، والشيد الرفع وعلو البنيان، والفعل منه شاد يشيد. الجندل: الصخر، والجمع الجنادل.
يقول: لم يترك هذا الغيث شيئا من جذوع النخل بقرية تيماء ولا شيئا من القصور والأبنية إلا ما كان منها مرفوعا بالصخور أو مجصصا، يعني أنه قلع الأشجار وهدم الأبنية إلا ما كان منها مرفوعا بالحجارة والجص.
77 - كأن ثبيرا في عرانين وبله = كبير أناس في بجاد مزمل
ثبير: جبل بعينه، العرنين: الأنف، وقال جمهور الأئمة: هو معظم الأنف، والجمع العرانين ثم استعار العرانين لأوائل المطر لأن الأنوف تتقدم الوجوه. البجاد: كساء مخطط والجمع البجد، التزميل: التلفيف بالثياب، وقد زملته بثياب فتزمل بها أي لففته فتلفف بها، وجر مزملا على جوار بجاد وإلا فالقياس يقتضي رفعه لأنه وصف كبير أناس ومثله ما حكي عن العرب من قولهم: جحر ضب خرب، جر خرب بمجاورة ضب، ومنه قول الأخطل: [الطويل]
جزى الله عني الأعورين ملامة = وفروة ثفر الثورة المتضاجم
جر المتضاجم على جوار الثورة والقياس نصبه لأنه صفة ثفر ونظائرها كثيرة، الوبل: جمع وابل وهو المطر الغزير العظيم القطر، ومثله شارب وشرب وراكب وركب وغيرهما، والوبل أيضا مصدر، وبلت السماء تبل وبلا إذا أتت بالوابل.
يقول: كأن ثبيرا في أوائل مطر هذا السحاب سيد أناس قد تلفف بكساء مخطط شبه تغطيته بالغثاء بتغطي هذا الرجل بالكساء.
78 - كأن ذرى رأس المجيمر غدوة = من السيل والأغثاء فلكة مغزل
الذروة: أعلى الشيء، والجمع الذرى. المجيمر: أكمة بعينها، الغثاء: ما جاء به السيل من الحشيش والشجر والكلاء والتراب وغير ذلك. والجمع الأغثاء المغزل بضم الميم وفتحها وكسرها معروف، والجمع المغازل فلكة المغزل مفتوحة الفاء.
يقول: كأن هذه الأكمة غدوة مما أحاط بها من أغثاء السيل فلكة مغزل، شبه استدارة هذه الأكمة بما أحاط بها من الأغثاء باستدارة فلكة المغزل وإحاطتها بها بإحاطة المغزل.
79 - وألقى بصحراء الغبيط بعاعه = نزول اليماني ذي العياب المحمل
الصحراء تجمع على الصحارى والصحاري معا. الغبيط هنا: أكمة قد انخفض وسطها وارتفع طرفاها، وسميت غبيطا تشبيها بغبيط البعير. البعاع: الثقل، قوله: نزول اليماني أي نزول التاجر اليماني العياب: جمع عيبة الثياب.
يقول: ألقى هذا الحيا ثقله بصحراء الغبيط فأنبت الكلأ وضروب الأزهار وألوان النبات فصار نزول المطر به كنزول التاجر اليماني صاحب العياب المحمل من الثياب حين نشر ثيابه يعرضها على المشترين شبه نزول هذا المطر بنزول التاجر وشبه ضروب النبات الناشئة من هذا المطر بصنوف الثياب التي نشرها التاجر عند عرضها للبيع، وتقدير البيت: وألقى ثقله بصحراء الغبيط فنزل به نزولا مثل نزول التاجر اليماني صاحب العياب من الثياب.
80 - كأن مكاكي الجواء غدية = صبحن سلافا من رحيق مفلفل
المكاء: ضرب من الطير، والجمع المكاكي: الجواء: الوادي والجمع أجوية غدية: تصغير غدوة أو غداة. الصبح: سقي الصبوح، والاصطباح والتصبح: شرب الصبوح، السلاف: أجود الخمر وهو ما انعصر من العنب من غير عصر. المفلفل: الذي ألقي فيه الفلفل، يقال: فلفلت الشراب أفلفله فلفلة فأنا مفلفل والشراب مفلفل.
يقول: كأن هذا الضرب من الطير سقي هذا الضرب من الخمر صباحا في هذه الأودية، وإنما جعلها كذلك لحدة ألسنتها وتتابع أصواتها ونشاطها في تغريدها لأن الشراب المفلفل يحذي اللسان ويسكر فجعل نشاط الطير كالسكر وتغريدها بحدة ألسنتها من حذي الشراب المفلفل إياها.
81 - كأن السباع فيه غرقى عشية = بأرجائه القصوى أنابيش عنصل
يقول: كأن السباع حين غرقت في سيول هذا المطر عشيا أصول البصل البري، شبه تلطخها بالطين والماء الكدر بأصول البصل البري لأنها متلطخة بالطين والتراب.